Полный текст (6 619 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن في قوله : (فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ * إِنّي ظَنَنتُ أَنّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ) [الحاقة - ١٩: ٢٠]. قال: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن فأساء العمل.
[*] روى الطبراني عن الحسن البصري أنه قال: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة. يقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة (الصحراء) من غير زاد ولا ماء أن يهلك.
[*] وجاءه رجل إلى الحسن البصري فقال له: إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء فقال له الحسن: هل تقوم الليل فقال: لا، فقال: كفاك أن حرمك الله مناجاته.
وكان يقول: من علامات المسلم قوة دين، وجزم في العمل وإيمان في يقين، وحكم في علم،
وحسن في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة (جوع) وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة.
لا ترديه رغبته ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يقلبه فرجه، ولا يميل به هواه،
ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نغيته.
[*] وقال له رجل: إن قوماً يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلاً (أي يتصيدون الأخطاء).
فقال: هون عليك يا هذا، فإني أطمعت نفسي في الجنان فطمعت، وأطعمتها في النجاة من النار، فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلاً، فإن الناس لم يرضوا عن خالقهم ورازقهم فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟
وسُئل الحسن عن النفاق فقال: هو اختلاف السر والعلانية، والمدخل والمخرج،
ما خافه إلا مؤمن (أي النفاق) ولا أمنة إلا منافق، صدق من قال: إن كلامه يشبه كلام الأنبياء.
(٥) زهد الحسن البصري رحمه الله تعالى:
стр. 667
عاش الحسن ﵁ دنياه غير آبه بها، غير مكترث لها، لا يشغله زخرفها ولا يغويه مالها، فكان نعم العبد الصالح، حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن، فقيهًا زاهدًا، مشمرًا عابدًا، وفي هذا يقول: إن المؤمن يصبح حزينًا ويمسي حزينًا وينقلب باليقين في الحزن، ويكفيه ما يكفي العنيزة، الكف من التمر والشربة من الماء، وقال عنه إبراهيم بن عيسى اليشكري: ما رأيت أحدًا أطول حزنًا من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، وقال عنه علقمة بن مرثد: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، فمنهم الحسن، ولقد شهد له أهل البصرة بذلك، حدث خالد بن صفوان، وكان من فصحاء العرب، فقال لقيت مسلمة بن عبد الملك فقال لي: أخبرني عن حسن البصرة، فقال خالد: أنا خيرٌ من يخبرك عنه بعلم، فأنا جاره في بيته وجليسه في مجلسه وأعلم أهل البصرة به، إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته، وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به، وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له، ولقد رأيته مستغنيًا عن الناس زاهدًا بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه طالبين ما عنده، فقال مسلمة: حسبك يا خالد حسبك كيف يضل قوم فيهم مثل هذا؟!!
وهاك بعض المواقف الدالة على عظيم زهد الحسن البصري رحمه الله تعالى، وتدل على أن الدنيا لا تخطر له ببال ولا تور له في خيال:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حميد الطويل، قال: خطب رجل إلى الحسن وكنت أنا السفير بينهما، قال: فكأن قد رضيه، فذهبت يوماً أثني عليه بين يديه، فقلت: يا أبا سعيد وأزيدك أن له خمسين ألف درهم، قال: له خمسون ألفاً ما اجتمعت من حلال، قلت: يا أبا سعيد إنه كما علمت ورع مسلم، قال: إن كان جمعها من حلال فقد ضم بها عن حق، لا والله لا جرى بيننا وبينه صهر أبداً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: أنه كان يتمثل بهذين البيتين أحدهما في أول النهار والآخر في آخر النهار:
يسر الفتى ما كان قدم من تقى ... إذا عرف الداء الذي هو قاتله
وما الدنيا بباقية لحي ... ولا حي على الدنيا بباق
стр. 668
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المبارك بن فضالة، قال: كان الحسن إذا تلا هذه الآية: (يَأَيّهَا النّاسُ إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلاَ يَغُرّنّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ) [فاطر: ٥]. قال: من قال ذا? قاله من خلقها وهو أعلم بها، قال: وقال الحسن: إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، يقول: بئس الرفيقان الدرهم والدينار، لا ينفعانك حتى يفارقانك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن، يقول: ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: لا تخالفوا الله عن أمره فإن خلافاً عن أمره عمران دار قضى الله عليها بالخراب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ضمرة عن ابن شودب، قال: لما مات الحجاج وولى سليمان فأقطع الناس الموات فجعل الناس يأخذون، فقال ابن الحسن لأبيه: لو أخذنا كما يأخذ الناس، فقال: اسكت ما يسرني أن لي ما بين الجسرين بزنبيل تراب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أشعث. قال: كنا إذا دخلنا على الحسن خرجنا ولا نعد الدنيا شيئاً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن مغول، قال: قال الحسن: غدا كل امرئ فيما يهمه، ومن مهم بشيء أكثر من ذكره، إنه لا عاجلة لمن لا آخرة له، ومن آثر دنياه على آخرته فلا دنيا له ولا آخرة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم ابن عيسى اليشكري، قال: سمعت الحسن إذا ذكر صاحب الدنيا يقول: والله ما بقيت له ولا بقي لها، ولا سلم من تبعها ولا شرها ولا حسابها، ولقد أخرج منها من خرق.
(٦) دعاء الحسن البصري على الظالم:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن عبد الرحمن بن علي بن زيد بن جدعان، قال: أخبرت الحسن بموت الحجاج فسجد، وقال: اللهم عقيرك وأنت قتلته فاقطع سنته وأرحنا من سنته وأعماله الخبيثة ودعا عليه.
رحم الله الإمام الحسن البصري فلقد توفي وعمره ٨٨ سنة عام عشر ومائة في شهر رجب.
стр. 669
(٧) الحسن البصري يصدع بكلمة الحق في وجه الحجاج:
لما كان الحسن ﵁ قد طلّق الدنيا برمتها، وقد رخصت في عينه، فقد هان عنده كل شيء، فلم يكن يعبأ بحاكم ظالم، ولا أمير غاشم، و لا ذي سلطة متكبر، بل ما كان يخشى في الله لومة لائم، ومن ذلك أن الحجاج كان قد بنى لنفسه قصرًا في " واسط " فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرجة عليه، وللدعاء له، فخرج الحسن، ولكن لا للدعاء، بل انتهازًا للفرصة حتى يذكر الناس بالله ويعظ الحجاج بالآخرة، فكان مما قال: ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض غروه، ولما حذره أحد السامعين من بطش الحجاج رد عليه الحسن قائلاً: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وفي اليوم التالي وجه الحجاج إلى الحسن بعض شرطه ثم أمر بالسيف والنطع ـ البساط من الجلد يوضع تحت المحكوم عليه بقطع الرأس ـ، فلما جاء الحسن أقبل على الحجاج وعليه عزة المسلم، وجلال المسلم، ووقار الداعية إلى الله، وأخذ يحرك شفتيه يدندن بكلام ويتمتم ببعض الحروف، فلما رآه الحجاج هابه أشد الهيبة، وما زال يقربه حتى أجلسه على فراشه، وأخذ يسأله في أمور الدين، ثم قال له: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم طيبه وودعه، فتعجب الناس من صنيع الحجاج فقالوا: يا أبا سعيد ماذا قلت حتى فعل الحجاج ما فعل؟ وقد كان أحضر السيف والنطع، فقال الحسن: لقد قلت: يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردًا وسلامًا علي كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.
(٨) نصح الحسن للولاة:
стр. 670
لما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟! فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية فقال ابن هبيرة ما تقول يا حسن فقال يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن سيرين سفسفنا له فسفسف لنا.
ودعاه يومًا ابن هبيرة، وكان يزيد بن عبد الملك قد ولي ابن هبيرة العراق وخراسان، وكان مع الحسن الشعبي، فسألهما ابن هبيرة في كتب تصل إليه من أمير المؤمنين فيها ما يغضب الله؛ فتكلم الشعبي فتلطف في الكلام، فلما تكلم الحسن زأر كالأسد، وانطلق كالسهم، وانقض كالسيف، قائلاً: يا ابن هبيرة: خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد، يا ابن هبيرة، إنك إن تك مع الله وفي طاعته، يكفك بائقة ـ أذى ـ يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوقٍ كائنًا من كان في معصية الخالق.
(٩) سعة علم الحسن البصري وأسبابها:
كان الحسن البصري ﵀ جامعًا، عالمًا، فقيهًا، ثقة، حجة مأمونًا فصيحًا، ويعد الحسن ﵁ سيد أهل زمانه علمًا وعملاً، وأشدهم فصاحة وبيانًا، وقد برع ﵀ في الوعظ والتفسير براعة لا تفاق، حتى كان فارس الميدان، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها:
أولاً: نشأته في بيت أم المؤمنين أم سلمة ﵂، فقد رضع من ثديها، كما رضع منها علمًا وفقهًا.
стр. 671
قربه من بيوت أمهات المؤمنين، فكان ذلك داعيًا لأن يتعلم منهنَّ.
ثانياً: لزومه حلقة ابن عباس ﵁، فقد أخذ عنه الفقه والحديث والتفسير والقراءات واللغة.
ثالثاً: ولوعه بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ فقد راعه فيه صلابته في الدين وإحسانه في العبادة، وزهده في الدنيا، وقوته في الفصاحة والبيان.
من روى عنهم:
رابعاً: تتلمذ الحسن على يدي كبارالصحابة في مسجد الرسول ﷺ مثل: عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر.
ثم انتقل الحسن إلى البصرة مع والديه عندما بلغ أربعة عشر عاما واستقر بالبصرة مع أسرته وكانت البصرة آنذاك من أكبر قلاع العلم وكان مسجدها العظيم يموج بمن دخلها من كبار الصحابة ﵃ لا سيما عبد الله بن عباس الذي لازمه الحسن وأخذ عنه التفسير والحديث والقراءات.
أخذ الحسن عن غير عبد الله بن عباس من الصحابة الفقه واللغة والأدب حتى صار من أعلم أهل زمانه.
التف الناس حوله وذاع صيته وعلت شهرته وأحبه الناس حبا شديدا.
