← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

إن الله ﵎ جعل للغارمين نصيبا في الصدقات المفروضة، وجعل لهم حقا معلوما في مال الأغنياء، قال تعالى: (إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:٦٠]. والغارمون هم من ركبتهم الديون ولزمتم، ثم لم يجدوا لها وفاء، فأهل الأموال مطالبون شرعا بقضاء دين الغارمين، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال * أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك. فعلى أصحاب الأموال وذوي الغنى والثراء أن يتفقدوا الغارمين من الفقراء، والأغنياء على حد سواء، فإن الرجل لو أوتي من المال نصيبا، ثم كان عليه من الدين أكثر مما عنده فهو من الغارمين، فوجب على أصحاب الأموال أن يقضوا عنه دينه، حتى يخرجوه من هذه الكربة التي نزلت به، ولو أن أصحاب الأموال والغنى والثراء، ولو أن رجال الأعمال تفقد بعضم بعضا وبحثوا عن الغارمين منهم وقضوا دينهم، لوقف الرجل على رجليه مرة ثانية، وسعى فرزقه الله، ولم يعد يحتاج إلى الناس بعد ذلك، ولكن مشكلة الأغنياء أنهم يتغافلون عن الديون التي تلزم إخوانهم أصحاب الأموال، ولا يفكرون في قضائها عنهم، في حين أن الإسلام قد جعل قضاء الدين عن الغارمين من أبواب الصدقات المفروضة. (ومن قضاء حوائج المسلمين أن تطرد عن مسلم جوعا:

стр. 3887

ومن أحب الأعمال إلى الله : أن تطرد عن مسلم جوعا، فطرد الجوع عن الجائعين عمل من أعمال البر، يجزي الله عليه بجنة عالية، قطوفها دانية، فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال تعالى: (إِنّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً إِنّا نَخَافُ مِن رّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللّهُ شَرّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنّةً وَحَرِيراً [الإنسان:٥ - ١٢]. ولقد حث الله تعالى على طرد الجوع عن الجائعين، فقال : فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمّ كَانَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد:١١ - ١٨]. وبين الله أن من الأسباب الموجبة لدخول النار عدم طرد الجوع عن الجائعين مع القدرة عليه، قال تعالى: كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ وَكُنّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدّينِ حَتّىَ أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:٣٨ - ٤٧].

стр. 3888

وجعل الله تعالى من أسباب دخول النار ترك الحض على إطعام الجائعين، قال الله : وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَآ أَغْنَىَ عَنّي مَالِيَهْ هّلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلّوهُ ثُمّ الْجَحِيمَ صَلّوهُ ثُمّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضّ عَلَىَ طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ لاّ يَأْكُلُهُ إِلاّ الْخَاطِئُونَ [الحاقة:٢٥ - ٣٧]. وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث أبي موسى الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكُّوا العاني: الأسير. ((حديث عبد الله بن سلام الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: يأيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام. ((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم و أحب الأعمال إلى الله عز و جل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا و لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا ومن كف غضبه ستر الله عورته و من كظم غيظا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة و من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل. (النكير على من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه: ((حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه و هو يعلم به.

стр. 3889

((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله يقول يوم القيامة يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي. (إن إعانة الآخرين والسعي إلى قضاء حوائجهم من علامات حسن الخلق فينبغي أن يسعى الإنسان إلى ذلك. فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه كان معتكفاً في المسجد ذات يوم فدخل رجلٌ وعلى وجهه علامات الهم والغم فقال له ابن عباس: "ما لك يا ابن أخي؟ "، فقال: "إن علي ديناً وقد حل أجله وليس عندي سداده". فقال ابن عباس: "أتريد أن أكلم لك صاحب الدين أن ينظرك إلى ميسرة؟ ". قال: "نعم". فأمسك بيده يمشيان في المسجد حتى إذا وصلا إلى الباب قال الرجل: "يا ابن عباس أنسيت أنك معتكف وأن المعتكف لا يخرج من المسجد". قال: "كلا ما نسيت ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا. فالمسلم يساعد أخاه المسلم, بقدر إمكانياته بيده، بماله، بجاهه ولا يضيق به مؤثراً السكينة وقد أخلد إلى الراحة .. بينما نجد غيره من إخوته تؤرقهم الهموم، وتقض مضاجعهم المحن .. وبإمكانه أن يمسحها بشيء من الإيثار ولو على حساب راحته. قد تحل بأحد المسلمين مشكلة فماذا يكون موقف الآخرين منها؟ لن نتحدث عن ضعاف الإيمان وإنما نتحدث عن الصفوة التي نأمل منها الكثير .. وكثير من هؤلاء يواجهون المشكلة بهز الكتفين ولسان حال أحدهم يقول: مالي ولهذا الأمر، فأشغالي أجل منها. وفي أحسن حالاته يحوقل ويتأوه وكأنه يقول: ليس بالإمكان أحسن مما كان. إن السلبية واللامبالاة لن تحل أمور المسلمين، وهذه التصرفات لابد أن نؤاخذ عليها. فالنعمة التي خولها الله للعبد سيسأل عنها فيم وضعها؟ فكيف إذا سئل العبد يوم القيامة إن فلاناً المسلم كان في ضائقة وكان بإمكانك مساعدته،

стр. 3890

وكم من شاب قد ينحرف عن دينه لقضاء مصالحه عن طريق غير المسلمين إذا ساعدوه في المال لإنهاء دراسته! وكم من أسرة تضرع بالدعاء إلى من مد لها يد العون وقد يكون من أعداء الإسلام! .. وهذا ما يقوم به المنصرون في كثير من ديار المسلمين الفقيرة، وأندونيسيا خير شاهد على ذلك. كم من أسرة ناشئة بنيت على غير مرضاة الله للتقصير في مساعدة الشباب على الإحصان الذي يدعو له الشرع! كل ذلك في غيبة الوعي الفعلي والتقدير لقيمة العون. والله تعالى يقول: (مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا) [النساء ٨٥]. إن سيرك في حاجة أخيك المسلم إن أحسنت النية واحتسبت الأجر من الله قد تكون من أفضل العبادات. ومن هنا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم أشد حرصا من غيرهم على المشي في قضاء حوائج المسلمين، (وكان أبو بكر الصديق ﵁ يحلب للحي أغنامهم فلما استخلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها. فقال أبو بكر وإني لأرجو ألا يغرني ما دخلت فيه ـ يعني الخلافة ـ عن شيء كنت افعله أو كما قال. (ولقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يتعاهد الأرامل بالليل يستقي لهن الماء فرآه طلحة ﵁ ليلة يدخل بيت امرأة، فدخل طلحة على المرأة نهارا فإذا هي امرأة عمياء مقعدة. فقال لها: يا هذه ما يصنع هذا عندك؟ قالت: إنه منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى. فقال طلحة ﵁: ثكلتك أمك يا طلحة! أعورات عمر تتبع؟! وكان كثير من الصالحين إذا خرج في سفر مع أصحابه يشترط عليهم أن يخدمهم، فإذا خرجوا وأراد أحدهم أن يغ (روي أن الحسن البصري ﵀ بعث نفرا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل مسلم، وأمرهم أن يمروا بثابت البناني فيأخذوه معهم، فأتوا ثابتا فأخبروه فقال: إني معتكف، فرجعوا إلى الحسن. فقال لهم: قولوا له يا أعمش! أما تعلم، مشيك في قضاء حوائج المسلمين خير لك من حجة بعد حجة. فرجعوا إلى ثابت فترك اعتكافه وخرج معهم. سل رأسه أو قميصه قال: هذا شرطي، فتركه يغسل رأسه وقميصه.

стр. 3891

((حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: كنا مع النبي ﷺ ، أكثرنا ظلا الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبي ﷺ : (ذهب المفطرون اليوم بالأجر). لأنهم كانوا في خدمة إخوانهم الصائمين وقضاء حوائجهم. فيا أخا الإسلام: اقض الحوائج مااستطعت ... و كن لهم أخيك فارج فلخير أيام الفتى ... يوم قضى فيه الحوائج اقض الحوائج ما استطعت، واسعَ في حوائج المسلمين ما استطعت، وتذكر أن ما بك من نعمة فإنما أنعم الله بها عليك لتنفع المسلمين، وتمشي في حوائجهم، فإن أنت فعلت أتم عليك نعمته وزادك منها، وإن أنت بخلت وقعدت عن المشي في قضاء حوائج المسلمين ذهبت عنك نعمة الله ﵎. ((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن لله تعالى أقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد و يقرها فيهم ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم. ((يقول ابن القيم ﵀ في معرض ذكره للآراء في أفضل العبادات: ومنهم من رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعدٍ. فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر. فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل فتصدوا له وعملوا عليه واحتجوا بقول النبي ﷺ : «الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» [رواه أبو يعلى]. (ضعيف الجامع) واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النافع متعدٍ إلى الغير (أين أحدهما من الآخر؟) قالوا: ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. واحتجوا أن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي سعى إليه. واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في معاشهم ومعادهم، ولم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والرّهب، ولعل في هذا القول ما يشفي ويكفي. فإلى قضاء مصالح المسلمين ينبغي أن ينشط الدعاة المخلصون في كل مكان، ولا تشغلهم عنها كثرة التبعات. وما قصة عمر بن الخطاب ﵁ مع المرأة التي كانت في حالة وضع، ومساعدة زوجها في طهي الطعام عنا ببعيدة. إن الفطرة السوية لن تنسى اليد التي امتدت إليها ساعة المحنة.

