← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

وأمّا) الثاني وهو (الظلم الذي يغفره اللّه فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم) ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾ قالوا: نكرة في سياق چ الشرط فعم كل ما فيه ظلم النفس وقال ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ فهذا لا يدخل فيه الشرك الأكبر قال ابن مسعود: لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على الصحب وقالوا: يا رسول اللّه أينا لم يظلم نفسه قال: إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (وأما) الثالث وهو (الظلم الذي لا يتركه اللّه فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يدير لبعضهم من بعض) علم من هذا ما نقله الذهبي عن بعض المفسرين أن الظلم المطلق هو الكفر المطلق ﴿والكافرون هم الظالمون ﴾ فلا شفيع لهم غداً ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ والظلم المفيد قد يختص بظلم العبد نفسه وظلم بعضهم بعضاً فالأول من الثاني مغفور إن شاء اللّه والثاني تنصب له موازين العدل فمن سلم من [ص ٢٩٦] أصناف الظلم فله الأمن التام ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه فله الأمن ولا بد أن يدخل الجنة (تنبيه) قال ابن عربي: من ظلم العباد أن يمنعهم حقهم الواجب عليه أداؤه وقد يكون ذلك بالحال لما يراه على المسكين وهو قادر واجد لسد خلته ودفع ضرورته. أهـ أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا أَنَّ الرَّشِيدَ حَبَسَ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ فَكَتَبَ عَلَى حَائِطِ الْحَبْسِ: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ: وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ إلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي: وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ سَتَعْلَمُ فِي الْمَعَادِ إنْ الْتَقَيْنَا: غَدًا عِنْدَ الْمَلِيكِ مَنْ الظَّلُومُ فَأُخْبِرَ الرَّشِيدُ بِذَلِكَ فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا، وَدَعَا بِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ فَاسْتَحَلَّهُ وَوَهَبَ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَطْلَقَهُ. ﴿تنبيه﴾: وينبغي على المسلم إن زلت قدمه ووقع في ظلم أن يرد المظالم إلى أهلها وأن يتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم. (حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.

стр. 6407

قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ) [إبراهيم: ٤٢] تشخص أبصار الخلائق لظهور الأهوال: فلا تغمض الويل لأهل الظلم من ثقل الأوزار، ذكرهم بالقبائح قد ملأ الأقطار، يكفيهم أنهم قد وسموا بالأشرار، ذهبت لذاتهم بما ظلموا وبقي العار، وداروا إلى دار العقاب وملك الغير الدار، وخلوا بالعذاب في بطون تلك الأحجار فلا مغيث ولا أنيس ولا رفيق ولا جار، ولا راحة لهم ولا سكون ولا مزار، سالت دموع أسفهم على سلفهم كالأنهار، شيدوا بنيان الأمل فإذا به قد انهار، أما علموا أن الله جار المظلوم ممن جار، فإذا قاموا في القيامة زاد البلاء على المقدار، سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) لا يغرنك صفاء عيشهم كل الأخير أكدار (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) قل للمشغولين بالفساد، الواقفين مع العناد، إلى متى ظلم العباد (إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ). ﴿تنبيه﴾: ويجب عليه أيضاً إن وجد أخاً له وقع في الظلم فإن يجب عليه أن يحجزه ويمنعه من الظلم. (حديث أنس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل يا رسول الله: أنصره إن كان مظلوماً أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره. الشاهد: قوله ﷺ [تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره] (تحجزه عن الظلم) أي تمنعه منه وتحول بينه وبينه (فإن ذلك نصرة) له أي منعك إياه من الظلم نصرك إياه على شيطانه الذي يغويه وعلى نفسه الأمارة بالسوء. (حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه. (حديث أبي سفيان في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي و هو غير متعتع. (٥١) اجتناب مجالس الظالمين: وعلى المسلم أن يجتنب اجتناب مجالس الظالمين لئلا يصيبهم العذاب فيصبه ذلك العذاب معهم.

стр. 6408

(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسفُ بأولهم و آخرهم، قال قلت يا رسول الله! كيف يُخسفُ بأولهم و آخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يُخسفُ بأولهم و آخرهم ثم يبعثون على نياتهم. (حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه. (٥٢) اجتناب إيذاء المسلمين: ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب إيذاء المسلمين. قال تعالى: (وَالّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً) [سورة: الأحزاب - الآية: ٥٨] (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) يرمونهم بغير ما عملوا (فقد احتملوا بهتانا) تحملوا كذبا (وإثما مبينا) بينا (حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده و المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. الشاهد: قوله ﷺ [: المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده] (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فإيذاء المسلم من نقصان الإسلام والإيذاء ضربان ضرب ظاهر بالجوارح كأخذ المال بنحو سرقة أو نهب وضرب باطن كالحسد والغل والبغض والحقد والكبر وسوء الظن والقسوة ونحو ذلك فكله مضر بالمسلم مؤذ له، وقد أمر الشرع بكف النوعين من الإيذاء وهلك بذلك خلق كثير. (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحَها لتوجد من مسيرة كذا و كذا. الشاهد: قوله ﷺ [صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس]. (صنفان من أهل النار) أي نار جهنم (لم أرهما) الضم أي حدثا بعد ذلك العصر رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس.

стр. 6409

وهم أعوان والي الشرطة المعروفون بالجلادين فإذا أمروا بالضرب تعدوا المشروع في الصفة والمقدار وربما أفضى بهم الهوى وما جبلوا عليه من المظالم إلى إهلاك المضروب أو تعظيم عذابه. (حديث ابن عباس في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: لا ضرر و لا ضرار. (لا ضرر) أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه (ولا ضرار) فعال بكسر أوله أي لا يجازي من ضره بإدخال الضرر عليه بل يعفو فالضرر فعل واحد والضرار فعل اثنين. وفيه تحريم سائر أنواع الضرر إلا بدليل لأن النكرة في سياق النفي تعم. (حديث خالد بن الوليد في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أشد الناس عذابا للناس في الدنيا أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة. [أشد الناس عذابا للناس في الدنيا أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة] أي كما تدين تدان. أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن الربيع بن خثيم قال: " الناس رجلان: مؤمن فلا تؤذه، وجاهل فلا تجاهله " ﴿تنبيه﴾: يحرم إيذاء المسلمين حتى لو بالإشارة. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا يشرْ أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار. (٥٣) اجتناب احتقار المسلمين: ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب احتقار المسلمين فإنه داءٌ وبيل بل إنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب لأنه من الكبر الذي يهلك صاحبه لا محالة. قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَىَ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىَ أَن يَكُنّ خَيْراً مّنْهُنّ وَلاَ تَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ وَمَن لّمْ يَتُبْ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) [سورة: الحجرات - الآية: ١١] [*] قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم " قيل عند الله وقيل (خيراً منهم) أي معتقداً وأسلم باطناً، والسخرية الاستهزاء.

стр. 6410

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا تحاسدوا و لا تناجشوا و لا تباغضوا و لا تدابروا و لا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يَحْقره التقوى هاهنا - و أشار إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه. الشاهد: قوله ﷺ [المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يَحْقره] (المسلم أخو المسلم) أي يجمعهما دين واحد ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فهم كالأخوة الحقيقية وهي أن يجمع الشخصين ولادة من صلب أو رحم أو منهما بل الأخوة الدينية أعظم من الحقيقة لأن ثمرة هذه دنيوية وتلك أخروية. ثم بين مقتضيات هذه الأخوة وحقوقها. (حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس. الشاهد: قوله ﷺ [الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس] [بَطَرُ الحقِ]: دفعه وعدم قبوله [و غَمطُ الناس]: أي احتقارهم وازدرئهم (حديث جندب بن عبد الله في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان! فقال الله تعالى من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك. الشاهد: قوله ﷺ [! فقال الله تعالى من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك.] فانظر رحمك الله تعالى كيف كان احتقار المسلم العاصي سبباً في إحباط عمل الذي احتقره واستقل شأنه. أخرج أبو عبيد عن الحسن أن قوماً قدموا على أبي موسى ﵁، فأعطى العرب وترك الموالي. فكتب إليه عمر ﵁: ألا سويتَ بينهم؟ بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كذا في الكنز. (٥٤) اجتناب التجسس على المسلمين: ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب التجسس على المسلمين فإنه داءٌ وبيل بل إنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب

стр. 6411

قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ) [سورة: الحجرات - الآية: ١٢] الشاهد: قوله تعالى [وَلاَ تَجَسّسُواْ] (ولا تجسسوا) حذف منه إحدى التاءين لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً. الشاهد: قوله ﷺ [ولا تجسسوا] مسألة: ما الفرق بين التحسس بالحاء والتجسس بالجيم؟ التجسس البحث عما يكتم عنك، والتحسس (بالحاء) طلب الأخبار والبحث عنها، وقيل: إن التجسس (بالجيم) هو البحث، ومنه قيل: رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء: هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه. (٥٥) الاقتصاد في العزلة والمخالطة: ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان الاقتصاد في العزلة والمخالطة، وجدير بالذكر أن لكل من العزلة والمخالطة فوائد وغوائل، وأكثر الزهاد اختاروا العزلة منهم سفيان الثوري والفضيل وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي، ومنهم من اختار المخالطة كسعيد بن المسيب وشُريح والشعبي، وهاك صفوة مسائل الاقتصاد في العزلة والمخالطة: معنى العزلة والخلطة: ضوابط العزلة والخلطة: متى تشرع العزلة؟ معنى التقية وأقسامها: وسطية أهل السنة فى باب التَقِيَّة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: معنى العزلة والخلطة: أولاً معنى العزلة: قال الخطابي ﵀ في آداب العزلة: ولسنا نريد ـ رحمك الله ـ بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات وترك حقوقهم في العبادات وإفشاء السلام ورد التحيات وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم وصنائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم فإنها مستثناة بشرائطها جارية على سيلها ما لم يحل دونها حائل شغل ولا يمنع عنها مانع عذر.

стр. 6412

إنما نريد بالعزلة "ترك فضول الصحبة" ونبذ الزيادة منها وحط العلاوة التي لا حاجة بك عليها فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم على ما يدعو إليه شغف النفوس وإلف العادات وترك الاقتصاد فيها والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه كان جديرا ألا يحمد غبه وأن تستوخم عاقبته وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعهن ويأخذ منه فوق قدر حاجته فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة وأسقام متلفة وليس من علم كمن جهل ولا من حرب وامتحن كمن ماد وخاطر. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: خذوا بحظكم من العزلة. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: في العزلة راحة من خليط السوء. قال الخطابي ﵀ في آداب العزلة: ومن مناقب العزلة أنها خالعة عنك ربقة ذل الآمال وقاطعة رق الأطماع ومعيدة عز اليأس من الناس فإن من صحبهم وكان فيهم ومعهم لم يكد يخلو من أن يحدث نفسه بنوع من الطمع فيهم إما في مال أو جاه والطمع فقر حاضر وذل صاغر. ثانياً: معنى الخلطة: اما الخلطة فهى المازجة والمداخلة، تقول: خلطت الشىء بغيره فاختلط ورجل مخلط، اى: حسن المداخلة للامور، وعكسه المزيل (انظرمعجم مقاييس اللغه) ضوابط العزلة والخلطة: ورد عن النبي صلى الله وعليه وسلم، أحاديث في فضل العزلة، وأخرى في فضل الخلطة، وقد يستشكل بعض الناس كيفية فهم كل من هذه الأحاديث والجمع بينهما ومعرفة ضوابط العزلة والخلطة: [*] وفصل الخطاب في مسألة العزلة والخلطة أن يقتصد الإنسان في العزلة والمخالطة على التفصيل الآتي: أولاً يأخذ بحظه من العزلة ليصون وقته الذي هو عمره ويستأنس بمناجاة ربه تعالى ويدارس الكتاب والسنة، وعليه يحمل الأحاديث الآتية: (حديث أبي سعيد في الصحيحين) قال: قيل يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: رجلٌ يجاهد بنفسه وماله ورجلٌ في شعبٍ من الشعاب يعبد الله ويدعُ الناس من شره. الشاهد: قوله ﷺ [ورجلٌ في شعبٍ من الشعاب يعبد الله ويدعُ الناس من شره] (حديث عقبة ابن عامر في صحيح الترمذي) قال قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك ولْيسعك بيتُك وابكِ على خطيئتك. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: خذوا بحظكم من العزلة.

стр. 6413

أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: في العزلة راحة من خليط السوء. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن ابن إبراهيم يقول: لو لم يكن في العزلة أكثر من أنك لا تجد أعوانا على الغيبة لكفى. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن الفضيل بن عياض يقول: من خالط الناس لم يسلم من أحد اثنين إما أن يخوض معهم إذا خاضوا في الباطل أو يسكت إن رأى منكرا فيأثم. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سفيان بن عيينة قال: رأيت الثوري في المنام فقلت له أوصني فقال أقل معرفة الناس أقل معرفة الناس. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن بكر محمد العابد يقول قال لي داود الطائي يا بكر استوحش من الناس كما تستوحش من السبع. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي ذر قال كان الناس ورقا لا شوك فيه فهم اليوم شوك لا ورق فيه. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن مكحول قال: إن كان في مخالطة الناس خير فالعزلة أسلم. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ابراهيم البخاري يقول دخلت المسجد الحرام بعد المغرب فإذا فضيل جالس فجئت فجلست إليه فقال من هذا فقلت إبراهيم قال ما جاء بك قلت رأيتك وحدك فجلست إليك قال تحب أن تغتاب أو تتزين أو ترائي قلت لا قال قم عني. وقال داود الطائي رحمه الله تعالى: فِر من الناس كما تفر من الأسد. قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابن الإمام أحمد: كَانَ أَبِي أَصْبَرَ النَّاسِ عَلَى الْوَحْدَةِ وَقَالَ لَمْ يَرَ أَحَدٌ أَبِي إلَّا فِي مَسْجِدٍ أَوْ حُضُورِ جِنَازَةٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَكَانَ يَكْرَهُ الْمَشْيَ فِي الْأَسْوَاقِ. وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ: رَأَيْتُ الْوَحْدَةَ أَرْوَحَ لِقَلْبِي. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: ذَكَرْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَلَى أَنْ يَلْتَقِيَا فَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ كَرِهَ بَعْضُهُمْ اللِّقَاءَ وَقَالَ يَتَزَيَّنُ لِي وَأَتَزَيَّنُ لَهُ , وَكَفَى بِالْعُزْلَةِ عِلْمًا , وَالْفَقِيهُ الَّذِي يَخَافُ اللَّهَ، وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قُلْ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ أُخْمِلَ ذِكْرُكَ , فَإِنِّي أَنَا قَدْ بُلِيت بِالشُّهْرَةِ.

стр. 6414

وَقَالَ غَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: أَشْتَهِي مَا لَا يَكُونُ , أَشْتَهِي مَكَانًا لَا يَكُونُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أَنْ آتِيَك فَأُسَلِّمَ عَلَيْك وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْرَهَ الرَّحْلَ , فَقَالَ: إنَّا لَنَكْرَهُ ذَلِكَ. قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ السَّلَفِ يُؤْثِرُونَ الْعُزْلَةَ عَلَى الْخِلْطَةِ وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى نَفْعِ النَّاسِ بِمَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ مَعَ الْقِيَامِ بِحُدُودِ الشَّرْعِ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْعُزْلَةِ إنْ كَانَ لَا يَشْتَغِلُ فِي عُزْلَتِهِ إلَّا بِنَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ , وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ انْفَتَحَ لَهُ طَرِيقُ عَمَلٍ بِالْقَلْبِ بِدَوَامِ ذِكْرٍ أَوْ فِكْرٍ فَذَلِكَ الَّذِي لَا يُعْدَلُ بِهِ أَلْبَتَّةَ. وقال أيضاً رحمه الله تعالى: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَطْيَبُ مِنْ تَنَزُّهِ الْعَالِمِ بِالْعِلْمِ فَهُوَ أَنِيسُهُ وَجَلِيسُهُ , وَقَدْ قَنِعَ بِمَا يَسْلَمُ بِهِ دِينُهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ الْحَاصِلَةِ لَا عَنْ تَكَلُّفٍ وَلَا عَنْ تَضْيِيعِ دِينٍ , وَارْتَدَى بِالْعُزْلَةِ عَنْ الذُّلِّ لِلدُّنْيَا وَأَهْلِهَا , وَالْتَحَفَ بِالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَثِيرِ فَيَسْلَمُ دِينُهُ وَدُنْيَاهُ , وَاشْتِغَالُهُ بِالْعِلْمِ يَدُلُّهُ عَلَى الْفَضَائِلِ وَيُفَرِّجُهُ فِي الْبَسَاتِينِ , فَهُوَ يَسْلَمُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالسُّلْطَانِ وَالْعَوَامِّ بِالْعُزْلَةِ , وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ هَذَا إلَّا لِلْعَالِمِ , فَإِنَّهُ إذَا اعْتَزَلَ الْجَاهِلُ فَاتَهُ الْعِلْمُ فَتَخَبَّطَ. وقال أيضاً رحمه الله تعالى:

стр. 6415

فَإِذَا عَرَفْت فَوَائِدَ الْعُزْلَةِ وَغَوَائِلِهَا تَحَقَّقْت أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا خَطَأٌ , بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى الشَّخْصِ وَحَالِهِ وَإِلَى الْخَلْطِ وَحَالِهِ وَإِلَى الْبَاعِثِ عَلَى مُخَالَطَتِهِ وَإِلَى الْفَائِتِ بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهِ مِنْ الْفَوَائِدِ , وَيُقَاسُ الْفَائِتُ بِالْحَاصِلِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: الِانْقِبَاضُ عَنْ النَّاسِ مَكْسَبَةُ الْعَدَاوَةِ , وَالِانْبِسَاطُ لَهُمْ مَجْلَبَةٌ لِقُرَنَاءِ السُّوءِ , فَكُنْ بَيْنَ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ , وَمَنْ ذَكَرَ سِوَى هَذَا فَهُوَ قَاصِرٌ , وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ الْمُخَالِفِ لَهُ فِي الْحَالِ انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ عُمَرُ ﵁: الطَّمَعُ فَقْرٌ وَالْيَأْسُ غِنًى , وَالْعُزْلَةُ رَاحَةٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ , وَقَرِينُ الصِّدْقِ خَيْرٌ مِنْ الْوَحْدَةِ. وقال أيضاً خَالِطُوا النَّاسَ فِي مَعَايِشِكُمْ وَزَائِلُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: ﵁ نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ يَصُونُ دِينَهُ وَعِرْضَهُ , وَإِيَّاكُمْ وَالْأَسْوَاقَ فَإِنَّهَا تُلْغِي وَتُلْهِي. وقال أيضاً كَانَ النَّاسُ وَرَقًا لَا شَوْكَ فِيهِ وَهُمْ الْيَوْمَ شَوْكٌ لَا وَرَقَ فِيهِ. وَقَالَ مَكْحُولٌ إنْ كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ فَضْلٌ فَإِنَّ فِي الْعُزْلَةِ سَلَامَةً. أهـ ﴿تنبيه﴾: لا تكون العزلة محمودة إلا بعد التفقه في الدين. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن إبراهيم النخعي قال: تفقه ثم اعتزل. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن ربيع بن خثيم قال: تفقه ثم اعتزل. وسُئِلَ بعض العلماء: ما تقول في عزلة الجاهل؟ قال: خبالٌ ووبال، فقيل له: فالعالِم؟ فقال: مالك ولها؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها. ﴿تنبيه﴾: هذا الكلام غايةٌ في الصدق والتوفيق حيث شبه عزلة العالم بضالة الإبل، فكما أن ضالة الإبل لا يُخشى عليها الضياع لأن معها حذاؤها وسقاؤها، فكذا عزلة العالم لا يُخشى عليها الضياع لأن معه الكتاب والسنة. ثانياً: يأخذ بحظه من المخالطة: وعليه يحمل الحديث الآتي:

стр. 6416

(حديث ابن عمر في صحيح الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: المؤمنُ الذي يُخالطُ الناسَ و يصبرُ على أذاهُم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالطُ الناس و لا يصبرُ على أذاهم. ﴿تنبيه﴾: ويجب على المسلم أن لا يخالط إلا من ينتفع بمخالطته فلا يخالط إلا إحدى ثلاث. ١) عالماً يتعلم منه. ٢) متعلماً يعلمه شيءٌ يبتغي به وجا الله تعالى ٣) أحد إخوانه ممن يُحس فيهم الصدق والتقوى فيذكرون ويخبرونه بعيوبه وينصحونه نصائح أُخوية صادرةٌ عن إخلاصٍ وحسنِ طوية عساها أن تجد له في سمعه مسمعاً وفي قلبه موقعا، عسى الله أن ينفعه بها ويوفقه إلى تطبيقها. ولله در من قال: لقاءُ الناسِ ليس يفيدُ شيئا ... سوى الهذيان من قِل وقال فاقلل من لقاءِ الناس إلا ... لأخذِ العلمِ أو إصلاحِ حال متى تشرع العزلة؟ هناك حالات خاصة تشرع فيها العزلة، وينبغى أن يُلْحَظ ان الحديث سيكون عن الحالات العامة التى تشرع فيها العزلة، والتى سبب مشروعيتها فيها تغير عام يقع فى المجتمع، أما العزلة التى تشرع بسبب خاص فقد مضت الإشارة إليها، وهى التى تكون بسبب الفرد ذاته، إما لعدم قدرته على احتمال رؤية المعاصى والمفاسد، أو الخوف على نفسه من الوقوع فيها خوفاً ظاهراَ قويا، وإما لتخلقه بطبائع وخلائق سيئة، من الحِدة والشدة، أو التعجيل والهوج، أو غيرها مما يلحق الضرر بالآخرين، دون تحصيل فائدة تذكر، إلى أسباب أخرى يكون متعلقها ذاته، وليس الحال العام، والحالات التي تشرع فيها العزلة ثلاثة هي كما يلي: الحالة الاولى: عند فساد الزمان: أشار النبى صلى الله علية وسلم، إلى الزمان الذي يتعذر فيه إصلاح العامة، لاختلاف الناس وتناحرهم وتطاحنهم، وخفة أحلامهم وأمأناتهم، ومروج عهودهم ونذورهم ووصف، ﷺ ، أهل ذلك الزمان بأنهم "حثالة"من الناس، والحثالة من كل شىء هى رديئه ومنه حثالة الشعير والأرز والتمر وكل ذى قشر، وحثالة الناس: أراذلهم، فهو اشارة إلى استقرار الانحراف العام، والغربة الشاملة، وغلبة الشر والفساد غلبة لايُطْمَعُ معها فى إصلاح العامة. وقد بين النبي ﷺ ، أنه يُشْرَعُ للمرء حينئذ أن يُقْبَِلَ على خاصة نفسه ويذَرَ أمر العامة كما في الحديث الآتي:

стр. 6417

(حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم و خفت أماناتهم و كانوا هكذا ـ و شبك بين أصابعه ـ فالزم بيتك و املك عليك لسانك و خذ بما تعرفه و دع ما تنكر و عليك بأمر خاصة نفسك و دع عنك أمر العامةودع عنك أمر العامة. قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود: أي الزم أمر نفسك واحفظ دينك واترك الناس ولا تتبعهم وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار. أهـ (حديث مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً. قال ابن حجر ﵀ في الفتح: حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ: قال الخطابي الحثالة بالفاء وبالمثلثة الرديء من كل شيء، وقال بن التين الحثالة سقط الناس وأصلها ما يتساقط من قشور التمر والشعير وغيرهما وقال الداودي ما يسقط من الشعير عند الغربلة ويبقى من التمر بعد الأكل لا يباليهم الله بالة: قال الخطابي أي لا يرفع لهم قدرا ولا يقيم لهم وزنا. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن عائشة ﵂ أنها كانت تتمثل بهذين البيتين: ذَهبَ الَّذَينَ يُعاشُ في أَكنافِهِم ** وَبَقيتُ في جِلدٍ كَجَلدِ الأَجرَبِ أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن أبي مسلم الخولاني قال: كان الناسُ ورقاً لا شوكَ فيه وإنهم اليوم شوكٌ لا ورقَ فيه. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن ابن أبي ليلى: قال سيأتي على الناس زمان يقال له زمان الذئاب فمن لم يكن في ذلك الزمان كلبا أكلوه قال أبو سليمان قال قتيبة: هو هذا الزمان. ما جاء في فساد الخاصة وما جاء في علماء السوء وذكر آفاتهم:

стр. 6418

(حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا. قال الخطابي ﵀ في آداب العزلة: قد أعلم رسول الله ﷺ أن آفة العلم ذهاب أهله وانتحال الجهال وترؤسهم على الناس باسمه وحذر الناس أن يقتدوا بمن كان من أهل هذه الصفة وأخبر أنهم ضلال مضلون وأنذر به ﷺ في حديث آخر. أهـ (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ. (حديث عُمَرَ ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ. (حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ. قال الخطابي ﵀ في آداب العزلة: يريد ـ والله أعلم ـ ظهور الجهال المنتحلين للعلم المترئسين على الناس به قبل أن يتفقهوا في الدين ويرسخوا في علمه. أهـ أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب ﵁: تفقهوا قبل أن تسودوا يريد أن من لم يخدم العلم في صغره استحيى أن يخدمه في كبر السن وادراك السؤدد. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن سفيان الثوري أنه قال: من ترأس في حداثته كان أدني عقوبته أن يفوته حظ كبير من العلم. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن أبي حنيفة رحمة الله عليه أنه قال: من طالب الرياسة بالعلم قبل أوانه لم يزل في ذل ما بقي. ما جاء في فساد الأئمة وما جاء في الإقلال من صحبة السلاطين:

стр. 6419

(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لكعب بن عجرة: (أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء. قال وما إمارة السفهاء قال أمراء يكونون بعدي لا يهدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم بكذبهم ولم ينعهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون على حوضي ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي. يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت أبدا النار أولى به. يا كعب بن عجرة الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها أو بائعها فموبقها). (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. قال الخطابي ﵀ في آداب العزلة: إنما كان هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان على أمل من الظفر بعدوه ولا يتيقن العجز عنه لأنه لا يعلم يقينا أنه مغلوبن وهذا يعلم أن يد سلطانه أقو من يده فصارت المثوبة فيه على قدر عظيم المؤونة. الحالة الثانية: عند الفتنة: الفتنة ماخوذة من "ف ت ن "الدال على الابتلاء والاختبار، وقيل هو بمعنى الاحراق. ولها معان كثيرة، منها: العذاب، والشرك، والكفر، والإثم والبلاء، والمحنة، والقتل، والهلاك، والصد عن الصراد المستقيم، والحيرة، والضلال وغيرها. والمقصود هنا ما يعرض للفرد والجماعة من إثار الشبهات والشهوات من انحراف واختلاف وتقاتل. وقد جاءت السنة كثيرا بإطلاقها على الاختلاف والتفرق الواقع بين المسلمين، وما يترتب عليه من تحزب وقتال وقتل، وشاع استعمالها بهذا المعنى. [*] قال الحافظ ابن حجر:"والمراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف فى طلب الملك، حيث لا يعلم المُحِقَّ من المُبْطِل".وقد وردت أحاديث فى التحذير من الفتن عموما، والحث على الفرار منها، واعتزالها بالكلية. أهـ وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة قال الله تعالى ذكره حكاية عن إبراهيم ﷺ (وَأَعتَزَلَكُم وَما تَدعونَ مِن دونِ اللَهِ وَأَدعو رَبي عَسى أَلا أَكونَ بِدُعاءِ رَبي شَقِياً) [مريم: ٤٨]

стр. 6420

اعتصم خليل الله سبحانه بالعزلة واستظهر بها على قومه عند جفائهم إياه وخلافهم له في عبادة الأصنام ومعاندة الحق وكفاه الله تعالى أمرهم وعصمه من شرهم وأثابه على ذلك بالموهبة الجزيلة وعوضه النصرة بالذرية الطيبة، قال تعالى: (فَلَمّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاّ جَعَلْنَا نَبِيّاً) [مريم: ٤٩] وقال تعالى في قصة موسى ﵇ (وَإِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ) [الدخان ٢٠، ٢١] فزع نبي الله تعالى إلى العزلة حين ظهر له عنادهم في قبول الدعوة وإصرارهم على منابذة الحق. وقال تعالى ذكره في قصة أصحاب الكهف: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاّ اللّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبّكُم مّن رّحْمَتِهِ وَيُهَيّىءْ لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقاً) [الكهف: ١٦] وكانوا قوما كرهوا المقام بين ظهراني أهل الباطل ففروا من فتنة الكفر وعبادة الأوثان فصرف الله تعالى عنهم شرهم ودفع عنهم بأسهم ورفع في الصالحين ذكرهم. وقد اعتزل رسول الله ﷺ قومه قريشا لما جفوه وآذوه فدخل الشعب وأمر أصحابه باعتزالهم والهجرة إلى أرض الحبشة ثم تحول إلى المدينة مهاجرا حتى تلاحق به أصحابه وتوافوا بها معه فأعلى الله تعالى كلمته وتولى إعزازه ونصره ﷺ . (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم، يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا. اما الأحاديث الوارادة فى الاختلاف والتنازع بين المسلمين، وما يتبعه من قتال وتطاحن وسفك للدماء فهى كثيرة جدا، منها ما يلي:

стр. 6421

(حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قِسِيِّكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل يعني على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم. [*] قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود: (كقطع الليل المظلم) بكسر القاف وفتح الطاء ويسكن أي كل فتنة كقطعة من الليل المظلم في شدتها وظلمتها وعدم تبين أمرها قال الطيبي ﵀ يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها (فيها) أي في تلك الفتن ويصبح كافرا الظاهر أن المراد بالإصباح والإمساء تقلب الناس فيها وقت دون وقت لا بخصوص الزمانين فكأنه كناية عن تردد أحوالهم وتذبذب أقوالهم وتنوع أفعالهم من عهد ونقض وأمانة وخيانة ومعروف ومنكر وسنة وبدعة وإيمان وكفر (القاعد فيها خير من القائم والماشي فيه خير من الساعي) أي كلما بعد الشخص عنها وعن أهلها خير له من قربها واختلاط أهلها لما سيؤل أمرها إلى محاربة أهلها فإذا رأيتم الأمر كذلك (فكسروا قِسِيِّكم) بكسرتين وتشديد التحتية جمع القوس وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة لأن باب التفعيل للتكثير (وقطعوا) من التقطيع (أو تاركم) جمع وتر بفتحتين قال القارىء فيه زيادة من المبالغة إذ لا منفعة لوجود الأوتار مع كسر القسي أو المراد به أنه لا ينتفع بها الغير (واضربوا سيوفكم بالحجارة) أي حتى تنكسر أو حتى تذهب حدتها وعلى هذا القياس الأرماح وسائر السلاح (فإن دخل) بصيغة المجهول ونائب الفاعل قوله (على أحد منكم) من بيانية (فليكن) أي ذلك لأحد (كخير ابني آدم) أي فليستسلم حتى يكون قتيلا كهابيل ولا يكون قاتلا كقابيل (حديث خالد بن عرفطة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ستكون أحداث و فتنة و فرقة و اختلاف فإن استطعت أن تكون المقتول لا القاتل فافعل. (حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: سلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته.

стр. 6422

(حديث أبي بكرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل و المقتول في النار قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه. فهذه الأحاديث تدل على مشروعية الاعتزال فى الفتنة، وتجنب الخوض فيها، ولذلك لما وقع القتال بين على ومعاوية رضى الله عنهما اعتزل عدد كبير من الصحابة، وأبوْا الدخول فى قتال بين المسلمين مع اعترافهم ببيعة أمير المؤمين على بن ابى طالب رضى الله عنه وخلافته. فاعتزل محمد بن مسلمة، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأبو بكر نفيع بن الحارث، وأبو مسعود الانصارى، وسلمة بن الاكوع، وأبو موسى الاشعرى، وغيرهم. قال الخطابي ﵀ في آداب العزلة: " والعزلة عند الفتنة سنة الأنبياء وعصمة الأولياء وسيرة الحكماء والأولياء" فلا أعلم لمن عابها عذرا لا سيما في هذا الزمان القليل خيره البكيء دره وبالله نستعيذ من شره وريبه. أهـ وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (حديث عقبة بن عامر الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك. (حديث ثوبان ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: طوبى لمن ملك لسانه وَوَسِعَه بَيْتَهُ وبكى على خطيئته. (حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم و خفت أماناتهم و كانوا هكذا ـ و شبك بين أصابعه ـ فالزم بيتك و املك عليك لسانك و خذ بما تعرفه و دع ما تنكر و عليك بأمر خاصة نفسك و دع عنك أمر العامةودع عنك أمر العامة. قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود: أي الزم أمر نفسك واحفظ دينك واترك الناس ولا تتبعهم وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار. أهـ (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم، يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن.

стр. 6423

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا. أورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن عامر ابن سعد بن أبي وقاص قال: كان سعد في إبل له وغنم فأتاه ابنه عمر بن سعد فلما رآه قال: أعوذ بالله من هذا الراكب فلما انتهى إليه قال: يا أبت أرضيت أن تكون أعرابيا في إبلك وغنمك والناس يتنازعون في الملك قال فضرب سعد صدر عمر بيده وقال: اسكت يا بني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) قال الخطابي ﵀: كان سعد ﵀ ممن اعتزل أيام الفتنة فلم يكن مع واحد من الفريقين فأرادوه على الخروج فأبى وضرب لذلك مثلا. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن ميمون بن مهران قال: إن سعداً لما دعوه إلى الخروج معهم أبى عليهم ثم قال: لا إلا أن تعطوني سيفا له عينان بصيرتان ولسان ينطق بالكافر فاقتله والمؤمن فاكف عنه وضرب لهم مثلا فقال: مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء فينا هم كذلك يسيرون هاجت ريح عجاجة فضلوا الطريق والتبس عليهم فقال بعضهم: الطريق ذات اليمين فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وضلوا وقال آخرون: الطريق ذات الشمال فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وقال آخرون: كنا في الطريق حيث هاجت الريح فنيخ فأناخوا فأصبحوا فذهب الريح وتبين الطريق فهؤلاء هم الجماعة قالوا: نلزم ما فارقنا عليه رسول الله ﷺ حتى نلقاه ولا ندخل في شيء من الفتن. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن داود بن شابور قال: كان طاوس قد جلس في بيته فقلنا له في ذلك فقال: فساد الناس وحيف الأئمة. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن ابن سيرين قال: العزلة عبادة. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن هشام بن عروة قال: لما بنى عروى قصره بالعقيق لزمه قيل له: مالك لزمت هذا القصر وتركت مسجد رسول الله ﷺ فقال: رأيت مساجدكم لاهية وأسواقكم لاغية والفاحشة في فجاجكم عالية وكان فيما هنالك عما أنتم فيه عافية. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن سفيان بن عيينة قال: قالوا لعبد الله بن عروة بن الزبير: ألا تأتي المدينة فقال: ما بقي بالمدينة إلا حاسد لنعمة أو فرح بنقمة.

стр. 6424

وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن خلف بن تميم قال: جئت أطلب إبراهيم بن أدهم في مطير فاطلعت فلم أره فأعدت النظر فإذا هو قاعد تحت السرير وقد فر من الوكف فلما نظر إليَّ قال: قَلب الناسِ كَيفَ شِئتَ تَجِدُهُم عَقارِبا. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن الفضيل بن عياض ﵀ يقول: كفى بالله محبا وبالقرآن مؤنسا وبالموت واعظا اتخذ الله صاحبا وذر الناس الناس جانبا. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن أبي الربيع الزاهد قال قلت لداود الطائي: أوصني. قال: صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة وفر من الناس فرارك من الأسد. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن ابن السماك قال: كتب إلينا صاحب لنا (أما بعد فإن الناس كانوا دواء يتداوى به فأصبحوا داء لا يقبل الدواء ففر منهم فرارك من الأسد واتخذ الله تعالى مؤنسا والسلام. وأورد الخطابي ﵀ في آداب العزلة عن وعيب بن الورد قال: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت والعاشرة في عزلة الناس. ويقول اخر لمن طلب منه الخروج فى قتال فتنة: إن أبى وعمى شهدا بدرا، وإنهما عهدا الى ألا أقاتل أحد يقول: لاإله إلا الله، فإن أنت جئتنى ببراءة من النار قاتلت معك، ثم يقول: ولست بقاتل رجلا يصلى ... على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلى إثمي ... معاذ الله من جهل وطيش أأقتل مسلما فى غير جرم ... فليس بنافعي ما عشت عيشي وفى موقف هولاء المعتزلين يقول الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: "قال ميمون: فصار الجماعة والفئة التى تدعي فيه الإسلام ما كان عليه سعد بن أبي وقاص وأصحابه الذين اعتزلوا الفتن، حتى أذهب الله الفُرْقَةَ وجمع الألفة، فدخلوا الجماعة ولزموا الطاعة، وانقادوا، فمن فعل ذلك ولزمه نجا، ومن لم يلزمه وقع فى المهالك " ولذك تمنى عدد من الصحابة الذين خاضوا فى الفتنة ان لو كان فى موقف هولاء المعتزلين، ومن كبار قادة الفئتين الذين تمنوا ذلك: عمروبن العاص رضى الله عنه حين رأى على ﵁ قال "لله در بنى عمرو بن مالك لئن كان تخلقهم عن هذا الأمر خيرا كان خيرا مبررا، ولئن كان ذنبا مغفورا" وكذلك على بن أبى طالب ﵁ كان يقول "لله در مقام قامه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، إن كان براٍ إن اجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطأه ليسير"

стр. 6425

وما من شك ان دافع الصحابة كلهم ﵃ هو الاجتهاد، ولكن هذا لا يمنع أن يكون بعضهم أولى بالحق، وأقرب إليه من بعض، وأن يكون منهم فاضل ومفضول، وقد يكون اعتزال المعتزلين لعدم تبين الأمر لهم، وقتال المقاتلين لقناعتهم بأن الحق فى القتال، ومما يدل على ذلك قول سعد السابق، والذى شبه المتوقفين عن القتال فيه بمن هاجت عليهم عجابة فضيعوا الطريق، فوقفوا حيث هم حتى يستبين لهم الأمر. [*] يقول الحافظ ابن حجر فى شرح حديث أبي بكرة الآتي: (حديث أبي بكرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. يقول الحافظ ابن حجر: واستدل به على امتثال قوله تعالى (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الاُخْرَىَ فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجرات: ٩]،ففيها الامر بقتال الفئة الباغية، وقد ثبت أن من قاتل علياً كانوا بغاة. وهؤلاء ـ مع هذا التصويب ـ متفقون أنه لا يُذَمُ واحد من هولاء، بل يقولون اجتهدوا فاخطاوا .. " كيف تكون العزلة فى الفتنة؟ اتتضح من الأحاديث التى سبقت وضوحاً جلياً أن العزلة فى الفتنة تكون على احد وجهين: الأول: العزلة التامة، فى مكان بعيد عن الناس، بحيث يشتغل المعتزل بغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، أو إبل يرعاها، أو أرض يزرعها ويصلحها، أو غير ذلك مما يحقق له العزلة الكلبة التامة عن الناس. الثاني: العزلة الجزئية، بحيث يعتزل الفتنة وأهلها، ولا يدخل فيها أو يشترك فى قتالها، وإن كان مقيما بين ظهراني الناس. وقد تنوعت مواقف المعتزالين للفتنة من الصحابة وغيرهم، فمنهم من اعتزل اعتزالا كليا كسعد بن ابى وقاص، ومحمد بن مسلمة. ومنهم من تجنب الخوض فى الفتنة، ولم يعتزل الناس كأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبي مسعود الأنصارى، وأبى موسى الأشعري والذى يحدد هذا النوع من العزلة او ذاك أمران هما:

стр. 6426

أولهما: الحاجة والمصلحة، فقد لا يستطيع المرء اعتزال الفتنة إلا باعتزال الناس كلهم، او يخشى ان يُقْحَمَ فيها فَيُنْطَلَق به حتى يكون بين الصفين، وقد يرى أن العزلة الكلية عن القتال أو الاختلاف هي بلوغ السلامة. وثانيهما: القدرة والاستطاعة، فقد لا يستطيع المرء اعتزال الناس لحاجته اليهم، فى أمور دينه أو فى أمور دنياه، ولذلك أمر النبى ﷺ ، من لم يكن له إبل ولاغنم ولا أرض أن يعمد الى سيفه فيدقه بحجر، ثم يبحث عن النجاة ما استطاع، وقال سلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته. الحالة الثالثة اعتزال السلطان عند فساده: إن السلطان لابد له من أعوان ومستشارين وعمال ووزراء، يعينونه على ما تولى من شئون رعاياه الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية. وقد كان وجوه الصحابة من المهاجرين والأنصار هم بطانة الخلفاء الأربعة، وما زال كثير من الفقهاء الذين يرون فى أنفسهم القدرة على توجيه السلطان والتأثير عليه، ولا يخشون من فتنة وضرر، يغشون مجالسهم أمرين بالمعروف والعدل، ناهين عن المنكر والظلم، قاضين لحوائج الناس، ولهم فى ذلك كله مواقف مشهورة. أما حين يكون غشيان السلاطين طلبا لنفع دنيوى عاجل، أو لتحقيق مصالح شخصية، وتزول منه نية الاحتساب ,والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يكون فتنة على صاحبه. وقد غلبت على أحوال السلاطين ـ بعد عصر الراشدين ـ وجود شيء من الظلم والجور وإيثار العاجل على الآجل، حتى لا يكاد مخالطهم والملازم لهم يسلم من رؤيه منكر لا يستطيع له تغيرا، أو ظلم لا يستطيع له رفعا، أو حق مسلوب لا يستطيع له ردا. وقد حذر النبى ﷺ ، من إتيان السلاطين وملازمتهم فى مثل تلك الحال، حيث يفوته من الخير أعظم مما حقق، بل ربما لم يحقق نفعا بالكلية. وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث بن عباس ﵄ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:

