Полный текст (6 619 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك. وقال القاضي: أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن. فإن كل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحلى به، وكل ما استهجنه ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه. فكان القرآن بيان خلقه. انتهى. وقال في الديباج: معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته.
((حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الله يحب معالي الأخلاق و يكره سفسافها.
((حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال لما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة أخذ أبو طلحة بيدي إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن أنساً غلامٌ كيسٌ فليخدمك، قال: فخدمته في الحضر والسفر فوالله ما قال لي لشيءٍ صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا.
((حديث النواس ابن سمعان الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك و كرهت أن يطلع عليه الناس.
((حديث وابصة بن معبدٍ ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقالَ: "جئت تسألُ عن البر؟ " قُلتُ نعم، قال: ((استفت قلبك، البرُّ: ما اطمأنت إليه النفسُ، واطمأن إليه القلبُ، والإثم ما حاك في النفسِ وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناسُ وأفتوكَ)
((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في الصحيحين) قال لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق.
((حديث أبي الدر داء الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء.
((حديث عائشة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار؟ فقال الفم والفرج.
стр. 3852
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا، و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
((حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن.
(منزلة حسن الخلق وجزاؤه في الآخرة:
حسن الخلق له فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهو نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وحسن الخلق جامع لأبواب الخير؛ ومفتاح لسبل البر؛ من وفقه الله إليه فقد حاز فضلاً عظيماً؛ وسبق سبقاً كبيراً؛ وقد أعظم الله لمنزلته حتى قال بعض السلف: " لكل شيء أساس؛ وأساس الإسلام الخلق الحسن "، ومن وُفِقَ لرؤية عظيم منزلة حسن الخلق في الشريعة؛ سعى سعياً حثيثاً ليكون له النصيب الأعظم من ذلك، وإليك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في فضل حسن الخلق:
قال تعالى مثنياً على نبيه ﷺ : (وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم / ٤]
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
(قال ابن عباس ومجاهد: لعلى دين عظيم لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه وهو دين الإسلام.
(وقال الحسن ﵁: هو آداب القرآن.
(وقال قتادة: هو ما كان يأمر به من أمر الله وينهى عنه من نهى الله،
والمعنى: إنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن وفي الصحيحين: أن هشام بن حكيم: سأل عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن فقال: لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا.
وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
стр. 3853
(قال جعفر بن محمد: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية وقد ذكر: أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ لجبريل: ما هذا قال: لا أدري حتى أسأل فسأل ثم رجع إليه فقال: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ولا ريب أن للمطاع مع الناس ثلاثة أحوال:
أحدها: أمرهم ونهيهم بما فيه مصلحتهم.
الثاني: أخذه منهم ما يبذلونه مما عليهم من الطاعة.
الثالث: أن الناس معه قسمان: موافق له موال ومعاد له معارض وعليه في كل واحد من هذه واجب فواجبه في أمرهم ونهيهم: أن يأمر بالمعروف وهو المعروف الذي به صلاحهم وصلاح شأنهم وينهاهم عن ضده وواجبه فيما يبذلونه له من الطاعة: أن يأخذ منهم ما سهل عليهم وطوعت له به أنفسهم سماحة واختيارا ولا يحملهم على العنت والمشقة فيفسدهم وواجبه عند جهل الجاهلين عليه: الإعراض عنهم وعدم مقابلتهم بالمثل والانتقام منهم لنفسه فقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
(قال عبد الله بن الزبير ﵄: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس.
(وقال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس مثل قبول الأعذار والعفو والمساهلة وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم.
(وقال ابن عباس ﵄: خذ ما عفا لك من أموالهم وهو الفاضل عن العيال وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] (ثم قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وهو كل معروف وأعرفه: التوحيد ثم حقوق العبودية وحقوق العبيد.
(ثم قال تعالى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني إذا سفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣].
والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يبين فضائل حسن الخلق بياناً شافياً، وهاك بعض فضائل حسن الخلق الثابتة في السنة الصحيحة فتأملها بعين البصيرة:
(١) ثقل الميزان والفوز بأعلى الجنان:
((حديث أبي الدر داء الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء.
стр. 3854
فالخلق الحسن أثقل شيء في ميزان العبد؛ لأن الأعمال توزن يوم القيامة وزناً حقيقياً ترجح الكفة بها، وأثقل شيء في الميزان الخلق الحسن،
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا، و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
فالبيت العلوي جزاءٌ لأعلى المقامات الثلاثة وهي حسن الخلق.
(٢) حسن الخلق أكثر ما يدخل الناس الجنة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار؟ فقال الفم والفرج.
(٣) ميزان الكمال عند المؤمنين بكمال أخلاقهم بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي سعيد ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا الموطئون أكنافا الذين يألفون و يؤلفون و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف.
(٤) إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث عائشة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم.
(٥) صاحب الخلق الحسن أقرب الناس مجلساً من النبي عليه الصلاة و السلام يوم القيامة كما في الحديث الآتي:
((حديث جابر الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا و إن من أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون.
*معنى الثرثارون: كثيري الكلام
*معنى المتشدقون: الذي يتشدَّقُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم
(٦) وحسن الخلق هو وصيته ﷺ للمؤمن في معاملة الناس بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن.
стр. 3855
(٧) والله تعالى يحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الله يحب معالي الأخلاق و يكره سفسافها.
سفسافها: أي حقيرها ورديئها.
(٨) إن الناس لم يعطوا شيئا خيرا من خلق حسن بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أسامة ابن شريك ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الناس لم يعطوا شيئا خيرا من خلق حسن.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن الناس لم يعطوا) بالبناء للمفعول (شيئاً) من الخصال الحميدة (خيراً من خلق) بالضم (حسن) فإن حسن الخلق يرفع صاحبه إلى درجات الأخيار في هذه الدار ودار القرار. قال حجة الإسلام: لا سبيل إلى السعادة الأخروية إلا بالإيمان وحسن الخلق فليس للإنسان إلا ما سعى وليس لأحد في الآخرة إلا ما تزود من الدنيا وأفضل زادها بعد الإيمان حسن الخلق وبحسن الخلق ينال الإنسان خير الدنيا والآخرة. وقال بعض الحكماء: لحسن الخلق من نفسه في راحة والناس منه في سلامة ولسيء الخلق من نفسه في عناء والناس منه في بلاء. وقال بعضهم: عاشر أهلك بحسن الأخلاق فإن السوء فيهم قليل وإذا حسنت أخلاق المرء كثر مصادقوه وقل معادوه فتسهلت عليه الأمور الصعاب ولانت له القلوب الغضاب وقال الحكماء في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق قال الماوردي وحسن الخلق أن يكون سهل العريكة لين الجانب طلق الوجه قليل النفور طيب الكلام. أهـ
(٩) إن بعثة النبي ﷺ إنما هي لإتمام صالح الأخلاق بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق.
(١٠) ومن أسباب تجاوز الله عن العبد يوم القيامة حسن خلقه كما في الحديثين الآتيين:
((حديث حذيفة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: مات رجل، فقيل له، قال: كنت أبايع الناس، فأتجوز عن الموسر، وأخفف عن المعسر، فغفر له.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه).
стр. 3856
(١١) وحسن الخلق هو الذي لفت إليه النبي ﷺ إذا تقدم إليك من يخطب ابنتك كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي) قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوّجُوهُ. إلاّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسَادٌ عَرِيضٌ».
(أركان الأخلاق الحسنة:
إن حسن الخلق يقوم على أربعة أركان: «الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل». فالصبر يحمل على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى، والعفة تجنب الإنسان الرذائل والقبائح، والشجاعة تحمل على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق، والعدل الذي يحمل على الاعتدال والتوسط. هذه الأخلاق الفاضلة الأربعة هي أركان الأخلاق الحسنة، كما أن الأخلاق السافلة مبناها على أربعة أخلاق: «الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب». فالجهل يري الإنسان الحسن قبيحاً، والظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، والشهوة تحمله على الحرص والشح والبخل والرذائل والفواحش والدناءات، والغضب يولد الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه، ولذلك لابد من مراقبة هذه الأخلاق الدنيئة؛ حتى يتخلص الإنسان منها ولا يقع فيها؛ لأننا إذا عرفنا الأصل عرفنا كيف نتعامل.
(هل يمكن اكتساب الخلق الحسن:
مسألة: هل يمكن اكتساب الخلق الحسن وتغيير الخلق القبيح؟
إن مما لا بد أن يعلمه المسلم أنه مأمور بتحسين خلقه؛ وإن غلبته نفسه على بعض الطباع الدنيئة فلا يستسلم ويقول: هذه سجيتي ولا أستطيع تغيير طبعي؛ فإن سوء الخلق أمرٌ مذموم؛ يجب على المسلم أن يتجنبه؛ وقد ثبت في السنة الصحيحة ما يدل على أن العبد يمكنه تحسين خلقه وأعظم ما يدل على ذلك أمر النبي ﷺ بأن نخالق الناس بخلقٍ حسن كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن.
(وفصل الخطاب في هذه المسألة: أن الخلق الحسن يمكن اكتسابه بعدة أشياء منها ما يلي:
(١) ترويض النفس على حسن الخلق، فإنه من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه.
