← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفيض بن إسحاق، قال: سمعت فضيلاً، يقول: والله لأن أكون هذا التراب أو هذا الحائط أحب إلى من أن أكون في مسلخ أفضل أهل الأرض اليوم، وما يسرني أن أعرف الأمر حق معرفته إذاً لطاش عقلي، ولو أن أهل السماء وأهل الأرض طلبوا أن يكونوا ترابا فشفعوا كانوا قد أعطوا عظيما، ولو أن جميع أهل الأرض من جن وأنس والطير الذي في الهواء، والوحش الذي في البر، والحيتان التي في البحر، علموا الذي يصيرون إليه ثم حزنوا لذلك وبكوا كنت موضع ذلك، فأنت تخاف الموت أو تعرف الموت، لو أخبرتني أنك تخاف الموت ما قبلت منك، ولو خفت الموت ما نفعك طعام ولا شراب ولا شيء في الدنيا، وقال: سأل داود ﵇ ربه أن يلقي الخوف في قلبه ففعل فلم يحتمله قلبه، وطاش عقله، حتى ما كان يفعل صلاة ولا ينتفع بشيء، فقال له: تحب أن ندعك كما أنت أو نردك إلى ما كنت عليه؟ قال: ردني، فرد الله إليه عقله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إسحاق بن إبراهيم الطبري، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: أنت تخاف الموت؟ لو قلت أنك تخاف الموت ما قبلت منك، ولو خفت الموت ما نفعك طعام أو شراب ولا شيء من الدنيا، ولو عرفت الموت حق معرفته ما تزوجت ولا طلبت الولد، وقال الفضيل: ما يسرني أن أعرف هذا الأمر حق معرفته، إذا لطاش عقلبي، ولم أنتفع بشيء.

стр. 877

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إسحاق بن إبراهيم، قال: قال رجل للفضيل: كيف أصبحت يا أبا علي؟ فكان يثقل عليه كيف أصبحت وكيف أمسيت، فقال: في عافية، فقال: كيف حالك؟ فقال: عن أي حال تسأل؟ عن حال الدنيا أو حال الآخرة؟ إن كنت تسأل عن حال الدنيا فإن الدنيا قد مالت بنا وذهبت بنا كل مذهب، وإن كنت تسأل عن حال الآخرة فكيف ترى حال من كثرت ذنوبه، وضعف عمله وفنى عمره، و لم يتزود لمعاده، ولم يتأهب للموت، و لم يخضع للموت، و لم يتشمر للموت، ولم يتزين للموت، وتزين للدنيا، هيه. وقعد يحدث يعني نفسه واجتمعوا حولك يكتبون عنك، بخ فقد تفرغت للحديث، ثم قال: هاه وتنفس طويلا؟ ً ويحك أنت تحسن تحدث، أو أنت أهل أن يحمل عنك، استحيى يا أحمق بين الحمقان، لولا قلة حيائك وسفاهة وجهك ما جلست تحدث وأنت أنت، أما تعرف نفسك؟ أما تذكر ما كنت، وكيف كنت؟ أما لو عرفوك ما جلسوا إليك، ولا كتبوا عنك، ولا سمعوا منك شيئاً أبداً، فيأخذ في مثل هذا، ثم يقول: ويحك أما تذكر الموت؟ أما للموت في قلبك موضع؟ أما تدري متى تؤخذ فيرمي بك في الآخرة فتصير في القبر وضيقه ووحشته، أما رأيت قبرا قط؟ أما رأيت حين دفنوه؟ أما رأيت كيف سلوه في حفرته وهالوا عليه التراب والحجارة، ثم قال ما ينبغي لك أن تتكلم بفمك كله يعني نفسه تدري من تكلم بفمه كله، عمر بن الخطاب كان يطعمهم الطيب ويأكل الغليظ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن، وكان يعطيهم حقوقهم ويزيدهم، أعطي رجلا عطاءه أربعة آلاف درهم وزاده الفاً، فقيل له: ألا تزيد أخاك وكما زدت هذا؟ قال: إن أبا هذا ثبت يوم أحد ولم يثبت أبو هذا.

стр. 878

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إسحاق بن إبراهيم، قال: ما رأيت أحداً أخوف على نفسه ولا أرجى للناس من الفضيل، كانت قراءته حزينة شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنساناً، وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة تردد فيها، وسأل، وكانت صلاته بالليل أكثر ذلك قاعداً، تلقى له حصير في مسجده فيصلي من أول الليل ساعة حتى تغلبه عينه، فيلقى نفسه على الحصير فينام قليلاً، ثم يقوم فإذا غلبه النوم نام ثم يقوم هكذا حتى يصبح، وكان دأبه إذا نعس أن ينام ويقال أشد العبادة ما يكون هكذا، وكان صحيح الحديث صدوق اللسان شديد الهيبة للحديث، إذا حدث، وكان يثقل عليه الحديث جداً، ربما قال لي: لو أنك تطلب مني الدراهم كان أحب إلي من أن تطلب مني الأحاديث، وسمعته يقول: لو طلبت مني الدنانير كان أيسر علي من أن تطلب مني الحديث، فقلت له: لو حدثتني بأحاديث فوائد ليست عندي كان أحب إلي من أن تهب لي عددها دنانير، قال: إنك مفتون، أما والله لو عملت بما سمعت من سليمان بن مهران يقول: إذا كان بين يديك طعام تأكله فتأخذ اللقمة فترمي بها خلف ظهرك كلما أخذت لقمة رميت بها خلف ظهرك متى تشبع. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: لا تجعل الرجال أوصياءك، كيف تلومهم أن يضيعوا وصيتك وأنت قد ضيعتها في حياتك، وأنت بعد هذا تصير إلى بيت الوحشة وبيت الظلمة، وبيت الدود، ويكون زائرك فيها منكراً ونكيراً وقبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ثم بكى الفضيل وقال: أعاذنا الله وإياكم من النار. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: لم تر أقر عينا ممن خرج من شدة إلى رخاء، ويقدم على خير مقدم، وينزل على خير منزل، فإذا رأى ما يرى من الكرامة، يقول: لو علمت ما سألتك إلا الموت، و لم تر يوم القيامة أقر عيناً ممن خرج من الضيق والشدة والجوع والعطش، ثم نزل على الجنة، يقال لهم: ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون، ولم تر يومئذ أسخن عينا ممن خرج من الروح والسعة والرخاء والنعمة، ثم نزل على النار بقول الله: (ادْخُلُوَاْ أَبْوَابَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ) [الزمر:٧٢،غافر:٧٦]

стр. 879

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: وعزته لو أدخلني النار فصرت فيها ما أيست. ووقفت مع الفضيل بعرفات فلم أسمع من دعائه شيئا إلا أنه واضعاً يده اليمنى على خده وواضعا رأسه يبكي بكاء خفياً، فلم يزل كذلك حتى أفاض الإمام فرفع رأسه إلى السماء، فقال: واسوأتاه والله منك إن عفوت. ثلاث مرات. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: المؤمن في الدنيا مغموم يتزود ليوم معاده، قليل فرحه، ثم بكى. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: صبر قليل ونعيم طويل، وعجلة قليلة، وندامة طويلة، رحم الله عبداً أخمد ذكره، وبكى على خطيئته قبل أن يرتهن بعمله. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة من عمل بما علم استغنى عما لا يعلم ومن عمل بما علم وفقه الله لما لا يعلم ومن ساء خلقه شان دينه وحسبه ومروءته وسمعته يقول أكذب الناس العائد في ذنبه وأجهل الناس المدل بحسناته وأعلم الناس بالله أخوفهم منه لن يكمل عبد حتى يؤثر دينه على شهوته ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: لو خيرت بين أن أعيش كلبا وأموت كلبا ولا أرى يوم القيامة لاخترت ذلك. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن وقال فيض بن إسحاق سمعت الفضيل يقول والله لأن أكون ترابا أحب إلي من أن أكون في مسلاخ أفضل أهل الأرض وما يسرني أن أعرف الأمر حق معرفته إذا لطاش عقلي. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري سمعت الفضيل يقول لو قلت إنك تخاف الموت ما قبلت منك لو خفت الموت ما نفعك طعام ولا شراب ولا شيء ما يسرني أن أعرف الأمر حق معرفته إذا لطاش عقلي ولم أنتفع بشيء.

стр. 880

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يحيى بن أيوب قال: دخلت مع زافر بن سليمان على الفضيل بن عياض فإذا معه شيخ فدخل زافر وأقعدني على الباب قال زافر فجعل الفضيل ينظر إلي ثم قال هؤلاء المحدثون يعجبهم قرب الإسناد ألا أخبرك بإسناد لا شك فيه رسول الله عن جبريل عن الله " (نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ) [التحريم: ٦] " فأنا وأنت يا أبا سليمان من الناس ثم غشي عليه وعلى الشيخ وجعل زافر ينظر اليهما ثم خرج الفضيل وقمنا والشيخ مغشي عليه. (٣) تواضع الفضيل بن عياض وإيثاره للخمول: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: كان يقال كن شاهداً لغائب ولا تكن غائباً لشاهد، قال: كأنه يقول: إذا كنت في جماعة الناس فأخف شخصك وأحضر قلبك وسمعك، وعما تسمع، فهذا شاهد لغائب، ولا تكن غائباً لشاهد، قال: كأنه يقول: تحضر المجالس بيديك وسمعك وقلبك لاه ساه، قال: وسمعت الفضيل يقول: عامة الزهد في الناس- يعني إذا لم يحب ثناء الناس عليه ولم يبال بمذمتهم-وسمعته يقول: إن قدرت أن لا تعرف فافعل وما عليك أن لم يثن عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله محموداً، وسمعته يقول: من أحب أن يذكر لم يذكر ومن كره أن يذكر ذكر. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: صبر قليل ونعيم طويل، وعجلة قليلة، وندامة طويلة، رحم الله عبداً أخمد ذكره، وبكى على خطيئته قبل أن يرتهن بعمله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: حيث ما كنت فكن ذَنَبَاً ولا تكن رأسا، فإن الرأس تهلك والذَنَبَ ينجو. (٤) عظيم قول الفضيل بن عياض في الخوف والرجاء: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: الخوف أفضل من الرجاء مادام الرجل صحيحاً، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف يقول: إذا كان في صحته محسناً عظم رجاؤه عند الموت، وحسن ظنه. إذا كان في صحته مسيئاً ساء ظنه عند الموت ولم يعظم رجاؤه. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الخوف أفضل من الرجاء مادام الرجل صحيحا فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل.

стр. 881

قال الذهبي رحمه الله تعالى: قلت وذلك لقوله ﷺ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله. (٥) زهد الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ولد الفضيل بن عياض في أرض خراسان ثم رحل إلى الكوفة في العراق، فسمع الأحاديث النبوية الشريفة والفقه من العلماء؛ أمثال الأعمش ويحيي بن سعيد الأنصاري وجعفر الصادق فأثرت تأثيرًا كبيرًا في شخصيته، حتى أصبح من الزهاد الذين يرون أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولا تستحق أن يتكالب الناس عليها، ويتصارعون من أجلها، فهي فانية زائلة، بل الأولى أن يعمل الناس لأخراهم، فهي الباقية الدائمة بفعل الخير، وتجنب المعاصي، ثم انتقل إلى مكة وأقام بها حتى توفي، وكان إذا خرج في جنازة مع الناس، يعظهم ويذكرهم بالآخرة، حتى إذا وصل إلى المقبرة، جلس في حزن شديد، وظل يبكي ولا ينقطع بكاؤه. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: لو أن الدنيا بحذافيرها عَرِضَتْ عليّ حلالا لا أحاسبُ بها في الآخرة لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: أكذب الناس المدل بحسناته، وأعلم الناس به أخونهم له. وسمعته يقول: إن رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وإن زهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: قيل: يا ابن آدم اجعل الدنيا داراً تبلغك لأثقالك، واجعل نزولك فيها استراحة لا تحبسك كالهارب من عدوه، والمتسرع إلى أهله في طريق مخوف لا يجد مسالماً يقدم فيه من الراحة، متبذلا في سفره ليستبقى صالح ما عنده لإقامته، فإن عجزت أن تكون كذلك في العمل فليكن ذلك هو الأمل، وإياك أن تكون لصاً من لصوص تلك الطريق ممن: (يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [الأنعام: ٢٦]. فإن العين ما لم يكن بصرها من القلب فكأنما أبصرت سهواً، و لم تبصره، وإن آية العمى إذا أردت أن تعرف بذلك نفسك أو غيرك، فإنها لا تقف عن الهلكة، ولا تمضيه في الرغبة فذلك أعمى القلب، وإن كان بصير النظر، فإذا العاقل أخرج عقله فهو يدبر له أمره، ومن تدبر الكتاب تمضيه الرغبة وترده الرهبة، فذلك البصير، وإن كان أعمى البصر.

стр. 882

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: ليست الدار دار إقامة، وإنما أهبط آدم إليها عقوبة، ألا ترى كيف يزويها عنه ويمرر عليه بالجوع مرة وبالعرى مرة وبالحاجة مرة؟ كما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها، تسقيه مرة حضيضا ومرة صبرا وإنما تريد بذلك ما هو خير له، [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: لا يسلم لك قلبك حتى لا تبالي من كل الدنيا، وقيل للفضيل: ما الزهد في الدنيا؟ قال: القنع وهو الغنى، وقيل: ما الورع؟ قال: اجتناب المحارم. وسئل ما العبادة؟ قال: أداء الفرائض. وسئل عن التواضع قال: أن تخضع للحق، وقال: أشد الورع في اللسان، وقال: التعبير كله باللسان لا بالعمل. وقال: جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا. وقال: قال الله : إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني.

стр. 883

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفيض بن إسحاق: اشتريت دارا وكتبت كتابا وأشهدت عدولا فبلغ ذلك الفضيل بن عياض فأرسل إلي يدعوني فلم أذهب، ثم أرسل إلي فمررت إليه، فلما رآني قال: يا ابن يزيد بلغني إنك اشتريت دارا وكتبت كتابا وأشهدت عدولا، قلت: قد كان ذلك، قال: فإنه يأتيك من لا ينظر في كتابك ولا يسأل عن بينتك حتى يخرجك منها شاخصا، يسلمك إلى قبرك خالصاً، فانظر أن لا تكون اشتريت هذه الدار من غير مالك، أو ورثت مالا من غير حله، فتكون قد خسرت الدنيا والآخرة، ولو كنت حين اشتريت كتبت على هذه النسخة: هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت قد أزعج بالرحيل، اشترى منه دارا تعرف بدار الغرور، حد منها في زقاق الفناء إلى عسكر الهالكين، ويجمع هذه الدار حدود أربعة: الحد الأول ينتهي منها إلى دواعي العاهات، والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات، والحد الثالث ينتهي منها إلى دواعي الآفات، والحد الرابع ينتهي إلى الهوى المردى، والشيطان المغوي، وفيه يشرع باب هذه الدار على الخروج من عز الطاعة إلى الدخول في ذل الطلب، فما أدركك في هذه الدار فعلى مبلبل أجسام الملوك، وسالب نفوس الجبابرة، ومزيل ملك الفراعنة، مثل كسرى وقيصر، وتبع وحمير، ومن جمع المال فأكثر، واتحد ونظر بزعمه الولد، ومن بني وشيد وزخرف، وأشخصهم إلى موقف العرض إذا نصب الله كرسيه لفصل القضاء، وخسر هنالك المبطلون، يشهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى، ونظر بالعينين إلى زوال الدنيا، وسمع صارخ الزهد عن عرصاتها، ما أبين الحق لذي عينين، إن الرحيل أحد اليومين، فبادروا بصالح الأعمال فقد دنا النقلة والزوال. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول في مرضه الذي مات فيه: ارحمني بحبي إياك، فليس شيء أحب إلي منك، قال: وسمعته وهو يشتكي يقول: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. قال: وسمعت الفضيل كثيرا يقول: ارحمني فإنك بي عالم. ولا تعذبني فإنك علي قادر. وسمعته يقول: اللهم زهدنا في الدنيا فإنه صلاح قلوبنا وأعمالنا وجميع طلباتنا ونجاح حاجاتنا. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: ليست الدنيا دار إقامة وإنما آدم هبط إليها عقوبة ألا ترى كيف يزويها عنه ويمررها عليه بالجوع بالعري بالحاجة كما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها تسقيه مرة حضضا ومرة صبرا وإنما بذلك ما هو خير له.

стр. 884

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: حرام على قلوبكم أن تصيب حلاوة الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا. (٦) تعريف الفضيل بن عياض للتواضع ﵀: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض وسُئِلَ: ما التواضع؟ قال: أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته منه، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه. وسألته: ما الصبر على المصيبة؟ قال: أن لا تبث. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: لا يسلم لك قلبك حتى لا تبالي من أكل الدنيا وقيل له ما الزهد قال القنوع قيل ما الورع قال اجتناب المحارم قيل ما العبادة قال أداء الفرائض قيل ما التواضع قال أن تخضع للحق وقال أشد الورع في اللسان قلت هكذا هو فقد ترى الرجل ورعا في مأكله وملبسه ومعاملته وإذا تحدث يدخل عليه الداخل من حديثه فإما أن يتحرى الصدق فلا يكمل الصدق وإما أن يصدق فينمق حديثه ليمدح على الفصاحة وإما أن يظهر أحسن ما عنده ليعظم وإما أن يسكت في موضع الكلام ليثني عليه ودواء ذلك كله الانقطاع عن الناس إلا من الجماعة. (٧) دعوة الفضيل بن عياض لفضول المخالطة ﵀: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: إذا خالطت فخالط حسن الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه في راحة، ولا تخالط سيىء الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى شر وصاحبه منه في عناء. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: إني لأسمع صوت حلقة الباب فأكره ذلك قريباً كان أم بعيداً، ولوددت أنه طار في الناس أني قدمت حتى لا أسمع له بذكر، ولا يسمع لي بذكر، وإني لأسمع صوت أصحاب الحديث فيأخذني البول فرقاً منهم. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله الحذاء يقول: وقفنا للفضيل بن عياض على باب المسجد الحرام ونحن شبان علينا الصوف، فخرج علينا، فلما رآنا، قال: وددت أني لم أركم و لم تروني، أتروني سلمت منكم أن أكون ترسا لكم حيث رأيتكم وتراءيتم لي، لأن أحلف عشراً إني مرائي وإني مخادع أحب إلي من أن أحلف واحدة أنى لست كذلك.

стр. 885

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن الحسن قال بلغ الفضيل أن حريزا يريد أن يأتيه فأقفل الباب من خارج فجاء فرأى الباب مقفلا فرجع فأتيته فقلت له حريز قال ما يصنع بي يظهر لي محاسن كلامه وأظهر له محاسن كلامي فلا يتزين لي ولا أتزين له خير له ثم قال علي: ما رأيت أنصح للمسلمين ولا أخوف منه ولقد رأيته في المنام قائما على صندوق يعطي المصاحف والناس حوله فيهم سفيان بن عيينة وهارون أمير المؤمنين فما رأيته يودع أحدا فيقدر أن يتم وداعه. (٨) دعوة الفضيل بن عياض لقلة الكلام ﵀: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: المؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل، كلام المؤمن حكم، وصمته تفكر، ونظره عبرة، وعمله بر، وإذا كنت كذا لم تزل في عبادة. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: إن استطعت أن لا تكون محدثا ولا قارئا ولا متكلما إن كنت بليغا قالوا ما أبلغه وأحسن حديثه وأحسن صوته فيعجبك ذلك فتنتفخ وإن لم تكن بليغا ولا حسن الصوت قالوا ليس يحسن يحدث وليس صوته بحسن أحزنك ذلك وشق عليك فتكون مرائيا وإذا جلست فتكلمت فلم تبال من ذمك ومن مدحك فتكلم. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: خصلتان تقسيان القلب كثرة الكلام وكثرة الأكل. (٩) دعوة الفضيل بن عياض لقلة الضحك ﵀: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن: فضيل بن عياض قال: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه، فاغلق دونك أبواب المغفرة وأنت تضحك، كيف ترى أن يكون حالك؟ [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي علي الرازي، قال: صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي فقلت له في ذلك فقال: إن الله أحب أمراً فأحببت ما أحب الله. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن فضيل ورأى قوما من أصحاب الحديث يمرحون ويضحكون فناداهم مهلا يا ورثة الأنبياء مهلا ثلاثا إنكم أئمة يقتدى بكم. (١٠) تعظيم الفضيل بن عياض لفرائض الله تعالى:

стр. 886

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: لن يتقرب العباد إلى الله بشيء أفضل من الفرائض، الفرائض رءوس الأموال والنوافل الأرباح. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: يا سفيه ما أجهلك ألا ترضى أن تقول أنا مؤمن حتى تقول أنا مستكمل الإيمان؟ لا والله لا يستكمل العبد الإيمان حتى يؤدي ما افترض الله تعالى عليه، ويجتنب ما حرم الله تعالى عليه، ويرضى بما قسم الله تعالى له، ثم يخاف مع ذلك أن لايتقبل منه. (١١) تواضع الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: كان الفضيل رحمه الله تعالى شديد التواضع، يشعر دائمًا بأنه مقصر في حق الله، رغم كثرة صلاته وعبادته. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي فقلت له: إن كنت تظن أنه بقى على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن. (١٢) دعوة الفضيل بن عياض لسلامة الصدر: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: يكون شغلك في نفسك ولا يكون شغلك في غيرك، فمن كان شغله في غيره فقد مكر به، وقال الفضيل: لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للأمة. (١٣) منابذة الفضيل بن عياض لأهل البدع: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: إذا رأيت مبتدعا في طريق فخذ في طريق آخر، وقال الفضيل: لا يرتفع لصاحب بدعة إلى الله عمل. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: من أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام.

стр. 887

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: لأن آكل عند اليهودي والنصراني أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة، فإني إذا أكلت عندهما لا يقتدى بي، وإذا أكلت عند صاحب بدعة اقتدى بي الناس، أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد، وعمل قليل في سنة خير من عمل صاحب بدعة، ومن جلسى مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، ومن جلس إلى صاحب بدعة فاحذره، وصاحب بدعة لا تأمنه على دينك ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه فمن جلس إليه ورثه الله العمى، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له وإن قل عمله، فإني أرجو له، لأن صاحب السنة يعرض كل خير، وصاحب البدعة لا يرتفع له إلى الله عمل، وإن كثر عمله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: إن الله وملائكتة يطلبون حلق الذكر، فأنظر مع من يكون مجلسك، لا يكون مع صاحب بدعة، فإن الله تعالى لا ينظر إليهم، وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة. وأدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة وهم ينهون عن أصحاب البدعة. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه، لا يرتفع لصاحب بدعة إلى الله عمل، نظر المؤمن إلى المؤمن يجلو القلب ونظر الرجل إلى صاحب بدعة يورث العمى، من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة. (١٤) نُصْحُ الفضيل بن عياض للولاة: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: لما دخل على هارون أمير المؤمنين قال: أيكم هو؟ قال: فأشاروا إلى أمير المؤمنين، فقال: أنت هو يا حسن الوجه؟ لقد وليت أمراً عظيماً إني ما رأيت أحدا هو أحسن وجها منك، فإن قدرت أن لا تسود هذا الوجه بلفحة من النار فافعل، فقال لي: عظني، فقلت: ماذا أعظك، هذا كتاب الله تعافى بين الدفتين، انظر ماذا عمل بمن أطاعه، وماذا عمل بمن عصاه. وقال: إنى رأيت الناس يغوصون على النار غوصا شديدا، ويطلبونها طلبا حثيثا، أما والله لو طلبوا الجنة بمثلها أو أيسر لنالوها، فقال: عد إلي، فقال: لو لم تبعث إلي لم آتك، وإن انتفعت بما سمعت مني عدت إليك.

стр. 888

[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضل بن الربيع ـ وزير هارون الرشيد ـ، قال: حج أمير المؤمنين فاتأني فخرجت مسرعاً، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء فأنظر لي رجلاً أسأله، فقلت: هاهنا سفيان بن عيينة، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا الباب، فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعاً، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: خذ لما جئناك له رحمك الله، فحدثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ فقال: نعم، قال: أبا عباس اقض دينه، فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، أنظر لي رجلا أسأله، قلت: هاهنا عبد الرزاق بن همام، قال: امض بنا إليه، فاتيناه فقرعنا الباب فخرج مسرعاً فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: خذ لما جئناك له، فحادثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم قال: أبا عباس اقض دينه. فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، أنظر لي رجلاً أسأله، قلت: هاهنا الفضيل بن عياض قال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها، فقال: اقرع الباب، فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: مالي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله، أما عليك طاعة؟ أليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ليس للمؤمن بذل نفسه فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه، فقال: يا لها من كف، ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله .

стр. 889

فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلامٍ تقي من قلبٍ نقي، فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله، فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي، فَعَدَّ الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من الله فصم الدنيا وليكن إفطارك منها الموت، وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المؤمنين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولدا، فوقر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك، وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت، وإني أقول لك فإني أخاف عليك أشد الخوف يوماً تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله مثل هذا؟ أومن يشيرعليك بمثل هذا فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشى عليه، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابن الربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟ ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكى إليه فكتب إليه عمر: يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون أخر العهد وانقطاع الرجاء، قال: فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله ، قال: فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى ﷺ جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أمِّرْنِّي على إمارة، قال له النبي ﷺ : إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميراً فافعل. فبكى هارون بكاء شديداً، فقال له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار، فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي ﷺ قال: من أصبح لهم غاشاً لم يرح رائحة الجنة. فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال: نعم دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم اللهم حجتي.

стр. 890

قال: إنما أعني من دين العباد، قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره، فقال جل وعز (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنّ اللّهَ هُوَ الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات ٥٦: ٥٨]. فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادتك، فقال: سبحان ا لله أنا أدلك على طريق النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك. ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال هارون: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين، فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: ياهذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به؟ فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه. فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى أن يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله، فانصرفنا. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: لما قدم هارون الرشيد إلى مكة قعد في الحجر هو وولده وقوم من الهاشمين وأحضروا المشايخ فبعثوا إلي فأردت أن لا أذهب فاستشرت جاري فقال اذهب لعله يريد أن تعظه فدخلت المسجد فلما صرت إلى الحجر قلت لأدناهم أيكم أمير المؤمنين فأشار إليه فقلت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فرد علي وقال اقعد ثم قال إنما دعوناك لتحدثنا بشيء وتعظنا فأقبلت عليه فقلت يا حسن الوجه حساب الخلق كلهم عليك فجعل يبكي ويشهق فرددت عليه وهو يبكي حتى جاء الخادم فحملوني وأخرجوني وقال اذهب بسلام. [*] أورد ابن خلكان في وفيات العيان أن الرشيد قال للفضيل يوما: ما أزهدك! فقال الفضيل: أنت أزهد مني, قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني أزهد في الدنيا وأنت تزهد في الآخرة والدنيا فانية والآخرة باقية. (١٥) دعوة الفضيل بن عياض للدعاء للإمام ﵀:

стр. 891

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: لو أن لي دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في الإمام، قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى ما صيرتها في نفسي لم تجزني، ومتى صيرتها في الإمام فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد، قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ فسر لنا هذا، قال: أما صلاح البلاد فإذا أمن الناس ظلم الإمام عمروا الخرابات ونزلوا الأرض، وأما العباد فينظر إلى قوم من أهل الجهل فيقول: قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفعهم من تعلم القرآن وغيره فيجمعهم في دار خمسين خمسين أقل أو أكثر، يقول للرجل: لك ما يصلحك، وعلم هؤلاء أمر دينهم، وأنظر ما أخرج الله وعز وجل من فيهم مما يزكي الأرض فرده عليهم. قال: فكان صلاح العباد والبلاد، فقبل ابن المبارك جبهته وقال: يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في إمام فصلاح الإمام صلاح البلاد والعباد. (١٦) من دُررِ مواعظ الفضيل بن عياض ﵀: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: ما تزين الناس يشيء أفضل من الصدق، والله يسأل الصادقين عن صدقهم، منهم عيسى بن مريم ﵇، كيف بالكذابين المساكين، ثم بكى وقال: أتدرون في أي يوم يسأل الله عيسى ابن مريم ﵇؟ يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين آدم فمن دونه، ثم قال: وكم من قبيح تكشفه القيامة غداً. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: أدركت أقواماً يستحيون من الله سواد الليل، من طول الهجعة، إنما هو على الجنب، فإذا تحرك قال: ليس هذا لك، قومي خذي حظك من الآخرة. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل ابن عياض في المسجد الحرام يقول: أصلح ما أكون أفقر ما أكون، وأني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن محمد الهباري يقول: اعتل فضيل بن عياض فاحتبس عليه البول، فقال: بحبي إياك لما أطلقته، قال: فبال.

стр. 892

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: لا حج ولا جهاد ولا رباط أشد من حبس اللسان، لو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في غم شديد، وسجن اللسان سجن المؤمن، وليس أحد أشد غما ممن سجن لسانه. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: إنما يهابك الخلق على قدر هيبتك لله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن حيان المصري، قال: قيل للفضيل بن عياض: يا أبا علي ما بال الميت ينزع نفسه وهو ساكت، وابن آدم يضطرب من القرصة؟ قال: إن الملائكة توثقه ثم قرأ: (تَوَفّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ) [الأنعام: ٦١] [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل ابن عياض أن رجلاً سأله فقال: يا أبا علي متى يبلغ الرجل غايته من حب الله تعالى؟ فقال له الفضيل: إذا كان عطاؤه ومنعه إياك عندك سواء، فقد بلغت الغاية من حبه. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: ليس من عبد إلا وفيه ثلاث خصال، أما اثنتان يسترهما وأما الثالثة فلا يقوى، قيل: كيف ذاك يا أبا علي؟ قال: يظهر الرجل حسن الخلق في الخيرات، وليس بحسن الخلق، ويظهر السخاء وليس بسخى، ولكن الثالثة عقل الرجل عند المحاورة، إن كان له عقل عرفته لا يقدر يتصنع. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: إذا أحب الله عبدا أكثر غمه، وإذا أبغض الله عبداً أوسع عليه دنياه. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: ليس من عبد أعطى شيئاً من الدنيا إلا كان نقصاناً له من الدرجات في الجنة، وإن كان على الله كريماً. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: عاملوا الله بالصدق في السر، فإن الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبداً أسكن محبته في قلوب العباد. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: من خاف الله تعالى لم يضره شيء ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد. وسألله عبد الله بن مالك، فقال: يا أبا علي ما الخلاص مما نحن فيه؟ فقال له: أخبرني من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟ قال: لا، قال: فمن عصى الله هل تنفعه طاعة أحد؟ قال: لا، قال: فهو الخلاص إن أردت الخلاص.

стр. 893

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شعيب بن حرب، قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يمد ثوبي من خلفي فالتفت فإذا بفضيل بن عياض، فقال: لو شفع في وفيك أهل السماء كنا أهلاً أن لا يشفع فينا، قال شعيب: ولم أكن رأيته قبل ذلك بسنة، قال: فكسرني وتمنيت أني لم أكن رأيته. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: ما أغبط ملكا مقرباً، ولا نبيا مرسلا، يعاين القيامة وأهوالها، وما أغبط إلا من لم يكن شيئاً. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: تريد الجنة مع النبيين والصديقين، وتريد أن تقف الموقف مع نوح وإبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام، بأي عمل؟ وأي شهوة تركتها لله ، وأي قريب باعدته في الله، وأي بعيد قربته في الله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: لا يترك الشيطان الإنسان حتى يحتال له بكل وجه، فيستخرج منه ما يخبر به من عمله، لعله يكون كثير الطواف فيقول: ما كان أجلي الطواف الليلة، أو يكون صائما فيقول ما أثقل السحور أو ما أشد العطش، فإن استطعت أن لا تكون محدثاً ولا متكلماً ولا قارئاً، وإن كنت بليغاً، قالوا: ما أبلغه وأحسن حديثه وأحسن صوته، فيعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغا ولا حسن الصوت قالوا ليس يحسن يحدث وليس صوته بحسن أحزنك وشق عليك، فتكون مرائيا، وإذا جلست فتكلمت ولم تبال من ذمك ومن مدحك من الله فتكلم.

стр. 894

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: إنما هما عالمان عالم دنيا وعالم آخرة، فعالم الدنيا علمه منشور، وعالم الآخرة علمه مستور، فاتبعوا عالم الآخرة واحذروا عالم الدنيا، لا يصدكم بسكره، ثم تلا هذه الآية: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّ كَثِيراً مّنَ الأحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ [التوبة: ٣٤]. الآية. تفسير الأحبار العلماء، والرهبان العباد، ثم قال الفضيل: إن كثيراً من علمائكم زيه أشبه بزي كسرى وقيصر منه لمحمد ﷺ ، إن محمداً لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، لكن رفع له علم فسموا إليه، قال: وسمعت الفضيل يقول: العلماء كثيرون والحكماء قليلون، وإنما يراد من العلم الحكمة، فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وقال: لو كان مع علمائنا صبر ما غدوا لأبواب هؤلاء، يعني الملوك. وسمعت رجلاً يقول للفضيل: العلماء ورثة الأنبياء، فقال الفضيل: الحكماء ورثة الأنبياء. وقال رجل للفضيل: العلماء كثير، فقال الفضيل: الحكماء قليل، وسمعت الفضيل يقول: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى الخلق حاجة، لا إلى الخلفاء فمن دونهم، وينبغي أن يكون حوايج الخلق إليه. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: ما من ليلة اختلط ظلامها وأرخى الليل سربال سترها إلا نادى الجليل ﷻ : من أعظم مني جوداً، والخلائق عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا، من بيني وبينهم أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسىء، من ذا الذي دعاني فلم أسمع إليه؟ أو من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أم من ذا الذي أناخ ببابي ونحيته، أنا الفضل ومني الفضل، أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أن أغفر للعاصي بعد المعاصي، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني تهرب الخلائق، وأين عن بابي يتنحى العاصون؟ [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة وحتى لا يبالي من أكل الدنيا، وحتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله .

стр. 895

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: الغبطة من الإيمان، والحسد من النفاق، والمؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط، والمؤمن يستر ويعظ وينصح، والفاجر يهتك ويعير ويفشي. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: لأن يدنو الرجل من جيفة منتنة خير له من أن يدنو إلى هؤلاء ـ يعني السلطان ـ وسمعته يقول: رجل لا يخالط هؤلاء ولا يزيد على المكتوبة أفضل عندنا من رجل يقوم الليل ويصوم النهار ويحج ويعتمر ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: إن الله تعالى يقسم المحبة كما يقسم الرزق وكل ذا من الله تعالى، وإياكم والحسد، فإنه ليس له دواء، من عامل الله بالصدق أورثه الله الحكمة. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: حزن الدنيا يذهب بِهَمِ الآخرة، وفرح الدنيا للدنيا يذهب بحلاوة العبادة. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: كفى بالله محباً وبالقرآن مؤنساً وبالموت واعظاً وبخشية الله علما وبالاغترار جهلا. (١٧) دعوة الفضيل بن عياض لتحري الحلال: [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الصمد بن يزيد مردويه قال: سمعت الفضيل يقول لم يتزين الناس بشيء أفضل من الصدق وطلب الحلال فقال ابنه علي يا أبة إن الحلال عزيز قال يا بني وإن قليله عند الله كثير. (١٨) دعوة الفضيل بن عياض للخوف من الله وحده: [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سري بن المغلس قال: سمعت الفضيل يقول من خاف الله لم يضره أحد ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد. (١٩) تحذير الفضيل بن عياض من إيذاء المسلمين. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: والله ما يحل لك أن تؤذي كلباً ولا خنزيرا بغير حق فكيف تؤذي مسلما.

стр. 896

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن فضيل قال: لا يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوه. (٢٠) دعوة الفضيل بن عياض للتحري في السماع من العالم الرباني: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: إنما هما عالمان عالم دنيا وعالم آخرة، فعالم الدنيا علمه منشور، وعالم الآخرة علمه مستور، فاتبعوا عالم الآخرة واحذروا عالم الدنيا، لا يصدكم بسكره، ثم تلا هذه الآية: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّ كَثِيراً مّنَ الأحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ [التوبة: ٣٤]. الآية. تفسير الأحبار العلماء، والرهبان العباد، ثم قال الفضيل: إن كثيراً من علمائكم زيه أشبه بزي كسرى وقيصر منه لمحمد ﷺ ، إن محمداً لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، لكن رفع له علم فسموا إليه، قال: وسمعت الفضيل يقول: العلماء كثيرون والحكماء قليلون، وإنما يراد من العلم الحكمة، فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وقال: لو كان مع علمائنا صبر ما غدوا لأبواب هؤلاء، يعني الملوك. وسمعت رجلاً يقول للفضيل: العلماء ورثة الأنبياء، فقال الفضيل: الحكماء ورثة الأنبياء. وقال رجل للفضيل: العلماء كثير، فقال الفضيل: الحكماء قليل، وسمعت الفضيل يقول: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى الخلق حاجة، لا إلى الخلفاء فمن دونهم، وينبغي أن يكون حوايج الخلق إليه. (٢١) تحذير الفضيل بن عياض من الرياء: [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله عنهما. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: لو حلفت أني مراء كان أحب الي من أن أحلف أن ليست بمراء ولو رأيت رجلا اجتمع لناس حوله لقلت هذا مجنون من الذي اجتمع الناس حوله لا يحب أن يجود كلامه لهم.

стр. 897

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفيض قال: قال لي الفضيل لو قيل لك امرائي غضبت وشق عليك وعسى ما قيل لك حق تزينت للدنيا وتصنعت وقصرت ثيابك وحسنت سمتك وكففت أذاك حتى يقال أبو فلان عابد ما أحسن سمته فيكرمونك وينظرونك ويقصدونك ويهدون إليك مثل الدرهم الستوق لا يعرفه كل أحد فإذا قشر قشر عن نحاس. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: لا يترك الشيطان الإنسان حتى يحتال له بكل وجه، فيستخرج منه ما يخبر به من عمله، لعله يكون كثير الطواف فيقول: ما كان أجلي الطواف الليلة، أو يكون صائما فيقول ما أثقل السحور أو ما أشد العطش، فإن استطعت أن لا تكون محدثاً ولا متكلماً ولا قارئاً، وإن كنت بليغاً، قالوا: ما أبلغه وأحسن حديثه وأحسن صوته، فيعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغا ولا حسن الصوت قالوا ليس يحسن يحدث وليس صوته بحسن أحزنك وشق عليك، فتكون مرائيا، وإذا جلست فتكلمت ولم تبال من ذمك ومن مدحك من الله فتكلم. (٢٢) تحذير الفضيل من المعاصي وأنها تحرم العبد من الطاعة: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك. (٢٣) دعوة الفضيل بن عياض لحفظ اللسان: [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل: كثيرا يقول احفظ لسانك وأقبل على شانك واعرف زمانك وأخف مكانك. (٢٤) دعوة الفضيل بن عياض للخمول وإنكار الذات: وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا الفيض بن إسحاق سمعت الفضيل يقول وددت أنه طار في الناس أني مت حتى لا أُذَْكَر، إني لأسمع صوت أصحاب الحديث فيأخذني البول فرقا منهم. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال: بلغني أن العلماء فيما مضى كانوا إذا تعلموا عملوا وإذا عملوا شغلوا وإذا شغلوا فقدوا وإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا. (٢٥) دعوة الفضيل للغبطة وتحذيره من الحسد:

стр. 898

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: الغبطة من الإيمان، والحسد من النفاق، والمؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط، والمؤمن يستر ويعظ وينصح، والفاجر يهتك ويعير ويفشي. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل قال المؤمن يغبط ولا يحسد الغبطة من الإيمان والحسد من النفاق. قال الذهبي ﵀: قلت هذا يفسر لك قوله عليه الصلاة والتسليم لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالا ينفقه في الحق ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار فالحسد هنا معناه الغبطة أن تحسدوا أخاك على ما آتاه الله لا أنك تحسده بمعنى أنك تود زوال ذلك عنه فهذا بغي وخبث. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: إن الله تعالى يقسم المحبة كما يقسم الرزق وكل ذا من الله تعالى، وإياكم والحسد، فإنه ليس له دواء، من عامل الله بالصدق أورثه الله الحكمة. (٢٦) كيف كان الفضيل يمقت نفسه في جنب الله تعالى: [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: كيف ترى حال من كثرت ذنوبه وضعف علمه وفني عمره ولم يتزود لمعاده. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: يا مسكين أنت مسيء وترى أنك محسن وأنت جاهل وترى أنك عالم وتبخل وترى أنك كريم وأحمق وترى أنك عاقل أجلك قصير وأملك طويل. قال الذهبي ﵀: قلت إي والله صدق وأنت ظالم وترى أنك مظلوم وآكل للحرام وترى أنك متورع وفاسق وتعتقد أنك عدل وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شعيب بن حرب، قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يمد ثوبي من خلفي فالتفت فإذا بفضيل بن عياض، فقال: لو شفع في وفيك أهل السماء كنا أهلاً أن لا يشفع فينا، قال شعيب: ولم أكن رأيته قبل ذلك بسنة، قال: فكسرني وتمنيت أني لم أكن رأيته. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي فقلت له: إن كنت تظن أنه بقى على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن. (٢٧) دعوة الفضيل بن عياض للبعد عن السلطان:

стр. 899

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: لأن يدنو الرجل من جيفة منتنة خير له من أن يدنو إلى هؤلاء ـ يعني السلطان ـ وسمعته يقول: رجل لا يخالط هؤلاء ولا يزيد على المكتوبة أفضل عندنا من رجل يقوم الليل ويصوم النهار ويحج ويعتمر ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم. (٢٨) قبول الفضيل بن عياض التذكرة من العلماء بخضوعٍ وإذعان: [*] روى الحافظ ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق عن محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملي عليَّ عبد اللّه بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس وأنشدها إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبَّار خيل اللّه في ... أنف امرىء ودخان نار تلهب هذا كتاب اللّه ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب قال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال: قلت: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، وأملى عليّ الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول اللّه علِّمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل اللّه، فقال: "هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ " فقال: يا رسول اللّه أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي ﷺ : " فوالذي نفسي بيده لو طُوِّقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أوما علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات؟! والحديث رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الجهاد والسير. وفاة الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: مرض الفضيل فسُمِع يقول: ارحمني بحبي إياك، فليس شيء أحب إلي منك، وأقام الزاهد العابد الفضيل بن عياض بـ (مكة) حتى توفي عام سبع وثمانين ومائة هـ وأطلق عليه هناك شيخ الحرم المكي، ﵀ رحمة واسعة وجمعنا به مع نبينا ﷺ في الفردوس.

стр. 900

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إبراهيم بن الأشعث سمعت الفضيل يقول في مرضه ارحمني بحبي إياك فليس شيء إلي منك وسمعته يقول وهو يشتكي مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. [*] قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وللفضيل ﵀ مواعظ وقدم في التقوى راسخ وله ترجمة في كتاب الحلية وفي تاريخ أبي القاسم ابن عساكر وكان يعيش من صلة ابن المبارك ونحوه من أهل الخير ويمتنع من جوائز الملوك قال بعضهم كنا جلوسا عند الفضيل بن عياض فقلنا له كم سنك فقال * بلغت الثمانين أو جزتها * فماذا أومل أو أنتظر * علتني السنون فأبليتني * فدق العظام وكل البصر * قال الذهبي ﵀: قلت هو من أقران سفيان بن عيينه في المولد ولكنه مات قبله بسنوات وكان ابنه علي من كبار الأولياء ومات قبل والده. سيرة ابن المبارك ﵀:

стр. 901

هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، الإمام المجمع على إمامته وجلالته، سمع هشام بن عروة ويحيى الأنصاري وسليمان التيمي والأعمش وجماعات غيرهم من التابعين وأتباع التابعين، الإمام المحدث أمير المؤمنين، قالوا عنه: الزاهد العابد، الفقيه المجاهد، ثم قالوا عنه: شيخ الإسلام، من أئمة تابعي التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من حراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها، كان الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعضُ عليهما بالنواجذ، كان رحمه الله تعالى شهاباً ثاقباً ونجماً ساطعاً وبدراً طالعاً وسهماً نافذاً، وكان كوكبَ نُظَرَائه وزهرةَ إخوانه، تفوح منه علامات اليُمْنِ وأمارات الخير ورائحة التوفيق والسداد، واحد زمانه، وإمام عصره وأوانه، العالم الحبر، ذو الأحلام والصبر، العلم حليفه، والزهد أليفه، كان رحمه الله تعالى خزانة علم فكان علمه واسعاً مباركا كالغيث من السماء أينما حل نفع، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، لا يُشَقُ له غُبارٌ في غزارة علمه ودقة استنباطه للفوائد والأحكام وسعة فقهه ومعرفته بأسرار اللغة العربية وبلاغتها، وكان ﵀ ذا همةٍ عاليةٍ تناطح السحاب في طلب العلم فكان يُقْبِلُ على طلب العلم إقبالَ الظامئ على الموردِ العذب فقد أفنى جلَّ عمره في طلب العلم فكان إماماً يقتدى به في ذلك وكان مناراً عظيماً من منارات العلم، مناراً راسي القواعد مُشَيَّدَ الأركان ثابتَ الوطائد، الإمام اللبيب، ذو اللسان الخطيب، الشهاب الثاقب، والنصاب العاقب، صاحب الإشارات الخفية، والعبارت الجلية، ذوالتصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، كان رحمه الله تعالى سراج العباد، ومنار البلاد، رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً تعمُ أرجائه، وتغمده برحمةٍ فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، وأنعم عليه برضا الكبير المتعال إنه وليُ ذلك والقادرُ عليه. اسم ابن المبارك ونسبه:

стр. 902

هو: عبد الله بن المبارك المروزي، كان أبوه تركيًّا مملوكًا لرجل من همدان وأمه خوارزمية. نشأ ابن المبارك في أسرة متواضعة؛ كان أبوه مبارك مولى من الموالي. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قعنب بن المحرر قال: ابن المبارك مولى بني عبد شمس من تميم وقال ولاؤه لبني حنظلة. وقال العباس بن مصعب في تاريخ مرو: كانت أم عبد الله بن المبارك خوارزمية وأبوه تركي وكان عبدا لرجل تاجر من همذان من بني حنظلة فكان عبد الله اذا قدم همذان يخضع لوالديه ويعظمهم. ومن غرر الفوائد ودرر الفرائد في ترجمة ابن المبارك أنها تكسر التمييز العنصري لأننا نخجل من أنفسنا أن يوجد في أوساطنا تمييز عنصري، أقول هذا وكلنا خَجَلٌ، فإن في بعض النواحي لا زال التميز العنصري وارداً، ولا زال التميز الطبقي حاصلاً، فمن أين أخذناه؟ أمن الكتاب والله يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:١٣]؟ (حديث جابر ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فيبلغ الشاهد الغائب. وإنما أُخِذَت هذه من الجاهلية، أخذت من الأرض، أخذت من السفهاء، حتى وجدت في بلاد الإسلام. ابن المبارك أبوه مبارك مولى من الموالي، دخل بلاد الإسلام واعتنق هذا الدين وشرف به. والرسول ﵊ كانت أعظم المؤهلات عنده من يحمل لا إله إلا الله محمداً رسول الله بصدق.

стр. 903

ومن يتشرف بحمل العقيدة فهو ولي الله وحبيبه، بلال من أساتذة الإسلام، وصهيب وعمار وسلمان وأنسابهم ليسوا من العرب القح، فأين أبو جهل؟ وأين الوليد بن المغيرة؟ وأين حاتم الطائي؟ وأين عنترة بن شداد؟ لا شيء قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:١٧].،دخل بلاد الإسلام واعتنق هذا الدين وشرف به، وكان يعمل حارساً على بستان، يحرس الرمان والتفاح والليمون أن يعتدي عليه سراق أو لصوص بأجرة بسيطة، فكان يبدأ من الصباح في عمله، وكان يتخلل عمله بركعات يركعها في البستان، ولا يفتر لسانه من ذكر الله ، فإذا استلم راتبه من سيده تصدق بثلث الراتب، وأنفق عليه وعلى أهله ثلثه وخزن ثلثه، لما سوف يعرض له. كان أبوه أجيرًا بسيطًا يعمل حارسًا لبستان أحد الأثرياء، غير أن والده هذا كان سبب رخائه أورثه المال رذاذًًا، ثم صار على يده وابلاً ثجاجًا. تأمل لهذا المال الذي وصف بأنه رذاذ ليعلم أنه سبب الخير كله، فقد اكتسبه "والده المبارك" بجد وجهدٍ وكفاح وصبر، فكان ثمرة يانعة مقنعة لرجل ورع، حريص على أداء حق العمل، فلم يرض إلا أن يشغل كل وقته في العمل تحريًا للأجر الحلال، فلم يتطلع يومًا للأكل من البستان، وهو ما يكتشفه صاحب البستان ويتعجب له. دخل سيده ومعه ضيف يزور البستان، قال: يا مبارك! ائتنا برمان، فأتى برمان حامض، ووضعه بين يديه، قال: هذا حامض، ائتنا بغيره، فأتى برمان حامض، قال: أنت لا تفهم ولا تعي؟ هذا حامض، قال: والله لا أعرف الحامض من الحلو، قال: أما ذقته وأنت في البستان من كذا وكذا سنة؟ قال مبارك: أنت لم تأذن لي أن أذوق ما في البستان. أي ورع هذا! أي صفاء عقدي! أي عبادة! أي مراقبة لله! فأنجب هذا المبارك -وهو مبارك على اسمه- عبد الله بن المبارك، وترعرع شاباً فصيحاً ذكياً، لكن يقال: إذا واجهته عرفت أنه ليس بعربي، تعرف أنه مروزي وعجمي من شكله. كان فصيحاً ينظم الشعر البليغ، وهو من أكبر الشعراء، وسوف تسمعون هذه الليلة أبياته التي تهز أنياط القلوب وهو يحرك بها الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها.

стр. 904

من هنا نعرف لأي أبٍ ينتمي عبد الله، إنه ينتمي لأب صالح ولصلاح الأب جائزة عظمى يجدها عند لقاء ربه، ويبقى أثرها في ولده وهو ما نجده في القصص القرآني الحكيم من قصة الغلامين اليتيمين قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٨٢]. فكان صلاح الأب سببًا في استخراج الكنز، وكذلك كان الحال مع عبد الله بن المبارك، فسنة الله لا تتخلف، كان الأب صالحًا فاستخرج عبد الله كنزًا تمثل في مال صار على يديه وابلاً ثجاجًا، وحصّل علما وأدبًا وفقها مازالت تتوارثه الأجيال! فانظر بعين الاعتبار وتفكر جلياً وتأمل ملياً كيف كان ثمرة صلاح الأب أن أنتج عالماً جليلاً مثل ابن المبارك الذي ملأ الدنيا علماً وورعاً وزهداً، رحمه الله تعالى فقد قَلَّدَه أقرانه من العلماء في أفعاله فعجزوا، وقلده الأغنياء في كرمه وجوده وسخائه فلم يفلحوا!! فهو السخي الجواد، وقبل ذلك العالم العامل، العابد الشجاع المجاهد، قالوا عنه: الزاهد العابد، الفقيه المجاهد، ثم قالوا عنه: شيخ الإسلام. مولد ابن المبارك ﵀: [*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: ولد ابن المبارك سنة ثمان عشرة ومئة وأما الحاكم فروى عن أبي أحمد الحمادي سمعت محمد بن موسى الباشاني سمعت عبدان بن عثمان يقول سمعت عبد الله يقول ولدت سنة تسع عشرة ومئة. [*] مناقب ابن المبارك رحمه الله تعالى:

стр. 905

كان ابن المبارك رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها، كان الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعضُ عليهما بالنواجذ، كان رحمه الله تعالى شهاباً ثاقباً ونجماً ساطعاً وبدراً طالعاً وسهماً نافذاً، وكان كوكبَ نُظَرَائه وزهرةَ إخوانه، تفوح منه علامات اليُمْنِ وأمارات الخير ورائحة التوفيق والسداد، واحد زمانه، وإمام عصره وأوانه، العالم الحبر، ذو الأحلام والصبر، العلم حليفه، والزهد أليفه، كان رحمه الله تعالى خزانة علم فكان علمه واسعاً مباركا كالغيث من السماء أينما حل نفع، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، لا يُشَقُ له غُبارٌ في غزارة علمه ودقة استنباطه للفوائد والأحكام وسعة فقهه ومعرفته بأسرار اللغة العربية وبلاغتها، وكان ﵀ ذا همةٍ عاليةٍ تناطح السحاب في طلب العلم فكان يُقْبِلُ على طلب العلم إقبالَ الظامئ على الموردِ العذب فقد أفنى جلَّ عمره في طلب العلم فكان إماماً يقتدى به في ذلك وكان مناراً عظيماً من منارات العلم، مناراً راسي القواعد مُشَيَّدَ الأركان ثابتَ الوطائد، الإمام اللبيب، ذو اللسان الخطيب، الشهاب الثاقب، والنصاب العاقب، صاحب الإشارات الخفية، والعبارت الجلية، ذوالتصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، كان رحمه الله تعالى سراج العباد، ومنار البلاد، رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً تعمُ أرجائه، وتغمده برحمةٍ فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، وأنعم عليه برضا الكبير المتعال إنه وليُ ذلك والقادرُ عليه. وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب ابن المبارك جملةً وتفصيلا رحمه الله تعالى: أولاً مناقب ابن المبارك جملةً ﵀: (١) ثناء العلماء على ابن المبارك: (٢) حرص ابن المبارك طلب العلم ونشره: (٣) توقير ابن المبارك للعلم وأهله: (٤) جود ابن المبارك وسخاؤه ﵀: (٥) ورع ابن المبارك ﵀ ورجاحة عقله: (٦) توقير ابن المبارك للحديث ولآل البيت:

стр. 906

(٧) دعاء ابن المبارك عند ختم القرآن: (٨) رسالة ابن المبارك إلى الفضيل في الجهاد: (٩) حفظ ابن المبارك لوقته ﵀: (١٠) زهد ابن المبارك ﵀: (١١) منابذة ابن المبارك للمبتدعين: (١٢) خشية ابن المبارك لله تعالى: (١٣) تواضع ابن المبارك ﵀: (١٤) حسن أدب ابن المبارك في تذكير الناس بما تغافلوا عنه: (١٥) حرص ابن المبارك على إخفاء العمل ﵀: (١٦) دعوة ابن المبارك لكسب المال ليستعين به على طاعة الله: (١٧) حفظ ابن المبارك وإتقانه ﵀: (١٨) كان ابن المبارك مستجاب الدعوة ﵀: (١٩) حُسن أداء ابن المبارك للأمانة ﵀: (٢٠) حُسن تدبر ابن المبارك للقرآن: (٢١) دعوة ابن المبارك إلى التغافل عن مساوئ الإنسان إذا غلبت محاسنه مساوئه: (٢٢) دعوة ابن المبارك إلى البعد عن السلطان: (٢٣) دعوة ابن المبارك إلى طول الصمت: (٢٤) دعوة ابن المبارك إلى بالغ الاهتمام بإخلاص النية: (٢٥) دعوة ابن المبارك إلى الانشغال بصحيح الحديث عن سقيمه: (٢٦) دعوة ابن المبارك إلى التلقي عن الثقة: (٢٧) سلامة لسان ابن المبارك من الخوض في الصحابة: (٢٨) دعوة ابن المبارك إلى الخوف من أن يسلب الإنسان الإيمان وهو لا يشعر: (٢٩) كان ابن المبارك لا يخشى في الحق لومة لائم: (٣٠) تحذير ابن المبارك من الكبر والعجب والعياذ بالله: (٣١) شجاعة ابن المبارك ﵀: (٣٢) كان ابن المبارك شاعرا مُحْسِنَاً قَوَّالاً بالحق: (٣٣) حرص ابن المبارك على تلقي العلم مع الأدب: ثانياً مناقب ابن المبارك تفصيلا ﵀: (١) ثناء العلماء على ابن المبارك: كان ابن المبارك رحمه الله تعالى أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر من ثناء العلماء عليه: [*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء: ومنهم السخي الجراد، الممهد للمعاد، المتزود من الوداد، أليف القرآن والحج والجهاد، جَادَ فَسَاد، ووجع فزاد، مالله مشارك، وفعله مبارك، وقوله مبارك، شاها نشاه، عبد الله بن المبارك رضى الله تعالى عنه. [*] وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:

стр. 907

الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي ثم المروزي الحافظ الغازي أحد الأعلام، وكانت أمه خوارزمية مولده في سنة ثمان عشرة ومئة فطلب العلم وهو ابن عشرين سنة فأقدم شيخ لقيه هو الربيع بن أنس الخراساني تحيل ودخل إليه إلى السجن فسمع منه نحوا من أربعين حديثا ثم ارتحل في سنة إحدى وأربعين ومئة وأخذ عن بقايا التابعين وأكثر من الترحال والتطواف وإلى أن مات في طلب العلم وفي الغزو وفي التجارة والإنفاق على الإخوان في الله وتجهيزهم معه إلى الحج، سمع من سليمان التيمي وعاصم الأحول وحميد الطويل وهشام ابن عروة والجريري وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش وبريد بن عبد الله بن أبي بردة وخالد الحذاء ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبد الله بن عون وموسى بن عقبة وأجلح الكندي وحسين المعلم وحنظلة السدوسي وحيوة بن شريح المصري وكهمس وأبي حنيفة وابن جريج ومعمر والثوري وشعبة وابن أبي ذئب ويونس الأيلي والحمادين ومالك والليث وابن لهيعة وهشيم وإسماعيل بن عياش وابن عيينة وبقية بن الوليد وخلق كثير وصنف التصانيف النافعة الكثيرة حدث عنه معمر والثوري وأبو إسحاق الفزاري وطائفة من شيوخه وبقية وابن وهب وابن مهدي وطائفة من أقرانه وأبو داود وعبد الرزاق بن همام والقطان وعفان وابن معين وحبان بن موسى وأبو بكر بن أبي شيبة ويحيى بن آدم وأبو أسامة وأبو سلمه المنقري ومسلم بن إبراهيم وعبدان والحسن بن الربيع البوراني وأحمد بن منيع وعلي بن حجر والحسن بن عيسى بن ماسرجس والحسين بن الحسن المروزي والحسن بن عرفة وإبراهيم بن مجشر ويعقوب الدورقي وأمم يتعذر إحصاؤهم ويشق استقصاؤهم، وحديثه حجة بالإجماع وهو في المسانيد والأصول. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبيد بن جناد أبو سعيد، قال: قال لي عطاء بن مسلم: يا عبيد رأيت عبد الله بن المبارك؟ قلت: نعم، قال: ما رأيت مثله ولا ترى مثله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن يزيد بن عثمان الحمصي، قال: قال لي الأوزاعي: رأيت عبد الله بن المبارك؟ قلت: لا، قال: لو رأيته لقرت عينك. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبيد بن جناد، قال: قال العمري: ابن المبارك يصلح لهذا الأمر، فقال له رجل: أي شىء؟ قال: الإمامة.

стр. 908

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن العمري قال: ما رأيت في دهرنا هذا من يصلح لهذا الأمر ـ يعني الإمامة ـ إلا ابن المبارك. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي إسحاق الفزاري يقول: ابن المبارك إمام المسلمين، قال: ورأيته قاعداً بين يديه يسائله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأت عيناي مثل سفيان، ولا أقدم على عبد الله بن المبارك أحداً. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن مهدي قال: ابن المبارك آدب عندنا من سفيان. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المعتمر بن سليمان يقول: ما رأيت مثل ابن المبارك تصيب عنده الشيء الذي لا تصيبه عند أحد. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري يقول: لو جهدت جهدي أن أكون في السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك لم أقدر. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن عبيد الله يقول: كنا عند الفضيل بن عياض فجاء فتى في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين فنعى إليه ابن المبارك فقال: ﵀، أما إنه ما خلف بعده مثله، قال: وقال أبو إسحاق الفزاري إني لأمقت نفسي على ما أرى بها من قلة الاكتراث لموت ابن المبارك. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي بكر الصولي، عن بعضهم قال: ورد على أمير المؤمنين الرشيد كتاب صاحب الحيرة من هيت أنه مات رجل بهذا الموضع غريب، فاجتمع الناس على جنازته، فسألت عنه فقالوا: عبد الله بن المبارك الخراساني، فقال الرشيد: إنا لله وإنا اليه راجعون، يافضل ـ للفضل بن الربيع وزيره ـ ائذن للناس من يعذرنا في عبد الله بن المبارك، فأظهر الفضل تعجبا، فقال: ويحك إن عبد الله هو الذي يقول: الله يدفع بالسلطان معضلة ... عن ديننا رحمة منه ورضوانا لولا الأئمة لم يأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا من سمع هذا القول من مثل ابن المبارك مع فضله وزهده وعظمه في صدور العامة، ولا يعرف حقنا. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد العجلي قال: ابن المبارك ثقة ثبت في الحديث رجل صالح يقول الشعر وكان جامعا للعلم. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن العباس بن مصعب قال: جمع عبد الله الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء والتجارة والمحبة عند الفرق.

стр. 909

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن عبد الوهاب الفراء قال: ما أخرجت خراسان مثل هؤلاء الثلاثة ابن المبارك والنضر بن شميل ويحيى بن يحيى. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يحيى بن آدم قال: كنت إذا طلبت دقيق المسائل فلم أجده في كتب ابن المبارك أيست منه. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن شعيب بن حرب قال ما لقي ابن المبارك رجلا إلا وابن المبارك أفضل منه، قال: وسمعت أبا أسامة يقول: ابن المبارك في المحدثين مثل أمير المؤمنين في الناس. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أشعث بن شعبة المصيصي قال: قدم الرشيد الرقة فانجفل الناس خلف ابن المبارك وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فقالت: ما هذا قالوا عالم من أهل خراسان قدم قالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد العزيز بن أبي رزمة قال: قال لي شعبة: ما قدم علينا من ناحيتكم مثل ابن المبارك. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن معاذ بن خالد قال تعرفت إلى إسماعيل بن عياش بعبد الله بن المبارك فقال إسماعيل ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الخبيص وهو الدهر صائم. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عن ابن مهدي قال: الأئمة أربعة سفيان ومالك وحماد بن زيد وابن المبارك. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عباس الدوري سمعت يحيى يقول ما رأيت أحدا يحدث لله إلا ستة نفر منهم ابن المبارك. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن مهدي قال: ما رأيت رجلا أعلم بالحديث من سفيان ولا أحسن عقلا من مالك ولا أقشف من شعبة ولا أنصح للأمة من ابن المبارك. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن نعيم بن حماد قلت لابن مهدي أيهما أفضل ابن المبارك أو سفيان الثوري فقال ابن المبارك قلت إن الناس يخالفونك قال إنهم لم يجربوا ما رأيت مثل ابن المبارك [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن مهدي قال حدثنا ابن المبارك وكان نسيج وحده.

стр. 910

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن مهدي يقول ابن المبارك أعلم من سفيان الثوري. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن مهدي واجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له جالست الثوري وسمعت منه ومن ابن المبارك فأيهما أرجح قال لو أن سفيان جهد على أن يكون يوما مثل عبد الله لم يقدر. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن شعيب بن حرب يقول قال سفيان إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمران بن موسى الطرسوسي قال سأل رجل سفيان فقال من أين أنت قال من أهل المشرق قال: أوليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: ومن هو؟ قال: عبد الله بن المبارك قال: وهو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم وأهل المغرب. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن عبدة قال كان فضيل وسفيان ومشيخة جلوسا في المسجد الحرام فطلع ابن المبارك من الثنية فقال سفيان هذا رجل أهل المشرق فقال فضيل رجل أهل المشرق والمغرب وما بينهما. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن أبي جميل قال كنا حول ابن المبارك بمكة فقلنا له يا عالم الشرق حدثنا وسفيان قريب منا يسمع فقال ويحكم عالم المشرق والمغرب وما بينهما. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن عبد الله بن قهزاد سمعت أبا الوزير يقول قدمت على سفيان بن عيينة فقالوا له هذا وصي عبد الله فقال رحم الله عبد الله ما خلف بخراسان مثله. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الوهاب ابن عبد الحكم قال: لما مات ابن المبارك بلغني أن هارون أمير المؤمنين قال مات سيد العلماء. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المسيب بن واضح سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول ابن المبارك إمام المسلمين أجمعين. قال الذهبي ﵀: قلت هذا الإطلاق من أبي إسحاق معني بمسلمي زمانه ... . [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عيينة قال: نظرت في أمر الصحابة وأمر عبد الله فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمود بن والان قال سمعت عمار بن الحسن يمدح ابن المبارك ويقول إذا سار عبد الله من مرو ليلة * فقد سار منها نورها وجمالها

стр. 911

إذا ذكر الأحبار في كل بلدة * فهم أنجم فيها وأنت هلالها [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن المديني يقول انتهى العلم إلى رجلين إلى ابن المبارك ثم إلى ابن معين. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي ابن المديني عبد الله بن المبارك أوسع علما من عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن آدم. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد سمعت يحيى بن معين وذكروا عبد الله بن المبارك فقال رجل إنه لم يكن حافظا فقال ابن معين كان عبد الله ﵀ كيسا مستثبتا ثقة وكان عالما صحيح الحديث وكانت كتبه التي يحدث بها عشرين ألف أو واحدا وعشرين ألفا. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إبراهيم بن شماس قال: رأيت أفقه الناس ابن المبارك وأورع الناس الفضيل وأحفظ الناس وكيع بن الجراح. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قال جعفر بن أبي عثمان قلت لابن معين اختلف القطان ووكيع قال القول قول يحيى قال فإذا اختلف عبد الرحمن ويحيى قال يحتاج من يفصل بينهما قلت فأبو نعيم وعبد الرحمن قال يحتاج من يفضل بينهما قلت: الأشجعي قال: مات الأشجعي ومات حديثه معه. قلت: ابن المبارك قال: ذاك أمير المؤمنين في الحديث. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمود بن والان سمعت محمد بن موسى سمعت إبراهيم بن موسى يقول كنت عند يحيى بن معين فجاءه رجل فقال من أثبت في معمر ابن المبارك أو عبد الرزاق وكان يحيى متكئا فجلس وقال كان ابن المبارك خيرا من عبد الرزاق ومن أهل قريته كان عبد الله سيدا من سادات المسلمين. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أسود بن سالم قال: كان ابن المبارك إماما يقتدى به كان من أثبت الناس في السنة إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك فاتهمه على الإسلام. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: لم يكن أحد في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن إدريس قال: كل حديث لا يعرفه ابن المبارك فنحن منه براء. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قال علي بن الحسن بن شقيق قمت لأخرج من ابن المبارك في ليلة باردة من المسجد فذاكرني عند الباب بحديث أو ذاكرته فما زلنا نتذاكر حتى جاء المؤذن للصبح.

стр. 912

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن فضالة النسائي قال: كنت أجالسهم بالكوفة فإذا تشاجروا في حديث قالوا مروا بنا إلى هذا الطبيب حتى نسأله يعنون ابن المبارك. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الحسن بن عيسى بن ما سرجس مولى ابن المبارك قال: اجتمع جماعة مثل الفضل بن موسى ومخلد بن الحسين فقالوا تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والفصاحة والشعر وقيام الليل والعبادة والحج والغزو والشجاعة والفروسية والقوة وترك الكلام فيما لا يعنيه والإنصاف وقلة الخلاف على أصحابه. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن نعيم بن حماد يقول ما رأيت ابن المبارك يقول قط حدثنا كان يرى أخبرنا أوسع وكان لا يرد على أحد حرفا إذا قرأ وقال نعيم ما رأيت أعقل من ابن المبارك ولا أكثر اجتهادا في العبادة. مكانة ابن المبارك عند الإمام مالك: لأجل هذه الدقة التي توفرت لدى ابن المبارك والتزم بها، كان اهتمام الإمام مالك به .. فقد روي عن يحيى بن يحيى الليثي قال: كنا عند مالك، فاستؤذن لعبد الله بن المبارك بالدخول، فأذن له، فرأينا مالكًا تزحزح له في مجلسه ثم أقعده بلصقه، وما رأيت مالكًا تزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك، فربما مر بشيء فيسأله مالك: ما مذهبكم في هذا؟ أو ما عندكم في هذا؟ فرأيت ابن المبارك يجاوبه، ثم قام فخرج، فأعجب مالك بأدبه، ثم قال لنا مالك: هذا ابن المبارك فقيه خراسان. ولنا أن نستعيد ما قاله والي المدينة حين جاءه الإمام الشافعي يحمل كتابًا من والي مكة ليتمكن الشافعي من لقاء الإمام مالك؛ حيث قال والي المدينة للشافعي: "يا فتى! لو كلفتني المشي من جوف المدينة راجلاً حافيًا كان أهون عليَّ من المشي إلى باب مالك .. وليتنا إذا ركبنا ووقفنا على بابه يفتح لنا الباب". لنعلم من هذا منزلة عبد الله بن المبارك عند الإمام مالك!!

стр. 913

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يحيى بن يحيى الليثي قال كنا عند مالك فاستؤذن لعبد الله بن المبارك بالدخول فإذن له فرأينا مالكا تزحزح له في مجلسه ثم أقعده بلصقه وما رأيت مالكا تزحزح لأحد في مجلسه غيره فكان القارئ يقرأ على مالك فربما مر بشيء فيسأله مالك ما مذهبكم في هذا أو عندكم في هذا فرأيت ابن المبارك يجاوبه ثم قام فخرج فأعجب مالك بأدبه ثم قال لنا مالك هذا ابن المبارك فقيه خراسان. مكانة ابن المبارك عند سفيان ابن عيينة: أما منزلته عند ابن عيينة فهي شيء فوق ذلك كله؛ [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عيينة قال: "نظرت في أمر الصحابة فما رأيت لهم فضلاً على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه". (٢) حرص ابن المبارك طلب العلم ونشره: كان رحمه الله تعالى ذا همةٍ عاليةٍ تناطح السحاب في طلب العلم فكان علمه واسعاً مباركا كالغيث من السماء أينما حل نفع، لا يشق له غبار في غزارة علمه ودقة استنباطه للفوائد والأحكام وسعة فقهه ومعرفته بأسرار اللغة العربية وبلاغتها، ارتحل ابن المبارك إلى الحرمين والشام ومصر والعراق والجزيرة وخراسان. لقد أثمرت رحلات ابن المبارك لأنه قد ارتسم لنفسه منهاجًا يسير عليه، فلم يكن همه من ارتحاله جمع العلم مهما كان مصدره، بل كان التحقق من مصدره أساس منهجه؛ فقد سأله أبو إسحاق قائلاً: "يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك. فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عن من هذا؟ قال: قلت: هذا من حديث شهاب بن خراش. قال: ثقة عن من قال؟ قلت: عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة قال: عن من؟ قلت: قال رسول الله ﷺ . قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف".

стр. 914

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي إسحاق الطالقاني قال قلت لعبد الله بن المبارك يا ابا عبد الرحمن الحديث الذي جاء إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك فقالى يا أبا إسحاق عمن هذا قلت هذا من حديث شهاب بن خراش قال ثقة عمن قلت عن الحجاج ابن دينار قال ثقة عمن قلت قال رسول الله ﷺ فقال إن بين الحجاج وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف. فهو حين يتوقف أمام هذا الحديث، لا ينكر ما فيه من البر، إلا أنه لا ينسب الحديث إلى النبي ﷺ مادام لم يتوفر لديه السند إلى رسول الله وإن كان الحجاج ثقة!! ولهذا صار حديثه حجة بالإجماع، روى عنه البخاري ومسلم، وتجاوز القنطرة وهو محدث جهبذ صادق لا يعرف الكذب أبداً، ينقي الأحاديث تنقية كما ينقي الصيرفي البهرج من الذهب. أتوا بكذاب إلى هارون الرشيد وضع أربعة آلاف حديث هي كذب على محمد ﵊، فقال هارون الرشيد: والله لأذبحنك الآن، قال: اذبحني أولا تذبحني والله لقد وضعت عليكم أربعة آلاف حديث، قال: ما علي! يعيش لها الجهابذة عبد الله بن المبارك وأبو إسحاق المروزي، ثم استدعى عبد الله بن المبارك وذاك فنقوها في ثلاثة أيام وأخرجوا أربعة آلاف حديث. قالوا: هذه كلها كذب. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: لم يكن أحد في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن شعبة قال ما قدم علينا أحد مثل ابن المبارك وقال أبو أسامة ما رأيت رجلا أطلب للعلم من أين المبارك وهو في المحدثين مثل أمير المؤمنين في الناس. ومن مظاهر دعوته للعلم ما يلي: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن رسته الطالقاني قال: قام رجل إلى ابن المبارك فقال: يا أبا عبد الرحمن في أي شىء أجعل فضل يومي، في تعلم القرآن أو في طلب العلم؟ فقال: هل تقرأ من القرآن ما تقيم به صلاتك قال: نعم، قال: فاجعله في طلب العلم الذي يعرف به القرآن. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن المبارك قال: ليكن الذي تعتمدن عليه هذا الأثر؛ وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث.

стр. 915

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن المبارك قال: أهل الدنيا خرجوا من الدنيا قبل أن يتطعموا أطيب ما فيهما، قيل له: وما أطيب ما فيها؟ قال: المعرفة بالله . [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن المبارك قال أول منفعة العلم أن يفيد بعضهم بعضا. يفيد بعضهم بعضاً: أي: أنك تستفيد وتفيد، المجالس العلمية، الندوات والمحاضرات أن ينصح الناس بعضهم لبعض، وهم أفضل الناس. تحذير ابن المبارك من كتمان العلم: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن المبارك قال: من بخل بالعلم ابتلى بثلاث، إما موت فيذهب علمه، وإما ينسى، وإما يصحب فيذهب علمه. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محبوب بن الحسن قال: سمعت ابن المبارك يقول من بخل بالعلم ابتلي بثلاث إما موت يذهب علمه وإما ينسى وإما يلزم السلطان فيذهب علمه. رحلة ابن المبارك في طلب العلم: [*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: ارتحل ابن المبارك إلى الحرمين والشام ومصر والعراق والجزيرة وخراسان وحدث بأماكن. شيوخ ابن المبارك ﵀: [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن المبارك قال حملت العلم عن أربعة آلاف شيخ فرويت عن ألف شيخ.
следующие страницы →