وقد روى الحسن ﵁ عن عدد كبير من صحابة رسول الله ﷺ ومن هؤلاء: عمران بن حصين، والمغيرة، وعبد الرحمن بن سمرة، والنعمان بن بشير، وجابر، وابن عباس، وابن سريع، وأنس، كما رأى عثمان وطلحة، وكان يحدث هو فيقول أنه أدرك سبعين بدريًا.
وفاة الحسن البصري رحمه الله تعالى:
في العام العاشر بعد المائة الأولى وفي غرة رجب ليلة الجمعة وافقت المنية الحسن ﵁، فلما شاع الخبر بين الناس ارتجت البصرة كلها رجًا لموته ﵁، فغسل وكفن، وصلى عليه في الجامع الذي قضى عمره فيه؛ داعيًا ومعلمًا وواعظًا، ثم تبع الناس جنازته بعد صلاة الجمعة، فاشتغل الناس في دفنه ولم تقم صلاة العصر في البصرة لانشغال الناس بدفنه، رحم الله أبا سعيد، وتقبله في الصالحين، وجمعنا الله به في دار كرامته.
سيرة سعيد بن المسيَّب ﵀:
هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، كنيته أبو محمد، هو سيد التابعين وقدوة السلف، فقيه الفقهاء السبعة، جبل العلم، وآية الحفظ، الشيخ الكامل، والعالم العامل، الزاهد العابد، الإمام القلم العلامة.
стр. 672
ولد لسنتين من خلافة عمر بن الخطاب سنة ١٤هـ في المدينة النبوية؛ حيث كبار الصحابة، فرأى عمر بن الخطاب، وسمع عثمان بن عفان، وعليًّا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري، وأبا هريرة .. وغيرهم، سيد فقهاء المدينة والتابعين، روى عن عدد من الصحابة وبعض أمهات المؤمنين وكان أعلم الناس بقضايا رسول الإسلام محمد بن عبد الله ﷺ ، وقضاء أبي بكر وعمر بن الخطاب، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع واسع العلم ويقال له فقيه الفقهاء، كان رجلا وقورا له هيبة عند مجالسيه فكان يغلب عليه الجد عفيفا معتزا بنفسه لا يقوم لأحد من أصحاب السلطان ولا يقبل عطاياهم ولا هداياهم ولا التملق لهم أو الاقتناع بهم.
اسم سعيد بن المسيب ونسبه:
سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة، الإمام العَلَم، أبو محمد القرشي المخزومي، كنيته أبو محمد، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه. وُلِدَ لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁ وقيل: لأربع مضين منها بالمدينة.
رأى عمر، وسمع عثمان، وعليا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، وسعدا، وعائشة وأبا هريرة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأم سلمة، وخلقا سواهم. وقيل: إنه سمع من عمر، وكان أعلم الناس بقضايا رسول الإسلام محمد بن عبد الله ﷺ ، وقضاء أبي بكر وعمر بن الخطاب، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع واسع العلم ويقال له فقيه الفقهاء، كان رجلا وقورا له هيبة عند مجالسيه فكان يغلب عليه الجد عفيفا معتزا بنفسه لا يقوم لأحد من أصحاب السلطان ولا يقبل عطاياهم ولا هداياهم ولا التملق لهم أو الاقتناع بهم.
نشأة سعيد بن المسيب ﵀:
نشأ سعيد بن المسيب نشأة مباركة، وسار على نهج صحابة رسول الله ﷺ ، واقتدى بأفعالهم، وروى عنهم أحاديث رسول الله ﷺ ، وتزوج بنت الصحابي الجليل أبي هريرة، فكان أعلم الناس بحديثه.
وهبه الله في نشأته الباكرة ذكاءً متوقدًا، وذاكرة قوية، حتى شهد له كبار الصحابة والتابعين بعلو المكانة في العلم، وكان رأس فقهاء المدينة في زمانه، والمقدم عليهم في الفتوى، حتى اشتهر بفقيه الفقهاء، وكان عبد الله بن عمر ﵁ وهو المقدم في الفتوى بالمدينة آنذاك- إذا سئل عن مسألة صعبة في الفقه، كان يقول: سلوا سعيدًا فقد جالس الصالحين.
стр. 673
ويقول عنه قتادة: ما رأيت أحدًا قط أعلم بالحلال والحرام منه، ويكفي ابن المسيب فخرًا أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز كان أحد تلاميذه، ولما تولى عمر إمارة المدينة لم يقض أمرًا إلا بعد استشارة سعيد، فقد أرسل إليه عمر رجلاً يسأله في أمر من الأمور، فدعاه، فلبي الدعوة وذهب معه، فقال عمر بن عبد العزيز له أخطأ الرجل، إنما أرسلناه يسألك في مجلسك.
الصورة العامة لعصر سعيد بن المسيب:
عاش سعيد بن المسيب في عنق الزجاجه في الفترة الانتقالية بين الخلافة الرشيدة والملك الأموي العضوض، حيث ولد في المدينة قبيل وفاة عمر بن الخطاب بعامين ومات سنة ٩٤هـ، في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد استقرار الحكم الاستبدادي في ذرية عبد الملك بن مروان.
أي أن سعيد بن المسيب أدرك من حيث الفترة الزمنية أخطر أحداث التاريخ الإسلامي التي لا تزال تؤرق الضمير المسلم حتى الآن، شهد اغتيال عمر بن الخطاب، وشهد الاختلاف علي عثمان، وشهد مصرعه، وعاش الفتنة الكبرى من مواقع الجمل وصفين و النهروان، وشهد انتقال الخلافة إلي معاوية، وتحولها إلى ملك وراثي يستبد بها يزيد بن معاوية، وشهد في عصر يزيد مقتل الحسين وآله في كربلاء، ثم في العام التالي شهد موقعة الحرة وثورة المدينة، وهزيمتها واقتحامها واستباحتها وقتل أهلها وانتهاك حرمتها، وشهد حصار الأمويين للكعبة وضربها بالمجانيق، وإعلان ابن الزبير خلافته، والصراع بين ابن الزبير والأمويين، ومقتل ابن الزبير، وانفراد عبد الملك بن مروان بالحكم، ثم غدر عبد الملك بأبناء عمه الأمويين بعد اتفاقية الجابية، وإسناده ولاية العهد لابنيه الوليد ثم سليمان، ومات سعيد في خلافة الوليد بن عبد الملك.
عاش سعيد كل هذه الأحداث الجسام وهو في المدينة، لم يبرحها إلا إلى مكة للحج، أو بمعني آخر شهد سعيد بن المسيب عظمة المدينة المنورة كعاصمة للمسلمين، ثم شهد انتقال الأضواء عنها إلى الكوفة ثم إلى دمشق .. أي انه شهد المدينة وهي تداوي جراحها السياسية بعد أن عجزت عن استعادة دورها السياسي بعد هزيمتها في موقعة الحرة، وتحولها إلى مدرسة علمية تحاول أن تنافس العراق في الفقه والتاريخ والتفسير والحديث.
стр. 674
إن سعيد بن المسيب الذي ولد سنة ٣١هـ قد فتح عينيه علي كل تلك المصائب من قتل عمر وعثمان وعلي والفتنة الكبرى، ثم كان رجلا مكتمل الرجولة وهو يشهد قتل أهل المدينة واستباحة نسائها على يد الجيش الأموي في موقعة الحرة سنة اثنين وستين هجرية، ثم عاش في ظل القمع الأموي إلى أن مات سنة أربعٍ وتسعين هجرية، وناله من هذه الفتن الكثير من المحن، حيث كان مطلوبا منه أن يبايع للحاكم المستبد فيرفض، فيتعرض للضرب والإهانة، مع مكانته الاجتماعية والدينية.
محنة سعيد بن المسيب:
стр. 675
إن من المعلوم شرعاً أن العلماء ورثة الأنبياء، قائمون في الأمة مقامهم، مضطلعون بدورهم، والجماهير دائمًا تتطلع إليهم، وعيونهم معلقة بهم، خاصة وقت الأزمات والنوازل، وكلما كان العالم الرباني منظورًا إليه، مقتدى به، كانت التبعة أعظم والمحنة أشد؛ فالعالم الرباني هو رجل الأمة، ودليل العامة، ودرع الحق والشرع الذي يحمي بيضة الدين، ويذب عن حياضه، وبثباته على الحق يثبت الكثيرون، وبتهاونه يضيع أيضًا الكثيرون، لذلك ما من عالم رباني قام في الأمة إلا تعرض لكثير من المحن والابتلاءات، ولقد كان الإمام سعيد بن المسيب ﵀ من سادات التابعين وعلمًا من أعلام المسلمين، ممن كمل حاله وجمع الله فيه من خصال الخير كله من العلم والعمل، فلقد كان بحق عالمًا عاملاً، لا يخاف في الله لومة لائم، صادعًا بالحق أمارًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا يهاب خليفة ولا أميرًا، مجافيًا لأبوابهم معتزًا بعلمه، صائنًا لعرضه، شديد الانتقاد لأي مظهر من مظاهر الخروج على الشرع والحق، ومن كانت هذه خصاله فحري به أن يمتحن ويتعرض للمحنة تلو الأخرى، ومع ذلك لا ينال البلاء من عزيمته ولا تلين المحنة شيئًا من صلابته في الحق، لقد كان سعيد بن المسيب من بني مخزوم أشراف قريش وكانوا من المتحالفين مع الأمويين ضد الإسلام، ولكن كان جده من أصحاب النبي محمد. وقد أصبح سعيد في شبابه أفقه أهل المدينة وصار في شيخوخته رمزا للمدينة، وكبيرا للتابعين في عصره والتابعون هم الجيل التالي للصحابة والذي عايش الصحابة. وبسبب مكانته العائلية والفقهية والمعنوية، فقد كان هدفا مناسبا للمتصارعين علي الحكم، إذ لابد من إرغامه علي البيعة حتى يبايع الآخرون، فإذا رفض عوقب حتى يكون عبرة للآخرين. وكالعادة يقوم والي المدينة بعقابه، ثم يكتفي الخليفة بعتاب رقيق للوالي علي ما فعله بسعيد مع استمرار وقوع الظلم علي سعيد.
стр. 676
بدأت هذه اللعبة، حين أعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة في مكة، وعين جابر بن الأسود الزهري واليا علي المدينة، ودعا الوالي أهل المدينة لبيعة ابن الزبير، فرفض سعيد بن المسيب قائلا: حتى يجتمع الناس أي حتى يكون هناك إجماع واتفاق بين أهل الشام والعراق ومصر والحجاز، أو بمعنى أصح رفض سعيد أن ينحاز إلى الحزب الزبيري في صراعه مع الحزب الأموي. ولخطورة هذا الموقف على أهل المدينة وأهل الحجاز فقد ضرب الوالي سعيد ستين سوطا .. وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه ويقول (مالنا ولسعيد دعه) وبذلك استمال ابن الزبير أهل المدينة، وحقق ما أراد، ودفع سعيد الثمن.
وتغلب الأمويون على ابن الزبير وقتلوه، وتمهد الأمر لعبد الملك بن مروان، وقد كان عبد الملك من قبل رفيقا لسعيد بن المسيب في طلب العلم، وبعد توليه السلطة وسفكه الدماء جاء عبد الملك وخطب في أهل المدينة عام ٧٥ قائلا: ( .. والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد هذا إلا ضربت عنقه، وكانت هذه اللغة موجهة لسعيد وأصحابه الذين كان مفترضا منهم أن يأمروا الحاكم بتقوى الله، حسبما كان متبعا في المدينة في عصر الراشدين.
وبعدها ـ وبناء على طلب الخليفة عبد الملك ـ طلب الوالي هشام بن إسماعيل المخرومي ابن عم سعيد مبايعة أهل المدينة لابني عبد الملك، الوليد ثم سليمان، فبايع الناس، وأبى سعيد بن المسيب كالعادة، فضرب الوالي هشام بن إسماعيل المخزومي ابن عمه سعيد بن المسيب ستين سوطا، وأمر فطيف به في المدينة في هيئة مزرية، وسجنه، وكتب بما فعل للخليفة، فقال عبد الملك له: سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عند سعيد من شقاق ولا خلاف، ومع ذلك ظل في السجن، ثم أفرجوا عنه و منعوا أن يجالسه احد في المسجد، وحين قيل لهم أن سعيد بن المسيب ينوي أن يدعوا عليهم في الحج منعوه من الذهاب للحج.
[*] مناقب سعيد بن المسيب ﵀:
هاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب سعيد بن المسيب جملةً وتفصيلا رحمه الله تعالى:
أولاً مناقب سعيد بن المسيب جملةً:
(١) ثناء العلماء على سعيد بن المسيب:
(٢) حسن فهم سعيد بن المسيب للعبادة والورع:
(٣) حرص سعيد بن المسيب على صلاة الجماعة:
(٤) اجتهاد سعيد بن المسيب في الصوم والحج:
(٥) حرص سعيد بن المسيب على قراءة القرآن:
(٦) تعظيم سعيد بن المسيب لحديث رسول الله:
(٧) حرص سعيد بن المسيب على طلب العلم:
стр. 677
(٨) زهد سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى:
(٩) ورع سعيد بن المسيب:
(١٠) عظيم مراقبة سعيد بن المسيب لربه تعالى:
(١١) خشية سعيد بن المسيب من الله تعالى:
(١٢) استعفاف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى:
(١٣) كان سعيد بن المسيب مستجاب الدعوة ﵀:
(١٤) دعاء سعيد بن المسيب على الظالم:
(١٥) تحذير سعيد بن المسيب من فتنة النساء:
(١٦) من عظيم مناقب سعيد بن المسيب أنه زَوَّج ابنه لطالب علمٍ فقير:
(١٧) ابتلاء سعيد بن المسيب في سبيل الله تعالى:
(١٨) دعوة سعيد بن المسيب إلى طلب المال للإحسان إلى الخلق والاستغناء عنهم:
(١٩) إيثار سعيد بن المسيب للخمول وإنكار الذات:
(٢٠) نظرة سعيد بن المسيب إلى النفس:
(٢١) من فتوحات الله على سعيد بن المسيب بالدعاء:
(٢٢) نظرة سعيد بن المسيب إلى الدنيا والمال:
(٢٣) سعيد بن المسيب لا تأخذه في الحق لومه لائم:
ثانياً مناقب سعيد بن المسيب تفصيلا:
(١) ثناء العلماء على سعيد بن المسيب:
كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، كان سيد التابعين وقدوة السلف، فقيه الفقهاء السبعة، جبل العلم، وآية الحفظ، الشيخ الكامل، والعالم العامل، الزاهد العابد، الإمام القلم العلامة سيد التابعين ومقدّمهم أمانة في نقل السنة عن الصحابة، وفقهاً في دين الله وزهداً في الدنيا، وصدعاً بالحق واستعلاءً بالإيمان والعلم على حطام الدنيا، ورهبة السلطان.
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
فأما أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي؛ كان من الممتحنين، امتحن فلم تأخذه في الله لومة لائم، صاحب عبادة وجماعة وعفة وقناعة، وكان كاسمه بالطاعات سعيداً، ومن المعاصي والجهالات بعيداً.
[*] وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
الإمام، أحد الأعلام، و سيد التابعين، ثقة حجة فقيه، رفيع الذكر، رأس في العلم و العمل
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن نافع أن ابن عمر ذكر سعيد بن المسيب فقال هو والله أحد المفتين.
стр. 678
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن معن بن عيسى، عن مالك، قال: كان عمر بن عبد العزيز لا يقضي بقضي يعني وهو أمير المدينة حتى يسأل سعيد بن المسيب، فأرسل إليه إنسانا يسأله، فدعاه، فجاء فقال عمر له: أخطأ الرسول؛ إنما أرسلناه يسألك في مجلسك. وكان عمر يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتيني بعلمه، وكنت أُوتَى بما عند سعيد بن المسيب.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عن سعيد بن إبراهيم أنه سمع سعيد بن المسيب: ما بقى أحد أعلم بكل قضاء ابن المسيب يقول ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر مني.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قتادة: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد إلا وجدت له فضلا عليه، غير أنه كان إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله.
[*] أورد ابن سعد في الطبقات عن محمد بن يحيى بن حبان: كان رأس من بالمدينة في دهره، المقدم عليهم فى الفتوى سعيد بن المسيب، و يقال: فقيه الفقهاء.
[*] أورد ابن سعد في الطبقات عن ميمون بن مهران قال أتيت المدينة فسألت عن أفقه أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب.
[*] قال الزهري: ﵀ جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علماً غيره،
[*] قال أبو طالب: قلت لأحمد بن حنبل سعيد بن المسيب عن عمر حجة؟ قال هو عندنا حجة قد رأى عمر وسمع منه إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟
[*] وقال قتادة: ما رأيت أحد أعلم من سعيد بن المسيب.
[*] وعن مكحول قال: طفت الأرض كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم من سعيد.
[*] وسأل رجل القاسم بن محمد عن شيء فقال أسألت أحداً غيري؟ قال نعم عروة وفلانا وسعيد بن المسيب فقال: أطع ابن المسيب فإنه سيدنا وعالمنا.
[*] وكان عبد الله بن عمر إذا سئل عن الشيء يشكل عليه يقول: سلوا سعيد بن المسيب فإنه قد جالس الصالحين.
[*] وروى الربيع عن الشافعي أنه قال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن.
[*] وقال الإمام أحمد: سعيد بن المسيب أفضل التابعين.
[*] وقال على بن المدينى: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به وهو عندي أجل التابعين.
[*] وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه.
стр. 679
[*] قال ابن كثير: كان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا والكلام فيما لا يعنى ومن أكثر الناس أدبا في الحديث جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع فقال الرجل وددت أنك لم تتعن فقال إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع وقال برد مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد وقال ابن إدريس: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة.
(٢) حسن فهم سعيد بن المسيب للعبادة والورع:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن بكر بن خنيس، قال: قلت لسعيد بن المسيب وقد رأيت أقواماً يصلون ويتعبدون: يا أبا محمد ألا تتعبد مع هؤلاء القوم? فقال لي: يا ابن أخي إنها ليست بعبادة، قلت له: فما التعبد يا أبا محمد? قال: التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله وأداء فرائض الله تعالى.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن صالح بن محمد بن زائدة: أن فتية من بني ليث كانوا عباداً وكانوا يروحون بالهاجرة إلى المسجد ولا يزالون يصلون حتى يصلي العصر، فقال صالح لسعيد: هذه هي العبادة لو نقوى على ما يقوى عليه هؤلاء الفتيان، فقال سعيد: ما هذه العبادة ولكن العبادة التفقه بالدين والتفكر في أمر الله تعالى.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة.
(٣) حرص سعيد بن المسيب على صلاة الجماعة:
لقد بلغ حب العبادة شغاف قلب سعيد بن المسيب فلم يفتر عنها لا في سراء ولا ضراء، وتأمل في الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب: أنه اشتكى عينيه فقيل له: يا أبا محمد، لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة فوجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك، فقال سعيد: فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح؟
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما فاتتني الصلاة في الجماعة منذ أربعين سنة.
стр. 680
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن أبي حكيم قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن برد مولى بن المسيب، قال: ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: ما دخل على وقت صلاة إلا وقد أخذت أهبتها، ولا دخل على قضاء فرض إلا وأنا إليه مشتاق.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب ذات يوم: ما نظرت في أقفاء قوم سبقوني بالصلاة منذ عشرين سنة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الأوزاعي، قال: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كان لأحد من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة عشرين منها لم ينظر في أقفية الناس.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، قال: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة. وقال سعيد بن المسيب: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة.
(٤) اجتهاد سعيد بن المسيب في الصوم والحج:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يزيد بن أبي حازم: أن سعيد بن المسيب كان يسرد الصوم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن حرملة، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لقد حججن أربعين حجة.
(٥) حرص سعيد بن المسيب على قراءة القرآن:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن حرملة، قال: حفظت صلاة ابن المسيب وعمله بالنهار، فسألت مولاه عن عمله بالليل، فأخبرني فقال: وكان لا يدع أن يقرأ بصاد والقرآن كل ليلة، فسألته عن ذلك فأخبرني فقال: أن رجلاً من الأنصار صلى إلى شجرة فقرأ بصاد فلما مر بالسجدة سجد وسجدت الشجرة معه فسمعها تقول: اللهم أعطني بهذه السجدة أجراً، وضع عني بها وزراً، وارزقني بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود.