стр. 3857
فينبغي للعبد أن يتحر حسن الخلق ويحرص عليه ويجاهد نفسه ويتكلفه حتى ينعم الله تعالى عليه بهذه الفضيلة، وهذا حاصلٌ لا محالة إذا صدق العبد في ذلك.
(حديث شداد بن أوس في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: إن تصدق الله يصدقك.
(٢) لا بد من الصبر وطول النفس في تحصيل أي خير وليس له أن يستعجل فإنه من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فعليه أن يتأنى جيداً وإياه والعجلة فبئست المطيةُ هي، تحول بينك وبين أي خير.
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: التأني من الله والعجلة من الشيطان.
(٣) ويمكن اكتساب حسن الخلق عن طريق مصاحبة أهل الخير والصلاح، فإن الطباع سرَّاقة والناس مجبولون على تقليد بعضهم بعض
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: المرء على دين أخيه فلينظر أحدكم من يخالل.
(حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي.
(٤) ويمكن اكتساب حسن الخلق أيضاً بالتضرع إلى الله تعالى بأن يمنَّ عليك بهذه النعمة فإن ذلك كان من هدي النبي ﷺ
(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي.
فينبغي على العاقل الحرص على التزود من الأخلاق؛ وأن يجني ثمارها اليانعة كلما تيسر له سبيل إلى ذلك؛ ويجعل الطريق إلى ذلك قيامه بحقوق المسلمين؛ في أن يحب لهم ما يحب لنفسه، وأن يتواضع لهم ولا يفخر عليهم ولا يختال، ولا يتكبر ولا يعجب؛ وأن يوقر الشيخ الكبير، ويرحم الطفل الصغير، ويعرف لكل ذي حق حقه، مع طلاقة الوجه وحسن التلقي ودوام البِشر، كما قيل:
وما اكتسبَ المحامدَ طالبوها: ... بمثل البشر والوجه الطليقِ
стр. 3858
وعليه بلين الجانب، وحسن المصاحبة، وسهولة الكلمة، مع إصلاح ذاتِ بين إخوانه، وتفقد أقرانه وأخدانه وجيرانه، وأن لا يسمع كلامَ الناس بعضهم في بعض، وأن يبذل معروفه لهم لوجه الله؛ لا لأجل غرض؛ مع ستر عوراتهم؛ وإقالة عثراتهم، وإجابة دعواتهم؛ وأن لا يقف مواقف التهم؛ وأن يحلم عنْ مَنْ جهل عليه، ويعفو عن من ظلم؛ قال الحسن: معالي الأخلاق للمؤمن: قوة في لين، وحزم في دين، وإيمان في يقين، وحرص على العلم، واقتصاد في النفقة، وبذل في السعة، وقناعة في الفاقة، ورحمة للمجهود، وإعطاء في كرم، وبر في استقامة.
مسألة: ما هو حسن الخلق؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
قيل: إن حسن الخلق «بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى»
وقيل: حسن الخلق: «بذل الجميل وكف القبيح»
وقيل: «التخلي من الرذائل والتحلي بالفضائل»
وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها:
«الصبر والعفة والشجاعة والعدل»
(فالصبر: يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة.
(والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل وتحمله على الحياء وهو رأس كل خير وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة.
(والشجاعة: تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد: الذي يملك نفسه عند الغضب وهوحقيقة الشجاعة وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه.
(والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة،
(ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان: «الجهل والظلم والشهوة والغضب»
(فالجهل: يريه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن والكمال نقصا والنقص كمالا.
(والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه فيغضب في موضع الرضا
стр. 3859
ويرضى في موضع الغضب ويجهل في موضع الأناة ويبخل في موضع البذل ويبذل في موضع البخل ويحجم في موضع الإقدام ويقدم في موضع الإحجام ويلين في موضع الشدة ويشتد في موضع اللين ويتواضع في موضع العزة ويتكبر في موضع التواضع.
(والشهوة: تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها.
(والغضب: يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه ويتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق: أخلاق مذمومة وملاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النفس في الضعف وإفراطها في القوة فيتولد من إفراطها في الضعف: المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص والشح وسفساف الأمور والأخلاق ويتولد من إفراطها في القوة: الظلم والغضب والحدة والفحش والطيش ويتولد من تزوج أحد الخلقين بالآخر: أولاد غية كثيرون فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر وأذلهم إذا قهر ظالم عنوف جبار فإذا قهر صار أذل من امرأة: جبان عن القوي جريء على الضعيف فالأخلاق الذميمة: يولد بعضها بعضا كما أن الأخلاق الحميدة: يولد بعضها بعضا وكل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين وهو وسط بينهما وطرفاه خلقان ذميمان كالجود: الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير والتواضع: الذي يكتنفه خلقا الذل والمهانة والكبر والعلو فإن النفس متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد فإذا انحرفت عن خلق التواضع انحرفت: إما إلى كبر وعلو وإما إلى ذل ومهانة وحقارة وإذا انحرفت عن خلق الحياء انحرفت: إما إلى قحة وجرأة وإما إلى عجز وخور ومهانة بحيث يطمع في نفسه عدوه ويفوته كثير من مصالحه ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء وإنما هو المهانة والعجز وموت النفس وكذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود انحرفت: إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط وإما إلى غلظة كبد وقسوة قلب وتحجر طبع كما قال بعضهم:
تبكي علينا ولا نبكي على أحد فنحن أغلظ أكبادا من الإبل
وإذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت: إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة وإما إلى الذل والمهانة والحقارة ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة وعجز وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف كما قيل:
كل حلم أتى بغير اقتدار حجة لاجىء إليها اللئام
стр. 3860
وإذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق انحرفت: إما إلى عجلة وطيش وعنف وإما إلى تفريط وإضاعة والرفق والأناة بينهما وإذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت: إما إلى كبر وإما إلى ذل والعزة المحمودة بينهما وإذا انحرفت عن خلق الشجاعة انحرفت: إما إلى تهور وإقدام غير محمود وإما إلى جبن وتأخر مذموم وإذا انحرفت عن خلق المنافسة في المراتب العالية والغبطة انحرفت: إما إلى حسد وإما إلى مهانة وعجز وذل ورضا بالدون وإذا انحرفت عن القناعة انحرفت: إما إلى حرص وكلب وإما إلى خسة ومهانة وإضاعة وإذا انحرفت عن خلق الرحمة انحرفت: إما إلى قسوة وإما إلى ضعف قلب وجبن نفس كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد وتأديب ولد ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك وقد ذبح أرحم الخلق بيده في موضع واحد ثلاثا وستين بدنة وقطع الأيدي من الرجال والنساء وضرب الأعناق وأقام الحدود ورجم بالحجارة حتى مات المرجوم وكان أرحم خلق الله على الإطلاق وأرأفهم وكذلك طلاقة الوجه والبشر المحمود فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخد وطي البشر عن البشر وبين الاسترسال مع كل أحد بحيث يذهب الهيبة ويزيل الوقار ويطمع في الجانب كما أن الانحراف الأول يوقع الوحشة والبغضة والنفرة في قلوب الخلق وصاحب الخلق الوسط: مهيب محبوب عزيز جانبه حبيب لقاؤه وفي صفة نبينا: من رآه بديهة هابه ومن خالطه عشرة أحبه والله أعلم.
(أسباب اكتساب حسن الخلق:
للأخلاق الفاضلة منزلة رفيعة في دين الله ولها ارتباط قوي بقوة الإيمان وحسنه، وتدين المرء وتمسكه بالشريعة، ولها أعظم الأثر في قوة الأمة ووحدة صفوفها ولأن الأخلاق يمكن اكتسابها كان من المهم الحديث عن وسائل اكتساب الأخلاق الفاضلة وهذا ما سيتناوله درسنا.
لا ريب أن أثقل ما على الطبيعة البشرية تغيير الأخلاق التي طبعت عليها النفس، إلا أن ذلك ليس متعذرًا ولا مستحيلاً، بل إن هناك أسبابًا، ووسائل يستطيع الإنسان من خلالها أن يكتسب حسن الخلق، ومن ذلك ما يلي:
(١) سلامة العقيدة: فالسلوك ثمرة لما يحمله الإنسان من فكر ومعتقد، وما يدين به من دين، والانحراف في السلوك ناتج عن خلل في المعتقد، فالعقيدة هي الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا؛ فإذا صحت العقيدة؛ حسنت الأخلاق تبعًا لذلك؛ فالعقيدة الصحيحة تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق، كما أنها تردعه عن مساوئ الأخلاق.
стр. 3861
(٢) الدعاء: فيلجأ إلى ربه، ليرزقه حسن الخلق، ويصرف عنه سيئه متأسياً بالنبي ﷺ وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث علي بن أبي طالب ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك وإذا ركع قال اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وإذا رفع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وإذا سجد قال اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
((حديث قطبة بن مالك ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء. فالخلق الحسن نوع من الهداية يحصل عليه المرء بالمجاهدة، قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والمجاهدة لا تعني أن يجاهد المرء نفسه مرة، أو مرتين، أو أكثر، بل تعني أن يجاهد نفسه حتى يموت؛ ذلك أن المجاهدة عبادة، والله يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [٩٩]﴾ [سورة الحجر].