стр. 3892

أيها الأخ المسلم يا من تريد النجاح في الدارين: إن الأمر سهل ميسور، إذا عودت نفسك على قضاء مصالح إخوانك ذوي الحاجات، ولن تنفع الخطب والمواعظ إذا تقاعست عن أداء حق الأخوة والدين. (من علامات حسن الخلق التحلي بأسباب الألفة والمحبة: وهي «التحلي بالكلام الطيب ـ التواضع وهو خفض الجناح ولين الجانب كالجمل الذلول – إفشاء السلام – الهدية – الزهد فيما في أيدي الناس» (من علامات حسن الخلق التحلي بالكلام الطيب: قال الله جل وعلا في وصف أهل الجنة (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) سورة الحج: ٢٤]، وقال تعالى آمراً لنا (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة:٨٣]، (وبيَّن سبحانه أن الشيطان يحرص على التحريض بين الناس. وأن الكلام الطيب هو الذي يفسد مخططات هذا الشيطان فقال تعالى (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) [الإسراء: ٥٣]، وقال جل وعلا حينما بعث موسى وهارون إلى فرعون الذي قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات: ٢٤] والذي قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: ٣٨]، بعثهما الله آمراً لهما (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه: ٤٤] وقد جاء أن أحد الوعاظ جاء ينصح أحد العصاة وقد شدد عليه، فقال له الفاسق: رويداً يا ابن أخي فلست خيراً من موسى وهارون ولست بأفسد من فرعون فإن الله قد ابتعث من هو خير منك إلى من هو شر مني وقال له: (وقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى) (وبيَّن سبحانه وجوب الكلام الطيب مع الناس عامة فقال تعالى: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: ٨٣] وقال تعالى: (وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً) [النساء: ٥]. وقال تعالى: (فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا) [الإسراء: ٢٨]. (ثم بين سبحانه أن للوالدين الحق الأول على الإنسان في مخاطبتهما بالكلام اللين والطيب فقال تعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا) [الإسراء: ٢٢، ٢٣].

стр. 3893

(وقد لا تستطيع أن تقدم المال للناس وللفقراء منهم والمساكين لكنك تستطيع أن تقدم لهم الكلام الطيب قال تعالى: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) [البقرة: ٢٦٣] وقال تعالى: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ) [الضحى: ١٠]. (وبين سبحانه الثواب العظيم الذي يترتب على قول الطيب فقال تعالى: (يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: ٧٠، ٧١] (والكلمة الطيبة صدقة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: كلُ سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يومٍ تطلع فيه الشمس، َيعِدلُ بين الاثنين صدقة، ويعين الرجلُ على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكلُ خطوةٍ يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميطُ الأذى عن الطريق صدقة) (حديث أبي مالك الأشعري ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام و ألان الكلام و تابع الصيام و صلى بالليل و الناس نيام. (والكلمة الطيبة قد ترفع صاحبها درجات بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات و إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم. (والكلمة الطيبة مما يتقى به من النار بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: ((حديث عدي بن حاتم ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة. (والكلمة الطيبة مغنم بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: ((حديث خالد بن أبي عمران الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن سوء فسلم. (طيب الكلام من الخصال الموجبة للجنة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (

стр. 3894

((حديث أبي شريح ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال: يا رسول الله أخبرني بشيء يوجب لي الجنة. قال: طيب الكلام، وبذل السلام، وإطعام الطعام. ((هل يمكن اكتساب التحلي بالكلام الطيب: ﴿تنبيه﴾: (اعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن التحلي بالكلام الطيب يمكن اكتسابه بترويض النفس فلا ينبغي للإنسان أن يستوطئ العجز ولا أن يقول أنني جُبلت على ذلك فإنه من يتحرى الخير يُعطه ومن يتق الشر يُوَقَّه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إنما العلم) أي تحصيله. (بالتعلم) بضم اللام على الصواب كما قاله الزركشي ويروى بالتعليم أي ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ عن الأنبياء وورثتهم على سبيل التعليم وتعلمه طلبه واكتسابه من أهله وأخذه عنهم حيث كانوا فلا علم إلا بتعلم من الشارع أو من ناب عنه منابه وما تفيده العبادة والتقوى والمجاهدة والرياضة إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع العقول ثم هو ينقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام ومنه ما لا يدخل تحت دائرة العبادات وإن كان مما يتناوله الإشارة ومنه ما لا تفهمه الضمائر وإن أشارت إليه الحقائق في وضوحه عند مشاهده وتحققه عند متلقيه فافهم قال ابن مسعود تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه وقال ابن سعد ما سبقنا ابن شهاب للعلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل وكنا تمنعنا الحداثة وقال الثوري من رق وجهه رق علمه وقال مجاهد لا يتعلم مستحي ولا متكبر وقيل لابن عباس بما نلت هذا العلم قال بلسان سؤول وقلب عقول (وإنما الحلم بالتحلم) أي ببعث النفس وتنشيطها إليه قال الراغب: الحلم إمساك النفس عن هيجان الغضب والتحكم إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب (ومن يتحر الخير يعطه) أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه. (ومن يتق الشر يوقه) زاد الطبراني والبيهقي في روايتيهما ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلى ولا أقول لكم الجنة من تكهن أو استقسم أو ردّه من سفر تطير.

стр. 3895

(تنبيه) قال بعضهم: ويحصل العلم بالفيض الإلهي لكنه نادر غير مطرد فلذا تمم الكلام نحو الغالب قال الراغب: الفضائل ضربان نظري وعملي وكل ضرب منها يحصل على وجهين أحدهما بتعلم بشرى يحتاج إلى زمان وتدرب وممارسة ويتقوى الإنسان فيه درجة فدرجة وإن فيهم من يكفيه أدنى ممارسة بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة، والثاني يحصل بفيض إلهي نحو أن يولد إنسان عالماً بغير تعلم كعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وغيرهما من الأنبياء ﵈ الذين حصل لهم من المعارف بغير ممارسة ما لم يحصل لغيرهم وذكر بعض الحكماء أن ذلك قد يحصل لغير الأنبياء ﵈ في الفيئة بعد الفيئة وكلما كان يتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللّهجة وسخياً وجريئاً وآخر بعكسه وقد يكون بالتعلم والعادة فمن صار فاضلاً طبعاً وعادة وتعلماً فهو كامل الفضيلة ومن كان رذلاً فهو كامل الرذيلة. ((أقوال السلف في فضل طيب الكلام: (روى ابن المبارك في كتاب الجهاد بإسناده عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لولا ثلاث، لولا أن أسير في سبيل الله أو يغبر جبيني في السجود، أو أقاعد قوما ينتقون طيب الكلام كما يُنتقى طيب الثمر لأحببت أن أكون قد لحقت بالله . (وروى ابن المبارك في الزهد أن أبا الدرداء ﵁ قال: لولا ثلاث ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، ومجالسة أقوام يَنتقون جيد الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر. وفي رواية أنه قال: لولا ثلاث لأحببت أن لا أبقى في الدنيا؛ وضعي وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار أقدمه لحياتي، وظمأ الهواجر، ومُقاعدة أقوام يَنتقون الكلام كما تُنتقى الفاكهة. ((وفي تاريخ دمشق عن شعبة قال: سمعت حميد الأوزاعي قال: قال رجل من رهط أبي الدرداء: ولولا ثلاث هن من حاجة الفتى = أجدك لم أحفل إذا قام رامسي قال أبو الدرداء: لكني لا أقول كما قال، لولا ثلاث ما باليت متى متّ: لولا أن أسير غازيا في سبيل الله، أو أعفر وجهي في التراب، ولولا أن أقاعد قوما يلتقطون طيب الكلام كما يُلتقط طيب التمر، ما باليت متى متّ. وذكر الجاحظ في البيان والتبيين بعض الآثار عن فضل طيب الكلام فقال: ((قال الفضيل بن عياض ﵀: نِعمت الهدية الكلمة من الحكمة يحفظها الرجل حتى يلقيها إلى أخيه. ((وكان يُقال: اجعل ما في الكتب بيت مال، وما في قلبك للنفقة.