стр. 6427

(ومن أتى السلطان افتتن) لأنه إن وافقه في مرامه فقد خاطر بدينه وإن خالفه فقد خاطر بروحه ولأنه يرى سعة الدنيا فيحتقر نعمة اللّه عليه وربما استخدمه فلا يسلم من الإثم في الدنيا والعقوبة في العقبى. (حديث رجلٍ من سليم في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال إياكم و أبواب السلطان فإنه قد أصبح صعبا هبوطا. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إياكم وأبواب السلطان) أي اجتنبوها ولا تقربوا باباً منها (فإنه) يعني باب السلطان الذي هو واحد الأبواب (قد أصبح صعباً) أي شديداً (هبوطاً) أي منزلاً لدرجة من لازمه مذلاً له في الدنيا والآخرة ثم إن لفظ هبوطاً بالهاء وهو ما وقفت عليه في نسخ هذا الجامع والذي وقفت عليه في نسخ البيهقي والطبراني حبوطاً بحاء مهملة أي يحبط العمل والمنزلة عند اللّه تعالى. قال الديلمي: وروي خبوطاً بخاء معجمة والخبط أصله الضرب والخبوط البعير الذي يضرب بيده على الأرض اهـ وإنما كان كذلك لأن من لازمها لم يسلم من النفاق ولم يصب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينه أغلا منه وهذه فتنة عظيمة للعلماء وذريعة صعبة للشيطان عليهم سيما من له لهجة مقبولة وكلام عذب وتفاصح وتشدق إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه أن في دخولك لهم ووعظهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم الشرع ثم إذا دخل لم يلبث أن يداهن ويطري وينافق فيهلك ويهلك. أهـ والحاصل أن الفتنة التى تعرض لملازم السلطان هى فتنة الدين أو الدنيا، فإنه إن وافقه فيما يأتي وما يذر فقد خاطر بدينه، وإن خالفه خاطر بروحه، وهى فتنة السراء بتعرضه للدنيا وزينتها، وفتنة الضراء بتعرضه للإهانة والضرب والقتل وسائر المخاطر. وهذا الضرر الحاصل لمن دخل عليه ولازمه، قد يكون ضرر محضا لا يقابله تحصيل مصلحة شرعية، سواء كان الضرر دينيا او دنيويا، بالخير وبالشر. وقد تقابله مصلحة شرعية أقل منه، أو مثله، او أعظم منه، وتندرج هذه المسألة تحت قاعدة المصالح والمفاسد. ولذلك يقول الامام الفتنى فى شرحه للحديث السابق:"وهذا لمن دخل مداهنة، ومن دخل آمرا وناهيا وناصحاً كان دخوله افضل". أي: لأنه يدخل فى هذه الحال فى باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن تعرض للقتل كان مخاطرا بنفسه فى ذات الله، وقد بين الرسول، ﷺ ، أن افضل الجهاد كلمة عدل أو حق عند سلطان جائر. مسألة: هل يجوز الخروج على الحاكم إذا وُجِد منه فساداً أو انحرافاً عن العدل؟

стр. 6428

الذي دلت عليه السنة الصحيحة وتجتمع فيه الأدله أنه لا يجوز الخروج عن الحاكم مالم نرى منه كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، بل يجب علينا السمع والطاعة لهم ما داموا مسلمين مُصَلِيْن، وعدم قتالهم أو الخروج عليهم حتى نرى منهم الكفر البواح الذى عندنا من الله فيه برهان، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: ستكون أثرة وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم. (حديث عبادة بن الصامت ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحاً، عندكم من الله فيه برهان. فلابد من السمع والطاعة فى المنشط والمكره، والعسر واليسر، وفى حال الاستئثار وحجب بعض الحقوق عن أهلها، ولا تجوز منازعة الحاكم أو الوالى إلا فى حالة الكفر البواح الصراح، أما فيما يتعلق بكراهية ما هم عليه، والإنكار عليهم، وقول كلمة الحق أمامهم، ونصحهم، والبراءة من انحرافهم فجاء فيه أحاديث كثيرة منها ما يلي: (حديث أم سلمة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إنه سيكون عليكم أئمة تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد بريء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقيل يا رسول الله أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا. فأشار النبي ﷺ إلى فساد السلطان، بوجود الأثرة التى يحجب فيها الحق عن أصحابه الذين هم أولى به من غيرهم، ووجود المنكرات المتعلقة بالولاة من الظلم، والتوسع فى الأكل والمشارب والمساكن وغيرها، وما شابه ذلك من المعاصي التى لا تصل الى الكفر البواح. وبين قدراً من الواجب تجاه هذا الانحراف، وهو أداء الحقوق المتعلقة بهم للسلاطين من السمع والطاعة والمناصحة والجهاد ونحوها، سواء تعلقت هذه الحقوق بالنفس أو المال.

стр. 6429

والصبر على فوات الحقوق الواجبة الراعية، والمتمثلة فى الاستئثار عليهم بالمال والحكم وغيرها، بحيث يسألونها الله بأن يصرف قلوبهم الى العدل والانصاف فى الرعية، وإسناد الأمور إلى أهلها، أو يبدلهم خيراً منهم، ممن هو أحق بهذا الأمر وأولى به. معنى التقية وأقسامها: مسألة: ما معنى التقية؟ قال تعالى: (لاّ يَتّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَن تَتّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذّرْكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىَ اللّهِ الْمَصِيرُ) [آل عمران: ٢٨] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: نهى الله ﵎، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: من يرتكب نهى الله في هذا فقد برئ من الله. وقوله: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: "إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ". وقال الثوري: قال ابن عباس، ﵄: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية، وأبو الشعثاء والضحاك، والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (٧)﴾ [النحل: ١٠٦]. أهـ وعن الضحاك قال: التقية باللسان، من حمل على أمر يتكلم به، وهو لله معصية، فتكلم مخافة على نفسه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه إنما التقية باللسان، وورد نحو هذا المعنى عن جمع من السلف. وهذه الآثار تدل على أنه يدخل فى الآية الكتمان والاستسرار وعدم الجهر بالدين والحق، ويدخل يها ـ أيضا ـ مصانعة المشركين ومخالفتهم وإظهار موالاتهم باللسان دون العمل إذا تحققت شروط الإكراه.

стр. 6430

وفى آية النحل ذكر الله تعالى الكفر بعد الايمان، وتوعد فاعليه بالغضب والعذاب العظيم، واستتثنى من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان قال تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالإِيمَانِ وَلََكِن مّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: ١٠٦] فهذه الآية نص فى رفع الحرج عن المكره على النطق بكلمة الكفر، مع اطمئنان قلبه بالإيمان. وسبب نزولها يؤكد هذا المعنى ويجليه، حيث نزلت فى عمار بن ياسر حين ضربه المشركون حتى باراهم فى بعض ما يريدون، ونال من النبى ﷺ ، وذكر آلهتهم بخير. وقد نقل الحافظ ابن عبد البر، والحافظ ابن حجر إجماع العلماء على ان هذا هو سبب النزول. فإن عمارا ﵁ أكره على النطق بكلمة الكفر، وسب النبى ﷺ ، وقد عذره الله تعالى فى هذه الآية، وبين أنه غير داخلٍ فى الوعيد. [*] أقسام التقية: القسم الأول من أقسام التقية (المدارة): فقد عد قوم من باب التقية مدارة الكفار والفسقة والظلمة، وإلانة الكلام، والتبسم فى وجوهم، والانبساط معهم، وإعطائهم، لِكَفِ أذاهم، وقطع لسانهم، وصيانة العرض منهم، ولتألف قلوبهم على الإسلام والاتباع. والمدارة لا تعارض النصح الرفيق البعيد عن الإغلاظ والشدة. [*] قال ابن بطال رحمه الله تعالى: "المدارة من أخلاق المؤمنين، وهى خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم فى القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وهى الرفق بالجاهل فى التعليم، وبالفاسق فى النهى عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك" وقد عقد الإمام البخاري رحمه الله تعالى فى كتاب الأدب من صحيحه بابا بعنوان" باب المدارة مع الناس "،وساق تحته أثرا معلقا عن أبي الدرداء رضى الله عنه قال " إنا لَنَكْشُرُ في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم. ثم ساق الحديث الآتي: (حديث عائشة في الصحيحين) قالت استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو بن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه.

стр. 6431

ومن هذا ـ وغيره ـ يتضح أن المداراة هى التلطف فى المعاملة، ومحاذرة آثارة سخط الناس، بقصد جلب مصلحة شرعية، أو دفع مفسدة شرعية. وقد تكون المداراة بالقول، كلين الكلام، وقد تكون بالفعل تفويت مصلحة شرعية_ وقد تصبح واجبة إذا ترتب على تركها مفسدة من ردة أو فسق، أو ظلم مسلم، أو نحو ذلك. وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث عمرو بن تغلب ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: أعطى رسول الله ﷺ قوما ومنع آخرين، فكأنهم عَتَبُوا عليه، فقال: (إني أعطي قوما أخاف ظلعهم وجزعهم، وَأَكِلُ أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغناء، منهم عمرو بن تغلب). فقال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم. (حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطا وأنا جالس فيهم، قال: فترك رسول الله ﷺ منهم رجلا لم يعطه، وهو أعجبهم إلي، فقمت إلى رسول الله ﷺ فساررته، فقلت: مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنا؟ قال: (أو مسلما). قال فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنا؟ قال: (أو مسلما). قال: فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنا قال: (أو مسلما). يعني: فقال: (إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار على وجهه). ومن الظاهر ان النبي، ﷺ ، لم يكن ليمنع المال من هو أحق به وأولى من أهل السابقة الفقراء، ويعطيه من كان إلى وقت قريب حرباً على الإسلام، إلا لسببٍ يوجب ذلك، من تألف قلوبهم على الإسلام، وتثبيتهم عليه لئلا يرتدوا، ودفع أذاهم عن المسلمين، أو طعما في الإسلام من وراءهم من قومهم. وَيُلْحَظُ فى المداراة أنها قد تكون في حالات ضعف المسلمين وخوفهم، وقد تكون في بداية مرحلة التمكين، وقد تكون في أثناء التمكين، والأمثلة السابقة توضح ذلك. القسم الثانى من أقسام التقية (الكتمان والاستسرار): هذا القسم من أولى الأقسام دخولا فى معنى التقية، ولكن لا يلزم من ذلك حصر معنى التقية فيه.

стр. 6432

وقد ساق الله تعالى فى كتابه قصة مؤمن ءال فرعون، وطريقته فى مواجهة بعض المواقف الصعبة المحرجة، قال تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مّؤْمِنٌ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيّنَاتِ مِن رّبّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ * يَقَومِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاّ مَآ أَرَىَ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ) [غافر ٢٨: ٢٩] الى قوله تعالى: (وَقَالَ الّذِيَ آمَنَ يَقَوْمِ اتّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرّشَادِ * يَقَوْمِ إِنّمَا هََذِهِ الْحَيَاةُ الدّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنّ الاَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ* مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يُجْزَىَ إِلاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلََئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَقَوْمِ مَا لِيَ أَدْعُوكُمْ إِلَى النّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيَ إِلَى النّارِ * تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ * لاَ جَرَمَ أَنّمَا تَدْعُونَنِيَ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدّنْيَا وَلاَ فِي الاَخِرَةِ وَأَنّ مَرَدّنَآ إِلَى اللّهِ وَأَنّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوّضُ أَمْرِيَ إِلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوقَاهُ اللّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ * قال تعالى: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ) [غافر ٣٨: ٤٦] لقد أشار هذا القبطى يستتر بإيمانه بين ملئه وقومه، ويكاتمهم إياه، ولذلك كان منهم بحيث يحضر ناديهم، ويطارحهم الرأى فيه، ولم يبين السياق ما إذا كان دافعه إلى الكتمان الخوف من بطشهم وفتنتهم، أو الرغبة فى حماية موسى والمؤمنين، والدفاع عنهم، أو الأمرين معا.

стр. 6433

وحين وصل الحال إلى فرعون هَمَّ بقتل موسى وقف هذا الرجل وقفته العظيمة مدافعا محذرا، دون أن يكون فى موقفه هذا ما يدل دلالة صريحة على إعلانه للإيمان، بل كان اعتماده على المنطق الذى يقتضى أن هذا الرجل ـ موسى ﵇ إما أن يكون كاذبا، أو صادقا، فإن كان كاذبا فهو يتحمل مغبة كذبه على ربه فى الدنيا والآخرة، وإن كان صادقا فأنتم حريون بالعقوبة على عصيانكم له وإقامتكم على ما أنتم عليه، فكيف إذا أزتم على ذلك قتله؟. وما يزال هذا المؤمن يحاور ويداور ويلمح ويعرض حتى جهر ـ أخيرا ـ بما هو عليه من اتباع موسى واليمان به، وواجه طغيان فرعون القائل (مَآ أُرِيكُمْ إِلاّ مَآ أَرَىَ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ) [غافر: ٢٩] الى قوله (َ يَقَوْمِ اتّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرّشَادِ) [غافر: ٣٨] وحينئذ مكر به آل فرعون (فَوقَاهُ اللّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٥] وهذه الحادثة الفردية التى عاشها مؤمن آل فرعون، عاشها جميع من المؤمنين الأولين بدعوة محمد ﷺ ، فكانوا يكتمون إيمانهم من قومهم ويستسرون به. وقد فصل القول فى حكم هذه التقية السيد محمود شكرى الألوسى رحمه الله تعالى فقال: كل مؤمن وقع فى محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين، وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك، ويخفي دينه، ويتشبث بعذر الاستضعاف، فإن أرض الله واسعة". نعم إن كان له ممن له عذر شرعى فى ترك الهجرة كالصبيان، والنساء، والعميان، والمحبوسين، والذين يخوفهم بالقتل، أو قتل الأولاد، أو الآباء، أو أمهات، تخويفا يظن معه إيقاع ما خوفوا غالبا، سواء كان هذا القتل بضرب العنق، أو بحبس القوت، أو بنحو ذلك، فإنه يجوز له المكث مع المخالف، والموافقة بقدر الضرورة، ويجب عليه أن يسعى فى الحلية للخروج والفراربدينه. وإن كان التخويف بفوات المنفعة، أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها، كالحبس مع القوت، والضرب القليل غير المهلك، فإنه لايجوز له موافقتهم. فعلى هذا يجوز للمسلم أن يكتم إسلامه اذا كان مقيما فى محل لا يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يستطيع الخروج أو الهجرة من هذا المحل، أو لا يجد مكانا يهاجر اليه ويأمن فيه على دينه، ويخشى لو جهر بدينه من الفتنة أو القتل، أو إلحاق الضرر البالغ به، أو بأقاربه، أو بمن يلوذ به.

стр. 6434

على أن يقصر فى ذلك إلى قدر الضرورة، فلا يكتم حيث يسعه الإعلان، وعلى أن يسعى للهجرة ما استطاع إلا إذا كان مقيما بين أظهر المشركين، وفى البلاد التي لا يقدر فيها على الجهر بدينه، لأغراض مشروعة، تخدم الأمة المسلمة والجماعة المسلمة كالاغراض العسكرية، ونحوها فهو ـ حينئذ مأذون بالبقاء بينهم حتى يحقق الغرض الذى انتدب من أجله وحكم هذه الحالة الخاصة يؤخذ ـ بطريق الأولى ـ من اذن النبي ﷺ ، لبعض أصحابه الذين بعثهم فى مهمات خاصة، أن يقولوا فيه شيئا، وأن يظهروا الموافقة للكافرين فى بعض أمرهم. القسم الثالث من أقسام التقية (إظهار الموافقة للمشركين على دينهم): وهذا القسم هو أشد الأقسام وأخطرها، وفيه يتعدى الأمر مجرد السكوت والكتمان والاستسرار إلى إظهار الدين الباطل، وموافقة المشركين عليه، وفى تعريف السرخسى للتقية قال:"والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره، وإن كان يُضْمِرُ خلافه"،فقصر التقية على هذا المعنى. وقد أجمع العلماء قاطبة على أن الإنسان إذا واجه ضغطا وتخويفا وتهديدا إن أصَرَّ على إيمانه، فلم يلتفت إلى هذا التخويف، وثبت على إعلان دينه، إنه فعل الأفضل، وإن قتل في هذا السبيل فهو شهيد، وقد ترك الرخصة الى العزيمة. كما أجمعوا على أن ما أكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن أظهر الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر. ولكن يشترط للاكراه شروط: الأول: أن يكون المُهَدِدُ قادراَ على إيقاع ما يُهَدِدُ به، والمأمور عاجز عن الدفع عن نفسه، ولو بالفرار والهرب. الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع عن فعل ما يؤمر به ذلك. الثالث: أن يكون التهديد بأمر فوري، كأن يهدده بالقتل، اما لو قال: افعل كذا، وإلا ضربتك غداً لم يكن مُكْرَها، إلا إذا كان الزمن المحدد قريبا جدا فيكون فى حكم الأمر الفوري. الرابع: ألا يظهر من المأمور المكره ما يدل على نوع من الرضا والاختيار والموافقة القلبية. وقد خص بعض السلف الرخصة بالقول فحسب، دون الفعل، ونقل عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومكحول، وغيرهما أن القول والفعل سواء، وهو مذهب مالك وطائفة من اهل العراق.

стр. 6435

ولكن هذه التقية غير جائزة حين يترتب عليها ضياع الحق وخفاؤه، والتباسه بالباطل، كما اذا كان المكره من العلماء المرموقين الذي ينتظر الناس كلمتهم ليدينوا بها ويعتقدوها، ومن الزعماء المتبوعين الذين يقتدى الناس بهم، ويعتبرون بمواقفهم. [*] يقول الشيخ احمد شاكر بعد ذكر بعض شروط التقية:" .. على ألا يكون ممن يقتدى به، فيخشى أن يخفى الحق على الجاهلين، وأن يضعف إيمانهم، ويحجموا عن نصرة حقهم احتجاجا بمن أجاب عند الاكراه تقية، وهم غافلون. وهذا هو الذى أضعف المسلمين فى القرون الأخيرة: "أن أحجم علماؤهم وزعماؤهم وقادتهم عن الضرب على أيدى الظالمين، وعن الحق فى مواطن الصدق، فتهافت الناس، وضعفت قلوبهم، وملئوا من عدوهم فكانوا لا غناء لهم وكانوا غثاء كغثاء السيل". وقال ﵀ فى تعليق له على موقف الإمام أحمد ورفضه التقية لما يترتب عليها من التلبس على الجهال:" .. أما أولو العزم من الأئمة الهداة، فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى ويثبتون، وفى سبيل الله ما يلقون، ولو أنهم أخذوا بالتقية، واستساغوا لضل الناس من ورائهم، يقتدون بهم، ولا يعلمون أن هذه تقية. وقد أتى المسلمون من ضعف علمائهم فى مواقف الحق، لا يصدعون بمال يؤمرون، يجاملون فى دينهم وفى الحق، لا يجاملون الملوك والحكام فقط، بل يجاملون كل من طلبوا منه نفعا، أو خافوا ضراً فى الحقير والجليل من أمر الدنيا، وكل أمر الدنيا حقير، فكان من ضعف المسلمين بضعف ما نرى " وهناك حالة استثنائية خاصة يجوز فيها اظهار الموافقة، أو يشرع لغرض تحقيق مصلحة شرعية تجسسية، أو عسكرية، على ألا يتعدى بها القدر الضرورى اللازم، وقد ورد فى السنة ما يشهد لذلك الحديث الآتي:

стр. 6436

(حديث جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في الصحيحين) قال: قال رسول الله ﷺ : من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله). فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: (نعم). قال: فائذن لي أن أقول شيئا، قال: (قل) فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين؟ - وحدثنا عمرو غير مرة، فلم يذكر وسقا أو وسقين، أو: فقلت له: فيه وسقا أو وسقين؟ فقال: أرى فيه وسقا أو وسقين - فقال: نعم، ارهنوني، قالو: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم، قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، وكنا نرهنك اللأمة - قال سفيان: يعني السلاح - فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، وقال غيرعمرو، قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب. قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين - قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم - قال عمرو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر. قال عمرو: جاء معه برجلين، فقال: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه. وقال مرة ثم أشمكم، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحا، أي أطيب، وقال غير عمرو: قال عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب. قال عمرو: فقال أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه.

стр. 6437

﴿تنبيه﴾: وسواء كان كلام محمد بن مسلمة رضى الله عنه ومن معه من الصحابة لكعب على سبيل التورية التى فهم منها المخاطب غير ما أراد المتكلم كما يدل عليه كلام بعض الشراح، أو كان الأمر بخلاف ذلك، كما تدل عليه بعض روايات أهل السير التي فصلت القول في أنهم صرحوا له بإرادتهم خذلان النبي صلى اله عليه وسلم، والتنحي عنه، فإن إذن النبى ﷺ ، له أن يقول هو إذنٌ عام مقيد بالتورية، ولذلك بوب عليه الامام البخارى:"باب الكذب فى الحرب"،وكذلك الامام النسائى فى سننه الكبرى. هذه هي "التقاة"عند أهل السنة، وهي استثناء من أصل عام مطرد، هو إحقاق الحق وإظهاره وإعلانه، وإبطال الباطل وإخماده، وازهاقه، وهى فى قسميها الآخرين رخصة جائزة، والعزيمة بخلافها. والرخصة كما عرفها الأئمة: هى ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضى المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه. وقد روعي فى إباحة هذة الرخصة وغيرها ما جبل عليه كثيرا من البشر من الضعف والعجز عن مقاومة الضغوط والشدائد، وتلك رحمه من الله قال تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨] وروعي فى مشروعية الثبات والعزيمة ما اختص به بعض الناس من العزائم الصلبة، والهمم الرفيعة، والقلوب القوية الشجاعة، والنفوس الصابرة، التى خلقت لتكون معالم فى طريق الحق يهتدى بضوئها السائرون، ويستصبح بنورها الدالجون، وبهم يدفع الله عن الحق الغوائل والمحن، ويقيم لأهل الحجة السنن. ولا يزال فى هذه الامة من لدن بعثة محمد، ﷺ ، الى يوم الناس هذا، وإلى أن يأتي أمر الله، من رجالات الطائفة المنصورة من يرفع راية الحق ويبذل مهجته دونها. وسطية أهل السنة فى باب التَقِيَّة: التقاة والتقية مصدران لفعل واحد، وقد قرئت الآية بالوجهين، فقرأها الجمهور (إِلاّ أَن تَتّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)،وقرأها ابن عباس، والحسن، وحميد بن قيس، ويعقوب الحضرمي، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وأبو رجاء، والجحدرى، وأبو حيوة: تَقِيَّة بفتح التاء، وتشديد الياء على وزن فعيلة، وكذلك روى المفضل، عن عاصم. وقد اشتهر لدى أهل السنة استعمال التقاة بضم التاء، وفتح القاف، والألف المدودة، كما هي قراءة الجمهور، مع استعمال اللفظ الآخر. واشتهر لدى الرافضة استعمال التقية بفتح التاء، وكسر القاف، والياء المشددة المفتوحة ـ كما هي القراءة الآخرى ـ هذا من حيث اللفظ.

стр. 6438

أما من حيث حكم التَقِيَّة، والتطبيق العملي لها، فإن ثمت فروقا عظيمة بينها يمكن إجمال أهمها فيما يلي: الفرق الاول: أن التقية عند أهل السنة استثناء مؤقت من أصل كلي عام، لظرفٍ خاص يمر به الفرد المسلم، أو الفئة المسلمة، وهى مع ذلك رخصة جائزة. أما الرافضة فالتَقِيَّة عندهم واجب مفروض حتى يخرج قائمهم، وهى بمنزلة الصلاة، حتى نقلوا عن الصادق قوله:"لو قلت أن تارك التَقِيَّة كتارك الصلاة لكنت صادقا". بل إن التَقِيَّة عندهم تسعة أعشار الدين كله، ولذلك قالوا:"لا دين لمن لا تَقِيَّة له" فالتَقِيَّة فى المذهب الشيعي أصل ثابت مطرد، وليست حالة عارضة مؤقتة. بل من غلوهم فى التَقِيَّة أن اعتبروا تركها ذنبا لا يغفر، فهي على حد الشرك بالله، ولذلك جاء فى أحاديثهم:"يغفر الله للمؤمنين كل ذنب، ويطهر منه فى الدنيا والآخرة، ما خلا ذنبين: ترك التَقِيَّة، وتضيع حقوق الإخوان". وبهذا يتبن الفرق فى الحكم بين نظرة أهل السنة، ونظرة الرافضة، فهي عند أهل السنة استثناء مباح للضرورة، وعند الرافضة أصل من اصول المذهب. الفرق الثانى: إن التَقِيَّة عند أهل السنة ينتهي العمل بها بمجرد زوال السبب الداعي لها من الإكراه ونحوه، ويصبح الاستمرار عليها ـ حينئذ ـ دليلاً على أنها لم تكن تَقِيَّة ولاخوفا، بل كانت ردة ونفاقا. وفى الأزمنة التي تعلو فيها كلمة الإسلام، وتقوم دولته، ينتهي العمل بالتَقِيَّة ـ غالبا ـ وتصبح حالة فردية نادرة. أما عند الرافضة، فهى واجب جماعي مستمر، لا ينتهي العمل به، حتى يخرج مهديهم المنتظر الذي لن يخرج أبدا. ولذلك ينسبون إلى بعض أئمتهم قوله:"من ترك التَقِيَّة قبل خروج قاءمنا فليس منا" الفرق الثالث: أن تُقَاة أهل السنة تكون مع الكفار ـ غالبا ـ كما هو نص قوله تعالى: (لاّ يَتّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَن تَتّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذّرْكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىَ اللّهِ الْمَصِيرُ) [آل عمران: ٢٨] وقد تكون مع الفساق والظلمة الذين يخشى الإنسان شرهم، ويحاذر بأسهم وسطوتهم، أما تَقِيَّة الروافض فهي أصلا مع المسلمين. وهم يسمون الدولة المسلمة"دولة الباطل"ويسمون دار الإسلام:"دار التَقِيَّة "ويرون أن ترك التَقِيَّة في دولة الظالمين فقد خالف دين الإمامية وفارقة.

стр. 6439

بل تعدى الأمر عندهم إلى حد العمل بالتَقِيَّة فيما بينهم حتى يعتادوها ويحسنوا العمل بها أمام أهل السنة. وفى هذا يقول بعض أئمتهم ـ فيما زعموا ـ:"عليكم بالتَقِيَّة، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه، لتكون سجية مع من يحذره" الفرق الرابع: أن التُقَاة عند أهل السنة حالة مكروهة ممقوتة، يُكْرَه عليها المسلم إكراها، وَيُلْجَأ إليها إلجاء، ولا يداخل قلبه ـ خلال عمله بالتقاة ـ أدنى شيء من الرضا أو الاطمئنان، وكيف يهدأ باله، ويرتاح ضميره، وهو يظهر أمرا يناقض عقد قلبه؟ أما الرافضة، فلما للتَقِيَّة عندهم من المكانة، ولما لها فى دينهم من المنزلة، ولما لها فى حياتهم العلمية الواقعية من التأثير، فقد عملوا على "تطبيعها"وتعويد اتباعهم عليها، وأصبحوا يتوارثون التمدح بها كابراً عن كابر. ومن نصوصهم فى ذلك ما نسبوه لبعض أئمتهم من قوله لابنه:"يابني ما خلق الله شيئا أقر لعين أبيك من التَقِيَّة. ونسبوا لجعفر الصادق قوله"لا والله ما على وجه الأرض أحب اليّ من التَقِيَّة " هذه أبرز الفروق التى تميز تقاة أهل السنة عن تَقِيَّة الرافضة، والمحك العملي لهذه الفروق هو الواقع العملي عبر القرون والأجيال، وإلى يوم الناس هذا. فإن أهل السنة تميزوا بالوضوح والصدق فى أقوالهم، وأعمالهم، ومواقفهم بل إنهم سجلوا مواقف بطولية خالدة في مقارعة الظالمين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدع بكلمة الحق، ولا زالت قوافل شهدائهم تتوالى جيلا بعد جيل، ورعيلا بعد رعيل، ولا زالت أصداء مواقفهم الشجاعة حية يرويها الأحفاد عن الأجداد، ويتلقنون منها دروس البطولة والفدائية والاسشهاد. فى حين يحفل تاريخ الروافض بصور الخيانة والتأمر والغدر الخفي، فهم في الوقت الذي يصافحون به أهل السنة باليمين ـ تَقِيَّةً ونفاقا ـ يطعنونهم باليد الأخرى من وراء ظهورهم، وكثير من المصائب التي بالمسلمين كان للرافضة فيها يد ظاهرة، وكانوا من أسعد الناس بها، حتى ليصدق عليهم وصف الله للمنافقين (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا) [آل عمران: ١٢٠] ومع هذا بلغت بهم التَقِيَّة أن قال قائلهم:"من صلى وراء سني تَقِيَّة فكأنما صلى وراء نبي "

стр. 6440

ويقابل غلوالشيعة فى النفاق الذى يسمونه تَقِيَّة، غلو الخوارج الذين يذهبون إلى أنه لا يجوز التَقِيَّة بحالٍ من الأحوال، وأنه لا يُراعى حفظ المال أو النفس، أو العرض، أو غيرها من الضروريات، فى مقابلة الدين أصلا. ولهم فى ذلك تشديدات عجيبة، منها أن من كان يصلي، وجاء سارق أو غاصب ليسرق ماله، فإنه ليس له قطع الصلاة، ولا مقاومة هذا اللص فى أثنائها، مهما كان المال من العظم والكثرة، ولهم مواقف مع الصحابة وغيرهم فى هذا. وبهذا تتحقق وسطية أهل السنة فى باب التَقِيَّة بين الرافضة المغالين، وبين الخوارج المفرطين، كما تحققت وسطيتهم فى سائر أبواب العمل والاعتقاد، مصداقا لقول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: ١٤٣] (٥٦) الإحسان إلى من يعمل تحت يديه: ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان الإحسان إلى من يعمل تحت يديه. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه علاجه و دُخَانه فليجلسه معه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكله أو أكلتين. (إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه) ليأكله. (قد كفاه علاجه) أي تحمل المشقة من تحصيل آلاته ومزاولة عمله (ودخانه) بالتخفيف مقاساة شم لهب النار حال الطبخ نص عليه مع شمول ما قبله له لعظم مشقته. (فليجلسه معه) ندباً ليأكل مكافأة له على كفايته حره وعلاجه وسلوكاً لسبيل التواضع المأمور به في الكتاب والسنة هذا هو الأفضل. (فإن لم يجلسه معه) لعذر كقلة طعام أو لكون نفسه تعاف ذلك قهراً عليه ويخشى من إكراهها محذوراً أو لغير ذلك كمحبته للاختصاص بالنفيس أو لكون الخادم يكره ذلك حياء منه أو تأدباً. (فليناوله أُكلة أو أُكلتين) من الطعام بضم الهمزة ما يؤكل دفعة واحدة كلقمة ... ما يؤكل كذلك بحسب حال الطعام والخادم ليرد ما في نفسه من شهوة الطعام وتنكسر سورة الجوع. (حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أنسا غلام كيس فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر، ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا، ولا لشيء لم أصنعه لم تصنع هذا هكذا.

стр. 6441

(حديث المعرور في الصحيحين) قال لقيتُ أبا ذرٍ بالرَّبذة وعليه حُلة وعلى غُلامه حُلة فسألته عن ذلك فقال إني ساببتُ رجلاً فعيّرته بأُمه فقال لي النبي ﷺ يا أبا ذر! إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فّلْيُطْعِمْه مما يأكل ولْيُلبِسْه مما يلبس ولا تُكَلفوهم ما يغلبهم، فإذا كلفتموهم فأعينوهم. (حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) قال: كنت أضربُ غلاماً لي فسمعتُ من خلفي صوتاً: اعلم أبا مسعود للهُ أقدر عليك منك عليه، فالتفتُ فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت ي رسول الله هو حرٌ لوجه الله فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار. (٥٧) التخلي عن شهوة الخصومة: ويجب على المسلم أن يتخلى عن شهوة الخصومة ويحترز منها وألا يحوم حولها ولا يقترب منها فإنها خلقٌ شرٌ كله فهي تحمل على الحقد والكراهية والحسد وصاحبها ممقوت عند الله تعالى بنص الكتاب والسنة الصحيحة. قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿البقرة ٢٠٦:٢٠٤﴾ (حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: أبغض الرجال إلى الله: الألدُّ الخَصِم. معنى الألدُّ: شديد اللدودة أي الجدال معنى الخَصِم: شديد الخصومة ﴿تنبيه﴾: ويجب على المسلم أن يتجنب الخصومة بينه وبين أخيه لأن هذا هو هدف الشيطان وبغيته عليه لعنة الله، فالشيطان عليه لعائن الله المتتابعة تترى من غير انفصال يُحَرِّش بين الناس ويوقع بينهم الخصومات والعياذ بالله. (حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم. معنى أيس: أي يأس ولكن في التحريش بينهم: [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: في التحريش بينهم" هذا الحديث من معجزات النبوة، ومعناه أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها.

стр. 6442

(٥٨) الاحتراز من رذيلة الحرص والطمع: من الصفات الرذيلة التي يجب على المسلم أن يحترز منها رذيلة الحرص والطمع فإن الحرص على المال يفسد الدين بقدر أكبر من الفساد الحاصل من إرسال ذئبين جائعين على غنم، أي يفسد فساداً بيناً بلا روية (حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه. مقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً. وقد حذرنا النبي ﷺ من فتنة المال في سنته المشرفة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة (حديث كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ. قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: قَوْلُهُ: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً) أَيْ ضَلَالًا وَمَعْصِيَةً. (وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ) أَيِ اللَّهْوُ بِهِ لِأَنَّهُ يُشْغِلُ الْبَالَ عَنِ الْقِيَامِ بِالطَّاعَةِ وَيُنْسِي الْآخِرَةَ. (حديث أبي موسى ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إنَّ هَذَا الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ. أورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: لِكُلِّ أُمَّةٍ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ وَصَنَمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ. ﴿تنبيه﴾: من أجل ذلك نهى النبي ﷺ عن الحرص على المال وأمر بالاقتصاد فيه وعدم الانكباب عليه واليقين بأن نفساً لن تموت وحتى تستوفي رزقها و إن أبطأ عنها وأن الرزق (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أيها الناس اتقوا الله و أجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها و إن أبطأ عنها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب خذوا ما حل و دعوا ما حرُم.

стр. 6443

(أيها الناس اتقوا اللّه وأجملوا في الطلب) ترفقوا في السعي في طلب حظكم من الرزق (فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها) فهو لا بد يأتيها فلا فائدة للانهماك والاستشراف والرزق لا ينال بالجد ولا بالاجتهاد وقد يكدح العاقل الذكي في طلبه فلا يجد مطلوبه والغر الغبي يتيسر له ذلك المطلوب، وهذه المطالب إنما تحصل وتسهل بناء على قسمة قسَّام لا يمكن منازعته ومغالبته ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم﴾ فقد ترى أحمقاً مرزوقاً وعالماً محروماً، وقرن ذلك بالأمر بالتقوى لأنها من الأوامر الباعثة على جماع الخير إذ معها تنكف النفس عن أكثر المطالب وترتدع عن الشهوات وتندفع عن المطامع ومن ثم كرر لك فقال (فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب) أي اطلبوا الرزق طلباً رفيقاً وبين كيفية الإجمال بقوله فيه (خذوا ما حل) لكم تناوله (ودعوا) أي اتركوا (ما حرم) (حديث أبي الدرداء في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: الرزق أشد طلبا للعبد من أجله. (الرزق أشد طلباً للعبد من أجله) لأن اللّه تعالى وعد به بل ضمنه ووعده لا يتخلف وضمانه لا يتأخر ومن علم أن ما قدر له من رزقه لا بد له منه علم أن طلبه لما لا يقدر له عناء لا يفيد ولهذا قال بعض الأنجاب: الرزق يطرق على صاحبه الباب وقال بعضهم: الرزق يطلب المرزوق وبسكون أحدهما يتحرك الآخر. والسقيم عاجز والعمر الذي أعطى به يقوم العبادة والصحة مع الفقر خير من الغنى مع العجز والعاجز كالميت. (وطيب النفس من النعيم) لأن طيبها من روح اليقين وهو النور الوارد الذي أشرق على الصدر فإذا استنار القلب ارتاحت النفس من الظلمة والضيق والضنك فإنها لشهواتها في ظلمة والقلب مرتبك فيها فالسائر إلى مطلوبه في ظلمة يشتد عليه السير ويضيق صدره ويتنكد عيشه ويتعب جسمه فإذا أضاء له الصبح ووضح له الطريق وذهبت المخاوف وزالت العسرة ارتاح القلب واطمأنت النفس وصارت في نعيم (حديث عبيد الله ابن محصن في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها. (من أصبح منكم آمنا في سِربه) أي في بيته (معافى في جسده) أي صحيحاً بدنه (عنده قوت يومه) أي غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه ذلك يعني من جمع اللّه له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله

стр. 6444

(فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) كأنما أعطي الدنيا بأسرها ﴿تنبيه﴾: ويجوز الاستكثار من المال الحلال ما لم ينكب الإنسان عليه مع صلاح النية من إعطاء حق الله تعالى فيه وصلة الرحم ومساعدة المحتاجين. (حديث عمرو بن العاص في صحيح الأدب المفرد) أن النبي ﷺ قال: نعم المال الصالح للمرء الصالح. (حديث يسار بن عُبيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: لا بأس بالغنى لمن اتقى و الصحة لمن اتقى خير من الغنى و طيب النفس من النعيم. (لا بأس بالغنى لمن اتقى) فالغنى بغير تقوى هلكة، يجمعه من غير حقه ويمنعه ويضعه في غير حقه فإذا كان مع صاحبه تقوى فقد ذهب البأس وجاء الخير قال محمد بن كعب: الغني إذا اتقى آتاه اللّه أجره مرتين لأنه امتحنه فوجده صادقاً وليس من امتحن كمن لا يمتحن (والصحة لمن اتقى خير من الغنى) فإن صحة البدن عون على العبادة فالصحة مال ممدود: (حديث أبي كبشة الأنماري في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِسَوَاءٌ، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ. [*] قال سعيد ابن المسيب رحمه الله تعالى: لا خيرَ فيمن لا يريد المال من حِله يكفُ به وجهه عن الناس، ويصل فيه رحمه ويعطي منه حقه. [*] وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: المال في زماننا هذا سلاحُ المؤمنين [*] وقال الفُضَيلُ ابن عِياض لابن المبارك رحمها الله تعالى: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبُلغة ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خُرسان إلى البلد الحرام كيف ذاك؟

стр. 6445

فقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: يا أبا علي إنما أفعل ذلك لأصون به وجهي وأكرم به عرضي وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقاً إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال الفضيل: ما أحسن ذا إذا تم ذا. [*] وقال ابن المبارك مرةً للفضيل: لولا أنت وأصحابك ما اتجَّرت. [*] وقال ابن المبارك مرةً: لولا خمسةٌ ما اتجَّرت، السفيانان وفضيل وابن السماك وابن علية. (٥٩) صحبة من يُسْتَحْيَا منه ليزجره ذلك من المخالفات: قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة: ومن آدابها: صحبة من يُسْتَحْيَا منه ليزجره ذلك من المخالفات. (حديث سعيد بن يزيد بن الأزور ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك. أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: " أحبوا الطاعات بمجالسة من يُسْتَحْيَا منه " وأورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: " ما أوقعني في بلية (١) إلا صحبة من لا أحتشمه " وأورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن إسماعيل بن نجيد ﵀ يقول: " عاشر من تحتشمه، ولا تعاشر من لا تحتشمه " (٦٠) المشورة مع الإخوان وقبول ما يشيرون به عليه: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ) [آل عمران: ١٥٩] (٦١) قلة مخالفة الإخوان في أسباب الدنيا: قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة: ومن آدابها: قلة مخالفة الإخوان في أسباب الدنيا، فإن الدنيا أقل خطرا من أن يخالف فيها أخ من الإخوان. أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن يحيى بن معاذ يقول: " الدنيا بأجمعها لا تسوى غم ساعة، فكيف بغم طول عمرك فيها، وقطع إخوانك بسببها مع قليل نصيبك منها؟ " (٦٢) الحرص على اجتماع الكلمة والحذر من الخلاف:
следующие страницы →