стр. 3862
(٤) المحاسبة: وذلك بنقد النفس إذا ارتكبت أخلاقًا ذميمة، وحملها على ألا تعود إليها مرة أخرى، مع أخذها بمبدأ الثواب، فإذا أحسنت أراحها، وأرسلها على سجيتها بعض الوقت في المباح. وإذا أساءت وقصرت أخذها بالحزم والجد، وحرمها من بعض ما تريد.
(٥) التفكر في الآثار المترتبة على حسن الخلق: فإن معرفة ثمرات الأشياء، واستحضار حسن عواقبها؛ من أكبر الدواعي إلى فعلها، وتمثلها، والسعي إليها. والمرء إذا رغب في مكارم الأخلاق، وأدرك أنها من أولى ما اكتسبته النفوس، وأجل غنيمة غنمها الموفقون؛ سهل عليه نيليها واكتسابها.
(٦) النظر في عواقب سوء الخلق: وذلك بتأمل ما يجلبه سوء الخلق من الأسف الدائم، والهم الملازم، والحسرة والندامة، والبغضة في قلوب الخلق؛ فذلك يدعو المرء إلى أن يقصر عن مساوئ الأخلاق، وينبعث إلى محاسنها.
(٧) الحذر من اليأس من إصلاح النفس: فهناك من إذا ابتلى بمساوئ الأخلاق وحاول التخلص من عيوبه فلم يفلح؛ أيس من إصلاح نفسه، وترك المحاولة، وهذا الأمر لا يحسن بالمسلم، ولا يليق به؛ بل ينبغي له أن يقوي إرادته، وأن يسعى لتكميل نفسه، وأن يجدَّ في تلافي عيوبه؛ فكم من الناس من تبدلت حاله، وسمت نفسه، وقلت عيوبه بسبب مجاهدته، وسعيه، وجده، ومغالبته لطبعه.
(٨) علو الهمة: فعلو الهمة يستلزم الجد، ونشدان المعالي، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور. والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد،
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فمن علت همته، وخشعت نفسه؛ اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه؛ اتصف بكل خلق رذيل'.
(وقال ﵀: فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل. والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك'. فإذا توفر المرء على اقتناء الفضائل، وألزم نفسه على التخلق بالمحاسن، ولم يرض من منقبة إلا بأعلاها، ولم يقف عند فضيلة إلا وطلب الزيادة عليها.
стр. 3863
(٩) الصبر: فالصبر من الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها الخلق الحسن، فالصبر يحمل على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وترك الطيش والعجلة واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر وقل من جد أمر تطلبه.
(١٠) العفة: فهي تحمل على اجتناب الرذائل من القول والفعل، وتحمل على الحياء وهو رأس كل خير، وتمنع من الفحشاء، والبخل، والكذب، والغيبة، والنميمة.
(١١) الشجاعة: فهي تحمل على عزة النفس، وإباء الضيم، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس، وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته. وهي تحمل صاحبها على كظم الغيظ، والحلم؛ فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، ويكبحها بلجامها عن النزق والطيش.
(١٢) العدل: فهو يحمل على اعتدال الأخلاق، وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط.
(١٣) تكلف البشر والطلاقة، وتجنب العبوس والتقطيب: قال ابن حبان ﵀: ' البشاشة إدام العلماء، وسجية الحكماء؛ لأن البشر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المباغضة، وفيه تحصين من الباغي، ومنجاة من الساعي'. 'وقيل للعتابي: إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينة بأيسر مؤونة، واكتساب إخوان بأيسر مبذول'.
وما اكتسب المحامد حامدوها بمثل البشر والوجه الطليق
بل إن تبسم الرجل في وجه أخيه المسلم صدقة يثاب عليها بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة.
والابتسام للحياة يضيئها، ويعين على احتمال مشاقها، والمبتسمون للحياة أسعد الناس حالاً لأنفسهم ومن حولهم، بل هم أقدر على العمل، وأكثر احتمالاً للمسؤولية، وأجدر بالإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم، وتنفع الناس؛ فذو النفس الباسمة المشرقة يرى الصعاب فيلذه التغلب عليها، ينظرها فيبتسم، وينجح فيبتسم، ويخفق فيبتسم. وإذا كان الأمر كذلك فأحرى بالعاقل ألا يرى إلا متهللاً.
(ومن أعظم ما يعين على اكتساب تلك الخلة: الإقبال على الله، وطهارة القلب، وسلامة المقاصد، والبعد عن موطن الإثارة قد المستطاع. ومن ذلك قوة الاحتمال، ومحاربة اليأس، وطرد الهم والكآبة.
стр. 3864
(١٤) التغاضي والتغافل: وهو من أخلاق الأكابر، ومما يعين على استبقاء المودة واستجلابها، وعلى وأد العداوة وإخلاد المباغضة، ثم إنه دليل على سمو النفس، وشفافيتها، وهو مما يرفع المنزلة، ويعلي المكانة، قال ابن الأثير متحدثًا عن صلاح الدين الأيوبي:'وكان صبورًا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يعلمه بذلك، ولا يتغير عليه. وبلغني أنه كان جالسًا وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضًا بسرموز ـ يعني: بنعل ـ فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه؛ ليتغافل عنها'.
وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ كثير التغاضي عن كثير من الأمور في حق نفسه، وحينما يسأل عن ذلك كان يقول:
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
(١٥) الإعراض عن الجاهلين: فمن أعرض عن الجاهلين حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع ما يؤذيه، قال : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [١٩٩]﴾ [سورة الأعراف].
فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجل على نفسه عزتها، والعرب تقول:'إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر'. وروي أن رجلاً نال من عمر بن عبد العزيز، فلم يجبه، فقيلله: ما يمنعك منه؟
قال: التقى ملجم.
(١٦) العفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان: فهذا سبب لعلو المنزلة، ورفعة الدرجة، وفيه من الطمأنينة، وشرف النفس، وعزها، ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله)
(وقال عمر بن عبد العزيز ﵀:'أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو عند المقدرة، والقصد في الجِدَةِ، والرفق بالعَبَدَةِ'.
(وقال الشافعي ﵀:
أرحت نفسي من ظلم العدوات لما عفوت ولم أحقد على أحد
فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجدر بالعاقل ـ كما قال ابن حبان ـ:'توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها'.
стр. 3865
وقد يظن ظان أن العفو عن المسيء، والإحسان إليه مع القدرة عليه؛ موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء. وهذا خطأ؛ فالعفو إسقاط حقك جودًا، وكرمًا، وإحسانًا مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك؛ رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق .. بخلاف الذل؛ فإن صاحبه بترك الانتقام عاجزًا، وخوفًا، ومهانة نفس، فهذا غير محمود، بل لعل المنتقم بالحق أحسنُ حالاً منه.
(١٧) الرضا بالقليل من الناس، وترك مطالبتهم بالمثل: وذلك بأن يأخذ منهم ما سهل عليهم، وطوعت له به أنفسهم سماحة واختيارًا، وألا يحملهم على العنت والمشقة، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٩].
(قال عبد الله بن الزبير ﵄ في هذه الآية:'أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس'. وقال مجاهد:'يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس، مثل قبول الأعذار، والعفو، والمساهلة، وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم'.
(قال المقنع الكندي- واصفًا حاله مع قومه-:
وأعطيهم مالي إذا كنت واجدًا وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
(وقال الرافعي ﵀:'إن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وإن الزائفة هي الأخذ دون العطاء، وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق'.
(١٨) احتساب الأجر عند الله : فهذا الأمر من أعظم ما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، فهو مما يعين على الصبر، والمجاهدة، وتحمل أذى الناس؛ فإذا أيقن المسلم أن الله سيجزيه على حسن خلقه ومجاهدته؛ سيهون عليه ما يلقاه في ذلك السبيل.
(١٩) تجنب الجدال: لأن الجدال يذكي العداوة، ويورث الشقاق، ويقود إلى الكذب، ويدعو إلى التشفي من الآخرين. فإذا تجنبه المرء؛ سلم من اللجاج، وحافظ على صفاء قلبه، ثم إن اضطر إلى الجدال؛ فليكن جدالاً هادئًا، يراد به الوصول إلى الحق، وليكن بالتي هي أحسن وأرفق، قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [١٢٥]﴾ [سورة النحل].
أما إذا لج الخصم في الجدال، وعلا صوته في المجلس؛ فإن السكوت أولى، وإن أفضل طريقة لكسب الجدال؛ حينئذٍ هي تركه، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
стр. 3866
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال إن أبغض الرجال عند الله الألدُ الخَصِم.
(٢٠) التواصي بحسن الخلق: وذلك ببث فضائل حسن الخلق، وبالتحذير من مساوئ الأخلاق، وبنصح المبتلين بسوء الخلق، وبتشجيع حسني الأخلاق، فحسن الخلق من الحق، والله يقول: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [٣]﴾ [سورة العصر].
(٢١) قبول النصح الهادف، والنقد البناء: فهذا مما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، ومما يبعث على التخلي عن الأخلاق الساقطة. فعلى من نُصِحَ أن يتقبل النصح، وأن يأخذ به؛ حتى يكمل سؤدده، وتتم مروءته، ويتناهى فضله.
