← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال على ﵁: الزهد بين كلمتين من القرآن، قال تعالى (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: ٢٣] ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه. ﴿تنبيه﴾: وفي كلمته هذه من تحديد الزهد ضمن إطار (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) لإفهام الناس معنى الزهد في هذه الدنيا وذلك بالهدوء وعدم الاهتياج فلا العُسر يبقى ولا اليُسر والمطلوب هو الصبر والشكر على كل حال، وتنبيه الناس عن الفهم السلبي للزهد بالابتعاد عن نِعَمِ الله تعالى وطيباته وزينته التي أخرج لعباده، كما هم عليه بعض الجاهلين الذين يحاولون إبعاد المسلمين عن أي اهتمام بالأمور المادية الدنيوية مع ما فيها من المفاسد من قبيل فتح المجال لسيطرة الآخرين من أعداء الإسلام على خيرات المسلمين وبركاتهم ومنابعهم المادية الغنية التي قل مثلها في غير بلاد المسلمين، فلتوعية المسلمين وغيرهم وإيصال المعنى المطلوب من الزهد: فليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا بتحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله ، وألا تأسَ على ما فاتك ولا تفرح بما آتاك. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شقيق بن إبراهيم قال: من أراد أن يعرف معرفته بالله فلينظر إلى ما وعده الله ووعده الناس بأيهما قلبه أوثق. فلا بد من الاعتدال في كل شيء دون الإفراط والتفريط وعدم نسيان الآخرة قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [القصص: ٧٧] إذن ليس الزهد أن لا تملك شيئاً إنما أن لا يملك شيء. [*] قال على ﵁: طوبى للزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً، و ترابها فراشاً، و ماءها طيباً، و الكتاب شعاراً، و الدعاء دثاراً، و رفضوا الدنيا رفضاً. وقال أيضا: فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، ولا حزت من أرضها شبرا.

стр. 527

وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه آيةً في الزهد ممتنعاً عن تناول الاطعمة الشهية فقد اقتصر على ما يسد الرمق من الأطعمة البسيطة كالخبز والملح وربما تعداه إلى اللبن أو الخل وكان في أيام رسول الله ﷺ يربط الحجر على بطنه من الجوع وكان قليل التناول للحم وقد قال رضي الله تعالى عنه لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوانات". كان وهو أمير المؤمنين يأكل الشعير الذي تطحنه امرأته بيديها. وقد أُثر عن عمر بن عبد العزيز أنه قال ̧أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب·. وقد أبى أن ينزل القصر الأبيض بالكوفه إيثارًا للخِصَاص التي يسكنها الفقراء. وقد كان من كرمه أن يؤثر الفقراء والمساكين على نفسه، وكثيرًا ما قدم طعامه الذي لا يملك غيره لمسكين أو يتيم أو أسير. إن أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه لم ينل من أطايب الطعام حتى وافته المنية، فقد افطر أخر يوم من حياته في شهر رمضان على خبز وجريش ملح، وأمر برفع اللبن الذي قدمته ابنته السيدة أم كلثوم، وهو في نفس الوقت كان ﵁ يطعم اليتامى العسل بيده حتى قال بعض أصحابه، وددت أني كنت يتيماً. لقد زهد الإمام في جميع متع الحياة الدنيا وتجرد تجرداً تاماً من جميع رغباتها، [*] قال ابن أبي الحديد: انه ما شبع من طعام قط، وقد أتي له بفالوذج وهو حلواء تصنع من الدقيق والماء والعسل، فلما رآه قال: إنه طيب الريح، حسن اللون، طيب الطعم، ولكن اكره أن أُعَوَّدَ نفسي ما لم تعتد". [*] عن أبي صالح الذي كان يخدم أم كلثوم ابنة علي قال: دخلت على أم كلثوم وهي تمشط وستر بينها وبيني , فجلست أنتظرها حتى تأذن لي , فجاء حسن وحسين فدخلا عليها وهي تمشط , فقالا: ألا تطعمون أبا صالح شيئا؟ قالت: بلى , قال: فأخرجوا قصعة فيها مرق بحبوب , فقلت: أتطعمونني هذا وأنتم أمراء؟ فقالت أم كلثوم: يا أبا صالح , فكيف لو رأيت أمير المؤمنين وأتي بأترنج فذهب حسن أو حسين يتناول منه أترنجة فنزعها من يده ثم أمر به فقسم. [*] عن الحارث عن علي قال: أهديت فاطمة ليلة أهديت إلي وما تحتنا إلا جلد كبش. [*] عن الشَّعْبي قال: قال علي ﵁: لقد تزوجت فاطمة بنت محمد ﷺ وما لي ولها فراش غيرُ جلد كَبْش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، وما لي خادم غيرها. كذا في الكنز.

стр. 528

[*] روى صالح بن الاسود قال: رأيت علياً قد ركب حماراً وأدلى برجليه إلى موضع واحد وهو يقول: أنا الذي أهنت الدنيا. أجل والله لقد احتقر الإمام الدنيا فلم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة والحكم، واتجه نحو الله تعالى، وعمل كل ما يقربه إليه زلفى. [*] وجاءه ابن التياح فقال: يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء. فقال: الله أكبر فقام متوكئًا على ابن التياح حتى قام على بيت المال وهو يقول: يا صفراء ويا بيضاء غُري غيري، هاء وهاء، حتى ما بقي فيه دينار ولا درهم. ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين. [*] ودخل مرةً بيت المال فرأى فيه شيئًا، فقال: لا أرى هذا هنا وبالناس حاجة إليه، فأمر به فقُسّم، وأمر بالبيت فكنس، ونَضح فصلى فيه أو نام فيه. [*] وصعد ﵁ يومًا المنبر وقال: من يشتري مني سيفي هذا، فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته، فقام إليه رجل وقال: أسلفك ثمن إزار. [*] واشترى مرة تمرًا بدرهم فحمله في ملحفته فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك فقال: أبو العيال أحق بحمله. وعوتب في لباسه، فقال: مالكم وللباسي هذا هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم. [*] وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن زيد بن وهب قال: قدم على عليَ وفد من أهل البصرة فيهم رجل من أهل الخوارج يقال له الجعد بن نَعجة. فعاتب علياً في لَبوسه، فقال علي: مالك وللبوسي؟ إنَّ لبوسي أبعد من الكِبْر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم. وعن عمرو بن قيس قال قيل لعليّ: يا أمير المؤمنين لم ترقع قميصك؟ قال: يخشع (به) القلب، ويقتدي به المؤمن. وأخرجه هنّاد عن عمرو بن قيس مثله، كما في المنتخب. وأخرجه ابن سعد عن عمرو نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وهنّاد عن عطاء أبي محمد قال: رأيت على عليَّ قميصاً من هذه الكرابيس غير غسيل. وعند هنَّاد وابن عساكر عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت على عليَ بن أبي طالب قميصاً رازيَّاً إذا مدَّ يده بلغ أطراف الأصابع، وإذا تركه رجع إلى قريب نصف الذراع. كذا في المنتخب. وأخرج بن عيينة في جامعه والعسكري في المواعظ وسعيد بن منصور والبيهقي وابن عساكر عن عليَ أنَّه كان يلبس القميص ثم يمدُّ الكم، حتى إذا بلغ الأصابع قطع ما فضَل ويقول: لا فضل لكمَّين على اليدين. كذا في الكنز.

стр. 529

وعند أبي نُعيم في الحلية عن أبي سعيد الأزدي ـ وكان إماماً من أئمة الأزد ـ قال: رأيت علياً ﵁ أتى السوق وقال: من عند قميص صالح بثلاثة دراهم؟ فقال رجل: عندي، فجاء به فأعجبه قال: لعلَّه خير من ذلك، قال: لا، ذاك ثمنه؛ قال: فرأيت علياً يقرِض رباط الدراهم من ثوبه، فأعطاه فلبسه، فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه، فأمر به فقُطع ما فضَل عن أطراف أصابعه. وأخرج أحمد في ازلهد عن مولى لأبي غُصعين قال: رأيت علياً خرج فأتى رجلاً من أصحاب الكرابيس، فقال له: عندك قميص سنبلاني؟ قال: فأخرج إليه قميصاً، فلبسه فإذا هو إلى نصف ساقيه، فنظر عن يمنيه وعن شماله فقال: ما أرى إلا قدراً حسناً، بكم هذا؟ قال: بأربعة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فحلَّها من إزاره فدفعها إليهثم انطلق. كذا في البداية. وهاك بعض أبيات من أنفس ما قاله أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ في الزهد: النفس تبكي على الدنيا وقد علمت ... أن السعادة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ... إلا التي كان قبل الموت بانيها فإن بناها بخير طاب مسكنة ... وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها أين الملوك التي كانت ... مسلطنة ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها فكم مدائن في الأفاق ... قد بُنيت ... أمست خرابا وأفتى الموت أهليها لا تركنن إلى الدنيا ... وما فيها ... فالموت لاشك يفنينها ويفنيها لكل نفس وإن كانت على ... وجلٍ ... من المنية أمال تقويها المرء يبسطها والدهر يقبضها ... والنفس تنشرها والموت يطويها إنما المكارم أخلاقٌ مطهرةٌ ... الدين أولها والعقل ثانيها والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والفضل سادسها والبر سابعها والشكر ثامنها ... والصبر تاسعها واللين باقيها والنفس تعلم أني لا أصادقها ... ولست أرشد إلا حين اعصيها واعمل لدارٍ غدا رضوان خازنها ... والجار أحمد والرحمن ناشيها قصورها ذهب والمسك طينتها ... والزعفران حشيش نابت فيها أنهارها لبن محض ومن العسل ... والخمر يجري رحيقا في مجاريها والطير تجري على الأغصان عاكفة ... تسبح الله جهرا في مغانيها من يشتري الدار في الفردوس يعمرها ... بركعة في الظلام الليل يحييها من صور زهد علي بن أبي طالب ﵁ في طعامه:

стр. 530

أخرج أبو نعيم في الحلية عن رجل من ثقيف أن علياً إستعمله على عُكَبرا قال: ولم يكن السَّواد يسكنه المصلون، وقال لي: إذا كان عند الظهر فَرُح إليَّ، فرحت إليه فلم أجد عنده حاجباً يحبسني عنه دونه، فوجدته جالساً وعنده قدح وكوز من ماء، فدعا بطينة فقلت في نفسي: لقد أمِنَني حتى يخرج إليَّ جوهراً ولا أدري ما فيها، فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم، فإذا فيها سَوِيق فأخرج منها فصبَّ في القدح فصب عليه ماء فشرب وسقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك؟ قال: أما والله ما أختم عليه بخلاً عليه، ولكني أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن يفنى فيصنع من غيره، وإنما حفظي لذلك، وأكره أن أدخل بطني إلا طيباً. وعن الأعمش قال: كان علي ﵁ يُغدِّي ويُعشِّي، ويأكل هو من شيء يجيئه من المدينة. قول علي ابن أبي طالب ﵁ لما أُتي بالفالوذج: وأخرج أيضاً عن عبد الله بن شريك عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أُتي بفالوذج فوضع قدامه بين يديه، فقال: إِنك طيب الريح، حسن اللون، طيب الطعم؛ لكن أكره أن أعوّد نفسي ما لم تعتده. وأخرجه أيضاً عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده عن عبد الله بن شريك مثله، كما في المنتخب. إِزار علي ابن أبي طالب ﵁ ﵁: وأخرج ابن المبارك عن زيد بن وهب قال: خرج علينا علي ﵁ وعليه رداء وإزار قد وثَّقه بخرقة فقيل له، فقال: إنما ألبس هذين الثوبين ليكون أبعد لي من الزَّهْو، خيراً لي في صلاتي، وسنّة للمؤمن. كذا في المنتخب. وأخرج البيهقي عن رجل قال: رأيت على علي ﵁ إزارا غليظاً، قال: إشتريته بخمسة دراهم، فمن أربحني فيه درهاً بعته إِياه. كذا في منتخب الكنز. بيع علي ابن أبي طالب ﵁ سيفه لشراء الإِزار: وأخرج يعقوب بن سفيان عن مُجمِّع بن سمعان التيمي قال: خرج علي بن أبي طالب ﵁ بسيفه إلى السوق فقال: من يشتري مني سيفي هذا فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إِزاراً ما بعته. كذا في البداية. وأخرج أبو القاسم البغوي عن صالح بن أبي الأسود عمَّن حدثه أنه رأى علياً ﵁ قد ركب حماراً ودلَّى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الذي أهنتُ الدنيا. كذا في البداية. [*] سيرة طلحة بن عبيد الله ﵁ - و صورٌ من زهده: وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:

стр. 531

أولاً: لمحات من سيرة طلحة ابن عبيد الله ﵁: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد طلحة ابن عبيد الله ﵁: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة طلحة ابن عبيد الله ﵁: [*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء: من الأعلام الشاهرة، ص (٤) الأحوال الزاهرة، الجواد بنفسه، الفياض بماله، طلحة بن عبيد الله، قضي نحبه، وأقرض ربه، كان في الشدة والقلة لنفسه بذولاً، وفي الرخاء والسعة بماله وصولاً. [*] قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي التيمي المكي أبو محمد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة له، قال أبو عبد الله بن مندة كان رجلا آدم كثير الشعر ليس بالجعد القطط ولا بالسبط حسن الوجه إذا مشى أسرع ولا يغير شعره، موسى بن طلحة قال كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة مربوعا إلى القصر هو أقرب رحب الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم القدمين إذا التفت التفت جميعا. وقال الذهبي ﵀: كان ممن سبق إلى الإسلام وأوذي في الله ثم هاجر فاتفق أنه غاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام وتألم لغيبته فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره قال أبو القاسم بن عساكر الحافظ في ترجمته كان مع عمر لما قدم الجابية وجعله على المهاجرين وقال غيره كانت يده شلاء مما وقى بها رسول الله ﷺ يوم أحد. - اسم طلحة بن عبيد الله ﵁ وكنيته: طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي التيمي المكي أبو محمد. - قصة إسلام طلحة بن عبيد الله ﵁:

стр. 532

لقد كان في تجارة له بأرض بصرى حين لقي راهبا من خيار رهبانها، وأنبأه أن النبي الذي سيخرج من بلاد الحرم، والذي تنبأ به الأنبياء الصالحون قد أهلّ عصره وأشرقت أيامه .. وحّر طلحة أن يفوته موكبه، فانه موكب الهدى والرحمة والخلاص .. وحين عاد طلحة إلى بلده مكة بعد شهور قضاها في بصرى وفي السفر، ألفى بين أهلها ضجيجا .. وسمعهم يتحدثون كلما التقى بأحدهم، أو بجماعة منهم عن محمد الأمين .. وعن الوحي الذي يأتيه .. وعن الرسالة التي يحملها إلى العرب خاصة، والى الناس كافة .. وسأل طلحة أول ما سأل أبي بكر فعلم أنه عاد مع قافلته وتجارته من زمن غير بعيد، وأنه يقف إلى جوار محمد مؤمنا منافحا، أوّابا .. وحدّث طلحة نفسه: محمد، وأبو بكر .. ؟؟ تالله لا يجتمع الاثنان على ضلالة أبدا.!! ولقد بلغ محمد الأربعين من عمره، وما عهدنا عليه خلال هذا العمر كذبة واحدة .. أفيكذب اليوم على الله، ويقول: أنه أرسلني وأرسل إلي وحيا .. ؟؟ وهذا هو الذي يصعب تصديقه .. وأسرع طلحة الخطى ميمما وجهه شطر دار أبي بكر .. ولم يطل الحديث بينهما، فقد كان شوقه إلى لقاء الرسول ﷺ ومبايعته أسرع من دقات قلبه .. فصحبه أبو بكر إلى الرسول ﵊، حيث أسلم وأخذ مكانه في القافلة المباركة .. وهكذا كان طلحة من المسلمين المبكرين.

стр. 533

وعلى الرغم من جاهه في قومه، وثرائه العريض، وتجارته الناجحة فقد حمل حظه من اضطهاد قريش، اذ وكل به وبأبي بكر نوفل بن خويلد، وكان يدعى أسد قريش، بيد أن اضطهادهما لم يطل مداه، اذ سرعان ما خجلت قريش من نفسها، وخافت عاقبة أمرها .. وهاجر طلحة إلى المدينة حين أمر المسلمون بالهجرة، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، عدا غزوة بدر، فان الرسول ﷺ كان قد ندبه ومعه سعيد بن زيد لمهمة خارج المدينة .. ولما أنجزاها ورجعا قافلين إلى المدينة، كان النبي وصحبه عائدين من غزوة بدر، فآلم نفسيهما أن يفوتهما أجر مشاركة الرسول ﷺ بالجهاد في أولى غزواته .. بيد أن الرسول أهدى إليهما طمأنينة سابغة، حين أنبأهما أن لهما من المثوبة والأجر مثل ما للمقاتلين تماما، بل وقسم لهما من غنائم المعركة مثل من شهدوها .. وتجيء غزوة أحد لتشهد كل جبروت قريش وكل بأسها حيث جاءت تثأر ليوم بدر وتؤمّن مصيرها بإنزال هزيمة نهائية بالمسلمين، هزيمة حسبتها قريش أمرا ميسورا، وقدرا مقدورا .. !! ودارت حرب طاحنة سرعان ما غطّت الأرض بحصادها الأليم .. ودارت الدائرة على المشركين .. ثم لما رآهم المسلمون ينسحبون وضعوا أسلحتهم، ونزل الرماة من مواقعهم ليحوزوا نصيبهم من الغنائم .. وفجأة عاد جيش قريش من الوراء على حين بغتة، فامتلك ناصية الحرب زمام المعركة .. واستأنف القتال ضراوته وقسوته وطحنه، وكان للمفاجأة أثرها في تشتيت صفوف المسلمين .. وأبصر طلحة جانب المعركة التي يقف فيها رسول الله ﷺ ، فألفاه قد صار هدفا لقوى الشرك والوثنية، فسارع نحو الرسول .. وراح ﵁ يجتاز طريقا ما أطوله على قصره .. ! طريقا تعترض كل شبر منه عشرات السيوف المسعورة وعشرات من الرماح المجنونة!! ورأى رسول الله ﷺ من بعيد يسيل من وجنته الدمو ويتحامل على نفسه، فجنّ جنونه، وقطع طريق الهول في قفزة أو قفزتين وأمام الرسول وجد ما يخشاه .. سيوف المشركين تلهث نحوه، وتحيط به تريد أن تناله بسوء .. ووقف طلحة كالجيش اللجب، يضرب بسيفه البتار يمينا وشمالا .. ورأى دم الرسول الكريم ينزف، وآلامه تئن، فسانده وحمله بعيدا عن الحفرة التي زلت فيها قدمه ..

стр. 534

كان يساند الرسول ﵊ بيسراه وصدره، متأخرا به إلى مكان آمن، بينما بيمينه، بارك الله يمينه، تضرب بالسيف وتقاتل المشركين الذين أحاطوا بالرسول، وملؤا دائرة القتال مثل الجراد .. !! ولندع الصدّيق أبا بكر ﵁ يصف لنا المشهد .. تقول عائشة ﵂:" كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد يقول: ذلك كله كان يوم طلحة .. كنت أول من جاء إلى النبي ﷺ ، فقال لي الرسول ﷺ ولأبي عبيدة بن الجرّاح: دونكم أخاكم .. ونظرنا وإذا به بضع وسبعون بين طعنة .. وضربة ورمية .. وإذا أصبعه مقطوع. فأصلحنا من شأنه".

стр. 535

وفي جميع المشاهد والغزوات، كان طلحة في مقدّمة الصفوف يبتغي وجه الله، ويفتدي راية رسوله. ويعيش طلحة وسط الجماعة المسلمة، يعبد الله مع العابدين، ويجاهد في سبيله مع المجاهدين، ويرسي بساعديه مع سواعد إخوانه قواعد الدين الجديد الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور .. فإذا قضى حق ربه، راح يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله منمّيا تجارته الرابحة، وأعماله الناجحة. فقد كان طلحة رضي الله عته من أكثر المسلمين ثراء، وأنماهم ثروة .. وكانت ثروته كلها في خدمة الدين الذي حمل مع رسول الله ﷺ رايته ... كان ينفق منها بغير حساب .. وكان ربه ينمّيها له بغير حساب! لقد لقّبه رسول الله ﷺ بـ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفيّاض اطراء لجوده المفيض. وما أكثر ما كان يخرج من ثروته مرة واحدة، فاذا الله الكريم يردها اليه مضاعفة. تحدّثنا زوجته سعدى بنت عوف فتقول:" دخلت على طلحة يوما فرأيته مهموما، فسألته ما شانك .. ؟ فقال المال الذي عندي .. قد كثر حتى أهمّني وأكربني .. وقلت له ما عليك .. اقسمه .. فقام ودعا الناس، واخذ يقسمه عليهم حتى ما بقي منه درهم" ... ومرّة أخرى باع أرضا له بثمن مرتفع، ونظر إلى كومة المال ففاضت عيناه من الدمع ثم قال:" إن رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري ما يطرق من أمر، لمغرور بالله" ... ثم دعا بعض أصحابه وحمل معهم أمواله هذه، ومضى في شوارع المدينة وبيوتها يوزعها، حتى أسحر وما عنده منها درهم .. !! ويصف جابر بن عبد الله جود طلحة فيقول:" ما رأيت أحد أعطى لجزيل مال من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله".وكان أكثر الناس برّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعا على كثرتهم .. وقد قيل عنه في ذلك:" .. كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مؤنته، ومؤنة عياله .. وكان يزوج أيامهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم" .. ويقول السائب بن زيد:" صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر والحضر فما وجدت أحدا، أعمّ سخاء على الدرهم، والثوب والطعام من طلحة" .. !! - مناقب طلحة ابن عبيد الله ﵁ -: لطلحة ابن عبيد الله ﵁ مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً: أولاً مناقب طلحة ابن عبيد الله ﵁ جملة ً: (١) طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة:

стр. 536

(٢) طلحة شهيد يمشي على الأرض: (٣) طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ: (٤) إنفاق طلحة في سبيل الله تعالى: (٥) شجاعة طلحة بن عبيد الله ﵁: (٦) موقف طلحة بن عبيد الله من الفتنة: ثانياً مناقب طلحة ابن عبيد الله ﵁ تفصيلا ً: (١) طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة: (حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة. (حديث قيس ابن حازم ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي ﷺ يوم أحد. (حديث الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: كَانَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دِرْعَانِ يَوْمَ أُحُدٍ فَنَهَضَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأَقْعَدَ طَلْحَةَ تَحْتَهُ فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ أَوْجَبَ طَلْحَةُ. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (كَانَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دِرْعَانِ) َفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ الْمُبَالَغَةِ فِي أَسْبَابِ الْمُجَاهَدَةِ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالتَّسْلِيمَ بِالْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ الْمُقَدَّرَةِ (يَوْمَ أُحُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ (فَنَهَضَ) أَيْ قَامَ مُتَوَجِّهًا (إِلَى الصَّخْرَةِ) أَيِ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ يَسْتَوِي عَلَيْهَا وَيَنْظُرُ إِلَى الْكُفَّارِ وَيُشْرِفُ عَلَى الْأَبْرَارِ

стр. 537

(أَوْجَبَ طَلْحَةُ) أَيِ الْجَنَّةَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ بِعَمَلِهِ هَذَا أَوْ بِمَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِنَّهُ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَفَدَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَهَا وِقَايَةً لَهُ حَتَّى طُعِنَ بِبَدَنِهِ وَجُرِحَ جَمِيعُ جَسَدِهِ حَتَّى شُلَّتْ يَدُهُ بِبِضْعٍ وَثَمَانِينَ جِرَاحَةً كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي يقول أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة يقولون علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة. قال الذهبي ﵀: قلت لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن البدريين ومن أهل بيعة الرضوان ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة. أهـ (٢) طلحة شهيد يمشي على الأرض: (حديث جابر بن عبد الله ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من سَرَّهُ أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: " مَنْ سَرَّهُ" أَيْ: أَحَبَّهُ وَأَعْجَبَهُ وَأَفْرَحَهُ " فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مناقبه " هَذَا مَعْدُودٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ فَإِنَّهُ اسْتُشْهِدَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ أهـ لم تكن ثمة بشرى يتمنّاها أصحاب رسول الله، وتطير قلوبهم شوقا إليها أكثر من هذه التي قلّدها النبي طلحة بن عبيد الله .. لقد اطمأن اذن الى عاقبة أمره ومصير حياته .. فسيحيا، ويموت، وهو واحد من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولن تناله فتنة، ولن يدركه لغوب .. ولقد بشّره الرسول بالجنة. شهد له النبي ﷺ بالشهادة في عدة مواضع منها ما يلي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: أن النبي ﷺ كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.

стр. 538

(حديث سعيد بن زيد ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعدهم رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وسعيد بن زيد. ﴿تنبيه﴾: وهذا يصدق على كل من وقف في هذا الموقف؛ لأنه قال: (أو شهيد) و (شهيد) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم. (٣) طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ: (حديث معاوية ابن أبي سفيان ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: ﴿" طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ "﴾ (١) قَالَ فِي النِّهَايَةِ النَّحْبُ: النَّذْرُ كَأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أَنْ يَصْدُقَ أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ فَوَفَّى بِهِ، وَقِيلَ: النَّحْبُ الْمَوْتُ كَأَنَّهُ يُلْزِمُ نَفْسَهُ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يَمُوتَ. انْتَهَى، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّذْرُ وَالنَّحْبُ الْمُدَّةُ، وَالْوَقْتُ، وَمِنْهُ قَضَى فُلَانٌ نَحْبَهُ إِذَا مَاتَ وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمِنْهُمْ مّن قَضَىَ نَحْبَهُ) [الأحزاب: ٢٣] فَعَلَى النَّذْرِ أَيْ: نَذْرَهُ فِيمَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الصِّدْقِ فِي مَوَاطِنِ الْقِتَالِ وَالنُّصْرَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْمَوْتِ: أَيْ: مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ يَبْذُلُوا نُفُوسَهُمْ فِي سَبِيلِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّ طَلْحَةَ مِمَّنْ وَفَّى بِنَفْسِهِ، أَوْ مِمَّنْ ذَاقَ الْمَوْتَ فِي سَبِيلِهِ وَإِنْ كَانَ حَيًّا أهـ. فيكون معنى قضى نحبه: أي صدق في عهده أو صدق في نذره حتى لقي ربه وهو شهيد صادق وعاهد الله على الشهادة ونذر حياته لذلك حتى مات على الشهادة في سبيل الله فلم يبدل ولم يحرف ولم يقع في خيانة. (٤) إنفاق طلحة في سبيل الله تعالى:

стр. 539

علم النبي ﷺ أصحابه ﵃ كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله ﵎ في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ولقد ضرب طلحة ابن عبيد الله أروع المثل في ذلك حتى سمَّاه النبي ﷺ طلحة الخير وطلحة الفياض وطلحة الجود. (حديث طلحة ابن عبيد الله ﵁ الثابت في ظلال الجنة تخريج السنة) قال كان رسول الله ﷺ إذا رآني قال سلفي في الدنيا والآخرة وسماني رسول الله ﷺ طلحة الخير وفي غزوة ذات العسيرة طلحة الفياض ويوم حنين طلحة الجود وقال من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سُعدى إمرأة طلحة ﵄ قالت: فقد تصدّق طلحة يوماً بمائة ألف درهم، ثم حبسه عن الرواح إلى المسجد أن جمعت له بين طرفي ثوبه. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سُعْدَى بنت عوف المرية قالت دخلت على طلحة يوما وهو خاثر فقلت ما لك لعل رابك من أهلك شيء قال لا والله ونعم حليلة المسلم أنت ولكن مال عندي قد غمني فقلت ما يغمك عليك بقومك قال يا غلام ادع لي قومي فقسمه فيهم فسألت الخازن كم أعطى قال أربع مئة ألف. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال كان طلحة يغل بالعراق أربع مئة ألف ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو (أقل أو) أكثر (وبالأعراض له غلات) وكان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه وقضى دينه ولقد كان يرسل إلى عائشة (إذا جاءت غلته) كل سنة بعشرة آلاف ولقد قضى عن فلان التيمي ثلاثين ألفا. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عثمان بن عبد الرحمن أن طلحة بن عبيد الله قضى عن عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز ثمانين ألف درهم.

стр. 540

[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن موسى بن طلحة عن أبيه أنه أتاه مال من حضرموت سبع مئة ألف فبات ليلته يتململ فقالت له زوجته: مَالَكَ؟ قال تفكرت منذ الليلة فقلت ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته قالت فأين أنت عن بعض أخلائك فإذا أصبحت فادع بجفان وقصاع فقسمه فقال لها رحمك الله إنك موفقة بنت موفق وهي أم كلثوم بنت الصديق فلما أصبح دعا بجفان فقسمها بين المهاجرين والأنصار فبعث إلى علي منها بجفنة، فقالت له زوجته أبا محمد أما كان لنا في هذا المال من نصيب قال فأين كنت منذ اليوم فشأنك بما بقي قالت فكانت صرة فيها نحو ألف درهم. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن زيد قال جاء أعرابي إلى طلحة يسأله فتقرب إليه برحم فقال إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلاث مئة ألف فاقبضها وإن شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فقال الثمن فأعطاه. (٥) شجاعة طلحة بن عبيد الله ﵁: (حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح النسائي) قال: لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله ﷺ في ناحية في أثنى عشر رجلا من الأنصار وفيهم طلحة بن عبيد الله فأدركهم المشركون فالتفت رسول الله ﷺ وقال من للقوم فقال طلحة أنا قال رسول الله ﷺ كما أنت فقال رجل من الأنصار أنا يا رسول الله فقال أنت فقاتل حتى قتل ثم التفت فإذا المشركون فقال من للقوم فقال طلحة أنا قال كما أنت فقال رجل من الأنصار أنا فقال أنت فقاتل حتى قتل ثم لم يزل يقول ذلك ويخرج إليهم رجل من الأنصار فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل حتى بقي رسول الله ﷺ وطلحة بن عبيد الله فقال رسول الله ﷺ من للقوم فقال طلحة أنا فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال حس فقال رسول الله ﷺ لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون ثم رد الله المشركين.

стр. 541

[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا جرح أبونا يوم أحد أربعا وعشرين جراحة وقع منها في رأسه شجة مربعة وقطع نساه يعني العرق وشلت أصبعه وكان سائر الجراح في جسده وغلبه الغشي ورسول الله ﷺ مكسورة رباعيته مشجوج في وجهه قد علاه الغشي وطلحة محتمله يرجع به القهقرى كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن موسى بن طلحة أن معاوية سأله كم ترك ابو محمد من العين قال ترك ألفي ألف درهم ومئتي ألف درهم ومن الذهب مئتي ألف دينار فقال معاوية عاش حميدا سخياً شريفاً وقتل فقيدا ﵀ وأنشد الرياشي لرجل من قريش * أيا سائلي عن خيار العباد * صادفت ذا العلم والخبرة * * خيار العباد جميعا قريش * وخير قريش ذوو الهجرة * * وخير ذوي الهجرة السابقون * ثمانية وحدهم نصره * * علي وعثمان ثم الزبير * وطلحة وإثنان من زهرة * * وبران قد جاورا أحمدا * وجاور قبرههما قبره * * فمن كان بعدهم فاخرا * فلا يذكرن بعدهم فخره * (٦) موقف طلحة بن عبيد الله من الفتنة: [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علقمة بن وقاص الليثي قال لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان عرجوا عن منصرفهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن فردوهما قال ورأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بلحيته على زوره فقلت يا أبا محمد إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها إن كنت تكره هذا الأمر فَدَعْهُ فقال يا علقمة لا تلمني كنا أمس يدا واحدة على من سوانا فأصبحنا اليوم جبلين من حديد يزحف أحدنا إلى صاحبه ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي وطلب دمه. قال الذهبي ﵀: قلت: الذي كان منه في حق عثمان تمغفل وتأليب فعله باجتهاد ثم تغير عندما شاهد مصرع عثمان فندم على ترك نصرته ﵄ وكان طلحة أول من بايع عليا أرهقه قتلة عثمان واحضروه حتى بايع. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حكيم بن جابر قال قال طلحة إنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى. قتل طلحة بن عبيد الله ﵁ -:

стр. 542

[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قيس قال رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في ركبته فما زال ينسح حتى مات. قال الذهبي ﵀: قلت: قاتل طلحة في الوزر بمنزلة قاتل علي. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي قال رأى علي طلحة في واد ملقى فنزل فمسح التراب عن وجهه وقال عزيز علي أبا محمد بأن أراك مجدلا في الأودية تحت نجوم السماء إلى الله أشكو عجري وبجري قال الأصمعي معناه سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي عبد الله بن إدريس عن ليث عن طلحة بن مصرف أن عليا إنتهى إلى طلحة وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه ومسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه وقال ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن عبد الله من الأنصار عن أبيه أن عليا قال بشروا قاتل طلحة بالنار. [*] أخرج الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعد وقعة الجمل فرحب به وأدناه ثم قال إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك ممن قال فيهم (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَاناً عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ) [الحجر: ٤٧] فقال رجلان جالسان أحدهما الحارث الاعور الله أعدل من ذلك أن يقبلهم ويكونوا إخواننا في الجنة قال قوما أبعد أرض وأسحقها فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فائتنا. ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد طلحة ابن عبيد الله ﵁ -: لقد فهم طلحة ابن عبيد الله ﵁ من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين ﷺ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي: (١) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى ﷺ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.

стр. 543

(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. (٢) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله ﵎: (حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء. (حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله ﷺ قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما. (٣) أن عمرها قد قارب على الانتهاء: (حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى. (٤) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار: كما قال مؤمن آل فرعون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: ٣٩، ٤٠] كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع ﵁ عن الدنيا وحطامها وزهد فيها، وهاك بعض صور زهده ﵁: لقد وعى طلحة ابن عبيد الله ﵁ حقيقة الزهد وأن الزهد أن يكون المال في يدك وليس في قلبك فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف ﵁، وكان طلحة ﵁ من أكثر المسلمين ثراء، وأنماهم ثروة وكانت ثروته كلها في خدمة الدين الذي حمل مع رسول الله ﷺ رايته كان ينفق منها بغير حساب وكان الله ينمّيها له بغير حساب، فكان كلما أخرج منها الكثير، أعاده الله إليه مضاعفا لقد لقّبه رسول الله ﷺ بـ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفيّاض إطراء لجوده المفيض. وما أكثر ما كان يخرج من ثروته مرة واحدة، فاذا الله الكريم يردها اليه مضاعفة

стр. 544

[*] عن الحسن قال: باع طلحة أرضا له بسبعمائة ألف، فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أَرِقا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرَّقه. [*] وعن جابر بن قَبيصة قال: صحبتُ طلحة، فما رأيتُ رجلا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه http://qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=٢&item_no=٦٠٢٥&version=١&template_id=١١٩&parent_id=١٣ - _ftn١٤. [*] تحدّثنا زوجته سُعدى بنت عوف فتقول: دخل عليَّ طلحة ورأيتُه مغموما فقلتُ: ما لي أراك كالح الوجه؟ وقلتُ: ما شأنك، أرابك مني شيء فأعتبك (أي أسترضيك)؟ قال: لا. ولنعم حليلةُ المسلم أنت! قلتُ: فما شأنك؟ قال: المال الذي عندي قد كثر وكَرَبَني! قلتُ: وما عليك، اقسمه. قالت: فقسمه حتى ما بقي منه درهم. قال يحيى بن طلحة: فسألتُ خازن طلحة: كم المال؟ قال: أربعمائة ألف. وقالت سُعدى بنت عوف أيضاً: لقد تصدَّق طلحة يوما بمائة ألف، ثم حبسه عن المسجد أن جمعتُ له بين طرفي ثوبه. تعني: لم يستطع الذهاب إلى المسجد حتى رقع ثوبه!! ومرّة أخرى باع أرضاً له بثمن مرتفع، ونظر الى كومة المال ففاضت عيناه من الدمع ثم قال: إن رجلاً تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري ما يطرق من أمر، لمغرور بالله ثم دعا بعض أصحابه وحمل معهم أمواله هذه، ومضى في شوارع المدينة وبيوتها يوزعها، حتى أسحر وما عنده منها درهم [*] ويصف جابر بن عبد الله جود طلحة فيقول: ما رأيت أحد أعطى لجزيل مال من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله وكان أكثر الناس برّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعا على كثرتهم .. وقد قيل عنه في ذلك: كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مؤنته، و مؤنة عياله وكان يزوج أياماهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم [*] ويقول السائب بن زيد: صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر والحضر فما وجدت أحداً، أعمّ سخاء على الدرهم، والثوب والطعام من طلحة. ويتجلى زهد طلحة ابن عبيد الله ﵁ كذلك في تركه ما لا ينفع في الآخرة وعدم إصراره على الخطأ إن صدر منه، فكان وَقَّافاً لحدود الله تعالى وكان إذا ذُكِّرَ ذكر ويظهر هذا وضوحاً جلياً في موقف من الفتنة في خلافة عثمان وهاك موقفه بإيجاز: نشبت الفتنة المعروفة في خلافة عثمان ﵁ ويؤيد طلحة حجة المعارضين لعثمان، ويزكي معظمهم فيما كانوا ينشدونه من تغيير وإصلاح، لكن هل كان بموقفه هذا، يدعو إلى قتل عثمان، أو يرضى به .. ؟؟ كلا

стр. 545

ولو كان يعلم أن الفتنة ستتداعى حتى تتفجر آخر الأمر حقداً مخبولاً، ينفس عن نفسه في تلك الجناية البشعة التي ذهب ضحيتها ذو النورين عثمان ﵁ نقول: لو كان يعلم أن الفتنة ستتمادى إلى هذا المأزق والمنتهى لقاومها، ولقاومها معه بقية الأصحاب الذين آزروها أول أمرها باعتبارها حركة معارضة وتحذير، لا أكثر على أن موقف طلحة هذا، تحوّل إلى عقدة حياته بعد الطريقة البشعة التي حوصر بها عثمان وقتل، فلم يكد الإمام عليّ يقبل بيعة المسلمين بالمدينة ومنهم طلحة والزبير، حتى استأذن الاثنان في الخروج إلى مكة للعمرة ومن مكة توجها إلى البصرة، حيث كانت قوات كثيرة تتجمّع للأخذ بثأر عثمان وكانت وقعة الجمل حيث التقى الفريق المطالب بدم عثمان، والفريق الذي يناصر عليّا .. وكان عليّ كلما أدار خواطره على الموقف العسر الذي يجتازه الإسلام والمسلمون في هذه الخصومة الرهيبة، تنتفض همومه، وتهطل دموعه، ويعلو نشيجه لقد اضطر إلى المأزق الوعر فبوصفه خليفة المسلمين لا يستطيع، وليس من حقه أن يتسامح تجاه أي تمرّد على الدولة، أو أي مناهضة مسلحة للسلطة المشروعة وحين ينهض لقمع تمرّد من هذا النوع، فإن عليه أن يواجه إخوانه وأصحابه وأصدقاءه، وأتباع رسوله ودينه، أولئك الذين طالما قاتل معهم جيوش الشرك، وخاضوا معا تحت راية التوحيد معارك صهرتهم وصقلتهم، وجعلت منهم إخواناً بل إخوة متعاضدين فأي مأزق هذا .. ؟ وأي ابتلاء عسير .. ؟ وفي سبيل التماس مخرج من هذا المأزق، وصون دماء المسلمين لم يترك الإمام علي وسيلة إلا توسّل بها، ولا رجاء إلا تعلق به ولكن العناصر التي كانت تعمل ضدّ الإسلام، وما أكثرها، والتي لقيت مصيرها الفاجع على يد الدولة المسلمة، أيام عاهلها العظيم عمر، هذه العناصر كانت قد أحكمت نسج الفتنة، وراحت تغذيها وتتابع سيرها وتفاقمها بكى عليّ ﵁ بكاء غزيرا، عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير، حوراييّ رسول الله فنادى طلحة والزبير ليخرجا إليه، فخرجا حتى اختلفت أعناق أفراسهم فقال لطلحة: يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت .. ؟؟ ثم قال للزبير: يا زبير، نشدتك الله، أتذكر يوم مرّ بك رسول الله ﷺ ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، ألا تحبّ عليّا .. ؟

стр. 546

فقلت: ألا أحب ابن خالي، وابن عمي، ومن هو على ديني .. ؟؟ فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم قال الزبير ﵁: نعم أذكر الآن، وكنت قد نسيته، والله لا أقاتلك وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب الأهلية أقلعا فور تبيّنهما الأمر، وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ، تذكرا قول رسول الله ﷺ لعمّار: تقتلك الفئة الباغية فإن قتل عمّار إذن في هذه المعركة التي يشترك فيها طلحة، فسيكون طلحة باغياً انسحب طلحة والزبير من القتال، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى .. أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدرا وهو يصلي وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته كان مقتل عثمان قد تشكّل في نفسية طلحة، حتى صار عقدة حياته .. كل هذا، مع أنه لم يشترك بالقتل، ولم يحرّض عليه، وإنما ناصر المعارضة ضدّه، يوم لم يكن يبدو أن المعارضة ستتمادى وتتأزم حتى تتحول إلى تلك الجريمة البشعة وحين أخذ مكانه يوم الجمل مع الجيش المعادي لعلي بن أبي طالب والمطالب بدم عثمان، كان يرجو أن يكون في موقفه هذا كفّارة تريحه من وطأة ضميره .. وكان قبل بدء المعركة يدعو ويضرع بصوت تخنقه الدموع، ويقول: اللهم خذ مني لعثمان اليوم حتى ترضى فلما واجهه عليّ هو والزبير، أضاءت كلمات عليّ جوانب نفسيهما، فرأيا الصواب وتركا أرض القتال .. بيد أن الشهادة من حظ طلحة يدركها وتدركه أيّان يكون ألم يقل الرسول عنه: هذا ممن قضى نحبه، ومن سرّه أن يرى شهيداً يمشي على الأرض، فلينظر الى طلحة لقي الشهيد اذن مصيره المقدور والكبير، وانتهت وقعة الجمل

стр. 547

وأدركت أم المؤمنين أنها تعجلت الأمور فغادرت البصرة إلى البيت الحرام فالمدينة، نافضة يديها من هذا الصراع، وزوّدها الإمام علي في رحلتها بكل وسائل الراحة والتكريم .. وحين كان عليّ يستعرض شهداء المعركة راح يصلي عليهم جميعا، الذين كانوا معه، والذين كانوا ضدّه و لما رأى على طلحة مقتولاً جعل يمسح التراب عن وجهه و قال: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجولاً تحت نجوم السماء ثم قال: إلى الله أشكو عجري و بجري و ترحم عليه وقال: ليتني من قبل هذا اليوم بعشرين سنة و بكى هو وأصحابه عليه ولما فرغ من دفن طلحة، والزبير، وقف يودعهما بكلمات جليلة، اختتمها قائلا: إني لأرجو أن أكون أنا، وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: ونزعنا ما صدورهم من غلّ إخوانا على سرر متقابلين، ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال: سمعت أذناي هاتان رسول الله ﷺ يقول: طلحة والزبير، جاراي في الجنّة. [*] سيرة الزبير بن العوام ﵁ - و صورٌ من زهده: وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة الزبير ابن العوام ﵁: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد الزبير ابن العوام ﵁: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة الزبير ابن العوام ﵁: [*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء: وقرينه الزبير بن العوام، الثابت القوام، صاحب السيف الصارم، والرأي الحازم، كان لمولاه مستكيناً، وبه مستعيناً، قاتل الأبطال، وباذل الأموال. مدح حسان بن ثابت الزبير، فقال في مديحه للزبير: فكم كربة ذب الزبير بسيفه ... عن المصطفي والله يعطي ويجزل فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر مادام يذبل ثناؤك خير من فعال معاشر ... وفعلك يا بن الهاشمية أفضل [*] قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:

стр. 548

الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب حواري رسول الله ﷺ وابن عمته صفية بنت عد المطلب وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أهل الشورى وأول من سل سيفه في سبيل الله أبو عبد الله ﵁ أسلم وهو حدث له ست عشرة سنة وقد ورد أن الزبير كان رجلا طويلا إذا ركب خطت رجلاه الأرض وكان خفيف اللحية والعارضين روى أحاديث يسيرة حدث عنه بنوه عبد الله ومصعب وعروة وجعفر ومالك بن أوس بن الحدثان والأحنف بن قيس وعبد الله بن عامر بن كريز ومسلم بن جندب وأبو حكيم مولاه وآخرون. قال موسى بن طلحة: كان علي والزبير وطلحة وسعد عذار عام واحد يعني ولدوا في سنة. وقال المدائني: كان طلحة والزبير وعلي أترابا. وقال عروة أن الزبير: كان طويلا تخط رجلاه الارض إذا ركب الدابة أشعر وكانت أمه صفية تضربه ضربا شديدا وهو يتيم فقيل لها قتلته أهلكته قالت * إنما أضربه لكي يدب * ويجر الجيش ذا الجلب * قال وكسر يد غلام ذات يوم فجيء بالغلام إلى صفية فقيل لها ذلك فقالت * كيف وجدت وبرا * أأقطا أم تمرا * أم مشمعلا صقرا * وفيه يقول عامر بن صالح بن عبد الله بن الزبير: جدي ابن عمة أحمد ووزيره ... عند البلاء وفارس الشقراء وغداة بدر كان أول فارس ... شهد الوغى في اللامة الصفراء نزلت بسيماه الملائك نصرة ... بالحوض يوم تألب الاعداء - اسم الزبير بن العوام ﵁ وكنيته: أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب يلتقي مع رسول الله ﷺ في الجد الخامس (قصي) أمه: صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ عمته: أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ زوجته: وزوجته أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ﵂ وهي أم عبد الله بن الزبير أول مولود للمسلمين بعد الهجرة - مولد الزبير بن العوام ﵁ ونشأته: كَانَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدٌ، أترابا، يَعْنِي: وُلِدُوا فِي سَنَةٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ تَضْرِبُهُ ضَرْباً شَدِيْداً، وَهُوَ يَتِيْمٌ. فَقِيْلَ لَهَا: قَتَلْتِهِ، أَهْلَكْتِهِ. قَالَتْ: إِنَّمَا أَضْرِبُهُ لِكَي يَدِبّ * وَيَجُرَّ الجَيْشَ ذَا الجَلَبْ. - إسلام الزبير بن العوام ﵁:

стр. 549

أسلم الزبير بن العوام وعمره خمس عشرة سنة أو أقل، وكان من السبعة الأوائل الذين سارعوا بالإسلام. - ثبات الزبير بن العوام ﵁ في الإسلام: كان للزبير ﵁ نصيبا من العذاب على يد عمه، فقد كان يلفه في حصير ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه، ويناديه: (اكفر برب محمد أدرأ عنك هذا العذاب) ٠٠٠فيجيبه الفتى الزبير ﵁: (لا والله، لا أعود للكفر أبدا) - سيفه هو أول سيف شهر بالإسلام: ففي أيام الإسلام الأولى سرت شائعة بأن الرسول الكريم قد قتل، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه وامتشقه، وسار في شوارع مكة كالإعصار، وفي أعلى مكة لقيه الرسول ﷺ فسأله ماذا به؟ فأخبره النبأ فصلى عليه الرسول ودعا له بالخير ولسيفه بالغلب. - مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ -: للزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً: أولاً مناقب مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ جملة ً: (١) الزبير ابن عمة النبي ﷺ وحواريه: (٢) الزبير أحد العشر المبشرين بالجنة ومن الستة أصحاب الشورى: (٣) تبشيره بالشهادة: (٤) جَمَعَ النبي ﷺ له أَبَوَيْهِ: (٥) شجاعة الزبير بن العوام ﵁: (٦) إنفاق الزبير في سبيل الله : (٧) الزبير من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: (٨) الزبير ركن من أركان الدين: (٩) اعتزال الزبير للفتنة: ثانياً مناقب مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ تفصيلا ً: (١) الزبير ابن عمة النبي ﷺ وحواريه: (حديث جابر ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من يأتني بخبر القوم). يوم الأحزاب، قال الزبير: أنا، ثم قال: (من يأتيني بخبر القوم). قال الزبير: أنا، فقال النبي ﷺ : (إن لكل نبي حواريا، وحواري الزبير. (حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: الزبير ابن عمتي و حواريي من أمتي.

стр. 550

﴿إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا"﴾ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا أَيْ: نَاصِرًا مُخْلِصًا " ﴿وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ مناقب الزبير﴾ (١) " أَيْ: خَاصَّتِي مِنْ أَصْحَابِي وَنَاصِرِي قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ الْقَاضِي: اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بِفَتْحِ الْيَاءِ كَمُصْرِخِيَّ، وَضَبَطَهُ أَكْثَرُهُمْ بِكَسْرِهَا، وَالْحَوَارِيُّ النَّاصِرُ وَقِيلَ: الْخَاصَّةُ. انْتَهَى [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أسماء بنت أبي بكر قالت مر الزبير بمجلس من أصحاب رسول الله ﷺ وحسان ينشدهم من شعره وهم غير نشاط لما يسمعون منه فجلس معهم الزبير ثم قال مالي أراكم غير أذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة فلقد كان يعرض به رسول الله ﷺ فيحسن استماعه ويجزل عليه ثوابه ولا يشتغل عنه فقال حسان يمدح الزبير * أقام على عهد النبي وهديه * حواريه والقول بالفعل يعدل * * أقام على منهاجه وطريقه * يوالي ولي الحق والحق اعدل * * هو الفارس المشهور والبطل الذي * يصول إذا ما كان يوم محجل * * إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها بأبيض سباق إلى الموت يرقل * * وإن امرءا كانت صفية أمه * ومن أسد في بيتها لمؤثل * * له من رسول الله قربى قريبة * ومن نصرة الاسلام مجد مؤثل * * فكم كربة ذب الزبير بسيفه * عن المصطفى والله يعطي فيجزل ** ثناؤك خير من فعال معاشر * وفعلك يا ابن الهاشمية أفضل * (٢) الزبير أحد العشر المبشرين بالجنة ومن الستة أصحاب الشورى: (حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي يقول أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة يقولون علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة. قال الذهبي ﵀:

стр. 551

قلت لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن البدريين ومن أهل بيعة الرضوان ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة. أهـ [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن ميمون قال قال عمر إنهم يقولون استخلف علينا فإن حدث بي حدث فالأمر في هؤلاء الستة الذين فارقهم رسول الله ﷺ وهوعنهم راض ثم سماهم. (٣) تبشيره بالشهادة: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: أن النبي ﷺ كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد. (حديث سعيد بن زيد ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعدهم رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وسعيد بن زيد. ﴿تنبيه﴾: وهذا يصدق على كل من وقف في هذا الموقف؛ لأنه قال: (أو شهيد) و (شهيد) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم. (٤) جَمَعَ النبي ﷺ له أَبَوَيْهِ: (حديث الزبير ابن العوام ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم. فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: (فداك أبي وأمي). قَوْلُهُ: (جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ) أَيْ: فِي التَّفْدِيَةِ " فَقَالَ بِأَبِي وَأُمِّي" أَيْ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، وَفِي هَذِهِ التَّفْدِيَةِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِهِ وَاعْتِدَادٌ بِعَمَلِهِ وَاعْتِبَارٌ بِأَمْرِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُفَدِّي إِلَّا مَنْ يُعَظِّمُهُ فَيَبْذُلُ نَفْسَهُ، أَوْ أَعَزَّ أَهْلِهِ لَهُ. (٥) شجاعة الزبير بن العوام ﵁:

стр. 552

أخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيِّب قال: إن أول من سلّ سيفاً في الله الزبير بن العوام ﵁، بين هو ذات يوم قائل إذ سمع نغمةً: قُتِلَ رسول الله ﷺ فخرج متجِّداً بالسيف صلتاً، فلقيها كُنَةً كَنَةً قال: "مالك يا زبير" فقال: سمعت أنك قُتلت. قال: "فما أردت أن تصنع؟ " قال: أردت ـ والله ـ أستعرض أهل مكة. فدعا له النبي ﷺ بخير، وفي ذلك يقول الأسَديّ: هاذاك أول سيف سُلّ في غضب لله سيف الزبير المرتَضى أنَفَا حميَّةٌ سبقت من فضل نجدته قد يحبس النجدات المحبس الأرفا وعند ابن عساكر أيضاً وأبي نعيم في الحلية عن عروة أن الزبير بن العوَّام ﵄ سمع نفخة من الشيطان أن محمداً ﷺ أُخذ، بعدما أسلم، وهو ابن إثنتي عشرة سنة؛ فسلّ سيفه، وخرج يشتدّ في الأزقة حتى أتى النبي ﷺ وهو بأعلى مكة ـ والسيف في يده. فقال له النبي ﷺ "ما شأنك؟ " قال: سمعت أنك قد أخذت. فقال النبي ﷺ "ما كنت تصنع؟ " قال: كنت أضرب بسيفي هذا من أخذك. فدعا له رسول الله ﷺ ولسيفه، وقال: "انصرف". وكان أول سيف سُلّ في سبيل الله. كذا في منتخب كنز العمال. وأخرجه الزبير بن بكار، كما في الإِصابة. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الثوري قال هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة حمزة وعلي والزبير. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي قال: حاربني خمسة أطوع الناس في الناس عائشة وأشجع الناس الزبير وأمكر الناس طلحة لم يدركه مكر قط واعطى الناس يعلى بن منية وأعبد الناس محمد بن طلحة كان محمودا حتى استزله أبوه وكان يعلى يعطي الرجل الواحد ثلاثين دينارا والسلاح والفرس على أن يحاربني. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن زيد أخبرني من رأى الزبير وفي صدره أمثال العيون من الطعن والرمي. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة قال كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف إحداهن في عاتقه إن كنت لأدخل أصابعي فيها ضرب ثنتين يوم بدر وواحدة يوم اليرموك. قتله طلحة العبدري يوم أُحد:

стр. 553

وذكر يونس عن ابن إسحاق أن طلحة بن أبي طلحة العبدري حاملَ لواء المشركين يوم أُحد دعا إلى البراز، فأحجم عنه الناس؛ فبرز إليه الزبير بن العوام ﵁. فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض، فألقاه عنه، وذبحه بسيفه، فأثنى عليه رسول الله ﷺ وقال: "إنَّ لكل نبي حوارِيّاً، وحوارِيّ الزبير"، وقال: "لو لم يبرز إِليه لبرزت أنا إليه، لِمَا رأيت من إحجام الناس عنه". كذا في البداية. قتله نوفل المخزومي وقصته في قتل رجل آخر: وذكر يونس عن ابن إسحاق قال: خرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ـ أي يوم الخندق ـ، فسأل المبارزة. فخرج إليه الزبير بن العوام ﵁ فضربه، فشقّه باثنتين حتى فلّ في سيفه فلا؛ وانصرف وهو يقول: إني أمرؤ أُحمي وأحتمي عن النبي المصطفى الأمي كذا في البداية. وقد أخرج ابن جرير عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت؛ أقبل رجل من المشركين وعليه السلاح، حتى صعد على مكان مرتفع من الأرض فقال: من يبارز؟ فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم: "أتقوم إليه؟ " فقال له الرجل: إن شئت يا رسول الله. فأخذ الزبير ﵁ يتطلَّع، فنظر إليه رسول الله ﷺ فقال: "قم يا ابن صفية" فانطلق إِليه حتى استوى معه، فاضطربا ثم عانق أحدهما الآخر، ثم تدحرجا. فقال رسول الله ﷺ "أيهما وقع الحضيض أول فهو المقتول"، فدعا النبي ﷺ ودعا الناس فوقع الكافر، ووقع الزبير ﵁ على صدره فقتله. كذا في منتخب الكنز. حملة الزبير يوم الخندق ويوم اليرموك: وأخرج البيهقي عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: جُعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأُطُم، ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطىء لي، فأصعد على ظهره، فأنظر. قال: فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة ها هنا، ومرة ها هنا، فما يرتفع له شيء إلا أتاه. فلما أمسى جاءنا إلى الأُطُم قلت: يا أبت رأيتك اليوم وما تصنع. قال: ورأيتني يا بني؟ قلت: نعم. قال: فدىً لك أبي وأمي. كذا في البداية.

стр. 554

وأخرج البخاري عن عروة ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للزبير ﵁ يوم اليرموك: لا تشدّ فنشدّ معك؟ فقال: إني إن شددت كذبتم. فقالوا: لا نفعل. فحمل عليهم حتى شقّ صفوفهم فجاوزهم، وما معه أحد، ثم رجع مقبلاً، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضُربها يوم بدر. قال عروة ﵁: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات، ألعب وأنا صغير. قال عروة ﵁: وكان معه عبد الله بن الزبير ﵄ يومئذٍ، وهو ابن عشر سنين؛ فحمله على فرس ووكّل به رجلاً. وذكره في البداية ـ بمعناه وزاد: ثم جاؤوا إليه مرّة ثانية، ففعل كما فعل في المرة الأولى. (٦) إنفاق الزبير في سبيل الله : أخرج أبو نُعيم في الحلية عن سعيد بن (عبد) العزيز قال: كان للزبير بن العوام ﵁ ألف مملوك يؤدُّون إِليه الخراج، فكان يقسمه كل ليلة، ثم يقوم إِلى منزله وليس معه منه شيء. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مغيث بن سمي قال كان للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فلا يدخل بيته من خراجهم شيئا. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة بن الزبير قال: قال أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة منهم عثمان وابن مسعود وعبد الرحمن فكان ينفق على الورثة من ماله ويحفظ أموالهم. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جويرية بن أسماء باع الزبير دارا له بست مئة ألف فقيل له يا أبا عبد الله غبنت قال كلا هي في سبيل الله. (٧) الزبير من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: (حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) قالت: (الّذِينَ اسْتَجَابُواْ للّهِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: ١٧٢] قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: (من يذهب في إثرهم). فانتدب منهم سبعون رجلا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: قوله القرح: الجراح هو تفسير أبي عبيدة وكذا أخرجه بن جرير من طريق سعيد بن جبير مثله،

стр. 555

قوله استجابوا: أجابوا ويستجيب يجيب هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ [آل عمران: ١٩٥] أي أجابهم تقول العرب استجيتك أي أجبتك. وحاصل القصة: لما انصرف المشركون من أحد وأصاب النبي ﷺ اصحابه ما أصابهم خاف أن يرجعوا فقال من ينتدب لهؤلاء في آثارهم حتى يعلموا أن بنا قوة فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين فخرجوا في آثار المشركين فسمعوا بهم فانصرفوا قال تعالى (فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران: (٧) الزبير من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن ميمون قال قال عمر إنهم يقولون استخلف علينا فإن حدث بي حدث فالأمر في هؤلاء الستة الذين فارقهم رسول الله ﷺ وهوعنهم راض ثم سماهم. الشاهد: أن هذا هو قول عمر وقول عمر رضي الله تعالى عنه سنة متبعة لأنه من الخلفاء الراشدين للحديث الآتي: (حديث العرباض بن سارية الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و إن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة. (٨) الزبير ركن من أركان الدين: [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة بن الزبير قال: قال أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة منهم عثمان وابن مسعود وعبد الرحمن فكان ينفق على الورثة من ماله ويحفظ أموالهم. الشاهد: أنه هذا قول عمر وقول عمر رضي الله تعالى عنه سنة متبعة لأنه من الخلفاء الراشدين. (حديث العرباض بن سارية الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و إن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة. (٩) اعتزال الزبير للفتنة:

стр. 556

[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عن مطرف قلت للزبير ما جاء بكم ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه قال إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان قال تعالى: (وَاتّقُواْ فِتْنَةً لاّ تُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصّةً) [الأنفال: ٢٥] لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الأسود بن قيس حدثني من رأى الزبير يقتفي آثار الخيل قعصا بالرمح فناداه علي يا أبا عبد الله فأقبل عليه حتى التفت أعناق دوابهما فقال أنشدك بالله أتذكر يوم كنت أناجيك فأتانا رسول الله ﷺ فقال تناجيه فوالله ليقاتلنك وهو لك ظالم قال فلم يعد أن سمع الحديث فضرب وجه دابته وذهب. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي جرو المازني قال شهدت عليا والزبير حين تواقفا فقال علي يا زبير أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول إنك تقاتلني وأنت لي ظالم قال نعم ولم أذكره إلا في موقفي هذا ثم انصرف. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: انصرف الزبير يوم الجمل عن علي فلقيه ابنه عبد الله فقال جبنا جبنا قال قد علم الناس أني لست بجبان ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول الله ﷺ فحلفت أن لا أقاتله ثم قال * ترك الامور التي أخشى عواقبها * في الله أحسن في الدنيا وفي الدين * وقيل إنه أنشد * ولقد علمت لو أن علمي نافعي * أن الحياة من الممات قريب * فلم ينشب أن قتله ابن جرموز. قتل الزبير بن العوام ﵁ -: [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن جاوان قال قتل طلحة وانهزموا فأتى الزبير سفوان فلقيه النعر المجاشعي فقال يا حواري رسول الله أين تذهب تعال فأنت في ذمتي فسار معه وجاء رجل إلى الأحنف فقال إن الزبير بسفوان فما تأمر إن كان جاء فحمل بين المسلمين حتى إذا ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيف أراد أن يلحق ببنيه قال فسمعها عمير بن جرموز وفضالة بن حابس ورجل يقال له نفيع فانطلقوا حتى لقوه مقبلا مع النعر وهم في طلبه فأتاه عمير من خلفه وطعنه طعنة ضعيفة فحمل عليه الزبير فلما استلحمه وظن أنه قاتله قال يا فضالة يا نفيع قال فحملوا على الزبير حتى قتلوه.

стр. 557

[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن زر قال استأذن ابن جرموز على علي وأنا عنده فقال علي بشر قاتل ابن صفية بالنار سمعت رسول الله ﷺ يقول (لكل نبي حواري وحواري الزبير. [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة ابن الزبير قال: بلغ حصة عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل زوجة الزبير من ميراثه ثمانين ألف درهم وقالت ترثيه * غدر ابن جرموز بفارس بهمة * يوم اللقاء وكان غير معرد * * يا عمرو لو نبهته لوجدته * لا طائشا رعش البنان ولا اليد * * ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله * فيما مضى مما تروح وتغتدي * * كم غمرة قد خاضها لم يثنه * عنها طرادك يا إبن فقع الفدفد * * والله ربك ان قتلت لمسلما * حلت عليك عقوبة المتعمد * ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد الزبير بن العوام ﵁ -: لقد فهم الزبير ابن العوام ﵁ من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين ﷺ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي: (١) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى ﷺ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. (حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. (٢) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله ﵎: (حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء. (حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله ﷺ قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما. (٣) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:

стр. 558

(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى. (٤) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار: كما قال مؤمن آل فرعون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: ٣٩، ٤٠] كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع ﵁ عن الدنيا وحطامها وزهد فيها، وهاك بعض صور زهده ﵁: كان يدير تجارة رابحة ناجحة، وكان ثراؤه عريضا، ولكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا!! وكان توكله على الله منطلق جوده، ومنطلق شجاعته وفدائيته .. حتى وهو يجود بروحه، ويوصي ولده عبد الله بقضاء ديونه قال له: " ذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي" .. وسأل عبد الله: أي مولى تعني .. ؟ فأجابه: الله، نعم المولى ونعم النصير" .. يقول عبد الله فيما بعد: " فو الله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه".

стр. 559

[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة ابن الزبير قال لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال يا بني أنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم واني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما وإن من أكبر همي لديني أفترى ديننا يبقى من مالنا شيئا يا بني بع ما لنا فاقض ديني فأوصي بالثلث وثلث الثلث إلى عبد الله فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدين شيء فثلث لولدك قال هشام وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وعباد وله يومئذ تسع بنات قال عبد الله فجعل يوصيني بدينه ويقول يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن بمولاي قال فوالله ما دريت ما عنى حتى قلت يا أبة من مولاك؟ قال الله قال فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت يا مولى الزبير اقض عنه فيقضيه، قال وقتل الزبير ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين بالغابة ودارا بالمدينة ودارا بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر قال وإنما كان الذي عليه أن الرجل يجيء بالمال فيستودعه فيقول الزبير لا ولكن هو سلف إني أخشى عليه الضيعة وما ولي إمارة قط ولا جباية ولا خراجا ولا شيئا إلا أن يكون في غزو مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان فحسبت دينه فوجدته ألفي ألف ومئتي ألف فلقي حكيم بن حزام الأسدي عبد الله فقال يا إبن أخي كم على أخي من الدين فكتمه وقال مئة ألف فقال حكيم ما أرى أموالكم تتسع لهذه فقال عبد الله أفرأيت إن كانت الفي الف ومئتي ألف قال ما أراكم تطيقون هذا فإن عجزتم عن شيء فاستعينوا بي وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومئة ألف فباعها عبد الله بألف ألف وست مئة ألف وقال من كان له على الزبير دين فليأتنا بالغابة فأتاه عبد الله بن جعفر وكان له على الزبير أربع مئة ألف فقال لابن الزبير إن شئت تركتها لكم قال لا قال فاقطعوا لي قطعة قال لك من هاهنا إلى هاهنا قال فباعه بقضاء دينه قال وبقي منها أربعة أسهم ونصف فقال المنذر بن الزبير قد اخذت سهما بمئة ألف وقال عمرو بن عثمان قد اخذت سهما بمئة ألف وقال إبن ربيعة قد أخذت سهما بمئة ألف فقال معاوية كم بقي قال سهم ونصف قال قد اخذت بمئة وخمسين ألفا قال وباع ابن جعفر نصيبه من معاوية بست مئة ألف فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير أقسم بيننا ميراثنا قال لا والله حتى أنادي بالموسم أربع سنين ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه فجعل كل سنة ينادي بالموسم فلما مضت أربع

стр. 560

سنين قسم بينهم فكان للزبير أربع نسوة قال فرفع الثلث فأصاب كل إمرأة ألف ألف ومئة ألف فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف. زهد الزبير بن العوام ﵁: لقد وعى الزبير ابن العوام ﵁ حقيقة الزهد وأن الزهد أن يكون المال في يدك وليس في قلبك فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف ﵁. [*] أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُم: عُثْمَانُ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى الوَرَثَةِ مِنْ مَالِهِ، وَيَحْفَظُ أَمْوَالَهُمْ. [*] وقد كَانَ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّام أَلفُ مَمْلُوْكٍ يُؤَدُّوْنَ إِلَيْهِ الخَرَاجَ، فَلاَ يُدْخِلُ بَيْتَهُ مِنْ خَرَاجِهِمْ شَيْئاً. بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا كُلِّهَا. [*] قَالَ جُوَيْرِيَةُ بنُ أَسْمَاءَ: بَاعَ الزُّبَيْرُ دَاراً لَهُ بِسِتِّ مَائَةِ أَلفٍ، فَقِيْلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! غُبِنْتَ. قَالَ: كَلاَّ، هِيَ فِي سَبِيْلِ اللهِ. ويتجلى زهد الزبير ابن العوام ﵁ كذلك في تركه ما لا ينفع في الآخرة وعدم إصراره على الخطأ إن صدر منه، فكان وَقَّافاً لحدود الله تعالى وكان إذا ذُكِّرَ ذكر ويظهر هذا وضوحاً جلياً في موقف من الفتنة في خلافة عثمان وهاك موقفه بإيجاز: نشبت الفتنة المعروفة في خلافة عثمان ﵁ ويؤيد طلحة والزبير حجة المعارضين لعثمان، ويزكي معظمهم فيما كانوا ينشدونه من تغيير وإصلاح، لكن هل كان بموقفه هذا، يدعو إلى قتل عثمان، أو يرضى به .. ؟؟ كلا ولو كان يعلم أن الفتنة ستتداعى حتى تتفجر آخر الأمر حقداً مخبولاً، ينفس عن نفسه في تلك الجناية البشعة التي ذهب ضحيتها ذو النورين عثمان ﵁ نقول: لو كان يعلم أن الفتنة ستتمادى إلى هذا المأزق والمنتهى لقاومها، ولقاومها معه بقية الأصحاب الذين آزروها أول أمرها باعتبارها حركة معارضة وتحذير، لا أكثر على أن موقف طلحة هذا، تحوّل إلى عقدة حياته بعد الطريقة البشعة التي حوصر بها عثمان وقتل، فلم يكد الإمام عليّ يقبل بيعة المسلمين بالمدينة ومنهم طلحة والزبير، حتى استأذن الاثنان في الخروج إلى مكة للعمرة ومن مكة توجها إلى البصرة، حيث كانت قوات كثيرة تتجمّع للأخذ بثأر عثمان

стр. 561

وكانت وقعة الجمل حيث التقى الفريق المطالب بدم عثمان، والفريق الذي يناصر عليّا .. وكان عليّ كلما أدار خواطره على الموقف العسر الذي يجتازه الإسلام والمسلمون في هذه الخصومة الرهيبة، تنتفض همومه، وتهطل دموعه، ويعلو نشيجه ويصير في قلقٍ دءوب وهمٍ مستمر وحَيْرَةٍ لا تنقطع يتقلب في همٍ وغم كأنما يبكي الدم. لقد اضطر إلى المأزق الوعر فبوصفه خليفة المسلمين لا يستطيع، وليس من حقه أن يتسامح تجاه أي تمرّد على الدولة، أو أي مناهضة مسلحة للسلطة المشروعة وحين ينهض لقمع تمرّد من هذا النوع، فإن عليه أن يواجه إخوانه وأصحابه وأصدقاءه، وأتباع رسوله ودينه، أولئك الذين طالما قاتل معهم جيوش الشرك، وخاضوا معا تحت راية التوحيد معارك صهرتهم وصقلتهم، وجعلت منهم إخواناً بل إخوة متعاضدين فأي مأزق هذا .. ؟ وأي ابتلاء عسير .. ؟ وفي سبيل التماس مخرج من هذا المأزق، وصون دماء المسلمين لم يترك الإمام علي وسيلة إلا توسّل بها، ولا رجاء إلا تعلق به ولكن العناصر التي كانت تعمل ضدّ الإسلام، وما أكثرها، والتي لقيت مصيرها الفاجع على يد الدولة المسلمة، أيام عاهلها العظيم عمر، هذه العناصر كانت قد أحكمت نسج الفتنة، وراحت تغذيها وتتابع سيرها وتفاقمها بكى عليّ ﵁ بكاء غزيرا، عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير، حوراييّ رسول الله فنادى طلحة والزبير ليخرجا إليه، فخرجا حتى اختلفت أعناق أفراسهم فقال لطلحة: يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت .. ؟؟ ثم قال للزبير: يا زبير، نشدتك الله، أتذكر يوم مرّ بك رسول الله ﷺ ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، ألا تحبّ عليّا .. ؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي، وابن عمي، ومن هو على ديني .. ؟؟ فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم قال الزبير ﵁: نعم أذكر الآن، وكنت قد نسيته، والله لا أقاتلك وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب الأهلية

стр. 562

أقلعا فور تبيّنهما الأمر وهذا مثلاً أعلى منهما يُحْتَذى به في تركهما ما لا ينفع في الآخرة وهو قمة الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، كيف لا وهما اثنين من العشرة المبشرين بالجنة فأَبْصِرْ وَتَعَلَمْ من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة أصحاب النبي ﷺ ورضي الله تعالى عنهم. ، وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ، تذكرا قول رسول الله ﷺ لعمّار: تقتلك الفئة الباغية فإن قتل عمّار إذن في هذه المعركة التي يشترك فيها طلحة، فسيكون طلحة باغياً انسحب طلحة والزبير من القتال، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى .. أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدرا وهو يصلي وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته كان مقتل عثمان قد تشكّل في نفسية طلحة، حتى صار عقدة حياته .. كل هذا، مع أنه لم يشترك بالقتل، ولم يحرّض عليه، وإنما ناصر المعارضة ضدّه، يوم لم يكن يبدو أن المعارضة ستتمادى وتتأزم حتى تتحول إلى تلك الجريمة البشعة وحين أخذ مكانه يوم الجمل مع الجيش المعادي لعلي بن أبي طالب والمطالب بدم عثمان، كان يرجو أن يكون في موقفه هذا كفّارة تريحه من وطأة ضميره .. وكان قبل بدء المعركة يدعو ويضرع بصوت تخنقه الدموع، ويقول: اللهم خذ مني لعثمان اليوم حتى ترضى فلما واجهه عليّ هو والزبير، أضاءت كلمات عليّ جوانب نفسيهما، فرأيا الصواب وتركا أرض القتال .. بيد أن الشهادة من حظ طلحة يدركها وتدركه أيّان يكون ألم يقل الرسول عنه: هذا ممن قضى نحبه، ومن سرّه أن يرى شهيداً يمشي على الأرض، فلينظر الى طلحة لقي الشهيد اذن مصيره المقدور والكبير، وانتهت وقعة الجمل

стр. 563

وأدركت أم المؤمنين أنها تعجلت الأمور فغادرت البصرة إلى البيت الحرام فالمدينة، نافضة يديها من هذا الصراع، وزوّدها الإمام علي في رحلتها بكل وسائل الراحة والتكريم .. وحين كان عليّ يستعرض شهداء المعركة راح يصلي عليهم جميعا، الذين كانوا معه، والذين كانوا ضدّه و لما رأى على طلحة مقتولاً جعل يمسح التراب عن وجهه و قال: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجولاً تحت نجوم السماء ثم قال: إلى الله أشكو عجري و بجري و ترحم عليه وقال: ليتني من قبل هذا اليوم بعشرين سنة و بكى هو وأصحابه عليه ولما فرغ من دفن طلحة، والزبير، وقف يودعهما بكلمات جليلة، اختتمها قائلا: إني لأرجو أن أكون أنا، وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: ونزعنا ما صدورهم من غلّ إخوانا على سرر متقابلين ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال: سمعت أذناي هاتان رسول الله ﷺ يقول: طلحة والزبير، جاراي في الجنّة. [*] سيرة عبد الرحمن بن عوف ﵁ و صورٌ من زهده: وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة عبد الرحمن بن عوف ﵁: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد عبد الرحمن بن عوف ﵁: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة عبد الرحمن بن عوف ﵁: [*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء: عبد الرحمن بن عوف، فكان حاله فيما بسط له حال الأمناء والخزان، يفرقه في سبيل المنعم المنان، يستخير بالله من التفتين فيه والطغيان، وتتصل منه المناحة والأحزان، خوف الانقطاع عن إخوته والأخدان، أدرك الودق، وسبق الرنق، كثير الأموال، منين الحال، تجود يده بالعطات، وعينه وقلبه بالعبرات، وهو قدوة ذي الثروة والجدات، في الإنفاق علي المتقشفين من ذوي الفاقات. [*] وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: عبد الرحمن بن عوف ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي أبو محمد أحد العشرة وأحد الستة أهل الشورى وأحد السابقين البدريين القرشي الزهري وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام له عدة أحاديث روى عنه ابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وبنوه إبراهيم وحميد وأبو سلمة وعمرو ومصعب بنو عبد الرحمن ومالك بن أوس وطائفة سواهم.

стр. 564

وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن وحدث عنه أيضا من الصحابة جبير بن مطعم وجابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وقدم الجابية مع عمر فكان على الميمنة وكان في نوبة سرغ على الميسرة. اسم عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكنيته: أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لُؤي، كان اسمه في الجاهلية عبد العمرو وقيل عبد الحارث وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن. هذه فيها دلالة على أن الاسم الذي لا يجوز شرعاً لابد أن يغيره الإنسان هذه هي من السنة، اسم يعبد بغير الله فيغير أو اسم فيه تزكية يتضمن تزكية لقول النبي ﷺ لبريرة أنه غير اسمها إلى زينب لأن بريرة من البر فهذه فيه تزكية للنفس، فمن السنة إن كان الاسم فيه تزكية للنفس فلابد أن يغير وإن كان هو مطابق له، والأمر الثاني إذا عُبد لغير الله كعبد علي وعبد الحسين وعبد الرسول كل ذلك وجوباً لابد أن يغير اسمه، أما بالنسبة لاسم الإسلام والإيمان أيضاً لا يجوز تسمية الإسلام والإيمان. هذه هي القاعدة العريضة يعني القاعدة الأصلية ألا تسمي أسماء قد نهى عنها النبي ﷺ ، لكن هناك أسماء أيضاً تضمن تزكية ولم يغيرها النبي ﷺ كمحمد، وما التزكية في محمد؟ أينعم تعني كثيرة الحمد إما أن المحامد بحسن خلقه أو جميل صفاته أو كثير الحمد لله جل في علاه، وأيضاً خالد وصالح لأن يوجد نبي من أنبياء اسمه صالح وصالح فيه تزكية، فنقول القاعدة الأصلية أن كل اسم فيه تزكية للنفس يُغير إلا ما جاء الدليل به فنمكث عليه. مولد عبد الرحمن بن عوف ﵁: [*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المدائني قال: ولد عبد الرحمن بعد عام الفيل بعشر سنين. إسلام عبد الرحمن بن عوف ﵁ -:

стр. 565

أسلم عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه قديماً قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين وشاهد المشاهد كلها وهذه من فضائله الجميلة وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وترى كل المؤرخين دائما يُبينون أن الصحابة منهم من ثبت في غزوة أحد لأن كثير من الصحابة فروا يوم أحد ومنهم عثمان بن عفان لكن تداركهم الله برحمته وقال " ولقد عفا الله عنهم "، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد وصلى رسول الله ﷺ خلفه في غزوة تبوك. وهذه هي تكرمة الله لهذه الأمة ما من أمة صلى خلف أحاد هذه الأمة نبيها إلا هذه الأمة وليست مرة واحدة بل مرتين، وقبل يوم القيامة في علامات يوم الساعة من علامات يوم الساعة أن يصلي نبي خلف أحاد هذه الأمة - من الأفاضل طبعاً - فصلى النبي ﷺ خلف أبي بكر عندما ذهب يُصلح بين فريقين فقام بلال فاستأذن أبا بكر في الصلاة فصلى بهم أبو بكر ثم جاء النبي ﷺ دخل في الصف فأخذ الناس يضربون بالأكف حتى تراجع أبو بكر ﵁ وأرضاه ودخل رسول الله ﷺ صلى بالناس بعدما أشار عليه أن مكانك ورفع يديه في الصلاة يحمد الله على هذه الفضيلة ثم صلى النبي ﷺ بهم، فقال لأبي بكر لمَ لم تكن مكانك إذ أمرتك؟ قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ . وفي مرة أخرى في صلاة العصر تأخر رسول الله ﷺ أيضاً في نفس المسألة فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف فصلى رسول الله ﷺ وقد سبقه عبد الرحمن بن عوف وقام رسول الله ﷺ يُكمل ما فاته من الصلاة. وهذه كما قلت فضيلة هذه الأمة، ويوم القيامة هذه الفضيلة أيضاً لهذه الأمة عندما ينزل عيسى ﵇ على جناح الملك وتكون الصلاة قد أقيمت والمهدي قام ليصلي فينظر إلى عيسى فيعرفه فيقدم عيسى بن مريم ﵇ فيقول عيسى لا إمامكم منكم تكرمة الله لهذه الأمة. وهذه أيضاً فضيلة عظيمة لعبد الرحمن بن عوف، ذهب رسول الله ﷺ للطهارة فجاء عبد الرحمن بن عوف وقد بهم ركعة فصلى خلفه وأتم الذي فاته وقال ما قبض نبي حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته.
следующие страницы →