стр. 3896

((وكان يُقال: يَكتب الرجل أحسن ما سمع، ويحفظ أحسن ما كتب. ((وقال أعرابي: حرف في قلبك خير من عشرة في طومارك. ((وقال عمر بن عبد العزيز: ما قُرن شيء بشيء أفضل من علم إلى حلم، ومن عفو إلى قدرة. ((وكان ميمون بن سياه إذا جلس إلى قوم قال: إنا قوم منقطع بنا فحدثونا أحاديث نتجمل بها. ((وضرب الحجاج أعناق أسرى فلما قَدّموا إليه رجلا ليضرب عنقه قال: والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو، فقال الحجاج: أف لهذه الجيف أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا؟ وأمْسَكَ عن القتل. ((وقدموا رجلا من الخوارج إلى عبد الملك لتضرب عنقه ودخل على عبد الملك ابن صغير له قد ضربه المعلم وهو يبكي فهمّ عبد الملك بالمعلم فقال: دعه يبكي فانه أفتح لجرمه وأصح لبصره وأذهب لصوته، فقال له عبد الملك: أما يشغلك ما أنت فيه عن هذا؟! قال: ما ينبغي للمسلم أن يشغله عن قول الحق شيء، فأَمَرَ بتخلية سبيله. انتهى ما ذكره الجاحظ. اهـ. ((وسُئل الأوزاعي: ما إكرام الضيف؟ قال: طلاقة الوجه، وطيب الكلام. ((وقد جعل ابن القيم ﵀ طيب الكلام وانتقاءه من الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها فعدّ من تلك الأسباب: مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر. أهـ (من علامات حسن الخلق التواضع: و التواضع هو «خفض الجناح ولين الجانب كالجمل الذلول»: قال تعالى: (وَعِبَادُ الرّحْمََنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً) [الفرقان: ٦٣] أي في سكينة ووقار متواضعين «مع خفض جناحٍ ولين جانب»،ليسوا مرحين، ولا متكبرين، أي علماء حكماء، أي أصحاب وقار وعفة، لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا، هذا معنى قوله تعالى: وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة: ٥٤] (معنى أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: أي ينقادون لهم، يشفقون عليهم، يرحمونهم، يعطفون عليهم، «ليس ذل هوان وإنما ذل انقياد»، كيف أن الأم لما أودع الله في قلبها من الرحمة يستطيع ابنها أن يسألها، وأن تجيبه، تجيبه برحمتها به، لذلك المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل. أما معنى قوله تعالى: (معنى أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ:

стр. 3897

من عزة القوة والمنعة والغلبة، قال عطاء: أذلة على المؤمنين أي هم للمؤمنين كالوالد لولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته. وقال تعالى: (مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩]. وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث عِياضِ بن حمار الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد. ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا و ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. ((حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعله. ((حديث الأسود بن يزيد الثابت في صحيح البخاري) قال سُئلت عائشةُ رضي الله تعالى عنها ما كان يصنع النبي ﷺ في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. ((حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ كان يخيط ثوبه و يخصف نعله و يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم. ((حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ كان يفلي ثوبه و يحلب شاته و يخدم نفسه. ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، قال أصحابه وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط َ لأهل مكة. ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: لو دُعِيتُ إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت و لو أُهْدِيَ إليَّ ذراعٍ أو كُرَاعٍ لقبلت ... . ((حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) قال: كانت ناقةٌ لرسول الله ﷺ تسمى العضباء وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قَعُودٍ له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين فقالوا: سُبقت العضباء! قال رسول الله ﷺ : إن حقا على الله تعالى أن لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا وضعه.

стр. 3898

((حديث أبي جُحَيفة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: (إني لا آكل متكئاً). (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس. ﴿تنبيه﴾: (والسبب في ذلك أن الإتكاء حال الأكل من صفات المتكبرين والعياذ بالله. ((حديث عبد الله بن بسر ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قال: أهديت للنبي شاة فجثى رسول الله على ركبتيه يأكل فقال أعرابي ما هذه الجلسة؟ فقال إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا. ((حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: آكل كما يأكل العبد و أجلس كما يجلس العبد. ((حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال أتى النبي ﷺ رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه فقال له هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد. ﴿تنبيه﴾: (وكلما زاد تواضع المسلم زاد مقدار الحكمة عنده وتعلم العلم ومتى تكبر قلَّت حكمته ومنع العلم ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته و إذا تكبر قيل للملك: دع حكمته. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إلا في رأسه حكمة) وهي بالتحريك ما يجعل تحت حنك الدابة يمنعها المخالفة كاللجام والحنك متصل بالرأس. (بيد ملك) موكل به. (فإذا تواضع) للحق والخلق. (قيل للملك) من قبل اللّه تعالى. (ارفع حكمته) أي قدره ومنزلته يقال فلان عالي الحكمة، فرفعها كناية عن الأعذار. (فإذا تكبر قيل للملك ضع حكمته) كناية عن إذلاله فإن من صفة الذليل تنكيس رأسه فثمرة التكبر في الدنيا الذلة بين عباد اللّه وفي الآخرة نار الإيثار وهي عصارة أهل النار كما جاء في بعض الأخبار. (من دواعي إفشاء المحبة إفشاء السلام:

стр. 3899

إن إفشاء السلام هو مفتاح القلوب، فإذا أردت أن تُفتح لك قلوب العباد فسلم عليهم إذا لقيتهم وابتسم في وجوههم، وكن سباقًا لهذا الخير يزرع الله محبتك في قلوب الناس وييسر لك طريقًا إلى الجنة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم. ((وقال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاثٌ يُصْفِين لك وُدَّ أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه. (وإفشاء السلام التحية اصطفاها الله لنا في الدنيا والآخرة: ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة، فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) وأما في الآخرة فلأن السلام تحية الملائكة للمؤمنين في الجنة، قال الله تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد/٢٣، ٢٤] ،وقال تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر ٧٣:] والسلام هو تحية أهل الجنة في الجنة: قال الله عن أهل الجنة: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ) [الأحزاب:٤٤]، وقال : (لاَيَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلاّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً) [[الواقعة٢٦،٢٥]، وقال تعالى: (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ) [إبراهيم:٢٣]. (وإفشاء السلام حق المسلم على أخيه:

стр. 3900

إن إلقاء السلام ورده أحد الحقوق التي كفلها الشرع للمسلم على أخيه المسلم. ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس). ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: حق المسلم على المسلم ست قيل ما هن يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فسمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه. (وإفشاء السلام سبب للبركة: إذا أردت أن يبارك الله لك في نفسك وأهل بيتك فسلم عليهم كلما دخلت بيتك؛ فإن ذلك من أعظم أسباب البركة. (حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح الكلم الطيب) قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا بُني إذا دخلت على أهلك فسلِّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك". فأين أكثر المسلمين من هذا الأدب؟! (وإفشاء السلام سبب العلو ورفعة الدرجات: (حديث أبي الدرداء ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أفشوا السلام كي تعلوا. قال المناوي ﵀ (٢/ ٣٠):" أي يرتفع شأنكم؛ فإنكم إذا أفشيتموه تحاببتم فاجتمعت كلمتكم، فقهرتم عدوكم وعلوتم عليه. وأراد الرفعة عند الله". (لاتجعل أحد يسبقك بالسلام: ((حديث أبي أمامة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال إن أولى الناس بالله مَن بدأهم بالسلام". أولى الناس بالله مَن بدأهم بالسلام: قال في عون المعبود:"قال الطيبي: أي أقرب الناس من المتلاقيين إلى رحمة الله من بدأ بالسلام" [١٤/ ٧٠]. ((حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان: فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. (وبذل السلام من موجبات المغفرة: ((حديث هانئ ابن يزيد الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن من موجبات المغفرة بذلَ السلام وحسنَ الكلام. (وبذل السلام من موجبات الجنة: ((حديث أبي شريح ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال يا رسول الله أخبرني بشيء يوجب لي الجنة قال طيب الكلام وبذل السلام وإطعام الطعام.

стр. 3901

(وإفشاء السلام سبب للسلامة من الحقد وسلامة الصدر: ((حديث البراء ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: «أفشوا السلام تسلموا» ((حديث الزبير بن العوام الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: دَبَّ إليكم داءُ الأممِ من قبلِكم: الحسدُ و البغضاء، والبُغْضةُ هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقةَ الدين، و الذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا و لن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بما يُثّبتُ ذلك أفشوا السلام بينكم. (دب إليكم: سار إليكم. (وإفشاء السلام من كنوز الحسنات: ((حديث عمران ابن حصين الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال السلام عليكم فقال ﷺ : عشر حسنات، وجاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال ثلاثون. ((حديث سهل بن حنيف ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: «من قال السلام عليكم كتبت له عشر حسنات، ومن قال السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة» (وبإفشاء السلام يغتاظ اليهود: ((حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال إن اليهود ليحسدونكم على السلام والتأمين. وإغاظة المشركين مطلب شرعي، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] (وإفشاء السلام من خير الأعمال: ((حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في الصحيحين) أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أي الإسلامُ خير؟ قال: تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. أي الإسلامُ خير؟: أي خصال الإسلام خير؟ (وإفشاء السلام من موجبات الجنة:

стр. 3902

((حديث عبد الله بن سلام الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: يأيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام. (التحذير من البخل بالسلام: ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء. ((آداب السلام: للسلام آدابٌ ينبغي على الإنسان أن يتحلى بها منها ما يلي: ١) رد السلام بتحيةٍ أحسن مثلها أو مثلها امتثالاً لقوله تعالى (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ) (النساء / ٨٦) ٢) يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير. ((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير. ٣) من السنة التسليم على الصبيان: ((حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعله. ٤) ويجوز السلام على مجموعة من النساء: ((حديث أسماء بنت يزيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت: مرّ علينا النبي ﷺ في نسوة ٍ فسلَّم علينا. ﴿تنبيه﴾: (إذا كانت المرأة واحدة فالأولى ألا يسلم عليها مخافة الفتنة ولا سيما إن كانت شابة لأن النبي ﷺ أخبر أنه ما ترك بعده فتنة أضر على الرجال من النساء ((حديث أسامة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ما تركتُ بعدي فتنةً أضرُ على الرجال من النساء. ٥) أن يعيد إلقاء السلام إذا فارق أخاه ولو يسيرًا: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه. ٦) عدم الاكتفاء بالإشارة باليد أو الرأس، فإنه مخالف للسنة، إلا إذا كان المسلَّم عليه بعيدًا فإنه يسلم بلسانه ويشير بيده ولا يكتفي بالإشارة.

стр. 3903

((حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف» وإن أشار بالسلام لبعيد أو أصم فإنه يتلفظ به مع إشارته، وإن لم يسمع قوله؛ مخالفةً لمن أمرنا بمخالفتهم. ٧) لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام: ((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا تبدءوا اليهود و لا النصارى بالسلام و إذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه. (٨) السلام إذا دخل على أهل بيت: ((حديث قتادة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إذا دَخلتم بيتاً فسلموا على أهلِه, فإذا خرجتم, فأودِعوا أهلهُ بالسلام. (٩) سلام الرجل إذا دخل بيته: ((حديث جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء. ((حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح الكلم الطيب) قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا بُني إذا دخلت على أهلك فسلِّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك". ((حديث أبي أمامة ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: ثلاثةٌ كلُّهمْ ضامنٌ على الله إن عاش رُزقِ وكُفِيَ, وإن ماتَ أدخلَهُ اللهُ الجنّة, من دخل بيتَه فَسَلَّمَ، فهو ضامنٌ على الله ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله. (١٠) السلام على النائم: ((حديث المقدام بن الأسود ﵁ الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: كان النبي ﷺ يجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً, ويسمع اليقظان. (١١) السلام قبل السؤال: ((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه. (١٢) أن يسلم ثلاثا تأسياً بالنبي ﷺ :

стр. 3904

((حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله ﷺ إذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلَم عليهم سلَم عليهم ثلاثا. (التحلي بالمصافحة من الرجل للرجل: ((حديث البراء الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا. ((حديث ابن عباس ﵄ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إذا لقي المسلم أخاه المسلم، فأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما من بين أصابعهما كما يتناثر ورق الشجر بالشتاء. ((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض قال لا قلنا أيعانق بعضنا بعضا قال لا ولكن تصافحوا. ((حديث أنس أبن مالك ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا. (تحريم مصافحة النساء: ((حديث معقل ابن يسار في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له. ((حديث أميمة بنت رقيقة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إني لا أصافح النساء. (من دواعي إفشاء المحبة الهدية: (تعريف الهدية لغةً واصطلاحاً: (الهدية لغةً: قال الفيومي في (المصباح المنير): "هَدَيتُ العروسَ إلى بعلها هِداء بالكسر والمدّ فهي هَدِي وهَدِيَّة، ويُبنى للمفعول فيقال: هُدِيَت فهي مَهْديّة، وأَهديتها بالألف لغة قَيْس عَيْلان، فهي: مُهداة .. وأَهديت للرجل – كذا بالألف – بعثت به إليه إكراماً فهو هَديَّة بالتثقيل لا غير. (الهدية اصطلاحاً: هي تمليك في الحياة بغير عوض" (انظر: المغني٨/ ٢٣٩). وقال في (المجموع شرح المهذب ١٥/ ٣٧٠): "والهبة والعطية والهدية والصدقة معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض واسم العطية شامل لجميعها وكذلك الهبة. والصدقة والهدية متغايران، فإن النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. (حكم الهدية: الهدية مستحبة عند أهل العلم كما ذكر ذلك ابن قدامة في (المغني ٨/ ٢٣٩)

стр. 3905

ويدل على الاستحباب قوله _عليه السلام_: "تهادوا تحابوا"، فهي جالبة للمحبة، ومشيعة للود والسرور بين المتهادين. وقال القرطبي (١٣/ ١٣٢): "الهدية مندوب إليها، وهي ممّا تورث المودة وتذهب العداوة"، وقال: "ومن فضل الهدية مع اتباع السنّة أنها تزيل حزازات النفوس وتكسب المُهدي والمُهدَى إليه رنة في اللقاء والجلوس". وقال في المجموع شرح المهذب (١٥/ ٣٦٧): "الهبة مندوب إليها لما روت عائشة _رضي الله عنها_ أنّ النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قال: "تهادوا تحابوا". وللهدية عظيم الأثر في استجلاب المحبة وإثبات المودة وإذهاب الضغائن وتأليف القلوب، *فكم من ضغينة ذهبت بسسبب هدية!! *وكم من مشكلة دفعت بسبب هدية!! *وكم من صداقة ومحبة جلبت بسبب هدية!! وقد حثنا النبي ﷺ على الهدية والإثابة عليها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: تهادوا تحابوا. ((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ :كان يقبل الهدية ويثيب عليها. ((حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين. ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل وإن قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم. (وكان الأنصار يهدون لرسول الله ﷺ كما في الحديث الآتي: ((حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) أنها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار، فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم فيسقيناه. (الحث على الهدية ولو بالقليل:

стр. 3906

((حديث أبي هريرة ﵁ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: (لو دعيت إلى ذراع، أو كُراع، لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كُراع لقبلت). كراع: والكراع من الدابة ما دون الكعب. ((قال الحافظ ابن حجر ﵀ (فتح الباري:٥/ ٢٣٦): وخص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له. ((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها و لو فِرْسَن شاة. فِرْسَن شاة: والفرسن هو موضع الحافر، والمراد أن النبي ﷺ حث المرأة على الإهداء لجارتها والجود بما تيسر عندها، وإن كان هذا المُهدى قليلا فهو خير من العدم، وهو دليل على المودة، وفي الحديث أيضا حث للمهدى إليها على قبول الهدية وإن قلت الهدية فهي دليل على تقدير المهدية للمهدى إليها. (الحث على قبول الهدية: ((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ :كان يقبل الهدية ويثيب عليها. ((حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين. ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل وإن قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم. (إذا رددت الهدية فبين سبب ردها جبرا للخاطر تأسياً بالنبي ﷺ : هذا إذا كان الخاطر يجبر بذلك، أما إذا كان الخاطر يكسر ببيان سبب الرد فلا تبين والله أعلم. ((حديث الصعب بن جثامة الليثي الثابت في الصحيحين) أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودَّان فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم. (قبول الهدية من النساء:

стр. 3907

فصل الخطاب في (قبول الهدية من النساء) أنه إذا أمنت الفتنة ـ كأن المرأة كبيرة السن ونحو ذلك ـ فإنه تقبل منها الهدية، وإن لم تؤمن الفتنة سُدَّ هذا الباب تماماً وعدم الاقتاب منه لأن المرأة هي شرُ فتنةٍ للرجال بنص السنة الصحيحة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في الصحيحين) قال * أهدت خالتي أم حفيد إلى رسول الله ﷺ سمنا وأقطا وأضبا فأكل من السمن والأقط وترك الضب تقذرا وأكل على مائدة رسول الله ﷺ ولو كان حراما ما أكل على مائدة رسول الله ﷺ . ((حديث أسامة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ما تركتُ بعدي فتنةً أضرُ على الرجال من النساء. ((حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء. (لا ترجع في هبتك: ((حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (ليس لنا مثلُ السوءِ الذي يعودُ في هِبته كالكلبِ يعودُ في قيئه) (إياك أن تُهْدِي ثم تَمُنُّ على من أهديت له فيبطل ثوابك: إياك أن تهدي ثم تمن على من أهديت له، فإن الله يقول في كتابه الكريم: (قَوْلٌ مّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيّ حَلِيمٌ * يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ) [البقرة ٢٦٣، ٢٦٤] فلا تعطي الأعطيات وهب الهبات وتقدم الصدقات ثم تتبع ذلك بالمن فالمن يبطل ثواب الصدقات وثواب الهدايا فضلا عما يدخر للمنان من العذاب، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (

стр. 3908

((حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار قال أبو ذر خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. (الهدية للأقرب فالأقرب: تهديها للأقرب فالأقرب، قرابة النسب وقرابة الجوار؛ وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث ميمونة الثابت في الصحيحين) أنها أعتقت وليدةً في زمان رسول الله ﷺ فقال: (لو أعطيتِها أخوالك كان أعظمُ لأجرك) فمع أنها أعتقت الأمة فهي ـ بلا شك إن شاء الله ـ مأجورة لعتقها الرقبة ولكن هنا فاق أجر الهدية أجر العتق لقول النبي ﷺ : لو أعطيتِها أخوالك كان أعظمُ لأجرك. فالهدية في بعض الأحيان تفوق الصدقة في الأجر، وذلك إذا وقعت موقعها في التأليف والوصل وابتغاء الأجر والثواب. ((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، قال: إلى أقربهما منك باباً" (فيستفاد من هذين الحديثين أن القريب يقدم على الغريب وأن الأقارب إذا استووا في درجة القرابة قدم الأقرب بابا، وهذا كله إذا كان هؤلاء محل احتياج، والله أعلم. (حكم قبول هدية المشرك: القول الذي دلت عليه السنة الصحيحة وتجتمع فيه الأدلة أن المسألة على التفصيل الآتي: (أنّ الامتناع من قبول الهدية في حقّ من يريد بهديته التودد والموالاة: وعليه يحمل قال تعالى: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة: المجادلة - الأية: ٢٢]

стр. 3909

((حديث عياض بن حمار ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أنه أهدى للنبي ﷺ هدية أو ناقة، فقال النبي ﷺ "أسلمت؟ قال: لا. قال: إنّي نُهيت عن زَبْد المشركين". زَبْد المشركين: يعني هداياهم. ((حديث عامر بن مالك الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنّي لا أقبل هدية مشرك". (وقبول الهدية في حقّ من يرجى تأنيسه وتأليفه على الإسلام: (حديث أبي حميد الساعدي ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: غزونا مع النبي ﷺ تبوك، وأهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساه بردا. ((حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في الصحيحين) أن يهودية أتت النبي بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: (لا). فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله. (حكم الإهداء إلى المشرك: الأصل في الإهداء للمشركين الجواز، وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. قال تعالى: (لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ * إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىَ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلّهُمْ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) [الممتحنة ٨، ٩] * ((حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ الثابت في الصحيحين) قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة، في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ ، قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: (نعم، صلي أمك). وأهدي عمر حلة لأخ له مشرك بمكة قبل أن يسلم أخوه:

стр. 3910

(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه، فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك. فقال رسول الله ﷺ : (إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة). ثم جاءت رسول االله ﷺ منها حلل، فأعطى عمر بن الخطاب ﵁ منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله، كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ قال رسول الله ﷺ : (إني لم أكسكها لتلبسها). فكساها عمر بن الخطاب ﵁ أخا له بمكة مشركا. ﴿تنبيه﴾: (لكن إذا كان هذا الكافر سيتقوى بهذه الهدية على المسلمين ويؤذيهم ويتمرد عليهم ويتجبر فحينئذ لا يهدي إليه و لا كرامة. ((حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أنه ذُبِحت له شاة في أهله فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. (ضوابط قبول هدايا المشركين والإهداء إليهم: (١) ألاّ يترتب على قبول الهدية أو إهدائها مودة أو محبة؛ قال تعالى: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: ٢٢] (٢) ألاّ تكون الهدية بمثابة الرشوة كأن يكون المُهدى إليه قد أهدي إليه بسبب توليه منصب أو جاه أو وظيفة يستفاد منها في إنجاز غرض غير مشروع كإحقاق باطل أو إبطال حق. قال الجصاص في تفسيره (٢/ ٢٣٤) تعليقاً على حديث ابن اللتبية المشهور "وقد دلّ على هذا المعنى قول النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: "هلا جلس في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم لا؟ ". فأخبر أنه إنّما أُهدي له؛ لأنه عمل ولولا أنه عامل لم يهدَ له، وقد روي أنّ بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت علي امرأة عمر؛ فردها عمر ومنع قبولها" ا. هـ.

стр. 3911

(٣) ألاّ تكون الهدية ممّا يستعان به على الباطل من شرك أو كفر أو بدع أو معاصي كإهداء الصلبان أو الشموع للنصارى في أعيادهم وغيرها، أو إهداء آلات الطرب والغناء ونحوها. وبهذا المعنى منع إهداء الكفار والمشركين في أعيادهم حتى لا تكون تشجيعاً لهم وإقراراً على باطلهم، فإن كان الإهداء لهم في يوم عيدهم تعظيماً لليوم فهو جدّ خطير. قال أبو حفص الحنفي: "من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله _تعالى_" (فتح الباري ٢/ ٣١٥) (٤) أن يغلب على الظن وجود مصلحة في الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه كتأليف قلبه على الإسلام وتحبيب الدين إلى نفسه. فقد جعل الشارع الحكيم أحد مصارف الزكاة دفعها إلى المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وهي فريضة واجبة، فكيف بالهدية المندوبة في أصلها؟ (٥) ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه مفسدة ظاهرة كاستكبار الكافر واستعلائه، أو تكون الهدية للكافر مبالغ فيها؛ لعموم النهي عن التبذير. (٦) ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر تفويت مصلحة راجحة كسد حاجة مسلم مضطر؛ لأنّ البدء بالأهم فالأهم منهج شرعي حكيم وعام. ويدل على ذلك الحديث الآتي: ((حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) قال. قال رسول الله ﷺ لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك و كرائم أموالهم و اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب. (وهناك هدايا لا ترد: منها: الطيب. ((حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب. ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المَحمِل طيب الريح. (موانع الإهداء ومتى لا تقبل الهدية: فهذه النصوص التي قدمناه نصوص تحث عل الإهداء وقبول الهدية، ولكن قد تأتي موانع تمنع من الإهداء من قبول الهدية.

стр. 3912

ألا ترى أن ملكة سبأ أهدت لسليمان ﵇ هدية فردها سليمان، مع أن إبراهيم ﵇ قبل هاجر لما أهديت إلى زوجته، وقد قبل نبينا محمد ﷺ الهدية، فلماذا قبل نبينا الهدية وردها سليمان ﵇؟! ردها سليمان ﵇ «لما كانت رشوة عن الدين»، فالمرأة أرسلت الهدية إلى سليمان كي يقرها على عبادتها للشمس ويسكت عنها، ولم يكن لسليمان ذلك، وخاصة أنه في مركز قوة واستغناء فمن ثم ردها لما كانت رشوة عن الدين. قال تعالى: (وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِي اللّهُ خَيْرٌ مّمّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنّهُم بِجُنُودٍ لاّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنّهُم مّنْهَآ أَذِلّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) [النمل ٣٥: ٣٧] «فإذا كانت الهدية بمثابة الرشوة لإبطال الحق وإثبات الباطل فلا تقبل حينئذ». (وكذلك إذا كانت الهدية للأمراء والوزراء والمسئولين (كالقضاة والشرط ونحوهم) كي يعطوك شيئا ليس لك من حقك أو يتجاوزوا لك عن شيء لا ينبغي لهم أن يتجاوزوا عنه فحينئذ يحرم عليك الإهداء ويحرم عليهم قبول الهدية، وقد استعمل النبي ﷺ لفظا شديدا في الزجر في هذا الباب، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث أبي حميد الساعدي ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: استعمل النبي رجلا من الأزد، يقال له ابن اللتبية، على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي. قال: (فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاه تيعر، ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه: (اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت). ثلاثا. ((حديث أبي حميد الساعدي ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: هدايا العمال غلول. ((حديث بريدة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول.

стр. 3913

* ومن ثم روى البخاري معلقا (وقال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية، واليوم رشوة). ،قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وصله ابن سعد بقصة فيه، فروى من طريق فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا يشتري به فركبنا معه فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق فقلت له في ذلك: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسول الله ﷺ يقبل الهدية؟ فقال: إنها لأولئك هدية، وهي للعمال بعدهم رشوة. وأخرج عبد الرزاق في المصنف بإسناد صحيح لغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: السحت الرشوة في الدين. قال سفيان: يعني الحكم. (المصنف:١٤٦٦٤)،وانظر السنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ١٣٩) وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث عبد اله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لعن الله الراشي و المرتشي. [*] قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود: قيل الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل أما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلما فلا بأس به وكذا الآخذ إذا أخذ ليسعى في إصابة صاحب الحق فلا بأس به لكن هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة لأن السعي في إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظالم عن المظلوم واجب عليهم فلا يجوز لهم الأخذ عليه. (وكذلك إذا كانت الهدية شيئا مسروقا أو شيئا محرما فلا تقبل لما في ذلك من أكل الحرام والمعاونة على الإثم والعدوان. (وكذلك إذا كانت الهدية إنما أهداها صاحبها لأخذ أكثر منها وإن لم يأخذ أكثر منها يتسخط، فإذا عرف من عادته هذا فَلَك ـ والله أعلم ـ أن تتوقف في قبول هديته. وقد قال تعالى: (وَمَآ آتَيْتُمْ مّن رّباً لّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللّهِ) [الروم: ٣٩]. وهذا في مثل هذا الموطن، في رجل يهدي وينتظر من المهدي إليه أضعاف ما يقدمه له. (أو إن كان المهدي يعتبر هديته بمثابة الدين عليك ن وأنت لا تريد أن تتحمل دينا شرعيا ولا عرفا، فَلَك في مثل هذه الحالة أن تتوقف مع اعتذار لطيف للمهدي، اعتذار لا يكسر له خاطر ولا يشوش عليه فكرا. (وكذلك إذا كان المهدي منان يمن بهديته ويتحدث بها فلك في مثل هذه الحال أن تتوقف. وكل هذا يقدر بقدره والأصل استحباب الهدية واستحباب قبولها والإثابة عليها.

стр. 3914

(وكذلك يكره لك أن تهدي هدية لشخص سفيه يستعملها في معصية الله وفي الفساد في الأرض، فإن الله تعالى يقول: (وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ) [البقرة: ٢٠٥] ويقول سبحانه: قال تعالى: (وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ) [النساء: ٥] (وكذلك فأثناء هديتك انتبه هل ستصلح في باب وتفسد في باب آخر أم أن الهدية كلها خير، فقد تهدي لابن من أبنائك دون الآخرين فتسبب مفسدة وضغينة بين الأولاد. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث النعمان بن بشير ﵄ الثابت في الصحيحين) قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله، فأتى رسول الله فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: (أعطيت سائر ولدك مثل هذا). قال: لا، قال: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). قال: فرجع فرد عطيته. (وأيضا ينبغي أن يتحفظ الشخص ويتورع عن الهدية إن كانت تقوم مقام الربا فقد يقترض شخص من شخص مالا ويحل وقت السداد ولا يطيق المدين السداد؛ فيسلك مسلك الإهداء لصاحب المال حتى يسكته وحتى يصبر عليه فحينئذ من الورع ترك الهدايا، نعم إنه يجوز قبولها ما لم يشترط لكن الأورع ترك الهدية إذا كانت بهذه المثابة. (ولا ينبغي أن تحرج أحدا وتحمله على الإهداء لك، فإنك إن فعلت أوشكت أن لا يبارك لك في هذا الشيء المهدى ولكن إن أهدي إليك أو أخذت الشيء بغير مسألة و لا إشراف نفس بورك لك فيه، ولتحرص على أن تكون نفس المهدي طيبة وهو يهدي إليك، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاءَ، فأقولُ أعطهِ من هو أفقر مني فقال: (خذه، إذا جاءك من هذا المال شيءٌ، وأنت غير مشرفٍ ولا سائل، فخُذهُ، وما لا، فلا تُتْبعِه نفسك)

стр. 3915

((حديث حكيم بن حزام ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: (يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى) ((حديث معاوية ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته. لا تُلْحِفُوا: أي لا تلحوا. (من دواعي إفشاء المحبة الزهد فيما في أيدي الناس: قال تعالى: (وَلاَ تَمُدّنّ عَيْنَيْكَ إِلَىَ مَا مَتّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ) [سورة: طه - الآية: ١٣١] والاستدلال ظاهر، حيث نهي ﵊ والنهي لأمته على وجه التبع، أن يمد المرء عينيه إلى ما متع به الخلق من زهرة الحياة الدنيا، ومن مد عينيه إلى ما متع به الخلق من زهرة الحياة الدنيا، فإنه يفوته الزهد في الدنيا؛ لأنه لا بد وأن يحصل بالقلب نوع تعلق بالدنيا، وهذا خلاف الزهادة. ((حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح ابن ماجة) قال أتى النبي ﷺ رجلٌ فقال يا رسول الله: دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله ﷺ : ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس. الشاهد: قوله ﷺ [وازهد فيما عند الناس يحبك الناس]

стр. 3916

ومعنى ازهد فيما عند الناس: لا يكن قلبك متعلقا فيما في أيدي الناس، فإذا فعلت ذلك، فأخرجت ما في أيدي الناس من التعلق ومن الاهتمام، وكان ما عند الناس في قلبك لا قيمة له، سواء أعظم أم قل، فإنه بذلك يحبك الناس؛ لأن الناس يرون فيه أنك غير متعلق بما في أيديهم، لا تنظر إلى ما أنعم الله به عليهم نظر رغبة، ولا نظر طلب، وإنما تسأل الله -جل وعلا -لهم التخفيف من الحساب، وتحمد الله -جل وعلا -على ما أعطاك، وما أنت فيه، فهذا إخراج ما في أيدي الناس من القلب، هذه حقيقة الزهادة فيما عند الناس، وإذا فعل ذلك المرء أحبه الناس؛ لأن الناس جبلوا على أنهم لا يحبون من نازعهم ما يختصون به، مما يملكون، أو ما يكون في أيديهم حتى إذا دخلت بيت أحد، ورأيت شيئا يعجبك، وظهر عند ذلك أنك أعجبت بكذا، فإنه يكون في نفس ذاك الآخر بعض الشيء. وهذا يعكر صفو المحبة، فوطن نفسك أن ما عند الناس في قلبك شيء قليل لا قيمة له، حقير لا قيمة له، حقير قيمة له مهما بلغ، وهذا في الحقيقة لا يكون إلا لقلب زاهد متعلق بالآخرة، لا ينظر إلى الدنيا أما من ينظر إلى الدنيا، فإنه يكون متعلقا بما في أيدي الناس. (وهذا الحديث أصل في بيان كيف يكون المرء محبوبا عند الله تعالى وعند الناس. وهو أيضاً من أحاديث الوصايا؛ لأن النبي ﷺ أجاب عن سؤال مضمونه طلب الوصية، قال سهل بن سعد ﵁: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، وهذا السؤال يدل على علو الهمة؛ لأن محبة الله تعالى غاية المطالب ومحبة الناس للمرء، أو للعبد معناها أداء حقوقهم، والدين قائم على أداء حقوق الله وأداء حقوق العباد، فمن أدى حق الله تعالى أحبه الله، ومن أدى حقوق العباد وعاملهم بالعدل والإحسان، فإنه يثوب بمحبة الناس له، وهذا الذي يجمع بين الطرفين هو الصالح من عباد الله؛ لأن الصالح هو الذي يقوم بحق الله وحق العباد، والصلاح هو القيام بحقوق الله وحقوق الناس.

стр. 3917

فهذا الحديث فيه ما يحصل به محبة الرب تعالى للعبد فقال: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وهذا فيه تنبيه إلى أصل، وهو أن همة المرء ينبغي أن تكون مصروفة لما به يحب الله العبد، وليس أن تكون مصروفه لمحبته هو لله تعالى، فالعباد كثيرون منهم من يحبون الله تعالى، بل كل متدين بالباطل أو بالحق، فإنه ما تدين إلا لمحبة الله تعالى، وليس هذا هو الذي يميز الناس، وإنما الذي يميز الناس عند الله تعالى هو من الذي يحبه الله تعالى. ((وقد قال بعض أئمة السلف ﵏: ليس الشأن أن تحِب، ولكن الشأن كل الشأن أن تُحَب، يريد أن محبة العبد لربه تعالى، هذه تحصل إما بموافقة مراد الله، أو بمخالفة مراد الله، فالنصارى يحبون الله، وعباد اليهود يحبون الله، وعباد الملل يحبون الله، وعباد جهلة المسلمين يحبون الله، ولكن ليس هؤلاء بمحبوبين لله تعالى إلا إذا كانوا على ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال. إذاً فحصل من ذلك أن «السعي في محبة الله للعبد هذا هو المطلب»، وهذا إنما بالرغبة في العلم ومعرفة ما يحبه الله تعالى ويرضاه، فإذا عرفت كيف يحب الله العبد، أو إذا عرفت بما يحب الله تعالى العبد، حصل لك السعي في محبة الله تعالى. ((وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "لا تزال كريما على الناس ولا يزال الناس يكرمونك ما لم تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك". ((وقال أيوب السختياني رحمه الله تعالى: "لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم". فمن زهد فيما في أيدي الناس وعف عنهم فإنهم يحبونه ويكرمونه لذلك ويسود به عليهم؛ كما قال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بم سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم. وما أحسن قول بعض السلف في وصف الدنيا: وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها. (كيفية علاج ما اعوجّ من الأخلاق: والنبي ﷺ كان يتلافى المِعْوَّجَ من أخلاق الناس بكرمه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (

стр. 3918

(حديث ابن أبي مليكة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ أهديت له أقبية من ديباج، مزررة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة بن نوفل، فجاء ومعه ابنه المسور بن مخرمة، فقام على الباب فقال: ادعه لي، فسمع النبي ﷺ صوته، فأخذ قباء فتلقاه به، واستقبله بأزراره، فقال: (يا أبا المسور خبأت هذا لك، يا أبا المسور خبأت هذا لك). وكان في خلقه شدة. فكان ﵊ يتلافى بحسن خلقه شدة أخلاق الناس، والأخلاق الحسنة تغطي على الأخلاق الرديئة، ولذلك وجه النبي ﷺ الأزواج إلى النظر إلى الناحية الإيجابية من أخلاق الزوجات فقال ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) كما في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة ﵁ الأنصاري الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا يفرك مؤمن مؤمنه إن كره منها خلقا رضي منها آخر. لا يفرك: لا يكره. وحكمة الله البالغة اقتضت أن يجعل في البشر أخلاقاً عالية، وكذلك أخلاقاً سافلة، وعند المقارنة يظهر حسن هذا وقبح ذاك؛ لأن الضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء، فلولا الظلام ما عرفت فضيلة النور، ولولا أنواع البلايا ما عرفت قيمة العافية، ولولا خلق الشياطين والهوى والنفس الأمارة بالسوء لما حصلت عبودية الصبر والمجاهدة وترتب الأجر والجنة عليهما. إذاً: عندنا محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، فإذا قلت: محاسن الأخلاق مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء، والإيثار، والكرم، والعفة، وكظم الغيظ، والتواضع، والإخلاص، والعدل، وغير ذلك؛ فإنك إذا قارنتها بغيرها تتبين جمال هذه الأخلاق، وضدها مثل: الكذب، والنفاق، والغدر، والخيانة، والبخل، والرياء، والكبر، والعجب، والمفاخرة، والحسد، و الطمع، والحقد، والظلم، وغير ذلك من الأخلاق. وكما أن حسن الخلق منجاة ونجاح، فسوء الخلق ضياع ودمار، ولا بد إذاً من الالتزام والتمسك بهذه الأخلاق الحسنة. (اعتناء أهل العلم وكلامهم في الأخلاق: وقد اعتنى العلماء رحمهم الله تعالى بجمع محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، وأفردوها بالمصنفات، وألف في ذلك ابن أبي الدنيا و الخرائطي رحمهما الله، وكذلك عدد من العلماء. ومن أنفس ما قيل في محاسن الأخلاق كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((قال ابن القيم في تهذيب الأخلاق:

стр. 3919

وكما قلنا؛ فإن العلماء ﵏ اهتموا بقضية جمع محاسن الأخلاق، وكذلك اهتموا بجمع مساوئ الأخلاق للتحذير منها، واهتموا كذلك بالكلام عن حقيقة الخلق وكيف تعالج الأخلاق الرديئة، وكيف يتخلص الإنسان من الأخلاق الرديئة، وهناك كلام نفيس ذكره أهل العلم في هذه المسألة. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مسألة التخلص من الأخلاق الرديئة: اعلم أن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها، وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما عملوا عليها ولم يظفر أكثرهم بتبديلها ... ثم قال: ونقدم مثلاً: نهر جارٍ في صببه ومنحدره، ومنتهٍ إلى تغريق أرض وعمران ودور، وأصحابه يعلمون أنه لا ينتهي هذا النهر حتى يخرب دورهم ويتلف أراضيهم، فانقسموا ثلاث فرق: فرقةٌ صرفت قواها وقوى أعمالها إلى سَكْره وحبسه وإيقافه، وقالوا: أحسن شيء أن نقفل النهر ونغلقه من أساسه، فلم تصنع هذه الفرقة كبير أمرٍ، فإنه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على السكر الذي وضعوه للإغلاق، فيكون إفساده وتخريبه أعظم. والفرقة الثانية: رأت هذه الحالة وعلمت أنه لا يغني عنها شيئاً، فقالت: لا خلاص من محذوره إلا من قطعه من أصل الينبوع، فرامت قطعه من أصله، فتعذر ذلك غاية التعذر، وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الإباء، فهم دائماً في قطع الينبوع، وكلما سدوه من موضع نبع من موضع، فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزرع والعمارة وغرس الأشجار، فإذاً لا الإغلاق نفع ولا سده من أصله نفع. فجاءت فرقةٌ ثالثة خالفت رأي الفريقين، وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم؛ فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى العمران، فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه ولا يتضررون، فصرفوه إلى أرض قابلةٍ للنبات وسقوها به. فإذا تبين هذا المثل؛ فالله سبحانه قد اقتضت حكمته أن ركَّب الإنسان على طبيعةٍ محمولة على قوتين: غضبية وشهوانية، وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق الناس وصفاتها.

стр. 3920

وعلاجها: إما بتر الخلق من أصله وهذا غير ممكن، والحل هو تحويل هذا الخلق السيئ إلى مجرى خير، فلو كان عند الإنسان حسد ـ مثلاً ـ فليصرفه في المنافسة على الخير (لا حسد إلا في اثنتين) صاحب القرآن وصاحب المال الذي ينفقه في الخير ويهلكه في الخير، ويحرص على التنافس مع أهل الخير كما قال الله: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:٢٦] ولو كان الإنسان فيه خيلاء فليختل على العدو في المعركة؛ لأن هذا النوع من الخيلاء مسموح به، وأيضاً لو أن إنساناً يعاني من الكذب، فإنه يصرفه إلى الكذب على العدو، والكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وكذلك ما يكون بين الزوجين، كأن يقول: ما ذقت ألذ من هذا الطبخ! وهو قد ذاق ألذ منه، فإن هذا مسموح به بين الزوجين. فإذاً: الإنسان الذي يريد سد النهر فإن الطبيعة النهرية تأبى ذلك، فأفضل حل هو أن يغير مجرى الخلق من الاتجاه السيئ إلى الاتجاه الحسن، وأن يروض نفسه، ولاشك أن الجبلة قابلة للتغيير، ولا يمكن أن نقول: إن الإنسان لا يمكنه التغيير، بل إنه يمكنه ذلك قطعاً، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ قال: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتصبر يصبره الله) فمعلوم أن الحلم والصبر من الأخلاق، فلم يقل: إذا لم يكن عندك حلم فلن تكون حليماً أبداً، وإذا لم يكن عندك صبر فلن تصبر أبداً، وإنما قال: (والحلم بالتحلم) أي: إذا تكلفت الحلم حتى تتعود عليه صار ذلك طبيعةً لك وسجية، وكذلك الصبر إذا تصبرت فستصبح صبوراً. (فصلٌ في منزلة التواضع: [*] (عناصر الفصل: (تعريف التواضع: (فضل التواضع: (أمورٌ من التواضع: (التواضع في اللباس: (تواضع النبي ﷺ : (ما جاء في الخمول: (ما جاء في الشهرة: (ذم الكبر: (ذم الاختيال: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (تعريف التواضع: التواضع هو: عقد القلب على صَغار النفس المؤثر في عواطفه وميوله وجوارحه في مقابل اللَّه ، وفي مقابل رسله وأوليائه المعصومين، وفي مقابل المؤمنين. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض وسُئِلَ: ما التواضع؟ قال: أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته منه، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه. وسألته: ما الصبر على المصيبة? قال: أن لا تبث. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:

стр. 3921

(سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله. (وقيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب وهذا مذهب الفضيل وغيره. (وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح ولين الجانب. (وقال أبو يزيد البسطامي: هو أن لا يرى لنفسه مقاما ولا حالا ولا يرى في الخلق شراً منه. (وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان والعز في التواضع فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار. (وقال إبراهيم بن شيبان: الشرف في التواضع والعز في التقوي والحرية في القناعة ويذكر عن سفيان الثوري ﵀ أنه قال: أعز الخلق خمسة أنفس: عالم زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني. (وقال عروة بن الزبير ﵄: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها. (وولي أبو هريرة ﵁ إمارة مرة فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره يقول طرقوا للأمير. (وركب زيد بن ثابت مرة فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال: مه يا ابن عم رسول الله ﷺ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا فقال: أرني يدك فأخرجها إليه فقبلها فقال: هكذا أمرنا نفعل بأهل بيت رسول الله ﷺ . (وقسم عمر بن الخطاب ﵁ بين الصحابة ﵃ حللا فبعث إلى معاذ حلة مثمنة فباعها واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها فعاتبه معاذ فقال عمر: لأنك بعت الأولى فقال معاذ وما عليك ادفع لي نصيبي وقد حلفت لأضربن بها رأسك فقال عمر ﵁: رأسي بين يديك وقد يرفق الشاب بالشيخ. (ومر الحسن بن علي صبيان معهم كسر خبز فاستضافوه فنزل فأكل معهم ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وقال: اليد لهم لأنهم لا يجدون شيئا غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه. (ويذكر أن أبا ذر ﵁ عَيَّرَ بلالا ﵁ بسواده ثم ندم فألقى بنفسه فحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال. (وقال رجاء بن حيوة: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو يخطب باثني عشر درهما وكانت قباء وعمامة وقميصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة.

стр. 3922

(ورأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة فقال: تدري بكم شريت أمك بثلاثمائة درهم وأبوك لا كثر الله في المسلمين مثله أنا وأنت تمشي هذه المشية. (وقال حمدون القصار: التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة لا في الدين ولا في الدنيا. (وقال إبراهيم بن أدهم: ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك كان يقول: كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا وكان يأخذ بشعر رأسي ويهزني لأنه لم يكن في تلك السفينة أحد أحقر مني والأخرى: كنت عليلا في مسجد فدخل المؤذن وقال: اخرج فلم أطق فأخذ برجلي وجرني إلى خارج والأخرى: كنت بالشام وعلي فرو فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته فسرني ذلك وفي رواية: كنت يوما جالسا فجاء إنسان فبال علي. (وقال بعضهم: رأيت في الطواف رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا فتعجبت منه فقال لي: إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه. (وبلغ عمر بن عبد العزيز ﵁: أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن واتخذ خاتما بدرهمين واجعل فصه حديدا صينيا واكتب عليه: رحم الله امرءا عرف قدر نفسه. ﴿تنبيه﴾: (إن من أهم الأسباب التي تعين الإنسان على التواضع أن يمقت الإنسان نفسه في جنب الله تعالى. [*] قال أبو الدرداء: " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً ". [*] وكان بعض السلف يقول في دعائه في عرفة (اللهم لا ترد الناس لأجلي)!، [*] وقال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريحٌ ما قدر أحد أن يجلس إلىّ. مع أنه من كبار العباد في هذه الأمة. [*] قال يونس بن عبيد: " إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسى منها واحدة ". [*] دخل حمّاد بن سلمة على سفيان الثوري وهو يحتضر فقال: (يا أبا عبد الله أليس قد أمنت مما كنت تخافه وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين؟!) قال: (يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار) قال: (إي والله إني لأرجو لك ذلك).

стр. 3923

[*] وقال جعفر بن زيد: (خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقنّ عمله، فالتمس غفلة الناس فانسلّ وثبا فدخل غيظة (مجموعة أشجار ملتفة) قريب منا، فدخلت على أثره فتوضأ ثم قام يصلي فجاء أسد حتى دنا منه فصعدت في شجرة فتراه التفت إليه أو عدّه جرو! فلما سجد قلت الآن يفترسه فجلس ثم سلّم ثم قال: (أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر)، فولّى وإن له زئيراً، فمازال كذلك يصلي حتى كان الصبح فجلس يحمد الله وقال: (اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ومثلي يستحي أن يسألك الجنة)! ثم رجع وأصبح وكأنه بات على حشاياً، أما أنا فأصبح بي ما الله به عليم من هول ما رأيت! [*] وقال عمر بن الخطاب ﵁: (اللهم اغفر لي ظلمي وكفري)، فقال قائل: (يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما الكفر؟) قال: (إن الإنسان لظلوم كفّار)، فإذا تمعّن الإنسان حال السلف عرف حاله والبعد الشديد مابينه وبينهم. [*] (أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن مالك بن دينار قال: «رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تعالى، فكان لها قائدا» [*] (وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن عن وهب بن منبه: «أن رجلا، تعبد زمانا، ثم بدت له إلى الله ﵎ حاجة، فصام تسعين سبتا، يأكل كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل حاجته فلم يعطها، فرجع إلى نفسه، فقال: منك أوتيت، لو كان فيك خير أعطيت حاجتك، فنزل إليه عند ذلك ملك، فقال: يا ابن آدم ساعتك هذه التي أزريت فيها على نفسك خير من عبادتك التي قد مضت، وقد قضى الله حاجتك» [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: كيف ترى حال من كثرت ذنوبه وضعف علمه وفني عمره ولم يتزود لمعاده. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: يا مسكين أنت مسيء وترى أنك محسن وأنت جاهل وترى أنك عالم وتبخل وترى أنك كريم وأحمق وترى أنك عاقل أجلك قصير وأملك طويل. قال الذهبي ﵀: قلت إي والله صدق وأنت ظالم وترى أنك مظلوم وآكل للحرام وترى أنك متورع وفاسق وتعتقد أنك عدل وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله.

стр. 3924

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شعيب بن حرب، قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يمد ثوبي من خلفي فالتفت فإذا بفضيل بن عياض، فقال: لو شفع في وفيك أهل السماء كنا أهلاً أن لا يشفع فينا، قال شعيب: ولم أكن رأيته قبل ذلك بسنة، قال: فكسرني وتمنيت أني لم أكن رأيته. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي فقلت له: إن كنت تظن أنه بقى على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن إبراهيم بن الأشعث قال سألت الفضيل عن التواضع قال التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته منه ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أبي صالح الفراء قال سمعت بن المبارك يقول رأس التواضع أن تضع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أن ليس لك بدنياك عليه فضل وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن كعب قال ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الآخرة وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقا من النار يعذبه به إن شاء الله أو يتجاوز عنه. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن الأصبغ بن نباتة قال كأني أنظر إلى عمر بن الخطاب معلقا لحما في يده اليسرى وفي يده اليمنى الدرة يدور في الأسواق حتى دخل رحله. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن صالح بياع الأكسية عن أمه أو جدته قالت رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقلت أحمل عنك يا أمير المؤمنين قال لا أبو العيال أحق أن يحمله. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن حماد بن زيد قال ما رأيت محمد بن واسع إلا وكأنه يبكي وكان يجلس مع المساكين والبكائين.

стр. 3925

[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن بكر بن عبد الله المزني أنه كان يلبس الكسوة تساوي أربعة آلاف ويجالس المساكين ومعه الصرر فيها الدراهم فيدسها إلى ذا وإلى ذا قال وكان موسرا فمات ولم يخلف شيئا فقال الحسن ﵀ إن بكرا عاش عيش الأغنياء ومات موت الفقراء. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن مسعر قال مر الحسين بن علي على مساكين وقد بسطوا كساء وبين أيديهم كسرا فقالوا هلم يا أبا عبد الله فحول وركه وقرأ (إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) فأكل معهم ثم قال قد أجبتكم فأجيبوني فقال للرباب يعني امرأته أخرجي ما كنت تدخرين. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن صالح المري قال خرج الحسن ويونس وأيوب يتذاكرون التواضع فقال لهما الحسن وهل تدرون ما التواضع التواضع أن تخرج من منزلك فلا تلق مسلما إلا رأيت له عليك فضلا. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن يحيى بن كثير قال رأس التواضع ثلاث أن ترضى بالدون من شرف المجلس وأن تبدأ من لقيته بالسلام وأن تكره من المدحة والسمعة والرياء بالبر. (فضل التواضع: إن للتواضع فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهو نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وهو من أشرف العبادات و أجلّ الطاعات والتواضع يزيد الحكمة بنص السنة الصحيحة، وكفى بذلك فضلاً فإنه من يؤتى الحكمة فقد أُوتيَ خيراً كثيراً، والتواضع خلق حميد، وجوهر لطيف يستهوي القلوب، ويستثير الإعجاب والتقدير وهو من أخصّ خصال المؤمنين المتّقين، ومن كريم سجايا العاملين الصادقين، ومن شِيَم الصالحين المخبتين. التواضع هدوء وسكينة ووقار واتزان، التواضع ابتسامة ثغر وبشاشة وجه ولطافة خلق وحسن معاملة، بتمامه وصفائه يتميّز الخبيث من الطيب، والأبيض من الأسود والصادق من الكاذب، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، إن المتواضع يبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه، كريم الطبع، جميل العشرة، طلق الوجه، باسم الثغر رقيق القلب، متواضعا من غير ذلة، جواداً من غير سرف.
следующие страницы →