((حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف».
(لكن يجوز قرن الإشارة بالتلفظ بالسلام، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أسماء بنت يزيد ﵁ الثابت في صحيح الأدب المفرد) قَالَتْ: أَلْوَى النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى النَّسَاءِ بِالسْلَام.
قال النووي بعد حديث الترمذي: فهذا محمولٌ على أنه ﷺ جمع بين اللفظ والإشارة، يدل على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في روايته: (فسلم علينا) (١). (٢). وقال الحافظ: والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً، وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس، وكذا السلام على الأصم (٣).
(٢٣) جواز السلام على المصلي، ورده بالإشارة:
من الجائز السلام على المصلي، وهذا ثابت من لإقرار النبي ﷺ لصحابته، حيث كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة ولم ينكر عليهم ذلك، فدل إقراره جوازه. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ (قَالَ قُتَيْبَةُ: يُصَلِّي) فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ: (إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي) وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ.
((حديث صُهَيْبٍ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ:
مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ إِشَارَةً قَالَ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ إِشَارَةً بِأُصْبُعِهِ.
(ففي هذه الأحاديث وغيرها دليل على جواز إلقاء السلام على المصلي، ورده بالإشارة.
مسألة: ما صفة السلام بالإشارة في الصلاة؟
стр. 5812
الجواب: ليست هناك صفة محددة لرد السلام بالإشارة في الصلاة، والوارد في ذلك عن النبي ﷺ متنوع فمرة كانت الإشارة بالأصبع كما في حديث صهيب المتقدم، ومرة كانت الإشارة باليد كما في حديث جابر (١)،ومرة كانت الإشارة بالكف كما في حديث عبد الله بن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار، فسلموا عليه، وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال يقول هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق (٢) .. قال في عون المعبود: واعلم أنه ورد الإشارة لرد السلام في هذا الحديث بجميع الكف، وفي حديث جابر باليد، وفي حديث ابن عمر عن صهيب بالإصبع، وفي حديث ابن مسعود عند البيهقي بلفظ فأومأ برأسه، وفي رواية له فقال برأسه يعني الرد، ويجمع بين هذه الروايات بأنه ﷺ فعل هذا مرة وهذا مرة فيكون جميع ذلك جائزاً. والله أعلم (٣).
(٢٤) يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلَامِ بِلَا فَائِدَةٍ وَرُبَّمَا آذَى:
((حديث المقدام بن الأسود ﵁ الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: كان النبي ﷺ يجيء من الليل فيسلم, ويسمع اليقظان.
(٢٥) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَنَعَهُ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ مَانِعٌ أَنْ يَعْتَذِرَ إلَى الْمُسَلِّمِ وَيَذْكُرُ الْمَانِعَ لَهُ.
стр. 5813
((حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة له، فانطلقت، ثم رجعت وقد قضيتها، فأتيت النبي ﷺ ، فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله ﷺ وَجَدَ علي أني أبطأت عليه؟. ثم سلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد علي، فقال: (إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي). وكان على راحلته، متوجها إلى غير القبلة.
(٢٦) جواز السلام على تالي القرآن، ووجوب رده:
السلام على المشتغل بتلاوة القرآن منعه بعض العلماء وأجازه بعضهم، والصواب مع من أجازه، فلا دليل على إخراج تالي القرآن من عمومات النصوص التي تحث على إفشاء السلام، وعلى وجوب رده. وكونه مشتغلاً بأعلى أنواع الذكر وهو قراءة القرآن؛ لا يمنع من إلقاء السلام عليه، ولا يسقط عنه واجب الرد.
(قالت اللجنة الدائمة في ردها على أحد الأسئلة: يجوز بدء قارئ القرآن بالسلام وعليه أن يرد السلام؛ لأنه لم يثبت دليل شرعي على المنع من ذلك والأصل عموم الأدلة في مشروعية البدء بالسلام والرد على من سلم حتى يثبت ما يخصص ذلك من الأدلة (١).
(٢٧) كراهية السلام على المتخلي:
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبُولُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
((حديث المهاجر بن قُنفد الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجه) أَنَّهُ
أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ.
فعلى هذا فإن المتخلي ببول أو غائط يكره له رد السلام باتفاق أهل العلم (٢)،
(ويستحب لمن أُلقي ﵇ وهو يقضي حاجته أن يرد السلام بعد الوضوء تأسياً برسول الله ﷺ ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
стр. 5814
((حديث المهاجر بن قُنفد الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجه) أَنَّهُ
أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ.
فعلى هذا فإن المتخلي ببول أو غائط يكره له رد السلام باتفاق أهل العلم (١)،
(٢٨) رد السلام على من حمل إليه السلام:
وهذا قد وردت به السنة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام). قلت: وعليه السلام ورحمة الله، قالت: وهو يرى ما لا نرى.
والحاصل أن رد السلام على حامل السلام ليس بواجب بل هو مندوب إليه. قال ابن حجر: ولم أر في شيء من طرق حديث عائشة أنها ردت على النبي ﷺ ، فدل على أنه غير واجب (٢).
﴿فائدة﴾: (قال ابن عبد البر: قال رجل لأبي ذر: فلان يقرئك السلام، فقال: هديةٌ حسنة ومحمل خفيف (٣).
(٢٩) تقديم تحية المسجد على السلام من بالمسجد:
فالداخل للمسجد يستحب له أن يقدم تحية المسجد قبل تحية أهله، وفي حديث المسيء في صلاته ما يدل لذلك:
стр. 5815
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلَامَ قَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ثُمَّ قَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ الرَّجُلُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا عَلِّمْنِي قَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
ومن هديه ﷺ أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد، ثم يجيءُ فيسلم على القوم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق لله تعالى، والسلام على الخلق حق لهم، وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم ... ثم ساق حديث المسيء في صلاته متسدلاً به على قوله، وقال: فأنكر عليه صلاته، ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه ﷺ إلى ما بعد الصلاة (١).
(فتبين لنا من إقرار النبي ﷺ لهذا الصحابي أن السنة في تقديم تحية المسجد على السلام على أهله.
(٣٠) كراهية السلام حال خطبة الجمعة:
والأصل في ذلك الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ.
وعلى هذا لا يشرع السلام حال الخطبة لأمر النبي ﷺ المأمومين بالإنصات حال خطبة الإمام.
مسألة: لو سلم أحد الداخلين إلى المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة، هل يجب على المأمومين رد السلام؟
стр. 5816
الجواب: قالت اللجنة الدائمة: لا يجوز لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة إذا كان يسمع الخطبة أن يبدأ بالسلام من في المسجد، وليس لمن في المسجد أن يرد عليه والإمام يخطب، ولكن إن رد عليه بالإشارة جاز (١).
مسألة: ماذا يلزم المأموم إذا سلم عليه من بجانبه وصافحه أثناء خطبة الجمعة؟
الجواب: قالت اللجنة الدائمة: يصافحه بيده ولا يتكلم، ويرد ﵇ بعد انتهاء الخطيب من الخطبة الأولى، وإن سلم والإمام يخطب الخطبة الثانية فأنت تسلم عليه بعد انتهاء الخطيب من الثانية (٢).
(٣١) السلام على المرأة الأجنبية:
(سلام الرجل على المرأة الأجنبية، منعه بعض أهل العلم، وأجازه البعض بقيد أمن الفتنة، وبعضهم فصل فقال: إن كانت شابة جميلة لم يجز، وإن كانت عجوزاً جاز، وبعضهم أطلق فمنعه في الشابة، وأجازه مع الكبيرة، وهذا هو منصوص أحمد ﵀ قال صالح: سألت أبي: يسلم على المرأة؟ فقال: أما الكبيرة، فلا بأس، وأما الشابة فلا تستنطق (٣).
وصوب ابن القيم في هذه المسألة: أنه يسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن (٤). وهو المختار، وعلة المنع ظاهرة، وهي سد الذريعة، وخشية الافتتان.
وما ورد عن الرسول ﷺ في ذلك، فهو معصوم مأمون من الفتنة. وما ورد عن الصحابة، يحمل على أمن الفتنة. ومثاله الحديث الآتي:
((حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ إِذَا صَلَّيْنَا زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَاللَّهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ.
﴿تنبيه﴾: (يجوز السلام على مجموعة من النساء:
((حديث أسماء بنت يزيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت: مرّ علينا النبي ﷺ في نسوة ٍ فسلَّم علينا.
стр. 5817
إذا كانت المرأة واحدة فالأولى ألا يسلم عليها مخافة الفتنة ولا سيما إن كانت شابة لأن النبي ﷺ أخبر أنه ما ترك بعده فتنة أضر على الرجال من النساء.
مسألة: ما حكم
(٣٢) السلام على أهل المعاصي والمبتدعة:
أما أهل المعاصي فهم يسلم عليهم ويرد عليهم سلامهم.
(قال النووي ﵀ في الأذكار:
اعلم أن الرجل المسلم الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يسلِّم ويسلَّم عليه، فيسن له السلام ويجب الرد عليه (١). ولكن إن كان العاصي مشهوراً بفسقه ومعصيته، فهل يقال بترك السلام عليه؟
الجواب: إذا كان في ترك السلام عليه مصلحة راجحة، كأن يرتدع العاصي عن معصيته إذا لم يُسلم عليه أو لا يرد عليه سلامه، فإن كان في ذلك مصلحة تُرك السلام عليه لعله ينتهي، أما إن كان العكس وغلب على ظننا أنه معصيته تزيد؛ فإننا نسلم عليه ونرد عليه سلامه تقليلاً للمفسدة لأنه لا مصلحة من ترك السلام عليه. وهذا ينبني على (مسألة الهجر:
وأما أهل البدع؛ فإن من البدع ما يكون مكفراً، ومنها دون ذلك. فصاحب البدعة المكفرة لا يسلم عليه بحال، وصاحب البدعة غير المكفرة فإنه يأخذ حكم أهل المعاصي كما سبق بيانه. وسنورد كلام الشيخ ابن عثيمين في بيان هجر أهل البدع، وكلامه ينزل على مسألة السلام عليهم، ولا فرق فإن الهجر يتضمن ترك السلام إلقاءً ورداً. قال الشيخ: أما هجرهم [أي المبتدعة] فهذا يترتب على البدعة، فإذا كانت البدعة مكفِّرة وجب هجره، وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره إن كان في هجره مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي ﷺ : (لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (٢).
стр. 5818
والأصل في ذلك كله حديث كعب بن مالك-﵁ الطويل في تخلفه عن الغزو مع رسول الله صلى اله عليه وسلم وتوبة الله عليه- وفيه قال كعب: (ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالتي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟) (١).
(٣٣) النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام:
مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا أَلَّا يُبْدَأَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالسَّلَامِ:
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا تبدءوا اليهود و لا النصارى بالسلام و إذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه.
(ولا كلام لأحد بعد هذا النهي الصريح.
مسألة: إذا دعت الحاجة للسلام على أهل الكتاب، فهل يجوز السلام عليهم؟
الجواب: الحديث السابق ظاهر في المنع، ولكن إن احتيج لذلك، فليكن بغير السلام، ككيف أصبحت، أو كيف أمسيت ونحو ذلك.
(قال ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية:
قال الشيخ تقي الدين: إن خاطبه بكلامٍ غير السلام مما يُؤنسه به، فلا بأس بذلك (٢) (قال (النووي ﵀ في الأذكار: قال أبو سعد-المتولي-: لو أراد تحية ذمي، فعلها بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك. قلت [أي: النووي]: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صُبحت بالخير، أو السعادة، أو بالعافية، أو صبحك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة، أو بالمسرة، أو ما أشبه ذلك. وأما إذا لم يحتج إليه، فالاختيار أن لا يقول شيئاً، فإن ذلك بسط له وإيناس وإظهار صورة ود، ونحن مأمورن بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودهم فلا نظهره. والله أعلم (٣).
(٣٤) رد السلام على أهل الكتاب بـ (وعليكم):
стр. 5819
((حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ.
(فالحديث بين لنا أن صفة الرد على أهل الكتاب أن نقول وعليكم.
مسألة: إذا سمعنا الكتابي يقول: (السلام عليكم) بلفظ واضح، فهل نرد عليه بـ (وعليكم) عملاً بظاهر الحديث، أم نرد عليه سلامه ونقول: (وعليكم السلام)؟
الجواب: ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا تحققنا من لفظ السلام ولم نشك فيه فإنه ينبغي علينا أن نرد السلام.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فلو تحقق السامع أن الذي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له، وعليك السلام. فإن هذا من باب العدل، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾. فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما فإنه ﷺ إنما أمر بالاقتصار على قول الراد (وعليكم) بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار إليه في حديث عائشة ﵂ فقال: (ألا ترينني قلت: وعليكم، لما قالوا: السّام عليك) ثم قال: (إذ ا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم) والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه. قال الله تعالى: ﴿وإذا جاءوك حيَّوك بما لم يحيِّك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول﴾. فإذا زال السبب، وقال الكتابي: (سلام عليكم ورحمة الله) فالعدل في التحية أن يرد عليه نظير سلامه. اهـ (١).
(٣٥) جواز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين:
هو مأخوذ من فعل النبي ﷺ ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
стр. 5820
((حديث أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَسَارَ حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ وَفِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ قَالَ لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا فَسَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَوَقَفَ وَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ ... الحديث).
والابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار مجمع على جوازه؛ قاله النووي (١). ولا يعكر على هذا؛ حديث المنع من ابتداء أهل الكتاب بالسلام، فإن ذلك الحديث في ما إذا كان المُسَّلم عليه ذمياً أو كانوا جماعة من أهل الكتاب، أما هنا فإن المجلس فيه مسلمون، ولذلك فإنه يجوز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين بنية السلام على المسلمين فقط. قيل للإمام أحمد ﵁: نعامل اليهود والنصارى ونأتيهم في منازلهم وعندهم قوم مسلمون، أُسلم عليهم؟ قال: نعم، وتنوي السلام على المسلمين (٢). وقال النووي: إذا مرَّ واحد على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفار، فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم (٣).
مسألة: هل يقال لجماعة فيهم مسلمون وكفار عند السلام: السلام على من اتبع الهدى؟
الجواب: لا يقال (السلام على من اتبع الهدى) لجماعة فيهم مسلمون وكفار، بل يسلم عليهم كما سبق وينوي بذلك المسلمين. وحول هذا المعنى قال ابن عثيمين: وإذا كانوا مسلمين ونصارى فإنه يسلم عليهم بالسلام المعتاد يقول السلام عليكم يقصد بذلك المسلمين (٤).
(آداب الاستئذان:
(آداب الاستئذان:
стр. 5821
(للاستئذان آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي ﷺ ، وهاك آداب الاستئذان جملةً وتفصيلا:
(أولاً آداب الاستئذان جملةً:
(١) السنة أن تقديم السلام قبل الاستئذان:
(٢) إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر و يقول السلام عليكم السلام:
(٣) يحرم نظر الرجل في بيت غيره إلا بإذنه:
(٤) الاستئذان ثلاثاً فإن أُذن وإلا رجع المستأذن:
(٥) لا يقل المستأذن (أنا) إذا قيل من هذا:
(٦) ينبغي للمستأذن أن لا يدق الباب بعنف:
(٧) إذا قال رب البيت للمستأذن ارجع، فليرجع:
(٨) لا يدخل المستأذن الدار إن لم يكن بها أحد:
(٩) أن من دعي أو أُرسل إليه رسول، فإنه لا يحتاج إلى الاستئذان:
(١٠) الاستئذان عند إرادة القيام والانصراف من المجلس:
(١١) الاستئذان على الأم والأخت ومن في حكمهما:
(١٢) استحباب تنبيه الزوجة عند الدخول:
(١٣) الطوافون مما ملكت الأيمان والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم؛ يستأذنون في ثلاثة أوقات:
(ثانيا آداب الاستئذان تفصيلا:
(١) السنة أن تقديم السلام قبل الاستئذان:
((حديث كِلْدَةَ بن الحنبل الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال: أتيت النبي ﷺ قد دخلت عليه ولم أُسَلِّم فقال: ارجع فقل السلام عليكم أأدخل.
((حديث عُمَرَ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيَدْخُلُ عُمَرُ.
مَشْرُبَةٍ: بضم الراء وفتحها: غرفة له ﷺ .
(٢) إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر و يقول السلام عليكم السلام:
وذلك حتى لا يقع بصره على موضع لا يحل له النظر إليه، أو على شيء يكره رب الدار لأحد رؤيته.
(حديث عبد الله بن بسر في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم السلام عليكم.
стр. 5822
(حديث سهل بن سعد في الصحيحين) قال: اطَّلع رجلٌ من جحرٍ في حجرِ النبي ﷺ ومع النبي ﷺ مِدْرى يحكُ به رأسه فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر.
(٣) يحرم نظر الرجل في بيت غيره إلا بإذنه:
وذلك لأن الاستئذان لم يشرع إلا من أجل البصر، ومن تعدى واطلع ببصره على ما لا يحل له بغير إذنٍ؛ ففقئت عينه، فإنه لا قصاص ولا دية.
((حديث سهل بن سعد في الصحيحين) قال: اطَّلع رجلٌ من جحرٍ في حجرِ النبي ﷺ ومع النبي ﷺ مِدْرى يحكُ به رأسه فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ.
(٤) الاستئذان ثلاثاً فإن أُذن وإلا رجع المستأذن:
((حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع.
مسألة: إذا استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمعه، فما ذا يفعل المستأذن في هذه الحالة؟
الجواب: قالوا: يرجع عملاً بظاهر الحديث. وقيل: له أن يزيد حتى يتحقق أن صوته سُمع (١). قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأساً أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع (٢).
(٥) لا يقل المستأذن (أنا) إذا قيل من هذا:
وسبب ذلك أن قول المستأذن (أنا) ليس فيه تعريف بالمستأذن، فالإبهام باقٍ على حاله، وقوله (أنا) لم تفد شيئاً، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
стр. 5823
((حديث جابر الثابت في الصحيحين) قال: أتيت النبي ﷺ في دَيْنٍ كان عليّ، فدققت الباب فقال من ذا؟ قلت: أنا، فقال ﷺ : أنا أنا! كأنه كرهها.
(ولا بأس أن يقول المستأذن: أنا فلان، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث بريدة ﵁ الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: خرج النبي ﷺ إلى المسجد وأبو موسى يقرأ، فقال: (من هذا)؟ فقلت: أنا بريدة جُعلتُ فداك فقال: (قد أعطي هذا مزماراً من مزامير آل داود).
(ولا بأس أن يقول المستأذن: أن أبو فلان وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ ﵂ الثابت في الصحيحين) قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ قَالَتْ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ.
(ولا بأس أن يقول أنا القاضي فلان أو الشيخ فلان إذا لم يحصل التعريف بالاسم لخفائه. قاله النووي (١).
﴿تنبيه﴾: (إذا كان اسم المستأذن لا يحصل به التعريف، لاشتراك شخص آخر معه في نفس الاسم، ولم يمكن تمييز الصوت، فإنه يستحب للمستأذن أن يزيل هذا الإبهام ليحصل التعريف، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
стр. 5824
((حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ.
(الشاهد قوله ﷺ أَيُّ الزَّيَانِبِ؟
(٦) ينبغي للمستأذن أن لا يدق الباب بعنف:
لما في ذلك من سوء الأدب، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح الأدب المفرد) أنه قال: (إن أبواب النبي ﷺ كانت تقرع بالأظافير).
(قال ابن حجر ﵀ في الفتح:
وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب، وهو حسن لمن قرب محله من بابه، أما من بعد عن الباب بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه (١).
(أورد ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية عن الميموني قال: إن أبا عبد الله دقَّت عليه امرأة دقاً فيه بعض العنف فخرج وهو يقول: ذا دقُّ الشُرطِ! (٢).
(٧) إذا قال رب البيت للمستأذن ارجع، فليرجع:
стр. 5825
لقوله تعالى: (وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىَ لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [النور: ٢٨].
قال قتادة: قال بعض المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض أخوتي فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط! (١).
(٨) لا يدخل المستأذن الدار إن لم يكن بها أحد:
لأن ذلك تعدي على حقوق الآخرين. قال ابن كثير: وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه فإن شاء أذن وإن شاء لم يأذن (٢).
(٩) أن من دعي أو أُرسل إليه رسول، فإنه لا يحتاج إلى الاستئذان:
وذلك أن توجيه الدعوة وإرسال الرسول يتضمن الأذن، فاستغني بالدعوة والرسول عن الاستئذان.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ.
(واستثنى بعض أهل العلم ما إذا تأخر المدعو عن وقت الدعوة، أو كان في مكان يُحتاج معه في العادة إلى الأذن؛ فإنه يستأذن (٣).
(١٠) الاستئذان عند إرادة القيام والانصراف من المجلس:
وهذا أدبٌ نبوي رفيع، يوجه الزائر إلى سلوك الأدب في الانصراف، فكما أن دخولك كان بإذن فليكن انصرافك بإذن أيضاً. ولعل العلة في ذلك هو خشية وقوع البصر على شيء لا يحل النظر إليه، أو غير مرغوب في رؤيته.
((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إذا زار أحدكم أخاه فجلس عنده، فلا يقومن حتى يستأذنه.
(وفي الحديث تنبيه على أدب رفيع وهو أن الزائر لا ينبغي أن يقوم إلا بعد أن يستأذن المزور، وقد أخل بهذا التوجيه النبوي الكريم كثير من الناس في بعض البلاد العربية، فتجدهم يخرجون من المجلس دون استئذان، وليس هذا فقط بل وبدون سلام أيضاً، وهذه مخالفة لأدب إسلامي آخر، قاله الألباني (٤).
стр. 5826
(١١) الاستئذان على الأم والأخت ومن في حكمهما:
وذلك لكي لا يقع البصر على عورة، أو هيئة تكره النساء أن يراهن أحد وهن على تلك الحالة.
((حديث علقمة الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: جاء رجل إلى عبد الله قال: أأستأذن على أمي؟ فقال: (ما على كل أحيانها تحب أن تراها.
((حديث مسلم بن نذير الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: سأل رجل حذيفة فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: (إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره.
((حديث عطاء الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: سألت ابن عباس فقلت: أستأذن على أختي؟ فقال: نعم، فأعدت فقلت: أُختان في حجري، وأنا أُموِّنهما، وأنفق عليهما، أستأذن عليهما؟ قال: (نعم، أتحب أن تراهما عريانتين؟!).
(١٢) استحباب تنبيه الزوجة عند الدخول:
كي لا يرى الزوج ما يبغضه في زوجه، أو تكون الزوجة على حال لا تود أن يراها زوجها وهي على تلك الحال.
(أورد الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره عن زينب امرأة ابن مسعود-﵂ قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه (١).
(أورد ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية عن أحمد قال: إذا دخل على أهله يتنحنح. وقال منها: سألت أحمد عن الرجل يدخل منزله، ينبغي له أن يستأذن؟ قال: يحرك نعله إذا دخل (٢).
(١٣) الطوافون مما ملكت الأيمان والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم؛ يستأذنون في ثلاثة أوقات:
(الأولى: قبل صلاة الفجر.
(الثانية: وقت القيلولة.
(الثالثة: بعد صلاة العشاء.
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّىَ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ) [النور: ٢٧]
وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ) [النور: ٥٨]
وقال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا اسْتَأْذَنَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) [النور: ٥٩]
стр. 5827
وما عداها فلا جناح عليهما. قال ابن كثير: أي إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم ولا عليهم إن رأوا شيئاً في غير تلك الأحوال لأنه قد أذن لهم في الهجوم ولأنهم طوافون عليكم أي في الخدمة وغير ذلك ... [ثم ساق أثر ابن عباسٍ]: عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في ثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله. ثم جاء الله بعد بالستور فبسط الله عليهم الرزق فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به (١).
( ... آداب لقاء الإخوان:
(آداب لقاء الإخوان:
(للقاء الإخوان آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي ﷺ ، وهاك آداب لقاء الإخوان جملةً وتفصيلا:
(أولاً آداب لقاء الإخوان جملةً:
(١) استحباب المصافحة:
(٢) استحباب عدم نزع اليد عند المصافحة حتى يكون الآخر هو البادئ بذلك:
(٣) القيام تحية للقادم:
(٤) هل يقبل الرجلُ الرجلَ عند لقائه؟:
(٥) تحريم الانحناء أو السجود عند التحية:
(ثانيا آداب لقاء الإخوان تفصيلا:
(١) استحباب المصافحة:
تكون سبباً في غفران الذنوب، والمصافحةُ رغب فيها النبي ﷺ ، وعمل بها صحابته-رضوان الله عليهم-، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث البراء الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا.
стр. 5828
((حديث ابن عباس ﵄ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إذا لقي المسلم أخاه المسلم، فأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما من بين أصابعهما كما يتناثر ورق الشجر بالشتاء.
((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض قال لا قلنا أيعانق بعضنا بعضا قال لا ولكن تصافحوا.
((حديث أنس أبن مالك ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا.
((حديث قَتَادَةَ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ نَعَمْ.
((حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: لَمَّا جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالْمُصَافَحَةِ.
((حديث البراء بن عازب ﵁ الثابت في صحيح الأدب المفرد موقوفا) قال: (من تمام التحية أن تصافح أخاك).
(والمصافحة سنة عند التلاقي، وهو توكيد للسلام. جاء في الأدب المفرد: واعلم أن التصافح عند الملاقاة للتأنيس وتوكيد التسليم القولي، فإن التسليم إيذان بالأمن قولاً والتصافح نحو بيعة وتلقين على ذلك وتوكيد لما تلفظاه بالتسليم ليكون كل من المتلاقيين على أمن من صاحبه (١).
وبعد ذكر الآثار الدالة على جواز المصافحة، والمرغبة فيها، فلا نظنُ بمسلمٍ يبخل على نفسه بخيرٍ، أو يرغب عن سنة!.
مسألة: اعتاد بعض الناس أن يسلموا على من بجانبهم أدبار الصلوات المكتوبات، فهل ذلك الفعل مشروع؟
الجواب: السلام أدبار الصلوات المكتوبات، ليس بمشروع، ولم يعهد عن النبي ﷺ ، ولا عن الخلفاء الراشدين، ولا عن صحابته الكرام، والعمل بها إحداث في الدين لم يأذن به الله.
стр. 5829
قال فضل الله الجيلاني: قال ابن عابدين: إن المواظبة عليها بعد الصلوات الخمس خاصة قد تؤدي بالجهلة إلى اعتقاد سنيتها في خصوص هذا المواضع، وأن لها خصوصية زائدة على غيرها، مع أن ظاهر كلامه أنه لم يفعلها أحد من السلف في هذه المواضع. وفي الملتقط: تكره المصافحة بعد أداء الصلاة بكل حال، لأن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ذلك، ولأنها من سنن الروافض. وعن الشافعية أنها بدعة: لا أصل لها في الشرع، وأنه ينهى فاعلها أولاً ويعزر ثانياً. وفي المدخل: أنها من البدع، وموضع المصافحة في الشرع هو إنما عند لقاء المسلم لأخيه، لا في أدبار الصلوات، فحيث يضعها الشرع يضعها. فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى به خلاف السنة (١).
﴿فائدة﴾: (عند البخاري في الأدب المفرد عن سلمة بن وردان قال: (رأيت أنس ابن مالك-﵁ يسلم على الناس، فسألني من أنت؟ فقلت: مولى لبني ليث، فمسح على رأسي ثلاثاً وقال: (بارك الله فيه) (٢). فعلى هذا يستحب السلام على الصبيان لما فيه من الرحمة بهم، والحنو عليهم، وتعويدهم على الخير. وفي مسح أنس ﵁ على رأس الغلام دليل على شفقته ورحمته بالصبيان.
(تحريم مصافحة المرأة الأجنبية:
((حديث معقل ابن يسار في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال لأن يُطعنَ في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد خيرٌ له من أن يمس امرأة لا تحل له.
((حديث أميمة بنت رقيقة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إني لا أصافح النساء.
(قال ابن عبد البر: في قوله: (أني لا أصافح النساء)، دليل على أنه لا يجوز لرجل أن يباشر امرأة لا تحل له، ولا يمسها بيده، ولا يصافحها (٣).
стр. 5830
﴿فائدة﴾: (يعتقد بعض الناس أنه يجوز مصافحة المرأة الأجنبية من وراء حائل ونحوه، وهذا اعتقاد خاطئ، فلا يجوز مصافحة النساء الأجنبيات مطلقاً. نعم، هناك آثار وردت عن النبي ﷺ أنه كان يبايع النساء من فوق ثوبه، ولكنها مراسيل لا تقوى على دفع الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تمنع من مصافحة الاجنبيات. قال الألباني: وقد روي في ذلك بعض الروايات الأخرى ولكنها مراسيل كلها ذكرها الحافظ في الفتح (٨/ ٤٨٨)، فلا يحتج بشيء منها لا سيما وقد خالفت ما هو أصح منها ... (١).
(٢) استحباب عدم نزع اليد عند المصافحة حتى يكون الآخر هو البادئ بذلك:
لما رواه أنس بن مالك-﵁ أنه قال: (كان النبي ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجلُ الذي ينزع ... الحديث) (٢). وفي الحديث استحباب المصافحة وإطالة المعاقدة بحيث لا يكون فيه مشقة.
مسألة: لو تصافح اثنان وأطالا المعاقدة فمن ينزع أولاً؟
(قال ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية:
قال الشيخ تقي الدين: الضابط أن من غلب على ظنه أن الآخر سينزع أمسك، وإلا فلو استحب الإمساك لكل منهما أفضى إلى دوام المعاقدة، لكن تقييد عبد القادر حسن (٣) أن النازع هو المبتدئ (٤).
(٣) القيام تحية للقادم:
القيام على ثلاثة أنحاء: الأول: قيام على رأس الرجل وهو فعل الجبابرة، والثاني: قيام إليه عند قدومه ولا بأس به، والثالث: قيام عند رؤيته وهو المتنازع فيه، قاله ابن القيم (٥).
فدليل الأول: الحديث الآتي:
стр. 5831
((حديث جَابِرٍ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ فَلَا تَفْعَلُوا ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا.
(وهذا القيام منهي عنه بلا ريب والحديث صريح في منع قيام الناس على أكابرها وعظمائها، وهو فعل الجبابرة.
إلا إذا دعت الحاجة لذلك، كأن يخاف على الرجل أن يعتدى عليه فلا بأس أن يقوم عليه القائم، وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد فيه إكرامه وإهانة العدو، مثل ما حصل من المغيرة بن شعبة ﵁ في صلح الحديبية حينما كانت قريش تراسل النبي ﷺ ، للمفاوضة فيما بينهم، كان المغيرة بن شعبة ﵁ واقفاً على رأس الرسول ﷺ ، وبيده السيف تعظيماً لرسول الله ﷺ وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة، قاله ابن عثيمين (١).
ودليل الثاني: ما رواه مالك في موطأه في قصة إسلام عكرمة ابن أبي جهل -وفيه-: ( ... فأسلم وقدم على رسول الله ﷺ عام الفتح، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه ... الحديث) (٢). وسبق ذكر قصة توبة كعب وفيه قيام طلحة له مهنئاً. قال: (دخلت المسجد فإذا برسول الله ﷺ ، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني) (٣)
ودليل الثالث-المتنازع فيه وهو القيام عند الرؤية -:
((حديث معاوية الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من سرَّه أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار.
стр. 5832
وهذا الحديث انقسم أهل العلم في فهمه إلى ثلاثة فرق، الأولى: ذهبت إلى أن هذا الحديث دليل على كراهة القيام على العظماء كما يُفعل عند عظماء فارس والروم، والحقوا هذا الحديث بحديث مسلم في كراهة القيام على رأس الجالس كما تفعله الأعاجم بعظمائها.
والفرقة الثانية: استدلت به على كراهة القيام للقادم، وذهبت إلى أن النص صريحٌ في ذلك، فمعاوية ﵁ أورد هذا الحديث عندما قام ابن عامر لرؤيته، فإيراده لهذا الحديث عند هذا الحدث قرينةٌ قوية تبين المراد من الحديث. ثم إن عدم إنكار ابن الزبير على معاوية-﵄ دليل على استقرار ذلك عنده أيضاً.
وردت هذه الفرقة على من حمل حديث معاوية، بأنه قيام على رأس الجالس، بأوجه منها:
[الوجه الأول:] إن العرب لم يكونوا يعرفون هذا-أي القيام على رأس الجالس-، وإنما هو من فعل فارس والروم.
[الوجه الثاني:] ولأن هذا لا يقال له: قيام للرجل، إنما هو قيام عليه. ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه، والقيام عليه: المشبه لفعل فارس والروم، والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة عند العرب، قاله ابن القيم (١).
والفرقة الثالثة: فصَّلت في ذلك فقالت: إن كان القيام على وجه التعظيم فمكروه، وإن كان على وجه الإكرام فلا يكره، قاله الغزالي، وحسن قوله ابن حجر (٢).
وجماع هذا الأمر أوجزه ابن تيمية ﵀ فقال: لم تكن عادة السلف على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين: أن يعتادوا القيام كلما يرونه ﵇، كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك (٣).ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له، كما روي عن النبي ﷺ أنه قام لعكرمة، وقال للإنصار لما قدم سعد بن معاذ، (قوموا إلى سيدكم) (٤). وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه.
стр. 5833
والذي ينبغي للناس: أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ ، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى، وهدي خير القرون إلى ما هو دونه. وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد. وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له فحسن.
وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لا اعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك أصلح لذات البين، وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة: فليس في ترك ذلك إيذاء له (١).
(وقال ابن حجر ﵀ في الفتح:
وفي الجملة متى صار ترك القيام يشعر بالاستهانة أو يترتب عليه مفسدة امتنع، وإلى ذلك أشار ابن عبد السلام (٢).
(٤) هل يقبل الرجلُ الرجلَ عند لقائه؟:
لم تكن عادة السلف من الصحب ومن بعدهم، أن يقبلوا بعضهم بعضاً عند اللقاء كما هو الحال اليوم، والآثار التي فيها ذكر التقبيل عند اللقاء لا تقوى على رد الحديث الصريح الذي ينهى عن التقبيل عند اللقاء، ورد الألباني على هذه الأحاديث من وجهين مفادهما: أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها
((حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ قَالَ لَا قَالَ أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ لَا قَالَ أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ قَالَ نَعَمْ.
(والحديث صريح في النهي عن الإنحناء والتقبيل عند اللقاء المعتاد. ولكن لا يمنع من المعانقة عند لقاء المسافر والغائب، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث جابر ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: لما قدم جعفر من الحبشة عانقه النبي ﷺ .
﴿فائدة﴾: (قبلة الوالد لولده من تمام العطف والمحبة، فقد كان النبي ﵌ يقبل أولاده، وقبل الحسن والحسين، وقبل أبو بكر ابنته عائشة، وهذه أخبار مشهورة، استغنينا بشهرتها عن تخريجها وردها إلى مصادرها.
﴿فائدة٢﴾: (تقبيل اليد، أجازها بعض العلماء على طريق التدين.
стр. 5834
(أورد ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية عن المروذي قال: سألتُ أبا عبد الله عن قبلة اليد فقال: إن كان على طريق التدين، فلا بأس؛ قد قَبَّلَ أبو عبيدة يدَ عمر بن الخطاب ﵄، وإن كان على طريق الدنيا فلا، إلا رجلاً يخاف سيفه وسوطه ... وقال عبد الله بن أحمد: رأيتُ كثيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين وبني هاشم وقريش والأنصار يقبَّلونه -يعني أباه-: بعضهم يده وبعضهم رأسه (١).
وكره آخرون تقبيل اليد وسموها السجدة الصغرى. قال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى، وأما ابتداءُ الإنسان بمدِّ يده للناس ليقبلوها وقصده لذلك، فهذا ينهى عنه بلا نزاع كائناً من كان، بخلاف ما إذا كان المقبل هو المبتدئ بذلك (٢).
(٥) تحريم الانحناء أو السجود عند التحية:
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض قال: لا، قلنا أيعانق بعضنا بعضا قال لا ولكن تصافحوا.
(والحديث صريح في النهي، ولا صارف له، وهو يقتضي التحريم. فلا يجوز الانحناء لمخلوق أبداً لأن ذلك لا يكون إلا للخالق جل وعلا، والسجود من باب أولى.
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
وأما الانحناء عند التحية: فينهى عنه، كما في الترمذي عن النبي ﵌ أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال: لا) ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله (٣).
стр. 5835
وأما السجود فلا يرتاب عاقل في صرفه لله- دون غيره، وفيه من العبودية ما ليس في الانحناء، فإنه ليس من هيئة يجتمع فيها معاني الذل والخضوع والاستكانة والعبودية كما في السجود؛ ولذا جاء في حديث ابن عباس عن رسول الله ﷺ : (وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم) (١). وقوله: (قمنٌ) أي حقيق وجدير أن يستجاب هذا الدعاء. ولما كان السجود فيه من التعظيم ما فيه كان فعله لغيره حراماً. والدليل على ذلك أنه لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي ﷺ ، قال: (ما هذا يا معاذ؟) قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله ﷺ : (فلا تفعلوا فإني لوكنتُ آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه) (٢).
فائدة في السجود: يضع المسلم وجهه وهو أكرم الأعضاء وأشرفها عنده على الأرض التي هي مواطئ الأقدام، إجلالاً لله وتعظيماً لله وعبودية لله، ويجد المؤمن في قلبه من اللذة عند التضرع إلى الله حال السجود ما لا يجده في موضع آخر. فسبحان من سجد له المصلون في الأرض ونزهوه عن السفول بقولهم: (سبحان ربي الأعلى).
