Полный текст (6 619 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي وائل، قال: خرجنا مع عبد الله بن مسعود ومعنا الربيع بن خثيم، فمررنا على حداد فقام عبد الله ينظر حديدة في النار، فنظر ربيع إليها فتمايل ليسقط، فمضى عبد الله حتى أتينا على أتون على شاطئ الفرات فلما رأى عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ قوله تعالى: (إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً * وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان ١٢: ١٣]. قال: فصعق الربيع فاحتملناه فجئنا به إلى أهله، قال: ثم رابطه إلى المغرب قلم يفق، ثم أنه أفاق فرجع عبد الله إلى أهله.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك بن دينار يقول: قالت ابنة الربيع للربيع: يا أبت لما لا تنام والناس ينامون؟ فقال: إن البيات النار لا تدع أباك أن ينام.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن غسان بن المفضل الغلابي، قال: سمعت من يذكر أن الربيع بن خثيم كان بالأهواز ومعه صاحب له، فنظرت إليه امرأة فتعرضت له فدعته إلى نفسها، فبكى الشيخ، فقال له صاحبه: ما يبكيك؟ قال: إنها تطمع في شيخين ألا رأت شيوخاً مثلنا.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن عجلان، قال: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي. فمر بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: ٢١]. فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حماد الأصم الحماني، عمن حدثه، عن بعض أصحاب الربيع، قال: ربما علمنا شَعَرَهُ عند المساء وكان ذا وفرة ثم يصبح والعلامة كما هي، فيعرف أن الربيع لم يضع جنبه ليلة على فراشه.
стр. 632
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: بلغنا أن أم الربيع بن خثيم كانت تنادي ابنها الربيع فتقول: يا بني يا ربيع ألا تنام؟ فيقول: يا أمه من جن عليه الليل وهو يخاف البيات حق له أن لا ينام. قال: فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت: يا بني لعلك قتلت قتيلا؟ فقال: نعم يا والدة قد قتلت قتيلاً. قالت: ومن هذا القتيل يا بني حتى يتحمل على أهله فيعفون؟ والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء والسهر بعد لقد رحموك، فيقول: يا والدة هي نفسي.
(٣) إنشغال الربيع بن خثيم بنفسه عن عيوب الناس:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن محمد الكواء، أنه قال للربيع: ما تراك تعيب أحداً ولا تذمه؟ فقال: ويلك يا ابن الكواء ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذنبي إلى حديث، إن الناس خافوا الله تعالى على ذنوب الناس وآمنوه على نفوسهم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن بكر بن ماعز، قال: قال الربيع بن خثيم: الناس رجلان مؤمن وجاهل، فأما المؤمن فلا تؤذه، وأما الجاهل فلا تجاهله.
(٤) وصية الربيع بن خثيم عند موته:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ربيع بن خيثم أنه أوصى عند موته، فقال: هذا ما أوصى به الربيع على نفسه وأشهد الله عليه وكفى به شهيداً، وجازياً لعباده الصالحين ومثيباً، إني رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، ورضيت لنفسي ومن أطاعني بأن أعبد الله في العابدين، وأحمده في الحامدين، وأنصح لجماعة المسلمين.
(٥) من دُررِ مواعظ الربيع بن خثيم:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الملك بن الأصبهاني، عن جدته، عن الربيع بن خثيم، أنه قال لأصحابه: تدرون ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا، قال: الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب ثم لا تعود.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان يقول: قال الربيع بن خثيم: أريدوا بهذا الخير الله تنالوه لا بغيره، وأكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله، فإن الغائب إذا طالت غيبته وجبت محبته، وانتظره أهله، وأوشك أن يقدم عليهم.
стр. 633
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، قال: قال الربيع: يا منذر، قلت: لبيك، قال: لا يغرنك كثرة ثناء الناس من نفسك فإنه خالص إليك عملك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم، قال: ما غائب ينتظره المؤمن خير من الموت.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن بكر بن ماعز، قال: كان الربيع يقول: أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله.
(٦) ترك الربيع بن خثيم لفضول المخالطة:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حسن يعني ابن صالح قال: قيل للربيع بن خثيم: لو جالستنا؟ فقال: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة فسد علي.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشعبي، قال: ما جلس الربيع في مجلس منذ تأزر، وقال: أخاف أن يظلم رجلاً فلا أنصره، أو يعتدي رجل على رجل فأكلف عليه الشهادة، ولا أغض البصر، ولا أهدي السبيل أو يقع الحامل فلا أحمل عليه.
(٧) تواضع الربيع بن خثيم ﵀:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن منذر، عن الربيع بن خثيم: أنه كان يكنس الحش بنفسه، فقيل له: إنك تكفي هذا، قال: إني أحب أن آخذ نصيبي من المهنة.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ياسين الزيات، قال: جاء ابن الكواء إلى الربيع بن خثيم، قال: دلني على من هو خير منك، قال: نعم من كان منطقه ذكراً، وصمته تفكراً وسيره تدبراً، فهو خير مني.
(٨) حفظ الربيع بن خثيم للسانه:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن بلال بن المنذر، قال: قال رجل: إن لم أستخرج اليوم سيئة من الربيع لأحد لم أستخرجها أبداً، قال: قلت: يا أبا يزيد قتل ابن فاطمة ﵉، قال: فاسترجع ثم تلا هذه الآية: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا يختلفون. قال: قلت: ما تقول؟ قال: ما أقول: إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم.
(٩) حرص الربيع بن خثيم على صلاة الجماعة:
стр. 634
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبو حيان، قال: حدثني أبي، قال: كان الربيع بعد ما سقط شقه يهادى بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحاب عبد الله يقولون: يا أبا يزيد لقد رخص الله لك لو صليت في بيتك، فيقول: إنه كنا تقولون، ولكني سمعته ينادي حي على الفلاح، فمن سمع منكم ينادي حي على الفلاح فليجبه ولو زحفاً، ولو حبوا.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حيان عن أبيه قال كان الربيع بن خثيم يقاد إلى الصلاة وبه الفالج فقيل له قد رخص لك قال إني أسمع وحي على الصلاة فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبوا.
(١٠) اجتهاد الربيع بن خثيم في قيام الليل:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن عجلان، قال: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي. فمر بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: ٢١]. فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حماد الأصم الحماني، عمن حدثه، عن بعض أصحاب الربيع، قال: ربما علمنا شَعَرَهُ عند المساء وكان ذا وفرة ثم يصبح والعلامة كما هي، فيعرف أن الربيع لم يضع جنبه ليلة على فراشه.
[*] وأورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابنة الربيع قالت كنت أقول يا أبتاه ألا تنام فيقول كيف ينام من يخاف البيات.
(١١) إخفاء الربيع بن خيثم للعمل:
كان الربيع بن خيثم آيةًً في إخفاء العمل بمتثل قول النبي ﷺ في الحديث الآتي:
(حديث سعد ابن أبي وقاص في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي.
الغني: الغني عن الناس
الخفي: من لا يريد علواً في الأرض ولا مناصب ولا جاه. الخامل المنقطع إلى العبادة والانشغال بأمور نفسه.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: أخبرتني سرية الربيع بن خثيم، قالت: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
стр. 635
﴿تنبيه﴾: عمل الخلوة كان أحب إلى السلف من عمل الجلوة، وكان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا يعلم عنها زوجة ولا غيرها، امتثالاً للحديث الآتي:
(حديث الزبير بن العوام في صحيح الجامع أن النبي ﷺ قال: من استطاع منكم أن يكون له خَبِءٌ من عمل صالح فليفعل.
خَِبٌِء من عمل صالح: أي من الأعمال الخفيّة التي لا يطّلع عليها أحد من الناس, خالية من الرياء, فتكون خالصة لله تبارك و تعالى مثل صلاة النافلة في جوف الليل أو صدقة السر أو أي عمل آخر من الأعمال الصالحة.
وفاة الربيع بن خيثم:
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: قيل توفي الربيع بن خيثم سنة خمس وستين.
سيرة أبي مسلم الخولاني ﵀:
اسم أبي مسلم الخولاني ونسبه:
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
اسمه على الأصح عبد الله بن ثوب وقيل اسمه عبد الله بن عبد الله وقيل عبد الله بن ثواب وقيل ابن عبيد ويقال اسمه يعقوب بن عوف قدم من اليمن وقد أسلم في أيام النبي ﷺ فدخل المدينة في خلافة الصديق.
مناقب أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى:
كان من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب أبي مسلم الخولاني جملةً وتفصيلا:
أولاً مناقب أبي مسلم الخولاني جملةً:
(١) ثناء العلماء على أبي مسلم الخولاني:
(٢) نصح أبي مسلم الخولاني للولاة:
(٣) زهد أبي مسلم الخولاني في الدنيا:
(٤) اجتهاد أبي مسلم الخولاني في العبادة:
(٥) النار لم تضر أبو مسلم الخولاني حين طُرِح فيها:
(٦) أبو مسلم الخولاني مستجاب الدعوة:
ثانياً مناقب أبي مسلم الخولاني تفصيلا:
(١) ثناء العلماء على أبي مسلم الخولاني:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
ومنهم المتخلي عن الهموم والكرب، المتسلي بالأوراد والنوب، الخولاني أبو مسلم عبد الله بن ثوب، حكيم الأمة وممثلها، ومديم الخدمة ومحررها.
[*] قال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
стр. 636
سيد التابعين وزاهد العصر اسمه على الأصح عبد الله بن ثوب قدم من اليمن وقد أسلم في أيام النبي ﷺ ولم يلقى النبي فدخل المدينة في خلافة الصديق.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علقمة بن مرثد، قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني، وكان لا يجالس أحداً قط، ولا يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحول عنه، فدخل ذات يوم المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا فَرَجَا أن يكونوا على ذكر خير فجلس إليهم، فإذا بعضهم يقول قدم غلامي فأصاب كذا وكذا، وقال آخر: جهزت غلامي، فنظر إليهم، فقال: سبحان الله أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ كرجل أصابه مطر غزير وابل فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين، فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر، فدخل فإذا البيت لا سقف له، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير فإذا أنتم أصحاب الدنيا. وقال له قائل. حين كبر ورق: لو قصرت عن بعض ما تصنع؟ فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفارسها دعها وارفق بها، حتى إذا رأيتم الغاية فلا تستبقوا منها شيئاً؟ قالوا: بلى، قال: فإني أبصرت الغاية وإن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، فسابق ومسبوق.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن لهيعة، قال: حدثنا ابن هبيرة: أن كعباً كان يقول: إن حكيم هذه الأمة أبو مسلم الخولاني.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: سمعت أبا هارون موسى بن عيسى، يقول: كان يقال أن أبا مسلم الخولاني ممثل هذه الأمة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شرحبيل بن مسلم: أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله، فقال بعض أهله: هو في المسجد، فأتيا المسجد فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه فأحصى أحدهما أنه ركع ثلثمائة، والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عطية بن قيس: أن أناساً من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله وكان غازياً بأرض الروم فوجدوه قد احتفر في فسطاطه حفرة ووضع في الحفرة قطعاً وأفرغ ماء فهو يتصلق فيه وهو صائم، فقال له النفر: ما يحملك على الصيام وأنت مسافر وقد رخص الله تعالى لك الفطر في السفر والغزو، فقال: لو حضر قتال لأفطرت وتقويت للقتال، إن الخيل لا تجري الغايات وهي بدنى، إنما تجري وهي ضمرات، إن بين أيدينا أياماً لها نعمل.
стр. 637
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن أبي العاتكة، قال: كان من أمر أبي مسلم الخولاني أن علق سوطاً في مسجده ويقول: أنا أولى بالسوط من الدواب، فإذا دخلته فترة مشق ساقه سوطاً أو سوطين. وكان يقول: لو رأيت الجنة عياناً ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عياناً ما كان عندي مستزاد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن شعيب، عن بعض مشيخة دمشق، قال: أقبلنا من أرض الروم، قال: فلما خرجنا من حمص متوجهين إلى دمشق مررنا بالعمير الذي يلي حمص على نحو من أربعة أميال في آخر الليل، فلما سمع الراهب الذي في الصومعة كلامنا اطلع إلينا. فقال: من أنتم؟ فقلنا: ناس من أهل دمشق أقبلنا من أرض الروم، فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ فقلنا: نعم، قال: فإذا أتيتموه فأقرئوه السلام وأعلموه أنا نجده في الكتب رفيق عيسى بن مريم ﵇، أما إنكم إن كنتم تعرفونه لا تجدونه حياً. قال: فلما أشرفنا الغوطة بلغنا موته.
(٢) نصح أبي مسلم الخولاني للولاة:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي عبد الله الحرسي وكان من حرس عمر بن عبد العزيز قال: دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان وقال: السلام عليكم أيها الأجير، فقال الناس الأمير يا أبا مسلم، ثم قال: السلام عليك أيها الأجير، فقال الناس: الأمير؟ فقال: معاوية دعوا أبا مسلم هو أعلم بما يقول، قال أبو مسلم: إنما مثلك مثل رجل استأجر أجيراً فولاه ماشيته وجعل له الأجر على أن يحسن الرعية ويوفر جزازها وألبانها، فإن هو أحسن رعيتها ووفر جزازها حتى تلحق الصغيرة وتسمن العجفاء أعطاه أجره وزاد من قبله زيادة، وإن هو لم يحسن رعيتها وأضاعها حتى تهلك العجفاء وتعجف السمينة ولم يوفر جزازها وألبانها غضب عليه صاحب الأجر فعاقبه ولم يعطه الأجر، فقال معاوية: ما شاء الله كان.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبيد الله بن شميط، عن أبيه، قال: كان أبو مسلم الخولاني يطوف بنعي الإسلام، فأتى معاوية فقيل له فأرسل إليه فدعاه فقال له: ما اسمك؟ قال معاوية: قلت: بل أنت حدوثة قبر عن قليل، إن عملت خيراً أجزيت به وإن عملت شراً أجزيت به، يا معاوية إن عدلت على أهل الأرض جميعاً ثم جرت على رجل واحد مال جورك بعدلك.
стр. 638
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي مسلم الخولاني: أنه نادى معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على منبر دمشق، فقال: يا معاوية إنما أنت قبر من القبور إن جئت بشيء كان لك شيء، وإن لم تجيء بشيء فلا شيء لك يا معاوية، لا تحسبن الخلافة جمع المال وتفرقه ولكن الخلافة العمل بالحق، والقول بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله ، يا معاوية إنا لا نبالي بكدر الأنهار ما صفت لنا رأس عيننا وإنك رأس عيننا، يا معاوية إياك أن تخيف على قبيلة من قبائل العرب فيذهب حيفك بعدلك فلما قضى أبو مسلم مقالته أقبل عليه معاوية فقال: يرحمك الله.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي مسلم الخولاني، عن معاوية بن أبي سفيان: أنه خطب الناس وقد حبس العطاء شهرين أو ثلاثة فقال له أبو مسلم: يا معاوية إن هذا المال ليس بمالك ولا بمال أبيك ولا مال أمك، فأشار معاوية إلى الناس أن امكثوا. ونزل فاغتسل ثم رجع فقال: أيها الناس إن أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي وليس بمال أبي ولا أمي وصدق أبو مسلم، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل، اغدوا على عطاياكم على بركة الله .
(٣) زهد أبي مسلم الخولاني في الدنيا:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمر بن سيف الخولاني أنه سمع أبا مسلم الخولاني، يقول: لأن يولد لي مولود يحسن الله نباته حتى إذا استوى على شبابه وكان أعجب ما يكون إلي قبضه الله مني أحب إلي من أن يكون لي الدنيا وما فيها.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني، أنه كان إذا وقف على خربة، قال: يا خربة أين أهلك؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم، وانقطعت الشهوات وبقيت الخطيئة، ابن آدم ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة.
(٤) اجتهاد أبي مسلم الخولاني في العبادة:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شرحبيل بن مسلم: أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله، فقال بعض أهله: هو في المسجد، فأتيا المسجد فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه فأحصى أحدهما أنه ركع ثلثمائة، والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف.
стр. 639
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عطية بن قيس: أن أناساً من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله وكان غازياً بأرض الروم فوجدوه قد احتفر في فسطاطه حفرة ووضع في الحفرة قطعاً وأفرغ ماء فهو يتصلق فيه وهو صائم، فقال له النفر: ما يحملك على الصيام وأنت مسافر وقد رخص الله تعالى لك الفطر في السفر والغزو، فقال: لو حضر قتال لأفطرت وتقويت للقتال، إن الخيل لا تجري الغايات وهي بدنى، إنما تجري وهي ضمرات، إن بين أيدينا أياماً لها نعمل.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن أبي العاتكة، قال: كان من أمر أبي مسلم الخولاني أن علق سوطاً في مسجده ويقول: أنا أولى بالسوط من الدواب، فإذا دخلته فترة مشق ساقه سوطاً أو سوطين. وكان يقول: لو رأيت الجنة عياناً ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عياناً ما كان عندي مستزاد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يزيد يعني ابن جابر قال: كان أبو مسلم الخولاني يكثر أن يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، وكان يقول: اذكروا الله حتى يرى الجاهل أنكم مجانين.
(٥) النار لم تضر أبو مسلم الخولاني حين طُرِح فيها:
стр. 640
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شرحبيل الخولاني، قال: بينا الأسود بن قيس ابن ذي الحمار العنسي باليمن فأرسل إلى أبي مسلم، فقال له: أتشهد أن محمداً ﷺ رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: فأمر بنار عظيمة فأججت وطرح فيها أبو مسلم فلم تضره، فقال له أهل مملكته: إن تركت هذا في بلدك أفسدها عليك، فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر، فعقل على باب المسجد وقام إلى سارية من سواري المسجد يصلي إليها، فبصره به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأتاه فقال: من أين الرجل؟ قال: من اليمن، قال: فما فعل عدو الله بصاحبنا الذي حرقه بالنار فلم تضره، قال: ذاك عبد الله بن ثوب، قال: نشدتك بالله أنت هو؟ قال: اللهم نعم، قال: فقبل ما بين عينيه ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي يمتني من الدنيا حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن ﵇، قال الحوطي: قال إسماعيل: فأنا أدركت قوماً من المدادين الذين مدوا من اليمن يقولون لقوم عن عنس: صاحبكم الذي حرق صاحبنا بالنار فلم تضره.
[*] وأورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن شرحبيل بن مسلم قال أتى أبو مسلم الخولاني المدينة وقد قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَواستخلف أبو بكر فحدثنا شرحبيل أن الأسود تنبأ باليمن فبعث إلى أبي مسلم فأتاه بنار عظيمة ثم إنه ألقى أبا مسلم فيها فلم تضره فقيل للأسود إن لم تنف هذا عنك افسد عليك من اتبعك فأمره بالرحيل فقدم المدينة فاناخ راحلته ودخل المسجد يصلي فبصر به عمر ﵁ فقام إليه فقال ممن الرجل قال من اليمن قال ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار قال ذاك عبد الله بن ثوب قال نشدتك بالله أنت هو قال اللهم نعم فاعتنقه عمر وبكى ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصديق فقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في امة محمد من صنع به كما صنع بإبراهيم الخليل.
(٦) أبو مسلم الخولاني مستجاب الدعوة:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن بلال بن كعب العكي، قال: كان الظبي يمر بأبي مسلم الخولاني فيقول له الصبيان: ادع الله يحبسه علينا نأخذه بأيدينا، فكان يدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم.
стр. 641
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف إلى منزله من المسجد كبر على باب منزله فتكبر امرأته، فإذا كان في صحن داره كبر فتجيبه امرأته، وإذا بلغ باب بيته كبر فتجيبه امرأته، فانصرف ذات ليلة فكبر عند باب داره فلم يجبه أحد، فلما كان في الصحن كبر فلم يجبه أحد فلما كان عند باب بيته كبر فلم يجبه أحد، وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه ثم أتته بطعامه، قال: فدخل البيت فإذا البيت ليس فيه سراج وإذا امرأته جالسة في البيت منكسة تنكت بعود معها، فقال لها: مالك؟ قالت: أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا خادم فلو سألته فأخدمنا وأعطاك، فقال: اللهم من أفسد على امرأتي فأعم بصرها، قال: وقد جاءتها امرأة قبل ذلك، فقالت لها: زوجك له منزلة من معاوية فلو قلت له يسأل معاوية يخدمه ويعطيه عشتم، قال: فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرت بصرها، فقالت: ما لسراجكم طفئ؟ قالوا: لا، فعرفت ذنبها فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي وتسأله أن يدعو الله لها أن يرد عليها بصرها، قال: فرحمها أبو مسلم فدعا الله لها فرد عليها بصرها.
وفاة أبي مسلم الخولاني ﵀:
[*] قال سعيد بن عبد العزيز: مات أبو مسلم بأرض الروم وكان مع بسر بن أبي أرطاة فأدركه أجله فعاده بسر فقال له أبو مسلم: يا بسر اعقد لي على من مات في هذه الغزاة فإني أرجو أن آتي بهم يوم القيامة على لوائهم.
[*] قال أحمد بن حنبل: حُدِّثنا عن محمد بن شعيب عن بعض المشيخة قال: أقبلنا من أرض الروم مررنا بالعمير على أربعة أميال من حمص في آخر الليل، فاطلع راهب من صومعة، فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ قلنا: نعم. قال: إذا أتيتموه، فأقرِئُوه السلام؛ فإنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم. أما إنكم لا تجدونه حيا. قال: فلما أشرفنا على الغُوطة، بلغنا موته.
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: يعني سمعوا ذلك، وكانت وفاته بأرض الروم.
[*] وروى إسماعيل بن عيَّاش، عن شُرَحْبيل بن مسلم، عن سعيد بن هانئ قال، قال معاوية: إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخولاني، وكُرَيب بن سيف الأنصاري.
سيرة الحسن البصري ﵀:
стр. 642
إنه الحسن بن أبي الحسن يسار، الإمام شيخ الإسلام أبو سعيد البصري المشهور بالحسن البصري، وصف الحسن البصري ﵀ بأنه من كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة ومن القلائل الذين أجرى الله الحكمة على ألسنتهم فكان كلامه حكمة وبلاغة إنه التابعي الجليل الحسن البصري، ولا غَرْوَ ولا عجب فقد وُلِدَ رحمه الله تعالى في بيت تقى وصلاح، وفي بيت علم وهداية، وُلِدَ في بيتٍ تُلِيَ فيه القرآن تلي وعلى أصحابه تنزل، فقد كان مولده في بيت أم سلمة ﵂، إذ كانت أمه مولاة لها، وزاده قَدَرُ الله مَيْزَة أخرى، فلم يكن بيت أم سلمة ﵂ مولده فحسب، بل لقد كان حجرها غطاءه، وصدرها سقاءه، فأدفته بصدرها، وأرضعته لبنها، وشاء الله أن يدر له منها لبنًا، فكان لبنًا مباركًا، غذى به ذرب اللسان، قوي الحجة والبيان، إن تحدث فجدير لأن يسمع له، وإن سئل فجدير بأن يجيب، إن وعظ علا صوته، وجرى دمعه، وبدا إخلاصه، فيظهر على الناس الأثر، يسبق فعله كلامه، كما يسبق ضوء الفجر وهج الشمس، مَنَّ الله تعالى عليه بأمور كثيرة رفعه بها بين الناس، وإن لم يكن ذا نسب رفيع، لكنه رفعه علمه وفضله وتقاه، طلب الحكام منه النصيحة فنصحهم، والعظة فوعظهم، وأعطوه أجرًا فرده وزجرهم، فهو لا يريد من البشر أجرًا إنما كان شعاره " إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى " [هود: ٢٩] فنعم الأجر هو، ونعم الرجل كان، إنه حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، إنه الحسن البصري ﵀.
اسم الحسن البصري ونسبه:
هو أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن بن يسار، كان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصاري، وكان يسار من سبي حسان، سكن المدينة، وأعتق وتزوج في خلافة عمر ﵁ بأم الحسن واسمها خيرة، كانت مولاة لأم المؤمنين أم سلمة المخزومية.
نشأة الحسن البصري ﵀:
стр. 643
ولد الحسن ﵀ لسنتين بقيتا من خلافه عمر ﵁ وذهب به إلى عمر فحنكه، ولما علمت أم المؤمنين أم سلمة بالخبر أرسلت رسولاً ليحمل إليها الحسن، وأمه لتقضي نفاسها في بيت أم سلمة ﵂، فلما وقعت عينها على الحسن وقع حبه في قلبها، فقد كان الوليد الصغير قسيمًا وسيمًا، بهي الطلعة، تام الخلقة، يملأ عين مجتليه، ويأسر فؤاد رائيه، ويسر عين ناظريه، وسمته أم المؤمنين ﵂ بالحسن، ولم تكن البشرى لتقتصر على بيت أم سلمة ﵂ فحسب؛ بل عمت الفرحة دار الصحابي الجليل زيد بن ثابت ﵁، فهو مولى أبي، وكان كرم الله على الحسن أن نشأ في بيت أم المؤمنين أم سلمة ﵂، وكانت أمه تتركه عند أم المؤمنين، وتذهب لقضاء حوائجها، فكان الحسن إذا بكى ألقمته أم المؤمنين ثديها، فيدر عليه لبنًا بأمر الله، على الرغم من كبر سنها فضلا عن أنه لم يكن لها ولد وقتها، فكانت أم سلمة ﵂ أمًا للحسن من جهتين: الأولى كونها زوج النبي ﷺ ، فهي أم له وللمؤمنين، والثانية كونها أمًا له من الرضاعة، فلما أرضعته أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها إذا هو يرتوي حكمة وفصاحة وتقى، فما إن شب صاحبنا إلا وينابيع الحكمة تنبع من لسانه وجمال الأسلوب ورصانة العبارة وفصاحة اللسان تتحدر من كلامه.
ولم يكن الحسن ﵁ قاصرًا في نشأته على بيت أم سلمة ﵂ فحسب؛ بل كان يدور على بيوت أمهات المؤمنين ﵅، وكان هذا داعيًا لأن يتخلق الغلام الصغير بأخلاق أصحاب البيوت، وكان هو يحدث عن نفسه، ويخبر بأنه كان يصول ويجول في داخل بيوتهنَّ ﵅ حتى أنه كان ينال سقوف بيوتهنَّ بيديه وهو يقفز فيها قفزًا.
[*] مناقب الحسن البصري:
كان الحسن البصري ﵀ من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه جملةً وتفصيلا:
أولاً مناقب الحسن البصري جملةً:
(١) ثناء العلماء على الحسن البصري ﵀:
(٢) خشية الحسن البصري لله تعالى:
(٣) طول حزن الحسن البصري ﵀:
(٤) من درر مواعظ الحسن البصري ﵀:
(٥) زهد الحسن البصري رحمه الله تعالى:
(٦) دعاء الحسن البصري على الظالم:
стр. 644
(٧) الحسن البصري يصدع بكلمة الحق في وجه الحجاج:
(٨) نصح الحسن للولاة:
(٩) سعة علم الحسن البصري وأسبابها:
ثانيا مناقب الحسن البصري تفصيلا:
(١) ثناء العلماء على الحسن البصري ﵀:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
ومنهم حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن. الفقيه الزاهد، المتشمر العابد، كان لفضول الدنيا وزينتها نابذاً، ولشهوة النفس ونخوتها واقذاً.
[*] وقال عنه أحد العلماء: كان جائعاً عالماً عالياً رفيعاً فقيها ثقة مأموناً عابداً ناسكاً كبير العلم فصيحاً جميلاً وسيماً، كانت أمه "خيرة" مولاة لأم سلمة زوج النبي وكان مولده قبل نهاية خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بسنتين. وكانت أمه تخرج إلى السوق أحياناً فتدعه عند أم سلمة فيصيح جوعاً فتلقمه أم سلمة ثديها لتعلله به، إلى أن تجيء أمه - وإذا برحمة الله تنزل على الثدي فيدر لبناً فيرضع الطفل حتى يرتوي. فإذا هو يرتوي حكمة وفصاحة وتقى، فما إن شب صاحبنا إلا وينابيع الحكمة تنبع من لسانه وجمال الأسلوب ورصانة العبارة وفصاحة اللسان تتحدر من كلامه. إنه الحسن بن أبي الحسن يسار، الإمام شيخ الإسلام أبو سعيد البصري المشهور بالحسن البصري، يقال: مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى جميل بن قطبة، وأمه خيرة مولاة أم سلمة، نشأ إمامنا في المدينة النبوية وحفظ القرآن في خلافة عثمان. وكانت أمه وهو صغير تخرجه إلى الصحابة فيدعون له، وكان في جملة من دعا له عمر بن الخطاب. قال: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس. فكان الحسن بعدها فقيهاً وأعطاه الله فهماً ثابتاً لكتابه وجعله محبوباً إلى الناس. ولازم أبا هريرة وأنس بن مالك وحفظ عنهم أحاديث النبي، فكان كلما سمع حديثاً عن المصطفى ازداد إيماناً وخوفاً من الله، إلى أن أصبح من نساك التابعين ومن أئمتهم ومن وعاظهم ودعاتهم، وصار يرجع إليه في مشكلات المسائل وفيما اختلف فيه العلماء، فهذا أنس بن مالك سُئل عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، قالوا: يا أبا حمزة نسألك، تقول: سلوا الحسن؟ قال: سلوا مولانا الحسن. فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا
[*] وقال أنس بن مالك أيضاً:
إني لأغبط أهل البصرة بهذين: الشيخين الحسن البصري ومحمد بن سيرين
[*] وقال قتادة:
стр. 645
وما جالست رجلاً فقيهاً إلا رأيت فضل الحسن عليه، وكان الحسن مهيباً يهابه العلماء قبل العامة.
[*] قال أيوب السختياني:
كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج (سنين) ما يسأله عن مسألة هيبةً. وكان الحسن البصري إلى الطول أقرب، قوي الجسم، حسن المنظر، جميل الطلعة مهايباً يهابه
العلماء قبل العامة، قال أيوب السختياني: كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج (سنين)
ما يسأله عن مسألة هيبة.
وكان الحسن البصري إلى الطول أقرب، قوي الجسم، حسن المنظر، جميل الطلعة مهايباً.
[*] قال عاصم الأحول:
قلت للشعبي: لك حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيت البصرة فأقرئ الحسن مني السلام، قلت: ما أعرفه، قال: إذا دخلت البصرة فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينيك وأهيبه في صدرك فأقرئه مني السلام، قال: فما عدا أن دخل المسجد فرأى الحسن والناس حوله جلوس فأتاه وسلّم عليه. وكان الحسن صاحب خشوع وإخبات ووجل من الله،
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علقمة بن مرثد، قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين؛ فمنهم الحسن بن أبي الحسن فما رأينا أحداً من الناس كان أطول حزناً منه، ما كنا نراه إلا أنه حديث عهد بمصيبة، ثم قال: نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم لك بمحاربة الله طاقة؟ إنه من عصي الله فقد حاربه. والله لقد أدركت بدرياً أكثر لباسهم الصوف، ولو رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب، ولقد رأيت أقواماً كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقواماً يمشي أحدهم وما يجد عنده إلا قوتاً فيقول لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله فيتصدق ببعضه، وإن كان هو أحوج ممن تصدق به عليه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أيوب، قال: لو رأيت الحسن لقلت أنك لم تجالس فقيهاً قط.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، قال: كان الحسن ابناً لجارية أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فبعثت أم سلمة جاريتها في حاجتها فبكى الحسن بكاءً شديداً فرقت عليه أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فأخذته فوضعته في حجرها فألقمته ثديها فدر عليه فشرب منه، فكان يقال: إن المبلغ الذي بلغه الحسن من الحكمة من ذلك اللبن الذي شربه من أم سلمة زوج النبي ﷺ .
стр. 646
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الأعمش، يقول: ما زال الحسن البصري يعي الحكمة حتى نطق بها، وكان إذا ذكر عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن خالد بن صفوان، قال: لما لقيت مسلمة بن عبد الملك بالحيرة، قال: يا خالد أخبرني عن حسن أهل البصرة، قلت: أصلح الله الأمير أخبرك عنه بعلم أن جاره إلى جنبه وجليسه في مجلسه، وأعلم من قبلي به، أشبه الناس سريرة بعلانية وأشبه قولاً بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنياً عن الناس ورأيت الناس محتاجين إليه، قال: حسبك يا خالد كيف يضل قوم هذا فيهم.
(٢) خشية الحسن البصري لله تعالى:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً ولا يسعه غير ذلك، لأنه بين مخافتين؛ بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: يحق لمن يعلم أن الموت مورده وان الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه.
[*] قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز،
كأن النار لم تخلق إلا لهماً.
(٣) طول حزن الحسن البصري ﵀:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحجاج بن دينار، قال: كان الحكم بن حجل صديقاً لابن سيرين، فلما مات ابن سيرين حزن عليه حتى جعل يعاد كما يعاد المريض، فحدث بعد قال: رأيت أخي في المنام يعني ابن سيرين فرأيته في قصر فذكر من هيئته وأنه على أفضل حال، فقلت له: أي أخي قد أراك في حال يسرني فما صنع الحسن؟ قال: رفع فوقي بتسعين درجة، فقلت: ومما ذاك? قال: بطول حزنه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبيد الله بن شميط، حدثني أبي، قال: سمعت الحسن، يقول: إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً وينقلب باليقين في الحزن، ويكفيه ما يكفي العنيزة: الكف من التمر والشربة من الماء.
стр. 647
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن عيسى اليشكري، قال: ما رأيت أحداً أطول حزناً من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبته.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: طول الحزن في الدنيا تلقيح العمل الصالح.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن أنه قال: والله لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا حزن وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب، وإلا تعب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حوشباً، يقول: سمعت الحسن يحلف بالله يقول: والله يا ابن آدم لئن قرأت القرآن ثم آمنت به، ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: يحق لمن يعلم أن الموت مورده وان الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه.
[*] قال مطر الوراق:
الحسن كأنه رجل كان في الآخرة ثم جاء يتكلم عنها، وعن أهوالها. فهو بخبر عما رأي وعاين.
[*] وقال حمزة الأعمى:
وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي
فأسمع بكاءه ونحيبه فقلت له يوماً: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟
يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة. فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل، لعله تعالى أن يرحمك.
[*] وقال حكيم بن جعفر: قال لي من رأى الحسن: لو رأيت الحسن لقلت: قد بث عليه حزن الخلائق، من طول تلك الدمعة وكثرة ذلك النشيج.
[*] وعن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي.
(٤) من درر مواعظ الحسن البصري ﵀:
стр. 648
كان الحسن البصري صاحب مواعظ وتذكير، ولكلامه أثر في النفوس حيث يستميل القلوب بتحسين الأسلوب والتخويف من علاَّم الغيوب، والتحذير من عاقبة الإثم والحوب مما يجعل الإنسان من الخوف منحوب ويُقْلِعُ عن الذنوب، مواعظٌ تُفري الأكباد وتُذيب الأجساد وتبعث على إعداد الزاد ليوم المعاد، مواعظٌ تُبْكِي الصخور وترهب الصدور، فيلتزم المأمور ويجتنب المحظور ويصبر على المقدور ويتفكر في قبره المحفور وما فيه من الدواهي والأمور تحت الجنادل والصخور فيتضرع إلى ربه أن يرحم غربته في القبور، مواعظٌ تُقَوِّمُ المائلين وتنبه الغافلين وتُذَكِّرُ السالكين وتستدر دموع السامعين، وكان رحمه الله تعالى فصيح اللسان عنده حسنُ منطق وعذوبة ألفاظ، كأنما سُخِّرَ له الكلام، كأنما لين له الكلام كما لين لداوود الحديد، وكان رحمه الله تعالى لديه فصاحة غريزية لا يتكلفها، بمثل كلامه تُستمال القلوب النافرة وتُرَدُ الأهواء الشاردة، كلامه يجذب النفوس إليه انجذاب الحديد للمغناطيس، كلاماً يبعث الهمم للتعرضِ إلى النفحات ويُثيرُ العزائم إلى اغتنام الفرص قبل الممات، كلاماً يٌقربُ الأقصى بلفظٍ مُوجَزِ ويبسط البذل بوعدٍ منجز.
[*] قال الأعمش: ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها.
[*] وكان أبو جعفر الباقر إذا ذكره يقول: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.
وهاك بعض مواعظه:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي حميد الشامي، قال: كتب الحسن على عمر بن عبد العزيز:
стр. 649
اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيراً يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزاً، واحتمال المؤونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة التي قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلولة. العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق له حين أخبر عنها مدكر، فأبت القلوب لها إلا حباً، وأبت النفوس بها إلا ضناً، وما هذا منالها إلا عشقاً، ومن عشق شيئاً لم يعقل غيره، ومات في طلبه أو يظفر به، فهما عاشقان طالبان لها؛ فعاشق قد ظفر بها واغتر وطغى ونسي بها المبدأ والمعاد. فشغل بها لبه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته أسر ما كانت له منيته فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، واشتدت كربته مع ما عالج من سكرته. واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به. ولآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته فذهب بكربه وغمه لم يدرك ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب. خرجا جميعاً بغير زاد، وقدما على غير مهاد.
فاحذرها الحذر كله فإنها مثل الحية لين مسها وسمها يقتل، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما عانيت من فجائعها وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها لرخاء ما يصيبك وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلاً عليه انقلبت به، فالسار فيها غار، والنافع فيها غدا ضار، وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق، واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن، لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدري ما هو آت فيها فينتظر.
стр. 650
فاحذرها فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر. إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية، فلقد كدرت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوة على حذر، ومن المنايا على يقين؛ فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخير، ولم يضرب لها مثلاً، ولم يأمر فيها بزهد؛ لكانت الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ. فما لها عند الله قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار الحصا، ولا مقدار ثراة في جميع الثرى، ولا خلق خلقاً فيما بلغت أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتاً لها، ولقد عرضت على نبينا ﷺ بمفاتيحها وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء إلا أنه علم أن الله تعالى أبغض شيئاً فأبغضه، وصغر شيئاً فصغره، ووضع شيئاً فوضعه، ولو قبلها كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه.
стр. 651
لو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها أن يجعل خيرها ثواباً للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عذاباً للعاصين. فأخرج ثواب الطاعة منها وأخرج عقوبة المعصية عنها. وقد يدلك على شر هذه الدار أن الله تعالى زواها عن أنبيائه وأحبائه اختباراً، وبسطاً لغيرهم اعتباراً واغتراراً؛ ويظن المغرور بها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنعه بمحمد المصطفى ﷺ وموسى المختار ﵇ بالكلام له ومناجاته، فأما محمد ﷺ فشد الحجر على بطنه من الجوع، وأما موسى ﵇ فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هذاله، ما سأل الله تعالى يوم أوى إلى الظل إلا طعاماً يأكله من جوعه. ولقد جاءت الروايات عنه أن الله تعالى أوحى إليه؛ أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجلت عقوبته. وإن شئت ثلثته بصاحب الروح والكلمة ففي أمره عجيبة، كان يقول: أدمي الجوع وشعاري الخوف، ولباسي الصوف ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلايتي في الشتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام. أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني. ولو شئت ربعت بسليمان بن داود ﵉، فليس دونهم في العجب. يأكل خبز الشعير في خاصته ويطعم أهله الخشكار والناس الدرمك فإذا جنه الليل لبس المسوح وغل اليد إلى العنق وبات باكياً حتى يصبح، يأكل الخشن من الطعام ويلبس الشعر من الثياب. كل هذا يبغضون ما أبغض الله ، ويصغرون ما صغر الله تعالى، ويزهدون فيما زهد. ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم وألزموا الكد والعبر وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير، عن متاع الغرور الذي إلى الفناء يصير، ونظروا إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر وأنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحل الشبع منها إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس ويقي الروح ويسكن القرم وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتن ريحها فكل من مر بها أمسك على أنفه منها، فهم يصيبون منها لحال الضر ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن، فغربت عنهم وكانت هذه منزلتها من أنفسهم، فهم يعجبون من الآكل منها شبعاً، والمتلذذ بها أشراً.
стр. 652
ويقولون في أنفسهم: أما ترى هؤلاء لا يخافون من الأكل، أما يجدون ريح النتن? وهي والله يا أخي في العاقبة والآجلة أنتن من الجيفة المرصوفة، غير أن أقواماً استعجلوا الصبر فلا يجدون من ريح النتن، والذي نشأ في ريح الإهاب النتن لا يجد نتنه، ولا يجد من ريحه ما يؤذي المارة والجالس عنده، وقد يكفي العاقل منهم أنه من مات عنها وترك مالاً كثيراً سره أنه كان فيها فقيراً، أو شريفاً أنه كان فيها وضيعاً، أو كان فيها معافى سره أنه كان فيها مبتلي، أو كان مسلطنا سره أنه كان فيها سوقه. وإن فارقتها سرك أنك كنت أوضع أهلها ضعة، وأشدهم فيها فاقة، أليس ذلك الدليل على خزيها لمن يعقل أمرها.
والله لو كانت الدنيا من أراد منها شيئاً وجده إلى جنبه من غير طلب ولا نصب غير أنه إذا أخذ منها شيئاً لزمته حقوق الله فيه وسأله عنه ووقفه على حسابه لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها إلا قدر قوته وما يكفى، حذر السؤال وكراهية لشدة الحساب، وإنما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام؛ يوم مضى لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغي أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا? ولا تدري لعلك تموت قبله.
فأما أمس فحكيم مؤدب، وأما اليوم فصديق مودع، غير أن أمس وإن كان قد فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلف منه وقد كان عنك طويل الغيبة وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدا أيضاً في يديك منه أمله. فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل قبل حلول الجل، وإياك أن تدخل على اليوم هم غد أو هم ما بعده، زدت في حزنك وتعبك وأردت أن تجمع في يومك ما يكفيك أيامك، هيهات كثر الشغل وزاد الحزن وعظم التعب وأضاع العبد العمل بالأمل.
стр. 653
ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهم يومك، غير أن الأمل منك في الغد دعاك إلى التفريط، ودعاك إلى المزيد في الطلب، ولئن شئت واقتصرت لأصفن لك الدنيا ساعة بين ساعتين، ساعة ماضية، وساعة لآتية، وساعة أنت فيها. فأما الماضية فليس تجد لراحتهما لذة، ولا لبلائهما ألماً. وإنما الدنيا ساعة أنت فيها فخدعتك تلك الساعة عن الجنة وصيرتك إلى النار. وإنما اليوم إن عقلت ضيف نزل بك وهو مرتحل عنك، فإن أحسنت نزله وقراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه جال في عينيك. وهما يومان بمنزلة الأخوين نزل بك أحدهما فأسأت إليه ولم تحسن قراه فيما بينك وبينه، فجاءك الآخر بعده، فقال: إني قد جئتك بعد أخي فإن إحسانك إلي يمحو إساءتك إليه، ويغفر لك ما صنعت، فدونك إذ نزلت بك وجئتك بعد أخي المرتحل عنك فقد ظفرت بخلف منه إن عقلت، فدارك ما قد أضعت. وإن ألحقت الآخر بالأول فما أخلقك أن تهلك بشهادتهما عليك.
إن الذي بقي من العمر لا ثمن له ولا عدل، فلو جمعت الدنيا كلها ما عدلت يوماً بقي من عمر صاحبه، فلا تبع اليوم وتعدله من الدنيا بغير ثمنه، ولا يكونن المقبور أعظم تعظيماً لما في يديك منك وهو لك فلعمري لو أن مدفوناً في قبره قيل له هذه الدنيا أولها إلى آخرها تجعلها لولدك من بعدك يتنعمون فيها من ورائك، فقد كنت وليس لك هم غيرهم. أحب إليك أم يوم تترك فيه تعمل لنفسك لاختار ذلك، وما كان ليجمع مع اليوم شيئاً إلا اختار اليوم عليه رغبة فيه وتعظيماً له، بل لو اقتصر على ساعة خيرها وما بين أضعاف ما وصفت لك وأضعافه يكون لسواه إلا اختار الساعة لنفسه على أضعاف ذلك ليكون لغيره، بل لو اقتصر على كلمة يقولها تكتب له وبين ما وصفت لك وأضعافه لاختار الكلمة الواحدة عليه، فانتقد اليوم لنفسك وأبصر الساعة وأعظم الكلمة واحذر الحسرة عند نزول السكرة، ولا تأمن أن تكون لهذا الكلام حجة، نفعنا الله وإياك بالموعظة، ورزقنا وإياك خير العواقب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 654
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبيدة سعيد بن زربي، قال: سمعت الحسن يعظ أصحابه يقول: إن الدنيا دار عمل من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف بحظه من الله ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به من عذا الله، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله تعالى ولي ميراثها، وأهلها محولون عنها إلى منازل لا تبلى ولا يغيرها طول الثواء منها يخرجون. فاحذروا ولا قوة إلا بالله ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك المنقلب، واقطع يا ابن آدم من الدنيا أكثر همك، أو لتقطعن حبالها بك فينقطع ذكر ما خلقت له من نفسك ويزيغ عن الحق قلبك، وتميل إلى الدنيا فترديك، وتلك منازل سوء بين ضرها، منقطع نفعها مفضية والله بأهلها إلى ندامة طويلة وعذاب شديد، فلا تكونن يا ابن آدم مغتراً، ولا تأمن ما لم يأتك الأمان منه، فإن الهول الأعظم ومفظعات الأمور أمامك لم تخلص منها حتى الآن، ولا بد من ذلك المسلك وحضور تلك الأمور إما يعافيك من شرها وينجيك من أهوالها، وإما الهلكة. وهي منازل شديدة مخوفة محذورة مفزعة للقلوب، فلذلك فاعدد، ومن شرها فاهرب، ولا يلهينك المتاع القليل الفاني، ولا تربص بنفسك فهي سريعة الانتقاص من عمرك فبادر أجلك ولا تقلل غدا فإنك لا تدري متى إلى الله تصير واعلموا أن الناس أصبحوا جادين في زينة الدنيا يضربون في كل غمرة وكل معجب بما هو فيه، راض به حريص على أن يزداد منه، فما لم يكن من ذلك لله في طاعة الله فقد خسر أهله وضاع سعيه، وما كان من ذلك في الله في طاعة الله فقد أصاب أهله به وجه أمرهم، ووفقوا فيه بحظهم، عندهم كتاب الله وعهده وذكر ما مضى وذكر ما بقى، والخير عمن وراءهم.
стр. 655
كذلك أمر الله اليوم وقبل ذلك أمره فيمن مضى لأن حجة الله بالغة، والعذر بارز، وكل مواف الله ولما عمل. ثم يكون القضاء من الله وعباده على أحد أمرين: فمقضي له رحمته وثوابه فيالها نعمة وكرامة ومقضي له سخطه وعقوبته فيالها حسرة وندامة، ولكن حق على من جاءه البيان من الله بأن هذا أمره وهو واقع أن يصغر في عينه ما هو عند الله صغير، وأن يعظم في نفسه ما هو عند الله عظيم، أو ليس ما ذكر الله من الكراهة لأهلها فيما بعد الموت والهوان ما يطيب نفس امرئ عن عيشة دنياه، فإنها قد أذنت بزوال. أيدوم نعيمها، ولا يؤمن فجائعها، يبلى جديدها، ويسقم صحيحها، ويفتقر غنيها. ميالة بأهلها، لعابة بهم على كل حال. ففيها عبرة لمن اعتبر، وبيان فعلامَ تنتظر.
يا ابن آدم أنت اليوم في دار هي لافظتك وكأن قد بدا لك أمرها وإلى انصرام ما تكون سريعاً ثم يفضى بأهلها إلى أشد الأمور وأعظمها خطراً، فاتق الله يا ابن آدم وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك، فلا تدخرن عن نفسك مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك من قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، فإذا أنت يا ابن آدم قد ندمت حيث لا تغني الندامة عنك، ارفض الدنيا ولتسخ بها نفسك ودع منها الفضل فإنك إذا فعلت ذلك أصبت أربح الأثمان من نعيم لا يزول، ونجوت من عذاب شديد ليس لأهله راحة ولا فترة، فاكدح لما خلقت له قبل أن تفرق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها، صاحب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما قد سلف بين يديك من العمر، وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزدك إعجاب أهلها بها زاهداً فيها وحذراً منها، فإن الصالحين كذلك كانوا.
стр. 656
واعلم يا ابن آدم أنك تطلب أمراً عظيماً لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله؛ ولا تدع حظك وقد عرض عليك، وأنت مسئول ومقول لك فأخلص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن أنجى الناس من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء، وأمر العباد بطاعة الله وطاعة رسوله، فإنكم أصبحتم في دار مذمومة خلقت فتنة وضرب لأهلها أجل إذا انتهوا إليه يبيد. أخرج نباتها، وبث فيها من كل دابة، ثم أخبرهم بالذي هم إليه صائرون، وأمر عباده فيما أخرج لهم من ذلك بطاعته، وبين لهم سبيلها يعني سبيل الطاعة ووعدهم عليها الجنة، وهم في قبضته ليس منهم بمعجز له، وليس شيء من أعمالهم يخفى عليه، سعيهم فيها شتى بين عاص ومطيع له، ولكل جزاء من الله بما عمل، ونصيب غير منقوص، ولم أسمع الله تعالى فيما عهد إلى عباده وأنزل عليهم في كتابه رغب في الدنيا أحداً من خلقه، ولا رضي له بالطمأنينة فيها، ولا الركون إليها، بل صرف الآيات وضرب الأمثال بالعيب لها، والنهي عنها، ورغب في غيرها. وقد بين لعباده أن الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن، هائل المطلع، نقلهم عنه، أراه إلى دار لا يشبه ثوابهم ثواباً، ولا عقابهم عقاباً، لكنها دار خلود يدين الله تعالى فيها العباد بأعمالهم ثم ينزلهم منازلهم، لا يتغير فيها بؤس عن أهلها ولا نعيم، فرحم الله عبداً طلب الحلال جهده حتى إذا دار في يده وجَّهه وجهه الذي هو وجهه.
ويحك يا ابن آدم ما يضرك الذي أصابك من شدائد الدنيا إذا خلص لك خير الآخرة؛ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر؛ هذا فضح القوم، ألهاكم التكاثر عن الجنة عند دعوة الله تعالى وكرامته، والله لقد صحبنا أقواماً كانوا يقولون ليس لنا في الدنيا حاجة، ليس لها خلقنا، فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم وسهرهم نعم والله حتى أهرقوا فيها دماءهم ورجوا فأفلحوا ونجوا. هنيئاً لهم لا يطوي أحدهم ثوباً، ولا يفترشه، ولا تلقاه إلا صائماً ذليلاً متبائساً خائفاً حتى إذا دخل إلى أهله إن قرب إليه شيء أكله وإلا سكت لا يسألهم عن شيء ما هذا وما هذا، ثم قال:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
стр. 657
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: يا ابن آدم عملك عملك فإنما هو لحمك ودمك، فانظر على أي حال تلقي عملك، إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها، صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الخلق مما يقرب إلى الله . يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرن من الخير شيئاً وإن هو صغر فإنك إذا رأيته سرك مكانه، ولا تحقرن من الشر شيئاً فإنك إذا رأيته ساءك مكانه، فرحم الله رجلاً كسب طيباً وأنفق قصداً، فضلاً ليوم فقره وفاقته هيهات هيهات ذهبت الدنيا بحالتي مآلها وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم، أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون? المعاينة فكأن قد. إنه لا كتاب بعد كتابكم، ولا نبي بعد نبيكم. يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبو بكر الهذلي، قال: كنا نجلس عند الحسن فأتاه آت، فقال: يا أبا سعيد دخلنا آنفاً على عبيد الله بن الأهتم فإذا هو يجود بنفسه، فقلنا: يا أبا معمر كيف تجدك? قال: أجدني والله وجعاً، ولا أظنني إلا لما بي، ولكن ما تقولون في مائة ألف في هذا الصندوق لم تؤد منها زكاة، ولم يوصل منها رحم? فقلنا: يا أبا معمر فلم كنت تجمعها؟ قال: كنت والله أجمعها لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة، فقال الحسن: انظروا هذا البائس أني أتاه الشيطان؛ فحذره روعة زمانه فحذره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، عما استودعه الله إياه، وعمره فيه، خرج والله منه كئيباً حزيناً ذميماً مليماً، أيها عنك الوارث أيها لا تخدع كما خدع صويحبك أمامك، أتاك هذا المال حلالاً، فإياك وإياك أن يكون وبالاً عليك، أتاك والله ممن كان له جموعاً منوعاً يدأب فيه الليل والنهار، يقطع فيه المفاوز والقفاز، من باطل جمعه، ومن حق منعه، جمعه فأوعاه، وشده فأوكاه، لم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحماً، إن يوم القيامة ذو حسرات، وإن أعظم الحسرات غداً أن يرى أحدكم ماله في ميزان غيره، أو تدرون كيف ذاكم? رجل آتاه الله مالاً وأمره بإنفاقه في صنوف حقوق الله فبخل به فورثه هذا الوارث فهو يراه في ميزان غيره. فيا لها عثرة لا تقال، وتوبة لا تنال.
стр. 658
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن قال أبو عبيدة: قال الحسن: رحم الله امرءاً عرف ثم صبر، ثم أبصر فبصر؛ فإن أقواماً عرفوا فانتزع الجزع أبصارهم، فلا هم أدركوا ما طلبوا، ولا هم رجعوا إلى ما تركوا، اتقوا هذه الأهواء المضلة البعيدة من الله التي جماعها الضلالة وميعادها النار لهم محنة، من أصابها أضلته، ومن أصابته قتلته. يا ابن آدم دينك دينك فإنه لحمك ودمك إن يسلم لك دينك يسلم لك لحمك ودمك وإن تكن الأخرى فنعوذ بالله فإنها نار لا تطفي، وجرح لا يبرأ وعذاب لا ينفذ أبداً، ونفس لا تموت. يا ابن آدم إنك موقوف بين يدي ربك ومرتهن بعملك، فخذ مما في يديك لما بين يديك. عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسئول ولا تجد جواباً، إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن هشام. قال: سمعت الحسن، يقول: والله لقد أدركت أقواماً ما طوي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيئاً قط، وإن كان أحدهم ليقول: لوددت أني أكلت أكلة في جوفي مثل الآجرة، قال: ويقول لنا: أن الآجرة تبقى في الماء ثلاث مائة سنة. ولقد أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليرث المال العظيم قال: وإنه والله لمجهود شديد الجهد، قال: فيقول لأخيه: يا أخي إني قد علمت أن ذا ميراث وهو حلال ولكني أخاف أن يفسد على قلبي وعملي فهو لك لا حاجة لي فيه، قال: فلا يرزأ منه شيئاً أبداً وإنه مجهود شديد الجهد.
стр. 659
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال: يا ابن آدم سرطاً سرطاً، جمعاً جمعاً في وعاء، وشداً شداً في وكاء، ركوب الذلول ولبوس اللين، ثم قيل مات فأفضى والله إلى الآخرة، إن المؤمن عمل لله تعالى أياما يسيرة فوالله ما ندم أن يكون أصاب من نعيمها ورخائها، ولكن راقت الدنيا له فاستهانها وهضمها لآخرته، وتزود منها فلم تكن الدنيا في نفسه بدار، ولم يرغب في نعيمها ولم يفرح برخائها ولم يتعاظم في نفسه شيء من البلاء إن نزل به مع احتسابه للآجر عند الله ولم يحتسب نوال الدنيا حتى مضى راغباً راهباً فهنيئاً هنيئاً، فأمن الله بذلك روعته وستر عورته ويسر حسابه، وكأن الأكياس من المسلمين يقولون: إنما هو الغدو والرواح وحظ من الدلجة والاستقامة لا يلبثك يا ابن آدم أن على الخير. حتى أن العبد إذا رزقه الله تعالى الجنة فقد أفلح. وأن الله تعالى لا يخدع عن جنته ولا يعطي بالأماني، وقد اشتد الشح وظهرت الأماني وتمنى المتمني في غروره.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن موهب بن عبد الله، قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إليه الحسن البصري كتاباً بدأ فيه بنفسه أما بعد؛ فإن الدنيا دار مخيفة، إنما أهبط آدم من الجنة إليها عقوبة، واعلم أن صرعتها ليست كالصرعة، من أكرمها يهن، ولها في كل حين قتيل، فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء خيفة طول البلاء والسلام.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: رحم الله رجلاً لبس خلقاً، وأكل كسرة، ولصق بالأرض، وبكى على الخطيئة، ودأب في العبادة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال: فضح الموت الدنيا فلم يترك فيها لذي لب فرحاً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن، يقول: إن أفسق الفاسقين الذي يركب كل كبيرة، ويسحب على ثيابه ويقول: ليس علي بأس، سيعلم أن الله تعالى ربما عجل العقوبة في الدنيا وربما أخرها ليوم الحساب.
стр. 660
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن في حلية الأولياء عن، عن علقمة بن مرثد، قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق أرسل إلى الحسن وإلى الشعبي فأمر لهما ببيت وكانا فيه شهراً أو نحوه ثم إن الخصى غدا عليهما ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر يتوكأ على عصا له فسلم ثم جلس معظماً لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك ينفذ كتباً أعرف في إنفاذها الهلكة فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله فهل تريا لي في متابعته إياه فرجاً ? فقال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير، فتكلم الشعبي فانحط في حبل ابن هبيرة، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد، فقال: أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت، قال: ما تقوله أنت يا أبا سعيد? فقال: أقول يا عمر بن هبيرة يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ لا يعصي الله ما أمره فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله . يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت فيغلق فيها باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناساً من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة أشد إدباراً من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمر بن هبيرة إني أخوفك مقاماً خوفكه الله تعالى فقال: ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.
стр. 661
يا عمر بن هبيرة إن تك مع الله تعالى في طاعاته كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله وكلك الله إليه، قال: فبكى عمر وقام بعبرته، فلما كان من الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزها وكثر منه ما للحسن، وكان في جائزته للشعبي بعض الإقتار فخرج الشعبي إلى المسجد، فقال: يا أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه فليفعل فوالذي نفسي بيده ما علم الحسن منه شيئاً فجهلته ولكن أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه؛ قال وقام المغيرة بن مخادش ذات يوم إلى الحسن، فقال: كيف نصنع بأقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال الحسن: والله لئن تصحب أقواماً خوفونك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى يلحقك الخوف، فقال له بعض القوم: أخبرنا صفة أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: فبكى وقال: ظهرت منهم علامات الخير في السيماء والسمت والهدى والصدق وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمأت هواجرهم، ونحلت أجسامهم واستحقوا بسخط المخلوقين رضى الخالق لم يفرطوا في غضب ولم يحيفوا في جور ولم يجاوزوا حكم الله تعالى في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين. حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن جعفر، قال: خرج الحسن من عند ابن هبيرة فإذا هو بالقراء على الباب، فقال: ما يجلسكم ها هنا تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء؟ أما والله ما مجالستهم بمجالسة الأبرار، تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم، قد لقحتم نعالكم وشمرتم ثيابكم وجززتم شعوركم فضحتم القراء فضحكم الله، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، لكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيما عندكم أبعد الله من أبعد.
стр. 662
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن البصري رحمه الله تعالى، قال: إنا لله عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار مخلدين، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، حوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياماً قصاراً تعقب راحة طويلة، أما الليل فمصافة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا، وأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، أو خولطوا وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: ابن آدم أصبحت بين مطيتين لا يعرجان بك خطر الليل والنهار حتى تقدم الآخرة؛ فأما إلى الجنة وأما إلى النار، فمن أعظم خطراً منك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: المؤمن من يعلم أن ما قال الله كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً وأشد الناس خوفاً لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين، ولا يزداد صلاحاً وبراً وعبادة إلا ازداد فرقاً، يقول: لا أنجو، والمنافق يقول: سواد الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس علي، فينسى العمل ويتمنى على الله تعالى.
стр. 663
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مسلمة بن جعفر، قال: سمعت أن الحسن كان يقول: لما بعث الله محمداً ﷺ يعرفون وجهه ويعرفون نسبه، قال: هذا نبي هذا خياري خذوا من سنته وسبيله، أما والله ما كان يغدي عليه بالجفان ولا يراح، ولا يغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجبة كان يجلس بالأرض ويوضع طعامه بالأرض ويلبس الغليظ ويركب الحمار ويردف خلفه وكان يلعق يده، وكان يقول الحسن: ما أكثر الراغبين عن سنة نبي الله ﷺ وما أكثر التاركين لها. ثم إن علوجاً فساقاً أكلة ربا وغلول، قد شغلهم ربي ومقتهم. زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا وساروا البيت وزخرفوها، ويقولون: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، ويذهبون بها إلى غير ما ذهب الله بها إليه، إنما جعل الله ذلك لأولياء الشيطان. الزينة ما ركب ظهره والطيبات ما جعل الله تعالى في بطونها فيعمد أحدهم إلى نعمة الله عليه فيجعلها ملاعب لبطنه وفرجه وظهره ولو شاء الله إذا أعطى العباد ما أعطاهم أباح ذلك لهم ولكن تعقبها بما يسمعون؛ فكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. فمن أخذ نعمة الله وطعمته أكل بها هنيئاً مريئاً ومن جعلها ملاعب لبطنه وفرجه على ظهره جعلها وبالاً يوم القيامة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن العوام بن حوشب، قال: سمعت الحسن يقول: من كانت له أربع خلال حرمه الله على النار، وأعاذه من الشيطان، من يملك نفسه عند الرغبة، والرهبة، وعند الشهوة، وعند الغضب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: أنه لما حضره الموت دخل عليه رجال من أصحابه فقالوا له: يا أبا سعيد زودنا منك كلمات تنفعنا بهن. قال: إني مزودكم ثلاث كلمات ثم قوموا عني ودعوني ولما توجهت له؛ ما نهيتم عنه من أمر فكونوا من أترك الناس له، وما أمرتم به من معروف فكونوا من أعمل الناس به، واعلموا أن خطاكم خطوتان خطوة لكم وخطوة عليكم فانظروا أين تغدون وأين تروحون.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، يقول: رحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس، ابن آدم إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك. ابن آدم وأنت المعني وإياك يراد.
стр. 664
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي جميع سالم، قال: سمعت الحسن، يقول: لقد أدركت أقواماً كانوا أأمر الناس بالمعروف وآخذهم به وأنهى الناس عن منكر وأتركهم له، ولق بقينا في أقوام أأمر الناس بالمعروف وأبعدهم منه وأنهى الناس عن المنكر وأوقعهم فيه، فكيف الحياة مع هؤلاء.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: فضل الفعال على المقال مكرمة، وفضل المقال على الفعال منقصة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: الرجاء والخوف مطيتا المؤمن.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عيسى بن عمر، قال: قال الحسن: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقرعوا النفوس فإنها خليعة وإنكم إن أطعمتموها تنزل بكم إلى شر غاية.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال: إن المؤمن قوام على نفسه بحساب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة، إن المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول: والله إن لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من وصلة إليك هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ما أردت إلى هذا مالي ولهذا والله مالي عذر بها ووالله لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله، إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى فكاك رقبته إلى يأمن شيئاً حتى يلقى الله ، يعلم أنه مأخوذ عليه من ذلك كله.
стр. 665
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال قال: يا ابن دم إذا رأيت الناس في خير فنافسهم فيه وإذا رأيتهم في هلكة فذرهم وما اختاروا لأنفسهم قد رأينا أقواماً آثروا عاجلتهم على عاقبتهم فذلوا وهلكوا وافتضحوا، يا ابن آدم إنما الحكم حكمان فمن حكم بحكم الله فإمام عدل ومن حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية، إنما الناس ثلاثة: مؤمن وكافر ومنافق؛ فأما المؤمن فعامل الله بطاعته، وأما الكافر فقد أذله الله كما قد رأيتم، وأما المنافق فههنا معنا في الحجر والطرق والأسواق نعوذ بالله والله ما عرفوا ربهم. اعتبروا إنكارهم ربهم بأعمالهم الخبيثة. وإن المؤمن لا يصبح إلا خائفاً وإن كان محسناً لا يصلحه إلا ذلك ولا يمسي إلا خائفاً وإن كان محسناً لأنه بين مخافتين بين ذنب قد مضى لا يدري ماذا يصنع الله تعالى فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من الهلكات. إن المؤمنين شهود الله في الأرض يعرضون أعمال بني آدم على كتاب الله فمن وافق كتاب الله حمد الله عليه وما خالف كتاب الله عرفوا أنه مخالف لكتاب الله وعرفوا بالقرآن ضلالة من ضل من الخلق.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن. قال: خصلتان من العبد إذا صلحتا صلح ما سواهما: الركون إلى الظلمة والطغيان في النعمة. قال الله : (وَلاَ تَرْكَنُوَاْ إِلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسّكُمُ النّارُ) [هود: ١١٣]. وقال الله : قال تعالى: (وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه: ٨١]
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن جويرية بن بشير، قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ) [النحل: ٩٠]. ثم وقف فقال: إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة؛ فوالله ما ترك العدل والإحسان شيئاً من طاعة الله إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه.
стр. 666
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن في قوله : (فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ * إِنّي ظَنَنتُ أَنّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ) [الحاقة - ١٩: ٢٠]. قال: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن فأساء العمل.
[*] روى الطبراني عن الحسن البصري أنه قال: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة. يقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة (الصحراء) من غير زاد ولا ماء أن يهلك.
[*] وجاءه رجل إلى الحسن البصري فقال له: إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء فقال له الحسن: هل تقوم الليل فقال: لا، فقال: كفاك أن حرمك الله مناجاته.
وكان يقول: من علامات المسلم قوة دين، وجزم في العمل وإيمان في يقين، وحكم في علم،
وحسن في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة (جوع) وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة.
لا ترديه رغبته ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يقلبه فرجه، ولا يميل به هواه،
ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نغيته.
[*] وقال له رجل: إن قوماً يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلاً (أي يتصيدون الأخطاء).
فقال: هون عليك يا هذا، فإني أطمعت نفسي في الجنان فطمعت، وأطعمتها في النجاة من النار، فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلاً، فإن الناس لم يرضوا عن خالقهم ورازقهم فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟
وسُئل الحسن عن النفاق فقال: هو اختلاف السر والعلانية، والمدخل والمخرج،
ما خافه إلا مؤمن (أي النفاق) ولا أمنة إلا منافق، صدق من قال: إن كلامه يشبه كلام الأنبياء.
(٥) زهد الحسن البصري رحمه الله تعالى:
стр. 667
عاش الحسن ﵁ دنياه غير آبه بها، غير مكترث لها، لا يشغله زخرفها ولا يغويه مالها، فكان نعم العبد الصالح، حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن، فقيهًا زاهدًا، مشمرًا عابدًا، وفي هذا يقول: إن المؤمن يصبح حزينًا ويمسي حزينًا وينقلب باليقين في الحزن، ويكفيه ما يكفي العنيزة، الكف من التمر والشربة من الماء، وقال عنه إبراهيم بن عيسى اليشكري: ما رأيت أحدًا أطول حزنًا من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، وقال عنه علقمة بن مرثد: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، فمنهم الحسن، ولقد شهد له أهل البصرة بذلك، حدث خالد بن صفوان، وكان من فصحاء العرب، فقال لقيت مسلمة بن عبد الملك فقال لي: أخبرني عن حسن البصرة، فقال خالد: أنا خيرٌ من يخبرك عنه بعلم، فأنا جاره في بيته وجليسه في مجلسه وأعلم أهل البصرة به، إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته، وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به، وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له، ولقد رأيته مستغنيًا عن الناس زاهدًا بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه طالبين ما عنده، فقال مسلمة: حسبك يا خالد حسبك كيف يضل قوم فيهم مثل هذا؟!!
وهاك بعض المواقف الدالة على عظيم زهد الحسن البصري رحمه الله تعالى، وتدل على أن الدنيا لا تخطر له ببال ولا تور له في خيال:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حميد الطويل، قال: خطب رجل إلى الحسن وكنت أنا السفير بينهما، قال: فكأن قد رضيه، فذهبت يوماً أثني عليه بين يديه، فقلت: يا أبا سعيد وأزيدك أن له خمسين ألف درهم، قال: له خمسون ألفاً ما اجتمعت من حلال، قلت: يا أبا سعيد إنه كما علمت ورع مسلم، قال: إن كان جمعها من حلال فقد ضم بها عن حق، لا والله لا جرى بيننا وبينه صهر أبداً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: أنه كان يتمثل بهذين البيتين أحدهما في أول النهار والآخر في آخر النهار:
يسر الفتى ما كان قدم من تقى ... إذا عرف الداء الذي هو قاتله
وما الدنيا بباقية لحي ... ولا حي على الدنيا بباق
стр. 668
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المبارك بن فضالة، قال: كان الحسن إذا تلا هذه الآية: (يَأَيّهَا النّاسُ إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلاَ يَغُرّنّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ) [فاطر: ٥]. قال: من قال ذا? قاله من خلقها وهو أعلم بها، قال: وقال الحسن: إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، يقول: بئس الرفيقان الدرهم والدينار، لا ينفعانك حتى يفارقانك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن، يقول: ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: لا تخالفوا الله عن أمره فإن خلافاً عن أمره عمران دار قضى الله عليها بالخراب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ضمرة عن ابن شودب، قال: لما مات الحجاج وولى سليمان فأقطع الناس الموات فجعل الناس يأخذون، فقال ابن الحسن لأبيه: لو أخذنا كما يأخذ الناس، فقال: اسكت ما يسرني أن لي ما بين الجسرين بزنبيل تراب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أشعث. قال: كنا إذا دخلنا على الحسن خرجنا ولا نعد الدنيا شيئاً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن مغول، قال: قال الحسن: غدا كل امرئ فيما يهمه، ومن مهم بشيء أكثر من ذكره، إنه لا عاجلة لمن لا آخرة له، ومن آثر دنياه على آخرته فلا دنيا له ولا آخرة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم ابن عيسى اليشكري، قال: سمعت الحسن إذا ذكر صاحب الدنيا يقول: والله ما بقيت له ولا بقي لها، ولا سلم من تبعها ولا شرها ولا حسابها، ولقد أخرج منها من خرق.
(٦) دعاء الحسن البصري على الظالم:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن عبد الرحمن بن علي بن زيد بن جدعان، قال: أخبرت الحسن بموت الحجاج فسجد، وقال: اللهم عقيرك وأنت قتلته فاقطع سنته وأرحنا من سنته وأعماله الخبيثة ودعا عليه.
رحم الله الإمام الحسن البصري فلقد توفي وعمره ٨٨ سنة عام عشر ومائة في شهر رجب.
стр. 669
(٧) الحسن البصري يصدع بكلمة الحق في وجه الحجاج:
لما كان الحسن ﵁ قد طلّق الدنيا برمتها، وقد رخصت في عينه، فقد هان عنده كل شيء، فلم يكن يعبأ بحاكم ظالم، ولا أمير غاشم، و لا ذي سلطة متكبر، بل ما كان يخشى في الله لومة لائم، ومن ذلك أن الحجاج كان قد بنى لنفسه قصرًا في " واسط " فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرجة عليه، وللدعاء له، فخرج الحسن، ولكن لا للدعاء، بل انتهازًا للفرصة حتى يذكر الناس بالله ويعظ الحجاج بالآخرة، فكان مما قال: ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض غروه، ولما حذره أحد السامعين من بطش الحجاج رد عليه الحسن قائلاً: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وفي اليوم التالي وجه الحجاج إلى الحسن بعض شرطه ثم أمر بالسيف والنطع ـ البساط من الجلد يوضع تحت المحكوم عليه بقطع الرأس ـ، فلما جاء الحسن أقبل على الحجاج وعليه عزة المسلم، وجلال المسلم، ووقار الداعية إلى الله، وأخذ يحرك شفتيه يدندن بكلام ويتمتم ببعض الحروف، فلما رآه الحجاج هابه أشد الهيبة، وما زال يقربه حتى أجلسه على فراشه، وأخذ يسأله في أمور الدين، ثم قال له: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم طيبه وودعه، فتعجب الناس من صنيع الحجاج فقالوا: يا أبا سعيد ماذا قلت حتى فعل الحجاج ما فعل؟ وقد كان أحضر السيف والنطع، فقال الحسن: لقد قلت: يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردًا وسلامًا علي كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.
(٨) نصح الحسن للولاة:
стр. 670
لما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟! فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية فقال ابن هبيرة ما تقول يا حسن فقال يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن سيرين سفسفنا له فسفسف لنا.
ودعاه يومًا ابن هبيرة، وكان يزيد بن عبد الملك قد ولي ابن هبيرة العراق وخراسان، وكان مع الحسن الشعبي، فسألهما ابن هبيرة في كتب تصل إليه من أمير المؤمنين فيها ما يغضب الله؛ فتكلم الشعبي فتلطف في الكلام، فلما تكلم الحسن زأر كالأسد، وانطلق كالسهم، وانقض كالسيف، قائلاً: يا ابن هبيرة: خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد، يا ابن هبيرة، إنك إن تك مع الله وفي طاعته، يكفك بائقة ـ أذى ـ يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوقٍ كائنًا من كان في معصية الخالق.
(٩) سعة علم الحسن البصري وأسبابها:
كان الحسن البصري ﵀ جامعًا، عالمًا، فقيهًا، ثقة، حجة مأمونًا فصيحًا، ويعد الحسن ﵁ سيد أهل زمانه علمًا وعملاً، وأشدهم فصاحة وبيانًا، وقد برع ﵀ في الوعظ والتفسير براعة لا تفاق، حتى كان فارس الميدان، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها:
أولاً: نشأته في بيت أم المؤمنين أم سلمة ﵂، فقد رضع من ثديها، كما رضع منها علمًا وفقهًا.
следующие страницы →