(حديث عُمَرَ ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ:
كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
(حديث أَنَسٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ فِيمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عُمَرَ ﵁ ﴿: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ نَفَقَةَ سَنَةٍ﴾ قَالَ فِيهِ جَوَازُ ادِّخَارِ قُوتِ سَنَةٍ وَلَا يُقَالُ هَذَا مِنْ طُولِ الْأَمَلِ لِأَنَّ الْإِعْدَادَ لِلْحَاجَةِ مُسْتَحْسَنٌ شَرْعًا وَعَقْلًا , وَقَدْ اسْتَأْجَرَ شُعَيْبُ مُوسَى ﵉ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى جَهَلَةِ الْمُتَزَهِّدِينَ فِي إخْرَاجِهِمْ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا عَنْ التَّوَكُّلِ , فَإِنْ احْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَدَّخِرُ لَغَدٍ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ خَلْقٌ مِنْ الْفُقَرَاءِ فَكَانَ يُؤْثِرُهُمْ انْتَهَى كَلَامُهُ.
إباحة جمع المال للقائم بحقوقه:
(حديث عمرو بن العاص الثابت في صحيح الأدب المفرد) أن النبي ﷺ قال: نعم المال الصالح للمرء الصالح.
(حديث يسار بن عُبيد الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: لا بأس بالغنى لمن اتقى و الصحة لمن اتقى خير من الغنى و طيب النفس من النعيم.
قال أهل العلم:
الواجب على العاقل أن يعمل في شبابه فيما يقيم به أوده كالشيء الذي لا يفارقه أبدا وفيما يصلح به دينه كالشيء الذي لا يجده غدا وليكن تعاهده لماله ما يصلح به معاشه ويصون به نفسه وفي دينه ما يقدم به لآخرته ويرضي به خالقه والفاقه خير من الغنى بالحرام والغنى الذي لا مروءة له أهون من الكلب وإن هو طوق وخلخل.
стр. 6372
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن محمد بن المنكدر قال نعم العون على تقوى الله الغني.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن عبدان قال دخلت على عبد الله المبارك وهو يبكي فقلت له مالك يا أبا عبد الرحمن قال بضاعة لي ذهبت قال قلت أو تبكي على المال قال إنما هو قوام ديني.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أيوب قال: قال لي أبو قلابة يا أيوب الزم سوقك فإنك لا تزال كريما على إخوانك ما لم تحتج إليهم.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أيوب قال: قال لي أبو قلابة الزم السوق فإن الغنى من العافيه.
(٢٧) التحلي بفضيلة الوفاء بالوعد:
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
أَثْنَى اللَّهُ عَلَى إسْمَاعِيلَ ﵇ فَقَالَ: ﴿إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]. وَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عَانَى فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ مَا لَمْ يُعَانِهِ غَيْرُهُ.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال:
إن حسن العهد من الإيمان:
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن حسن العهد) أي الوفاء والخفارة ورعاية الحرمة
(من الإيمان) أي من أخلاق أهل الإيمان ومن خصائلهم أو من شعب الإيمان ويكفي الموفي بالعهد مدحاً وشرفاً قول من علت كلمته والموفون بعهدهم إذا عاهدوا وقد [ص ٤٤٧] تظافرت على حسن العهد مع الإخوان والخلان أهل الملل والنحل وأعظم الناس وفاء بذلك ومحافظة عليه وإن تقادم عهده: الصوفية، وأنشد بحضرة العارف الشاذلي: رأى المجنون في البيداء كلبا * فجر له من الإحسان ذيلا * فلاموه لذاك وعنفوه وقالوا لم أنلت الكلب نيلا * فقال دعوا الملامة إن عيني * رأته مرة في حي ليلي فقال له كرر فلم يزل يتواجد وينتحب ثم قال جزاك اللّه خيراً يا بني على وفائك بعهدك إن حسن العهد من الإيمان والعهد لغة له معان منها حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال والمراد هنا عهد المعرفة المتقدمة.
من أقوال السلف في الوفاء بالوعد:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مكحول، قال: لا تعاهدوا السفيه ولا المنافق فما نقضوا من عهد الله أكبر من عهدكم.
стр. 6373
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ ثَلَاثٌ وَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثٌ مَنْ إذَا حَدَّثَهُمْ صَدَقَهُمْ , وَإِذَا ائْتَمَنُوهُ لَمْ يَخُنْهُمْ , وَإِذَا وَعَدَهُمْ وَفَّى لَهُمْ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ تُحِبَّهُ قُلُوبُهُمْ , وَتَنْطِقَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ أَلْسِنَتُهُمْ , وَتَظْهَرَ لَهُ مَعُونَتُهُمْ.
وَقَالَ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: طَافَ ابْنُ عُمَرَ سَبْعًا وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا أَسْرَعَ مَا طُفْتَ وَصَلَّيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ,. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَنْتُمْ أَكْثَرُ مِنَّا طَوَافًا وَصِيَامًا , وَنَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ. وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَإِنْجَازِ الْوَعْدِ. أهـ
قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة:
ومن آدابها: أن لا تعد أخاك وعدا ثم تخلفه، فإنه من النفاق.
أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن الثوري يقول: " لا تعد أخاك موعدا فتخلفه، فَتُسْتَبْدَلُ المودة بغضا "
أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن هارون بن رئاب قال لما حضرت عبد الله بن عمرو الوفاة ﵁ قال إنه كان خطب إلي ابنتي رجل من قريش وقد كان مني إلية شبيه بالوعد فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق اشهدوا أني قد زوجتها إياه.
وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عبد ربه القصاب قال واعدت محمد بن سيرين ﵀ أن أشترى له أضاحي فنسيت وعده بشغل ثم ذكرت بعد فأتيته قريبا من نصف النهار وإذا محمد ينتظرني فسلمت عليه ورفع رأسه فقال أما إنه قد يقبل أهون ذنب منك فقلت شغلت وعنفني أصحابي في المجيء إليك وقالوا قد ذهب ولم يقعد إلى الساعة فقال لو لم تجئ حتى تغرب الشمس ما قمت من مقعدي هذا إلا للصلاة أو حاجة لا بد منها.
وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أبي إسحاق قال كان أصحاب عبد الله ﵁ يقولون إذا وعد فقال إن شاء الله فلم يخلف.
(٢٨) التحلي بحُسْنِ الظَّنِّ بِأَهْلِ الدِّينِ:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إذَا ظَنَنْتُمْ فَلَا تُحَقِّقُوا.
стр. 6374
أي إذا ظننتم بأحدٍ سوأ فلا تجزموا به ما لم تتحققوه، وَهَذَا مِنْ الظَّنِّ الَّذِي يَعْرِضُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ فِي أَخِيهِ فِيمَا يُوجِبُ الرِّيبَةَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحَقِّقَهُ.
(حديث صفية الثابت في الصحيحين) أنها جاءت رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب فقام النبي ﷺ يقْلبُها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمةَ مرَّ رجلان من الأنصار فسلَّما على رسول الله ﷺ فقال لهما النبي ﷺ على رِسلكُمَا إنما هي صفية بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله وكبُرَ عليهما فقال ﷺ إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيتُ أن يقذف في قلوبكما شيئاً)
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ:
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﵁ لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ يَسْمَعُ مِنْ أَخِيهِ كَلِمَةً يَظُنُّ بِهَا سُوءًا وَهُوَ يَجِدُ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ مَخْرَجًا.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَنْتَفِعُ بِنَفْسِهِ مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِظَنِّهِ.
وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ: اتَّقُوا ظَنَّ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ أهـ
﴿تنبيه﴾: لا يجوز أن يُحْسَنَ الظنُ بما يُخَالفُ الشرع:
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: ما أظن فلاناً وفلاناً يعرفان من ديننا شيئاً). قال الليث: كانا رجلين من المنافقين.
(٢٩) التحلي بالْتِزَامِ الْمَشُورَةِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا:
قال تَعَالَى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمران: ١٥٩]
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. مَعْنَاهُ: اسْتَخْرِجْ آرَاءَهُمْ وَاعْلَمْ مَا عِنْدَهُمْ.
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: المستشارُ مُؤتَمَن.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال من أُفْتِىَ بغير علمٍ كان إثْمُه على من أفتاه و من أشار على أخيه بأمرٍ يعلمُ أن الرشدَ في غيرهِ فقد خانَه.
стр. 6375
أورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال:
إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ ﷺ بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابِهِ حَاجَةً مِنْهُ. إلَى رَأْيِهِمْ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ مَا فِي الْمَشُورَةِ مِنْ الْبَرَكَةِ.
وأورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: شَاوِرْ فِي أَمْرِكَ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ .
وأورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قال: مَا نَزَلَتْ بِي قَطُّ عَظِيمَةٌ فَأَبْرَمْتُهَا حَتَّى أُشَاوِرَ عَشَرَةً مِنْ قُرَيْشٍ , فَإِنْ أَصَبْتُ كَانَ الْحَظُّ لِي دُونَهُمْ , وَإِنْ أَخْطَأْتُ لَمْ أَرْجِعْ عَلَى نَفْسِي بِلَائِمَةٍ.
وأورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ قال: لَأَنْ أُخْطِئَ وَقَدْ اسْتَشَرْتُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُصِيبَ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ.
وأورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ قال: الْخَطَأُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّوَابِ مَعَ الْفُرْقَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ لَا تُخْطِئُ وَالْفُرْقَةُ لَا تُصِيبُ.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك، حدثني من أرضي أن عمر بن الخطاب أوصى رجلاً، فقال: لا تعترض فيما لا يعنيك، واجتنب عدوك، واحذر خليلك، ولا أمير من القوم إلا من خشي الله، والأمين من القوم لا تعدل به شيئاً، ولا تصحبن فاجراً كي تعلم من فجوره، ولا تفش إليه سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله.
(٣٠) التحلي بفضيلة مدارة الناس:
(حديث عائشة في الصحيحين) قالت استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو بن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: رَأْسُ الْمُدَارَاةِ تَرْكُ الْمُمَارَاةِ.
стр. 6376
أورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: شَرْطُ الصُّحْبَةِ إقَالَةُ الْعَثْرَةِ , وَمُسَامَحَةُ الْعِشْرَةِ , وَالْمُوَاسَاةُ فِي الْعُسْرَةِ.
الفرق بين المداراة والمداهنة:
مسألة: ما الفرق بين المداراة والمداهنة مع أن كلاهما ملاينة؟
فصل الخطاب في الفرق بين المداراة والمداهنة أن كلاهما ملاينة إلا أن المداراة ملاينة للوصول إلى حق والمداهنة ملاينة للوصول إلى باطل.
[*] قال معاوية ابن أبي سفيان ﵁: لو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا مدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها.
[*] أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن إبراهيم بن أدهم قال قال أبو الدرداء لأم الدرداء إذا غضبت فرضيني وإذا غضبت رضيتك فإذا لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق.
[*] أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ابن الحنفية قال ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بداً حتى يأتيه الله منه بالفرج أو المخرج. أهـ
فالواجب على العاقل أن يداري الناس مداراة الرجل السابح في الماء الجاري ومن ذهب إلى عشرة الناس من حيث هو كدر على نفسه عيشه ولم تصف له مودته لأن وداد الناس لا يستجلب إلا بمساعدتهم على ما هم عليه إلا أن يكون مأثما فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة والبشر قد ركب فيهم أهواء مختلفة وطبائع متباينة فكما يشق عليك ترك ما جبلت عليه فكذلك يشق على غيرك مجانبة مثله فليس إلى صفو ودادهم سبيل إلا بمعاشرتهم من حيث هم والإغضاء عن مخالفتهم في الأوقات.
ولله درُّ من قال:
دار من الناس ملالاتهم ... من لم يدار الناس ملوه
ومكرم الناس حبيب لهم ... من أكرم الناس أحبوه
[*] أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن معاذ بن سعد الأعور قال كنت جالسا عند عطاء بن أبي رباح فحدث رجل بحديث فعرض رجل من القوم في حديثه قال فغضب وقال ما هذه الطباع إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به فأريه كأني لا أحسن منه شيئا.
(٣١) التآلف مع الإخوان:
ومن أهم الآداب التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها في معاشرة الإخوان التآلف مع الإخوان فإن المؤمن يألف و يؤلف و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف.
стр. 6377
(حديث جابر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: المؤمن يألف و يؤلف و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف و خير الناس أنفعهم للناس.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
[المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس] قال الماوردي: بين به أن الإنسان لا يصلح حاله إلا الألفة الجامعة فإنه مقصود بالأذية محسود بالنعمة فإذا لم يكن ألفاً مألوفاً تختطفه أيدي حاسديه وتحكم فيه أهواء أعاديه فلم تسلم له نعمة ولم تصف له مدة وإذا كان ألفاً مألوفاً انتصر بالألف على أعاديه وامتنع بهم من حساده فسلمت نعمته منهم وصفت مودته بينهم.
(حديث أبي سعيد ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أَكْمَلُ المُؤْمِنِيْنَ إِيْمَانَاً أَحْسَنُهُم خُلِقَا المُوَطَئُونَ أَكْنَافَاً الذِيْنَ يَأْلَفُوْنَ وَيُؤْلَفُوْنَ وَلَا خَيْرَ فِيْمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ.
[*] أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ميمون بن مهران قال التودد إلى الناس نصف العقل وحسن المسألة نصف العلم واقتصادك في معيشتك يلقي عنك نصف المؤونه.
﴿تنبيه﴾: حاجة المرء إلى الناس مع محبتهم إياه خير من غناه عنهم مع بغضهم إياه والسبب الداعي إلى صد محبتهم له هو التضايق في الأخلاق وسوء الخلق لأن من ضاق خلقه سئمه أهله وجيرانه واستثقله إخوانه فحينئذ تمنوا الخلاص منه ودعوا بالهلاك عليه.
سبب استثقال الناس للإنسان:
الاستثقال من الناس يكون سببه شيئين أحدهما مقارفة المرء ما نهى الله عنه من المآثم لأن من تعدى حرمات الله أبغضه الله ومن أبغضه الله أبغضته الملائكة ثم يوضع له البغض في الأرض فلا يكاد يراه أحد إلا استثقله وأبغضه، والسبب الآخر هو استعمال المرء من الخصال ما يكره الناس منه فإذا كان كذلك استحق الاستثقال منهم.
(٣٢) النهي عن مصاحبة أهل الأهواء والبدع:
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
стр. 6378
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵀ فِي كِتَابِ التَّبْصِرَةِ لَهُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁ وَإِذَا رَأَيْت الشَّابَّ أَوَّلَ مَا يَنْشَأُ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَأَرْجِهْ وَإِذَا رَأَيْته مَعَ أَصْحَابِ الْبِدَع فَايئَسْ مِنْهُ فَإِنَّ الشَّابَّ عَلَى أَوَّلِ نُشُوئِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ السِّرِّ الْمَكْتُومِ لَمَّا ذَكَرَ الْمُعْتَزِلَةَ وَغَيْرَهُمْ وَالْفَلَاسِفَةَ قَالَ اللَّهَ اللَّهَ مِنْ مُصَاحَبَةِ هَؤُلَاءِ , وَيَجِبُ مَنْعُ الصِّبْيَانِ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ لِئَلَّا يَثْبُتَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاشْغَلُوهُمْ بِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتُعْجَنَ بِهَا طَبَائِعُهُمْ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ إلَى مُسَدَّدٍ: وَلَا تُشَاوِرْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي دِينِك , وَلَا تُرَافِقْهُ فِي سَفَرِك.
(٣٣) أن يعيش بين إخوانه بالمودة والرحمة:
من أهم آداب معاشرة الإخوان أن يعيش بين إخوانه بالمودة والرحمة حتى يصيروا معاً كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى.
(حديث النعمان بن بشير في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(مثل المؤمنين) الكاملين في الإيمان
(في توادهم) أي تحاب
(وتراحمهم) أي تلاطفهم
(وتعاطفهم) قال ابن أبي جمرة: الثلاثة وإن تفاوت معناها بينها فرق لطيف فالمراد بالتراحم أن يرحم بعضهم بعضاً لحلاوة الإيمان لا لشيء آخر وبالتواد التواصل الجالب للمحبة كالتهادي وبالتعاطف إعانة بعضهم بعضاً
(مثل الجسد الواحد) بالنسبة لجميع أعضائه، وجه الشبه فيه التوافق في التعب والراحة
(إذا اشتكى منه عضو) أي مرض
(تداعى له سائر الجسد) يعني دعا بعضهم بعضاً إلى المشاركة في الألم
(بالسهر) بفتح الهاء ترك النوم لأن الألم يمنع النوم
стр. 6379
(والحمى) لأن فقد النوم يثيرها والحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب فتنبث به في جميع البدن ثم لفظ الحديث خبر ومعناه أمر أي كما أن الرجل إذا تألم بعض جسده سرى ذلك الألم إلى جميع جسده فكذا المؤمنون ليكونوا كنفس واحدة إذا أصاب أحدهم مصيبة يغتم جميعهم ويقصدوا إزالتها.
(حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(المؤمن للمؤمن كالبنيان) أي الحائط لا يتقوى في أمر دينه ودنياه إلا بمعرفة أخيه كما أن بعض البنيان يقوى ببعضه.
(يشد بعضه بعضاً) بيان لوجه التشبيه وبعضاً منصوب بنزع الخافض أو مفعول يشد وتتمته كما في البخاري ثم شبك بين أصابعه أي يشد بعضهم بعضاً مثل هذا الشد فوقع التشبيك تشبيهاً لتعاضد المؤمنين بعضهم ببعض كما أن البنيان الممسك بعضه ببعض يشد بعضه بعضا وذلك لأن أقواهم لهم ركن وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي، وفيه تفضيل الاجتماع على الانفراد ومدح الاتصال على الانفصال فإن البنيان إذا تفاصل بطل وإذا اتصل ثبت الانتفاع به بكل ما يراد منه.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
" ومما لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ , وَيَغْفِرَ زَلَّتَهُ , وَيَرْحَمَ عَبْرَتَهُ , وَيُقِيلَ عَثْرَتَهُ , وَيَقْبَلَ مَعْذِرَتَهُ , وَيَرُدَّ غِيبَتَهُ , وَيُدِيمَ نَصِيحَتَهُ , وَيَحْفَظَ خِلَّتَهُ , وَيَرْعَى ذِمَّتَهُ , وَيُجِيبَ دَعْوَتَهُ , وَيَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ , وَيُكَافِئَ صِلَتَهُ , وَيَشْكُرَ نِعْمَتَهُ , وَيُحْسِنَ نُصْرَتَهُ , وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ , وَيَشْفَعَ مَسْأَلَتَهُ , وَيُشَمِّتَ عَطْسَتَهُ , وَيَرُدَّ ضَالَّتَهُ , وَيُوَالِيَهُ , وَلَا يُعَادِيَهُ , وَيَنْصُرَهُ عَلَى ظَالِمِهِ , وَيَكُفَّهُ عَنْ ظُلْمِهِ غَيْرِهِ , وَلَا يُسْلِمَهُ , وَلَا يَخْذُلَهُ , وَيُحِبَّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ , وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ " أهـ
(٣٤) دفع السيئة بالحسنة:
стр. 6380
إن دفع السيئة بالحسنة يحوِّل العداوة إلى محبة بنص القرآن الكريم، قال تعالى: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّاهَآ إِلاّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ) [سورة: فصلت /٣٤،٣٥]
[*] قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره:
قوله تعالى: [ادفع بالتي هي أحسن] قال ابن عباس: أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضاً: هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك.
وقوله تعالى: " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " أي قريب حديق
قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذا الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم. وروي أن رجلاً شتم قنبراً مولى علي بن أبي طالب فناداه علي يا قنبر! دع شاتمك، واله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه.
﴿تنبيه﴾: إذا قابلت إساءة الإنسان بعفوك وإحسانك لا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن رجلا قال يا رسول الله إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني وأُحسنُ إليهم ويُسيئون إلي وأحلُمُ عنهم ويجهلون علي فقال ﷺ لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهمُ المَلَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك.
الشاهد من الحديث:
قوله ﷺ [لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهمُ المَلَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك]
ومعنى الملَّ: الرماد الحار
ومعنى [تُسِفُّهمُ المَلَّ]: أي تطعمهم الرماد الحار، والمقصود أنك منصورٌ عليهم وتنقطع حجتهم كما ينقطع كلام من سَفَّ الرماد الحار.
(٣٥) قضاء حوائج الإخوان والشفاعةِ فيها:
ومن أفضل معاشرة الإخوان قضاء حوائج المسلمين والشفاعةِ فيها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
(حديث محمد بن المنكدر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دينا تقضي له حاجة تنفس له كربة.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(من أفضل العمل إدخال السرور) أي الفرح
стр. 6381
(على المؤمن) إذا كان ذلك من المطلوبات الشرعية كأن
(تقضي عنه ديناً) لا يقدر على وفائه ويحتمل الإطلاق لأن تحمل ذلك عنه يسره غالباً.
(تقضي له حاجة) لا يستطيع إبلاغها أو يستطيعه
(تنفس له كربة) من الكرب الدنيوية أو الأخروية فكل واحدة من هذه الخصال من أفضل الأعمال بلا إشكال بل ربما وقع في بعض الأحيان أن يكون ذلك من فروض الأعيان.
(حديث جابر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: خير الناس أنفعهم للناس.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(خير الناس أنفعهم للناس) بالإحسان إليهم بماله وجاهه فإنهم عباد فإنهم عباد اللّه وأحبهم إليه وأنفعهم لعياله أي أشرفهم عنده أكثرهم نفعاً للناس بنعمة يسديها أو نقمة يزويها عنهم ديناً أو دنيا ومنافع الدين أشرف قدراً وأبقى نفعاً قال بعضهم: هذا يفيد أن الإمام العادل خير الناس أي بعد الأنبياء لأن الأمور التي يعم نفعها ويعظم وقعها لا يقوم بها غيره وبه نفع العباد والبلاد وهو القائم بخلافة النبوة في إصلاح الخلق ودعائهم إلى الحق وإقامة دينهم وتقويم أودهم ولولاه لم يكن علم ولا عمل.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الساعي على الأرملة و المسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(الساعي على الأرملة) براء مهملة التي لا زوج لها.
(والمسكين) أي الكاسب لهما العامل لمؤونتهما
(كالمجاهد في سبيل اللّه) لإعلاء كلمة اللّه
(أو) كذا بالشك في كثير من الروايات وفي بعضها بالواو
(القائم الليل) في العبادة ويجوز في الليل الحركات الثلاث كما في قولهم الحسن الوجه
(الصائم النهار) لا يفتر ولا يضعف وأل في المجاهد والقائم معرفة ولذلك جاء في بعض الروايات وصف كل منهما بجملة فعلية بعده وهو كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.
(حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أنا و كافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بأُصبعيه بالسبابة والوسطى.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(أنا وكافل اليتيم) أي القائم بأمره ومصالحه هبه من مال نفسه أو من مال اليتيم كان ذا قرابة أم لا.
стр. 6382
(في الجنة هكذا) وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما أي أن الكافل في الجنة مع النبي ﷺ إلا أن درجته لا تبلغ بل تقارب درجته وفي الإشارة إشارة إلى أن بين درجته والكافل قدر تفاوت ما بين المشار به ويحتمل أن المراد قرب المنزلة حال دخول الجنة أو المراد في سرعة الدخول وذلك لما فيه من حسن الخلافة للأبوين ورحمة الصغير وذلك مقصود عظيم في الشريعة ومناسبة التشبيه أن النبي ﷺ شأنه أن يبعث لقوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً ومرشداً لهم ومعلماً وكافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل فيرشده ويعقله وهذا تنويه عظيم بفضل قبول وصية من يوصى إليه ومحل كراهة الدخول في الوصايا أن يخاف تهمة أو ضعفاً عن القيام بحقها.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
كَانَ السَّلَفُ ﵏ يُذْهِبُونَ حُزْنَ الْأَيْتَامِ , وَالْأَرَامِلِ وَيُزِيلُونَ ذُلَّ الْيَتِيمِ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ حَتَّى صَارُوا كَالْآبَاءِ , وَالْأُمَّهَاتِ لِلْيَتِيمِ لَا يَتْرُكُونَهُ يُضَامُ وَيَتَنَاضَلُونَ عَنْهُ , وَفِي الْجُمْلَةِ الْكِرَامُ لَا يَبِينُ بَيْنَهُمْ يُتْمُ أَوْلَادِ الْجِيرَانِ وَلَا النَّازِلُ مِنْ الْقَاطِنِينَ.
أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن محمد بن المنكدر قال: " لم يبق من لذة الدنيا إلا قضاء حوائج الإخوان.
(حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا و يقضي الله على لسان نبيه ما أحب.
(حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: إن الرجل ليسألني الشيء فأمنعه حتى تشفعوا فيه فتؤجروا.
﴿تنبيه﴾:من لم ينفع العباد بما اختصه الله من النعم فإنه عُرْضَةٌ لسلب نعم الله منه وتحويلها إلى غيره بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ مَا بَذَلُوهَا , فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إلَى غَيْرِهِمْ.
стр. 6383
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم و أحب الأعمال إلى الله عز و جل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا و لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا ومن كف غضبه ستر الله عورته و من كظم غيظا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة و من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في قضاء الحوائج عن عثمان بن واقد العمرى قال قيل لمحمد ابن المنكدر أي الدنيا أعجب إليك قال إدخال السرور على المؤمن من موجبات المغفرة إدخال السرور على المسلم.
وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في قضاء الحوائج عن الحسن لأن أقضى لمسلم حاجة أحب إلى من أن أصلى ألف ركعة.
وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في قضاء الحوائج عن الحسن قال لأن أقضى لأخ حاجة أحب إلى من أن أعتكف شهرين.
وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في قضاء الحوائج عن محمد بن واسع ما رددت أحدا عن حاجة أقدر على قضائها ولو كان فيها ذهاب مالي.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي معمر شبيب بن شيبه الخطيب قال لما حضرت ابن سعيد ابن العاص الوفاة قال لبنيه يا بني ايكم يقبل وصيتي فقال ابنه الأكبر أنا قال إن فيها قضاء ديني قال وما دينك يا أبت قال ثمانون ألف دينار قال يا أبت فيم أخذتها قال يا بني في كريم سددت خلته ورجل جائني في حاجة وقد رأيت السوء في وجهه من الحياء فبدأت بحاجته قبل أن يسألها.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الحسن قال: قضاء حاجة أخ مسلم أحب إلي من اعتكاف شهرين.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ابن عائشة قال: قال أبي جاء رجل إلى يحيى بن طلحة بن عبيد الله فقال له هب لي شيئا قال يا غلام أعطه ما معك فأعطاه عشرين ألفا فأخذها ليحملها فثقلت عليه فقعد يبكي فقال ما يبكيك لعلك استقللتها فازيدك قال لا والله ما استقللتها ولكن بكيت على ما تأكل الأرض من كرمك فقال له يحيى هذا الذي قلت لنا أكثر مما أعطيناك.
стр. 6384
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سعيد بن عبد العزيز أن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ سمع رجلا إلى جنبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم فانصرف فبعث بها إليه.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ لِقُتَيْبَةِ بْنِ مُسْلِمٍ: إنِّي أَتَيْتُك فِي حَاجَةٍ رَفَعْتهَا إلَى اللَّهِ قَبْلَك فَإِنْ يَأْذَنْ اللَّهُ فِيهَا قَضَيْتهَا وَحَمِدْنَاك , وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهَا لَمْ تَقْضِهَا وَعَذَرْنَاك.
وَكَتَبَ سَوَّارُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارِ الْقَاضِي إلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ:
لَنَا حَاجَةٌ وَالْعُذْرُ فِيهَا مُقَدَّمٌ: خَفِيفٌ وَمَعْنَاهَا مُضَاعَفَةُ الْأَجْرِ
فَإِنْ تَقْضِهَا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّنَا: وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى فَفِي وَاسِعِ الْعُذْرِ
عَلَى أَنَّهُ الرَّحْمَنُ مُعْطٍ وَمَانِعٌ: وَلِلرِّزْقِ أَسْبَابٌ إلَى قَدَرٍ يَجْرِي
فَأَجَابَهُ مُحَمَّدُ بْنِ طَاهِرٍ:
فَسَلْهَا تَجِدْنِي مُوجِبًا لِقَضَائِهَا: سَرِيعًا إلَيْهَا لَا يُخَاطِبُنِي فِكْرُ
شَكُورٌ بِإِفْضَالِي عَلَيْك بِمِثْلِهَا: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا حَوَتْهُ يَدِي شُكْرُ
فَهَذَا قَلِيلٌ لِلَّذِي قَدْ رَأَيْته: لِحَقِّك لَا مَنٌّ لَدَيَّ وَلَا ذُخْرُ
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: لَا تَطْلُبُوا الْحَوَائِجَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا , وَلَا تَطْلُبُوهَا فِي غَيْرِ حِينِهَا , وَلَا تَطْلُبُوا مَا لَا تَسْتَحِقُّونَ مِنْهَا , فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ مَا لَا يَسْتَحِقُّ اسْتَوْجَبَ الْحِرْمَانَ.
وَقَالَ آخَرُ:
لَا تَطْلُبَنَّ إلَى لَئِيمٍ حَاجَةً: وَاقْعُدْ فَإِنَّك قَائِمٌ كَالْقَاعِدِ
يَا خَادِعَ الْبُخَلَاءِ عَنْ أَمْوَالِهِمْ: هَيْهَاتَ تَضْرِبُ فِي حَدِيدٍ بَارِدِ
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
اقْضِ الْحَوَائِجَ مَا اسْتَطَعْتَ وَكُنْ لِهَمِّ أَخِيكَ فَارِجْ: فَلَخَيْرُ أَيَّامِ الْفَتَى يَوْمٌ قَضَى فِيهِ الْحَوَائِجْ.
وقوف أمير المؤمنين عمر لعجوز استوقفته:
стр. 6385
أخرج ابن أبي حاتم والدارمي والبيهقي عن أبي يزيد قال: لقي عمر بن الخطاب ﵁ امرأة يقال لها خولة ﵂ وهي تسير مع الناس، فاستوقفته فوقف لها، ودنا منها وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على مَنْكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذا العجوز؟ قال: ويك أتدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تُقضي حاجتها.
وعند البخاري في تاريخه وابن مَرَدَوَيه عن ثُمامة بن حَزْن ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ يسير على حماره لقيته امرأة فقالت: قف يا عمر، فوقف فأغلظت له القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم، قال: وما يمنعني أن أسمع لها وهي التي سمع الله لها وأنزل فيها ما أنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ (سورة المجادلة، الآية: ١). كذا في الكنز.
وقوف أمير المؤمنين عمر لعجوز استوقفته:
أخرج ابن أبي حاتم والدارمي والبيهقي عن أبي يزيد قال: لقي عمر بن الخطاب ﵁ امرأة يقال لها خولة ﵂ وهي تسير مع الناس، فاستوقفته فوقف لها، ودنا منها وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على مَنْكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذا العجوز؟ قال: ويك أتدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تُقضي حاجتها.
وعند البخاري في تاريخه وابن مَرَدَوَيه عن ثُمامة بن حَزْن ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ يسير على حماره لقيته امرأة فقالت: قف يا عمر، فوقف فأغلظت له القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم، قال: وما يمنعني أن أسمع لها وهي التي سمع الله لها وأنزل فيها ما أنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ (سورة المجادلة، الآية: ١). كذا في الكنز.
أفضل العطية ما كان قبل الطلب:
أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في قضاء الحوائج عن عبيد الله بن عباس قال لأخيه إن أفضل العطية ما أعطيت الرجل قبل المسألة فإذا سألك فإنما تعطيه ثمن وجهه حين بذله إليك.
стр. 6386
وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في قضاء الحوائج عن عبد الله بن جعفر قال ليس الجواد الذي يعطيك بعد المسألة ولكن الجواد الذي يبتدئ لأن ما يبذله إليك من وجهه أشد عليه مما يعطى عليه.
(٣٦) صنع المعروف:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان صنع المعروف، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: صنائع المعروف تقي مصارع السوء و الآفات و الهلكات و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة) هذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله.
[*] قال علي كرم اللّه وجهه: لا يزهدك في المعروف كفر من كفر فقد يشكره الشاكر أضعاف جحود الكافر قال الماوردي: فينبغي لمن قدر على ابتداء المعروف أن يعجله حذراً من قوته ويبادر به خيفة عجزه ويعتقد أنه من فرص زمانه وغنائم إمكانه ولا يمهله ثقة بالقدرة عليه فكم من واثق بقدرة فاتت فأعقبت ندماً ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلاً ولو فطن لنوائب دهره وتحفظ من عواقب فكره لكانت مغارمه مدحورة ومغانمه محبورة وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها.
(٣٧) شكر المعروف والمجازاة على صنعه:
ينبغي على المسلم أن يتحلى بشكر المعروف فإن ذلك مما حث عليه النبي ﷺ كما بيَّن ﷺ أن من لم يشكر الناس لا يوفق لشكر الله تعالى
(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال: من استعاذكم بالله فأعيذوه و من سألكم بالله فأعطوه و من دعاكم فأجيبوه و من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه.
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من لا يشكرُ الناس لا يشكرُ الله.
معنى [من لا يشكر الناس لا يشكر الله]: فيها وجهان:
الأول: من كان طبعه وعادته عدم شكر الناس على معروفهم فإنه لا يوفق لشكر الله تعالى
والثاني: أن الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر الناس على إحسانهم إليه.
стр. 6387
ومن أفضل الآداب في معاشرة الإخوان التحلي بالمجازاة على صنع المعروف، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من لا يشكر الناس لا يشكر الله.
(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال: من استعاذكم بالله فأعيذوه و من سألكم بالله فأعطوه و من دعاكم فأجيبوه ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه.
ومن الثناء كقول جزاك الله خير، و الدعاء أيضاً وسيلة للشكر.
(حديث أسامة بن زيد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن العقبي قال مر سعيد بن العاص بدار رجل بالمدينة فاستسقى فسقوه ثم مر بعد ذلك بالدار ومناد ينادى عليها فيمن يزيد فقال لمولاه سل لم تباع هذه؟ فرجع إليه فقال على صاحبها دين قال فارجع إلى الدار فرجع فوجد صاحبها جالسا وغريمه معه فقال لم تبيع دارك؟ قال لهذا علي أربعة آلاف دينار فنزل وتحدث معهما وبعث غلامه فأتاه ببدرة فدفع إلى الغريم أربعة آلاف ودفع الباقي إلى صاحب الدار وركب ومضى.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي عيسى قال كان إبراهيم ابن أدهم إذا صنع إليه أحد معروفا حرص على أن يكافئه أو يتفضل عليه قال أبو عيسى فلقيني وأنا على حمار وأنا أريد بيت المقدس جائيا من الرملة قال وقد اشترى بأربعة دوانيق تفاحا وسفرجلا وخوخا وفاكهة فقال يا أبا عيسى أحب أن تحمل هذا قال وإذا عجوز يهودية في كوخ لها فقال أحب أن توصل هذا إليها فإنني مررت وأنا ممس فبيتتنى عندها فأحب أن أكافئها على ذلك.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن علي بن محمد قال مر عمر بن هبيرة لما انصرف في طريقه فسمع امرأة من قيس تقول لا والذي ينجي عمر بن هبيرة فقال يا غلام أعطها ما معك وأعلمها أني قد نجوت.
(٣٨) الزهد فيما عند الناس:
قال تعالى: (وَلاَ تَمُدّنّ عَيْنَيْكَ إِلَىَ مَا مَتّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ) [سورة: طه - الآية: ١٣١]
стр. 6388
[*] قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره:
ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزناً، فإنه لا بقاء لها.
" ولا تمدن " أبلغ من لا تنظرن، لأن الذي يمد بصره، إنما يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه.
(حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح ابن ماجة) قال أتى النبي ﷺ رجلٌ فقال يا رسول الله: دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله ﷺ : ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.
(٣٩) مراعاة أحاسيس الناس ومشاعرهم:
من أهم آداب معاشرة الإخوان مراعاة أحاسيس الناس ومشاعرهم وجبر خاطرهم، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث الصعب بن جثامة الليثي في الصحيحين) أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودَّان فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم.
﴿تنبيه﴾: ومن ذلك أنه لا يواجه الناس بالعتاب مراعاة لأحاسيس الناس ومشاعرهم تأسياً بالنبي ﷺ
(حديث عائشة في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ كان إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ و لكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا و كذا.
(٤٠) إدخال السرور على المسلم:
من أفضل آداب معاشرة الإخوان إدخال السرور على المسلم فإنها من أفضل الأعمال بنص السنة الصحيحة
(حديث محمد بن المنكدر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دينا تقضي له حاجة تنفس له كربة.
(٤١) الإنصاف لأخيك:
من أفضل آداب معاشرة الإخوان الإنصاف لأخيك المسلم فإنها من أفضل الأعمال، فلا تكون كحال من يرى عيوب أخيه وينسى عيوب نفسه
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: يَبْصُرُ أحدكم القذى في عين أخيه و ينسى الجذعَ في عينه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(يبصر أحدكم القذى في عين أخيه) في الإسلام جمع قذاة وهي ما يقع في العين والماء والشراب من نحو تراب وتبن ووسخ
стр. 6389
(وينسى الجذع في عينه) واحد جذوع النخل، كأن الإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه فيدركه مع خفائه فيعمى به عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به مثل ضرب لمن يرى الصغير من عيوب الناس ويعيرهم به وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة وذلك من أقبح القبائح وأفضح الفضائح فرحم اللّه من حفظ قلبه ولسانه ولزم شأنه وكف عن عرض أخيه وأعرض عما لا يعنيه فمن حفظ هذه الوصية دامت سلامته وقلت ندامته فتسليم الأحوال لأهلها أسلم واللّه أعلى وأعلم.
(٤٢) عدم تتبع عورات المسلمين وزلاتهم:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان عدم تتبع عورات المسلمين وزلاتهم فإنه داءٌ وبيل بل إنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب، لأنك إذا تتبعت عيوب أخيك المسلم أفسدته.
(حديث معاوية في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إذا قال العبد هلك الناس فهو أهلَكهم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشافعي قال: اللبيب العاقل، هو الفطن المتغافل.
أُتيَّ ابن مسعود برجلٍ فقيل له: هذا فلانٌ تقطُرُ لحيته خمراً فقال: إنا قد نُهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.
(حديث أبي برزة الأسلمي في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: يا معشر من آمن بلسانه و لم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين و لا تتبعوا عوراتهم فمن يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، و من يتبع الله عورته يفضحه في بيته.
[*] قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات.
أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن عبد الله بن محمد بن منازل يقول: " المؤمن يطلب معاذير إخوانه، والمنافق يطلب عثرات (١) إخوانه "
وأورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن حمدون القصار يقول: " إذا زل أخ من إخوانكم فاطلبوا له سبعين عذرا، فإن لم تقبله قلوبكم فاعلموا أن المعيب أنفسكم؛ حيث ظهر لمسلم سبعون عذرا فلم تقبله "
وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عون بن عبد الله قال لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه.
стр. 6390
فيجب على المرء المسلم أن يهتم بإصلاح نفسه وتزكيتها من العيوب والآفات، كما أن عليه أن يكف عن تتبع عورات الآخرين والخوض في أعراضهم؛ فإن هذا مما لا يجوز فعله، والإنسان سوف يحاسب بين يدي الله عن ذنوبه لا عن ذنوب غيره، فالأولى اشتغاله بها.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: يَبْصُرُ أحدكم القذى في عين أخيه و ينسى الجذعَ في عينه.
فقوله ﷺ : (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه) القذى: هو ما يقع في العين أو في الماء والشراب من نحو تراب ووسخ أيَّ قاذورات أو أذى أو تراب يقع، سواء في العين أو في الماء أو في الشراب، فيطلق عليه القذى. إذاً المقصود به "الأشياء الهينة الصغيرة التي تكاد لا تدرك"، يبصرها الإنسان ويفتح عينيه لها ما دامت في عين أخيه ـ يعني: أخاه في الإسلام ـ وفي نفس الوقت ينسى الجذع في عينه، والجذع هو واحد جذوع النخل، وهذه من المبالغة، وكأن جذع شجرة موجود في عينه من العيوب، ثم هو يتجاهله ولا يشتغل بإصلاحه، في حين أنه يدقق ويتحرى مع الآخرين بحيث يدرك عيوبهم مع خفائها. فيؤخذ من هذا الحديث أن الإنسان لنقصه ولحب نفسه يدقق النظر في عيب أخيه، فيدرك عيب أخيه مع خفائه، فيعمى به عن عيبٍ في نفسه ظاهر لا خفاء به، ولو أنه اشتغل بعيب نفسه عن التفرغ لعيوب الناس وتتبعها لكف عن أعراض الناس، ولسد باب آفات اللسان وأعظمها الغيبة، يقول الشاعر: عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعاً ولا يبكي على موته دما، وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيماً وفي عينيه عن عيبه عمى وقال الإمام أبو حاتم بن حبان رحمه الله تعالى: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه، ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من عيب أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب الناس عابوه، ومن ذمهم ذموه.
ولله درُ الشافعي رحمه الله تعالى حيث قال:
المرء إن كان عاقلاً ورعاً ... أشغله عن عيوب غيره ورعه
كما العليل السقيم أشغله ... عن وجع الناس كلهم وجعه
стр. 6391
كما أن العليل السقيم أو المريض يشغله الألم الذي يجده في مرضه عن ألم غيره، فكذلك ينبغي للإنسان أن يشتغل بعيب نفسه عن عيب غيره على حد قول الشاعر: أي: الجراح التي في غيري لا تداوي الجراح التي فيَّ، وقوله (ما به به وما بي بي) يعني: الأولى أن يشتغل الإنسان بالعيوب التي في نفسه.
[*] وعن مجاهد قال: ذكروا رجلاً ـ يعني: كأنهم ذكروا عيوب هذا الرجل ـ فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك). وهذا علاج لهذا الداء على الإنسان أن لا يسهو ولا يغفل عنه، وهو أنه إذا هم أن يتكلم في عيوب الآخرين فليفكر أولاً وليذكر عيوب نفسه وينشغل بها، فسيجد فيها غنية عن أن يشتغل بعيوب الآخرين، فهذا من أدوية هذا الداء (إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك)، فإذا فتشت سوف تجد كثيراً جداً يشغلك إصلاحه في نفسك عن الاشتغال بذم غيرك.
[*] وقال أحد السلف: إن من تصرف في نفسه فعرفها صحت له الفراسة فيغيره وأحكمها. وعن بكر قال: تساب رجلان، فقال أحدهما: محلمي عنك ما أعرف من نفسي. يعني: تشاتما وسب أحدهما الآخر، فرد الشخص المسبوب فقال له: محلمي عنك ـ يعني: الذي يجعلني أتحلم وأصبر عن أن أرد عليك بالمثل ـ ما أعرف من نفسي. يعني: أنا أعرف أن في نفسي من العيوب الكثير، فهذا يجعلني عوناً لك عليها، ولست أتخذ موقف الدفاع عنها؛ لأن فيها من العيوب ما تستحق به أن تُذم، ولذلك قال له: محلمي عنك ما أعرف من نفسي.
[*] وقيل للربيع بن خثيم رحمه الله تعالى: ما نراك تغتاب أحداً؟ فقال: لست عن حالي راضياً حتى أتفرغ لذم الناس ثم أنشد: لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغل.
[*] قال عون بن عبد الله رحمه الله تعالى: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه. يعني: هذا يدل على أنه إنسان غافل؛ حيث يشتغل بتراب وقع على ثوب غيره أو نملة تمشي على ثوبه، في حين أن داخل ثيابه هو العقارب والحيات والآفات تنهش فيه، فيشتغل بهذا الذي لا يعنيه -وهو أمر يسير مهما كان- عن هذا الأمر الخطير الذي يحدث به، وعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: (كنا نحدث أن أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس) أي: لأنه إذا اشتغل الإنسان بخطايا وبعيوب الناس لا شك أن هذا سيشغله عن إصلاح نفسه، وبالتالي تكثر خطاياه، ولا يتوب منها، ولا يعاتب نفسه؛ لأنه غير متفرغ لإصلاح نفسه.
стр. 6392
وتأمل في قول بن سيرين الآتي ـ في توجيهه لمن يشغل نفسه بسب الحجاج ـ بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد حتى تنشغل بعيوبك عن عيوب غيرك وإن كان ظالماً غاشماً، وإن بلغ ظلمه عنان السماء، وإن كان غارقاً في الظلم إلى الأذقان.
[*] قال الهيثم بن عبيد الصيدلاني: سمع ابن سيرين رجلاً يسب الحجاج، فقال: مَه أيها الرجل ـ أي: انصت وتعقل وتفكر ـ! إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملت قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج. أي أنه يقول له: كف عن هذا، ولا تضيع وقتك بالاشتغال بسب الحجاج، مع أن الحجاج رجل ظالم فعل ما فعل من الكبائر، لكن انظر إلى هنا إلى "طريقة تفكير ابن سيرين"، حيث إنه يدل الإنسان على أن يشتغل بعيب نفسه حتى لو كان في غيره من العيوب ما الله به عليم. فيقول: مه أيها الرجل! إنك لو وافيت الآخرة ـ أي: إذا قامت القيامة ووقفت بين يدي الله فأيهما أخطر عليك: أقل ذنب أنت عملته بنفسك، أم أعظم ذنب عمله الحجاج؟ الجواب: ما عملته أنت بنفسك، فلهذا ينبغي أن تخاف من ذنبك أكثر من ذنوب غيرك؛ لأن هذا سوف يضرك إن لم يتب الله عليك. قال ابن سيرين: إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن الله حكم عدل، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه شيئاً فشيئاً أخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلن نفسك بسب أحد. أي أن الله حكم عدل، فإذا أنت جاوزت الحد وبغيت على الحجاج نفسه ـ مع أن الحجاج كان ظالماً وباغياً ـ فالله حكم عدل، وإن أخذ من الحجاج لمن ظلمه الحجاج شيئاً فشيئاً للمظلومين الذين ظلمهم الحجاج؛ لأنه سوف ينتقم الله من الحجاج إن شاء ذلك، ويأخذ من الحجاج بقدر ظلمه لهؤلاء الناس، لكن بجانب ذلك أيضاً الله لأنه حكم عدل سوف يأخذ للحجاج ممن ظلم الحجاج، فإذا أنت اشتغلت بذنبه وسبه وبغيت في ذلك فلا تأمن أن الله سوف يعاقبك بأن ينتقم منك من أجل الظلم الذي ظلمته الحجاج، فلا تشغلن نفسك بسب أحد.
الأسباب التي تحمل الإنسان أن يتتبع عيوب الناس:
(١) حب الرياسة والعياذ بالله:
стр. 6393
[*] قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحد بخير. وهذه إشارة إلى أسباب هذا الداء، وهو حب وتتبع عيوب الناس، وتصيد أخطاء الآخرين، وسبب الحسد والبغي هو حب الرياسة وشهوة الرياسة، وهي الشهوة الخفية، فما من أحد أحب الرياسة إلا حسد ـ يحسد الآخرين ـ وبغى، وتتبع عيوب الناس؛ لأنه يكره أن يُذكر الآخرون بخير، وبالتالي يحاول دائماً أن يهزمهم ويحطمهم ويكشف عيوبهم من أجل أن تكون له الرياسة والعلو.
وقد بين النبي ﷺ أن حرص الإنسان على المال والجاه يفسد الدين فساداً كبيراً أكبر من الفساد الحاصل من إطلاق ذئبان جائعان على غنم وتأمل في الحديث الآتي بعين الاعتبار:
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(ما) بمعنى ليس
(ذئبان جائعان) صفة له وفي رواية عاديان والعادي الظالم المتجاوز للحد
(أرسلا في غنم) الجملة في محل رفع صفة
(بأفسد) خبر ما والباء زائدة أي أشد فساداً والضمير في
(لها) للغنم واعتبر فيه الجنسية فلذا أنث وقوله
(من حرص المرء على المال والشرف) عطف على المال والمراد به الجاه والمنصب (لدينه) اللام فيه للبيان، نحوها في قوله ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فكأنه قيل هنا بأفسد لأي شيء؟ قيل لدينه، ذكره الطيبي،
فمقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً، قال الحكيم: وضع اللّه الحرص في هذه الأمة ثم زمه في المؤمنين بزمام التوحيد واليقين وقطع علائق الحرص بنور السبحات فمن كان حظه من نور اليقين ونور السبحات أوفر كان وثاق حرصه أوثق والحرص يحتاجه الآدمي لكن بقدر معلوم وإذا لم يكن لحرصه وثاق وهبت رياحه استفزت النفس فتعدى القدر المحتاج إليه فأفسد وعرف بعضهم الحرص بأنه مدد القوة الموضوعة في الآدمي ومثيرها وعمادها. أهـ
(٢) نقص خلقه ودينه:
إن تتبع الإنسان لعيوب غيره دليل على عيبه ونقصه:
стр. 6394
[*] كان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: كفى بالمرء إثماً أن لا يكون صالحاً، ثم يجلس في المجالس ويقع في عرض الصالحين. فقوله: (كفى بالمرء إثماً أن لا يكون صالحاً) أي: هو في نفسه ليس من الصالحين، وليس رجلاً صالحاً. وقوله: (ثم يجلس في المجالس ويقع في عرض الصالحين) أي: يغتابهم ويذكر عيوبهم. وقال أبو عاصم النبيل: لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سفلة لا دين لهم.
ولله درُ من قال:
لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله ستراً عن مساويك
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحداً منهم بما فيك
وسمع أعرابي رجلاً يقع في الناس ـ والأعراب هم البدو الرحل الذين لا يعيشون في المدن، ولا يسمعون القرآن، ولا يحضرون دروس العلم، والأصل فيهم الجهل والجفاء إلا ما استثني، كما ذكر الله ﵎ في سورة التوبة ـ، لكن هذا الأعرابي مع ذلك نطق بالحكمة، ونطق بما تدل عليه أحدث الاتجاهات في علم النفس الحديث، حيث إنهم يفرحون بهذه الأشياء، ويظنون أنهم هم الذين أوجدوا هذه العلوم، لكن انظر هذا الأعرابي مع بساطته عبر بما يطلقون عليه الآن: (الحيل الدفاعية) التي يسلكها الإنسان ليدفع عن نفسه العوص والعيب، ومنها حيلة الإسقاط، أي: يسقط أخطاءه على الآخرين، فهو يشعر بعيب معين في نفسه، فكي يلفت النظر بعيداً عن أن ينتبه الناس إلى هذا العيب الذي هو في نفسه يرمي الناس بما فيه من العيوب، وكلما كثرت فيه هذه العيوب كلما كثر تتبع هذه العيوب في الناس، فهي حيلة من الحيل الدفاعية بالاصطلاح الحديث في علم النفس، فهذا الأعرابي سمع رجلاً يقع في أعراض الناس، فقال: " قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس "؛ لأن الطالب لها ـ أي: للعيوب ـ يطلبها بقدر ما فيه منها. أي: فكثرة الاشتغال بعيوب الناس تدل على وجود نفس هذه العيوب في نفسه هو، فهي عبارة عن عملية دفاعية بكونه يسقط هذه العيوب على الآخرين. يقول: قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها. وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال أخو العيوب أي: صاحب العيوب.
ولله درُ من قال:
شر الورى من بعيب الناس مشتغلاً ... مثل الذباب يراعي موضع العلل
стр. 6395
فالإنسان لو في جسمه جروح مكشوفة، وفيها الدم وفيها كذا وكذا، فتجد الذباب يحب أن يتتبع مواضع العلل والداء كي يقف عليها، فكذلك هناك أناس لهم هواية التفتيش في القمامة، فترى أحدهم عنده هذه الهواية، ويحب التفتيش في القمامة، فما يقع إلا على العلل، ولا يذكر محاسن الآخرين، لكن دائماً يفتش في القمامة، ويقلب هذه الأشياء، وهذا ما يعبر عنه الشاعر بقوله: شر الورى من بعيب الناس مشتغلاً مثل الذباب يراعي موضع العلل، وهذا التفتيش في القمامة ليس فقط على مستوى العلاقات الفردية، لكن يوجد أيضاً فيما يُسمى زوراً بالبحوث التاريخية، يزعمون أنهم يكتبون أو يبحثون بحوثاً علمية وتاريخية، ثم هم ما يقعون إلا على مواضع المؤاخذة في التاريخ الإسلامي، فمثلاً: ما يعرفون عن معاوية رضي الله تعالى عنه إلا كذا وكذا وكذا، وينسون أنه صحابي، وأنه خال المؤمنين، وأنه كاتب الوحي، وأنه المجاهد في سبيل الله، وأنه الحاكم بشريعة الله، كل هذا يُنسى، ويُركز فقط على المآخذ، سواء على معاوية رضي الله تعالى عنه مثلاً، أو على الدولة الأموية، أو على الدولة العباسية، وينسون أن واجب كل مسلم من أهل السنة أن يكون له ولاء لكل هذه الولايات الإسلامية أو الخلافات الإسلامية، سواء أكانت راشدة ـ بلا شك ـ أو أموية أو عباسية؛ لأنها في الجملة كانت خلافة إسلامية ترفع راية الشريعة، وتحكم بكتاب الله ﵎، فينشغلون بذم تاريخ بعض السابقين وبعض الصور التاريخية السابقة بهدف التنفير من هذا التاريخ، وقطع اعتزاز الخلف بهذا السلف بالتركيز فقط على عيوبهم، ولو سلكوا المنهج المثيل لأمسكوا عما شجر بينهم، ولأمسكوا عن هذه العيوب، ولقالوا ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(٤٣) التعاون على البر والتقوى:
إن التعاون على البر والتقوى من أفضل القربات وأجل الطاعات، ويترتب عليه الأجر العظيم بنص السنة الصحيحة
قال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرّ وَالتّقْوَىَ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ) [سورة: المائدة - الآية: ٢]
[*] قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره:
стр. 6396
قوله تعالى: [وتعاونوا على البر والتقوى] قال الأخفش: هو مقطوع من أول الكلام وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى أي ليعن بعضكم بعضاً وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعلموا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه.
[*] وقال ابن خويز منداد في أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم ويعينهم الغني بماله والشجاع بشجاعته في سبيل الله وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة.
ثم نهى فقال: " ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " وهو الحكم اللاحق عن الجرائم وعن العدوان وهو ظلم الناس ثم أم بالتقوى وتوعد توعداً مجملاً فقال: " واتقوا الله إن الله شديد العقاب".
**والسنة الصحيحة طافحة بالحث على التعاون على البر والتقوى
(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: الدال على الخير كفاعله.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(الدال على الخير كفاعله) فإن حصل ذلك الخير فله مثل ثوابه وإلا فله ثواب دلالته قال القرطبي: ذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور إنما هو بغير تضعيف لأن فعل الخير لم يفعله الدال وليس كما قال بل ظاهر اللفظ المساواة ويمكن أن يصار إلى ذلك لأن الأجر على الأعمال إنما هو بفضل اللّه يهب لمن يشاء على أي فعل شاء وقد جاء في الشرع كثير وظاهر صنيع المصنف أن هذا هو الحديث بتمامه والأمر بخلافه بل بقيته والدال على الشر كفاعله أي لإعانته عليه فله كفعله من الإثم وإن لم يحصل بمباشرته.
(حديث زيد بن خالد في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا و من خلف غازيا في سبيل الله في أهله بخير فقد غزا.
(٤٤) رحمة الصغير وتوقير الكبير:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان رحمة الصغير وتوقير الكبير
(حديث أنس في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يوقر كبيرنا.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
стр. 6397
(ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا) الواو بمعنى أو فالتحذير من كل منهما وحده فيتعين أن يعامل كلاً منهما بما يليق به فيعطى الصغير حقه من الرفق به والرحمة والشفقة عليه ويعطى الكبير حقه من الشرف والتوقير، قال الحافظ العراقي: فيه التوسعة للقادم على أهل المجلس إذا أمكن توسعهم له سيما إن كان ممن أمر بإكرامه من الشيوخ شيباً أو علماً أو كونه كبير قوم كما في حديث جرير المار إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
(حديث أبي موسى في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم و حامل القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرام ذي السلطان المقسط.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(إن من إجلال اللّه) أي تبجيله وتعظيمه
(إكرام ذي الشيبة المسلم) أي تعظيم الشيخ الكبير صاحب الشيبة البيضاء الذي عمره في الإيمان وتوقيره في المجالس والرفق به والشفقة عليه
(وحامل القرآن) أي قارئه
(غير الغالي فيه) أي غير المتجاوز الحد في العمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانيه وفي حدود قراءته ومخارج حروفه
(والجافي عنه) أي التارك له البعيد عن تلاوته والعمل بما فيه
(وإكرام ذي السلطان) أي سلطان لأنه ذي قهر وغلبة من السلاطة وهي التمكن من القهر قال اللّه تعالى ﴿ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم﴾ ومنه سمي السلطان وقيل ذي حجة لأنه يقام به الحجج.
(المقسط) بضم الميم العادل في حكمه بين رعيته قال ابن الأثير: وقيد بقوله غير الغالي إلخ لأن من أخلاقه التي أمر بها القصد في الأمور والغلو التشديد في الدين ومجاوزة الحد والتجافي البعد عنه.
(حديث جابر ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَمَرَنِي جِبْرِيْلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ.
(حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي.
стр. 6398
ولقد تطبّع أفراد المجتمع المسلم بذلك الخلق وتوارثوا توقير الكبير واحترامه وتقديره انقياداً لتعاليم دينهم، واتباعاً لسنة رسولهم ﷺ ، فكان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ من أشد الناس توقيراً لإخوانه ولمن هو أسن منه، فقد روى عنه المروزي أنه جاءه أبو همام راكباً على حماره، فأخذ له الإمام أحمد بالركاب. وقال المروزي: رأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ (١).
وذكر ابن الجوزي عن ابن سعيد الأشج أنه قال: ((حدثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فقال: لو كنت أسن مني بليلة ما تقدمتك)) (٢)، فهذا خُلُقُهُم ﵏ فالأسن مقدم ولو كان الفارق ليلة فكيف بسنة أو سنوات؟! فذلك من باب أولى، وروى الحسن بن منصور قال: كنت مع يحيى وإسحاق بن راهويه يوماً نعود مريضاً فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق، وقال ليحيى: تقدم أنت، قال: يا أبا زكريا أنت أكبر مني (٣).
(٤٥) أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر:
ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر فطوبى فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه و ويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه.
(حديث أنس في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: إن من الناس ناسا مفاتيح للخير مغاليق للشر و إن من الناس ناسا مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه و ويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس ناساً مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى) أي حسنى أو خيراً وهو من الطيب أي عيش طيب
(لمن جعل اللّه مفاتيح الخير على يديه وويل) شدة حسرة ودمار وهلاك
стр. 6399
(لمن جعل اللّه مفاتيح الشر على يديه) قال الحكيم: فالخير مرضاة اللّه والشر سخطه فإذا رضى اللّه عن عبد فعلامة رضاه أن يجعله مفتاحاً للخير فإن رؤى ذكر الخير برؤيته وإن حضر حضر الخير معه وإن نطق نطق بخير وعليه من اللّه سمات ظاهرة لأنه يتقلب في الخير بعمل الخير وينطق بخير ويفكر في خير ويضمر خيراً فهو مفتاح الخير حسبما حضر وسبب الخير لكل من صحبه والآخر يتقلب في شر ويعمل شراً وينطق بشر ويفكر في شر ويضمر شراً فهو مفتاح الشر لذلك فصحبة الأول دواء والثاني داء.
(٤٦) مشورة أهل الصلاح:
ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق مشورة أهل الصلاح لأن من شاور الناس فقد شاركهم في عقولهم.
قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ) [سورة: آل عمران - الآية: ١٥٩]
الشاهد: قوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ]
(وشاورهم) استخرج آراءهم
(في الأمر) أي شأنك من الحرب وغيره تطييبا لقلوبهم وليستن بك وكان ﷺ كثير المشاورة لهم.
و قال تعالى: (وَالّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [سورة: الشورى - الآية: ٣٨]
الشاهد: قوله تعالى [وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ]
(وأمرهم شورى بينهم) يتشاورون فيه ولا يعجلون، فالمشورة من صفات المؤمنين بنص القرآن الكريم.
مسألة: ما هو واجب المستشار؟
يجب على المستشار شيئين متلازمين إذا أراد النجاة هما:
(١) أداء الأمانة في المشورة لأنه مؤتمن بنص السنة الصحيحة
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: المستشارُ مُؤتَمَن.
الشاهد: قوله ﷺ [المستشارُ مُؤتَمَن]
(المستشار مؤتمن) أي أمين على ما استشير فيه فمن أفضى إلى أخيه بسره وأمنه على نفسه فقد جعله بمحلها فيجب عليه أن لا يشير عليه إلا بما يراه صواباً.
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال من أُفْتِىَ بغير علمٍ كان إثْمُه على من أفتاه و من أشار على أخيه بأمرٍ يعلمُ أن الرشدَ في غيرهِ فقد خانَه.
الشاهد: قوله ﷺ [و من أشار على أخيه بأمرٍ يعلمُ أن الرشدَ في غيرهِ فقد خانَه].
стр. 6400
٢) يجب على المستشار كذلك أن لا يكن همه رضا من استشاره وليكن همه رضا الله تعالى ولو بسخط الناس.
(حديث معاوية في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، و من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس.
(٤٧) اجتناب العصبية فإنها هلاكٌ مُحَقَّق:
ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب العصبية فإنها هلاكٌ مُحَقَّق
(حديث ابن مسعود في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعيرِ الذي تردى فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِه.
الشاهد: قوله ﷺ [فهو كالبعيرِ الذي تردى فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِه]
[فهو كالبعيرِ الذي تردى]: أي كالبعير الذي سقط وهلك في البئر
[فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِه]: أي يُرْفع من البئر بذَنبه أي بذيله فهو هلاك محقق.
(٤٨) اجتناب الغش والخداع للمسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب الغش والخداع للمسلمين فإنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من حمل علينا السلاح فليس منا و من غشنا فليس منا.
الشاهد: قوله ﷺ [و من غشنا فليس منا]
(من غش) أي خان والغش ستر حال الشيء
(فليس منا) أي من متابعينا. ليس المعنى نفيه عن الإسلام بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين أي ليس هو على سنتنا أو طريقتنا في مناصحة الإخوان كما يقول الإنسان لصاحبه أنا منك يريد الموافقة والمتابعة قال تعالى عن إبراهيم ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ نهى عن النَّجَش.
(نهى عن النَّجش) الزيادة في ثمن السلعة لا لرغبة الشراء بل ليخدع غيره من المسلمين ويوقعه فيها وهو خداع وغش والعياذ بالله.
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من خَبَّبَ امرأةً على زوجها أو عبداً على سيده.
الشاهد: قوله ﷺ [ليس منا من خَبَّبَ امرأةً على زوجها أو عبداً على سيده]
(ليس منا من خبب امرأة على زوجها) أي خدعها وأفسدها عليه
стр. 6401
[*] قال النووي في الأذكار: فيحرم أن يحدث قِن رجل أو زوجته أو ابنه أو غلامه أو نحوهم بما يفسدهم به عليه إذا لم يكن أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.
ومعنى (ليس منا): أي ليس من متابعينا. ليس المعنى نفيه عن الإسلام بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين أي ليس هو على سنتنا أو طريقتنا في مناصحة الإخوان كما يقول الإنسان لصاحبه أنا منك يريد الموافقة والمتابعة قال تعالى عن إبراهيم ﴿فمن تبعني فإنه مني.
(حديث أبي بكر الصديق ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلَا مَنَّانٌ وَلَا بَخِيلٌ.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا
(خِبٌّ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ خَدَّاعٌ يُفْسِدُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْخِدَاعِ
(وَلَا بَخِيلٌ) يَمْنَعُ الْوَاجِبَ مِنَ الْمَالِ البخل
(وَلَا مَنَّانٌ) مِنَ الْمِنَّةِ أَيْ يَمُنُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ بَعْدَ الْعَطَاءِ أَوْ مِنَ الْمَنِّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ لِمَا يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ وَقِيلَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ حَتَّى يُجْعَلَ طَاهِرًا مِنْهَا إِمَّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ بِالْعُقُوبَةِ بِقَدْرِهَا تَمْحِيصًا فِي الْعُقْبَى, أَوْ بِالْعَفْوِ عَنْهُ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا
(٤٩) اجتناب الغدر للمسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب الغدر للمسلمين فإنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب، وهو من صفات المنافقين والعياذ بالله.
(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا و من كانت فيه خَصْلَةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان و إذا حدَّث كذب و إذا عاهد غدر و إذا خاصَم فجر.
الشاهد: قوله ﷺ [و إذا عاهد غدر] فعدها النبي ﷺ من صفات المنافقين والعياذ بالله
(وإذا عاهد غدر) أي نقص العهد
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة، يُقالُ هذه غَدْرَةُ فلانٍ بن فلان.
(لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة) لتزداد فضيحته وتتضاعف استهانته
стр. 6402
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: ثلاثةٌ أنا خَصْمُهُم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غدر و رجلٌ باع حراً فأكل ثمنه و رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه و لم يُعْطِهِ أجره.
الشاهد: قوله ﷺ [رجلٌ أعطى بي ثم غدر]
(رجل أعطى بي ثم غدر) أي أعطى يمينه بي أي عاهد عهداً وحلف عليه ثم نقضه.
(٥٠) اجتناب ظلم العباد:
ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب ظلم العباد فإنه بئس الزاد ليوم الميعاد، فالظلم ظلماتٌ يوم القيامة، ودعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب.
قال تعالى: (مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [سورة: غافر - الآية: ١٨]
(ما للظالمين من حميم) محب
(ولا شفيع يطاع) تقبل شفاعته لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا فما لنا من شافعين أوله مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي لو شفعوا فرضا لم يقبلوا
و قال تعالى: (وَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ) [سورة: الحج - الآية: ٧١]
(وما للظالمين) بالإشراك
(من نصير) يمنع عنهم عذاب الله
(حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
الشاهد: قوله ﷺ [واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب]
(حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين.
(اتقوا دعوة المظلوم) أي اجتنبوا دعوة من تظلمونه وذلك مستلزم لتجنب جميع أنواع الظلم على أبلغ وجه وأوجز إشارة وأفصح عبارة لأنه إذا اتقى دعاء المظلوم فهو أبلغ من قوله لا تظلم وهذا نوع شريف من أنواع البديع يسمى تعليقاً ثم بين وجه النهي بقوله.
стр. 6403
(فإنها تُحمل على الغمام) أي يأمر الله برفعها حتى تجاوز الغمام أي السحاب الأبيض حتى تصل إلى حضرته تقدس
(يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك) بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة وفتح الكاف أي لأستخلصن لك الحق ممن ظلمك
(ولو بعد حين) أي أمد طويل بل دل به سبحانه على أنه يمهل الظالم ولا يهمله
(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.
(اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة) كناية عن سرعة الوصول لأنه مضطر في دعائه وقد قال ﴿أمّن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ وكلما قوي الظلم قوي تأثيره في النفس فاشتدت ضراعة المظلوم فقويت استجابته والشرر ما تطاير من النار في الهواء شبه سرعة صعودها بسرعة طيران الشرر من النار.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه.
(دعوة المظلوم مستجابة) أي يستجيبها اللّه تعالى يعني فاجتنبوا جميع أنواع الظلم لئلا يدعو عليكم المظلوم فيجاب
(وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه) ولا يقدح ذلك في استجابة دعائه لأنه مضطر ونشأ من اضطراره صحة التجائه إلى ربه وقطعه قلبه عما سواه وللإخلاص عند اللّه موقع وقد ضمن إجابة المضطر بقوله تعالى: (أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ) [النمل: ٦٢].
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي و العقوق.
(بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا) أي قبل موت فاعليها
(البغي) أي مجاوزة الحد والظلم
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة.
стр. 6404
(حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
الشاهد: قوله ﷺ : [قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا]
(قال اللّه تعالى يا عبادي إني حرّمت) أي منعت
(الظلم على نفسي) أي تقدست وتعاليت عنه لأنه مجاوزة والتصرف في ملك الغير وكلاهما في حقي كالمحرم فهو استعارة مصرحة تبعية شبه تنزهه عنه بتحرز المكلف عما نهى عنه
(وجعلته محرماً بينكم) أي حكمت بتحريمه عليكم
(فلا تظالموا) أي لا تتظالموا أي لا يظلم بعضكم بعضاً
(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم و حملهم على أن سفكوا دماءهم و استحلوا محارمهم.
الشاهد: قوله ﷺ : [اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة]
(اتقوا الظلم) بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه ونحو ذلك قال بعضهم: ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم
стр. 6405
(فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) فلا يهتدي الظالم يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا فربما أوقع قدمه في وهدة فهو في حفرة من حفر النار وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى تجنب سبل الردى فإذا سعى المتقون بنورهم الحاصل بسبب التقوى احتوشت ظلمات ظلم الظالم فغمرته فأعمته حتى لا يغني عنه ظلمه شيئاً.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ و صيام و زكاة و يأتي وقد شتم هذا و قذف هذا و أكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا فيُعطِى هذا من حسناته و هذا من حسناته فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار.
(حديث ابن عمر في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين.
(من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسف به) أي هوى به إلى أسفلها، أي بالأخذ غصباً لتلك الأرض المغصوبة
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
(إن اللّه تعالى لَيملي) بفتح اللام الأولى أي ليمهل والإملاء الإمهال والتأخير وإطالة العمر (للظالم) زيادة في استدراجه ليطول عمره ويكثر ظلمه فيزداد عقابه ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ فإمهاله عين عقابه
(حتى إذا أخذه) أي أنزل به نقمته
(لم يُفلته) أي لم يفلت منه.
(والعقوق) للوالدين وإن عليا أو أحدهما أي إيذاؤهما ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع.
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: الظلم ثلاثة فظلم لا يغفره الله و ظلم يغفره و ظلم لا يتركه فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك قال الله: (إن الشرك لظلم عظيم)، و أما الظلم الذي يغفره فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم و بين ربهم و أما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدبر لبعضهم من بعض.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(الظلم) قال ابن حجر: وهو وضع الشيء في غير موضعه الشرعي
(ثلاثة) من الأنواع والأقسام
(فظلم لا يغفره اللّه وظلم يغفره وظلم لا يتركه فأمّا)
الأول وهو (الظلم الذي لا يغفره اللّه فالشرك قال اللّه ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾
стр. 6406
وأمّا) الثاني وهو (الظلم الذي يغفره اللّه فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم) ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾ قالوا: نكرة في سياق چ
الشرط فعم كل ما فيه ظلم النفس وقال ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ فهذا لا يدخل
فيه الشرك الأكبر قال ابن مسعود: لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا
إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على الصحب وقالوا: يا رسول اللّه أينا لم يظلم
نفسه قال: إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (وأما) الثالث وهو (الظلم الذي لا يتركه اللّه فظلم
العباد بعضهم بعضاً حتى يدير لبعضهم من بعض) علم من هذا ما نقله الذهبي
عن بعض المفسرين أن الظلم المطلق هو الكفر المطلق ﴿والكافرون هم الظالمون
﴾ فلا شفيع لهم غداً ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ والظلم المفيد قد يختص بظلم العبد نفسه وظلم بعضهم بعضاً فالأول من الثاني مغفور إن شاء اللّه والثاني تنصب له موازين العدل فمن سلم من [ص ٢٩٦] أصناف
الظلم فله الأمن التام ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه فله الأمن ولا بد أن يدخل
الجنة (تنبيه) قال ابن عربي: من ظلم العباد أن يمنعهم حقهم الواجب
عليه أداؤه وقد يكون ذلك بالحال لما يراه على المسكين وهو قادر واجد لسد
خلته ودفع ضرورته. أهـ
أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا أَنَّ الرَّشِيدَ حَبَسَ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ فَكَتَبَ عَلَى حَائِطِ الْحَبْسِ:
أَمَا وَاَللَّهِ إنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ: وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
إلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي: وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ
سَتَعْلَمُ فِي الْمَعَادِ إنْ الْتَقَيْنَا: غَدًا عِنْدَ الْمَلِيكِ مَنْ الظَّلُومُ
فَأُخْبِرَ الرَّشِيدُ بِذَلِكَ فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا، وَدَعَا بِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ فَاسْتَحَلَّهُ وَوَهَبَ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَطْلَقَهُ.
﴿تنبيه﴾: وينبغي على المسلم إن زلت قدمه ووقع في ظلم أن يرد المظالم إلى أهلها وأن يتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.
стр. 6407
قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ) [إبراهيم: ٤٢]
تشخص أبصار الخلائق لظهور الأهوال: فلا تغمض الويل لأهل الظلم من ثقل الأوزار، ذكرهم بالقبائح قد ملأ الأقطار، يكفيهم أنهم قد وسموا بالأشرار، ذهبت لذاتهم بما ظلموا وبقي العار، وداروا إلى دار العقاب وملك الغير الدار، وخلوا بالعذاب في بطون تلك الأحجار فلا مغيث ولا أنيس ولا رفيق ولا جار، ولا راحة لهم ولا سكون ولا مزار، سالت دموع أسفهم على سلفهم كالأنهار، شيدوا بنيان الأمل فإذا به قد انهار، أما علموا أن الله جار المظلوم ممن جار، فإذا قاموا في القيامة زاد البلاء على المقدار، سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) لا يغرنك صفاء عيشهم كل الأخير أكدار (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار)
قل للمشغولين بالفساد، الواقفين مع العناد، إلى متى ظلم العباد (إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).
﴿تنبيه﴾: ويجب عليه أيضاً إن وجد أخاً له وقع في الظلم فإن يجب عليه أن يحجزه ويمنعه من الظلم.
(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل يا رسول الله: أنصره إن كان مظلوماً أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره.
الشاهد: قوله ﷺ [تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره]
(تحجزه عن الظلم) أي تمنعه منه وتحول بينه وبينه
(فإن ذلك نصرة) له أي منعك إياه من الظلم نصرك إياه على شيطانه الذي يغويه وعلى نفسه الأمارة بالسوء.
(حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه.
(حديث أبي سفيان في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي و هو غير متعتع.
(٥١) اجتناب مجالس الظالمين:
وعلى المسلم أن يجتنب اجتناب مجالس الظالمين لئلا يصيبهم العذاب فيصبه ذلك العذاب معهم.
стр. 6408
(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسفُ بأولهم و آخرهم، قال قلت يا رسول الله! كيف يُخسفُ بأولهم و آخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يُخسفُ بأولهم و آخرهم ثم يبعثون على نياتهم.
(حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه.
(٥٢) اجتناب إيذاء المسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب إيذاء المسلمين.
قال تعالى: (وَالّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً) [سورة: الأحزاب - الآية: ٥٨]
(والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) يرمونهم بغير ما عملوا
(فقد احتملوا بهتانا) تحملوا كذبا
(وإثما مبينا) بينا
(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده و المهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
الشاهد: قوله ﷺ [: المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده]
(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فإيذاء المسلم من نقصان الإسلام والإيذاء ضربان ضرب ظاهر بالجوارح كأخذ المال بنحو سرقة أو نهب وضرب باطن كالحسد والغل والبغض والحقد والكبر وسوء الظن والقسوة ونحو ذلك فكله مضر بالمسلم مؤذ له، وقد أمر الشرع بكف النوعين من الإيذاء وهلك بذلك خلق كثير.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحَها لتوجد من مسيرة كذا و كذا.
الشاهد: قوله ﷺ [صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس].
(صنفان من أهل النار) أي نار جهنم
(لم أرهما) الضم أي حدثا بعد ذلك العصر
رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس.
стр. 6409
وهم أعوان والي الشرطة المعروفون بالجلادين فإذا أمروا بالضرب تعدوا المشروع في الصفة والمقدار وربما أفضى بهم الهوى وما جبلوا عليه من المظالم إلى إهلاك المضروب أو تعظيم عذابه.
(حديث ابن عباس في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: لا ضرر و لا ضرار.
(لا ضرر) أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه
(ولا ضرار) فعال بكسر أوله أي لا يجازي من ضره بإدخال الضرر عليه بل يعفو فالضرر فعل واحد والضرار فعل اثنين. وفيه تحريم سائر أنواع الضرر إلا بدليل لأن النكرة في سياق النفي تعم.
(حديث خالد بن الوليد في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أشد الناس عذابا للناس في الدنيا أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة.
[أشد الناس عذابا للناس في الدنيا أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة] أي كما تدين تدان.
أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن الربيع بن خثيم قال: " الناس رجلان: مؤمن فلا تؤذه، وجاهل فلا تجاهله "
﴿تنبيه﴾: يحرم إيذاء المسلمين حتى لو بالإشارة.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا يشرْ أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار.
(٥٣) اجتناب احتقار المسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب احتقار المسلمين فإنه داءٌ وبيل بل إنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب لأنه من الكبر الذي يهلك صاحبه لا محالة.
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَىَ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىَ أَن يَكُنّ خَيْراً مّنْهُنّ وَلاَ تَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ وَمَن لّمْ يَتُبْ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) [سورة: الحجرات - الآية: ١١]
[*] قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره:
قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم "
قيل عند الله وقيل (خيراً منهم) أي معتقداً وأسلم باطناً، والسخرية الاستهزاء.
стр. 6410
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا تحاسدوا و لا تناجشوا و لا تباغضوا و لا تدابروا و لا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يَحْقره التقوى هاهنا - و أشار إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه.
الشاهد: قوله ﷺ [المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يَحْقره]
(المسلم أخو المسلم) أي يجمعهما دين واحد ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فهم كالأخوة الحقيقية وهي أن يجمع الشخصين ولادة من صلب أو رحم أو منهما بل الأخوة الدينية أعظم من الحقيقة لأن ثمرة هذه دنيوية وتلك أخروية. ثم بين مقتضيات هذه الأخوة وحقوقها.
(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس.
الشاهد: قوله ﷺ [الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس]
[بَطَرُ الحقِ]: دفعه وعدم قبوله
[و غَمطُ الناس]: أي احتقارهم وازدرئهم
(حديث جندب بن عبد الله في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان! فقال الله تعالى من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك.
الشاهد: قوله ﷺ [! فقال الله تعالى من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك.]
فانظر رحمك الله تعالى كيف كان احتقار المسلم العاصي سبباً في إحباط عمل الذي احتقره واستقل شأنه.
أخرج أبو عبيد عن الحسن أن قوماً قدموا على أبي موسى ﵁، فأعطى العرب وترك الموالي. فكتب إليه عمر ﵁: ألا سويتَ بينهم؟ بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كذا في الكنز.
(٥٤) اجتناب التجسس على المسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب التجسس على المسلمين فإنه داءٌ وبيل بل إنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب