وكانت وقعة الجمل حيث التقى الفريق المطالب بدم عثمان، والفريق الذي يناصر عليّا .. وكان عليّ كلما أدار خواطره على الموقف العسر الذي يجتازه الإسلام والمسلمون في هذه الخصومة الرهيبة، تنتفض همومه، وتهطل دموعه، ويعلو نشيجه ويصير في قلقٍ دءوب وهمٍ مستمر وحَيْرَةٍ لا تنقطع يتقلب في همٍ وغم كأنما يبكي الدم.
لقد اضطر إلى المأزق الوعر فبوصفه خليفة المسلمين لا يستطيع، وليس من حقه أن يتسامح تجاه أي تمرّد على الدولة، أو أي مناهضة مسلحة للسلطة المشروعة وحين ينهض لقمع تمرّد من هذا النوع، فإن عليه أن يواجه إخوانه وأصحابه وأصدقاءه، وأتباع رسوله ودينه، أولئك الذين طالما قاتل معهم جيوش الشرك، وخاضوا معا تحت راية التوحيد معارك صهرتهم وصقلتهم، وجعلت منهم إخواناً بل إخوة متعاضدين فأي مأزق هذا .. ؟ وأي ابتلاء عسير .. ؟
وفي سبيل التماس مخرج من هذا المأزق، وصون دماء المسلمين لم يترك الإمام علي وسيلة إلا توسّل بها، ولا رجاء إلا تعلق به ولكن العناصر التي كانت تعمل ضدّ الإسلام، وما أكثرها، والتي لقيت مصيرها الفاجع على يد الدولة المسلمة، أيام عاهلها العظيم عمر، هذه العناصر كانت قد أحكمت نسج الفتنة، وراحت تغذيها وتتابع سيرها وتفاقمها
بكى عليّ ﵁ بكاء غزيرا، عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير، حوراييّ رسول الله فنادى طلحة والزبير ليخرجا إليه، فخرجا حتى اختلفت أعناق أفراسهم فقال لطلحة: يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت .. ؟؟
ثم قال للزبير: يا زبير، نشدتك الله، أتذكر يوم مرّ بك رسول الله ﷺ ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، ألا تحبّ عليّا .. ؟
فقلت: ألا أحب ابن خالي، وابن عمي، ومن هو على ديني .. ؟؟
فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم
قال الزبير ﵁: نعم أذكر الآن، وكنت قد نسيته، والله لا أقاتلك وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب الأهلية
стр. 562
أقلعا فور تبيّنهما الأمر وهذا مثلاً أعلى منهما يُحْتَذى به في تركهما ما لا ينفع في الآخرة وهو قمة الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، كيف لا وهما اثنين من العشرة المبشرين بالجنة فأَبْصِرْ وَتَعَلَمْ من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة أصحاب النبي ﷺ ورضي الله تعالى عنهم.
، وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ، تذكرا قول رسول الله ﷺ لعمّار: تقتلك الفئة الباغية فإن قتل عمّار إذن في هذه المعركة التي يشترك فيها طلحة، فسيكون طلحة باغياً
انسحب طلحة والزبير من القتال، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى .. أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدرا وهو يصلي
وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته
كان مقتل عثمان قد تشكّل في نفسية طلحة، حتى صار عقدة حياته .. كل هذا، مع أنه لم يشترك بالقتل، ولم يحرّض عليه، وإنما ناصر المعارضة ضدّه، يوم لم يكن يبدو أن المعارضة ستتمادى وتتأزم حتى تتحول إلى تلك الجريمة البشعة
وحين أخذ مكانه يوم الجمل مع الجيش المعادي لعلي بن أبي طالب والمطالب بدم عثمان، كان يرجو أن يكون في موقفه هذا كفّارة تريحه من وطأة ضميره .. وكان قبل بدء المعركة يدعو ويضرع بصوت تخنقه الدموع، ويقول: اللهم خذ مني لعثمان اليوم حتى ترضى
فلما واجهه عليّ هو والزبير، أضاءت كلمات عليّ جوانب نفسيهما، فرأيا الصواب وتركا أرض القتال .. بيد أن الشهادة من حظ طلحة يدركها وتدركه أيّان يكون ألم يقل الرسول عنه: هذا ممن قضى نحبه، ومن سرّه أن يرى شهيداً يمشي على الأرض، فلينظر الى طلحة لقي الشهيد اذن مصيره المقدور والكبير، وانتهت وقعة الجمل
стр. 563
وأدركت أم المؤمنين أنها تعجلت الأمور فغادرت البصرة إلى البيت الحرام فالمدينة، نافضة يديها من هذا الصراع، وزوّدها الإمام علي في رحلتها بكل وسائل الراحة والتكريم .. وحين كان عليّ يستعرض شهداء المعركة راح يصلي عليهم جميعا، الذين كانوا معه، والذين كانوا ضدّه و لما رأى على طلحة مقتولاً جعل يمسح التراب عن وجهه و قال: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجولاً تحت نجوم السماء ثم قال: إلى الله أشكو عجري و بجري و ترحم عليه وقال: ليتني من قبل هذا اليوم بعشرين سنة و بكى هو وأصحابه عليه
ولما فرغ من دفن طلحة، والزبير، وقف يودعهما بكلمات جليلة، اختتمها قائلا: إني لأرجو أن أكون أنا، وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: ونزعنا ما صدورهم من غلّ إخوانا على سرر متقابلين
ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال: سمعت أذناي هاتان رسول الله ﷺ يقول: طلحة والزبير، جاراي في الجنّة.
[*] سيرة عبد الرحمن بن عوف ﵁ و صورٌ من زهده:
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:
أولاً: لمحات من سيرة عبد الرحمن بن عوف ﵁:
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد عبد الرحمن بن عوف ﵁:
وهاك تفصيل ذلك:
أولاً: لمحات من سيرة عبد الرحمن بن عوف ﵁:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
عبد الرحمن بن عوف، فكان حاله فيما بسط له حال الأمناء والخزان، يفرقه في سبيل المنعم المنان، يستخير بالله من التفتين فيه والطغيان، وتتصل منه المناحة والأحزان، خوف الانقطاع عن إخوته والأخدان، أدرك الودق، وسبق الرنق، كثير الأموال، منين الحال، تجود يده بالعطات، وعينه وقلبه بالعبرات، وهو قدوة ذي الثروة والجدات، في الإنفاق علي المتقشفين من ذوي الفاقات.
[*] وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:
عبد الرحمن بن عوف ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي أبو محمد أحد العشرة وأحد الستة أهل الشورى وأحد السابقين البدريين القرشي الزهري وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام له عدة أحاديث روى عنه ابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وبنوه إبراهيم وحميد وأبو سلمة وعمرو ومصعب بنو عبد الرحمن ومالك بن أوس وطائفة سواهم.
стр. 564
وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن وحدث عنه أيضا من الصحابة جبير بن مطعم وجابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وقدم الجابية مع عمر فكان على الميمنة وكان في نوبة سرغ على الميسرة.
اسم عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكنيته:
أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لُؤي، كان اسمه في الجاهلية عبد العمرو وقيل عبد الحارث وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن. هذه فيها دلالة على أن الاسم الذي لا يجوز شرعاً لابد أن يغيره الإنسان هذه هي من السنة، اسم يعبد بغير الله فيغير أو اسم فيه تزكية يتضمن تزكية لقول النبي ﷺ لبريرة أنه غير اسمها إلى زينب لأن بريرة من البر فهذه فيه تزكية للنفس، فمن السنة إن كان الاسم فيه تزكية للنفس فلابد أن يغير وإن كان هو مطابق له، والأمر الثاني إذا عُبد لغير الله كعبد علي وعبد الحسين وعبد الرسول كل ذلك وجوباً لابد أن يغير اسمه، أما بالنسبة لاسم الإسلام والإيمان أيضاً لا يجوز تسمية الإسلام والإيمان. هذه هي القاعدة العريضة يعني القاعدة الأصلية ألا تسمي أسماء قد نهى عنها النبي ﷺ ، لكن هناك أسماء أيضاً تضمن تزكية ولم يغيرها النبي ﷺ كمحمد، وما التزكية في محمد؟ أينعم تعني كثيرة الحمد إما أن المحامد بحسن خلقه أو جميل صفاته أو كثير الحمد لله جل في علاه، وأيضاً خالد وصالح لأن يوجد نبي من أنبياء اسمه صالح وصالح فيه تزكية، فنقول القاعدة الأصلية أن كل اسم فيه تزكية للنفس يُغير إلا ما جاء الدليل به فنمكث عليه.
مولد عبد الرحمن بن عوف ﵁:
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المدائني قال: ولد عبد الرحمن بعد عام الفيل بعشر سنين.
إسلام عبد الرحمن بن عوف ﵁ -:
стр. 565
أسلم عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه قديماً قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين وشاهد المشاهد كلها وهذه من فضائله الجميلة وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وترى كل المؤرخين دائما يُبينون أن الصحابة منهم من ثبت في غزوة أحد لأن كثير من الصحابة فروا يوم أحد ومنهم عثمان بن عفان لكن تداركهم الله برحمته وقال " ولقد عفا الله عنهم "، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد وصلى رسول الله ﷺ خلفه في غزوة تبوك. وهذه هي تكرمة الله لهذه الأمة ما من أمة صلى خلف أحاد هذه الأمة نبيها إلا هذه الأمة وليست مرة واحدة بل مرتين، وقبل يوم القيامة في علامات يوم الساعة من علامات يوم الساعة أن يصلي نبي خلف أحاد هذه الأمة - من الأفاضل طبعاً - فصلى النبي ﷺ خلف أبي بكر عندما ذهب يُصلح بين فريقين فقام بلال فاستأذن أبا بكر في الصلاة فصلى بهم أبو بكر ثم جاء النبي ﷺ دخل في الصف فأخذ الناس يضربون بالأكف حتى تراجع أبو بكر ﵁ وأرضاه ودخل رسول الله ﷺ صلى بالناس بعدما أشار عليه أن مكانك ورفع يديه في الصلاة يحمد الله على هذه الفضيلة ثم صلى النبي ﷺ بهم، فقال لأبي بكر لمَ لم تكن مكانك إذ أمرتك؟ قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ . وفي مرة أخرى في صلاة العصر تأخر رسول الله ﷺ أيضاً في نفس المسألة فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف فصلى رسول الله ﷺ وقد سبقه عبد الرحمن بن عوف وقام رسول الله ﷺ يُكمل ما فاته من الصلاة. وهذه كما قلت فضيلة هذه الأمة، ويوم القيامة هذه الفضيلة أيضاً لهذه الأمة عندما ينزل عيسى ﵇ على جناح الملك وتكون الصلاة قد أقيمت والمهدي قام ليصلي فينظر إلى عيسى فيعرفه فيقدم عيسى بن مريم ﵇ فيقول عيسى لا إمامكم منكم تكرمة الله لهذه الأمة. وهذه أيضاً فضيلة عظيمة لعبد الرحمن بن عوف، ذهب رسول الله ﷺ للطهارة فجاء عبد الرحمن بن عوف وقد بهم ركعة فصلى خلفه وأتم الذي فاته وقال ما قبض نبي حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته.
стр. 566
وعن أبي سلمة عن أبيه أنه كان مع النبي ﷺ في سفر فذهب النبي ﷺ لحاجته فأدركهم وقت الصلاة فأقاموا الصلاة فتقدمهم عبد الرحمن فجاء النبي ﷺ فصلى مع الناس خلفه ركعة فلما سلم قال أصبتم أو قال أحسنتم، وقد اختاروا أفضلهم وأقرأهم فقد أمَّ بهم.
صفات عبد الرحمن بن عوف ﵁ الخَلْقِية:
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سهلة بنت عاصم قالت كان عبد الرحمن بن عوف أبيض أعين أهدب الاشفار أقنى طويل النابين الأعليين ربما أدمى نابه شفته له جمة أسفل من أذنيه أعنق ضخم الكتفين.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن إسحاق قال كان ساقط الثنيتين أهتم أعسر أعرج كان أصيب يوم أحد فهتم وجرح عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يعقوب بن عتبة قال وكان عبد الرحمن رجلا طوالا حسن الوجه رقيق البشرة فيه جنأ أبيض مشرباً حمرة لا يغير شيبه.
[*] مَنَاقِبِ عبد الرحمن بن عوف ﵁ -:
لعبد الرحمن بن عوف ﵁ مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً:
أولاً مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁ جملة ً:
(١) عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة وأنه من أهل بدر ومن الذين بايعوا تحت الشجرة:
(٢) بر عبد الرحمن بن عوف بأمهات المؤمنين:
(٣) خوف عبد الرحمن بن عوف ﵁ وبكاؤه على بسط الدنيا:
(٤) تواضع عبد الرحمن بن عوف:
(٥) كان عبد الرحمن بن عوف تاجراً موفقاً:
(٦) إنفاق عبد الرحمن بن عوف في سبيل الله:
(٧) ومن أفضل مناقب عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل.
(٨) زهد عبد الرحمن بن عوف في الإمارة:
(٩) مكانة عبد الرحمن بن عوف بين الصحابة:
ثانياً مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁ تفصيلا ً:
(١) عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة وأنه من أهل بدر ومن الذين بايعوا تحت الشجرة:
ومن مناقب عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ شهد له بالجنة وأنه من أهل بدر الذين قيل لهم (اعملوا ما شئتم، ومن أهل هذه الآية (لّقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشّجَرَةِ) [الفتح: ١٨] وقد صلى رسول الله ﷺ وراءه.
стр. 567
(حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: تَبْشِيرُ الْعَشَرَةِ لَا يُنَافِي مَجِيءَ تَبْشِيرِ غَيْرِهِمْ أَيْضًا فِي غَيْرِ مَا خَبَرٍ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا يَنْفِي الزَّائِدَ، وَقَالَ الْقَارِي: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ هُوَ الْمَذْكُورُ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ ذِكْرُ اسْمِ الرَّاوِي بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَإِلَّا كَانَ مُقْتَضَى التَّوَاضُعِ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي آخِرِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَرْتِيبِ الْبَقِيَّةِ مِنَ الْعَشَرَةِ. انْتَهَى
ومن أعظم مناقب عبد الرحمن بن عوف أنه من أهل بدر:
أهل بدر:
أهل بدر هم الذين قاتلوا في غزوة بدر من المسلمين، وعددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا. والفضيلة التي حصلت لهم أن الله اطلع عليهم وقال: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ومعناه أن ما يحصل منهم من المعاصي يغفره الله بسبب الحسنة الكبيرة التي نالوها في غزوة بدر، ويتضمن هذا بشارة بأنه لن يرتد أحد منهم عن الإسلام.
(حديث رفاعة بن رافع الزُرْقِي ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: (من أفضل المسلمين). أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة.
стр. 568
(حديث علي بن أبي طالب ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها). فذهبنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه: من حاطب ابن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (ما هذا يا حاطب). قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم، أن أصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني. فقال النبي ﷺ : (إنه قد صدقكم). فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: (إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
(٢) بره بأمهات المؤمنين:
علم النبي ﷺ أصحابه ﵃ كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله ﵎ في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
ولقد ضرب عبد الرحمن بن عوف ﵁ أروع المثل في ذلك ومن ذلك بره بأمهات المؤمنين.
(حديث أَبِي سَلَمَة ابن عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) عَنْ عَائِشَةَ أن النبي ﷺ كَانَ يَقُولُ إِنَّ أَمْرَكُنَّ مِمَّا يُهِمُّنِي بَعْدِي وَلَنْ يَصْبِرَ عَلَيْكُنَّ إِلَّا الصَّابِرُونَ قَالَ ثُمَّ تَقُولُ عَائِشَةُ فَسَقَى اللَّهُ أَبَاكَ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ تُرِيدُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ قَدْ وَصَلَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَالٍ يُقَالُ بِيعَتْ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
стр. 569
إِنَّ أَمْرَكُنَّ" أَيْ: شَأْنَكُنَّ " لَمِمَّا" اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَمَا مَوْصُولَةٌ " يُهِمُّنِي" بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، أَوْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ أَيْ: يُوقِعُنِي فِي الْهَمِّ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: هَمَّهُ الْأَمْرُ هَمًّا حَزَّنَهُ كَأَهَمَّهُ " بَعْدِي" أَيْ: بَعْدَ وَفَاتِي حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ لَهُنَّ مِيرَاثًا، وَهُنَّ قَدْ آثَرْنَ الْحَيَاةَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا حِينَ خُيِّرْنَ " وَلَنْ يَصْبِرَ عَلَيْكُنَّ" أَيْ: عَلَى بَلَاءِ مُؤْنَتِكُنَّ " إِلَّا الصَّابِرُونَ" أَيْ: عَلَى مُخَالَفَةِ النَّفْسِ مِنَ اخْتِيَارِ الْقِلَّةِ وَإِعْطَاءِ الزِّيَادَةِ (قَالَ) أَيْ: أَبُو سَلَمَةَ (فَسَقَى اللَّهُ أَبَاكَ) أَيْ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ (مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: السَّلْسَبِيلُ: اللَّبَنُ الَّذِي لَا خُشُونَةَ فِيهِ، وَالْخَمْرُ، وَعَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ. انْتَهَى
(حديث أَبِي سَلَمَة ابن عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَوْصَى بِحَدِيقَةٍ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِيعَتْ بِأَرْبَعِ مِائَةِ أَلْفٍ.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(بِيعَتْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ) هَذَا مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الدِّرْهَمُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الدِّينَارُ.
(٣) خوف عبد الرحمن بن عوف ﵁ وبكاؤه على بسط الدنيا:
(حديث إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أتي بطعام، وكان صائما، فقال: قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بردة: إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه. وأراه قال: وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
стр. 570
وعن نوفل بن اياس الهذلي قال كان عبد الرحمن لنا جليساً وكان نعم الجليس - لأنه دائما يذكرهم بالله جل في علاه ويذكرهم بحديث النبي ﷺ قال: كان لنا جليساً وكان نعم الجليس وإنه انقلب بنا يوماً حتى دخلنا بيته ودخل فاغتسل ثم خرج فجلس معنا وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم فلما وُضعت بكى عبد الرحمن بن عوف، فقلنا له يا أبا محمد ما يُبكيك؟ فقال: هلك رسول الله ﷺ يعني مات - ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ولا أرانا إلا عُجلت لنا طيباتنا في هذه الحياة الدنيا. فليخشى كل امرئ فُتحت عليه الدنيا أن الله جل في علاه إن لم يرى في هذا المال حقه فإن الله جل وعلا قد استدرجه بهذا المال.
(٤) تواضع عبد الرحمن بن عوف:
وعن سعيد بن حسين قال كان عبد الرحمن بن عوف لا يُعرف من بين عبيده، لأنه كان متواضعاً كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون يأكل كما يأكلون يسير كما يسيرون. والتواضع سمة الصالحين المتقين المؤمنون.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعد بن الحسن قال كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده.
(٥) كان عبد الرحمن بن عوف تاجراً موفقاً:
كان ﵁ محظوظا بالتجارة إلى حد أثار عَجَبه فقال: ﴿لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا﴾. كذا في البداية
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن بن عبد البر كان مجدودا في التجارة خلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومئةفرس وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا.
قال الذهبي ﵀:
قلت هذا هو الغني الشاكر وأويس فقير صابر وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أنس قال رأيت عبد الرحمن بن عوف قسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مئة ألف.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن سيرين قال اقتسمن ثمنهن ثلاث مئة ألف وعشرين ألفا.
﴿تنبيه﴾: وكانت التجارة عند عبد الرحمن بن عوف عملاً وسعياً لا لجمع المال ولكن للعيش الشريف، وهذا ما نراه حين آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن ربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: ﴿أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلّقها وتتزوجها﴾.
فقال عبد الرحمن: ﴿بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلوني على السوق﴾ وخرج إلى السوق فاشترى وباع وربح٠٠
стр. 571
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي ﷺ بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي ﷺ : (مهيم يا عبد الرحمن). قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (فما سقت فيها). فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي ﷺ : (أولم ولو بشاة).
(٦) إنفاق عبد الرحمن بن عوف في سبيل الله:
كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ يقرض الله قرضا حسنا، فيضاعفه الله له أضعافا، فقد باع يوما أرضا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين وفقراء المسلمين، وقدّم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام، ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة، وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن شهدوا بدرا حتى وصل للخليفة عثمان نصيبا من الوصية فأخذها وقال: ﴿أن مال عبد الرحمن حلال صَفْو، وإن الطُعْمَة منه عافية وبركة﴾.
وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف أنه قيل: ﴿أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله، ثُلث يقرضهم، وثُلث يقضي عنهم ديونهم، وثلث يصِلَهم ويُعطيهم﴾.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال كان أهل المدينة عيالا على عبد الرحمن بن عوف ثلث يقرضهم ماله وثلث يقضي دينهم ويصل ثلثا.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قتادة (الّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوّعِينَ) [التوبة: ٧٩]
قال تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله أربعة آلاف دينار فقال أناس من المنافقين إن عبد الرحمن لعظيم الرياء.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جعفر بن برقان قال بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف بيت.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري قال تصدق ابن عوف على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف ثم تصدق بأربعين ألف دينار وحمل على خمس مئة فرس في سبيل الله ثم حمل على خمس مئة راحلة في سبيل الله وكان عامة ماله من التجارة.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة أن عبد الرحمن بن عوف أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله فكان الرجل يعطى منها ألف دينار.
стр. 572
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري أن عبد الرحمن أوصى للبدريين فوجدوا مئة فأعطى كل واحد منهم أربع مئة دينار فكان منهم عثمان.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري أن عبد الرحمن أوصى بألف فرس في سبيل الله.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي سلمة عن أبيه قال رأيت الجنة وأني دخلتها حبوا ورأيت أنه لا يدخلها إلا الفقراء.
قال الذهبي ﵀: قلت إسناده حسن فهو وغيره منام والمنام له تأويل وقد انتفع ابن عوف ﵁ بما رأى وبما بلغه حتى تصدق بأموال عظيمة أطلقت له ولله الحمد قدميه وصار من ورقة الفردوس فلا ضير.
(٧) ومن أفضل مناقب عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل .
[*] قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
ومن أفضل مناقب عبد الرحمن بن عوف عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان ولو كان محابيا فيها لأخذها لنفسه أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عمر أن عبد الرحمن قال لأهل الشورى هل لكم أن اختار لكم وأنفصل منها قال علي نعم أنا أول من رضي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول (إنك أمين في أهل السماء وأمين في أهل الارض.
(٨) زهد عبد الرحمن بن عوف في الإمارة:
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعد بن أبي وقاص أرسل إلى عبد الرحمن رجلا وهو قائم يخطب أن ارفع رأسك إلى أمر الناس أي ادع إلى نفسك فقال عبد الرحمن ثكلتك أمك إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه أن عثمان اشتكى رعافا فدعا حمران فقال اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي فكتب له وانطلق حمران إلى عبد الرحمن فقال البشرى قال وما ذاك قال إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده فقام بين القبر والمنبر فدعا فقال اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر فأمتني قبله فلم يمكث الا ستة أشهر حتى قبضه الله.
(٩) مكانة عبد الرحمن بن عوف بين الصحابة:
стр. 573
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال كنا نسير مع عثمان في طريق مكة إذ رأى عبد الرحمن بن عوف فقال عثمان ما يستطيع أحد أن يعتد على هذا الشيخ فضلا في الهجرتين جميعا.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن المسيب قال كان بين طلحة وابن عوف تباعد فمرض طلحة فجاء عبد الرحمن يعوده فقال طلحة أنت والله يا أخي خير مني قال لا تفعل يا أخي قال بلى والله لأنك لو مرضت ما عدتك.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي أنه قال يوم مات عبد الرحمن بن عوف اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها.
الرنق: الكدر
وفاة عبد الرحمن بن عوف:
أرخ المدائني والهيثم بن عدي وجماعة وفاته في سنة إثنتين وثلاثين وقال المدائني ودفن بالبقيع وقال يعقوب بن المغيرة عاش خمسا وسبعين سنة.
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد عبد الرحمن بن عوف ﵁ -:
لقد فهم عبد الرحمن ابن عوف ﵁ من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين ﷺ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(١) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى ﷺ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(٢) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله ﵎:
(حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
стр. 574
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله ﷺ قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(٣) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(٤) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: ٣٩، ٤٠]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع ﵁ عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده ﵁:
- يتجلى زهد عبد الرحمن ابن عوف ﵁ في إنفاقه للمال في سبيل الله تعالى: فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأيقن أن الزهد ليس بأن لا تملك المال بل الزهد أن تملك الدنيا كلها لكنها تكون في يدك وليست في قلبك، كانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف ﵁ فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، ويتجلى ذلك في المواقف الآتية:
على الرغم من أن عبد الرحمن بن عوف تاجراً موفقاً فقد كان ﵁ محظوظا بالتجارة إلى حد أثار عَجَبه فقال: ﴿لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا﴾.
إلا أن التجارة كانت عند عبد الرحمن بن عوف عملاً وسعياً لا لجمع المال ولكن للعيش الشريف، وهذا ما نراه حين آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن ربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: ﴿أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلّقها وتتزوجها﴾.
فقال عبد الرحمن: ﴿بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلوني على السوق﴾ وخرج إلى السوق فاشترى وباع وربح٠٠
стр. 575
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي ﷺ بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي ﷺ : (مهيم يا عبد الرحمن). قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (فما سقت فيها). فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي ﷺ : (أولم ولو بشاة).
كان عبد الرحمن ابن عوف ﵁ آية في الزهد والعزوف عن الدنيا والرغبة في الآخرة مع ما توفر لديه من ثراء عظيم، ومال وفير، فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأن الزهد أن يكون المال في يدك وليس في قلبك فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف ﵁، ولقد كان ﵁ حريصاً على أن يتصدق بثلثي ماله عندما مرض لولا أن أن أمره النبي بالثلث فقط، وهذا يدل على أنه آيةٌ في الزهد فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف ﵁.
فكان ﵁ يقرض الله قرضا حسنا، فيضاعفه الله له أضعافا، فقد باع يوما أرضا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين وفقراء المسلمين، وقدّم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام، ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة، وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن شهدوا بدرا حتى وصل للخليفة عثمان نصيبا من الوصية فأخذها وقال: ﴿أن مال عبد الرحمن حلال صَفْو، وإن الطُعْمَة منه عافية وبركة﴾.
وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف أنه قيل: ﴿أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله، ثُلث يقرضهم، وثُلث يقضي عنهم ديونهم، وثلث يصِلَهم ويُعطيهم﴾.
[*] سيرة سعد بن أبي وقاص ﵁ -:
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:
أولاً: لمحات من سيرة سعدِ ابن أبي وقاص ﵁:
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد سعدِ ابن أبي وقاص ﵁:
وهاك تفصيل ذلك:
أولاً: لمحات من سيرة سعدِ ابن أبي وقاص ﵁:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
стр. 576
وأما سعد بن أبي وقاص فقديم السبق، بدء أمره مقاساة الشدة، واحتمال الضيقة. وهو مع الرسول ﷺ بمكة هون عليه تحمل الأثقال، ومفارقة العشيرة والمال، لما باشر قلبه من حلاوة الاقبال، ونصر على الأعداء بالمقاتلة والنضال، وخص بالاجابة في المسألة والابتهال، ثم ابتلى في حاله الإمارة والسياسة، وامتحن بالحجابة والحراسة، ففتح الله على يديه السواد والبلدان، ومنح عدة من الإناث والذكران، ثم رغب عن العمالة والولاية، وأثر العزلة والرعاية، وتلافى ما بقي من عمره بالعناية، فهو قدوة من ابتلي في حاله بالتلوين، وحجة من تحصن بالوحدة والعزلة من التفتين، إلى أن تتضح له الشبهة بالحجج والبراهين.
[*] وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:
سعد بن أبي وقاص وإسم أبي وقاص مالك بن أهيب عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي الأمير أبو إسحاق القرشي الزهري المكي أحد العشرة وأحد السابقين الأولين وأحد من شهد بدرا والحديبية وأحد الستة أهل الشورى، روى جملة صالحة من الحديث حدث عنه ابن عمر وعائشة وابن عباس والسائب بن يزيد وبنوه عامر وعمر ومحمد ومصعب وإبراهيم وعائشة وقيس بن أبي حازم وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعمر بن ميمون والأحنف بن قيس وعلقمة بن قيس وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ومجاهد وشريح بن عبيد الحمصي وأيمن المكي وبشر بن سعيد وأبو عبد الرحمن السلمي وابو صالح ذكوان وعروة بن الزبير وخلق سواهم.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن سعد قال: وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قال إبن مندة أسلم سعد ابن سبع عشرة سنة وكان قصيرا دحداحا شثن الأصابع غليظا ذا هامة توفي بالعقيق في قصره على سبعة أميال من المدينة وحمل إليها سنة خمس وخمسين.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إسماعيل بن محمد بن سعد قال كان سعد جعد الشعر اشعر الجسد آدم أفطس طويلا.
- اسم سعد بن أبي وقاص ﵁ ونسبه:
هو سعد بن مالك بن أهيب الزهري القرشي فهو " من بني زهرة " أهل آمنة بنت وهب أم الرسول ﷺ من الرضاعة ولهذا كان النبي ﷺ يُسميه خاله أي أنه من أخواله.
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: كنا مع رسول الله إذ أقبل سعد، فقال: "هذا خالي، فليرني امرؤ خاله.
стр. 577
[*] قال الذهبي ﵀: قلت لأن أم النبي ﷺ زهرية وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابنة عم أبي وقاص.
- كنية سعد بن أبي وقاص ﵁:
أبو إسحاق.
- إسلام سعد بن أبي وقاص ﵁ -:
كان سعد قد رأى وهو ابن سبع عشرة سنة في منامه أنه يغرق في بحر الظلمات، وبينما هو يتخبط فيها، إذ رأى قمرًا، فاتبعه، وقد سبقه إلى هذا القمر ثلاثة، هم: زيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، ولما طلع الصباح سمع أن رسول الله يدعو إلى دين جديد، فعلم أن هذا هو القمر الذي رآه، فذهب على الفور ليلحق بركب السابقين إلى الإسلام، فكان سعد ﵁ من النفر الذين دخلوا في الإسلام أول ما علموا به فلم يسبقه إلا أبو بكر و علي وزيد و خديجة
قال سعد: بلغني أن رسول الله ﷺ يدعوا إلى الإسلام مستخفيا فعلمت أن الله أراد بي خيرا وشاء أن يخرجني بسببه من الظلمات إلى النور فمضيت إليه مسرعا حتى لقيته في شعب جياد وقد صلى العصر فأسلمت فما سبقني أحد إلا أبي بكر وعلي وزيد ﵃.
* ثورة أم سعد بن أبي وقاص ﵁ -:
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي عثمان أن سعدا قال نزلت هذه الآية في (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىَ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيّ ثُمّ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [لقمان: ١٥]
قال كنت برا بأمي فلما أسلمت قالت يا سعد ما هذا الدين الذي قد أحدثت لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه قلت لا تفعلي يا أمه إني لا أدع ديني هذا لشيء فمكثت يوماً لا تأكل ولا تشرب وليلة وأصبحت وقد جهدت فلما رأيت ذلك قلت يا أمه تعلمين والله لو كان لك مئة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني إن شئت فكلي أو لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت.
- أوصاف سعد بن أبي وقاص ﵁ الأخلاقية:
كان سعد ﵁ راجح العقل , بعيد النظر, متين الخلقة , عف اليد واللسان , بارا بأهله , وفياً لأصحابه أحب قريش للناس, بل أحب الناس للناس و أرفقهم بهم , يتوقى الشبهات ورعا.
- وفاة سعد بن أبي وقاص ﵁ -:
стр. 578
وعمر سعد بن أبي وقاص ﵁ كثيرا وأفاء الله عليه من المال الخير الكثير لكنه حين أدركته الوفاة دعا بجبة من صوف بالية وقال:
كفنوني بها فاني لقيت بها المشركين يوم بدرواني أريد أن ألقى بها الله أيضا.
وكان رأسه بحجر ابنه الباكي فقال له: ما يبكيك يا بني؟ إن الله لا يعذبني أبدا، وإني من أهل الجنة.
واقتربت ابنته عائشة منه، وكانت تبكي وتقول: يا أبي!! أتموت هنا وحدك في الصحراء بعد صحبة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر .. ؟!!
فقال لها: لا تبكي علي فوالله إني من أهل الجنة.
قال الذهبي معلقاً: صدق ﵁ وأرضاه، فهنيئاً له، ومريئاً، نُشهد الله ونُدين الله بأنه من أهل الجنة، وارتفعت جنازته إلى المدينة ليصلى عليها هناك، وخرج الصحابة يتباكون، ويقولون: رضي الله عنك يا أبا إسحاق! عشت حميداً، ومت حميداً وتلقى الله يوم القيامة سعيداً، وخرج أزواج رسول الله ﷺ متحجباتٍ من الحجرات يبكين، ويقلنَ: مروا بسعد علينا سقى الله سعداً من سلسبيل الجنة نصلي عليه، فمروا به عليهن بعد أن صلوا عليه، فصلين عليه كذلك ودعون له، ووقف أحد الصحابة على جثمان سعد، وهو في أكفانه وقال: والله ما أعلم أشجع منك، والله ما أريد أن ألقى الله بعمل رجلٍ كعملك، ذهبت عن الفتنة نظيفاً سليماً رضي الله عنك وأرضاك، فقد كان إيمانه بصدق بشارة رسول الله ﷺ كبيرا وكانت وفاته سنة خمس وخمسين بالعقيق، فحمل على الأعناق إلى المدينة، ودفن بها ليكون آخر من مات
من العشرة المبشرين بالجنة وآخر من مات من المهاجرين ﵃ ودفن في البقيع.
[*] مناقب سعد ابن أبي وقاص ﵁:
لسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً:
أولاً مناقب مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ جملة ً:
(١) سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أحد العشرة المبشرين بالجنة:
(٢) سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أحد الستة أصحاب الشورى ومن السابقين الأولين:
(٣) دعاء النبي ﷺ له وشهادته له بالصلاح:
(٤) مستجاب الدعوة:
(٥) شهادة النبي له بالشهادة:
(٦) أول دم هريق في الإسلام وأول العرب رمى بسهم في سبيل الله:
(٧) شجاعة سعد بن أبي وقاص ﵁:
(٨) موقف سعد المشرف من الفتنة:
стр. 579
(٩) إيثاره للخمول وإنكار الذات:
(١٠) سعد بن أبي وقاص ممن يدعو ربه بالغداة والعشي:
(١١) ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد:
ثانياً مناقب مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ - تفصيلا ً:
(١) سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أحد العشرة المبشرين بالجنة:
(حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
(٢) سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أحد الستة أصحاب الشورى ومن السابقين الأولين:
و عندما حضرت عمر ﵁ الوفاة بعد أن طعنه المجوسي جعل الأمر من بعده إلى الستة الذين مات النبي ﷺ وهو عنهم راض و أحدهم سعد بن أبي وقاص،
وقال عمر: إن وليها سعد فذاك، وإن وليها غيره فليستعن بسعد.
(حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام.
(حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: سعد بن أبي وقاص يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن سعد قال: وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قال إبن مندة أسلم سعد ابن سبع عشرة سنة وكان قصيرا دحداحا شثن الأصابع غليظا ذا هامة توفي بالعقيق في قصره على سبعة أميال من المدينة وحمل إليها سنة خمس وخمسين.
(٣) دعاء النبي ﷺ له وشهادته له بالصلاح:
(حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) قالت: كان النبي ﷺ سهر، فلما قدم المدينة، قال: (ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة). إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: (من هذا). فقال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك، ونام النبي ﷺ .
[*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
стр. 580
"ليت رجلاً صالحاً يحرسني: فيه جواز الاحتراس من العدو والأخذ بالحزم وترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط، قال العلماء: وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ لأنه ﷺ ترك الاحتراس حين نزلت هذه الاَية وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته.
(حديث عائشة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قالت كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية والله يعصمك من الناس فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة فقال لهم يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح مسلم) قالت * سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة قالت فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال من هذا قال سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله ﷺ ما جاء بك قال وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
" يَحْرُسُنِي" بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: يَحْفَظُنِي بَقِيَّةَ اللَّيْلَةِ لِأَنَامَ مُسْتَرِيحَ الْخَاطِرِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ
(خَشْخَشَةَ السِّلَاحِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: صَوْتَ صَدْمِ بَعْضِهِ بَعْضًا (فَقَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أَيْ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ (ثُمَّ نَامَ) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَخْذُ بِالْحَذَرِ وَالِاحْتِرَاسِ مِنَ الْعَدُوِّ، وَأَنَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَحْرُسُوا سُلْطَانَهُمْ خَشْيَةَ الْقَتْلِ، وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَبَرَّعَ بِالْخَيْرِ وَتَسْمِيَتِهِ صَالِحًا، وَإِنَّمَا عَانَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مَعَ قُوَّةِ تَوَكُّلِهِ توكل النبي ﷺ لِلِاسْتِنَانِ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ كَانَ أَمَامَ الْكُلِّ، وَأَيْضًا فَالتَّوَكُّلُ لَا يُنَافِي تَعَاطِي الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهِيَ عَمَلُ الْبَدَنِ.
стр. 581
(حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد قال كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبي ﷺ ارم فداك أبي وأمي قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه.
(٤) مستجاب الدعوة:
كان سعد ﵁ مستجاب الدعوة أيضًا، فقد دعا له النبي قائلا: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك.
(حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: اللهم استجب لسعد إذا دعاك.
وهاك صورٌ من إجابة دعوته:
عُيِّنَ سعد أميرًا على الكوفة، أثناء خلافة الفاروق عمر ﵁ الذي كان يتابع ولاته ويتقصى أحوال رعيته، وفي يوم من الأيام اتجه عمر ﵁ إلى الكوفة ليحقق في شكوى أهلها أن سعدًا يطيل الصلاة، فما مر عمر بمسجد إلا وأحسنوا فيه القول، إلا رجلا واحدًا قال غير ذلك، فكان مما افتراه على سعد: أنه لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية - يخرج بالجيش - فدعا سعد عليه قائلاً: اللهم إن كان كاذبًا، فأعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن، فكان ذلك الرجل يمشي في الطريق، ويغمز الجواري، وقد سقط حاجباه من عينيه
ولما سئل عن ذلك قال: شيخ مفتون، أصابته دعوة سعد.
وهاك الحديث الدال على ذلك فتأمله بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
стр. 582
(حديث جابر بن سمرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ﵁، فعزله واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل اليه فقال: يا أبا إسحق إن هؤلاء يزعمون انك لا تحسن تصلي؟ قال أبو إسحق: أما أنا، والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد في الاولين، وأخف في الأخريين. قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحق. فأرسل معه رجلا، أو رجالا، إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفه، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياءً وسمعةً، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن. وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن.
وذات يوم سمع سعد رجلاً يسب عليّا وطلحة والزبير، فنهاه فلم ينته، فقال سعد للرجل: إذن أدعو عليك؛ فقال الرجل: أراك تتهددني كأنك نبي؛ فانصرف سعد، وتوضأ، وصلى ركعتين، رفع يديه، وقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقوامًا سبقت لهم منك الحسنى؛ وأنه قد أسخطك سبه إياهم؛ فاجعله آية وعبرة؛ فلم يمر غير وقت قصير حتى خرجت ناقة هوجاء من أحد البيوت، وهجمت على الرجل الذي سب الصحابة؛ فأخذته بين قوائمها، وما زالت تتخبط حتى مات.
أخرج الطبراني عن عامر بن سعد قال: بينما سعد ﵁ يمشي إذ مر برجل وهو يشتم علياً وطلحة والزبير ﵃، فقال له سعد: إنك تشتم أقواماً قد سبق لهم من الله ما سبق، والله لتكفنَّ عن شتمهم أو لأدعُونَّ الله عليك، قال: يخوفني كأنه نبي فقال سعد: اللهمَّ إن كان يشتم أقواماً قد سبق لهم منك ما سبق فاجعله اليوم نكالاً فجاءت بُخْتِيَّة، فأفرج الناس لها فتخبطته، فرأيت الناس يتبعون سعداً يقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ـ اهـ.
стр. 583
وعند الحاكم عن مصعب بن سعد عن سعد ﵁ أن رجلاً نال من علي ﵁، فدعا عليه سعد بن مالك، فجاءته ناقة أو جمل فقتله فأعتق سعد نَسَمة وحلف أن لا يدعو على أحد.
وعنده أيضاً عن قيس بن أبي حازم قال: كنت بالمدينة فبينا أنا أطوف في السوق إذ بلغت أحجار الزيت، فرأيت قوماً مجتمعين على فارس قد ركب دابة وهو يشتم علي بن أبي طالب ﵁ والناس وقوف حواليه، إذ أقبل سعد بن أبي وقاص فوقف عليهم، فقال ما هذا؟ فقالوا: رجل يشتم علي بن أبي طالب، فتقدَّم سعد فأفرجوا له حتى وقف عليه، فقال: ما هذا علامَ تشتم علي بن أبي طالب؟ ألم يكن أول من أسلم؟ ألم يكن أول من صلَّى مع رسول الله ﷺ ألم يكن أزهد الناس؟ ألم يكن أعلم الناس؟ ـ وذكر حتى قال: ألم يكن خَتَنَ رسول الله ﷺ على ابنته؟ ألم يكن صاحب راية رسول الله ﷺ في غزواته؟ ثم استقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهمَّ إنَّ هذا يشتم ولياً من أوليائك، فلا تفرق هذا الجمع حتى تريهم قدرتك. قال قيس: فوالله ما تفرقنا حتى ساخت به دابته فرمته على هامته في تلك الأحجار فانفقل دماغه ومات. قال الحاكم: ووافقه الذهبي، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه ـ اهـ. وأخرجه أبو نُعيم في الدلائل (ص٢٠٦) عن ابن المسيَّب نحو السياق الأول.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جابر قال قال ابن عم لنا يوم القادسية * ألم تر أن الله أنزل نصره * وسعد بباب القادسية معصم * * فأبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم * فلما بلغ سعدا قال اللهم اقطع عني لسانه ويده فجاءت نشابة أصابت فاه فخرس ثم قطعت يده في القتال وكان في جسد سعد قروح فأخبر الناس بعذره عن شهود القتال.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مصعب بن سعد أن رجلا نال من علي فنهاه سعد فلم ينته فدعا عليه فما برح حتى جاء بعير ناد فخبطه حتى مات.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن المسيب أن رجلا كان يقع في علي وطلحة والزبير فجعل سعد ينهاه ويقول لا تقع في إخواني فأبى فقام سعد وصلى ركعتين ودعا فجاء بختي يشق الناس فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته والبلاط حتى سحقه فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا يقولون هنيئا لك يا أبا اسحاق استجيبت دعوتك.
[*] قال الذهبي ﵀:
قلت في هذا كرامة مشتركة بين الداعي والذين نيل منهم.
(٥) شهادة النبي له بالشهادة:
стр. 584
(حديث سعيد بن زيد ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعدهم رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وسعيد بن زيد.
(٦) أول دم هريق في الإسلام وأول العرب رمى بسهم في سبيل الله:
في بداية الدعوة، كان أصحاب الرسول ﷺ إذا صلوا ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من الصحابة في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد ﵁ يومئذ رجلا من المشركين بلحي بعير فشجه العظم الذي فيه الأسنان، فكان أول دم هريق في الإسلام.
(حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي ﷺ وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة، ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام؟ لقد خبت إذا وضل عملي. وكانوا وشوا بي إلى عمر، قالوا: لا يحسن يصلي.
(٧) شجاعة سعد بن أبي وقاص ﵁:
كان سعد رضي الله احد الفرسان والشجعان من الصحابة المهاجرين القرشيين اللذين كانوا يحرسون النبي ﵊ ويلازمونه في حضره في سفره.
وقد ورد بسند جيد عن ابن إسحاق. قال: "كان أشد أصحاب رسول الله ﷺ أربعة: عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص ﵃ ".
(حديث عائشة ﵁ الثابت في الصحيحين) قالت: أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة فقال ليت رجلا صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة قالت وسمعنا صوت السلاح فقال رسول الله ﷺ من هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص يا رسول الله جئت أحرسك، قالت عائشة فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه.
وفي معركة بدر أبلى بلاء حسنا ودافع دفاع الراغبين في طلب الشهادة,
[*] قال ا بن مسعود ﵁:" اشتركت أنا وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمه , فما أجيء أنا وعمار بشيء , وجاء سعد بأسيرين, وكان سعد جاهدا مجاهدا في ذات الله بيده وماله ولسانه ودعائه".
стр. 585
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن مسعود لقد رأيت سعدا يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي إسحاق قال أشد الصحابة أربعة عمر وعلي والزبير وسعد.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إسحاق بن سعد ابن أبي وقاص حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد ألا تأتي ندعو الله تعالى فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال يا رب إذا لقينا العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه فأمن عبد الله ثم قال اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه شديدا حرده فأقاتله ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غدا قلت لي يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذناك فأقول فيك وفي رسولك فتقول صدقت قال سعد كانت دعوته خيرا من دعوتي فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط أبو عوانة وجماعة.
أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله:
بعثه الرسول ﷺ في سرية عبيدة بن الحارث ﵁ إلى ماء بالحجاز أسفل ثنية المرة فلقوا جمعا من قريش ولم يكن بينهم قتال ألا أن سعد قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في الإسلام.
(حديث عاصم الأحول الثابت في صحيح مسلم) قال: حدثني أبو عثمان قال: حدثني سعد بن مالك قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي من محمد ﷺ أنه قال: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام "" قال: فلقيت أبا بكرة فذكرت ذلك له فقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي من محمد ﷺ .
قال عاصم فقلت: يا أبا عثمان، لقد شهد عندك رجلان أيما رجلين، فقال: أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله أو في الإسلام، يعني سعد بن مالك، والآخر قدم من الطائف في بضعة وعشرين رجلا على أقدامهم، فذكر فضلا.
أخرج ابن عساكر عن الزهري قال: بعث ﵁ رسول الله ﷺ سريّة فيها سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى جانب من الحجاز يدعى رابغ، فانكفأ المشركون على المسلمين، فجاءهم سعد بن أبي وقاص ﵁ يومئذٍ بسهامه، وكان أول من رمى في سبيل الله، وكان هذا أول قتال في الإِسلام. وقال سعد ﵁ في رميه:
ألا هل أتى رسولَ الله أتي
حَمَيْت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها أوائلَهم ذياداً
بكل حزونة بكل سهلِ
فما يَعْتَدُّ رامٍ في عدو
بسهم يا رسول الله قبلي
стр. 586
كذا في المنتخب عن ابن عساكر.
غزوة أحد:
وشارك في أحد وتفرق الناس أول الأمر عن رسول الله ﷺ ووقف سعد يجاهد ويقاتل فلما رآه الرسول ﷺ يرمي جعل يحرضه ويقول له: يا سعد ارم فداك أبي وأمي.
وظل سعد يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته ويقول: ما جمع الرسول ﷺ لأحد أبويه إلا لي وذلك حين فداه بهما.
(حديث عليّ ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: ما رأيت النبي ﷺ يفدي رجلا بعد سعد، سمعته يقول: ارم فداك أبي وأمي.
ارم فداك أبي وأمي: وَفِي هَذِهِ التَّفْدِيَةِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِهِ وَاعْتِدَادٌ بِعَمَلِهِ وَاعْتِبَارٌ بِأَمْرِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُفَدِّي إِلَّا مَنْ يُعَظِّمُهُ فَيَبْذُلُ نَفْسَهُ، أَوْ أَعَزَّ أَهْلِهِ لَهُ.
[*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
وفي رواية عن سعد قال: (جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد فقال ارم فداك أبي وأمي) فيه جواز التفدية بالأبوين، وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطاب والحسن البصري ﵄، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقاً لأنه ليس فيه حقيقه فداء وإنما هو كلام وألطاف وإعلام بمحبته له ومنزلته، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقاً.
قتله ثلاثة بسهم واحد يوم أُحد:
وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب قال: قَتلَ سعد ﵁ يوم أُحد بسهم واحد ثلاثة، رمى به؛ فردّ عليهم فرموا به، فأخذه فرمى به سعد ﵁ الثانية، فَقَتَل؛ فردّ عليهم، فرمى به الثالثة، فَقَتَل، فعجب الناس مما فعل سعد ﵁، فقال: إنَّ النبي ﷺ أنبلنيه. قال: وجمع له رسول الله ﷺ أبويه. كذا في منتخب الكنز.
وأخرج البزَّار عن ابن مسعود ﵁ قل: كان سعد ﵁ يقتل مع رسول الله ﷺ يوم بدر قتال الفارس والراجل. قال الهيثمي: رواه البزَّار بإسنادين: أحدهما متصل، والآخر مرسل، ورجالهما ثقات. انتهى.
*إمرة الجيش:
стр. 587
عندما احتدم القتال مع الفرس، أراد أمير المؤمنين عمر أن يقود الجيش بنفسه، ولكن رأى الصحابة أن تولى هذه الإمارة لرجل آخر واقترح عبد الرحمن بن عوف: الأسد في براثنه، سعد بن مالك الزهري وقد ولاه عمر ﵁ إمرة جيش المسلمين الذي حارب الفرس في القادسية وكتب الله النصر للمسلمين وقتلوا الكافرين وزعيمهم رستم وعبر مع المسلمين نهر دجلة حتى وصلوا المدائن وفتحوها، وكان إعجازا عبور النهر بموسم فيضانه حتى أن سلمان الفارسي قد قال: إن الإسلام جديد، ذللت والله لهم البحار، كما ذللت لهم البر، والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا، كما دخلوه أفواجا.
وبالفعل أمن القائد الفذ سعد مكان وصول الجيش بالضفة الأخرى بكتيبة الأهوال وكتيبة الخرساء، ثم اقتحم النهر بجيشه ولم يخسر جنديا واحدا في مشهد رائع، ونجاح باهر ودخل سعد بن أبي وقاص إيوان كسرى وصلى فيه ثماني ركعات صلاة الفتح شكرا لله على
نصرهم.
*إمارة العراق:
ولاه عمر ﵄ إمارة العراق، فراح سعد يبني ويعمر في الكوفة، وذات يوم اشتكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين فقالوا: إن سعدا لا يحسن يصلي
ويضحك سعدا قائلا: والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله، أطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الآخرين.
واستدعاه عمر إلى المدينة فلبى مسرعا، وحين أراد أن يعيده إلى الكوفة ضحك سعدا قائلا: أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة.
ويؤثر البقاء في المدينة.
(٨) موقف سعد المشرف من الفتنة:
اعتزل سعد الفتنة وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا له أخبارها، وذات يوم ذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ويقول له: يا عم، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر، فيجيبه سعد ﵁:
أريد من مائة ألف سيف، سيفا واحدا، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع.
فتركه ابن أخيه بسلام وحين انتهى الأمر لمعاوية سأل سعدا: مالك لم تقاتل معنا؟
فأجابه: إني مررت بريح مظلمة فقلت: أخ أخ وأنخت راحلتي حتى انجلت عني.
فقال معاوية: ليس في كتاب الله أخ أخ ولكن قال الله تعالى:
(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ) [الحجرات: ٩]
وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة مع الباغية
فأجاب سعد ﵁ قائلا:
стр. 588
ما كنت لأقاتل رجلا يعني علي بن أبي طالب قال له الرسول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
وعند الطبراني عن ابن سيرين قال: لما قيل لسعد بن أبي وقاص ﵁: ألا تقاتل؟ قال: حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. اهـ. وأخرجه أبو نُعيم في الحلية عن ابن سيرين مثله،
(٩) إيثاره للخمول وإنكار الذات:
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء: عن عامر بن سعد أن أباه سعدًا كان في غنم له، فجاء ابنه عمر، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما انتهى إليه قال: يا أبتي: أرضيت أن تكون أعرابيّا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟ فضرب صدر عمر وقال: اسكت فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي". [أخرجه أحمد ومسلم]
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعدٍ قال: ما ازعم أني بقميصي هذا أحق مني بالخلافة جاهدت وأنا أعرف بالجهاد ولا أبخع نفسي ان كان رجلا خيرا مني لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان فيقول هذا مؤمن وهذا كافر.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعدٍ أنه جاءه ابنه عامر فقال أي بني أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا لا والله حتى أعطى سيفا إن ضربت به مسلما نبا عنه وأن ضربت كافرا قتله سمعت رسول الله ﷺ يقول (إن الله يحب التقي الغني الخفي.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عوانة قال دخل سعد على معاوية فلم يسلم عليه بالأمرة فقال معاوية لو شئت أن تقول غيرها لقلت قال فنحن المؤمنون ولم نؤمرك فإنك معجب بما أنت فيه والله ما يسرني أني على الذي أنت عليه وأني هرقت محجمة دم.
[*] قال الذهبي ﵀:
قلت اعتزل سعد الفتنة فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم ولقد كان أهلا للإمامة كبير الشأن ﵁.
(١٠) سعد بن أبي وقاص ممن يدعو ربه بالغداة والعشي:
(حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: قال تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: ٥٢] قال نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم.
(١١) ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد:
[*] قال الذهبي ﵀:
стр. 589
ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد وهو كان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية ونصر الله دينه ونزل سعد بالمدائن ثم كان أمير الناس يوم جلولاء فكان النصر على يده واستأصل الله الأكاسرة.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الليث بن سعد قال: كان فتح جلولاء سنة تسع عشرة افتتحها سعد بن أبي وقاص.
[*] قال الذهبي ﵀:
قلت قتل المجوس يوم جلولاء قتلا ذريعا فيقال بلغت الغنيمة ثلاثين ألف ألف درهم
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي وائل قال سميت جلولاء فتح الفتوح.
وفاة سعد بن أبي وقاص ﵁:
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مصعب بن سعد أنه قال كان رأس أبي في حجري وهو يقضي فبكيت فرفع رأسه إلي فقال أي بني ما يبكيك قلت لمكانك وما أرى بك قال لا تبك فإن الله لا يعذبني أبدا وإني من أهل الجنة.
[*] قال الذهبي ﵀:
قلت صدق والله فهنيئا له.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري أن سعد بن أبي وقاص لما احتضر دعا بخلق جبة صوف فقال كفنوني فيها فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر وأنما خبأتها لهذا اليوم.
سعد آخر المهاجرين وفاةً:
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إبراهيم بن سعد أن سعدا مات وهو ابن اثنتين وثمانين سنة في سنة ست وخمسين وقيل سنة سبع.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عامر بن سعد قال كان سعد آخر المهاجرين وفاة، قال المدائني وأبو عبيدة وجماعة توفي سنة خمس وخمسين.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أم سلمة أنها قالت لما مات سعد وجيء بسريره فأدخل عليها جعلت تبكي وتقول بقية أصحاب رسول الله ﷺ .
ثانياً: صورٌ من زهد سعدِ ابن أبي وقاص ﵁ -:
لقد فهم عبد الرحمن ابن عوف ﵁ من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين ﷺ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
стр. 590
(١) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى ﷺ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(٢) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله ﵎:
(حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله ﷺ قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(٣) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(٤) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: ٣٩، ٤٠]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع ﵁ عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده ﵁:
كان سعدِ ابن أبي وقاص ﵁ آية في الزهد والعزوف عن الدنيا والرغبة في الآخرة مع ما توفر لديه من ثراء عظيم، ومال وفير، فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأن الزهد أن يكون المال في يدك وليس في قلبك فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف ﵁، ولقد كان ﵁ حريصاً على أن يتصدق بثلثي ماله عندما مرض لولا أن أن أمره النبي بالثلث فقط، وهذا يدل على أنه آيةٌ في الزهد فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف ﵁.
стр. 591
(حديث سعد بن أبي وقاص الثابت في الصحيحين) قال: قلت يارسول الله أنا ذو مالٍ ولايرثني إلاابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: (لا). قال: قلت: فالشطر؟ قال: (لا). الثلث والثلث كثير، إنك إن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك).
ويتجلى زهد سعدِ ابن أبي وقاص ﵁ كذلك في تركه ما لا ينفع في الآخرة، فكان وَقَّافاً لحدود الله تعالى وكان إذا ذُكِّرَ ذكر ويظهر هذا وضوحاً جلياً في موقف من الفتنة في خلافة عثمان وهاك موقفه بإيجاز:
اعتزل سعد الفتنة وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا له أخبارها، وذات يوم ذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ويقول له: يا عم، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر، فيجيبه سعد ﵁:
ريد من مائة ألف سيف، سيفا واحدا، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع.
فتركه ابن أخيه بسلام وحين انتهى الأمر لمعاوية سأل سعدا: مالك لم تقاتل معنا؟
فأجابه: إني مررت بريح مظلمة فقلت: أخ أخ وأنخت راحلتي حتى انجلت عني.
فقال معاوية: ليس في كتاب الله أخ أخ ولكن قال الله تعالى:
(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ) [الحجرات: ٩]
وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة مع الباغية
فأجاب سعد ﵁ قائلا: ما كنت لأقاتل رجلا يعني علي بن أبي طالب قال له الرسول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
[*] سيرة سعيدِ بن زيد ﵁ و صورٌ من زهده:
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:
أولاً: لمحات من سيرة سعيدِ ابن زيد ﵁:
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد سعيدِ ابن زيد ﵁:
وهاك تفصيل ذلك:
أولاً: لمحات من سيرة سعيدِ ابن زيد ﵁:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
стр. 592
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فكان بالحق قوالاً، ولماله بذالاً، ولهواه قامعاً وقتالاً، ولم يكن ممن يخاف في الله لومة لائم. وكان مجاب الدعوة، سبق الإسلام قبل عمر بن الخطاب ﵄. شهد بدراً بسهمه وأجره. رغب عن الولاية، وتشمر في الرعاية، قمع نفسه، وأخفى عن المنافسة في الدنيا شخصه، اعتزل الفتنة والشرور المؤدية إلى الضيعة والغرور، عازماً علي السبقة والعبور، المفضي إلى الرفعة والحبور. كان للولايات قالياً، وفي مراتب الدنيا وانياً، وفي العبودية غانياً، وعن مساعدة نفسه فانياً.
[*] قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:
سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب أبو الأعور القرشي العدوي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن السابقين الأولين البدريين ومن الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ وشهد حصار دمشق وفتحها فولاه عليها أبو عبيدة بن الجراح فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الامة وله أحاديث يسيرة.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الواقدي كان سعيد رجلا آدم طويلا أشعر.
- اسم سعيدِ بن زيد ﵁ ونسبه:
سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل العدوي القرشي، أبو الأعور، من خيار الصحابة
ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته، ولد بمكة عام (٢٢ قبل الهجرة) وهاجر الى
المدينة، شهد المشاهد كلها إلا بدرا لقيامه مع طلحة بتجسس خبر العير، وهو أحد
العشرة المبشرين بالجنة، كان من السابقين الى الإسلام هو وزوجته أم جميل (فاطمة بنت الخطاب.
والد سعيدِ بن زيد ﵁ -:
وأبوه ﵁ (زيد بن عمرو) اعتزل الجاهلية وحالاتها ووحّد الله تعالى بغير واسطة حنيفياً، وقد سأل سعيد بن زيد الرسول ﷺ فقال: (يا رسول الله، إن أبي زيد بن عمرو بن نفيل كان كما رأيت وكما بَلَغَك، ولو أدركك آمن بك، فاستغفر له؟ قال: نعم واستغفر له وقال: إنه يجيءَ يوم القيامة أمّةً وحدَهُ.
(حديث جابر بن عبد الله ﵁ الثابت في صحيح السيرة النبوية) أن رسول الله ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل؟ فقال: قد رأيته؛ فرايت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس، وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل؟ فقال: يبعث يوم القيامة أمة وحده.
стр. 593
[*] قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: كان والده زيد بن عمرو ممن فر إلى الله من عبادة الأصنام وساح في أرض الشام يتطلب الدين القيم فرأى النصارى واليهود فكره دينهم وقال اللهم إني على دين ابراهيم ولكن لم يظفر بشريعة إبراهيم ﵇ كما ينبغي ولا رأى من يوقفه عليها وهو من أهل النجاة فقد شهد له النبي صلىالله عليه وسلم بأنه يبعث أمة وحده.
وهو إبن عم الإمام عمر بن الخطاب رأى النبي صلىالله عليه وسلم ولم يعش حتى بعث، فنقل يونس بن بكير وهو من أوعية العلم بالسير عن محمد بن إسحاق قال قد كان نفر من قريش زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعثمان إبن الحارث بن أسد وعبيد [الله] بن جحش وأميمة إبنة عبد المطلب حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم فلما اجتمعوا خلا أولئك النفر بعضهم إلى بعض وقالوا تصادقوا وتكاتموا فقال قائلهم تعلمن والله ما قومكم على شيء لقد أخطؤا دين إبراهيم وخالفوه فما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع فابتغوا لأنفسكم قال فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى والملل كلها يتطلبون الحنيفية فأما ورقة فتنصر واستحكم في النصرانية وحصل الكتب وعلم علما كثيرا ولم يكن فيهم أعدل شأنا من زيد اعتزل الأوثان والملل إلا دين إبراهيم يوحد الله تعالى ولا يأكل من ذبائح قومه وكان الخطاب عمه قد آذاه فنزح عنه إلى أعلى مكة فنزل حراء فوكل به الخطاب شبابا سفهاء لا يدعونه يدخل مكة فكان لا يدخلها إلا سراً وكان الخطاب أخاه ايضا من أمه فكان يلومه على فراق دينه فسار زيد إلى الشام والجزيرة والموصل يسأل عن الدين.
(حديث أسماء بنت أبي بكر الثابت في صحيح البخاري): قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما، مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها.
﴿تنبيه﴾: هذا الحديث ذكره البخاري رحمه الله تعالى تعليقاً وصححه الألباني في فقه السيرة.
стр. 594
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ : لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي، فقدمت إلى النبي ﷺ سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله. إنكارا لذلك وإعظاما له.
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام، يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله، ولا من غضبه شيئا أبدا، وأنى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم ﵇ خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم.
(حديث جابر بن عبد الله ﵁ الثابت في صحيح السيرة النبوية) أن النبي ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل؟ فقال: قد رأيته؛ فرأيت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس.
وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل؟ فقال: يبعث يوم القيامة أمة وحده.
وسئل عن أبي طالب؟ فقال: أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها.
وسئل عن خديجة؛ لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن؟ فقال: أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب؛ لا صخب فيه ولا نصب.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن اسماء قالت رأيت زيد بن عمرو شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول ويحكم يا معشر قريش إياكم والزنى فإنه يورث الفقر.
стр. 595
[*] قال الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء:
توفي قبل المبعث فقد نقل ابن إسحاق أن ورقة بن نوفل رثاه بأبيات وهي * رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا * * بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا * * وإدراكك الدين الذي قد طلبته * ولم تك عن توحيد ربك ساهيا * * فأصبحت في دار كريم مقامها * تعلل فيها بالكرامة لاهيا * * وقد تدرك الانسان رحمة ربه * ولو كان تحت الارض سبعين واديا *
وفي طبقات ابن سعد بالإسناد عن موسى بن عقبة قال: سمعت سالمًا أبا النضر يحدث، أن زيدًا والد سعيد كان يعيب على قريش ذبائحهم ثم يقول: الشاة خلقها الله وأنزل من السماء ماءً وأنبت لها الأرض، ثم يذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له لا ءاكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
وروى الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أن زيدًا التقى بالشام راهبًا فقال له الراهب: أراك تريد دين إبراهيم ﵇، يا أخا أهل مكة، الحق ببلدك، فإن الله يبعث من قومك من يأتي بدين إبراهيم، وهو أكرم الخلق على الله.
وعن علي بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة أنه قال: قال لي زيد: يا عامر إني خالفت قومي واتّبعت ملة إبراهيم وما كان يعبد وإسماعيل من بعده، وكانوا يصلون إلى هذه القبلة، فأنا أنتظر نبيًا من ولد إسماعيل يُبعث ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأُصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام. قال عامر: فلما تنبّأ رسول الله ﷺ أسلمتُ وأخبرته بقول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام فرد عليه رسول الله ﷺ ورحَّمَ عليه وقال: "قد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً".
ذلكم هو والد سعيد .. ذلك الذي ترك لقريش أصنامها وخمرها ولهوها وراح يعبد الله على دين إبراهيم .. ويكفي أن نذكر لك أنه كان يحول دون وأد البنات فإذا رأى من يريد أن يقتل ابنته قال له: ﴿لا تقتلها وأنا أكفيك مئونتها﴾ فيأخذها ويرعاها حتى تكبر وعندئذ يقول لأبيها ﴿إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مئونتها﴾ كما في الحديث الآتي:
стр. 596
أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما، مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها.
ولقد جاء في أسباب النزول ما أخرجه الواحد وأبو الفرج أن الآية الشريفة من سورة الزمر التي تقول: ((والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)) [سورة الزمر أية ١٧ - ١٨].
نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون الله وهم:
١ - زيد بن عمرو بن نفيل
٢ - وأبو ذر الغفاري
٣ - وسلمان الفارسي أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي!
هذا هو والد سعيد .. عرف ربه وملآ الإيمان قلبه .. فإذا شابه سعيد أباه وهداه الله .. وامتدت إلى النبي يداه وبشره النبي صلى الله عليه و سلم بالجنة فهل يكون ذلك عجيبا؟
وقد التقى زيد بن عمرو برسول الله ﷺ ولكنه لم يدرك مبعثه إذ مات قبل ذلك، ولكن سعيدًا ابنه أدرك رسالة النبي ﷺ وءامن به وكان من المبشرين العشرة.
- إسلام سعيدِ بن زيد ﵁ -:
[*] قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ:
كَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا قَبْلَ عُمَرَ وَبِسَبَبِ زَوْجَتِهِ كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ وَهَاجَرَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ وَتُوُفِّيَ بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدُفِنَ بِهَا سَنَةَ خَمْسِينَ، أَوِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
*الولاية:
كان سعيد بن زيد موصوفاً بالزهد محترماً عند الوُلاة، ولمّا فتح أبو عبيدة بن
الجراح دمشق ولاّه إيّاها، ثم نهض مع مَنْ معه للجهاد، فكتب إليه سعيد: (أما بعد
، فإني ما كنت لأُوثرَك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يُدْنيني من مرضاة ربّي،
وإذا جاءك كتابي فابعث إلى عملِكَ مَنْ هو أرغب إليه مني، فإني قادم عليك وشيكاً
إن شاء الله والسلام.
*البيعة:
стр. 597
كتب معاوية إلى مروان بالمدينة يبايع لإبنه يزيد، فقال رجل من أهل الشام لمروان: ما يحبسُك؟) ... قال مروان: حتى يجيء سعيد بن زيد يبايع، فإنه سيد أهل البلد، إذا بايع بايع الناس ... قال: (أفلا أذهب فآتيك به؟) ... وجاء الشامي وسعيد مع أُبيّ في الدار، قال: (انطلق فبايع) ... قال: (انطلق فسأجيء فأبايع) ... فقال:
لتنطلقنَّ أو لأضربنّ عنقك) ... قال: (تضرب عنقي؟ فوالله إنك لتدعوني إلى قوم وأنا
قاتلتهم على الإسلام ..
فرجع إلى مروان فأخبره، فقال له مروان: (اسكت) ... وماتت أم المؤمنين (أظنّها
زينب) فأوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، فقال الشامي لمروان: (ما يحبسُك أن تصلي على أم المؤمنين؟) ... قال مروان: (أنتظر الذي أردت أن تضرب عنقه، فإنها أوصت أن يُصلي عليها) ... فقال الشامي: (أستغفر الله ...
[*] مناقب سعيد بن زيد ﵁:
لسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ ﵁ مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً:
أولاً مناقب سعيد ابن زيد ﵁ - جملة ً:
(١) أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن السابقين الأولين البدريين:
(٢) مستجاب الدعوة:
(٣) شهادة النبي له بالشهادة:
(٤) إيثاره للخمول وإنكار الذات:
(٥) غضبه على من سب الصحابة:
ثانياً مناقب سعيد ابن زيد ﵁ تفصيلا ً:
(١) أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن السابقين الأولين البدريين:
(حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
ومن أعظم مناقب سعيد بن زيد أنه من أهل بدر:
أهل بدر:
أهل بدر هم الذين قاتلوا في غزوة بدر من المسلمين، وعددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا. والفضيلة التي حصلت لهم أن الله اطلع عليهم وقال: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ومعناه أن ما يحصل منهم من المعاصي يغفره الله بسبب الحسنة الكبيرة التي نالوها في غزوة بدر، ويتضمن هذا بشارة بأنه لن يرتد أحد منهم عن الإسلام.
стр. 598
(حديث رفاعة بن رافع الزُرْقِي ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: (من أفضل المسلمين). أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة.
(حديث علي بن أبي طالب ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها). فذهبنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه: من حاطب ابن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (ما هذا يا حاطب). قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم، أن أصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني. فقال النبي ﷺ : (إنه قد صدقكم). فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: (إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
مسألة: لماذا أخرج عمر ﵁ سعيد بن زيد من أهل الشورى؟
[*] قال الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء:
قلت لم يكن سعيدا متأخرا عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة وإنما تركه عمر ﵁ لئلا يبقى له فيه شائبة حظ لأنه ختنه وابن عمه ولو ذكره في أهل الشورى لقال الرافضي حابى ابن عمه فأخرج منها ولده وعصبته فكذلك فليكن العمل لله.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محارب بن دثار قال كتب معاوية إلى مروان والي المدينة ليبايع لابنه يزيد فقال رجل من جند الشام ما يحبسك قال حتى يجيء سعيد بن زيد فيبايع فإنه سيد أهل البلد وإذا بايع بايع الناس قال أفلا أذهب فآتيك به.
(٢) مستجاب الدعوة:
стр. 599
كان ﵁ مُجاب الدعوة، وقصته مشهورة مع أروى بنت أوس، فقد خاصمت أروى بنت أويس سعيد بن زيد ﵁ عند مروان ابن الحكم أمير المدينة وادَّعت عليه أنه أخذ من أرضها، فقال: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: وما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طُوِّقه إلى سبع أرضين"
ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياء تتلمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها (١).
[*] وقال ابن أبي حازم في حديثه سألت أروى سعيدا أن يدعو لها وقالت قد ظلمتك فقال لا أرد على الله شيئا أعطانيه.
(٣) شهادة النبي له بالشهادة:
(حديث سعيد بن زيد ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعدهم رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وسعيد بن زيد.
стр. 600
ومن مناقبه أيضًا إنكاره على الذين كانوا يسبّون الإمام علي بن أبي طالب ﵁، ففي "حلية الأولياء" للحافظ أبي نُعَيم أن المغيرة بن شعبة كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره، فجاء سعيد بن زيد ﵁ فأجلسه على السرير، ثم جاء رجل من أهل الكوفة فسَبَّ، فقال سعيد بن زيد ﵁: من يسب هذا يا مغيرة؟ قال: يسب علي بن أبي طالب ﵇، فقال سعيد ﵁: يا مغيرة بن شعبة أعادها ثلاثًا ألا أسمع أصحاب رسول الله ﷺ يُسَبّون عندك فلا تنكر ولا تغير وأنا أشهد على رسول الله ﷺ مما سمعت أذناي ووعاه قلبي من رسول الله، فإني لم أكن أروي عنه كذبًا يسألني عنه إذا لقيته، أنه قال: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد في الجنة، وتاسع المؤمنين في الجنة"، قال فرَجّ أهل المسجد يناشدونه: يا صاحب رسول الله من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله، والله عظيم، أنا تاسع المؤمنين، ثم أتبع ذلك يمينًا فقال: لمشهَدٌ شَهِدَهُ رجل مع رسول الله ﷺ يغبر وجهه مع رسول الله ﷺ ، أفضل من عمل أحدكم ولو عُمّر عُمر نوح، فانظر بعين البصيرة كيف ضرب سعيدِ ابن زيد ﵁ أروع المثل في توقير ورحمة جماعة المؤمنين، والذود عن كبار الصحابة رضوان الله عليهم، وحفظ حقوقهم.
(٤) إيثاره للخمول وإنكار الذات:
[*] ... قال أبو نعيم في الحلية: رغب عن الولاية وتشمر في الرعاية! قمع نفسه وأخفى عن المنافسة في الدنيا شخصه! وبلغة العصر نقول: هو جندي مجهول!
(٥) غضبه على من سب الصحابة: