← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

حيث نهى الله المؤمنين أن يدخلوا بيوت النبي إلا بإذن، والمؤمنون كذلك لا يدخلوا بيوت بعضهم إلا بإذن فالنهي يدخل فيه جميع المؤمنين. قال الشوكاني: فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي ﷺ ، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله لهم في ذلك فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج الطعام (١). وكانت عادتهم في الجاهلية أنهم يأتون إلى الوليمة مبكرين جداً ينتظرون نضج الطعام، فنهاهم الله عن ذلك بقوله: ﴿غير ناظرين إناه﴾ أي: غير منتظرين نضجه وإدراكه (٢). ثم بين الله- أن من أصاب حاجته من الطعام فلينصرف ولا يجلس مستأنس لحديث، لأن ذلك فيه إيذاءٌ للنبي ﵌. وكذلك بقية الناس فالغالب أنهم يتأذون من بقاء المدعوين بعد الفراغ من الطعام، فلا ينبغي المكث لهم، إلا يكون رب البيت يرغب في بقائهم، أو أن تكون عادة القوم كذلك، ولم يكن هناك مشقة ولا أذى فلا بأس بذلك؛ لأن العلة التي من أجلها جاء النهي انتفت. (٧) تقديم الأكبر فالأكبر، وتقديم الأيمن فالأيمن: ينبغي على من أضاف قوماً أن يقدم أكبرهم ويخصه بمزيد عناية، وذلك لحث النبي ﵌ على ذلك في أيما حديث، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة ((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ. ((حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يوقر كبيرنا. ((حديث أبي موسى الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن من إجلالِ الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم و حاملَ القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرامَ ذي السلطان المقسط. ((حديث عبادة بن الصامت ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من لم يجل كبيرنا و يرحم صغيرنا! ويعرف لعالمنا حقه.

стр. 5847

((حديث جابر ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَمَرَنِي جِبْرِيْلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ. ((حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي. ((حديث أنس ابن مالك ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: أنها حلبت لرسول الله شاة داجن، وهي في دار أنس بن مالك، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطى رسول الله القدح فشرب منه، حتى إذا نزع القدح من فيه، وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر، وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك، فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه، ثم قال: (الأيمن فالأيمن). ((حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: أتي رسول الله بقدح فشرب، وعن يمينه غلام هو أحدث القوم، والأشياخ عن يساره، قال: (يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ). فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه. ﴿تنبيه﴾: (حديث سهل بن سعد السابق فهو وإن كان يُفيد تقديم الأيمن فالأيمن صغيراً كان أو كبيراً، إلا أنه لا يعارض أحاديث تقديم الكبير على من دونه، ويمكن الجمع بينهما فنقول: أن تقديم الأيمن يُنزل على من شرب شيئاً وبقي منه فضله، فيعطي من على يمينه إلا أن يأذن. وحول هذا المعنى يُشير ابن عبد البر فقال: وفيه (١) من أدب المواكلة والمجالسة، أن الرجل إذا أكل أو شرب، ناول فضله الذي على يمينه كائناً من كان، وإن كان مفضولاً، وكان على يساره فاضلاً (٢) وتقديم الأكبر يُنزل على تقديم الشراب أو الطعام ابتداءً، ثم يليه من كان على يمينه. ولعل هذا القول يتقوى بما رواه ابن عباس ﵄ فقال: (كان رسول الله ﷺ إذا سقى قال ابدءوا بالكبير) (٣) وفي هذا جمعٌ بين الأدلة والله أعلم. (٨) دعاء الضيف لمن استضافه بعد الفراغ من الطعام:

стр. 5848

من سنة النبي ﵌ أنه كان إذا أكل طعاماً عند قومٍ دعا لهم، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة ((حديث عبد الله بن بسر ﵄ الثابت في صحيح مسلم) قال: نزل رسول الله ﷺ على أبي قال فقربنا إليه طعاما ووطبة فأكل منها ثم أتي بتمر فكان يأكله ويلقي النوى بين إصبعيه ويجمع السبابة والوسطى قال شعبة هو ظني وهو فيه إن شاء الله إلقاء النوى بين الإصبعين ثم أتي بشراب فشربه ثم ناوله الذي عن يمينه قال فقال أبي وأخذ بلجام دابته ادع الله لنا فقال اللهم بارك لهم في ما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم. ((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة. ((حديث المقداد بن الأسود ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: اللهمَّ أطعِم من أطعمني, وأسقِ من سقاني. (٩) استحباب الخروج مع الضيف إلى باب الدار: وهذا من تمام الضيافة، وحسن الرعاية للضيف، وتأنيسه حتى يغادر الدار. و لا يثبت في ذلك خبر مرفوع صحيح يُعول عليه، إنما هي آثار عن سلف هذه الأمة وأئمتهم، نقتصر على واحدٍ منها: (أورد ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية أن أبا عبيد القاسم بن سلام زار أحمد بن حنبل .. قال أبو عبيد (فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله، فقال: قال الشعبي: من تماما زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه ... ) (١). (١٠) إكرام كريم القوم: ((حديث ابن عمر ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إذا أتاكم كريم قوم) أي رئيسهم المطاع فيهم المعهود منهم بإكثار الإعظام وإكثار الاحترام

стр. 5849

(فأكرموه) برفع مجلسه واجزال عطيته ونحو ذلك مما يليق به لأن الله تعالى عوده منه ذلك ابتلاء منه له فمن استعمل معه غيره فقد استهان به وجفاه وأفسد عليه دينه فإن ذلك يورث في قلبه الغل والحقد والبغضاء والعداوة وذاك يجر إلى سفك الدماء وفي إكرامه اتقاء شره وإبقاء دينه فإنه قد تعزز بدنياه وتكبر وتاه وعظم في نفسه فإذا حقرته فقد أهلكته من حيث الدين والدنيا وبه عرف أنه ليس المراد بكريم القوم عالمهم أو صالحهم كما وهم البعض، ألا ترى أنه لم ينسبه في الحديث إلى علم ولا إلى دين؟ ومن هذا السياق انكشف أن استثناء الكافر والفاسق كما وقع لبعضهم منشؤه الغفلة عما تقرر من أن الإكرام منوط بخوف محذور ديني أو دنيوي أو لحوق ضرر للفاعل أو للمفعول معه فمتى خيف شيء من ذلك شرع إكرامه بل قد يجب فمن قدم عليه بعض الولاة الظلمة الفسقة فأقصى مجلسه وعامله معاملة الرعية فقد عرض نفسه وماله للبلاء فإن أوذي ولم يصبر فقد خسر الدنيا والآخرة، وقد قيل: دارهم ما دمت في دارهم * وحيهم ما دمت في حيهم [ص ٢٤٢] وقال ﷺ " بعثت بمداراة الناس ". (قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿: إذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ﴾ قَالَ: نَعَمْ هَكَذَا يُرْوَى قُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ السُّوءُ وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي هَذَا وَاحِدٌ قَالَ: لَا قُلْت: فَإِنْ كَانَ رَجُلَ سُوءٍ يُكْرِمُهُ , قَالَ: لَا , وَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ حَضَرَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَمَعَهُ إبْرَاهِيمُ سِيلَانُ فَرَأَيْته قَدَّمَ الْغُلَامَ , وَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ قَدَّمَهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَانَ حَدِيثَ السِّنِّ فَجَعَلَ الْفَتَى يَمْتَنِعُ , وَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَأْتِي حَتَّى قَدَّمَهُ.

стр. 5850

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْت أَبِي إذَا جَاءَ الشَّيْخُ وَالْحَدَثُ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَشْرَافِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ فَيَكُونُوا هُمْ يَتَقَدَّمُونَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: رَأَيْته جَاءَ إلَيْهِ مَوْلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ فَأَلْقَى لَهُ مِخَدَّةً وَأَكْرَمَهُ وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ مَنْ يُكْرَمُ عَلَيْهِ يَأْخُذُ الْمِخَدَّةَ مِنْ تَحْتِهِ فَيُلْقِيهَا لَهُ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إعْظَامًا لِإِخْوَانِهِ وَمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ , لَقَدْ جَاءَهُ أَبُو هَمَّامٍ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ فَأَخَذَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِالرِّكَابِ وَرَأَيْته فَعَلَ هَذَا بِمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْ الشُّيُوخِ. أهـ ( ... آداب المجالس: (آداب المجالس: (لآداب المجالس آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي ﷺ ، وهاك آداب المجالس جملةً وتفصيلا: (أولاً آداب المجالس جملةً: (١) فضل ذكر الله في المجالس والنهي عن مجالسٍ لا يذكر فيها اسمه: (٢) اختيار رفيق المجلس: (٣) السلام على أهل المجلس عند القدوم، والانصراف: (٤) لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مَقْعَدِه ثم يجلس فيه: (٥) من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به: (٦) التفسح في المجالس: (٧) لا يَجْلَس بين رجلين إلا بإذنهما: (٨) يجلس حيث ينتهي: (٩) النهي عن تناجي اثنين دون الثالث: (١٠) النهي عن سماع الحديث بدون إذن: (١١) الجلوس المنهي عنه: (١٢) النهي عن كثرة الضحك: (١٣) كراهية التجشؤ (١) بحضرة الآخرين: (١٤) استحباب ختم المجالس بكفارة المجلس: (١٥) جواز قيام الرجل لأخيه احتراماً: (ثانيا آداب المجالس تفصيلا: (١) فضل ذكر الله في المجالس والنهي عن مجالسٍ لا يذكر فيها اسمه: جاء النهي الشديد عن مجالس لا يذكر فيها اسم الله، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة

стр. 5851

((حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار و كان لهم حسرة. (وفي ألفاظ هذا الحديث من التنفير ما فيه، وقوله: (إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ) أي مثلها في النتن والقذارة، وذلك لما يخوضون من الكلام في أعراض الناس وغير ذلك (١). والحسرة هي الندامة؛ وذلك بسبب تفريطهم. ((حديث عائشة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة. (وفي مقابل ذلك ما لو عُمرت هذه المجالس بذكر الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه ﵌، فإن هذه المجالس محبوبةٌ إلى الله، وأهلها في ازدياد من الخيرات. ((حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن لله ملائكة يطوفون في الطرقات يلتمسون الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجاتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم و هو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ فيقولون: يسبحونك و يكبرونك و يحمدونك و يمجدونك فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا و الله ما رأوك فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة و أشد لك تمجيدا و أكثر لك تسبيحا فيقول: فما يسألوني؟ فيقولون: يسألونك الجنة فيقول: و هل رأوها؟ فيقولون: لا و الله يا رب ما رأوها فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا و أشد لها طلبا و أعظم فيها رغبة قال: فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار فيقول الله: هل رأوها؟ فيقولون: لا و الله يا رب ما رأوها فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا و أشد لها مخافة فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة! فيقول: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم. (٢) اختيار رفيق المجلس: من الأمور المهمة جداً في حياة المرء، اختيار رفيق المجلس، لأن الإنسان يتأثر بجليسه ولابد، ومهما كانت عنده من قوة وحصانة. ولذا أرشدنا نبينا ﵌ إلى حسن اختيار الخليل، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة

стр. 5852

((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل. (ومعنى الحديث: أن الإنسان على عادة صاحبه وطريقته وسيرته، فليتأمل ويتدبر من يخالل، فمن رضي دينه وخلقه خالله، ومن لا تجنبه فإن الطباع سراقة (١). (قال الخطابي ﵀ في آداب العزلة: قوله: (المرء على دين خليله) معناه لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه قال سفيان بن عيينة: وقد روى في هذا الحديث انظروا إلى فرعون معه هامان انظروا إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم شر منه انظروا إلى سليمان بن عبد الملك صحبه رجاء بن حيوة فقوَّمه وسدده ويقال: إن الخلة مأخوذة من تخلل المودة القلب وتمكنها منه: وهي أعلى درج الإخاء وذلك أن الناس في الأصل أجانب فإذا تعارفوا ائتلفوا فهم أوداء وإذا تشاكلوا فهم أحباء فإذا تأكدت المحبة صارت خلة. أهـ (أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول وهو يعظ رجلا: لا تتكلم فيما لا يعنيك واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين خلا من يخشى الله ويطيعه ولا تمش مع الفاجر فيعلمك من فجوره. (أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن الخطاب بن المعلى المخزومي أنه وعظ ابنه فقال: إياك وإخوان السوء فإنهم يخونون من رافقهم ويخرفون من صادقهم وقربهم أعدى من الجرب ورفضهم من استكمال الأدب والمرء يعرف بقرينه. ((حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي. ((حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيَك وإما أن تبتاع منه وإما تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة. (والحديث بيّنٌ في التحذير من مجالسة أهل السوء، والترغيب في مجالسة أهل الصلاح والتقى، وجليس السوء إما مبتدعاً، وإما فاسقاً.

стр. 5853

فإن كان مبتدعا فقد جاءت أقوال السلف في التحذير منهم، وعدم مجالستهم، لأنهم ضررٌ على الدين والدنيا، ومجالس أهل البدع لا تخلو من أمرين إما أن ينغمس في بدعتهم، أو يصاب بالحيرة والشك لما يلقيه أهل البدع من الشبهات المضلة، وكلاهما شر. (ومن أقول السلف في ذم أهل البدع والتحذير من مجالستهم، قول الحسن البصري: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم. وقال أبو قلابة: لا تجالسوهم ولا تخالطوهم فإنى لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ويلبسوا عليكم كثيراً مما تعرفون. وقال ابن المبارك ... : يكون مجلسك مع المساكين وإياك أن تجالس صاحب بدعة. وقال الفضيل بن عياض: إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر فانظر مع من يكون مجلسك، لا يكون مجلسك مع صاحب بدعة فإن الله لا ينظر إليهم وعلامة النفاق أن يقوم الرجل يقعد مع صاحب بدعة (١). وإن كان الجليس فاسقاً. فإنك لن تسلم من سماع الخنا، والقول الباطل، والغيبة، وقد يصاحب ذلك تهاون في الصلوات، وغير ذلك من المعاصي التي تميت القلب. ولذا نجد أن بعض الذين انتكسوا بعد الاستقامة كان بسبب مجالستهم للفساق. (٣) السلام على أهل المجلس عند القدوم، والانصراف: سبق لنا في آداب السلام بيان أن من السنة السلام على أهل المجلس عند القدوم عليهم، وعند إرادة الانصراف، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليُسلِّم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى أحق من الثانية. ﴿تنبيه﴾: (يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم و يجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم. (حديث علي في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم و يجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم. (٤) لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مَقْعَدِه ثم يجلس فيه: ((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا أوَتَوَسَّعُوا. (٥) من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به:

стр. 5854

((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به. من جلس في مكان مباح كالمسجد ونحوه، فهو أحق بمجلسه من غيره، بحيث أنه لو طرأ عليه وترك مجلسه لأمرٍ ما ثم عاد لمجلسه في وقتٍ يسير، فإنه أحق بمجلسه وله أن يقيم من جلس فيه. فالحق لصاحب المجلس لا يعدوه، فهو أولى به، ولذا جاء النهي من إقامة الرجل من مجلسه المباح. ((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا أوَتَوَسَّعُوا. (والحكمة في هذا النهي منع استنقاص حق المسلم المقتضي للضغائن، والحث على التواضع المقتضي للمودة، وأيضاً فالناس في المباح كلهم سواء، فمن استحق شيئاً استحقه، ومن استحق شيئاً فأُخذ منه بغير حق فهو غصب والغصب حرام. قاله ابن أبي جمرة (١). مسألة: قد علمنا كراهية إقامة الرجل من مجلسه والقعود فيه، ولكن هل تزول هذه الكراهية إذا كانت بإذن صاحب المكان؟ الجواب: إذا تنازل صاحب المجلس عن مجلسه لغيره، فلا مانع من الجلوس فيه، لأن الحق له وقد تنازل عنه. وأما ما أُثر عن ابن عمر من كراهية ذلك، فقد روى أبا الخصيب قال: (كنت قاعداً فجاء ابن عمر فقام رجلٌ من مجلسه له فلم يجلس فيه وقعد في مكان آخر. فقال الرجل ما كان عليك لو قعدت، فقال: لم أكن أقعد في مقعدك ولا مقعد غيرك بعد شئ شهدته من رسول الله ﷺ . جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقام له رجلٌ من مجلسه فذهب ليجلس فيه فنهاه رسول الله ﷺ (٢). وأما ما نسب إلى ابن عمر-﵄ فيقول النووي: فهذا ورعٌ منه، وليس قعوده فيه حراماً إذا قام برضاه، لكنه تورع من وجهين: أحدهما أنه ربما استحى منه إنسان فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه، فسد ابن عمر الباب ليسلم من هذا. والثاني: أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهاً أو خلاف الأولى بأن يتأخر عن موضعه في الصف الأول ويؤثره به وشبه ذلك (٣).

стр. 5855

مسألة: يعمد بعض الناس إلى وضع (سجادة الصلاة) أو نحو ذلك، رغبةً منهم في نيل فضل الصف الأول، مع تأخرهم في الحضور إلى المسجد، فهل هذا الفعل مشروع؟ الجواب: تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة بخصوصها فقال: وأما ما يفعله كثيرٌ من الناس من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة، أو غيرها، قبل ذهابهم إلى المسجد، فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين؛ بل محرم. وهل تصح صلاته على ذلك المفروش؟ فيه قولان للعلماء؛ لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان. [ثم قال] ... والمشروع في المسجد أن الناس يتمون الصف الأول، كما قال النبي ﷺ : (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول، فالأول، ويتراصون في الصف) (١). وفي الصحيحين عنه أنه قال: (لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لا ستبقوا إليه) (٢). والمأمور أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدم المفروش وتأخر هو فقد خالف الشريعة من وجهين: من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم. ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد، ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلوا فيه، وأن يتموا الصف الأول فالأول، ثم إنه يتخطى الناس إذا حضروا. وفي الحديث (الذي يتخطى رقاب الناس، يتخذ جسراً إلى جهنم) (٣) وقال النبي ﷺ : (اجلس فقد آذيت) (٤). ثم إذا فرش هذا فهل لمن سبق إلى المسجد أن يرفع ذلك ويصلي موضعه؟ فيه قولان: أحدهما: ليس له ذلك لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه. والثاني: وهو الصحيح أن لغيره رفعه، والصلاة مكانه؛ لأن هذا السابق يستحق الصلاة في ذلك الصف المقدم، وهو مأمور بذلك أيضاً، وهو لا يتمكن من فعل هذا المأمور واستيفاء هذا الحق إلا برفع ذلك المفروش وما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به.

стр. 5856

وأيضاً فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب، وذلك منكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسيلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (١). لكن ينبغي أن يراعى في ذلك أن لا يؤول إلى منكر أعظم منه، والله تعالى أعلم (٢). (٦) التفسح في المجالس: قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [المجادلة: ١١] (هذا أدب من الله لعباده، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم، أو بعض القادمين للتفسح له في المجلس، فإن من الأدب، أن يفسحوا له، تحصيلاً لهذا المقصود. وليس ذلك بضار الفاسح شيئاً، فيحصل مقصود أخيه، من غير ضرر يلحقه. والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح لأخيه، فسح الله له، ومن وسع لأخيه، وسع الله عليه. ﴿وإذا قيل انشزوا﴾ أي: ارتفعوا وتنحوا عن مجالسكم، لحاجة تعرض. ﴿فانشزوا﴾ أي: فبادروا للقيام، لتحصيل تلك المصلحة. فإن القيام بمثل هذه الأمور من العلم والإيمان. قاله ابن سعدي (٣). (٧) لا يَجْلَس بين رجلين إلا بإذنهما: وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: لا يُجْلَس بين رجلين إلا بإذنهما. وهذا أدب نبوي عظيم، وهو منع الرجل أن يجلس بين اثنين إلا بإذنهما، والعلة في ذلك؛ أنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سر وأمانه فيشق عليهما التفريق بجلوسه بينهما، قاله في عون المعبود (٤). (٨) يجلس حيث ينتهي: وهذا ثابتٌ من فعل الصحابة وإقرار النبي ﵌ لهم. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث جابر بن سمُرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال: كنا إذا أتينا النبي ﷺ يجلسُ أحدنا حيث ينتهي.

стр. 5857

حيث كانوا-الصحابة- إذا جاء أحدهم إلى المجلس لم يتكلف الجلوس في المقدمة، أو مزاحمة ومضايقة الجالسين، بل كانوا يجلسون حيث انتهى بهم المجلس، وهذا من كمال أدبهم-﵃ وأرضاهم-. (٩) النهي عن تناجي اثنين دون الثالث: في اللسان، النجو: السِّرُّ بين اثنين، يقال: نَجَوته نجواً أي ساررته، وكذلك ناجيته، والاسم النجوى (١). والتناجي المنهي عنه، هو أن يتسَّار اثنان دون الثالث، والعلة في ذلك، حتى لا يدخل الحزن إلى قلب الثالث لما يراه من تسَّار صاحبيه، والشيطان حريصٌ كل الحرص على إدخال الحزن، والوساوس، والشكوك على قلب المسلم، فجاء النهي النبوي عن ذلك حتى يقطع الطريق على الشيطان، وحتى لا يظن المسلم بإخوانه سوءً، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس فإن ذلك يحزنه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير. (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى) التناجي التحادث سراً (رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس) أي تنضموا إليهم وتمتزجوا ويتحدث بعضهم مع بعض. (فإن ذلك يحزنه) ثم علل ذكر النهي بقوله فإن ذلك يحزنه، أي التناجي مع انفراد واحد، وذلك لئلا يقع في نفسه أنهما يتحدثون عنه بما يشينه أو أنهما لم يشاركاه في الحديث احتقاراً له. (وأما إن كان القوم أربعة فما فوق فلا بأس بذلك، لانتفاء العلة. (١٠) النهي عن سماع الحديث بدون إذن: لقد جاء وعيد شديد فيمن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث ابن عباس الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ وَمَنْ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ (٢) يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ.

стр. 5858

(والنهي مقيد بما إذا كان القوم كارهون لذلك، ويخرج بذلك ما إذا كانوا راضين به، ويخرج أيضاً إذا كان كلامهم جهراً يُسمع من حولهم، لأنهم لو أرادوا إخفاءه لم يجهروا به (١). (١١) الجلوس المنهي عنه: ثبت عن النبي ﵌ أنه نهى عن الجلوس، في هيئات معينة، وفي أحوال مخصوصة، وهذه الهيئات والأحوال، منها ما علمنا علتها عن طريق السمع، ومنها ما كان طريق الاجتهاد والنظر. فهيئة الجلوس المنهي عنها: أن يضع الرجل يده اليسرى خلف ظهره ويتكئ على لحمة يده اليمنى التي في أصل الإبهام (٢). ((حديث الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي فَقَالَ أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. (وأما الحال التي ينهى عنها، وهي جلوس الرجل بين الشمس والظل. ((حديث بريدة ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُقْعَدَ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ. (والعلة في ذلك؛ أنه مجلس الشيطان. جاء مصرحاً بذلك في الحديث الآتي: ((حديث أبي عياض عن رجل من أصحاب النبي الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ أن يجلس بين الضح والظل، وقال مجلس الشيطان. مسألة: ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: (لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى) (٣). وثبت أيضاً في الصحيحين وغيرهما، من حديث عباد بن تميم عن عمه، أنه أبصر النبي ﷺ يضطجع في المسجد رافعاً إحدى رجليه على الأخرى) (٤). والحديثان ظاهرهما التعارض، فكيف الجمع بينهما؟

стр. 5859

الجواب: قال بعض العلماء أن النهي منسوخ بفعل النبي ﷺ . ورد ذلك ابن حجر، بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال (١). قلت: ولا بد من معرفة المتقدم من المتأخر. وجمع النووي وغيره فقال: ويحتمل أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا، وأ، النهي الذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس على الإطلاق بل المراد به من ينكشف شيء من عورته أو يقارب انكشافها والله أعلم (٢). ويؤيد هذا القول بأن فعله ﷺ كان لبيان الجواز ... لا أنه مختصٌ به، هو ما ثبت عند البخاري - بعد إيراده حديث عباد بن تميم عن عمه- قال: وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك (٣). فلما كان بعض الصحابة يفعلون ذلك، دل ذلك على أن فعله ﵌ كان لبيان الجواز، ولكن مع الأمن من انكشاف العورة، والله أعلم. (١٢) النهي عن كثرة الضحك: ليس من المروءة ولا الأدب أن يكون الضحك هو الغالب على المجلس، فقليله يبعث في النفس النشاط ويروح عنها، وكثيره داءٌ يميت القلب، ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس و ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس و أحسن إلى جارك تكن مؤمنا و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما و لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب. ((حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة ((حديث جابر بن سمرة الثابت في صحيح الترمذي) قال كان رسول الله ﷺ طويل الصمت قليل الضحك. (١٣) كراهية التجشؤ (٤) بحضرة الآخرين: وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:

стр. 5860

((حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قَالَ: تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعاً فِى الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (١٤) استحباب ختم المجالس بكفارة المجلس: لما كان الإنسان ضعيفاً، وكان الشيطان حريصاً على إضلاله، والسعي دوماً إلى إغوائه، والنيل منه عن طريق اقترافه للسيئات. فكان منه أن تربص للمسلمين في مجالسهم، وأنديتهم، محرضاً لهم على قول الزور والباطل. ولما كان الله رؤوفاً بعباده شرع لهم على لسان نبيهم كلمات يقولونها، تكفَّر عنهم ما علق بهم من أدران ذلك المجلس، ثم امتن عليهم ربهم بأن جعل هذه الكلمات طابعاً لمجالس الخير فالحمد لله أولاً وآخراً، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة ((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: كفارة المجلس أن يقول العبد: سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك. ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك. (١٥) جواز قيام الرجل لأخيه احتراماً: (يستحب القيام لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ وَالْوَالِدَيْنِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَالْكَرَمِ وَالنَّسَبِ، وعليه يُحملُ الحديث الآتي: (حديث أبي سعيد في الصحيحين) أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد فأرسل رسول الله ﷺ إليه فجاء، فقال: قوموا إلى سيدكم _ أو قال خيركم – فقعد عند النبي ﷺ فقال هؤلاء نزلوا على حكمك. قال فإني أحكم أن تُقْتَلَ مقاتلتهم وتُسْبَى ذراريهم فقال ﷺ لقد حكمت بماحكم به الملك. (أما قيام الرجل للرجل على سبيل التعظيم فحرامٌ قطعاً. (حديث معاوية في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من سرَّه أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار. *معنى [يتمثل]: أي ينتصب الجالسون له تعظيماً

стр. 5861

الشاهد: قوله ﷺ [فليتبوأ مقعده من النار] لأن قوله فليتبوأ أمر بمعنى الإخبار أي دخل النار إذا سره ذلك. ﴿تنبيه﴾: (وَاَلَّذِي يُقَامُ إلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَكْبِرَ نَفْسَهُ إلَيْهِ وَلَا يَطْلُبَهُ , وَالنَّهْيُ قَدْ وَقَعَ عَلَى السُّرُورِ بِذَلِكَ الْحَالِ فَإِذَا لَمْ يُسَرَّ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ وَقَامُوا لَهُ فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ. ( ... آداب الكلام: (آداب الكلام: (آداب الكلام: (للكلام آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي ﷺ ، وهاك آداب الكلام جملةً وتفصيلا: (أولاً آداب الكلام جملةً: ((١) وجوب حفظ اللسان: ((٢) اجتناب آفات اللسان: ((٣) قل خيراً أو اصمت: ((٤) فضل الصمت وقلة الكلام وكراهية كثرته: ((٥) الكلمة الطيبة صدقة: ((٦) إذا حدث الرجل لأخيه بحديث ثم التفت فهي أمانة: ((٧) تقديم الأكبر في الكلام: ((٨) عدم مقاطعة الحديث: ((٩) التأني في الكلام وعدم الإسراع فيه: ((١٠) يكرر كلامه ثلاثاً تأسياً بالنبي ﷺ : ((١١) خفض الصوت عند الكلام: ((١٢) ألفاظ وكلمات تُجتنب: ((١٣) لزوم الصدق ومجانبة الكذب: ((١٤) جواز المعاريض والتورية بشروطها: ((١٥) أن يطابق قوله عمله: (ثانيا آداب الكلام تفصيلا: ((١) وجوب حفظ اللسان: (حفظ اللسان من الأمور البالغة الأهمية والتي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها فإن اللسان أمره خطير وشرُّه مستطير. (قال عليُّ ﵁: اللسان سبْعُ إن خُلِيَ عنه عقر. [*] (قال ابن السماك: سبعك بين لحييك. يعني أن كل إنسان يجب أن ينظر إلى لسانه هذا المحبوس في قفصين: قفص من عظم وقفص من لحم، فالعظم هو الأسنان، واللحم هو الشفتان، فلا يتمكن اللسان من أن ينطق ويخرج الكلام إلا بأن يخرج من بين هذين القفصين وهذين السجنين. فشبهه بالسبع بأنه يوجد داخل هذا الفم سبع ـ أي: أسد ـ لو فتحت له الباب لخرج ولأكل الناس، ونال من أعراضهم، وأهلك صاحبه، ولذلك يقول ابن السماك: سبعك بين لحييك ـ يعني: بين فكيك ـ تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور.

стр. 5862

أي: فرغت من غيبة الأحياء وغيبة الرائح والجائي، وبعد أن انتهيت من الأحياء انتقلت إلى الأموات، فأخذت أيضاً تنبش الموتى، وتذكر عيوب الموتى، فأنت تؤذي الموتى في قبورهم، وتؤذي أقرباءهم من الأحياء، وتؤذي نفسك. قال: قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم. (فما ترثي لهم) أي: ألا تشفق عليهم؟ وقد انقطع عملهم وفنيت أجسادهم وتحللت وانتهوا، والآن هم في دار الجزاء؟ فلذلك أدبنا النبي ﷺ مع الأموات ـ حتى لو كانوا من الظلمة أو الفسقة أو المقصرين ـ أننا لا نذكر عيوبهم، كما في الحديث الآتي: (حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري)) أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. أي: ما عملوه في فترة الحياة الآن هم يحاسبون عليه، فأنت دعه وربه، ولا داعي أن تنشغل أيضاً بذم الموتى. قال: «قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم»، وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم. فهل تعتقدون أن نبش الموتى فقط هو حفر القبر من جديد وسرقة الأكفان؟ وهل هذا هو النبش؟ الجواب: لا بل النبش له معنىً آخر لا يقتصر على الاستيلاء على الكفن كما يفعل النباشون، ولذا قال ابن السماك: وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم، فإذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال. هنا يرشد ابن السماك إلى ثلاثة أشياء وثلاث صفات وخصال إذا التزمها الإنسان منعته من إطلاق لسانه بذكر عيوب الآخرين. قال: أما واحدة فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك؟! أي: فيك نفس العيب الموجود في هذا الشخص، وأنت تذمه بسببه، فمن أولى بالذم؟ قال: ما ظنك بربك ـ يعني: أن يفعل بك ـ وأنت تذكر أخاك بأمر هو فيك؟! الثانية: ولعلك تذكره بأمر فيك أعظم منه، فذلك أشد استحكاماً لمقته إياك.

стр. 5863

الثالثة: ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك؟! أما سمعت: (ارحم أخاك واحمد الذي عافاك). يعني: إما أنك مبتلىً بشيء مثل الذي فيه، وإما أن تفعل شيئاً أشر مما يفعله هو فالعيب عندك أشد، وإما أن يكون الله قد عافاك من هذا العيب، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! إذا كان الله قد عافاك من هذا العيب وبرأك منه، فهل جزاء هذه النعمة أن تشتغل بذم الآخرين، أم أنك تحمد الله ، وترحم العصاة؟! (قال النووي ﵀ في الأذكار: (اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاماً تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجز الكلام المباح إلى حرام، أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء) (١). وقد قال ﵊: ”من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه“ (٢). قال الشاعر: احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان فينبغي للإنسان المسلم أن لا يخرج لفظةً ضائعة فعليه أن يحفظ ألفاظه بأن لا يتكلم إلا فيما يرجوا فيه الربح والزيادة في دينه فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوت بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه، وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى. قال يحيى بن معاذ: (القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه، حلو وحامض وعذب، وأجاج، وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه) (٣) أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقة ذلك، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك.

стр. 5864

ومن العجب: أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتزاز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحرز من حركة لسانه حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين، والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقى لها بالاً ينزل بالكلمة الواحدة منها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ... وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم من حديث جُندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ”قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله : من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك“ (١). فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء الله أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله. (لذا يجب على المسلم أن يعتني بحفظ لسانه غاية الاعتناء، فيجتنب القول الباطل، وقول الزور، والغيبة، والنميمة، والفاحش من القول، وجماع ذلك أن يصون لسانه عما حرم الله ورسوله ﵌. وقد يتكلم المرء كلمةً توبق دنياه وآخرته، وقد يقول كلمةً يرفعه الله بها درجات ودرجات. وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ. ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ. (أخبرنا النبي ﷺ في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن حفظ اللسان هو ملاك الأمر كله في العمل الذي يُدخل الجنة ويباعد من النار، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:

стр. 5865

((حديث معاذ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال قلت يا رسول الله أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال لقد سألتني عن عظيم و إنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئا و تقيم الصلاة المكتوبة و تؤتي الزكاة المفروضة و تصوم رمضان و تحج البيت ; ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة و الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار و صلاة الرجل في جوف الليل ; ألا أخبرك برأس الأمر وعموده و ذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام و عموده الصلاة و ذروة سنامه الجهاد ; ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ كف عليك هذا ـ و أشار إلى لسانه ـ قال: يا نبي الله! و إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! و هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم. (ضمن النَّبِيَّ ﷺ الجنة لمن صان لسانه وفرجه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث سهل بن سعد الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال من يضمن لي ما بين لحييه و ما بين رجليه أضمن له الجنة. فعلى المسلم أن يصون لسانه وفرجه عن محارم الله، طلباً لمرضاته، ورغبةً في نيل ثوابه، وهو يسيرٌ على من يسره الله عليه. (أخبرنا النبي ﷺ في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج. ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق , وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال الفم والفرج. (أخبرنا النبي ﷺ في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن من خزن لسانه ستر الله عورته وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: «من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه ستر الله عورته، ومن أعذر إلى الله قبل عذره» (أخبرنا النبي ﷺ في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن ابن آدم إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا.

стр. 5866

((حديث أبي سعيدٍ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا. (تكفِّر اللسان) أي أن الأعضاء تخضع للسان، وتذل له، وتقر له بالطاعة، فإن استقمت أيها اللسان استقمنا، وإن خالفت وحدت عن الطريق المستقيم، فإنا تبعٌ لك، فاتق الله فينا (١). ((حديث أبي بكر ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ليس شيءٌ من الجسد إلا و هو يشكو ذرب اللسان. ذرب اللسان: أي فحشه. (أخبرنا النبي ﷺ في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن النجاة أن تملك عليك لسانك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث عقبة بن عامر في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك. (الآثار الواردة في حفظ اللسان: (وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله "يوم حار ويوم بارد" ولقد رُؤيَ بعض الأكابر من أهل العلم في النوم فسئل عن حاله فقال: أنا موقوف على كلمةٍ قلتها قلت: ما أحوج الناس إلى غيث فقيل لي: وما يدريك أنا أعلم بمصلحة عبادي. (وقال بعض الصحابة لجاريته يوماً: هاتي السفرة نعبث بها ثم قال: أستغفر الله ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام، أو كما قال (٢). (وقال ابن بريدة رأيت ابن عباس ﵄ آخذ بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيراً تغنم أو اسكت عن سوءٍ تسلم وإلا فاعلم أنك ستندم. فقيل له يا ابن عباس لِمَ تقول هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسان أراه قال: ليس على شيءٍ من جسده أشد حنقاً وغيظاً يوم القيامة منه على لسانه إلا من قال خيراً أو أملى به خيراً (٣). (وكان ابن مسعود ﵁ يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لساني (٤).

стр. 5867

(وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أحداً لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطق رجل قط إلا عرفت ذلك في سائر عمله (١). واعلم أن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان وهي أضرها على العبد. واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به أو الخير والشر فقط؟ على قولين: أظهرهما القول الأول. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سعيد قال قلت للحكم مالك لا تكتب عن زاذان قال كان كثير الكلام. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ابن مسعود يقول والله الذي لا إله غيره ما شيء أحق بطول سجن من لساني. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن إبراهيم التيمي أخبرني من صحب الربيع بن خيثم عشرين عاما فلم يسمع منه كلمة تعاب. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي طعمه عن رجل من الحي قال أتيت الربيع بن خيثم بنعي الحسين وقالوا اليوم يتكلم مقاله فتأوه ومد بها صوته ثم قال اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك بالحق فيما كانوا فيه يختلفون. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن المعلي بن زياد قال قال مؤرق العجلى أمر أنا في طلبه منذ عشر سنين ولست بتارك طلبه قال وما هو يا أبا المعتمر قال الصمت عما لا يعنيني. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن خارجة قال: صحبت عبد الله بن عون خمس عشرة سنة فما أظن الملائكة كتبت عليه شيئا. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان أن عمر ابن الخطاب ﵁ اطَّلع على أبي بكر ﵁ وهو يمد لسانه فقال ما تصنع يا خليفة رسول الله ﷺ فقال إن هذا أوردني الموارد. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان ابن مسعود ﵁ أنه كان على الصفا يلبي ويقول يا لسان قل خيرا تغنم أو أنصت تسلم من قبل أن تندم. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن ابن عباس ﵁ قال: يا لسان قل خيرا تغنم أو اسكت عن شر تسلم (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن الحسن ﵁ قال ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه.

стр. 5868

(أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن الأوزاعي قال كتب إلينا عمر بن عبد العزيز ﵀ برسالة لم يحفظها غيري وغير مكحول أما بعد فإنه من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ومن عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا ينفعه. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن سفيان قال: قال بعض الماضين إنما لساني سبع إن أرسلته خفت أن يأكلني. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أبي إسحاق الفزاري قال كان إبراهيم بن أدهم ﵀ يطيل السكوت فإذا تكلم ربما انبسط قال فأطال ذات يوم السكوت فقلت لو تكلمت فقال الكلام على أربعه وجوه فمن الكلام كلام ترجو منفعته وتخشى عاقبته والفضل في هذا السلامة منه ومن الكلام كلام لا ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته فأقل مالك في تركه خفة المؤنة على بدنك ولسانك ومن الكلام كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته فهذا الذي يجب عليك نشره. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن محمد بن واسع أنه قال لمالك بن دينار أبا يحيى حفظ اللسان على الناس أشد من حفظ الدنانير والدراهم. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن يونس بن عبيد يقول ما من الناس أحد يكون لسانه منه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن محمد بن سيرين قال كان رجل من الأنصار يمر بمجلس لهم فيقول توضئوا فإن بعض ما تقولون شر من الحدث. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن خارجة بن مصعب يقول صحبت ابن عون ثنتي عشرة سنة فما رأيته تكلم بكلمة كتبها عليه الكرام الكاتبون. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن رياح بن عبيدة قال كنت عند عمر بن عبد العزيز ﵁ فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه قال فنهاني عمر وقال مهلا يا رياح فإنه بلغني أن الرجل يظلم بالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه حتى يستوفي حقه ويكون للظالم الفضل عليه. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان أن عبد الله بن أبي زكريا كان إذا خاض جلساؤه في غير ذكر الله رأيته كالساهي فإذا خاضوا في ذكر الله كان أحسن الناس استماعا. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن إبراهيم التيمي قال أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين سنة فلم يتكلم بكلام لا يصعد.

стр. 5869

(وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أبي حيان التيمي عن أبيه قال: رأيت ابنة الربيع بن خثيم أتته فقالت يا أبتاه أذهب ألعب قال يا بنيتي اذهبي قولي خيرا. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن الأوزاعي عن يحيى ﵀ قال أثنى رجل على رجل فقال له بعض السلف وما علمك به قال رأيته يتحفظ في منطقه. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عن أبي عبيد قال ما رأيت رجلا قط أشد تحفظا في منطقه من عمر بن عبد العزيز ﵁. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال كنا عند عمر بن عبد العزيز ﵁ فقال رجل لرجل تحت إبطك فقال عمر ﵁ وما على أحدكم أن يتكلم بأجمل ما يقدر عليه قالوا وما ذاك قال لو قال تحت يدك كان أجمل. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن الحسن عن إبراهيم التيمي ﵀ قال المؤمن إذا أراد أن يتكلم نظر فإن كان كلامه له تكلم وإن كان عليه أمسك عنه والفاجر إنما لسانه رسلاً رسلا. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن الحسن ﵁ قال كانوا يقولون لسان الحكيم من وراء قلبه فإذا أراد أن يقول رجع إلى قلبه فإن كان له قال وإن كان عليه أمسك وإن الجاهل قلبه على طرف لسانه لا يرجع إلى قلبه ما جرى على لسانه تكلم به. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عن الصلت بن بسطام التيمي قال: قال لي أبي الزم عبد الملك بن أبجر فتعلم من توقيه في الكلام فما أعلم بالكوفة أشد تحفظا للسانه منه. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أنس بن مالك ﵁ قال لرجل وبعثه في حاجة إياك وكل أمر تريد أن تعتذر منه وإذا أردت أن تتكلم بكلام فانظر فيه قبل أن تتكلم به فإن كان لك فتكلم به وإن كان عليك فالصمت عنه خير لك. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أرطاة بن المنذر قال تعلم رجل الصمت أربعين سنة بحصاة يضعها في فيه لا ينزعها إلا عند طعام أو شراب أو نوم. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن فضيل بن عياض ﵀ قال: كان بعض أصحابنا يحفظ كلامه من الجمعة إلى الجمعة.

стр. 5870

(وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن حسان بن عطية قال كان شداد بن أوس في سفر فنزل منزلا فقال لغلامه ائتنا بالسفرة نعبث بها فأنكرت عليه فقال ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا كلمتي هذه فلا تحفظوها علي. ((٢) اجتناب آفات اللسان: (اعلم رحمك الله تعالى أن في اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: «آفة الكلام، وآفة السكوت» وقد يكون كلُّ منهما أعظم إثماً من الأخرى في وقتها؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاصٍ لله ومراء مداهن إذا لم يخف على نفسه. والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاصٍ لله وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته. فهم بين هذين النوعين وأهل الوسط - وهم أهل السراط المستقيم - كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعُه في الآخرة فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة فضلاً أن تضره في آخرته، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به (١). وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث أَبِي أَيُّوبَ ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ قَالَ إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ وَأَجْمِعْ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ. (فهذه الوصايا الثلاث يا لها من وصايا إذا أخذ بها العبد تمت أموره وأفلح (٢). (ولهذا كان النجاة في الصمت. ((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من صمت نجا. ((حديث عقبة ابن عامر الثابت في صحيح الترمذي) قال قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك ولْيسعك بيتُك وابكِ على خطيئتك. ومنها ما يلي: (١) الغيبة: (٢) النميمة:

стр. 5871

(٣) القول على الله بغير علم: (٤) القذف: (٥) الخصومات والجدال بالباطل: (٦) بذاءة اللسان: (٧) الحلف بغير الله تعالى: (٨) الحلف بالله كذبا ومنه اليمين الغموس: (٩) استخدام الفصاحة في قلب الحقائق: (١٠) التحديث بكل ما سُمع: (١١) الغناء: (١٢) الشعر المحرم: (١٣) الفحش والتفحش (١): (١٤) الجدال العقيم: (١٥) شهادة الزور: (١٦) المدح المذموم: (١٧) اللعن: (١٨) كثرة المزاح: (١٩) الغضب: (٢٠) التكلم فيما لا يعنيه: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (١) الغيبة: (تساهل الناس في الغيبة: (قال الشوكاني ﵀ في السلوك الإسلامي القويم: إني فكرت في عظم ذنب الغيبة وحقارة فعلها، وتساهل جل الناس بها، حتى صارت مألوفة غير منكورة، كأنها لم تكن أمّ كل محظور، تدار كؤوسها في المجامع، ويصغي إلى لحن شيطانها جميع المجامع، وما علم مرتكبها بوقوعه فيما هو أشد من الزنى، وأعظم جرماً من الربا، وهو لو تحقق قد ساواهم وزاد، لكونه ذنباً تعلقه بالعباد. أهـ (تعريف الغيبة: الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره بنص السنة الصحيحة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته و إن لم يكن فيه فقد بهته. والغيبة من آفات اللسان التي يجب على طالب العلم أن يحفظ لسانه منها، وجاء في الكتاب والسنة الصحيحة النكيرُ الشديد والنهي الأكيد عن ارتكاب هذه الرذيلة قال تعالى: (وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ) [الحجرات / ١٢] الشاهد من الآية: أن الله تعالى نهى عن الغيبة، والأصل في الأمر التحريم، وشبه المغتاب بأكل الميتة، (حكم الغيبة: (قال الشوكاني ﵀ في السلوك الإسلامي القويم: أن الغيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع. وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة

стр. 5872

قال الله تعالى: (لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) [النساء: ١٤٨] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وقال : ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] والغيبة آفة خطيرة من آفات اللسان، ولقد عرفها النبي ﷺ بقوله في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته و إن لم يكن فيه فقد بهته. وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث عائشة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت: قلت للنبي ﷺ حسبكَ من صفية كذا وكذا ـ تعني قصيرة ـ فقال: لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بماء البحر لمزجته. *معنى مزجته: أي خالطته مخالطةً شديدةً يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وهذا من الزجر. ((حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه اعتل بعير لصفية بنت حيي وعند زينب فضل ظهر فقال النبي ﷺ لزينب أعطيها بعيرا فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية فغضب رسول الله ﷺ فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر.

стр. 5873

((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال ما يبكيك؟ فقالت قالت لي حفصة إني بنت يهودي فقال النبي ﷺ إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم تفخر عليك ثم قال اتقي الله يا حفصة. ((حديث سعيد ابن زيد الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: أربى الربا الاستطالة في عِرض المسلم بغير حق. (بيّن النبي ﷺ أن من أربى الربا إطالة اللسان في عرض المسلم باحتقاره، والترفع عليه, والوقيعة فيه بقذف، أو سب، ونحو ذلك، فإن ذلك أكثر الربا، وأشده تحريماً؛ لأن العرض أعز على النفس من المال. وقد أدخل ﷺ العرض في جنس المال على سبيل المبالغة وجعل الربا نوعين: متعارف: وهو ما يؤخذ من الزيادة على ماله من المديون. وغير متعارف: وهو استطالة الإنسان في عرض المسلم بغير حق وبين أنّ أشد النوعين تحريماً هو الاستطالة في عرض المسلم بغير حق (١). ((حديث أبي برزة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: يا معشر من آمن بلسانه و لم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين و لا تتبعوا عوراتهم، فمن اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته. ﴿تنبيه﴾: (والحديث فيه تنبيه على أن غيبة المسلم من شعار المنافق لا المؤمن، وفيه الوعيد بكشف الله عيوب الذين يتبعون عورات المسلمين ومجازاتهم بسوء صنيعهم، وكشف مساويهم ولو كانوا في بيوتهم مخفيين من الناس (٢) ولا حول ولا قوة إلا بالله. ((حديث أنس الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: لما عرج بي ربي عز و جل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجههم و صدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس و يقعون في أعراضهم. معنى يخمشون: يخدشون ((حديث المستورد ابن شداد الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم و من اكتسى برجل مسلم ثوبا فإن الله يكسوه مثله من جهنم و من قام برجل مسلم مقام سمعة و رياء فإن الله يقوم به مقام سمعة و رياء يوم القيامة.

стр. 5874

(وهذا الحديث فبه الوعيد لمن أكل أكلةً برجل مسلم: أي بسبب اغتيابه والوقيعة فيه أو بتعرضه له بالأذية عند من يعاديه، أو كُسِيَ ثوباً بسبب إهانته. فإن الله يطعمه من جهنم مثل ما طعم بهذا الرجل المسلم، ويكسوه من جهنم مثل ما كُسِيَ؛ لأن الجزاء من جنس العمل (١). والله أعلم. ومعنى ”من قام برجل مسلم ... “ ذكروا له معنيين: المعنى الأول: أن الباء للتعدية أي قام رجلاً مقام سمعة ورياء ووصفه بالصلاح، والتقوى، والكرامات، وشهره بها وجعله وسيلة إلى تحصيل أغراض نفسه وحطام الدنيا فإن الله يقوم بعذابه وتشهيره، لأنه كان كاذباً. والمعنى الثاني: أن الباء للسببية وقيل: هو أقوى وأنسب أي من قام برجلٍ من العظماء من أهل المال والجاه مقاماً يتظاهر فيه بالصلاح والتقوى ليعتقد فيه ويصير إليه المال والجاه أقامه الله مقام المرائين ويفضحه ويعذبه عذاب المرائين (٢). وقد يحتمل أن تكون الباء في (برجل) للتعدية والسببية فإن كانت للتعدية يكون معناه: من أقام رجلاً مقام سمعة ورياء يعني من أظهر رجلاً بالصلاح والتقوى، ليعتقد الناس فيه اعتقاداً حسناً ويعزونه ويخدمونه لينال بسببه المال والجاه فإن الله يقوم له مقام سمعة ورياء بأن يأمر ملائكته بأن يفعلوا معه مثل فعله ويظهروا أنه كذاب. وإن كانت للسببية فمعناه: أن من قام وأظهر من نفسه الصلاح والتقوى لأجل أن يعتقد فيه رجلٌ عظيم القدر كثير المال؛ ليحصل له مال وجاه .. (٣). ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخْذُلُه ولا يَحْقره التقوى هاهنا ـ و أشار إلى صدره ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله وعرضه. ((حديث أبي بكرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت. (قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:

стр. 5875

فَجَمَعَ النبي ﷺ بَيْنَ الدَّمِ وَالْعِرْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيغَارِ الصُّدُورِ، وَإِبْدَاءِ الشُّرُورِ، وَإِظْهَارِ الْبَذَاءِ، وَاكْتِسَابِ الأعداء، وَلاَ يَبْقَى مَعَ هَذِهِ الأمور وَزْنٌ لمرموقٍ وَلاَ مُرُوءَةٌ لِمَلْحُوظٍ ثُمَّ هُوَ بِهَا مَوْتُورٌ مَوْزُورٌ؛ وَلِأَجْلِهَا مَهْجُورٌ مَزْجُورٌ. ((حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَمَنْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ. (ومعنى اقترض: أي اقتطع، والمراد أنه نال من أخيه المسلم بالطعن فيه. (قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا: فَجَمَعَ النبي ﷺ بَيْنَ الدَّمِ وَالْعِرْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيغَارِ الصُّدُورِ، وَإِبْدَاءِ الشُّرُورِ، وَإِظْهَارِ الْبَذَاءِ، وَاكْتِسَابِ الأعداء، وَلاَ يَبْقَى مَعَ هَذِهِ الأمور وَزْنٌ لمرموقٍ وَلاَ مُرُوءَةٌ لِمَلْحُوظٍ ثُمَّ هُوَ بِهَا مَوْتُورٌ مَوْزُورٌ؛ وَلِأَجْلِهَا مَهْجُورٌ مَزْجُورٌ. ((حديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيُعَذَّبُ فِي الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُعَذَّبُ فِي الْغَيْبَةِ. [*] (أورد أبو الشيخ الأصبهاني رحمه الله تعالى في التوبيخ والتنبيه عن المحاربي قال: قيل للربيع بن خثيم: مالك لا تذم الناس؟ قال: والله ما أنا عن نفسي براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم غيرها، إن الناس خافوا الله في ذنوب غيرهم، وأمنوه على ذنوبهم. (الإجماع على تحريم الغيبة: (قال الشوكاني ﵀ في السلوك الإسلامي القويم: وأما الإجماع فلا شكّ ولا ريب في اتفاق جميع الأمة على تحريم الغيبة ولم يسمع عن أحد الترخيص فيها، لكنهم استثنوا صوراً ذكرها النووي في شرح مسلم، وهي ستة أسباب: الأول: الاستعانة على تغيير المنكر.

стр. 5876

الثاني: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين والمشاورة والنصيحة. الثالث: التعريف. الرابع: الاستفتاء. الخامس: المظلوم. قال النووي: فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو القاضي أو غيرهما ممن له ولاية وقدرة على إنصافه من ظالمه ويقول: فعل بي فلان أو ظلمني. السادس: المجاهر بفسقه وبدعته. أهـ (نصح من اغتاب الناس: [*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع أن محمد بن واسع رأى شبابًا في المسجد، قد خاضوا في بحر الغيبة والضلالة، فقال لهم: أيجمل بأحدكم أن يكون له حبيب، فيخالفه ليفوز به غيره؟ فقالوا: لا. فقال: أنتم قعود في بيت الله تخالفون أمره، وتغتابون الناس. فقالوا: قد تبنا. فقال: يا أولادي، هو ربكم وحبيبكم، وإذا عصيتموه، وأطاعه غيركم، خسرتموه. وربحه غيركم، أفلا يضرّكم ذلك؟ قالوا: نعم. فقال: ومن خالفه، وربما يعاقبه لو عاقبه، أفلا تغيرون على شبابكم كيف يعاقب بالنار والعذاب وغيركم يفوز بالجنة والثواب. قالوا: نعم وحسن رجوعهم إلى الله تعالى. (التحذير من غيبة الميت: (ولا شك أن غيبة المسلم الميت أفحش من غيبة الحي وأشد؛ لأن عفو الحي واستحلاله ممكن بخلاف الميت (١) ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ وَلَا تَقَعُوا فِيهِ. (قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: قال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الْغِيبَةُ مَرْعَى اللِّئَامِ. وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: لَا يَذْكُرُ فِي النَّاسِ مَا يَكْرَهُونَهُ إلَّا سِفْلَةٌ لَا دِينَ لَهُ. أهـ مسألة: ما حكم أن يصفَ الرجلُ الرجلَ بِالْعَوَرِ أَوْ الْعَرَجِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ شَيْنَهُ إلَّا إرَادَةَ أَنْ يُعْرَفَ؟ (قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَصِفُ الرَّجُلَ بِالْعَوَرِ أَوْ الْعَرَجِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ شَيْنَهُ إلَّا إرَادَةَ أَنْ يُعْرَفَ؟ قَالَ لَا أَدْرِي هَذَا غِيبَةً.

стр. 5877

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ " الْغِيبَةُ أَنْ تَقُولَ فِي الرَّجُلِ مَا فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَإِنْ قَالَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَهَذَا بُهْتٌ " , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَحْمَدُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ السَّلَفِ وَبِهِ جَاءَ الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ مَا نَقَلَ عَنْ الْأَثْرَمِ , وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُعْرَفُ بِلَقَبِهِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِهِ فَقَالَ أَحْمَدُ الْأَعْمَشُ إنَّمَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ هَكَذَا فَسَهْلٌ فِي مِثْل هَذَا إذَا كَانَ قَدْ شَهُرَ. قَالَ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ يَجُوزُ ذِكْرُ الرَّاوِي بِلَقَبِهِ وَصِفَتِهِ وَنَسَبِهِ الَّذِي يَكْرَهُهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ تَعْرِيفَهُ لَا تَنَقُّصَهُ لِلْحَاجَةِ كَمَا يَجُوزُ الْجَرْحُ لِلْحَاجَةِ. أهـ (ما ينبغي لمن سمع غيبة أخيه المسلم: (قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد، ولا باللسان فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق، أو من أهل الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر) (١). وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث أبي الدرداء الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ((حديث أسماء بنت يزيد الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيْهِ بِالغَيْبَةِ كَانَ حَقَاً عَلَى اللهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنْ النَّارِ.

стр. 5878

((حديث جابر الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ. (الأسباب الباعثة على الغيبة: عندما ينظر الإنسان المسلم العاقل ويفكر في الأسباب التي تدفع المغتاب إلى الغيبة وتدفع النمام إلى النميمة فسوف يجد لذلك أسباباً منها ما يأتي: (السبب الأول: هو محاولة الانتصار للنفس والسعي في أن يشفي المغتاب الغيظ الذي في صدره على غيره فعند ذلك يغتابه أو يبهته، أو ينقل عنه النميمة. (السبب الثاني: الحقد للآخرين والبغض لهم فيذكر مساوئ من يبغض؛ ليشفي حقده ويبرِّد صدره بغيبة من يبغضه ويحقد عليه. وهذا ليس من صفات المؤمنين كاملي الإيمان نسأل الله العافية. (السبب الثالث: إرادة رفعة النفس وخفض غيره كأن يقول: فلان جاهل، أو فهمه ضعيف، أو سقيم، أو عبارته ركيكة تدرجاً إلى لفت أنظار الناس إلى فضل نفسه وإظهار شرفه بسلامته عن تلك النقائص التي ذكرها في مَنْ اغتابه. وهذا من الإعجاب بالنفس نعوذ بالله من ذلك وهو من المهلكات التي بيّنها رسول الله ﷺ . (السبب الرابع: موافقة الجلساء والأصحاب، والأصدقاء ومجاملتهم فيما هم عليه من الباطل؛ لكي يُكسَب رضاهم حتى ولو كان ذلك بغضب الله وهذا من ضعف الإيمان وعدم مراقبة الله . (السبب الخامس: إظهار التعجب من أصحاب المعاصي: كأن يقول الإنسان: ما رأيت أعجب من فلان كيف يخطئ وهو رجل عاقل أو كبير أو عالم أو غير ذلك وكان من حقه عدم التعيين. (السبب السادس: السخرية والاستهزاء بالآخرين والاحتقار لهم: (السبب السابع: الظهور بمظهر الغضب لله على من يرتكب المنكر فيظهر غضبه ويذكر اسمه مثل أن يقول فلان لا يستحيي من الله يفعل كذا وكذا ويقع في عرضه بالغيبة.

стр. 5879

(السبب الثامن: الحسد فيحسد المغتاب من يُثني عليه الناس ويحبونه فيحاول المغتاب الحسود قليل الدين والعقل أن يزيل هذه النعمة فلا يجد طريقاً إلى ذلك إلا بغيبته والوقوع في عرضه حتى يزيل نعمته أو يقلل من شأنه عند من يثنون عليه. وهذا من أقبح الناس عقلاً وأخبثهم نفساً نسأل الله العافية، نسأل الله تعالى أن يرزقنا القلب المخموم، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: خير الناس ذو القلب المخموم و اللسان الصادق قيل: ما القلب المخموم؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيه و لا بغي و لا حسد قيل: فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا و يحب الآخرة قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن. (السبب التاسع: إظهار الرحمة والتّصنُّع بمواساة الآخرين كأن يقول لغيره من الناس: مسكين فلان قد غمني أمره وما هو فيه من المعاصي ... (السبب العاشر: التصنع، واللعب، والهزل، والضحك فيجلس المغتاب خبيث النفس فيذكر عيوب غيره مما يضحك به الناس فيضحك الناس فعند ذلك يرتاح ويزيد من الكذب والغيبة على سبيل الهزل والنكت والإعجاب بالنفس. وهذا ينطبق عليه الحديث الآتي: ((حديث معاوية ابن حيدة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: ويلٌ للذي يُحَدِّثُ فيكذبُ ليضحك به القوم ويلٌ له ويلٌ له. (السبب الحادي عشر: هو أن ينسب إليه فعلاً قبيحاً فيتبرأ منه ويقول: فلان الذي فعله ومحاولة إلقاء اللوم والتقصير على غيره؛ ليظهر بمظهر البريء من العيوب. (السبب الثاني عشر: الشعور بأن غيره يريد الشهادة عليه أو تنقيصه عند كبير من الكبراء، أو صديق من الأصدقاء، أو سلطان فيسبقه إلى هذا الكبير ويغتابه؛ ليسقط من عينه، وتسقط عدالته، أو مروءته (١). (علاج الغيبة: الغيبة لها علاجان:

стр. 5880

(العلاج الأول: هو أن يعلم الإنسان أنه إذا وقع في الغيبة فهو متعرض لسخط الله تعالى ومقته كما دلت عليه الأحاديث السابقة وغيرها من الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ. (ويعلم أن حسناته يؤخذ منها يوم القيامة لمن اغتابه بدلاً عما استباح من عرضه فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه فربما ترجح كفة سيئاته فيدخل النار وقد يحصل ذلك للإنسان بإذهاب حسنة واحدة من حسناته أو بوضع سيئة واحدة من سيئات خصمه وعلى تقدير أن لا يحصل هذا الرجحان فكفى بنقص الحسنات عقاباً مع المخاصمة والمطالبة، والسؤال، والجواب، والحساب. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا آمن الإنسان المسلم بالأخبار الواردة في الغيبة وتدبرها حق التدبر لم ينطق لسانه بغيبة، وتدبر نفسه، وعيوبها، وتقصيرها، وأن يتدبر في إصلاح نفسه عن عيوب الناس والكلام فيهم، وعلى من به عيب أن يستحيي من الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية حين يرى نفسه على العيوب ويذكر عيوب غيره بل ينبغي له أن يلتمس لأخيه عذراً ومخرجاً ويعلم أن عجزه عن تطهير نفسه من ذلك العيب كعجزه هو عن تطهير نفسه من عيوبها فإن كان الذم له بأمر خَلْقي كان ذماً للخالق؛ فإن ذم الصنعة يستلزم ذم صانعها فليتق الله ويصلح نفسه عن عيوبها وكفى بذلك شُغلاً! (العلاج الثاني: عليه أن ينظر في السبب الباعث له على الغيبة فإن علاج العلة إنما يتم بقطع سببها المستمدة هي منه. فإذا كان سبب الغيبة الغضب فعليه أن يقول: إن أمضيت غضبي عليه فأنا أخشى الله أن يمضي غضبه عليَّ بسبب الغيبة فإن الله قد نهاني عنها فعصيته واستخففت بنهيه.

стр. 5881

وإذا كان سبب الغيبة موافقة للآخرين وطلب رضاهم فعليك أن تعلم أن الله يغضب عليك إذا طلبت سخطه برضا المخلوقين، فكيف ترضى لنفسك أن تسخط مولاك من أجل إرضاء المخلوقين الذين لا ينفعون ولا يضرون وإن كان الغضب لله فلا تذكر المغضوب عليه بسوء لغير ضرورة بل ينبغي أن تغضب على من اغتابه إلا إذا كان من باب تحذير المسلمين عن الشر. وهذا سيأتي فيما يجوز من الغيبة. وإذا كان سبب الغيبة: هو تنزيه النفس ونسبة الخيانة إلى غيرك. فاعلم أن التعرض لمقت الله أشد من التعرض لمقت الخلق وأنت بالغيبة قد تعرضت لسخط الله يقيناً ولا تدري هل تسلم من سخط الناس أو لا تسلم والذي يرضي الناس بسخط الله يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس ... ! وإذا كان: سبب الغيبة هو الرغبة في أن تزكي نفسك بزيادة الفضل وذلك بقدحك في غيرك حتى تشعر الناس أنك تتصف بخلاف ما يتصف به من اغتبته فاعلم أنك بما ذكرته أبطلت فضلك عند الله تعالى إن كان لك فضل وأنت من اعتقاد الناس فضلك لست على يقين وعلى تقدير أنهم يفضلونك فأنت سينقص فضلك أو يزول بالكلية إذا عرفوك بغيبة الناس والوقوع في أعراضهم فأنت بعت ما عند الله يقيناً بما عند الناس وهماً ولو اعتقدوا فضلك لم يغنوا عنك من الله شيئاً لأن قلوبهم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء فعليك أن تتدبر دقائق الأمور ولا تغتر بظواهرها. وإذا كان الباعث على الغيبة: هو الحسد فأنت قد جمعت بين عذابين؛ لأنك حسدته على نعمة الدنيا فكنت معذباً بالحسد وذلك لأن الحاسد يجد الهم والغم وضيق الصدر ثم لا يقنع بذلك حتى يضاف إليه عذاباً آخر يوم القيامة فالحاسد قد جمع خسران الدنيا والآخرة وهو في الحقيقة صديق للمحسود عدو لنفسه؛ لأنه يضيف حسناته إلى حسنات المحسود ويتحمل من سيئاته إن لم يكن للحاسد حسنات مع أن الحسد، والغيبة لا تضر المحسود بل ربما كان ذلك سبباً لانتشار فضله. وإذا كان البعث على الغيبة هو الاستهزاء والسخرية فينبغي للحاسد أن يعلم أنه متى استهزأ بغيره عند الناس فإن ذلك يكون مخزياً لنفسه عند الله ثم عند خلقه وهذه هي الخسارة بعينها. وإذا كان المغتاب يقصد بغيبته الرحمة لغيره فهذا مقصود فاسد؛ لأنه أراد الرحمة فوقع في الغيبة المحرمة فلو كان صادقاً في رحمته لنصح له ووجّهه وأرشده ..

стр. 5882

أما إذا كان السبب الباعث على الغيبة هو التعجب والضحك، فإنه ينبغي للمغتاب أن يتعجب من نفسه كيف أهلك نفسه بنفس غيره وكيف نقص دينه بكمال دين غيره أو بدنياه. فهو مع ذلك لا يأمن عقوبة الدنيا ويخشى على المغتاب أن يهتك الله ستره ويفضحه في الدنيا قبل الآخرة كما هتك بالتعجب ستر أخيه. فإذا نظر الإنسان العاقل في أسباب الغيبة وعلاجها واستعمل هذا الدواء الذي ذكر هنا سلم إن شاء الله من ضرر الغيبة وكان ممن اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره، وصان لسانه عن النطق إلا بالخير فبذلك يفوز بخيري الدنيا والآخرة. وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يجعلنا جميعاً ممن يقول بالحق ويكون أسبق الناس إلى العمل به كما يحب ربنا ويرضى إنه أكرم مسؤول (١). (طريق التوبة من الغيبة: وطريق التوبة بالنسبة لمن اغتاب المسلمين هو أن يتحلله ويطلب منه العفو إذا أمِنَ الفتنة أما إذا كان هذا يسبب الشحناء أو يسبب منكراً آخر أو فتنة فإن المغتاب يذكره بالخير الذي فيه في المجالس التي ذكره فيها بسوء ويرد عنه الغيبة بجهده وطاقته فتكون تلك بتلك إن شاء الله مع مراعاة شروط التوبة وبالله التوفيق (٢). (ما يباح من الغيبة: قال الله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨] قال النووي رحمه الله تعالى: تباح الغيبة لغرضٍ صحيحٍ شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهي ستة أسباب: (١) التظلم: فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولايةٌ أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول ظلمني فلانٌ بكذا. ((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: قالت هند بنت عتبة يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. (٢) الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا فازجره عنه أو نحو ذلك.

стр. 5883

((حديث زيد ابن أرقم الثابت في الصحيحين) قال: خرجنا مع النبي ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لأصحابه ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ من حوله وقال ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل قالوا كذب زيد رسول الله ﷺ فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فدعاهم النبي ﷺ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم. (٣) الاستفتاء: بأن يقول للمفتي ظلمني فلان بكذا، فهل له ذلك وما الطريق في دفع ظلمه عني. ((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: قالت هند بنت عتبة يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (٤) تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين للحاجة. ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو معاملته أو مجاورته أو غير ذلك، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة لأن المستشار مؤتمن بنص السنة الصحيحة ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: المستشار مؤتمن. ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد على مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم فعليه أن ينصحه ببيان حاله قاصدا النصيحة. ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه فيذكره لمن له عليه ولاية ليستدل به على حاله فلا يغتر به ويلزم الاستقامة. ((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو بن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه. (٥) أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يجاهر به ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر.

стр. 5884

((حديث فاطمة بنت قيس الثابت في صحيح مسلم) قالت: أتيت النبي ﷺ فقلت إن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله ﷺ أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له. (٦) التعريف: فإذا كان معروفاً بلقب كالأعمش والأعرج والقصير والأعمى ونحوها جاز تعريفه به ويحرم ذكره به تنقصاً ولو أمكن تعريفه بغيرها كان أولى. (ولله درُ من قال: والذم ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن ... طلب الإِعانة في إِزالة منكر (٢) النميمة: مسألة: ما هي النميمة، وما خطرها، وما أدلة تحريمها؟ النميمةُ نقل الكلام بين الناس بغرضِ الإفساد. (تعريف النميمة: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى نقلاً عن الإمام الغزالي ﵀ ما ملخصه: (النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه ولا اختصاص لها بذلك، بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو غيرهما، وسواء كان المنقول قولاً، أم فعلاً، وسواء كان عيباً أم لا، حتى لو رأى شخصاً يخفي ماله فأفشى كان ينميه) (١). وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ( ... في رواية لا يدخل الجنة نمام وفي أخرى قتات وهو مثل الأول فالقتات هو النمام. ثم قال: قال الجوهري وغيره يقال: (نم الحديث ينمه، وينُمه، بكسر النون وضمها، نما، والرجل نمّامٌ، وقته يقته بضم القاف قتا. قال العلماء: النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم) (٢). والنم إظهار الحديث بالوشاية. وأصل النميمة الهمس والحركة (٣). وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى باباً قال فيه: (باب ما يكره من النميمة). ثم قال ابن حجر رحمه الله تعالى: كأنه أشار بهذه الترجمة إلى بعض القول المنقول على جهة الإفساد يجوز إذا كان المقول فيه كافرًا مثلاً، كما يجوز التجسس في بلاد الكفار ونقل ما يضرهم) (٤). (حكم النميمة: النميمة محرمة بإجماع المسلمين، وقد تظاهر على تحريمها الدلائل الصريحة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة (٥). (الترهيب من الوقوع في النميمة:

стр. 5885

قال الله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم ١٢،١١] وقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) [الهمزة: ١] وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث حذيفة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لا يدخل الجنة قتَّات. ((حديث حذيفة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ. (والقتات هو النمام. ووقع في رواية أبي وائل عن حذيقة عند مسلم (١) وقيل. الفرق بين القتات والنمام أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يستمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه (٢). (قال الحافظ ابن حجر: قوله: "لا يدخل الجنة" أي في أول وهلة كما في نظائره (٣).أهـ (وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بشيء من المعاصي ما لم يستحله، إلا ما خصه الدليل. ((حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) قال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا. ((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ألا أنبئكم ما العَضَةُ؟ هي النميمةُ القالةُ بين الناس. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن محمداً ﷺ قال: ”ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس“ وأن محمداً ﷺ قال: ”إنَّ الرجل يصدق حتى يكتب صديقاً. ويكذب حتى يكتب كذاباً“ (٤).
следующие страницы →