بل ينبغي لمتطلب الكمال ـ خصوصًا إذا كان رأسًا مطاعًا ـ أن يتقدم إلى خواصه، وثقاته، ومن كان يسكن إلى عقله من خدمه وحاشيته ـ فيأمرهم أن يتفقدوا عيوبه ونقائضه، ويطلعوه عليها، ويعلموه بها؛ فهذا ما يبعثه للتنزه من العيوب، والتطهر من دنسها.
(٢٢) لزوم الصدق: فالصدق يهدي إلى البر، وحسن الخلق من جملة ذلك البر.
(٢٣) تجنب الوقيعة في الناس: فالوقيعة في الناس، والعرض لعيوبهم ومغمزهم ـ مما يورث العداوة، ويشوش على القلب، فتسوء الأخلاق تبعًا لذلك.
(٢٤) أن يتخذ الناس مرآة لنفسه: فكل ما كرهه، ونفر عنه من قول، أو فعل، أو خلق ـ فَلْيَتَجَنَّبْه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: المؤمن مرآة المؤمن و المؤمن أخو المؤمن يكفُّ عليه ضيعته و يحُوطُه من ورائه.
(ولله درُ من قال:
إذا أعجبتك خصال امرئٍ فكنْهُ تكن مثل ما يعجبك
فليس على المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
(٢٥) مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة: فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديدُ التأثر بمن يصاحبه. فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر؛ ليحمي صديقه من نكبة. والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانبًا من ماله؛ لإنقاذ صديقه من شدة.
стр. 3867
فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة. فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللب أن يبحث عن إخوان الثقات؛ حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر.
(٢٦) الاختلاف إلى أهل الحلم والفضل وذوي المروءات: فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم وزيارتهم؛ تَخَلَّق بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ودلهم. يروى أن الأحنف بن قيس قال:'كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه'.
ولا يلزم أن يكون هؤلاء الذين يختلف إليهم من أهل العلم، بل قد يوجد من العوام من جبل على كريم الخلال وحميد الخصال، قال ابن حزم: [[وقد رأيت من غمار العامة من يجري في الاعتدال وحميد الأخلاق إلى مالا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جدًا '.
(٢٧) معرفة أحوال الناس ومراعاة عقولهم، ومعاملتهم بمقتضى ذلك: فهذا الأمر دليل على جودة النظر في سياسة الأمور، فالرجل العاقل يحكم هذا الأمر، وينتفع به عند لقائه بالطبقات المختلفة، فتراه يزن عقول من يلاقونه، فيتيسر له أن يسايرهم إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق .. ومراعاة عقول الناس وطباعهم فيما لا يقعد حقاً، ولا يقيم باطلاً؛ مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة.
(٢٨) مراعاة أدي المحادثة والمجالسة: فذلك مما يزرع المودة، وينمي الأخلاق الفاضلة.
(٢٩) المحافظة على الصلاة: فهي سبب عظيم لحسن الخلق، وطلاقة الوجه، وطيب النفس، وسموها، وترفعها عن الدنايا. كما أنها في مقابل ذلك تنهى عن الفحشاء والمنكر، وسوء الخلق من جملة ما تنهى عنه الصلاة. ثم إنها سبب لعلاج أدواء النفس الكثيرة كالبخل، والشح، والحسد، والهلع، والجزع، وغيرها.
(٣٠) الصيام: فبالصيام تزكو النفس، ويستقيم السلوك، وتنشأ الأخلاق الرفيعة، وبالصيام تعلو الهمة، وتقوى الإرادة، ويتحقق الاطمئنان. فهو تدريب منظم على حمل المكروه، ودرس مفيد في سياسة المرء نفسه، ثم إن الصيام يحرك النفوس للخير، ويسكنها عن الشر، ويطلقها من أسر العادات، ويحررها من فساد الطباع، ويجتث منها رعونة الغرائز. فهذه الأمور وغيرها من أعظم ما يعين على اكتساب حسن الخلق.
стр. 3868
(٣١) قراءة القرآن بتدبر وتعقل: فهو الهدى والنور، وهو كتاب الأخلاق الأول، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، وحسن الخلق من جملة ما يهدي إليه القرآن. وفيه من الوصايا العظيمة الجامعة التي لا توجد في أي كتاب آخر، والتي لو أخذت بها البشرية لتغير مسارها، ولاستنارت سبلها، ولعاشت عيشة الهناءة والعز. بل إن آية واحدة في القرآن جمعت مكارم الأخلاق، وهي قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
(٣٢) تزكية النفس بالطاعة: فهذا من أعظم ما يكسب الأخلاق الفاضلة إن لم يكن أعظمه، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]. وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤].
(٣٣) لزوم الحياء: فالحياء يبعث على فعل الجميل وترك القبيح. والحياء كله خير، ولا يأتي إلا بخير، وهو خلق الإسلام، وهو شعبة من شعب الإيمان،
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ مرَّ على رجلٍ وهو يعظُ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ دَعْه فإن الحياء من الإيمان.
((حديث عمران ابن حصين الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الحياءُ لا يأتي إلا بخير.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال الإيمان بضع و سبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و الحياء شعبة من الإيمان.
((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء.
((حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه.
((حديث أبي مسعودٍ الأنصاري الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
((حديث ابن عمر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الحياء و الإيمان قرنا جميعا فإذا رُفِعَ أحدهما رفع الآخر.
стр. 3869
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار.
(حديث أبي أمامة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق.
العي: سكوت الإنسان كثيراً وعدم نطقه كثيراً؛ خشية الوقوع في الخطأ والمعصية.
((حديث يعلى الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: إن الله حَييٌ سِتير يحبُ الحياءَ والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر.
((حديث سلمان الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا.
(٣٤) إفشاء السلام: فإذا ما أفشى الناس السلام توادوا، وتحابوا، وإذا توادوا وتحابوا زكت نفوسهم، وزالت الوحشة فيما بينهم، فتحسن أخلاقهم تبعًا لذلك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.
(٣٥) إدامة النظر في السيرة النبوية: فالسيرة النبوية تضع بين يدي قارئها أعظم صورة عرفتها الإنسانية، وأكمل هدي وخلق في حياة البشرية، قال ابن حزم ﵀:'من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، واستحقاق الفضائل والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها؛ فَلْيَقْتَدِ بمحمد رسول الله ﷺ ، وليستعمل أخلاقه، وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على التأسب به بمنه آمين'.
(٣٦) النظر في سير الصحابة الكرام: فهم أعلام الهدي، ومصابيح الدجى، وهم الذين ورثوا عن رسول الله ﷺ هديه، وسمته، وخلقه، فالنظر في سيرهم، والاطلاع على أحوالهم ـ يبعث على التأسي بهم، والإقتداء بهديهم.
(٣٧) قراءة سير أهل الفضل والحلم: فإن قراءة سيرهم، والنظر في تراجمهم مما يحرك العزيمة على اكتساب المعالي ومكارم الأخلاق؛ ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم.
стр. 3870
(٣٨) قراءة كتب الشمائل والكتب في الأخلاق: فإنها تنبه الإنسان على مكارم الأخلاق، وتذكره بفضلها، وتعينه على اكتسابها.
(علامات حسن الخلق:
كيف يعرف الواحد منا مدى اتصافه من بحسن الخلق من عدمه ومدى التزامه بهذا التوجيه الكريم الذي يأمرنا فيه ربنا بالإقتداء بالرسول ﵊: قال تعالى: (لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً) [الأحزاب: ٢١]
وقد ذكر النبي ﷺ نوعين العلامات الدالات على حسن الخلق فمنها ما هو مجمل ومنها ما هو مفصل ولا نستطيع أن نأتي عليها كلها لكثرتها كثرة مستفيضة كما صح عنه.
أولاً المعيار المجمل: محبة الخير لأخيه المسلم:
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: والذي نفس محمد بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير.
ورواية النسائي تفيد فائدة عظيمة وتقطع دابر من أراد أن يستعمل الحديث في غير ما أراده النبي ﷺ ، فقد يقول أنا أحب كذا وكذا مما يسخط الله فأريد أن أجلبه إلى أخي المسلم فتقطع هذه الوساوس بهذه الرواية الثانية: الخير فيما يحبه الله كما قال الرسول ﷺ .
فإن كنت تحب لإخوانك المسلمين ما تحبه لنفسك من خير فأنت إن شاء الله من ذوي الخلق الحسن.
ثانياً المعيار المفصل: الأحاديث الدالة على مكارم الأخلاق:
أداء الأمانة وتحريم المماطلة – كظم الغيظ – الإحسان إلى الجار وعدم إيذائه – البشر وطلاقة الوجه عند لقيا الإخوان ـ قضاء حوائج المسلمين – أسباب الألفة والمحبة: وهي «الكلام الطيب واللين – إفشاء السلام – الهدية – الزهد فيما في أيدي الناس»
(من علامات حسن الخلق أداء الأمانة وتحريم المماطلة:
стр. 3871
قال تعالى: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) [سورة: النساء - الآية: ٥٨]
((حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"
((حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: لا إيمان لمن لا أمانة له و لا دين لمن لا عهد له.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: مطل الغني ظلم فإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع.
((حديث الشريد بن سُويد الثابت في صحيح السنة الأربعة) أن النبي ﷺ قال: ليُّ الواجدِ يُحِلُ عِرْضِهِ و عُقُوبَتَه.
(تعريف الأمانة وحدها:
الأمانة: كل ما ائتمنك الله عليه من قليل أو كثير، فهو سائلك عنه يوم العرض الأكبر: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:٥٨].
فالأمانة هنا ما ائتمن الله العبد عليه، وظيفة قلَّت أو جلَّت، كبرت أو صغرت، يؤديها عند الله يوم القيامة، قال بعض السلف: " الفروج ومن تولى عليها في عقود أمانة، والأموال ومن كلف بها أمانة، والولايات أمانة، والرجل في بيته مؤتمن، والمرأة في بيتها مؤتمنة"، وسوف يأتي في ذلك عنصر.
ولما فتح المسلمون القادسية
ونصرهم الله، ورفعوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ في القادسية سلم لسعد بن أبي وقاص ذهب وفضة، واستولى على خزائن كسرى، ولما رآها دمعت عيناه وقال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:٢٥ - ٢٩]
فماذا فعل؟ جمع الجيش وقال: هذه أمانة فما رأيكم؟
قالوا: نرى أن تدفعها لعمر بن الخطاب الخليفة فما أخذوا منها درهماً ولا ديناراً.
стр. 3872
قوم ممزقة ثيابهم، مكسرة رماحهم، بهم من الظمأ والمجاعة ما الله به عليم، فدفعوا الأموال لعمر، فلما رآها بكى وقال: والله الذي لا إله إلا هو إن قوماً دفعوها إليَّ لأمناء.
ولما جاء معاذاً من اليمن كان معه بغال أتى ببغال معه وأتى ببعض المال -والقصة صحيحة- فقال عمر: سلم ما عندك من مال أحاسبك، قال: أنت الخليفة، أو أبو بكر، قال: أبو بكر الخليفة ولكن أنا هو وهو إياي، يعني أنا أقول بلسانه وهو يقول بلساني.
فقال معاذ: والله ما أخذت هذا المال إلا متاجرة وما أخذته من أموال المسلمين، فتركه عمر ونام معاذ تلك الليلة، فرأى في المنام أنه يريد أن يهوي إلى نار عميقة، وأن عمر يسحبه بثيابه على شفى حفرة من النار أي يرى أنه يكاد يهوي على وجهه في نار، وعمر يجره -فذهب معاذ إلى عمر في الصباح، قال: أحسنت، أصاب بك الله الخير، رأيت كيت وكيت، قال عمر: هيا بنا إلى خليفة رسول الله ﵊، فإن أحلك في مالك فهنيئاً مريئاً، وإلا فرده، فذهبوا إلى أبي بكر فأخبره، قال: أحللته لك خذه هنيئاً مريئاً.
إن عبادتهم كانت أمانة، ومراقبتهم لله لا تفارقهم ليل نهار، وهم الذي بلغوا درجة الإحسان.
((من قصص السلف مع الأمانة:
(أبو بكر الصديق ﵁:
أبو بكر المسئول والخليفة الأول بعد رسول الله ﷺ ، تعالوا، لننتقل إليه في عاصمة الإسلام في المدينة؛ لنرى يوماً من أيامه مع الرعية، وكيف عاش الخليفة أبو بكر؟!
ينطلق من المسجد كل صباح بعد صلاة الفجر مع المسلمين ويذهب إلى خيمة في الصحراء فريدة وحيدة، فيدخلها وعمر الوزير والمستشار المفوض لأبي بكر، يتابع الخليفة في خطواته ولا يدري أبو بكر أن عمر يتابعه ويريد أن يرى أين يذهب أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ .
ولما دخل أبو بكر وخرج من الخيمة؛ دخل عمر بعد أبي بكر، فوجد عجوزاً كبيرة كسيرة عمياء في الخيمة، معها أطفال أبوهم قد مات، لا عائل لهم إلا الواحد الأحد، قال عمر: يا أمة الله! من أنت؟
قالت: امرأة من المسلمين حسيرة كسيرة، عجوز لي أطفال، مات أبوهم من زمن، قال: فمن هذا الشيخ الذي يأتيكم؟
قالت: والله ما أدري من هو.
لكن الواحد الأحد يدري من هو، الذي يعلم السر وأخفى، الذي يعلم صدق الصادقين وإنابة المنيبين.
قال عمر: ماذا يفعل هذا الشيخ الذي يأتيكم، قالت: يأتينا بعد فجر كل يوم، فيكنس
стр. 3873
بيتنا، الله أكبر أبو بكر يكنس البيت؟!
نعم. لأنه يريد الجنة، يقول : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:٨٣] وقال تعالى أيضاً: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:٦٣].
وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه﴾.
قالت المرأة: يكنس البيت، ويصنع لنا طعامنا ـ يتحول الخليفة إلى طباخ للمساكين، يقدم لهم وجبة الإفطار ـ ويحلب لنا شياهنا، ثم ينطلق.
فماذا يرد عمر على هذه القصة؟ جلس عمر يعلق على القصة بالبكاء.
إذا اشتبكت دموع في خدودٍ ... تبين من بكى ممن تباكى
أحاذر أن يشق على المطايا ... فلا تمشي بنا إلا سواكا
ثم يقول عمر: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]] أتعبت يا أبا بكر المسئولين، أتعبت يا أبا بكر الموظفين؛ لأنك مشيت في طريق لا يستطيع أحد أن يمشي فيه، ولذلك ابن القيم إذا ذكر أبا بكر الصديق قال له:
من لي بمثل سيرك المدلل ... تمشي رويداً وتجى الأول
((عمر بن الخطاب ﵁:
عمر بن الخطاب الخليفة الصادق صاحب الجبة المرقعة، الذي يأكل خبز الشعير في الزيت، والذي يموت خوفاً منه كسرى وقيصر:
يا من يرى عمراً تكسوه بردته ... والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً ... من خوفه وملوك الروم تخشاه
يصعد المنبر يوم الجمعة، وعليه جبة عليها أربع عشرة رقعة، ويقول لبطنه وأحشائه عندما تقرقر جوعاً: [[قرقري أو لا تقرقري، والله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين]].
ذكر ابن كثير في تاريخه بسند جيد عن أسلم مولى عمر قال: قال لي عمر في ظلام الليل ...
وعمر لا ينام، تقول له امرأته: يا أمير المؤمنين لا تنام في النهار ولا تنام في الليل، قال: [[لو نمت الليل لضيعت نفسي، ولو نمت النهار لضاعت رعيتي]] يخرج في الليل والناس نيام يجوب الشوارع، يسأل عن الأمن، يطرق البيوت، يدافع الإجرام، يفضح المجرمين، يسري كالبدر، معه درة في يده، يخرج بها وساوس الشياطين من بعض الرءوس.
قال أسلم وهو مولى: فقال لي عمر انطلق معي هذه الليلة.
стр. 3874
ليلة من ليالي أهل الجنة، قال الحبيب المصطفى ﷺ : ﴿عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله﴾:
نامت الأعين إلا مقلة ... تذرف الدمع وترعى مضجعك
قال: فانطلقت معه، فأتينا إلى خيمة بها امرأة في الولادة وهي تبكي، فأخذ عمر يشاركها البكاء -لله دره، قلب وعى القرآن وعرف الإيمان- فقال أسلم: مالك يا أمير المؤمنين تبكي؟
قال: يا أسلم ما تدري ماذا تجد من ألم الولادة وألم النفاس، ثم انطلق إلى بيت المال، وأتى بجراب من شحم ومن دقيق ومن تمر وحمله على كتفه.
فقال أسلم: أنا أحمل عنك هذا يا أمير المؤمنين! قال: إنك لا تحمل خطاياي يوم القيامة، وذهب فدخل البيت، واستأذن على المرأة، فتحجبت وقام يشعل النار، والدخان يتخلل لحيته الكثة التي نصرت لا إله إلا الله في الأرض، فصنع الطعام وقدمه للمرأة فقالت: والله إنك خير من عمر بن الخطاب، وهو عمر بشحمه ولحمه ودمه، وإرادته وصدقه وعزيمته.
((سعيد بن عامر:
اختار عمر من الصحابة رجلاً فقيراً زاهداً مصلياً عابداً ليكون والياً على حمص.
وحمص بلد للمشاغبين، كل يوم ترتفع منها شكاية لعمر يشكون فيها العامل، يثلمون في العامل ولو كان ملكاً من الملائكة، أمة تحب الشكايات طبعاً، فأراد عمر أن يسكتهم في رجل لا مطعن فيه، فقال: يا سعيد بن عامر اذهب فقد وليتك على حمص.
قال: لن أتولى حمص لك، إني أخاف من الله.
قال عمر: هيه! تضعونها في عنقي وتتركونني! والله لتتولين حمص.
يعني: تجعلون الخلافة في عنقي مسئولية وأمانة وغرماً وكلفاً ثم تركونني، فهي ليست سعادة، إنها لمن لم يحسنها خيبة وندامة يوم القيامة.
فذهب، أتدرون ما هو متاعه، قالوا: صحفة وعصا وشملة، صحفة يغتسل ويتوضأ ويأكل طعامه فيها، وشملة ينام فيها ويجلس عليها، ويضيف ضيوفه على هذا الفراش، وعصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى.
ذهب إلى حمص، فاستقبله أهل حمص -يظنون أنه يبشر بالأمير، فأتى هذا ومعه صحفة وعصا وشملة وزوجته وراءه- قالوا: هل رأيت الأمير؟
قال: أنا الأمير.
قالوا: لا تستهزئ بنا! الأمير الذي أرسله عمر هل رأيته في الطريق؟
قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو.
قالوا: وثيابك ثياب أمير!
قال: إني خرجت مأموراً من عمر ما أردت إمارة وما طلبتها.
وأتى إلى زوجته وقال: هل لك أن نتاجر في مالك وفي مالي؟ لأنها كانت تاجرة، قالت: وهل تعلم شريكاً يربحنا في التجارة؟
стр. 3875
قال: نعم، وجدت بعض الشركاء يعطوننا في الدرهم عشرة أضعاف إلى سبعمائة درهم.
قالت: خذ مالي إلى مالك، ولا يفوتك هذا، فإنه مكسب عظيم، فأخذ ماله ومالها، فتصدق به في سبيل الله، وتولى الإمارة ومكث فيهم راضياً زاهداً صادقاً، فأتى عمر يبحث عن الأمراء -كان عمر له جولة استطلاع لاكتشاف المواهب، واكتشاف الدسائس، ويحاكم الأمير والوالي أمام الناس في مجلس شورى مفتوح- فيقول: ما رأيكم فيه، وما رأيه فيكم.
فلما وصل دور سعيد بن عامر وهو جالس، قال: يا أهل حمص ما رأيكم في أميري عليكم سعيد بن عامر، قام الناطق الرسمي بلسانهم، قال: فيه كل خير إلا أربع خلال فيه.
قال عمر: الله المستعان! اللهم لا تخيب ظني فيه، ما هي الأربع؟ قال: أولها: لا يخرج إلينا يوماً في الأسبوع ولا نراه، قال: هذه واحدة، والثانية؟ قالوا: من بعد صلاة العشاء مهما طرقنا عليه لا يخرج إلينا، قال: هذه ثانية، والثالثة؟ قالوا: لا يخرج علينا حتى يرتفع النهار ضحى، قال: هذه ثالثة -يعني يتأخر في الدوام- والرابعة، قالوا: إذا جلس في الحكم وفي دار الإمارة يغمى عليه، قال: هذه الرابعة، قال عمر: أجب يا سعيد.
فقال سعيد: ما أردت أن أظهر شيئاً من عملي بعد أن كتمه الله، ولكن ما دام أنك قد سألتني يا أمير المؤمنين فاسمع.
قال: الأولى: أما أني لا أخرج لهم يوماً في الأسبوع، فإن امرأتي مريضة، وليس لي خادم، فأنا أغسل ثيابي وثيابها يوماً من الأسبوع، فدمعت عينا عمر وشكره.
وأما أني لا أخرج عليهم حتى يتعالى النهار، فامرأتي كما قلت مريضة ولا خادم لي، فأنا أصنع الطعام وأفطر أنا وزوجتي، ثم أتوضأ وأخرج إليهم.
وأما أني لا أخرج لهم من بعد العشاء ولا أفتح الباب، فقد جعلت النهار لهم والليل لربي.
وأما قولهم إنه يغمى علي في المجلس، فإني حضرت قتل خبيب بن عدي في مكة وكنت مشركاً، وكان خبيب مسلماً، فاجتمع المشركون حوله ليقتلوه، فرأيته يرفع على الخشبة وهو يقول: [[اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً]].
ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
فكلما ذكرت ذاك الموقف وأني ما نصرته أغمي علي، وغشي علي، فبكى عمر وبكى الناس، وقال: الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيك، فقام سعيد بن عامر وقال: خذ إمارتك يا أمير المؤمنين، والله لا أتولى بعدها لك ولاية.
стр. 3876
وجاء عمر يحاسبه بعد هذا الكلام والمحاضرة قال عمر: نحاسبك على ما أعطيناك من عطاء وعلى ما عندك، أدخلني بيتك، فدخل بيته فوجد شملة وصحفة وعصا، قال: أسألك بالله ما عندك من الدنيا إلا هذا، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما أملك من الدنيا إلا هذا، فجلس في ركن البيت يبكي، وجلس عمر في ركنه الآخر يبكي، يقول عمر: غرتنا الدنيا إلا أنت يا سعيد.
سلام الله عليهم، ورضي الله عنهم، أمة أخرجها الله للناس.
(من علامات حسن الخلق كظم الغيظ وعدم الغضب:
وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣،١٣٤]. فأين نحن يا عباد الله من هذه الصفات، هل نحن ممن يكتم الغيظ ويعفو عن الناس حتى إن أساءوا إليه.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ليس الشديد بالصُرعة و إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
((حديث معاذ ابن أنس الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من كظم غيظا و هو قادر على أن يُنْفِذَه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور ما شاء.
وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣،١٣٤]. فأين نحن يا عباد الله من هذه الصفات، هل نحن ممن يكتم الغيظ ويعفو عن الناس حتى إن أساءوا إليه.
стр. 3877
وقد قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] فإذا أساء إليك إنسان فادفع إليه بالكلمة التي هي أحسن وبالفعلة التي هي أحسن وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٤٣] وهذه نتيجة دفع السيئة بالحسنة.
﴿تنبيه﴾: (اعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن كظم الغيظ يمكن اكتسابه بترويض النفس فلا ينبغي للإنسان أن يستوطئ العجز ولا أن يقول أنني جُبلت على ذلك فإنه من يتحرى الخير يُعطه ومن يتق الشر يُوَقَّه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إنما العلم) أي تحصيله.
(بالتعلم) بضم اللام على الصواب كما قاله الزركشي ويروى بالتعليم أي ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ عن الأنبياء وورثتهم على سبيل التعليم وتعلمه طلبه واكتسابه من أهله وأخذه عنهم حيث كانوا فلا علم إلا بتعلم من الشارع أو من ناب عنه منابه وما تفيده العبادة والتقوى والمجاهدة والرياضة إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع العقول ثم هو ينقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام ومنه ما لا يدخل تحت دائرة العبادات وإن كان مما يتناوله الإشارة ومنه ما لا تفهمه الضمائر وإن أشارت إليه الحقائق في وضوحه عند مشاهده وتحققه عند متلقيه فافهم قال ابن مسعود تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه وقال ابن سعد ما سبقنا ابن شهاب للعلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل وكنا تمنعنا الحداثة وقال الثوري من رق وجهه رق علمه وقال مجاهد لا يتعلم مستحي ولا متكبر وقيل لابن عباس بما نلت هذا العلم قال بلسان سؤول وقلب عقول
(وإنما الحلم بالتحلم) أي ببعث النفس وتنشيطها إليه قال الراغب: الحلم إمساك النفس عن هيجان الغضب والتحكم إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب
(ومن يتحر الخير يعطه) أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه.
(ومن يتق الشر يوقه) زاد الطبراني والبيهقي في روايتيهما ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلى ولا أقول لكم الجنة من تكهن أو استقسم أو ردّه من سفر تطير.
стр. 3878
(تنبيه) قال بعضهم: ويحصل العلم بالفيض الإلهي لكنه نادر غير مطرد فلذا تمم الكلام نحو الغالب قال الراغب: الفضائل ضربان نظري وعملي وكل ضرب منها يحصل على وجهين أحدهما بتعلم بشرى يحتاج إلى زمان وتدرب وممارسة ويتقوى الإنسان فيه درجة فدرجة وإن فيهم من يكفيه أدنى ممارسة بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة، والثاني يحصل بفيض إلهي نحو أن يولد إنسان عالماً بغير تعلم كعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وغيرهما من الأنبياء ﵈ الذين حصل لهم من المعارف بغير ممارسة ما لم يحصل لغيرهم وذكر بعض الحكماء أن ذلك قد يحصل لغير الأنبياء ﵈ في الفيئة بعد الفيئة وكلما كان يتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللّهجة وسخياً وجريئاً وآخر بعكسه وقد يكون بالتعلم والعادة فمن صار فاضلاً طبعاً وعادة وتعلماً فهو كامل الفضيلة ومن كان رذلاً فهو كامل الرذيلة.
(من علامات حسن الخلق الإحسان إلى الجار وعدم إيذائه:
قال تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) [سورة: النساء - الآية: ٣٦]
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل: يا رسول الله ومن؟ قال: الذي لا يأمن جارة بوائقة "
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُوَرِثُه.
(من إكرام الجار تعاهده بالهدايا ولو بالشيء القليل:
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها و لو فِرْسَن شاة.
стр. 3879
((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، قال: إلى أقربهما منك باباً"
(ومن إكرام الجار ألا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبةً في جداره:
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبةً في جداره " ثم يقول أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم.
(ومن إكرام الجار أن يتفقد حاله فقد يكون جائعاً وأنت لا تدري:
((حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه و هو يعلم به.
فهل نحن ممن يحسن الجوار فإن حسن الخلق والجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار.
(من علامات حسن الخلق البشر وطلاقة الوجه:
من علامات حسن الخلق البشر وطلاقة الوجه؛ فإن الابتسامة دليل على حسن الخلق؛ وتوطِّنُ النفس على الأخذ بمحاسن الأخلاق؛ فالبسمة في وجه أخيك هي من أغلى ما تهديه إليه .. وبها تدخل السرور في قلب أخيك المسلم فإن أثر طلاقة الوجه على النفوس لا يجهله أحد وهو أثر ملموس يحسه كل أحد عندما يجد البسمة من أخيه، فالابتسامة تكسر كل الحواجز , وتنهي كل الضغائن , وتريح النفوس , وتجمع القلوب , وتدعو إلى المسامحة والتآلف والمحبة , وتشجع على التعاون والتكاتف والتآخي، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكاً حتى أرى لهواته إنما كان يبتسم.
((حديث جرير ابن عبد الله الثابت في الصحيحين) قال ما رآني رسول الله ﷺ منذ أن أسلمت إلا تبسم في وجهي.
((حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة.
((حديث أبي ذر الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا تحقرن من المعروف شيئا و لو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق.
стр. 3880
فمن الفوائد اللطيفة أن النبي ﷺ نهى عن احتقار أي شيء من المعروف بدليل قوله: ﴿لاتحقرن من المعروف شيئاً﴾ فكلمة ﴿شيئاً﴾ هنا هي نكرة في سياق النهي فتفيد العموم ومعنى ذلك أن لايحقر الإنسان من المعروف شيئاً حتى لو كان ذلك الشيء هو الابتسامة.
ومن الفوائد أيضاً أن الابتسامة هي أقل أنواع المعروف وذلك لأنها لاتتطلب مزيد عمل أو جهد وإنما يكفي فقط المبتسم أن يتبسم دون أن يتكلم أو يعمل شيئاً ومن الفوائد كذلك أن الابتسامة من المعروف لأن طلاقة الوجه هي التبسم والبشاشة فتكون من المعروف وهذا يدل على أن المبتسم يؤجر على ابتسامته وطلاقة وجهه لأن النبي ﷺ سماه هنا معروفاً والمعروف هو إسداء الخير للغير فيكون مأجوراً عليه صاحبه ويدل على ذلك أيضاً أن العلماء عرفوا حسن الخلق بتعريف شامل لهذا المعروف فقالوا إن حسن الخلق هو بذل المعروف وكف الأذى وطلاقة الوجه ولا شك أن للابتسامة العديد من الفوائد والثمار التي يحصل عليها المتبسم كما يحصل عليها الآخرين ومن ثم تعود تلك الفوائد والثمار على المجتمع بأسره.
فمن الفوائد والثمار التي تعود على صاحب الابتسامة ما يلي:
(١) أن المبتسم يكون قد أطاع النبي ﷺ في هذا التوجيه النبوي وهو طلاقة الوجه والتبسم ولو لم يحصل المبتسم إلا على هذه الفائدة لكفته.
(٢) محبة الآخرين فإن الشخص المبتسم يكون محبوباً من الآخرين ولا شك أن كل عاقل وعاقلة يسعى إلى الحصول على محبة الآخرين ويجتهد في الأخذ بأسبابها ومن أسبابها الابتسامة والبشاشة.
(٣) أن المبتسم يحظى بما يريده من الآخرين من مطلوبات مباحة أو عفو عن زلل أو مسامحة على خطأ فإن الرضا عن هذا المبتسم البشوش يحقق له مايريد الوصول إليه من أهداف نبيلة ومساع طيبة لاسيما إذا كان من الدعاة إلى الله تعالى وقد أحسن من قال:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
أما الفوائد التي تعود على الآخرين فهي كثيرة جداً ومن أهمها ما يلي:
(١) الارتياح لهذا الشخص وغالباً مايؤدي هذا الارتياح إلى السؤال عن ذلك الشخص ثم بعد معرفته تبنى جسور الثقة التي كان أساسها تلك الابتسامة وهذا أمر مهم.
стр. 3881
(٢) التعاون مع هذا المبتسم سواء كان في عمله أو فيما يحتاجه من مساعده أو قبول ماعنده من الحق وقد بين الله تعالى أهمية ذلك في كتابه الكريم بقوله تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: ١٥٩] فالفظاضة من الشخص وكونه دائماً مكفهراً الوجه حاد الطبع تجعل الناس يبتعدون عنه أما الابتسامة والبشاشة وطلاقة الوجه وحسن التعامل فإنها تجعل الناس يقتربون من هذا الشخص ويستمعون إليه وهذا هو المهم فإن الناس يستفيدون من هذا المبتسم ويستمعون إليه بسبب كونه بشوشاً مبتسماً محباً لهم وليس العكس.
وأما الفوائد التي تعود على المجتمع فهي كثيرة أيضاً من أبرزها ما يلي:
(١) التعاون والتكاتف والإنجاز فإن المجتمع الذي يتعامل أفراده فيما بينهم بالابتسامة والود والوفاء يكون مجتمعاً متعاوناً ومنتجاً ومتكاتفاً فإن للابتسامة أثراً نفسياً عجيباً في الإخلاص والتحمل والوفاء وهذا بدوره يؤدي إلى التعاون والإنجاز الذي يسعى إليه كل مجتمع من المجتمعات.
(٢) أن الابتسامة تشيع روح المحبة في المجتمع. والحب في المجتمعات يؤدي إلى الكثير من الأمور التي يحتاجها الأفراد والتي من خلالها يتلاحم أفراد هذا المجتمع فالحب في الله أوثق عرى الإيمان وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عباس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله و المعاداة في الله و الحب في الله و البغض في الله عز و جل.
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: من أحب لله و أبغض لله و أعطى لله و منع لله فقد استكمل الإيمان.
стр. 3882
((حديث عمر الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ هذه الآية (أَلآ إِنّ أَوْلِيَآءَ اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس: ٦٢].
((حديث أبي موسى ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: قيل للنبي ﷺ الرجل يحب القومَ ولما يلحقُ بهم قال: المرء مع من أحب.
((حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» قال: لا شيء إلا أني أُحب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت».
ومن الخطأ الفاحش عند بعض الناس؛ ظنه بأن التبسم في وجوه الناس يجرئهم عليه؛ أو أنه لا يليق بالسمت والرزانة؛ فتجد أحدَهم إذا سلَّم على الناس أو خاطبهم أقبل عليهم بوجه عبوس وكأنه مغضبٌ من أمر ما؛ وهذا خطأ بالغ جسيم؛ وهو من تلبيس الشيطان؛ فالسمت وقوة الشخصية ليست بترك التبسم ومحاسن الأخلاق؛ بل إن التعامل بهذا المنطق دليل الجفاء والغلظة؛ قال الحارث بن جزء ﵁: " يعجبني من القراء كل طليق مضحاك؛ فأما الذي تلقاه ببشر؛ ويلقاك بوجه عبوس كأنه يمن عليك؛ فلا أكثر الله في المسلمين مثله".
والهيبة لا يُنقصها حسن الخُلق في التعامل مع الناس؛ والتبسم في وجوه الخلق؛ فقد كان سلف الأمة أحسن الناس أخلاقاً؛ وأعظمهم هيبة في قلوب الناس؛
((قال ضرار بن حمزة يصف عليّ بن أبي طالب ﵁: " كان واللهِ يجيبنا إذا سألناه؛ ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبِه لنا وقربِه منّا؛ لا نكلمه هيبةً له، يعظِّمُ أهل الدين؛ ويحب المساكين؛ لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ".
(من علامات حسن الخلق قضاء حوائج المسلمين:
стр. 3883
من علامات حسن الخلق قضاء حوائج المسلمين يمسحون آلامهم ويقيلون عثراتهم، يعينونهم برأيهم وهم لهم ناصحون ويمدونهم بمالهم وهم عليهم مشفقون، ويسعون معهم بجاههم وهم لخيرهم راغبون وفي كل ذلك يلتمسون الأجر والقرب منه تعالى، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة.
الكربة: هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الهم والغم والكرب.
أليس الحري بنا أن ننفّس كربات المكروبين وأن نيسّر على المعسرين وأن نقضي حوائج المحتاجين ونمدّ يد المعونة والنجدة للمنكوبين من إخواننا المسلمين. أليس فينا المهجر والمنكوب والمحروم والمسكين والمُعدَم واليتيم. أوليس فينا الغني والموسر ومن يستطيع سدّ ضرورات المحتاجين.
(ولقد وعد الله تعالى على لسان رسوله ﷺ أن يرفع كرب الآخرة عمن يرفع كرب الدنيا عن المسلمين.
(ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة)
ومن المعلوم أن كرب الدنيا كلها بالنسبة لكرب الآخرة لا شيء، فإن كرب الآخرة شيء عظيم، يدلك على ذلك قول الله تعالى: يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ وَلََكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ [الحج:١ - ٢].
وقال تعالى: فَكَيْفَ تَتّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً السّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً [المزمل:١٧ - ١٨].
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
стр. 3884
((حديث المقداد بن الأسود ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حِقْوَيْه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: أن رسول الله ﷺ قال: (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم).
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ تدرون ما هذا؟ قال قلنا الله ورسوله أعلم، قال هذا حجر ُرِمىَ به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وَجْبَتَها.
((حديث عدي بن حاتم ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة).
((حديث عدي بن حاتم ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة.
فكل هذه النصوص تدل على أن كرب الآخرة شيء عظيم جدا، وليس هناك من يدفع عنك – أيها المسلم – كرب الآخرة يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
إلا أن تفرج عن المسلمين كرب الدنيا، ففي الحديث عن النبي أنه قال: ((من فرّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)).
فعليك أيها المسلم القادر أن تسعى لإزالة ما يحل بالمسلمين من النائبات والمصائب والكرب، فمن ابتلي بمسغبة بذلت له من مالك، أو حثثت الأغنياء على التصدق عليه ومعونته، ومن ابتلي بالعطالة سعيت له في تحصيل عمل، ومن حاق به ظلم ظالم رددت عنه الظلم ما وجدت إلى ذلك سبيلا، وبالجملة فأنت أيها المسلم مكلف شرعا أن تسعى جاهدا لإزالة النائبات أو تخفيفها عن إخوانك المسلمين، والله سبحانه يعدك علىذلك أن يدفع كرب يوم الدين.
стр. 3885
((حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: على كل مسلمٍ صدقة، قالوا يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدَّق. قالوا فإن لم يجد؟ قال: يُعينُ ذا الحاجةِ الملهوفِ فإنه له صدقة. قالوا فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروفِ وليُمسك عن الشرِ فإنه له صدقة.
((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم و أحب الأعمال إلى الله عز و جل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا «و لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا» ومن كف غضبه ستر الله عورته و من كظم غيظا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة و من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
((حديث محمد بن المنكدر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دينا تقضي له حاجة تنفس له كربة.
((حديث جابر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: خير الناس أنفعهم للناس.
﴿تنبيه﴾: (النفع هنا لا يقتصر على النفع المادي فقط، ولكنه يمتد ليشمل النفع بالعلم، والنفع بالرأي، والنفع بالنصيحة، والنفع بالمشورة، والنفع بالجاه، والنفع بالسلطان، ونحو ذلك، فكل ما استطعت أن تنفع به إخوانك المسلمين فنفعتهم به، فأنت داخل في قوله ﷺ خير الناس أنفعهم للناس.
((حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الساعي على الأرملة و المسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار.
((حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أنا و كافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بأُصبعيه بالسبابة والوسطى.
(ومن قضاء حوائج المسلمين أن تقضي عنهم ديونهم:
стр. 3886
إن الله ﵎ جعل للغارمين نصيبا في الصدقات المفروضة، وجعل لهم حقا معلوما في مال الأغنياء، قال تعالى: (إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:٦٠].
والغارمون هم من ركبتهم الديون ولزمتم، ثم لم يجدوا لها وفاء، فأهل الأموال مطالبون شرعا بقضاء دين الغارمين، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال * أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك.
فعلى أصحاب الأموال وذوي الغنى والثراء أن يتفقدوا الغارمين من الفقراء، والأغنياء على حد سواء، فإن الرجل لو أوتي من المال نصيبا، ثم كان عليه من الدين أكثر مما عنده فهو من الغارمين، فوجب على أصحاب الأموال أن يقضوا عنه دينه، حتى يخرجوه من هذه الكربة التي نزلت به، ولو أن أصحاب الأموال والغنى والثراء، ولو أن رجال الأعمال تفقد بعضم بعضا وبحثوا عن الغارمين منهم وقضوا دينهم، لوقف الرجل على رجليه مرة ثانية، وسعى فرزقه الله، ولم يعد يحتاج إلى الناس بعد ذلك، ولكن مشكلة الأغنياء أنهم يتغافلون عن الديون التي تلزم إخوانهم أصحاب الأموال، ولا يفكرون في قضائها عنهم، في حين أن الإسلام قد جعل قضاء الدين عن الغارمين من أبواب الصدقات المفروضة.
(ومن قضاء حوائج المسلمين أن تطرد عن مسلم جوعا:
стр. 3887
ومن أحب الأعمال إلى الله : أن تطرد عن مسلم جوعا، فطرد الجوع عن الجائعين عمل من أعمال البر، يجزي الله عليه بجنة عالية، قطوفها دانية، فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال تعالى: (إِنّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً إِنّا نَخَافُ مِن رّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللّهُ شَرّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنّةً وَحَرِيراً [الإنسان:٥ - ١٢].
ولقد حث الله تعالى على طرد الجوع عن الجائعين، فقال : فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمّ كَانَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد:١١ - ١٨].
وبين الله أن من الأسباب الموجبة لدخول النار عدم طرد الجوع عن الجائعين مع القدرة عليه، قال تعالى: كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ وَكُنّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدّينِ حَتّىَ أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:٣٨ - ٤٧].
стр. 3888
وجعل الله تعالى من أسباب دخول النار ترك الحض على إطعام الجائعين، قال الله : وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَآ أَغْنَىَ عَنّي مَالِيَهْ هّلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلّوهُ ثُمّ الْجَحِيمَ صَلّوهُ ثُمّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضّ عَلَىَ طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ لاّ يَأْكُلُهُ إِلاّ الْخَاطِئُونَ [الحاقة:٢٥ - ٣٧].
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي موسى الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكُّوا العاني: الأسير.
((حديث عبد الله بن سلام الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: يأيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.
((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم و أحب الأعمال إلى الله عز و جل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا و لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا ومن كف غضبه ستر الله عورته و من كظم غيظا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة و من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
(النكير على من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه:
((حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه و هو يعلم به.
стр. 3889
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله يقول يوم القيامة يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي.
(إن إعانة الآخرين والسعي إلى قضاء حوائجهم من علامات حسن الخلق فينبغي أن يسعى الإنسان إلى ذلك. فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه كان معتكفاً في المسجد ذات يوم فدخل رجلٌ وعلى وجهه علامات الهم والغم فقال له ابن عباس: "ما لك يا ابن أخي؟ "، فقال: "إن علي ديناً وقد حل أجله وليس عندي سداده". فقال ابن عباس: "أتريد أن أكلم لك صاحب الدين أن ينظرك إلى ميسرة؟ ". قال: "نعم". فأمسك بيده يمشيان في المسجد حتى إذا وصلا إلى الباب قال الرجل: "يا ابن عباس أنسيت أنك معتكف وأن المعتكف لا يخرج من المسجد". قال: "كلا ما نسيت ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا.
فالمسلم يساعد أخاه المسلم, بقدر إمكانياته بيده، بماله، بجاهه ولا يضيق به مؤثراً السكينة وقد أخلد إلى الراحة .. بينما نجد غيره من إخوته تؤرقهم الهموم، وتقض مضاجعهم المحن .. وبإمكانه أن يمسحها بشيء من الإيثار ولو على حساب راحته.
قد تحل بأحد المسلمين مشكلة فماذا يكون موقف الآخرين منها؟ لن نتحدث عن ضعاف الإيمان وإنما نتحدث عن الصفوة التي نأمل منها الكثير .. وكثير من هؤلاء يواجهون المشكلة بهز الكتفين ولسان حال أحدهم يقول: مالي ولهذا الأمر، فأشغالي أجل منها.
وفي أحسن حالاته يحوقل ويتأوه وكأنه يقول: ليس بالإمكان أحسن مما كان.
إن السلبية واللامبالاة لن تحل أمور المسلمين، وهذه التصرفات لابد أن نؤاخذ عليها.
فالنعمة التي خولها الله للعبد سيسأل عنها فيم وضعها؟ فكيف إذا سئل العبد يوم القيامة إن فلاناً المسلم كان في ضائقة وكان بإمكانك مساعدته،
стр. 3890
وكم من شاب قد ينحرف عن دينه لقضاء مصالحه عن طريق غير المسلمين إذا ساعدوه في المال لإنهاء دراسته! وكم من أسرة تضرع بالدعاء إلى من مد لها يد العون وقد يكون من أعداء الإسلام! ..
وهذا ما يقوم به المنصرون في كثير من ديار المسلمين الفقيرة، وأندونيسيا خير شاهد على ذلك.
كم من أسرة ناشئة بنيت على غير مرضاة الله للتقصير في مساعدة الشباب على الإحصان الذي يدعو له الشرع! كل ذلك في غيبة الوعي الفعلي والتقدير لقيمة العون.
والله تعالى يقول: (مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا) [النساء ٨٥].
إن سيرك في حاجة أخيك المسلم إن أحسنت النية واحتسبت الأجر من الله قد تكون من أفضل العبادات.
ومن هنا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم أشد حرصا من غيرهم على المشي في قضاء حوائج المسلمين،
(وكان أبو بكر الصديق ﵁ يحلب للحي أغنامهم فلما استخلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها. فقال أبو بكر وإني لأرجو ألا يغرني ما دخلت فيه ـ يعني الخلافة ـ عن شيء كنت افعله أو كما قال.
(ولقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يتعاهد الأرامل بالليل يستقي لهن الماء فرآه طلحة ﵁ ليلة يدخل بيت امرأة، فدخل طلحة على المرأة نهارا فإذا هي امرأة عمياء مقعدة.
فقال لها: يا هذه ما يصنع هذا عندك؟ قالت: إنه منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى.
فقال طلحة ﵁: ثكلتك أمك يا طلحة! أعورات عمر تتبع؟! وكان كثير من الصالحين إذا خرج في سفر مع أصحابه يشترط عليهم أن يخدمهم، فإذا خرجوا وأراد أحدهم أن يغ
(روي أن الحسن البصري ﵀ بعث نفرا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل مسلم، وأمرهم أن يمروا بثابت البناني فيأخذوه معهم، فأتوا ثابتا فأخبروه فقال: إني معتكف، فرجعوا إلى الحسن.
فقال لهم: قولوا له يا أعمش! أما تعلم، مشيك في قضاء حوائج المسلمين خير لك من حجة بعد حجة. فرجعوا إلى ثابت فترك اعتكافه وخرج معهم. سل رأسه أو قميصه قال: هذا شرطي، فتركه يغسل رأسه وقميصه.
следующие страницы →