стр. 681
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عاصم بن العباس الأسدي، قال: كان سعيد بن المسيب يُذَكِّر ويُخَوِّف، وسمعته يقرأ في الليل على راحلته فيكثر، وسمعته يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان يحب أن يسمع الشعر، وكان لا ينشده، ورأيته يمشي حافيا وعليه بتّ ورأيته يُحفي شاربه شبيها بالحلق، ورأيته يصافح كل من لقيه، وكان يكره كثرة الضحك.
(٦) تعظيم سعيد بن المسيب لحديث رسول الله:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن دخل المطلب بن حنظب على سعيد بن المسيب في مرضه وهو مضطجع فسأله عن حديث، فقال: أقعدوني فأقعدوه، قال: إني أكره أن أحدث حديث رسول الله ﷺ وأنا مضطجع.
(٧) حرص سعيد بن المسيب على طلب العلم:
стр. 682
أدرك سعيد بن المسيب منذ نعومة أظافره أنه لا يوجد مصيبة أعظم من الجهل يمكن أن تلم بحياة الإنسان فأنفق عمره في تحصيل العلم يقول في ذلك عن نفسه: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد، وقد استغنى سعيد بن المسيب بالمدينة عن غيرها في طلب العلم، وانقطع لمن بها من الصحابة، فجلس إلى أعلامهم ونهل من علومهم وأخذ أيضًا من أزواج النبي ﷺ ، ومن شدة اهتمامه بالعلم وبحب النبي ﷺ أحبه الصحابة جميعًا وأثنوا عليه، وزوَّجه أبو هريرة ﵁ لابنته، واصطفاه بالرعاية والعناية، وحمل سعيد بن المسيب حديث أبي هريرة كله وهو الأكثر رواية من بين الصحابة، كما اختص سعيد بن المسيب بابن عمر ﵄ وحمل عنه علم أبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب خاصة أقضيته الشهيرة، حتى برع فيها، وصار الناس يسألونه عنها في حياة ابن عمر، وفى كنف الصحابة أخذ ينهل من نبع العلم الصافي فسمع من عثمان وعليا وزيد بن ثابت وسعد بن أبى وقاص وعائشة وأبا موسى الأشعري ﵃ جميعا كما كان زواجه من ابنة الصحابي أبى هريرة ﵁ المنحة الربانية التي هيأت له الفرصة لسماع مئات الأحاديث من ذاكرة الوحي حتى صار أثبت الناس وأعلمهم بحديث أبى هريرة ﵁ كما رأى سعيد عمر بن الخطاب ﵁ وكان مغرما بتتبع أقضية عمر وتعلمها حتى قيل له: راوية عمر، وكان عبد الله بن عمر يرسل إليه يسأله عنها، وقد أعانه على الوصول إلي تلك المنزلة ما كان يتمتع به من حافظة واعية وتفان في تحصيل ألوان المعارف، حتى إنه كان لا ينسى من يلقاه من طلابه فقد حدث عمران بن عبد الله الخزاعي قال: سألني سعيد بن المسيب فانتسبت له، فقال: لقد جلس أبوك إلي في خلافة معاوية، ويقول: والله ما أراه مر على أذنه شيء قط إلا وعاه.
قال أبو طالب: قلت لأحمد بن حنبل سعيد بن المسيب عن عمر حجة؟ قال هو عندنا حجة قد رأى عمر وسمع منه إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟
ومع طول المثابرة في تحصيل العلم صار سعيد عالم أهل المدينة بلا مدافعة وإمام فقهائها السبعة الذين كانوا الواصل الحقيقي بين عصر الصحابة وعصور المذاهب الفقهية المختلفة فيقول: ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر منى.
[*] وقال قتادة: ما رأيت أحد أعلم من سعيد بن المسيب.
стр. 683
[*] وعن مكحول قال: طفت الأرض كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم من سعيد.
[*] وسأل رجل القاسم بن محمد عن شيء فقال أسألت أحداً غيري؟ قال نعم عروة وفلانا وسعيد بن المسيب فقال: أطع ابن المسيب فإنه سيدنا وعالمنا.
[*] وكان عبد الله بن عمر إذا سئل عن الشيء يشكل عليه يقول: سلوا سعيد بن المسيب فإنه قد جالس الصالحين.
[*] وروى الربيع عن الشافعي أنه قال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن.
[*] وقال الإمام أحمد هي صحاح قال وسعيد بن المسيب أفضل التابعين.
[*] وقال على بن المدينى: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به وهو عندي أجل التابعين.
[*] وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه.
ولئن لم يترك سعيد آثارا مكتوبة على عادة علماء ذلك العصر لندرة وسائل الكتابة فإنه قلما نجد كتابا في الفقه أو التفسير أو الحديث التي كتبت في عصر التدوين إلا وآراء سعيد واجتهاداته مبثوثة في ثنايا مباحثها.
[*] قال عمر بن العزيز: إن مصدر العلم سعيد وما كان عالم بالمدينة إلا يأتيني بعلمه، وبالإضافة إلى تميزه في العلوم الشرعية والآداب الربانية برع إمام التابعين في علم تعبير الرؤيا أخذ ذلك عن أسماء بنت أبى بكر وأخذته أسماء عن أبيها ﵃ وتُروى في براعته في التعبير مواقف رائعة منها ما رواه ابن سعد في الطبقات عن عمر بن حبيب بن قليع قال كنت جالسا عند سعيد بن المسيب يوما وقد ضاقت علىّ الأشياء ورهقنى دين فجلست إلى ابن المسيب ما أدرى أين أذهب فجاءه رجل فقال يا أبا محمد إني رأيت رؤيا قال ما هي؟ قال: رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان فأضجعته إلى الأرض ثم بطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد قال ما أنت رأيتها قال: بلى أنا رأيتها قال لا أخبرك أو تخبرني قال: ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك قال: لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك بن مروان وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة قال عمر بن حبيب الراوي فدخلت إلى عبد الملك بن مروان بالشام فأخبرته بذلك عن سعيد بن المسيب فسره وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته وأمر لي بقضاء ديني وأصبت منه خيرا.
стр. 684
[*] وعن مسلم الخياط قال: قال رجل لابن المسيب إني أراني أبول في يدي فقال اتق الله فإن تحتك ذات محرم فنظر فإذا امرأة بينها وبينه رضاع وقال له رجل إني أرى في النوم كأني أخوض النار فقال إن صدقت رؤياك لا تموت حتى تركب البحر وتموت قتلا قال الراوي: فركب البحر فأشفى على الهلكة وقتل يوم قديد بالسيف.
وقد أُثِرَ عن سعيد بن المسيب معرفته بكثير من المعارف السائدة في عصره، وإن كانت معرفته بالفقه قد غلبت على ما سواها إلا أن المراجع قد ذكرت له جوانب من العلوم قد شارك فيها، وكان له فيها رأي يرجع إليه، ومن ذلك معرفته بالأخبار والأنساب وكانت العرب تهتم بهذا اللون من المعارف وتحافظ به على أنسابها وأيامها.
روت كتب السير أن سعيد بن المسيب كان ذا مقدرة فائقة على تعبير الرؤى، وقد روى ابن سعد أن سعيدا أخذ علم تعبير الرؤى عن أسماء بنت أبي بكر، وأن ابن سيرين قد أخذ علمه في تعبير الرؤى عن سعيد.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الواقدي كان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر الصديق وأخذته أسماء عن أبيها ثم ساق الواقدي عدة منامات منها حدثنا موسى بن يعقوب عن الوليد بن عمروا بن مسافع عن عمر بن حبيب بن قليع قال كنت جالسا عند سعيد بن المسيب يوما وقد ضاقت بي الأشياء ورهقني دين فجاءه رجل فقال رأيت كأني أخذت عبد الملك ابن مروان فأضجعته إلى الأرض وبطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد قال ما أنت رأيتها قال بلى قال لا أخبرك أو تخبرني قال ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك قال لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة قال فرحلت إلى عبد الملك بالشام فأخبرته فسر وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته وأمر بقضاء ديني وأصبت منه خيرا.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إسماعيل بن أبي حكيم قال قال رجل رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول قبلة مسجد النبي ﷺ أربع مرار فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال إن صدقت رؤياك قام فيه من صلبه أربعة خلفاء.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن شريك بن أبي نمر قلت لسعيد ابن المسيب رأيت كأن أسناني سقطت في يدي ثم دفنتها فقال إن صدقت رؤياك دفنت أسنانك من أهل بيتك.
стр. 685
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مسلم الحناط قال رجل لابن مسيب رأيت أني أبول في يدي فقال اتق الله فإن تحتك ذات محرم فنظر فإذا امرأة بينهما رضاع وجاءه آخر فقال أراني كأني أبول في أصل زيتونة فقال إن تحتك ذات رحم فنظر فوجد كذلك.
وقد رويت عنه قراءات لبعض الآيات تلقاها العلماء بالقبول ومن الأمثلة على ذلك الآية السادسة من سورة المائدة: قال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلََكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: ٦]
فإن القراءة المشهورة لكلمة (ليطهركم) بفتح الطاء وتشديد الهاء، ولكن سعيدا قرأها بتسكين الطاء وفتح الهاء هكذا (ليطْهَركم.
وكان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى يتحاشى الخوض في تفسير القرآن من باب الورع، وكان لا يقول في القرآن من باب الورع، وكان لا يقول في القرآن إلا إذا جاءت آية أخرى تفسر الآية التي سئل عنها أو ورد بشأنها تفسير عن النبي ﷺ ، أو رواية عن صحابي، أو أن يفسر تفسيرا لغويا لبعض الألفاظ، وقد أثر عنه أنه قال: لا أقول في القرآن شيئا.
والذي ينبغي التنبيه إليه ما كان عند السلف الصالح من التكامل بين العلم والعمل، فالعلم وسيلة للتقرب إلى الله في أنفسهم وذويهم، وفيما وراء ذلك من أبناء الأمة، فترى بجانب العلم الجم، العمل بهذا العلم، والعبادة الخالصة المخلصة، والحرص على أن تكون التصرفات كلها موزونة بميزان الشريعة والمخافة الحقة من رب العالمين، حتى صدق في سعيد وأمثاله، قول الله تعالى: (إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨]
[*] قال الأوزاعي ﵀: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحد من التابعين، لم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة. وقال هو عن نفسه: "ما أذن المؤذن ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد" وقيل له وقد اشتكى عينيه: يا أبا محمد لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة فوجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك، فقال سعيد: فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح".
стр. 686
[*] وقال الحافظ ابن كثير ﵀: كان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه، وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا، والكلام فيما لا يعني). ومما يؤيد ذلك أنه كان له مال يتجر فيه ويقول: "اللهم إنك تعلم أني لم أمسكه بخلاً ولا حرصاً عليه، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بني مروان حتى ألقى الله فيحكم فيَّ وفيهم، وأصل منه رحمي، وأؤدي منه الحقوق التي فيه، وأعود على الأرملة والفقير والمسكين والجار.
شيوخ عيد بن المسيب:
أبى بن كعب، البراء بن عازب، بصرة بن أكثم الأنصارى، بلال مولى أبى بكر، جابر بن عبد الله، جبير بن مطعم، حسان بن ثابت، حكيم بن حزام، زيد بن ثابت، زيد بن خالد الجهنى، سراقة بن مالك بن جعشم، سعد بن عبادة، سعد بن أبى وقاص، صفوان بن أمية، عبد الله بن عباس، عبد الله بن عمر بن الخطاب، عبد الله بن عمرو بن العاص، عثمان بن عفان، على بن أبى طالب، عمر بن الخطاب، معاوية بن أبى سفيان، أبى ذر الغفارى، أبى سعيد الخدرى، أبى موسى الأشعرى، أبى هريرة، عائشة أم المؤمنين
(٨) زهد سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى:
كان ابن المسيب آية في الصلاح والتقى وإيثار الآخرة على الدنيا التي لا تساوى عند الله جناح بعوضة فلقد ألزم نفسه التقلل من حلالها والإعراض عن حرامها وحطامها،
[*] قال ابن كثير: كان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا والكلام فيما لا يعنى ومن أكثر الناس أدبا في الحديث جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع فقال الرجل وددت أنك لم تتعن فقال إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع وقال برد مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد وقال ابن إدريس: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان بن عيينة، قال: قال سعيد بن المسيب: أن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها.
(٩) ورع سعيد بن المسيب:
стр. 687
كان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه فيروى ابن سعد في الطبقات عن طلحة الخزاعي قال: كان في رمضان يؤتى بالأشربة في مسجد النبي ﷺ فليس أحد يطمع أن يأتي سعيد بن المسيب بشراب فيشربه فإن أتى من منزله بشراب شربه وإن لم يؤت من منزله بشيءٍ لم يشرب شيئا حتى ينصرف، أما طعامه فهو بسيط يشمل في الغالب خبزا وزيتاً ولما حبس صنعت ابنته طعاما كثيرا فلما جاءه أرسل إليها قائلا: لا تعودي لمثل هذا أبدا فهذه حاجة هشام بن إسماعيل يريد أن يذهب مالي فأحتاج إلى ما في أيديهم وأنا لا أدرى ما أحبس فانظري إلى القوت الذي كنت آكل في بيتي فابعثي إلى به.
(١٠) عظيم مراقبة سعيد بن المسيب لربه تعالى:
إن من أعظم ما يدل على مراقبة سعيد بن المسيب لربه تعالى قوله الآتي:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، يقول: يد الله فوق عباده فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضعها رفعه الله. الناس تحت كنفه يعملون أعمالهم فإذا أراد الله فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه فبدت للناس عورته.
(١١) خشية سعيد بن المسيب من الله تعالى:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن سعيد: أن سعيد بن المسيب كان يكثر أن يقول في مجلسه اللهم سلم سلم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن سعيد، قال: دخلنا على سعيد نعوده ومعنا نافع بن جبير فقالت أم ولده إنه لم يأكل منذ ثلاث فكلموه فقال نافع بن جبير: إنك من أهل الدنيا ما دمت فيها ولا بد لأهل الدنيا مما يصلحهم فلو أكلت شيئاً، قال: كيف يأكل من كان على مثل حالنا هذه، بضعة يذهب بها إلى النار أو إلى الجنة، فقال نافع: ادع الله أن يشفيك فإن الشيطان قد كان يغيظه مكانك من المسجد، قال: بل أخرجني الله تعالى من بينكم سالماً.
(١٢) استعفاف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله بن طلحة، قال: دعي سعيد بن المسيب إلى نيف وثلاثين ألفاً ليأخذها، فقال: لا حاجة لي فيها ولا بني مروان حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم.
(١٣) كان سعيد بن المسيب مستجاب الدعوة ﵀:
стр. 688
[*] أورد ابن سعد في الطبقات عن علي بن زيد، قال: قال لي سعيد بن المسيب: قل لقائدك يقوم، فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده فقام وجاء، فقال: رأيت وجه زنجي وجسده أبيض. فقال سعيد: إن هذا سب هؤلاء: طلحة والزبير وعليا ﵃ فنهيته فأبى، فدعوت الله عليه، قلت: إن كنت كاذبا فسوَّد الله وجهك، فخرجتْ بوجهه قرحة، فاسودَّ وجهه.
(١٤) دعاء سعيد بن المسيب على الظالم:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علي بن زيد، قال: قلنا لسعيد بن المسيب: يزعم قومك إنما يمنعك من الحج أنك جعلت لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعو الله على بني مروان، قال: فما فعلت ذلك وما أصلي لله في صلاة إلا دعوت عليهم وإني قد حججت واعتمرت بضعاً وعشرين مرة وإنما كتبت على حجة واحدة.
[*] أورد ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن يزيد الهذلي، قال: دخلتُ على سعيد بن المسيب السجن فإذا هو قد ذُبحت له شاة، فجعل الإهاب على ظهره، ثم جعلوا له بعد ذلك قَضْبا رطبا، وكان كلما نظر إلى عضديه قال: اللهم انصرني من هشام.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن رجل من آل عمر، قال: قلت لسعيد بن المسيب: ادْعُ على بني أمية، قال: اللهم أعِزَّ دينك، وأظهرْ أولياءك، واخْزِ أعداءك في عافية لأمة محمد ﷺ .
(١٥) تحذير سعيد بن المسيب من فتنة النساء:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن قد بلغت ثمانين سنة ولا شيء أخوف عندي من النساء وكان بصره قد ذهب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: ما أيس من الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء وقال: أخبرنا سعيد وهو ابن أربع وثمانين وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى: ما شيء أخوف عندي من النساء.
[*] أورد ابن سعد في الطبقات عن عمران بن عبد الله الخزاعي، قال: قال سعيد بن المسيب: ما خِفْتُ على نفسي شيئا مخافة النساء، قالوا: يا أبا محمد، إن مثلك لا يريد النساء، ولا تريده النساء. فقال: هو ما أقول لكم. وكان شيخا كبيرا أعمش.
(١٦) من عظيم مناقب سعيد بن المسيب أنه زَوَّج ابنه لطالب علمٍ فقير:
стр. 689
من أعظم مناقب سعيد بن المسيب قصه تزويج ابنته وقد كان الخليفة عبد الملك بن مروان تقدم لخطبتها لابنه الوليد حين ولاه العهد ويذكر المؤرخون أنه أرسل موكبا كبيرا على رأسه مندوب خاص نزل المسجد ووقف على حلقة سعيد فأبلغه سلام أمير المؤمنين وأنه قدم يخطب إليه ابنته لابنه الوليد ولى العهد وانتظر الناس أن يستبشر سعيد بهذا التشريف الذي ناله ولكنه لم يزد على كلمة لا ـ وزوج ابنته لطالب علمٍ فقير على مهر قدره درهمان وهو عبد الله بن أبى وداعة، ومن أجل ذلك كانت علاقته بالولاة والحكام علاقة يشوبها التوتر والتربص ـ وكان عبد الله بن أبى وداعة متين الدين والخلق، وقد افتقده سعيد بن المسيب أياماً فلما عاد إليه قال له سعيد: أين كنت فقال توفيت زوجتي فانشغلت بها قال سعيد فهلا أخبرتنا فشهدناها ثم أراد التلميذ أن يقوم فقال سعيد: هل أحدثت امرأة غيرها؟ قال يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال سعيد إن أنا فعلت تفعل؟ قال نعم فأمر بالشهود وكتابة العقد قال ابن أبى وداعة: فقمت وما أدرى ما أصنع من الفرح وصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين؟ وصليت المغرب. وكنت صائما فقدمت عشائي لأفطر وكان خبزا وزيتا وإذا بالباب يقرع فقلت: من هذا؟
فقال: سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير منذ أربعين سنه إلا ما بين بيته والمسجد فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب وظننت أنه بدا له فقلت يا أبا محمد هلا أرسلت إلي فأتيتك قال لا أنت أحق أن تزار قلت فما تأمرني قال رأيتك رجلا عزباً قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك فإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب ورد الباب فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران فجاءوني وقالوا ما شأنك قلت زوجني سعيد بن المسيب ابنته وقد جاء بها على غفلة وها هي في الدار فنزلوا إليها وبلغ أمي فجاءت وقالت وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ وأعرفهم بحق الزوج.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن أبي وداعة، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فلما جئته قال: أين كنت؟!
стр. 690
قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها.
فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها؟
قال: ثم أردت أن أقوم، فقال: هل استحدثت امرأة؟
فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟!
فقال: أنا.
فقلت: أوتفعل؟
قال: نعم.
ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي ﷺ وزوجني على درهمين ـ أو قال: ثلاثة ـ قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن استدين، فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي، واسترحت، وكنت وحدي صائماً فقدمت عشائي أفطر كان خبزاً وزيتاً، فإذا بآت يقرع،
فقلت: من هذا؟
قال: سعيد.
قال: فأفكرت في كل انسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فقمت فخرجت فإذا سعيد بن المسيب، فظنت أنه قد بدا له فقلت: يا أبا محمد، ألا أرسلت إلي فآتيك؟!
قال: لأنت أحق أن تؤتى.
قال: قلت: فما تأمر؟
قال: إنك كنت رجلاً عزباً فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك.
فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذها بيدها فدفعها بالباب ورد الباب فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب ثم قدمتها إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز فوضعتها في ظل السراج لكي لا تراه ثم صعدت إلى السطح، فرميت الجيران، فجاؤوني، فقالوا: ما شأنك؟
قلت: ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها على غفلة؟
فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك؟
قلت: نعم، وها هي في الدار.
قال: فنزلوا هم إليها وبلغ أمي فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاية أيام.
قال: فأقمت ثلاثة أيام ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي أحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ وأعرفهم بحق الزوج. قال: فمكثت شهراً لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيداً وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض أهل المجلس، فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خيراً يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو. قال: إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم.
قال عبد الله بن سليمان: وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف.
стр. 691
قال عبد الله: وابن أبي وداعة هذا هو كثير بن المطلب بن أبي وداعة. أ هـ
'لحلية
ففقدني أياماً فلما جئته قال: أين كنت؟ قال: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها، قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثت امرأة، فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة، فقال: أنا، فقلت: أو تفعل، قال: نعم، ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي ﷺ وزوجني على درهمين أو قال: ثلاثة قال: فقمت ولا أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن أستدين فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي واسترحت وكنت وحدي صائماً فقدمت عشائي أفطر كان خبزاً وزيتاً، فإذا بآت يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد، قال: فتفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد فقمت فخرجت فإذا سعيد بن المسيب فظننت أنه بدا له، فقلت: يا أبا محمد إلا أرسلت إلي فآتيك، قال: لأنت أحق أن يؤتى، قال: قلت: فما تأمر، قال: إنك كنت رجلاً عزباً فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذا امرأتك فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذها بيدها فدفعها بالباب ورد بالباب فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم قدمتها إلى القصة التي فيها الزيت والخبز فوضعتها في ظل السراج لكي لا تراه ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران، فجاءوني فقالوا: ما شأنك؟ قلت: ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها على غفلة، فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك؟ قلت: نعم، وهاهي في الدار، قال: فنزلوا هم إليها وبلغ أمي فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام، قال: فأقمت ثلاثة أيام ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي من أحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم لسنة رسول الله ﷺ ، وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكثت شهراً لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيداً وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض أهل المجلس فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان، قلت: خيراً يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم، قال عبد الله بن سليمان: وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على
стр. 692
سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم ابن عبد الله الكتاني، أن سعيد بن المسيب زوج ابنته بدرهمين.
(١٧) ابتلاء سعيد بن المسيب في سبيل الله تعالى:
كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى عفيفا معتزا بنفسه لا يقوم لأحد من أصحاب السلطان ولا يقبل عطاياهم ولا هداياهم ولا التملق لهم، ولهذا كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى من الممتحنين، امتحن فلم تأخذه في الله لومة لائم، صاحب عبادة وجماعة وعفة وقناعة، وكان كاسمه بالطاعات سعيداً، ومن المعاصي والجهالات بعيداً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله، قال: دعي سعيد بن المسيب للبيعة للوليد وسليمان بعد عبد الملك بن مروان، قال: فقال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار، قال: فقيل: أدخل من الباب وأخرج من الباب الآخر، قال: والله لا يقتدي بي أحد من الناس، قال: فجلده مائة وألبسه المسوح.
стр. 693
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن سعيد، قال: كتب والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان أن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب، فكتب أن أعرضه عن السيف فإن مضى وإلا فاجلده خمسين جلدة وطف به أسواق المدينة فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب، فقالوا: إنا قد جئناك في أمر قد قدم فيك كتاب من عبد الملك بن مروان إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً فأعطنا إحداهن فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب فلا تقل لا ولا نعم، قال: فيقول الناس بايع سعيد بن المسيب. ما أنا بفاعل، قال: وكان إذا قال لا لم يطيقوا عليه أن يقول نعم، قال: مضت واحدة وبقيت اثنتان قالوا: فتجلس في بيتك فلا تخرج إلى الصلاة أياماً فإنه يقبل منك إذا طلبت في مجلسك فلم يجدك، قال: وأنا أسمع الأذان فوق أذني حي على الصلاة حي على الفلاح ما أنا بفاعل، قالوا مضت اثنتان وبقيت واحدة قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك فإن لم يجدك أمسك عنك، قال: فرقا لمخلوق ما أنا بمتقدم لذلك شبراً، ولا متأخر شبراً، فخرجوا وخرج إلى الصلاة صلاة الظهر فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه فلما صلى الوالي بعث إليه فأتى به فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين. فلما رآه لا يجيب أخرج إلى السدة فمدت عنقه وسلت عليه السيوف فلما رآه قد مضى أمر به فجرد فإذا عليه تبان شعر، فقال: لو علمت أني لا أقتل ما اشتهرت بهذا التبان فضربه به خمسين سوطاً ثم طاف به أسواق المدينة فلما رده والناس منصرفون من صلاة العصر، قال: إن هذه لوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة قال محمد بن القاسم: وسمعت شيخنا يزيد في حديث سعيد بإسناد لا أحفظه أن سعيداً لما جرد ليضرب، قالت له امرأة: لما جرد ليضرب إن هذا لمقام الخزي، فقال لها سعيد: من مقام الخزي فررنا.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة.
стр. 694
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن رجاء بن جميل الأيلي، قال: قال عبد الرحمن بن عبد القارئ لسعيد بن المسيب حين قدمت البيعة للوليد وسليمان بالمدينة بعد موت أبيهما: إني مشير عليك بخصال ثلاث، قال: وما هي؟ قال: تغير مقامك فإنك هو وحيث يراك هشام بن إسماعيل، قال: ما كنت لأغير مقاماً قمته منذ أربعين سنة، قال: تخرج معتمراً، قال: ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس له فيه نية، قال: فما الثالثة؟ قال: تبايع، قال: أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي؟ قال وكان أعمى، قال رجاء: فدعاه هشام إلى البيعة فأبى فكتب فيه إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك: مالك ولسعيد ما كان علينا منه شيء نكرهه فأما إذ فعلت فاضربه ثلاثين سوطاً وألبسه تبان شعر وأوقفه للناس لئلا يقتدي به الناس. فدعاه هشام فأبى وقال: لا أبايع لاثنين، قال: فضربه ثلاثين سوطاً وألبسه تبان شعر وأوقفه للناس، قال رجاء: حدثني الأيليون الذين كانوا في الشرط بالمدينة، قالوا: علمنا أنه لا يلبس التبان طائعاً، قلنا: يا أبا محمد إنه القتل فاستر عورتك، قال: فلبسه، فلما ضرب قلنا له: إنا خدعناك، قال: يا معجلة أهل أيلة لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته. لفظ الحسن بن عبد العزيز.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن هشام بن زيد، قال: رأيت سعيد بن المسيب حين ضرب في تبان من شعر.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي يونس القوي قال: دخلت مسجد المدينة، فإذا سعيد بن المسيب جالس وحده، فقلت: ما شأنه؟ قيل: نُهِيَ أن يجالسه أحد.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قتادة، أن ابن المسيب كان إذا أراد أحد أن يجالسه قال: إنهم قد جلدوني، ومنعوا الناس أن يجالسوني.
(١٨) دعوة سعيد بن المسيب إلى طلب المال للإحسان إلى الخلق والاستغناء عنهم:
كان سعيد له تجارة تدر عليه دخلا يكفيه ليعيش عيشة راضية، ولهذا لم يكن يأخذ عطاء من الدولة حجرا على رأيه، وتقييدا لحريته، وكان عنده من يقوم بأمر تجارته، فلا يشغله أمرها عن عبادته وعلمه، وكان يدعو إلي اكتساب المال عن طرقه المشروعة، ليتمكن من صلة الرحم وأداء الأمانة، وصيانة الكرامة، والاستغناء عن الخلق، ومما أثر عنه في ذلك ما يلي:
стр. 695
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يعطي منه حقه ويكف به وجه عن الناس.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: لا خير فيمن لا يحب هذا المال يصل به رحمه ويؤدي به أمانته ويستغني به عن خلق ربه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب: أنه مات وترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار وقال: ما تركتها إلا لأصون بها ديني وحسبي.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد المسيب، قال: من استغنى بالله افتقر الناس إليه.
(١٩) إيثار سعيد بن المسيب للخمول وإنكار الذات:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك بن أنس: أن ابن شهاب سأله بعض بني أمية عن سعيد بن المسيب فذكره له وأخبره بحاله، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقدم ابن شهاب فجاء يسلم على سعيد فلم يكلمه سعيد ولم يرد عليه، فلما انصرف سعيد مشى معه ابن شهاب، فقال: مالي سلمت عليك فلم تكلمني. ما بلغك عني إلا خير؟ قال: لم ذكرتني لبني مروان؟
(٢٠) نظرة سعيد بن المسيب إلى النفس:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، قال: أن نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله ، ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله، وكفى بالمؤمن نصرة من الله أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله.
(٢١) من فتوحات الله على سعيد بن المسيب بالدعاء:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حدثنا يحيى بن سعيد بن المسيب، قال سعيد: دخلت المسجد ليلة أضحيان، قال: وأظن أن قد أصبحت فإذا الليل على حاله فقمت أصلي فجلست أدعو فإذا هاتف يهتف من خلفي يا عبد الله قل، ما أقول؟ قال: قل: اللهم إني أسألك بأنك مالك الملك وأنك على كل شيء قدير وما تشأ من أمر يكن. قال سعيد: فما دعوت بها قط بشيء إلا رأيت نجحه.
(٢٢) نظرة سعيد بن المسيب إلى الدنيا والمال:
стр. 696
أما الدنيا فمالها وسعيد بن المسيب فكان رحمه الله تعالى يرى أنها نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن سفيان بن عيينة، قال: قال سعيد بن المسيب: أن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها.
﴿تنبيه﴾: إن فهم سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى الدقيق لحقيقة الدنيا لهو خير دواء لهذه المادية التي خيمت على كل شيءٍ في حياتنا وصيَّرت سوادَ قلبنا حالك وأردت الكثيرين منا المهالك وأخلدتهم إلى الأرض فضاعت من حياتهم كل فضيلة وصاروا لا يفهمون إلا لغة الدينار والدرهم فلم يحصدوا من وراء كل هذا إلا القلق والحيرة والشك وصاروا في قلقٍ دءوب وهمٍ مستمر وحَيْرَةٍ لا تنقطع واستعصت عليهم السعادة الحقيقية فكانوا بمنأى عنها.
وأما عن رؤيته للمال فلقد كان يعيش من كسب يده له أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت ويقول عن هذا المال: اللهم إنك تعلم أنى لم أمسكه بخلا ولا حرصا عليه ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بنى مروان حتى ألقى الله فيحكم فيّ وفيهم وأصل منه رحمي وأؤدي منه الحقوق التي فيه وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار، وكان له في بيت المال بضعة وثلاثون ألفا من الدراهم عطاؤه تراكمت بسبب رفضه قبولها فكان حين يدعى إليها يأبى ويقول: لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بنى مروان.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يعطي منه حقه ويكف به وجه عن الناس.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: لا خير فيمن لا يحب هذا المال يصل به رحمه ويؤدي به أمانته ويستغني به عن خلق ربه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنه مات وترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار وقال: ما تركتها إلا لأصون بها ديني وحسبي.
رواه الثوري عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، وقال: ترك مائة دينار، وقال: أصون بها ديني وحسبي.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن محمد بن عبد الله بن أخي الزهري، عن عمه، عن سعيد المسيب، قال: من استغنى بالله افتقر الناس إليه.
стр. 697
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن علي بن زيد، قال: رآني سعيد بن المسيب وعلي جبة خز، فقال: إنك لجيد الجبة، قلت: وما تغني عني وقد أفسدها علي سالم، فقال سعيد: أصلح قلبك والبس ما شئت.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن هلال، عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما تجارة أعجب إلي من البَزِّ، ما لم يقع فيه أيمان.
(٢٣) سعيد بن المسيب لا تأخذه في الحق لومه لائم:
كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى رجلا وقورا له هيبة عند مجالسيه فكان يغلب عليه الجد، ولو نظرت إليه لَخُيِّلَ إليك أنك أمام رجل ممسك بموازين الحق والعدل بين يديه، قد تكفل بحراستها والقيام عليها، مدرك لمدى مسئولية الأمانة التي تحملها، فلا يجامل، ولا يغمض عينيه عن شيء لا يراه صحيحا، فيعلن إنكاره له، غير مبال بما يجره عليه ذلك من أذى، ومن أجل ذلك كانت علاقته بالولاة والحكام علاقة يشوبها التوتر والتربص، لأنه رحمه الله تعالى كان لا تأخذه في الحق لومه لائم، إن وقوف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى عند الحق وثباته عليه مهما كانت الظروف، أمر مشهور وذائع مما زان تاريخ العلماء العاملين الذين لا يخافون في الله لومة لائم، ويؤدون حق الله والأمة، فيما أوتوا من العلم وأمانة الأسوة.
وقد تجلت هذه القاعدة في حياة سيد التابعين في أكثر من موقف ونطق بها لسان حاله في كل لحظة من لحظات أيام عمره المباركة فكان الواثق بالله الذي لا يحابى في الحق أحدا ولا يرده ما يتخمض عن ذلك المنهج من تبعات فهانت عليه نفسه في الله كما قال عمران بن عبد الله: أرى نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، قال: أن نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب.
ودونك ما تيسر منها ما يلي:
موقف تزويج ابنته من عبد الله بن أبى وداعة:
стр. 698
ومن مواقفه الشهيرة في ذلك قصه تزويج ابنته وقد كان الخليفة عبد الملك بن مروان تقدم لخطبتها لابنه الوليد حين ولاه العهد ويذكر المؤرخون أنه أرسل موكبا كبيرا على رأسه مندوب خاص نزل المسجد ووقف على حلقة سعيد فأبلغه سلام أمير المؤمنين وأنه قدم يخطب إليه ابنته لابنه الوليد ولى العهد وانتظر الناس أن يستبشر سعيد بهذا التشريف الذي ناله ولكنه لم يزد على كلمة لا، وكان لسعيد تلميذ متين الدين والخلق يدعى عبد الله بن أبى وداعة افتقده أياما فلما عاد إليه قال له سعيد: أين كنت فقال توفيت زوجتي فانشغلت بها قال سعيد فهلا أخبرتنا فشهدناها ثم أراد التلميذ أن يقوم فقال سعيد: هل أحدثت امرأة غيرها؟ قال يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال سعيد إن أنا فعلت تفعل؟ قال نعم فأمر بالشهود وكتابة العقد قال ابن أبى وداعة: فقمت وما أدرى ما أصنع من الفرح وصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين؟ وصليت المغرب. وكنت صائما فقدمت عشائي لأفطر وكان خبزا وزيتا وإذا بالباب يقرع فقلت: من هذا؟
فقال: سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير منذ أربعين سنه إلا ما بين بيته والمسجد فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب وظننت أنه بدا له فقلت يا أبا محمد هلا أرسلت إلي فأتيتك قال لا أنت أحق أن تزار قلت فما تأمرني قال رأيتك رجلا عزباً قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك فإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب ورد الباب فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران فجاءوني وقالوا ما شأنك قلت زوجني سعيد بن المسيب ابنته وقد جاء بها على غفلة وها هي في الدار فنزلوا إليها وبلغ أمي فجاءت وقالت وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ وأعرفهم بحق الزوج.
وكان ﵀ يقول: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم لكيلا تحبط أعمالكم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة.
стр. 699
وهي نظرة بعيدة الغور تصدر عن إيمان عميق وتجارب اصطلى بنارها، ومعاناةٍ عملية لأخلاق أهل الإيمان التي لم يكن يدع أن يذكر بها ﵀ ويريد للمسلم أن تكون برقع سلوكه في الحياة. أما وقد أكرمه الله بما أكرمه من العلم والعمل. فلا بدع أن تتفجر ينابيع الحكمة على لسانه.
كلامه بريد لبنى مروان:
عن المطلب بن السائب قال كنت جالسا مع سعيد بن المسيب بالسوق فمر بريد لبنى مروان فقال له سعيد من رسل بنى مروان أنت؟ قال نعم قال فكيف تركتهم؟ قال بخير قال تركتهم يجيعون الناس ويشبعون الكلاب؟ قال فاشرأب الرسول فقمت إليه فلم أزل أرجيه حتى انطلق ثم قلت لسعيد يغفر الله لك تشيط بدمك بالكلمة هكذا تليقها قال اسكت يا أحمق فو الله لا يسلمني الله ما أخذت بحقوقه.
موقفه حينما دُعِيَ للبيعة للوليد وسليمان بعد عبد الملك بن مروان:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله، قال: دُعِيَ سعيد بن المسيب للبيعة للوليد وسليمان بعد عبد الملك بن مروان، قال: فقال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار، قال: فقيل: أدخل من الباب وأخرج من الباب الآخر، قال: والله لا يقتدي بي أحد من الناس، قال: فجلده مائة وألبسه المُسوح.
إنكاره على جابر بن السود:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الواحد بن أبي عون، قال: كان جابر بن الأسود عامل ابن الزبير على المدينة قد تزوَّج الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه: والله ما ربَّعْتَ على كتاب الله، وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، وما هي إلا ليال فاصنع ما بدا لك، فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إلا يسيرا حتى قُتِل ابن الزبير.
إنكاره على الحجاج لما كان لا يتم ركوع الصلاة ولا سجودها:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علي بن زيد بن جدعان، قال: قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يهيجك ولا يؤذيك، قال: والله لا أدري غير أنه صلى ذات يوم مع أبيه صلاة فجعل لا يتم ركوعها ولا سجودها فأخذت كفاً من حصباء فحصبته بها. قال الحجاج: فما زلت أحسن الصلاة.
موقفه من عبد الملك بن مروان:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمران بن عبد الله -من أصحاب سعيد بن المسيب: ما علمت فيه لينا. قلت: كان عند سعيد بن المسيب أمر عظيم من بني أمية وسوء سيرتهم، وكان لا يقبل عطاءهم.
стр. 700
وفى سنة إحدى وتسعين هجرية حج الوليد بالناس فلما اقترب من المدينة أمر عامله عليها عمر بن عبد العزيز أشرافها فتلقوه فرحب بهم وأحسن إليهم ودخل المدينة النبوية فأخلى له المسجد النبوى فلم يبق بهد أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه وعليه ثياب لا تساوى خمسة دراهم فقالوا له تنح عن المسجد أيها الشيخ فإن أمير المؤمنين قادم فقال والله لا أخرج منه فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه ويصلى ههنا وههنا ويدعو الله قال عمر بن عبد العزيز وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه فحانت منه التفاته فقال من هذا؟! أهو سعيد بن المسيب؟ فقلت نعم يا أمير المؤمنين ولو علم أنك قادم لقام إليك وسلم عليك فقال قد علمت بغضه لنا فقلت يا أمير المؤمنين إنه وإنه وشرعت أثنى عليه وشرع الوليد يثنى عليه بالعلم والدين فقلت يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر _ وإنما قلت ذلك لأعتذر له ـ فقال نحن أحق بالسعي إليه فجاء فوقف عليه فسلم عليه فرد عليه سعيد السلام ولم يقم له ثم قال الوليد كيف الشيخ؟ فقال بخير والحمد لله كيف أمير المؤمنين؟ فقال الوليد بخير والحمد لله وحده ثم انصرف وهو يقول لعمر بن عبد العزيز هذا فقيه الناس فقال أجل يا أمير المؤمنين.
[*] أورد ابن سعد في الطبقات عن ميمون بن مهران، قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة فامتنعت منه القائلة، واستيقظ، فقال لحاجبه: انظر، هل في المسجد أحد من حُدَّاثنا؟ فخرج فإذا سعيد بن المسيب في حلقته، فقام حث ينظر إليه، ثم غمزه وأشار بأصبعه، ثم ولى، فلم يتحرك سعيد، فقال: لا أراه فطن، فجاء ودنا منه، ثم غمزه وقال: ألم ترني أشير إليك؟ قال: وما حاجتك؟ قال: أجِبْ أمير المؤمنين. فقال: إليّ أرسلك؟ قال: لا، ولكن قال: انظُرْ بعض حداثنا فلم أرَ أحدا أهيأ منك. قال: اذهب فأعلمه أني لست من حُدَّاثه. فخرج الحاجب وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إلا مجنونا، وذهب فأخبر عبد الملك، فقال: ذاك سعيد بن المسيب فدعْهُ.
стр. 701
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سليمان بن حرب: وعمرو بن عاصم، حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، قال: حج عبد الملك بن مروان، فلما قدم المدينة ووقف على باب المسجد أرسل إلى سعيد بن المسيب رجلا يدعوه ولا يحركه، فأتاه الرسول وقال: أجب أمير المؤمنين، واقف بالباب يريد أن يكلمك. فقال: ما لأمير المؤمنين إليّ حاجة، وما لي إليه حاجة، وإن حاجته لي لغير مقضية، فرجع الرسول، فأخبره فقال: ارجع فقل له: إنما أريد أن أكلمك، ولا تحركه. فرجع إليه، فقال له: أجب أمير المؤمنين. فرد عليه مثل ما قال أولا. فقال: لولا أنه تقدَّم إليّ فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك، يرسل إليك أمين المؤمنين يكلمك تقول مثل هذا! فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيرا، فهو لك، وإن كان يريد غير ذلك فلا أحُلُّ حَبْوتي حتى يقضي ما هو قاض، فأتاه فأخبره، فقال: رحم الله أبا محمد؛ أبَى إلا صلابة.
زاد عمرو بن عاصم في حديثه بهذا الإسناد: فلما استخلف الوليد، قدم المدينة، فدخل المسجد، فرأى شيخا قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ قالوا: سعيد بن المسيب، فلما جلس أرسل إليه، فأتاه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: لعلك أخطأت باسمي، أو لعله أرسلك إلى غيري، فرد الرسول، فأخبره، فغضب وهمَّ به، قال: وفي الناس يومئذ تَقيَّة، فأقبلوا عليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، فقيه المدينة، وشيخ قريش، وصديق أبيك، لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه. فما زالوا به حتى أضرب عنه.
نحن نسوق هذه المواقف للذين يأكلون بدينهم ويداهنون الظالم بغية عرض من الدنيا فلا يسعنا إلا أن نهمس في آذانهم قائلين تشبهوا بالكرام البررة واقتدوا بخير سلف تكتب لكم النجاة في الدنيا والآخر.
ذكر مرض سعيد بن المسيب ووفاته:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: دخلت على سعيد بن المسيب وهو شديد المرض، وهو يصلي الظهر، وهو مستلقٍ يومئ إيماءً، فسمعته يقرأ بالشمس وضحاها.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن المسيب قال: أوصيت أهلي بثلاث: أن لا يتبعني راجز ولا نار، وأن يعجلوا بي، فإن يكن لي عند الله خير، فهو خير مما عندكم.
стр. 702
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، قال: اشتد وجع سعيد بن المسيب، فدخل عليه نافع بن جبير يعوده، فأُغمي عليه فقال نافع: وجِّهوه. ففعلوا، فأفاق فقال: من أمركم أن تحوِّلوا فراشي إلى القبلة، أنافع؟ قال: نعم. قال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملة والله لا ينفعني توجيهكم فراشي.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن أبي ذئب: عن أخيه المغيرة، أنه دخل مع أبيه على سعيد وقد أُغمي عليه، فوُجِّه إلى القبلة، فلما أفاق، قال: من صنع بي هذا، ألست امرءا مسلما؟ وجهي إلى الله حيث ما كنت.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن زرعة بن عبد الرحمن، قال سعيد بن المسيب: يا زرعة، إني أشهدك على ابني محمد لا يُؤذِنَنَّ بي أحدا، حسبي أربعة يحملوني إلى ربي.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يحيى بن سعيد، قال: لما احتضر سعيد بن المسيب، ترك دنانير، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها حسبي وديني.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، شهدت سعيد بن المسيب يوم مات سنة أربع وتسعين. فرأيت قبره قد رُشَّ عليه الماء، وكان يُقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها.
وقال الهيثم بن عدي: مات في سنة أربع وتسعين. عدة فقهاء، منهم سعيد بن المسيب، وفيها أرَّخ وفاة ابن المسيب سعيد بن عفير، وابن نمير، والواقدي، وما ذكر ابن سعد سواه. وقال أبو نعيم، وعلي بن المديني: توفي سنة ثلاث وتسعين.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا حماد بن خالد الخياط أن سعيد بن المسيب توفي سنة خمس وتسعين. والأول أصح.
وأما ما قال المدائني وغيره من أنه توفي سنة خمس ومائة فغلط. وتبعه عليه بعضهم، وهي رواية عن ابن معين. ومال إليه أبو عبد الله الحاكم، والله أعلم. أهـ
رحم الله عالم المدينة الذي اجتمع له ـ بفضل الله العلم والعمل، وأداء حق العلم في التعليم والبيان والصدع بالحق، والخشية الصادقة لرب العالمين، ثم اليقظة التي يمدها إيمانه وعقله، فلم يقع ـ وهو المنصرف إلى العلم والعبادة ـ في شيء من الخداع والأحابيل، وكان -وهو التقي الورع- لكل صغيرة أو كبيرة بالمرصاد.
سيرة زين العابدين علي ابن الحسين ﵀:
اسم زين العابدين علي ابن الحسين ونسبه:
стр. 703
هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، وكنيته زين العابدين، و هو عند أهل السنة واحد من أهل البيت و ابن الحسين سيد شباب أهل الجنة و له من الفضل والعلم ما لا ينكره أحد، وأمه هي أم ولد سندية تسمى سلافة، ويعد من تابعي أهل المدينة، ولد سنة ٣٨ هـ، وتوفي سنة ثلاثٍ وتسعين أو أربعٍ وتسعين هـ بالمدينة المنورة، و هو ابن ثمان و خمسين.
أولاد على زين العابدين ﵀:
محمد الباقر , عبد الله , الحسن , الحسين , زيد , عمر , الحسين الأصغر , عبد الرحمن , سليمان , علي , محمد الأصغر.
بنات على زين العابدين ﵀:
خديجة , أم كلثوم , فاطمة , عليّة
خلفاء عصر على زين العابدين ﵀:
عاصر على زين العابدين ﵀ من الخلفاء الأمويين: يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك.
[*] مناقب زين العابدين علي ابن الحسين ﵀:
كان زين العابدين علي ابن الحسين ﵀ من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، اشتهر بعلي زين العابدين و لقب بالسجاد و ذو الثفنات و زين الصالحين و منار القانتين وهو عند أهل السنة واحد من أهل البيت و ابن الحسين سيد شباب أهل الجنة و له من الفضل والعلم ما لا ينكره أحد، برز على الصعيد العلمي والديني، إماماً في الدين ومناراً في العلم، ومرجعاً ومثلاً أعلى في الورع والعبادة والتقوى حتى سلّم المسلمون جميعاً في عصره بأنّه أفقه أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب زين العابدين علي ابن الحسين جملةً وتفصيلا:
أولاً مناقب زين العابدين علي ابن الحسين جملةً:
(١) ثناء العلماء على زين العابدين علي ابن الحسين:
(٢) خشية زين العابدين علي ابن الحسين ﵀:
(٣) من درر مواعظ زين العابدين علي ابن الحسين:
(٤) اجتهاد على زين العابدين في العبادة:
(٥) صدق تضرع على زين العابدين ﵀:
(٦) إنفاق على زين العابدين في سبيل الله:
(٧) حرص على زين العابدين على إخفاء العمل.
(٨) صِلَةُ على زين العابدين لإخوانه في الله تعالى:
(٩) تفقد على زين العابدين لسريرته:
(١٠) حسن خُلُقِ على زين العابدين:
(١١) خشوع على زين العابدين في الصلاة وعدم التفاته:
(١٢) منابذة على زين العابدين لأهل الأهواء:
стр. 704
(١٣) استعفاف على زين العابدين ﵀:
ثانياً مناقب زين العابدين علي ابن الحسين تفصيلا:
(١) ثناء العلماء على زين العابدين علي ابن الحسين:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
زين العابدين، ومنار القانتين، كان عابداً وفياً، وجواداً حفياً.
[*] وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
علي بن حسين ابن الأمام بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، السيد الإمام زين العابدين الهاشمي العلوي المدني يكنى أبا الحسين ويقال أبو الحسن ويقال أبو محمد ويقال أبو عبد الله وأمه أم ولد اسمها سلامة سلافة بنت ملك الفرس يزدجرد وقيل غزالة، ولد في سنة ثمان وثلاثين ظنا وحدث عن أبيه الحسين الشهيد وكان معه يوم كائنة كربلاء وله ثلاث وعشرون سنة وكان يومئذ موعوكا فلم يقاتل ولا تعرضوا له بل أحضروه مع آله إلى دمشق فأكرمه يزيد وَرَدَّه مع آله إلى المدينة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمرو بن ثابت، قال: كان علي بن الحسين لا يضرب بعيره من المدينة إلى مكة.
стр. 705
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن شهاب الزهري، قال: شهدت علي ابن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام فأثقله حديداً، ووكل به حفاظاً في عدة وجمع، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي، فدخلت عليه وهو في قبة والإقياد في رجليه والغل في يديه فبكيت. وقلت: وددت أني مكانك وأنت سالم. فقال: يا زهري أتظن أن هذا مما ترى علي وفي عنقي يكربني، أما لو شئت ما كان، فإنه وإن بلغ منك وبأمثالك ليذكرني عذاب الله. ثم أخرج يديه من الغل ورجليه من القيد. ثم قال: يا زهري لا جزت معهم على ذا منزلتين من المدينة، قال: فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة فما وجدوه، فكنت فيمن سألهم عنه. فقال لي بعضهم: إنا لنراه متبوعاً، انه لنازل ونحن حوله لا ننام نرصده، إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديده، قال الزهري: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن علي بن الحسين فأخبرته، فقال لي: إنه قد جاءني في يوم فقده الأعوان، فدخل علي فقال: ما أنا وأنت، فقلت: أقم عندي، فقال: لا أحب، ثم خرج فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة، قال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين ليس علي بن الحسين حيث تظن، إنه مشغول بنفسه، فقال: حبذا شغل مثله فنعم ما شغل به، قال: وكان الزهري إذا ذكر علي ابن الحسين يبكي ويقول: زين العابدين.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي حمزة الثمالي، قال: كان علي ابن الحسين: يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به، ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب .
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شيبة بن نعامة، قال: كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة، قال جرير في الحديث ـ أو من قبله ـ إنه حين مات وجدوا بظهره أثاراً مما كان يحمل بالليل الجرب إلى المساكين.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن إسحاق، قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم. فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل.
следующие страницы →