( ... آداب زيارة الإخوان:
(آداب زيارة الإخوان:
(لزيارة الإخوان آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي ﷺ ، وهاك آداب زيارة الإخوان جملةً وتفصيلا:
(أولاً آداب زيارة الإخوان جملةً:
(١) أن تكون الزيارة في غير الأوقات الثلاثة التي في آية الاستئذان:
(٢) لا يؤم الزائر صاحب البيت ولا يجلس على فراشه إلا بإذنه:
(٣) إغباب الزيارة:
(ثانيا آداب زيارة الإخوان تفصيلا:
(١) أن تكون الزيارة في غير الأوقات الثلاثة التي في آية الاستئذان:
стр. 5836
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ مّن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مّنَ الظّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَآءِ) [النور: ٥٨]
أرشد الله المؤمنين أن يمنعوا خدمهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، من الدخول عليهم في أوقات العورات الثلاثة، وهي: من قبل صلاة الفجر، ووقت القيلولة، ومن بعد صلاة العشاء. والعلة في ذلك أن هذه الأوقات مظنة النوم، والإخلاد إلى الراحة، والإفضاء إلى الأهل، فلذلك حصل المنع من الدخول في هذه الأوقات إلا بإذن. والزيارة في أحد هذه الأوقات الثلاثة لا شك أنها تعكر على أهل البيت صفوهم، وتقلق راحتهم، وتسبب لهم الحرج لأن الناس في الغالب لا يكونون مستعدين لاستقبال أحد في هذه الأوقات. ويخرج من ذلك ما لو كان الإنسان مدعواً لوليمة طعام الغداء أو العشاء فهذا ليس من هذا. ولعلنا نستأنس في هذا بحديث وأثر.
((حديث عَائِشَةَ ﵂ الثابت في صحيح البخاري) قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ.
الشاهد: هو قدوم النبي ﷺ في وقتٍ ليس بوقت زيارة، وهو وقت القيلولة، وتعجب أبو بكر من قدوم النبي ﵌ في هذه الساعة دلالة على أن هذا الوقت ليس بوقت زيارة عندهم.
(وأما الأثر ما رواه ابن عباس عن نفسه وفيه: (قال: فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائلٌ فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح على وجهي التراب ... ) (١).
الشاهد: أن ابن عباس مع حرصه على طلب العلم، واغتنام الأوقات، إلا أنه آثر أن ينتظر حتى يخرج إليه من يريد، لأن مجيئه كان في وقت القيلولة وهو وقت راحة القوم.
стр. 5837
(أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن ابن مسعود قال: «كنا إذا فقدنا الأخ أتيناه، فإن كان مريضا كان عيادة، وإن كان مشغولا كان عونا، وإن كان غير ذلك كان زيارة»
(٢) لا يؤم الزائر صاحب البيت ولا يجلس على فراشه إلا بإذنه:
وذلك لأن الرجل في بيته أحق من غيره، فكانت إمامة الصلاة، والجلوس على فراشه المعد له، لا يكون إلا بإذنه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أبي مسعود الأنصاري الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ (١) إِلَّا بِإِذْنِهِ.
[وفي رواية: إلا أن يأذن لك أو بإذنه]) (٢).
(قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
معناه ... أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه، وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم وإن شاء قدم من يريده، وإن كان الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء (٣).
(٣) إغباب الزيارة:
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: زُر غِباً تزدد حُباً)
أما الصديق الملاطف فيستثنى من ذلك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
стр. 5838
((حديث عَائِشَةَ ﵂ الثابت في صحيح البخاري) قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ.
قال ابن بطال: الصديق الملاطف لا يزيده كثرة الزيارات إلا محبة، بخلاف غيره (١).
(أورد ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية عن ابن عبد البر قال:
أزور خليلي ما بدالي هَشُّهُ ... وقابلني منه البشاشةُ والبشرُ
فإن لم يكن هشٌ وبشٌ تركتُهُ ... ولو كان في اللقيا الولايةُ والبشرُ (٢)
( ... آداب الضيافة:
(آداب الضيافة:
(لآداب الضيافة آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي ﷺ ، وهاك آداب الضيافة جملةً وتفصيلا:
(أولاً آداب الضيافة جملةً:
(١) إجابة الدعوة:
(٢) إكرام الضيف واجب:
(٣) استحباب الترحيب بالضيوف:
(٤) ماذا يقول الضيف إذا تبعه من لم يُدعى:
(٥) لا ينبغي التكلف للضيف كثيراً بحيث يخرج عن حده المعقول:
(٦) الدخول بإذن والانصراف بعد الفراغ من الطعام:
(٧) تقديم الأكبر فالأكبر، وتقديم الأيمن فالأيمن:
(٨) دعاء الضيف لمن استضافه بعد الفراغ من الطعام:
(٩) استحباب الخروج مع الضيف إلى باب الدار:
(١٠) إكرام كريم القوم:
(ثانيا آداب الضيافة تفصيلا:
(١) إجابة الدعوة:
قد جاءت أحاديث كثيرة في إيجاب إجابة الدعوة، منها ما يلي:
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ.
стр. 5839
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: حق المسلم على المسلم ست قيل ما هن يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه.
((حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل و إن كان صائما فليدع بالبركة.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها.
((حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين.
(وجمهور أهل العلم على أن إجابة الدعوة مستحبة إلا دعوة العرس فإنها واجبة عندهم بدلالة الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
(ولكن اشترط بعض أهل العلم شروطاً لحضور هذه مثل الدعوات، ساقها الشيخ محمد ابن صالح العثيمين فقال:
أ- أن يكون الداعي ممن لا يجب هجره أو يسن.
ب- ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر فإن أمكنه إزالته وجب عليه الحضور لسببين: إجابة الدعوة، وتغيير المنكر. وإن كان لا يمكنه إزالته حرم عليه الحضور.
ت- أن يكون الداعي مسلماً، وإلا لم تجب الإجابة لقوله ﵌ (حق المسلم على المسلم ست ... ) وذكر منها (إذا دعاك فأجبه).
ث- أن لا يكون كسبه حراماً؛ لأن إجابته تستلزم أن تأكل طعاماً حراماً وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم. وقال آخرون: ما كان محرماً لكسبه فإنما إثمه على الكاسب لا على من أخذه بطريق مباح من الكاسب، بخلاف ما كان محرماً لعينه كالخمر والمغصوب ونحوهما وهذا القول وجيه [ثم ساق الأدلة].
ج- أن لا تتضمن الإجابة إسقاط واجب أو ما هو أوجب منها، فإن تضمن ذلك حرمت الإجابة.
ح- أن لا تتضمن ضرراً على المجيب، مثل: أن يحتاج إلى سفر أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم (١).
стр. 5840
(ونزيد أيضاً:
خ- أن لا يعين الداعي المدعو ولا يخصه بالدعوة، فإن لم يعينه كأن يتكلم الداعي في مجلس عام، فلا تجب حينئذٍ هذه الدعوة، لأنها دعوة الجَفَلَى (١).
مسألة: هل بطاقات الدعوة التي توزع كالدعوة بالمشافهة؟
الجواب: البطاقات [التي] ترسل إلى الناس ولا يدرى لمن ذهبت إليه فيمن أن نقول إنها تُشبه دعوة الجَفَلَى فلا تجب الإجابة، أما إذا علم أو غلب على الظن أن الذي أرسلت إليه مقصود بعينه فإنه لها حكم الدعوة بالمشافهة. قاله ابن عثيمين (٢).
﴿فائدة﴾: (الصيام لا يمنع من إجابة الدعوة. فمن دُعي وهو صائم فليجب الدعوة وليدعو لهم بالمغفرة والبركة، سواءٌ كان صومه فرضاً أم نفلاً، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إذا دُعيَ أحدكم إلى طعامٍ وهو صائم، فليقل إني صائم)
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ.
((حديث أم هانئ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: (الصائمُ المتطوع أمينُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر)
((حديث أم هانئ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: (الصائمُ المتطوع أميرُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر)
((حديث عائشة الثابت في صحيح مسلم) قالت: يا رسول الله أهدى لنا حيسٌ فقال: أرينه فلقد أصبحتُ صائماً فأكل)
(قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إن كان صومه فرضاً لم يجز له الأكل لأن الفرض لا يجوز الخروج منه، وإن كان نفلاً جاز له الفطر وتركه، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر وإلا فإتمام الصوم والله أعلم (٣).
(٢) إكرام الضيف واجب:
стр. 5841
إكرام الضيف واجب، وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة
قال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىَ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ) [الذاريات: ٢٤:٢٧]
((حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ.
((حديث أبي شريح الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته (١) يومٌ وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوِي عنده حتى يُحْرِجه.
(ذكر النووي الإجماع على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام (٢). ثم بين خلاف العلماء في وجوبها وسنيتها، فمالك والشافعي وأبو حنيفة يرون أنها سنة وليست بواجبة وحملوا الأحاديث على أشباهها من الأحاديث الأخرى كحديث غسل الجمعة واجب على كل محتلم وغيره. وقال الليث وأحمد بوجوب الضيافة يوماً وليلة، وقيد أحمد ذلك على أهل القرى والبادية دون المدن.
стр. 5842
﴿فائدة﴾: (في الحديث النهي عن بقاء الضيف أكثر من ثلاثة أيام، حتى لا يوقع من استضافه في الإثم إما بالظن به ما لا يجوز، أو اغتيابه، أو نحو ذلك. قال الخطابي: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد ثلاثة أيام من غير استدعاء حتى يضيق صدره فيبطل أجره (١). وقال ابن الجوزي عند قوله (حتى يؤثمه): وذلك أنه إذا لم يكن له ما يقريه به تسخط بإقامته، وربما ذكره بقبيح، وربما أثم في كسب ما ينفقه عليه (٢). ولكن يستثنى من ذلك إذا علم الضيف أن من ضيفه لا يكره ذلك، أو أنه طلب منه المكوث أكثر من ذلك. أما إذا شك الضيف في حال المضيف فالأولى له أن لا يبقى بعد الثلاث.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن نافع بن أبي نعيم قال: قال رجل ممن قد أدرك الجاهلية قدمت المدينة فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار دليم وهو جد سعد ابن عبادة بن دليم سيد الخزرج ثم ضرب الزمان من ضربه فقدمت المدينه فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار عبادة ثم ضرب الزمان من ضربه فقدمتها فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار سعد.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الحسن بن عيسى بن ماسرجس قال صحبت ابن المبارك من خراسان إلى بغداد فما رأيته أكل وحده.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان من دعاء قيس ابن سعد بن عبادة اللهم ارزقني مالا وفعالا فإنه لا يصلح الفعال إلا المال.
(٣) استحباب الترحيب بالضيوف:
قال تعالى: (وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىَ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) [سورة: هود - الآية: ٦٩]
الشاهد: قوله تعالى [فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ]
[*] قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره:
قوله تعالى: [فما لبث أن جاء] التقدير: فما لبث عن أن جاء، أي ما أبطأ عن مجيئه بعجل
[بِعِجْلٍ حَنِيذٍ] أي مشوي، وقال رحمه الله تعالى: في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه، فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جدة، ولا يتكلف ما يضر به. والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين والصالحين. وإبراهيم أول من أضاف الضيف.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب وكان له غلام لَحَّام فرأى رسول الله ﷺ فعرف في وجهه الجوع فقال لغلامه ويحك اصنع لنا طعاما لخمسة نفر فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ خامس خمسة قال فصنع ثم أتى النبي ﷺ فدعاه خامس خمسة واتبعهم رجل فلما بلغ الباب قال النبي ﷺ إن هذا اتبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع قال لا بل آذن له يا رسول الله.
(وفي الحديث فوائد نسوق منها ما نحن بصدده. ففيه أن من دعا قوماً متصفين بصفة ثم طرأ عليهم من لم يكن معهم حينئذٍ أنه لا يدخل في عموم الدعوة ... وفيه أن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وإن من قصد التطفيل لم يمنع ابتداءً (١) لأن الرجل تبع النبي ﷺ فلم يرده لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له. قاله ابن حجر (٢).
(٥) لا ينبغي التكلف للضيف كثيراً بحيث يخرج عن حده المعقول:
وذلك لأن التكلف عموماً منهيٌ عنه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أَنَسٍ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ (٣).
((حديث سلمان الثابت في صحيح الجامع) قال: نهى النبي ﷺ عن التكلف للضيف.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(نهى عن التكلف للضيف) أي أن يتكلف المضيف له ضيافة فوق ما يليق بالحال لما فيه من الإضرار بل لا يمسك موجوداً ولا يتكلف مفقوداً ولا يزيد على عادته.
(وليس هناك حدٌ معتبر لقولنا هذا فيه تكلف أو ليس فيه تكلف، وإنما المرجع في ذلك إلى العرف، فما تعارف الناس على أمرٍ وعدوه تكلفاً، فهو تكلف، وما لا فلا. وصنع الطعام للضيف يكون بالقدر الذي يفي بالمقصود بلا إسراف ولا تقتير، وخير الأمور أوسطها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
стр. 5845
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة.
((حديث جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: طعام الواحد يكفي الإثنين وطعام الإثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية.
((حديث جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي.
((حديث وَحْشِيٍّ ابن حرب الثابت في صحيح ابن ماجة) أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّه يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ.
(وأما ما يعهد اليوم من إسراف بعض الناس في ولائمهم، والتكلف بها، وإخراجها عن حدها المشروع، فحدث ولا حرج! بل إن بعضهم أصبح في سباق مع غيره أيهما يغلب صاحبه، كثرة تنويع الأصناف، وتكثيرها، والمبالغة فيها، حتى يُقال فلان ابن فلان فعل كذا وكذا، ولا شك أن هذا فعلٌ مذموم، ولا يجوز أكل مثل هذا الطعام، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ الثابت في صحيح أبي داوود) إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ.
(قال الخطابي: المتباريان هما المتعارضان بفعليهما يقال تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل فعل صاحبه ليرى أيهما يغلب صاحبه، وإنما كُره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهى الله عنه من أكل المال بالباطل (١).
(٦) الدخول بإذن والانصراف بعد الفراغ من الطعام:
وهذا أدبٌ بينه القرآن قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النّبِيّ إِلاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىَ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) [الأحزاب: ٥٣]
стр. 5846
حيث نهى الله المؤمنين أن يدخلوا بيوت النبي إلا بإذن، والمؤمنون كذلك لا يدخلوا بيوت بعضهم إلا بإذن فالنهي يدخل فيه جميع المؤمنين. قال الشوكاني: فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي ﷺ ، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله لهم في ذلك فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج الطعام (١). وكانت عادتهم في الجاهلية أنهم يأتون إلى الوليمة مبكرين جداً ينتظرون نضج الطعام، فنهاهم الله عن ذلك بقوله: ﴿غير ناظرين إناه﴾ أي: غير منتظرين نضجه وإدراكه (٢).
ثم بين الله- أن من أصاب حاجته من الطعام فلينصرف ولا يجلس مستأنس لحديث، لأن ذلك فيه إيذاءٌ للنبي ﵌. وكذلك بقية الناس فالغالب أنهم يتأذون من بقاء المدعوين بعد الفراغ من الطعام، فلا ينبغي المكث لهم، إلا يكون رب البيت يرغب في بقائهم، أو أن تكون عادة القوم كذلك، ولم يكن هناك مشقة ولا أذى فلا بأس بذلك؛ لأن العلة التي من أجلها جاء النهي انتفت.
(٧) تقديم الأكبر فالأكبر، وتقديم الأيمن فالأيمن:
ينبغي على من أضاف قوماً أن يقدم أكبرهم ويخصه بمزيد عناية، وذلك لحث النبي ﵌ على ذلك في أيما حديث، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ.
((حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يوقر كبيرنا.
((حديث أبي موسى الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن من إجلالِ الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم و حاملَ القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرامَ ذي السلطان المقسط.
((حديث عبادة بن الصامت ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من لم يجل كبيرنا و يرحم صغيرنا! ويعرف لعالمنا حقه.
стр. 5847
((حديث جابر ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَمَرَنِي جِبْرِيْلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ.
((حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي.
((حديث أنس ابن مالك ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: أنها حلبت لرسول الله شاة داجن، وهي في دار أنس بن مالك، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطى رسول الله القدح فشرب منه، حتى إذا نزع القدح من فيه، وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر، وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك، فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه، ثم قال: (الأيمن فالأيمن).
((حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: أتي رسول الله بقدح فشرب، وعن يمينه غلام هو أحدث القوم، والأشياخ عن يساره، قال: (يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ). فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه.
﴿تنبيه﴾: (حديث سهل بن سعد السابق فهو وإن كان يُفيد تقديم الأيمن فالأيمن صغيراً كان أو كبيراً، إلا أنه لا يعارض أحاديث تقديم الكبير على من دونه، ويمكن الجمع بينهما فنقول:
أن تقديم الأيمن يُنزل على من شرب شيئاً وبقي منه فضله، فيعطي من على يمينه إلا أن يأذن. وحول هذا المعنى يُشير ابن عبد البر فقال: وفيه (١) من أدب المواكلة والمجالسة، أن الرجل إذا أكل أو شرب، ناول فضله الذي على يمينه كائناً من كان، وإن كان مفضولاً، وكان على يساره فاضلاً (٢) وتقديم الأكبر يُنزل على تقديم الشراب أو الطعام ابتداءً، ثم يليه من كان على يمينه. ولعل هذا القول يتقوى بما رواه ابن عباس ﵄ فقال: (كان رسول الله ﷺ إذا سقى قال ابدءوا بالكبير) (٣) وفي هذا جمعٌ بين الأدلة والله أعلم.
(٨) دعاء الضيف لمن استضافه بعد الفراغ من الطعام:
стр. 5848
من سنة النبي ﵌ أنه كان إذا أكل طعاماً عند قومٍ دعا لهم، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث عبد الله بن بسر ﵄ الثابت في صحيح مسلم) قال: نزل رسول الله ﷺ على أبي قال فقربنا إليه طعاما ووطبة فأكل منها ثم أتي بتمر فكان يأكله ويلقي النوى بين إصبعيه ويجمع السبابة والوسطى قال شعبة هو ظني وهو فيه إن شاء الله إلقاء النوى بين الإصبعين ثم أتي بشراب فشربه ثم ناوله الذي عن يمينه قال فقال أبي وأخذ بلجام دابته ادع الله لنا فقال اللهم بارك لهم في ما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم.
((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة.
((حديث المقداد بن الأسود ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: اللهمَّ أطعِم من أطعمني, وأسقِ من سقاني.
(٩) استحباب الخروج مع الضيف إلى باب الدار:
وهذا من تمام الضيافة، وحسن الرعاية للضيف، وتأنيسه حتى يغادر الدار. و لا يثبت في ذلك خبر مرفوع صحيح يُعول عليه، إنما هي آثار عن سلف هذه الأمة وأئمتهم، نقتصر على واحدٍ منها:
(أورد ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية أن أبا عبيد القاسم بن سلام زار أحمد بن حنبل .. قال أبو عبيد (فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله، فقال: قال الشعبي: من تماما زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه ... ) (١).
(١٠) إكرام كريم القوم:
((حديث ابن عمر ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إذا أتاكم كريم قوم) أي رئيسهم المطاع فيهم المعهود منهم بإكثار الإعظام وإكثار الاحترام
стр. 5849
(فأكرموه) برفع مجلسه واجزال عطيته ونحو ذلك مما يليق به لأن الله تعالى عوده منه ذلك ابتلاء منه له فمن استعمل معه غيره فقد استهان به وجفاه وأفسد عليه دينه فإن ذلك يورث في قلبه الغل والحقد والبغضاء والعداوة وذاك يجر إلى سفك الدماء وفي إكرامه اتقاء شره وإبقاء دينه فإنه قد تعزز بدنياه وتكبر وتاه وعظم في نفسه فإذا حقرته فقد أهلكته من حيث الدين والدنيا وبه عرف أنه ليس المراد بكريم القوم عالمهم أو صالحهم كما وهم البعض، ألا ترى أنه لم ينسبه في الحديث إلى علم ولا إلى دين؟ ومن هذا السياق انكشف أن استثناء الكافر والفاسق كما وقع لبعضهم منشؤه الغفلة عما تقرر من أن الإكرام منوط بخوف محذور ديني أو دنيوي أو لحوق ضرر للفاعل أو للمفعول معه فمتى خيف شيء من ذلك شرع إكرامه بل قد يجب فمن قدم عليه بعض الولاة الظلمة الفسقة فأقصى مجلسه وعامله معاملة الرعية فقد عرض نفسه وماله للبلاء فإن أوذي ولم يصبر فقد خسر الدنيا والآخرة، وقد قيل: دارهم ما دمت في دارهم * وحيهم ما دمت في حيهم [ص ٢٤٢] وقال ﷺ " بعثت بمداراة الناس ".
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿: إذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ﴾ قَالَ: نَعَمْ هَكَذَا يُرْوَى قُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ السُّوءُ وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي هَذَا وَاحِدٌ قَالَ: لَا قُلْت: فَإِنْ كَانَ رَجُلَ سُوءٍ يُكْرِمُهُ , قَالَ: لَا , وَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ حَضَرَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَمَعَهُ إبْرَاهِيمُ سِيلَانُ فَرَأَيْته قَدَّمَ الْغُلَامَ , وَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ قَدَّمَهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَانَ حَدِيثَ السِّنِّ فَجَعَلَ الْفَتَى يَمْتَنِعُ , وَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَأْتِي حَتَّى قَدَّمَهُ.
стр. 5850
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْت أَبِي إذَا جَاءَ الشَّيْخُ وَالْحَدَثُ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَشْرَافِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ فَيَكُونُوا هُمْ يَتَقَدَّمُونَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: رَأَيْته جَاءَ إلَيْهِ مَوْلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ فَأَلْقَى لَهُ مِخَدَّةً وَأَكْرَمَهُ وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ مَنْ يُكْرَمُ عَلَيْهِ يَأْخُذُ الْمِخَدَّةَ مِنْ تَحْتِهِ فَيُلْقِيهَا لَهُ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إعْظَامًا لِإِخْوَانِهِ وَمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ , لَقَدْ جَاءَهُ أَبُو هَمَّامٍ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ فَأَخَذَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِالرِّكَابِ وَرَأَيْته فَعَلَ هَذَا بِمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْ الشُّيُوخِ. أهـ
( ... آداب المجالس:
(آداب المجالس:
(لآداب المجالس آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي ﷺ ، وهاك آداب المجالس جملةً وتفصيلا:
(أولاً آداب المجالس جملةً:
(١) فضل ذكر الله في المجالس والنهي عن مجالسٍ لا يذكر فيها اسمه:
(٢) اختيار رفيق المجلس:
(٣) السلام على أهل المجلس عند القدوم، والانصراف:
(٤) لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مَقْعَدِه ثم يجلس فيه:
(٥) من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به:
(٦) التفسح في المجالس:
(٧) لا يَجْلَس بين رجلين إلا بإذنهما:
(٨) يجلس حيث ينتهي:
(٩) النهي عن تناجي اثنين دون الثالث:
(١٠) النهي عن سماع الحديث بدون إذن:
(١١) الجلوس المنهي عنه:
(١٢) النهي عن كثرة الضحك:
(١٣) كراهية التجشؤ (١) بحضرة الآخرين:
(١٤) استحباب ختم المجالس بكفارة المجلس:
(١٥) جواز قيام الرجل لأخيه احتراماً:
(ثانيا آداب المجالس تفصيلا:
(١) فضل ذكر الله في المجالس والنهي عن مجالسٍ لا يذكر فيها اسمه:
جاء النهي الشديد عن مجالس لا يذكر فيها اسم الله، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة