أصول الفقه
الذي لا يسع الفقيهَ جهلُه
تأليف
أ. د. عياض بن نامي السلمي
عضو هيئة التدريس بقسم أصول الفقه
بكلية الشريعة بالرياض
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، وترفع الدرجات، أحمده على آلائه ونعمه، وأعوذ به من عذابه وغضبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، بعثه الله بالحق بشيراً ونذيراً، فبشر ويسر، وحذر وأنذر، حتى تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد طلب مني كثير من الإخوان في مناسبات عديدة أن أكتب كتاباً في أصول الفقه يكون متوسطاً في حجمه، جامعاً لأهم مسائل هذا العلم، مع وضوح العبارة وضرب الأمثلة التي تقربه للفهم وتظهر فوائده لطلاب العلم.
وقد رأيت أن أجيب طلبهم بتأليف كتاب يحتوي على ما لا يستغني عنه الفقيه من أصول الفقه، مع تجنب الإطالة في مسائل الخلاف، والاكتفاء بالأقوال المشهورة وأهم أدلتها، والعناية ببيان حقيقة الخلاف، وتصحيح ما يقع من الوهم أو سوء الفهم للمشتغلين بهذا العلم في تحرير مسائله وتقريرها وتصويرها.
وقد عُنيتُ عنايةً خاصة بثمرات الخلاف، والوقوف عند بعض القضايا الشائكة وتحريرها وتقريبها للفهم، وقد أخالف ما عليه أكثر الأصوليين في اختيار رأي أو تعريف، أو نحو ذلك، لا رغبةً في المخالفة، ولكن إيضاحاً لما أعتقده من الحق، أو تصحيحاً لخطأ نشأ عن سوء الفهم أو تضارب النقول عن أئمة الأصول.
стр. 3
وقد اجتهدتُ في أن يكون الكتاب شاملاً للمناهج التي تدرس في كليات الشريعة وأصول الدين في الجامعات السعودية؛ رجاء أن يكون الطلابُ أولَ المستفيدين منه.
وليشمل الكتاب جميع المسائل المهمة في أصول الفقه قسمته إلى تمهيد وستة أبواب وخاتمة، على النحو التالي:
التمهيد: التعريف بأصول الفقه.
الباب الأول: الحكم الشرعي.
الباب الثاني: أدلة الأحكام الشرعية.
الباب الثالث: دلالة الألفاظ.
الباب الرابع: التعارض وطرق دفعه.
الباب الخامس: الاجتهاد.
الباب السادس: التقليد.
وقد رأيت أن لا أثقل الكتاب بالهوامش والحواشي، فاقتصرت على توثيق المعلومات التي لا يتكرر وجودها في كتب التخصص، أو التي فيها شيء من الغرابة.
وفي تخريج الأحاديث اقتصرت على عزو الحديث لمن خرَّجه في الصلب، وإذا خُرّج في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت به.
واللهَ أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.
والحمد لله أولا وآخرا. وصلى الله وسلم على رسوله وآله وصحبه أجمعين.
عياض السلمي
الرياض ١/ ١/١٤٢٦هـ
стр. 4
التمهيد
التعريف بأصول الفقه
١ - نشأة أصول الفقه:
أصول الفقه ككثير من العلوم الإسلامية لم يأخذ شكله النهائي الذي يميزه عن سائر علوم الشريعة إلا في آخر القرن الثاني، أما في العهد النبوي وعهد الصحابة وأوائل عهد التابعين فلم يكن أصول الفقه علما مستقلا متميزا عن غيره من علوم الشريعة، ولكن قواعده العامة كانت موجودة منذ عهد رسول الله ﷺ ، فالأدلة الشرعية التي هي موضوع هذا العلم الرئيس كانت معروفة، والاستدلال بالكتاب والسنة والقياس كان حاصلا في عهد رسول الله ﷺ ، ودلالة الكتاب والسنة كانت معروفة للصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بحكم معرفتهم بلغة العرب التي نزل بها القرآن وتكلم بها الرسول ﷺ ، فهم أمراء الفصاحة والبيان، وأعرف الناس بمعاني اللغة من حقيقة ومجاز، وإطلاق وتقييد، وعموم وخصوص، ومنطوق ومفهوم، ولم يكونوا بحاجة إلى أن توضع لهم قواعد تبين طرق الدلالات.
وهم بالإضافة إلى ما سبق قد عرفوا أسباب النزول، والظروف التي قيلت فيها الأحاديث القولية، وشهدوا الحوادث التي قضى فيها الرسول ﷺ بقضاء أو سنَّ فيها سنة، فأغناهم ذلك عن كثير مما احتاج إليه المتأخرون، وكانوا يجمعون إلى ذلك سلامة النية وحسن القصد في طلب الحق من غير هوى ولا تعصب.
كان الصحابة ﵃ يفزعون إلى الرسول ﷺ فيما يعرض لهم من الحوادث،
стр. 5
فإن كان الحكم قد أوحي إليه به أفتاهم وأرشدهم، سواء أكان الوحي متلواً أم غير متلو، وإن لم ينزل عليه في ذلك وحي صريح نظر فيما أوحي إليه، فإن ظهر له حكم المسألة أخبرهم به وإلا انتظر الوحي الذي لا يلبث أن يأتيه عن قرب بحكم ما أشكل عليه.
سئل رسول الله ﷺ عن الصدقة بالحمر الأهلية، فقال: «ما أُنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧ - ٨]» (متفق عليه).
فهذا استدلال من الرسول ﷺ بعموم الكتاب على مسألة جزئية، ومثله إنكاره على أبي بن كعب ﵁ تأخره عن إجابة ندائه لاشتغاله بالصلاة، واستدلاله عليه بعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤] (أخرجه أحمد والترمذي)، ومثل هذه القصة ما حصل لأبي سعيد بن المعلى ﵁ (أخرجه البخاري).
ومن اجتهاداته فيما لم يرد فيه نص بخصوصه ولا بعمومه اجتهاده في أخذ الفداء من أسرى بدر، وعقد الصلح مع أهل مكة عام الحديبية، وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب الاجتهاد إن شاء الله تعالى.
وأما الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة رسول الله ﷺ فكانوا يجتهدون في فهم النصوص من الكتاب والسنة، ويسأل بعضهم بعضا فيما خفي عليه، ويقيسون المسائل بما يشبهها، ولم يكونوا بحاجة إلى وضع قواعد تضبط استدلالهم مع حضور تلك القواعد في أذهان المجتهدين منهم، وكذلك كان الحال في عهد كبار التابعين مع ظهور التفاضل بينهم في العلم والفتوى.
وفي أواخر عهد التابعين بدأت المدارس الفقهية تظهر قدرا أكبر من التمايز
стр. 6
والاختلاف، فبرز في العراق ما سمي أخيرا بمدرسة أهل الرأي، وبرز في المدينة ما عرف بمدرسة أهل الحديث (١). وكان طلاب الفتوى يترددون بين علماء هذا الاتجاه أو ذاك، وربما سأل بعضهم في النازلة أكثر من عالم من غير أن ينكر هؤلاء أو أولئك على عوام الناس سؤالهم لمن يثقون به.
وكان في كل بلد من حواضر الإسلام علماء يرجع إليهم الناس في الفتيا والقضاء، ولهؤلاء العلماء طلاب تأثروا بمنهجهم واقتفوا آثارهم وربما التقى العلماء فتناظروا وأدلى كل منهم بحجته، فإما أن يرجع أحدهم إلى قول صاحبه أو يبقى على رأيه لقناعته بصحته لا حبا في الخلاف، وربما التقى الطلاب فتفاخر كل منهم بأستاذه ومعلمه.
وفي هذه الأثناء بدأ التعصب لرأي الشيخ والإعجاب به يطغى على الإنصاف عند بعض الطلاب، ولم تكن هناك قواعد يرجع إليها لوزن الآراء ومعرفة الراجح منها والمرجوح.
وفي هذا الوقت كثر اختلاط العجم بالعرب، وضعف اللسان العربي، ودخل الوضع في الحديث لنصرة مذهب سياسي أو لتأييد رأي، وتصدر للرواية من لم يكن أهلا، واحتاج القرآن إلى تفسير وإيضاح، واحتاجت السنة إلى تمييز الصحيح منها عن الضعيف.
ولذلك كله شرع الإمام الشافعي ﵀ في وضع قواعد تضبط الاستدلال، وتبين ما يصلح دليلا وما لا يصلح، وتبين عمل الفقيه عند تعارض الأدلة عنده، وتؤسس قواعد الفهم لنصوص الكتاب والسنة، فكتب الرسالة، وجعلها بمثابة مقدمة لكتاب الأم، فتلقاها أكثر الناس بالقبول وأعجبوا بها
стр. 7
حتى قال الإمام أحمد: «ما أحد من أصحاب الحديث حمل محبرة إلا وللشافعي عليه مِنَّة، فقلنا: يا أبا محمد كيف ذلك؟ قال: إن أصحاب الرأي كانوا يهزأون بأصحاب الحديث حتى علمهم الشافعي وأقام عليهم الحجة» (١). ولم يكن كتاب الرسالة هو كل ما كتبه الشافعي في أصول الفقه، بل كتب كتبا أخرى لكنها لم تكن في شمول الرسالة ولا في تمحضها لمسائل هذا العلم، ومن تلك الكتب اختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان، وجماع العلم، وكتاب أحكام القرآن (٢).
وبعد الإمام الشافعي تتابع التأليف في هذا العلم فكتب الإمام أحمد بن حنبل كتاب طاعة الرسول ﷺ ، وكتب داود الظاهري: الإجماع، وإبطال التقليد، وخبر الواحد، والخصوص والعموم، وكتب عيسى بن أبان كتابا في خبر الواحد، وكتب الكرخي رسالة في أصول الفقه طبعت مع كتاب تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي وهي تقع في ورقات قليلة أشبه بقواعد فقهية لعلماء الحنفية، ومن أقدم كتب الحنفية الموجودة: الفصول، لأبي بكر الجصاص، وهو مطبوع محقق.
وكان القرنان الخامس والسادس هما عصر ازدهار التأليف في أصول الفقه، حيث ظهرت فيهما أهم كتب أصول الفقه مثل العمد للقاضي عبد الجبار، والمعتمد لأبي الحسين البصري، واللمع، والتبصرة كلاهما لأبي إسحاق الشيرازي، والعدة للقاضي أبي يعلى، والمستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل للغزالي، والواضح لابن عقيل، والتمهيد لأبي الخطاب الكلوذاني، وأصول السرخسي، وأصول البزدوي، وإحكام الفصول، والإشارة، لأبي الوليد الباجي.
стр. 8
وفي أواخر القرن السادس وما بعده انتشرت المختصرات والشروح، فأما المختصرات فكان القصد منها الحفظ وجمع أكبر قدر من المسائل الأصولية في كتاب صغير يمكن حفظه. وأما الشروح فكان القصد منها حل ما في المختصرات من إشكال، وتفصيل ما فيها من إجمال، وتقريب المسائل بضرب الأمثلة وبيان الراجح من الأقوال بذكر الأدلة.
وفي العصر الحديث ضعفت همم الناس عن حفظ المختصرات، وقصرت أفهامهم عن إدراك ما فيها من المبهمات، ولم يجدوا من الوقت ما يقضونه في دراسة المطولات، من الشروح والمؤلفات، فاحتاجوا إلى نوع جديد من المؤلفات، يكون سهل العبارة محصلا للمقصود من أصول الفقه بأيسر طريق.
ولما كان أصول الفقه من علوم الآلة لا من العلوم التي تقصد لذاتها وإنما للتوصل إلى الفقه في الدين ومعرفة الحلال من الحرام بطريق يطمئن إليها العالم ويقتنع بها طالب العلم، لم أر بأساً من الإسهام في إعادة صياغة هذا العلم بأسلوب ميسر، مع المحافظة على أسسه وقواعده، ومحاولة التقريب بينه وبين الفقه، ليمتزج العلمان فتؤخذ الثمرة من المثمِر طرية يانعة.
وما يتخوّف منه بعض الغيورين من ابتعاد الناس عن كتب التراث وجهلهم بلغتها وأسلوبها إن هم اكتفوا بتلك المؤلفات الحديثة، لا أرى له ما يؤيده من النقل ولا من العقل؛ فإن النقل إنما جاء بالأمر بالتفقه في الدين ومعرفة حكم الله جل وعلا بالطريق الصحيح والعمل به: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢] «رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها»، ولم يتعبدنا الله جل وعلا بقراءة كتاب غير كتابه ولا بحفظ كلام سوى كلامه، ولم يتعبدنا الله بالاجتهاد في فهم معميات المختصرات، ولا بالاجتهاد في منطوق
стр. 9
كلام أحد من خلقه ومفهومه إلا كلام رسوله ﷺ الذي هو حجة يجب تأملها والنظر فيها وفق ما تقرر من قواعد الفهم والاستدلال.
وأما العقل فإنه يقتضي ضرورة البحث عن الحق بأيسر وسيلة وأقربها، وأن لا يضيع الإنسان عمره في سلوك الدروب المتعرجة مع تمكنه من الوصول إلى الغاية بالطريق المستقيم.
وليس معنى هذا الكلام الدعوة إلى ترك كتب المتقدمين والاكتفاء عنها بكتب المتأخرين، وإنما المقصود أن لا يظن من لم يسعفه ذهنه بإدراك كتب المتقدمين أن الطريق أمامه موصدة فيرضى بمرتبة التقليد، بل عليه أن يعرف مما كتبه المحدثون ما يمكنه من الاختيار والترجيح، ويعينه على معرفة القول الباطل من الصحيح.
٢ - تعريف أصول الفقه:
لا أظن أن هذا العلم بعد اشتهاره وكثرة المؤلفات فيه بحاجة إلى تعريف، فهو أشهر من أن يعرف، ولكن العادة جرت بأن كل من كتب في أصول الفقه يذكر تعريفه، إما لأن هذا العلم متداخل مع علوم شتى من علوم الشريعة مثل الفقه والحديث والتفسير، ومتداخل مع علوم اللغة كعلم المعاني والبيان والنحو، وإما لأن الذين كتبوا في هذا العلم من المتقدمين اعتادوا أن يذكروا تعريفه لأنه لم يتميز في عهدهم تميزا كاملا عن غيره من العلوم ثم جاء من بعدهم فقلدهم، وإما لأنهم تأثروا بما يقوله أهل المنطق من أنه يجب على كل من درس علما أن يعرف تعريفه وموضوعه وغايته، ثم يشرع في تعلم مسائله.
وإرضاء لرغبة عامة طلاب العلم أذكر التعريف المختار لهذا العلم بالنظر إلى كونه مركباً إضافياً، وبالنظر إلى كونه عَلَماً على عِلم مخصوص من علوم الشريعة.
стр. 10
أـ ... تعريف أصول الفقه بالنظر الأول:
أصول الفقه مركب من مضاف ومضاف إليه، وتعريفه يقتضي معرفة جزءيه، والمضاف إليه آصل من المضاف، فينبغي أن نعرفه أولا ثم نعرف المضاف.
تعريف الفقه:
الفقه في اللغة: الفهم، أو هو معرفة باطن الشيء والوصول إلى أعماقه، كما يقول الراغب الأصفهاني في المفردات، أو هو فهم الأشياء الدقيقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء٤٤] ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود٩١].
وفي الاصطلاح: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية».
شرح التعريف:
قولهم: (العلم): جنس، يشمل العلم بالأحكام الشرعية وبغيرها من التصورات والأحكام. والمراد به هنا مطلق الإدراك الشامل للظن واليقين. وليس المراد به الإدراك القطعي اليقيني؛ لأن كثيرا من مسائل الفقه ظنية، بل إن من العلماء من خص الفقه بمعرفة المسائل الاجتهادية ولم يجعل المسائل الظاهرة التي يشترك في معرفتها العامة والخاصة من الفقه. أو يقال: المراد بالعلم مجموعة المعارف المندرجة تحت هدف كلي واحد، كما يقال: علم الطب، وعلم الفلك، مع أن كثيرا من قضاياهما ظني. وهذا أولى من جواب الرازي الذي زعم فيه أن الفقه ليس من باب الظنون؛ لأنه مبني على مقدمتين قطعيتين فيكون قطعياً.
стр. 11
وهاتان المقدمتان هما:
١ - مقدمة وجدانية، وهي ما يجده المجتهد في نفسه من الظن بأن هذا حكم الله.
٢ - مقدمة إجماعية، وهي الإجماع على أن ما هذا شأنه يجب العمل به.
وإنما قلت: إن هذا أولى؛ لما في جواب الرازي من التكلف.
وقولهم: (بالأحكام): قيد أخرج العلم بما لا حكم فيه وهو التصور. والحكم يراد به هنا: إثبات أمر لآخر أو نفيه عنه.
وقولهم: (الشرعية): أخرج العلم بالأحكام غير الشرعية كالحكم بصحة العبارة لغة أو بخطئها، وكالعلم بنفع هذا الدواء للمريض وضرره، فالأول حكم لغوي، والثاني طبي.
وقولهم: (العملية) أي: المتعلقة بما يصدر عن الناس من أعمال كالصلاة والزكاة والصوم والبيع، وهذا القيد يخرج الأحكام الاعتقادية، فإن العلم بها لا يسمى فقها في الاصطلاح؛ لاختصاص الفقه بالعلم بالأحكام العملية، وهذا لا ينفي أنهم كانوا يطلقون اسم الفقه الأكبر على مسائل الاعتقاد، ولكن هذا العلم اختص باسم آخر وهو علم التوحيد أو علم الكلام.
وقولهم: (المكتسب): صفة للعلم، والعلم المكتسب هو الحادث الذي يحصل باجتهاد وعمل، فيخرج علم الله جل وعلا فإنه أزلي، وعلم جبريل ﵇ فإنه حصل بإعلام الله له ولا كسب له فيه، وعلم الرسول ﷺ بما أوحي إليه فإنه علم لدُنِّيٌّ فلا يسمى فقها في الاصطلاح، وأما ما حصل باجتهاد من الرسول ﷺ فيدخل في مسمى الفقه.
وقولهم: (من أدلتها التفصيلية)، متعلق بقولهم المكتسب، فالأدلة هي وسيلة اكتساب هذا العلم، وهذا يخرج علم المقلد فإنه ليس مكتسبا من الأدلة بل
стр. 12
اكتسبه بتقليد غيره.
والأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية الخاصة بكل مسألة فقهية، مثل آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣] الدالة على تحريم كل أجزاء الميتة. وحديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (أخرجه أحمد وأصحاب السنن من حديث ابن عباس مرفوعا، ومعناه في صحيح مسلم) الدال على طهارة جلد الميتة بالدبغ، وقياس الخنزير على الكلب في وجوب غسل الإناء من سؤره سبعا، وهكذا سائر الأدلة التفصيلية.
ومع أن كلمة الفقه لم تكن تطلق في الاصطلاح الأول إلا على الأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية بنوع من الاجتهاد، غير أن المتأخرين أصبحوا يطلقون هذه الكلمة على جميع الأحكام العملية التي تحويها كتب الفقه المصنفة مع أن فيها ما يشترك في معرفته الخاص والعام من المسلمين؛ لدلالة النصوص القطعية المشتهرة عليه، فيكون الفقه اسما لمجموع تلك المسائل لا للعلم بها أو ببعضها.
وتأسيساً على ما سبق أصبح اسم الفقيه يطلق على من عرف تلك الأحكام، سواء عرفها بنظر واجتهاد، أو عرفها تقليدا لإمام من الأئمة.
ولو راعينا المعنى المراد من كلمة الفقه في عرف القرآن والسنة وعرف الصحابة والتابعين، لقصرنا اسم الفقيه على من عرف الأحكام الشرعية التي تحتاج في إدراكها إلى نظر واجتهاد دون ما يشترك فيه عامة المسلمين، وكانت معرفته مبنية على إدراك أدلتها لا تقليداً لغيره، ولم نفرق بين الأحكام الاعتقادية والعملية.
وهاهنا سؤال أورده الآمدي وغيره، خلاصته: أن الفقه إذا كان هو العلم بالأحكام الخ، فينبغي أن لا يسمى فقيها إلا من علم تلك الأحكام كلها، وهذا
стр. 13
لا يجتمع لواحد بعد رسول الله ﷺ ، وقد ثبت عن العلماء توقفهم في بعض المسائل ولم يمنع ذلك من إطلاق وصف الفقه عليهم، ولم يخرجوا من الفقهاء لتوقفهم.
والجواب عنه: أن المراد بالعلم بتلك الأحكام ليس حضورها في ذهن العالم بالفعل، وإنما حضور أكثرها في ذهنه، وقدرته على استنباط بعضها بعد النظر والاجتهاد، فيكون علمه لبعضها بالفعل وللباقي بالقوة القريبة بحيث يستطيع معرفتها دون حاجة إلى تعلم علم جديد.
تعريف الأصول:
الأصول: جمع أصل، وهو في اللغة: ما يبنى عليه غيره. ويطلق على منشأ الشيء.
وفي الاصطلاح: أطلق لفظ الأصل على عدة معان، أهمها ما يلي:
١ - الدليل: كما يقول الفقهاء: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة والإجماع، أي: الدليل عليها.
٢ - القاعدة المستمرة: كما يقول الأصوليون: الأصل أن الخاص مقدم على العام عند التعارض، وكما يقول النحاة: الأصل في المبتدأ التقديم وفي الخبر التأخير.
٣ - الراجح: كما يقول الأصوليون: الأصل بقاء ما كان على ما كان. والأصل براءة الذمة من التكاليف الشرعية.
٤ - مخرج المسألة الفرضية، أي: العدد الذي تخرج منه الفروض المقدرة بلا كسر، كما يقول الفرضيون: أصل هذه المسألة كذا، وأصول المسائل ٢، ٣، ٤، ٦، ٨، ١٢، ١٨، ٢٤.
стр. 14
٥ - المقيس عليه، كما يقول الأصوليون في باب القياس: أركان القياس أربعة: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم.
وأقرب هذه المعاني لإطلاق الأصل هنا هو المعنى الأول ثم الثاني.
ب ـ ... تعريف أصول الفقه باعتباره علَماً:
وأما أصول الفقه الذي هو علَم على علم من علوم الشريعة فهو: كما عرفه الرازي: «مجموع طرق الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد».
شرح التعريف:
قوله: (مجموع طرق الفقه) أي: مجموع الطرق التي توصل إلى إدراك الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
وعبَّر بالطرق دون الأدلة؛ لأن الأدلة عند كثير من العلماء لا تشمل ما يفيد الظن مثل القياس والاستصلاح ونحوهما من الطرق التي جعلها الفقهاء أمارات على الأحكام، وإنما تطلق على النصوص القطعية والإجماع القطعي فحسب.
قوله: (الإجمالية): نسبة إلى الإجمال وهو ضد التفصيل، وعبر بالإجمالية ليخرج طرق الفقه التفصيلية التي يعد الاشتغال بها من عمل الفقيه كما أسلفنا.
وبحث الأصولي لا يتعلق بآية من القرآن بخصوصها كيف تدل على ما دلت عليه من الأحكام، ولا حديث بعينه، ولا قياس بعينه، وإنما يبحث في حجية الكتاب وحجية السنة وحجية القياس، وهكذا. فهو يبحث في عوارض تلك الأدلة وما توصف به من قوة أو ضعف وإحكام أو نسخ، وفي شروطها وترتيبها وكيفية الجمع بينها عند تعارضها في نظر من لم يتأملها جيدا.
стр. 15
قوله: (وكيفية الاستفادة منها) أي: طرق استفادة الأحكام من الأدلة والأمارات الموصلة إليها، وهذا يشمل طرق الدلالة اللفظية والعقلية، وطرق نصب الدليل الذي يوصل إلى معرفة الحكم الشرعي، سواء أكان الدليل نصّاً من قرآن أو سنة ونحوهما أم معقولا من النص كالقياس والاستصلاح وغيرهما، وهذا يدخل ما ذكره الأصوليون في دلالات الألفاظ من العام والخاص والمطلق والمقيد، والأمر والنهي، والمنطوق والمفهوم، كما يُدخل طرق معرفة العلة المستنبطة ونحو ذلك مما لا يخفى.
قوله: (وحال المستفيد) أي: وكيفية حال المستفيد، والمراد بالمستفيد صنفان: المجتهد والمقلد، فالمجتهد يستفيد الحكم من الدليل أو الأمارة التي نصبها الشرع لتهدي إلى الحكم. والمقلد يستفيد الحكم من المجتهد بسؤاله عنه.
وحال المجتهد والمقلد مما يدخل في أصول الفقه، فالعلم بشروط الاجتهاد وحكمه، وأنواع المجتهدين وآداب الاجتهاد وحكم التقليد وآداب الاستفتاء، وما يتبع ذلك كله داخل في أصول الفقه.
وهذا التعريف من أجود التعريفات التي ذكرها الأصوليون، غير أنه عبر بلفظ الكيفية، وهي مصدر صناعي من الكيف، وليست فصيحة كما يقول أهل اللغة، والأولى أن يستعاض عنها بلفظ صفة.
كما أنه يمكن الاستعاضة عن قوله: «طرق الفقه» بـ «أدلة الفقه»؛ لأن الدليل يطلق على القطعي والظني على الصحيح من قولي العلماء كما سيأتي.
وهناك من جعل أصول الفقه هو العلم بتلك الأدلة على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها. الخ.
والأصولي: هو من عرف طرق الفقه الإجمالية وصفة الاستفادة منها وحال المستفيد.
стр. 16
وقد شاع إطلاق اسم الأصولي على كل من له اشتغال بعلم أصول الفقه تعليما وتأليفا، كما شاع إطلاق أصول الفقه على الجملة الغالبة من مسائل هذا العلم، فصح أن يسمى أصوليا من أدرك غالب مسائله بالفعل وكانت له ملكة تمكنه من إدراك ما عداها دون حاجة إلى تعلم علم جديد أو التلقي عن عالم آخر.
٣ - موضوع أصول الفقه:
موضوع هذا العلم: الأدلة، سواء أكانت قطعية أم ظنية.
وقيل: موضوعه: الأدلة والأحكام.
والذي يظهر من تعريف الفخر الرازي الذي نقلناه فيما سبق، أن هذا العلم له ثلاثة موضوعات رئيسة هي:
١ - طرق الفقه على سبيل الإجمال، ويقصد بها الأدلة بنوعيها القطعي والظني، أو المتفق عليه والمختلف فيه، والبحث فيها يشمل حجيتها وقوتها في الإيصال إلى الحكم، وشروط حجيتها وترتيبها وجميع عوارضها.
٢ - صفة الاستفادة منها، وهذا يشمل طرق الدلالة أهي عقلية أم لفظية؟ حقيقية أم مجازية؟ بطريق المنطوق أم المفهوم؟ بطريق الخصوص أم العموم؟. وهذا يعرف عند المتأخرين بطرق الاستنباط، كما يشمل طرف معرفة العلة وإجراء الأقيسة.
٣ - صفة المجتهد والمقلد وما يتبع ذلك من شروط الاجتهاد وأحكامه، وسبيل دفع التعارض والمرجحات، ومعنى التقليد وأحكامه.
стр. 17
٤ - فوائد علم أصول الفقه:
لا شك أن العلم يشرف بشرف الغاية من تعلمه، وأصول الفقه له غايات عظيمة وفوائد كبيرة في الدنيا والآخرة، وأهم غاياته وأهدافه ما يلي:
١ - التفقه في الدين، ومعرفة ما للمكلف وما عليه من الحقوق والواجبات، وهذا يحصل بمعرفة أصول الفقه وتطبيق قواعده على الأدلة التفصيلية وعلى الحوادث الجزئية.
وقد يقول قائل إن الفقه قد جمع من قبل العلماء السابقين، ودونت فيه الدواوين الكبيرة فلا حاجة إلى البدء من حيث بدأوا، فلم تبق حاجة لدراسة علم أصول الفقه.
والجواب أن كثرة ما كتب في علم الفقه يدعو طالب العلم إلى تعلم أصول الفقه؛ ليعرض هذه الثروة الفقهية الضخمة التي اختلفت فيها أقوال الفقهاء وتعددت أدلتهم على الميزان العادل، والمحك المظهر للخطأ من الصواب، وهو أصول الفقه، فمن عرف أصول الفقه نظرا وتطبيقا يمكنه أن يعرف من تلك الأقوال والمذاهب ما هو أقرب إلى الحق وأجرى على قواعد الشريعة. والخلاصة أن كثرة المؤلفات الفقهية تدعو إلى تعلم هذا العلم والتعمق فيه لنقد الأقوال وبيان الراجح من المرجوح.
٢ - معرفة الحكم الشرعي لكل ما يجدُّ من الحوادث والوقائع التي لم يرد فيها بخصوصها نص صريح ولا ظاهر بيِّن، ولم يتكلم عنها الفقهاء السابقون لعدم وجودها في عصرهم. ونحن نرى في هذه الأيام حجم المسائل التي تعرض على المجامع الفقهية من حيث عددها ومن حيث خطورتها وأهميتها وتعقيدها، حتى إن بعضها يتوقف فيه علماء المجمع الفقهي ولا يصدرون فيه فتوى لعدم اكتمال صورته في أذهانهم، أو للحاجة إلى مزيد بحث في
стр. 18
الأدلة، أو للاختلاف في تكييفه.
ومن القضايا التي جدت في هذا العصر على غير مثال سابق: التلقيح الصناعي، وأطفال الأنابيب، والرحم المستعار، وتجميد الأجنة والبويضات، والاستنساخ، وقضايا الحاسوب وبرامجه، وقضايا الانترنت، وإجراء العقود عن طريقه، والقضايا السياسية وكيفية حلها كالقضايا الحدودية بين الدول وما أشبه ذلك.
٣ - معرفة حِكَم الشريعة وأسرارها بالتأمل في علل الأحكام ومقاصدها ومعرفة المقاصد الشرعية الضرورية والحاجية والتحسينية، وتنزيل كل مقصد في منزلته عند التزاحم، ومعرفة ترتيب الواجبات والمستحبات لتقديم الأقوى دليلا والأكثر نفعا على ما سواه، ومعرفة المصالح والمفاسد ومعرفة المعتبر منها في الشرع والملغى، ومعرفة درجات المعتبر لتقديم ما يستحق التقديم.
٤ - مواجهة خصوم الشريعة الإسلامية الذين يزعمون أن الشريعة لم تعد صالحة للتطبيق في هذا الزمن، وذلك ببيان قدرة الشريعة على استيعاب حاجات الناس في الحاضر والمستقبل، وقدرتها على حل مشاكل الناس بما يتفق مع نصوص الوحي وعمل الصحابة والتابعين، وهذا لا يتم إلا بمعرفة أصول الفقه والقدرة على القياس والتخريج، والإحاطة بطرق الاستنباط من منطوق ومفهوم، وخصوص وعموم، وإطلاق وتقييد ونحو ذلك مما يدرس في أصول الفقه، ولو انصرف الناس عن دراسة هذا العلم لانسد باب الاجتهاد، ووقف الناس عندما اشتملت عليه كتب الفقه القديمة التي كتبت لتستوعب مشاكل العصر الذي هي فيه.
٥ - حماية الفقيه من التناقض، فالفقيه الذي لم يتعمق في دراسة هذا العلم تأتي فتاواه متناقضة فيفرق بين المتماثلات، ويسوي بين المختلفات، وهذا
стр. 19
يضعف الثقة فيما يقول، ويسيء إلى الشريعة ويقلل من قيمتها في نفوس الجاهلين بها من المسلمين أو غيرهم. وأما من أحاط بأصول الفقه تأصيلا وتطبيقا فإنه يبرز الوجه المشرق للشريعة الربانية، ويكون بفتاواه وآرائه داعيا للإسلام مرغبا فيه ذابا عنه شبه الأعداء.
وأخيراً ربما يظن كثير من الناس أن أصول الفقه تقتصر فائدته على الفقه في المسائل العملية، والحق خلاف ذلك؛ فإن فائدة هذا العلم لا يستغني عنها المفسر والمحدث والمتكلم والباحث في العقائد، وكل من يحتاج إلى فهم نصوص الوحي والاستدلال بها، فإن هذا العلم عبارة عن قواعد للفهم الصحيح والاستدلال الصحيح، والجمع بين ما ظاهره التعارض، ولهذا نستطيع القول إن تسميته بأصول الفقه لا يعني اقتصار فائدته على استنباط الأحكام الفقهية، ولعل الذين سموا مؤلفاتهم بالأصول من غير تقييد بالفقه لحظوا هذا الملحظ فعمموا، ومن هؤلاء الغزالي الذي سمى كتابه: «المستصفى من علم الأصول» والرازي سمى كتابه: «المحصول من علم الأصول» والبيضاوي سماه: «منهاج الأصول في علم الأصول» والشوكاني سماه: «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول».
والناظر في مسائل هذا العلم يجد كلامهم عن أصول التفسير وأصول الحديث إلى جانب طرق الاستنباط من الأدلة النقلية التي يستوي في الحاجة إليها المفسر والمحدث وغيرهما.
стр. 20
٥ - استمداد أصول الفقه:
يستمد علم أصول الفقه مادته مما يلي:
١ - القرآن الكريم والسنة النبوية:
فإن هذين المصدرين هما أساس العلوم الشرعية كلها، فكل علم لا أصل له في الكتاب والسنة فليس من علوم الشريعة.
ووجه استمداده من هذين المصدرين أن موضوعات علم أصول الفقه ثلاثة أنواع كما سبق، أهمها أدلة الأحكام، والقرآن والسنة ترجع إليهما جميع الأدلة التي يذكرها الأصوليون سواء أكانت نقلية أم عقلية، محل اتفاق أم محل اختلاف، فحجية الإجماع والقياس والمصالح والاستحسان والعرف وشرع من قبلنا وأقوال الصحابة، راجعة إلى الكتاب والسنة، وطرق الدلالة، وطرق دفع التعارض بين الأدلة، وبيان منزلة كل دليل، راجع إلى الكتاب والسنة، ولهذا نجد أن أكثر القواعد الأصولية قد استدل عليها بالقرآن أو بالسنة أو بهما معاً.
٢ - علم أصول الدين، ويعبر عنه أكثرهم بعلم الكلام:
ووجه استمداد أصول الفقه منه أن العلم بالأدلة الإجمالية وصحة الاستدلال بها مبني على معرفة الله تعالى وصفاته وما يجب له سبحانه وما يجوز له وما يمتنع إطلاقه عليه، والعلم بصدق الرسول ﷺ فيما جاء به عن ربه وما يجوز أن يقع من الرسول ﷺ وما لا يجوز.
٣ ـ اللغة العربية:
ووجه استمداده من اللغة العربية: أن اللغة هي وعاء الكتاب والسنة، والكتاب نزل بلغة العرب، والسنة القولية جاءت بلسان الرسول العربي، والاستدلال بهما مبني على معرفة طرق العرب في الإفهام والفهم، ومن جملة
стр. 21
أصول الفقه طرق دلالة الألفاظ على المعاني من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، واشتراك وإجمال، ومنطوق ومفهوم، وحقيقة ومجاز، وهذه كلها إنما يتبع فيها ما جرى عليه عرف أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم وتكلم الرسول ﷺ بها، إلا أن يكون للشرع عرف حادث فيقدم عند الاحتمال.
وفي هذا يقول إمام الحرمين: «ومن مواد أصول الفقه العربية؛ فإنه يتعلق طرف صالح منه بالكلام على مقتضى الألفاظ، ولن يكون المرء على ثقة من هذا الطرف حتى يكون محققا مستقلا باللغة العربية» (١).
٤ ـ الفقه:
وجَعْل الفقه مما يستمد منه أصول الفقه مشكل؛ من جهة أن الفقه كما عرفوه هو: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية» فلو كان الأصول مستمدا من الفقه لما عرف إلا بعد معرفة الفقه، والحال أن الفقه لا يعرف إلا بعد معرفة الأصول فيكون دوراً ممتنعاً.
وعدل الآمدي وغيره إلى الاستعاضة عن الفقه بالأحكام الشرعية، وأوضح أن المقصود تصوُّر تلك الأحكام ومعرفة حقائقها حتى يتصور إثباتها أو نفيها، ولا يقصد معرفة وجودها أو نفيها في آحاد المسائل؛ فإن هذا لا يعرف إلا بمعرفة أصول الفقه.
ومراد من عبر بالفقه: أن أصول الفقه يحتاج في إدراكه إلى إدراك أمثلة من الفقه يمثل بها لتتضح القواعد الأصولية، فالأصولي حين يتكلم عن طرق الدلالة يحتاج إلى ضرب أمثلة فقهية توضح مقصده، وإلا كان كلامه نظريا يصعب استيعابه وفهمه، كما أنه لا بد له من معرفة معنى الأحكام الفقهية
стр. 22
كالواجب والمندوب والحرام والمكروه الخ؛ لأنه حين يقرر حجية السنة يقرر أن طاعة الرسول ﷺ واجبة، وأن معصيته حرام، ولا بد من تصور معنى الواجب والحرام، وهكذا سائر القواعد الأصولية.
وأما من جعل المستمد منه الأحكام الشرعية كالآمدي ومن تبعه، فمراده تصور معنى المحرم والمكروه والمباح والواجب والمندوب والصحيح والفاسد، ونحو ذلك من الأحكام.
стр. 23
الباب الأول
الحكم الشرعي
تعريفه:
الحكم في اللغة: المنع، ومنه سميت حَكَمَةُ الدابة وهي حديدة في اللجام، لأنها تمنع الدابة من مخالفة مراد صاحبها. ويطلق الحكم بمعنى القضاء، وفيه معنى المنع؛ لأن قضاء القاضي يمنع ضياع الحقوق.
وفي اصطلاح جمهور الأصوليين: «خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع».
وعند الفقهاء: هو مقتضى خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين الخ، أو مدلول خطاب الله الخ.
ومال بعض الأصوليين إلى اختيار هذا التعريف؛ لأن التعريف الأول يلزم منه اتحاد الدليل والحكم في التعريف، والمعروف عند الفقهاء التفريق بينهما.
شرح التعريف:
قولهم: (خطاب الله)، الخطاب في اللغة توجيه الكلام نحو الغير لإفهامه. والمرادا بخطاب الله هنا: أمره ونهيه، وخبره وما تفرع عنه من وعد ووعيد، وتعليق على سبب أو شرط ونحو ذلك. وهو يشمل ما عرف من كلامه المقروء الذي أوحاه إلى رسوله ﷺ سواء أكان قرآنا أم سنة، وما عرف من فعل الرسول ﷺ ، وما عرف من سائر الأدلة فإنها عائدة إلى الوحي المتلو أو غير المتلو، وما هو عائد إليهما أو إلى أحدهما فهو بمنزلتهما.
стр. 24
وهذا التفسير أولى من تفسير بعضهم للخطاب بأنه الكلام النفسي؛ لأن إطلاق هذا اللفظ يجر إلى الوقوع في مذهب القائلين إن كلام الله ليس هو اللفظ المسموع، بل هو معنى قائم بذاته، وأن القرآن المسموع عبارة عن كلام الله وليس كلام الله. وهذا مردود بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦]. فإنه يدل على أن كلام الله هو ذلك اللفظ المسموع المقروء، وما تضمنه من المعنى المراد لله جل وعلا.
ولا يمكن تفسير الخطاب هنا بأنه كلام الله بلفظه ومعناه؛ لأنه حينئذ لا يشمل إلا الخطاب الوارد في القرآن فيخرج ما دلت عليه السنة وما دل عليه الإجماع والقياس وغيرهما من الأدلة؛ لأن لفظها ليس من الله.
وقولهم: (المتعلق بأفعال المكلفين)، أي: الذي له ارتباط بأفعال المكلفين من جهة كونها مطلوبة أو غير مطلوبة، ومن جهة صحتها وفسادها وما يتبع ذلك.
وأفعال المكلفين: كل ما يدخل تحت قدرة المكلف، فتشمل الأعمال القلبية، وأعمال الجوارح فيدخل في ذلك إيجاب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، كما تدخل أفعال الجوارح من صلاة وحج وزكاة ونحو ذلك.
وتشمل الإقدام على الفعل والكف عنه، فيدخل إيجاب الصوم الذي هو كف عن الطعام والشراب والجماع بنية، كما يدخل إيجاب الصلاة التي هي عبارة عن أفعال وأقوال مخصوصة.
والمراد بالمكلفين: من توافرت فيهم شروط التكليف الآتي ذكرها. والأولى أن يعبر بلفظ العباد؛ ليشمل المكلف وغيره؛ لأن من الأحكام ما يتعلق بالصغير والمجنون، وليسا مكلفين.
стр. 25
وقولنا: المتعلق بأفعال المكلفين (أو العباد على ما هو الأولى)، يخرج كل خطاب من الله جل وعلا تعلَّق بما عدا ذلك، كالخطاب المتعلق بما لا يعقل من وصف للكون وما فيه من جبال وأشجار وأنهار وشمس وقمر ونحو ذلك، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات ٤٧ - ٤٨]، وكذلك ما ورد من ذكر أحوال الماضين كقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٧ - ١١] فهذه الآيات وأمثالها ليست بالنظر إلى ذاتها حكما شرعيا، ولكن إذا ضم إليها ما ورد من الأمر بالتصديق بما جاء به محمد ﷺ من الوحي وما ورد من وجوب الاعتبار في أحوال الماضين والاتعاظ بما جرى لهم صارت متعلقة بأفعال المكلفين فتكون حكما.
وكذلك الآيات المتعلقة بذوات المكلفين كأصل خلقهم الوارد في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه ٥٥] وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧١]، فمن حيث إنها متعلقة بذوات المكلفين لا يصدق عليها تعريف الحكم، ولكن إذا ضممنا إلى ذلك ما أراده الله جل وعلا وأمر به من وجوب شكر النعمة صارت أحكاما. ولهذا المعنى قال بعض العلماء إن جميع آيات القرآن الكريم تستنبط منها أحكام شرعية، وأنكروا على من حصر آيات الأحكام في خمسمائة آية أو نحوها.
وقولهم: (بالاقتضاء)، المراد بالاقتضاء: الطلب، سواء أكان طلب فعل أم طلب ترك.
وطلب الفعل نوعان: طلب الفعل طلبا جازما، وهذا يسمى إيجابا، وطلب
стр. 26
الفعل طلبا غير جازم ويسمى الندب.
وأما طلب الترك فنوعان أيضا وهما: طلب الترك طلبا جازما، وهو المسمى بالتحريم، وطلب الترك طلبا غير جازم، وهو المسمى بالكراهة.
ويعرف كون الطلب جازما أو غير جازم بطرق سيأتي بيانها عند الكلام عن أقسام الحكم التكليفي وتعريف كلٍّ منها.
وقولهم: (أو التخيير)؛ لإدخال القسم الخامس من أقسام الحكم التكليفي وهو الإباحة، وهو تخيير الشارع بين الفعل والترك، وقد أسقط بعضهم هذه الزيادة؛ لأن الإباحة ليست حكما شرعيا عنده بل هي حكم عقلي سابق للأحكام الشرعية، وهذا خطأ؛ فإن الإباحة حكم شرعي ولكنها قد تعرف بخطاب التخيير، وقد تعرف بسكوت الشارع عن الأمر والنهي، وقد تعرف بما سوى ذلك.
وقولهم: (أو الوضع)، المراد بالوضع: جعْلُ الشيءِ سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو وصفه بالصحة أو الفساد أو البطلان.
وهذه الزيادة أسقطها بعضهم من تعريف الحكم؛ لأن ما عرف بالأحكام الوضعية راجع عنده إلى الأحكام التكليفية فلا حاجة إلى هذه الزيادة، وأما الذين أثبتوها فقد رأوا أن نصب الأسباب والشروط والموانع والإخبار عن التصرفات بأنها صحيحة أو فاسدة لا يدخل في التعريف إلا بهذه الزيادة.
وأما تعريف الحكم الشرعي عند الفقهاء فهو: مقتضى خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين الخ. والسبب في ميلهم إلى هذا أن الحكم عندهم صفة لفعل المكلف، ولهذا يقسمونه إلى حرام ومكروه وواجب ومندوب ومباح.
وعند الأصوليين الحكم اسم للخطاب الوارد من الله جل وعلا، فلا يقسمونه إلى حرام وواجب الخ , بل إلى تحريم وإيجاب الخ كما سيأتي.
стр. 27
أقسام الحكم الشرعي:
الحكم الشرعي عند الأصوليين قسمان: الحكم التكليفي، والحكم الوضعي.
هذا هو الشائع عندهم، ولكن الأولى أن يقسم ثلاثة أقسام كما هو واضح من تعريفه السابق، وهذه الأقسام هي:
١ - الحكم التكليفي.
٢ - الحكم التخييري.
٣ - الحكم الوضعي.
وذلك لأن الإباحة ليست من الأحكام التكليفية على الصحيح، وإنما عدت مع الأحكام التكليفية للاكتفاء بتقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي، وعدم زيادة قسم ثالث في أقسام الحكم الشرعي غير القسمين المذكورين.
وقد تكلف بعضهم لإدخال الإباحة في الحكم التكليفي فقال: إن دخولها في هذا القسم جاء من جهة وجوب اعتقاد الإباحة فيما سوَّى الشرع فيه بين الفعل والترك، ولا يخفى أنها حينئذ ليست إباحة وإنما هي إيجاب، وأن الحكم الوضعي يساوي الإباحة في ذلك، فلا بد أن نعتقد سببيَّة ما جعله الله سببا وشرطيَّة ما جعله شرطا.
والحكم التكليفي هو: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء. وهذا يشمل الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة.
فالإيجاب: طلب الفعل طلباً مشعراً بالذم على الترك. كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء ٧٨].
والندب: طلب الفعل طلباً مُشعراً بعدم الذم على الترك. كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ
стр. 28
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور ٣٣]، وقد عرف كونه مشعرا بعدم الذم على الترك من جهة أن الكتابة بيع العبد نفسه، وقد استقر في الأفهام أن الله لا يوجب على الإنسان بيع ماله، أو من حال الرسول ﷺ مع أصحابه؛ فإنه لم يلزم أحدا منهم بمكاتبة عبده.
والتحريم: طلب ترك الفعل طلبا مشعراً بالذم على الفعل. كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٣٢].
والكراهة: طلب ترك الفعل طلبا مشعرا بعدم الذم على الفعل. كقوله ﷺ : «لا يمش أحدكم بالنعل الواحدة»، وقد علم إشعاره بعدم الذم من كونه أدبا قصد به عدم تضرر الماشي.
وأما الحكم التخييري فهو: التسوية بين الفعل والترك. كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧].
وأما الحكم الوضعي فهو: خطاب الله بجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا. وسيأتي تعريف كل منها وأمثلته بعد الفراغ من أقسام الحكم التكليفي عند الفقهاء.
تقسيم الحكم التكليفي عند الفقهاء:
الفقهاء يتكلمون في بيان حكم أفعال العباد، ولذلك جعلوا الحكم صفة لفعل العبد وقسموه إلى خمسة أقسام هي: الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح.
والحنفية زادوا على هذه الأقسام قسمين آخرين هما: الفرض، والمكروه كراهة تحريم.
وسنتكلم عن كل واحد من هذه الأقسام باختصار؛ لأن المقصود من ذكرها معرفة اصطلاحات الفقهاء، والقدرة على تصور الأحكام الشرعية.
стр. 29
الواجب
تعريفه:
الواجب في اللغة: الساقط، يقال: وجب إذا سقط. ويطلق الواجب بمعنى اللازم. وهذا الإطلاق ذكره بعض أهل اللغة ولكنه قد يكون متأثرا بالمعنى الشرعي للكلمة.
وفي الشرع هو: كل ما ورد الشرع بذم تاركه مطلقا.
وهو يشمل ما جاء في الشرع ذم لتاركه سواء أكان عملاً أم اعتقاداً.
ولفظ (مطلقاً) متعلق بتاركه، أي أن الذم يتناول من ترك الواجب تركا مطلقا، فلم يتركه في أول الوقت دون آخره، ولم يتركه ليفعل ما يقوم مقامه، ولم يتركه لقيام غيره من المكلفين به.
وهذا القيد في التعريف جيء به ليكون الحد جامعا لثلاثة أنواع من الواجبات هي:
١ - الواجب الموسع: كالصلاة التي يجوز تركها في أول الوقت مع فعلها في أثنائه، فلولا زيادة لفظ مطلقا لقيل إن الواجب الموسع في أول الوقت ليس بواجب؛ لأنه لا يذم تاركه.
٢ - الواجب المخير: مثل وجوب التكفير عن اليمين الحانثة بواحد من ثلاثة: العتق، والإطعام، والكسوة. فكل واحد من هذه الثلاثة بخصوصه يجوز تركه من غير ذم لكن بشرط أن يفعل غيره، فلولا زيادة وصف الترك بالإطلاق لقيل الواجب المخير ليس داخلا.
стр. 30
٣ - الواجب الكفائي: مثل غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، فهذا واجب على عموم المسلمين العالمين بموت ذلك المسلم، ولكن لو تركه بعضهم وفعله آخرون لم يأثم التارك ولم يذم، فلو لم نصف الترك بقولنا مطلقا، للزم خروج الواجب الكفائي لأن تاركه لا يذم، ولما زدنا هذا الوصف دخل الواجب الكفائي؛ لأن تركه ليس مطلقا بل من بعض المكلفين دون بعض.
стр. 31
أقسام الواجب
١ - تقسيم الواجب بالنظر إلى ذاته:
ينقسم الواجب بالنظر إلى ذاته قسمين: معين، ومخير.
فالمعيَّن هو: ما طلبه الشرع بعينه من غير تخيير بينه وبين غيره. مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة ونحو ذلك.
والمخير هو: الواجب الذي خُيِّر فيه المكلف بين أشياء محصورة. مثل كفارة اليمين فإنها واجبة، ولكن المكلف مخير بين ثلاثة أشياء: العتق، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوة عشرة مساكين.
وهذا النوع أنكره المعتزلة؛ لوجود التضاد بين الإيجاب والتخيير، وقالوا كيف يسمى واجباً ثم يوصف بالتخيير.
والخلاف بينهم وبين الجمهور خلاف لفظي لا فائدة فيه؛ لأن المنكرين لوجود الواجب المخير يقولون: هذه الخصال واجبة على البدل، ولا يقولون يجب على المكلف أن يفعل الثلاثة ولا أنه يأثم على ترك الثلاثة كل على حدة، والمثبتون يقولون الواجب واحد غير معين. وقد جعل بعضهم من أثر الخلاف أن المكلف لو فعل اثنتين من خصال الكفارة دفعة واحدة فهل يثاب ثواب الفرض عليهما؟ وجعل مقتضى مذهب المعتزلة أنه يثاب عليهما ثواب فرض، ومقتضى مذهب الجمهور أنه يثاب على إحداهما ثواب الفرض وعلى الأخرى ثواب النافلة، ولا يخفى أن تقدير الثواب غيب عنا، وتحكمه عوامل أخرى من الإخلاص وطيب النفس بما يبذل الإنسان وغير ذلك.
٢ - تقسيم الواجب بالنظر إلى وقته:
ينقسم الواجب بهذا الاعتبار إلى مؤقت وغير مؤقت:
فالمؤقت: هو ما حدد له الشرع وقتا معينا، له بداية ونهاية. مثل الصلاة.
стр. 32
وغير المؤقت: هو المطلق عن التوقيت الذي لم يحدد له الشرع وقتا معينا. مثل أداء النذور والكفارات.
والمؤقت ينقسم قسمين: مضيق، وموسع.
فالواجب المضيق: هو الذي حدد له الشرع وقتا لا يتسع لغيره من جنسه معه. مثل الصيام، فإن الصيام له وقت محدد يبدأ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا الوقت لا يتسع إلا لصيام واحد، فلا يمكن أن يصوم يوما واحدا عن القضاء وعن النذر مثلا، ولكن هذا الوقت يتسع لغير الصيام من الواجبات والمندوبات التي ليست صياما، ولهذا المعنى قلنا: لا يتسع لغيره من جنسه معه.
والموسع: عكس المضيق، فهو: الذي حدد له الشرع وقتا يتسع له ولغيره من جنسه معه. ومثاله: الصلاة، فإن الوقت المحدد لصلاة العشاء مثلا يبدأ من غروب الشفق الأحمر ويمتد إلى نصف الليل لمن لا عذر له. فهذا الوقت يتسع لصلاة الفرض ولصلاة أخرى غير فرض العشاء.
وهذا النوع أنكر بعض الحنفية وجوده، فقالوا: ليس في الشرع واجب موسع؛ لأن التوسع ينافي التوقيت، ولأن ما يسميه الجمهور واجبا موسعا يجوز تركه في أول الوقت ولا يجوز تركه إلى خروج الوقت باتفاق. والحجة عليهم قائمة بوجوده في الشرع، كالصلاة التي لها وقت حدده الشرع وهو أوسع مما يحتاج إليه المكلف لأدائها، وقد ورد في الحديث الصحيح أن جبريل ﵇ صلى بالنبي ﷺ الصلوات الخمس مرة في أول الوقت، ومرة في آخره ثم قال: «الوقت ما بين هذين» (أخرجه الترمذي وأحمد والنسائي بألفاظ متقاربة).
وقد انقسم الحنفية عند الجواب عن هذا الدليل إلى فرق:
أ ـ ... فرقة قالت: الصلاة في أول الوقت نفل سد مسد الفرض، ولا تكون
стр. 33
فرضا إلا حين يضيق الوقت فلا يبقى منه إلا ما يكفي لأدائها.
ب ـ وفرقة قالت: من صلى الصلاة في أول الوقت تكون في حقه فرضا إن جاء آخر الوقت وهو مكلف بالصلاة أي: بالغ عاقل. وإن جاء آخر الوقت وهو ليس بأهل للصلاة عددنا صلاته قبل ذلك نافلة.
ج ـ وفرقة قالت: الوقت يتضيق عليه بالشروع فيها، فإذا شرع فيها فذلك وقتها.
وقولهم: إنه يجوز تركه في أول الوقت دون آخره، يجاب عنه بأنه في أول الوقت يجوز تركه بشرط العزم على الفعل في الوقت الآتي، وهذا يختلف عن حد المندوب؛ فإن المندوب يجوز تركه بلا شرط.
والخلاف بين الفريقين راجع إلى أن سبب وجوب الصلاة أهو آخر الوقت أم كل جزء من أجزاء الوقت يصلح سببا؟ فمن جعله آخر الوقت أنكر التوسع في الوجوب، ومن جعل كل جزء من أجزاء الوقت يصلح سببا أثبته.
وقد بنوا على الخلاف مسائل فرعية، أهمها:
١ - أن من سافر بعد دخول الوقت يقتضي مذهب الجمهور أنه لا يجوز له القصر، ويقتضي مذهب الحنفية أنه يجوز له ذلك. ولكن جمهور العلماء على جواز القصر، وعذرهم عن عدم تطبيق قاعدتهم: أن القصر صفة في الصلاة فيراعى بها حالة أدائها، فالمقيم الذي دخل عليه الوقت وجب عليه أداء الصلاة من غير تحديد لعدد ركعاتها، فإن صلاها في الحضر صلاها أربعا، وإن صلاها في السفر صلاها اثنتين. قال النووي: «ففي وجه قاله المزني وابن سريج لا يجوز القصر، وعلى الصحيح المنصوص وقول جمهور أصحابنا يجوز القصر، فعلى هذا إنما جاز القصر لأنه صفة للصلاة، والاعتبار في صفتها بحال فعلها لا بحال وجوبها، ولهذا لو فاته صلاة في
стр. 34
حال قدرته على القيام أو الماء ثم عجز عنهما صلاها قاعدا بالتيمم وأجزأته» (١).
٢ - إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة بزمن كان يمكنها أن تؤدي الصلاة فيه، فعلى القول بأن كل جزء من الوقت سبب للوجوب فيجب عليها القضاء إذا طهرت، وعلى القول بأن سبب الوجوب آخر الوقت فلا قضاء عليها.
والمنصوص عليه عند الحنفية أنها لا قضاء عليها، وعلله بعضهم بأنها لم تدرك الوقت الذي تعلق به الوجوب، وعلله آخرون بأنها إذا لم تصل في أول الوقت انتقلت السببية إلى الوقت الذي يليه، وهكذا إلى أن يتضيق الوقت.
والجمهور اختلفوا في ذلك: فمنهم من أوجب القضاء؛ لأن كل جزء من الوقت يصلح سببا، فإذا حاضت بعد دخوله استقر الواجب في ذمتها، ومنهم من قال لا قضاء عليها لأنها فعلت ما يجوز لها فعله وهو ترك الصلاة في أول الوقت، مع العزم على فعلها في آخره ثم حيل بينها وبين أدائها بسبب ليس من جهتها، والقول الأول أقرب؛ لقاعدتهم في الواجب الموسع.
٣ - إذا أخر الواجب الموسع فمات في أثنائه قبل ضيق الوقت، فعلى القول بإنكار التوسع لا إثم عليه، وعلى القول بإثبات التوسع اختلفوا:
فمنهم من قال: إن أخرها ذاكرا، ولم يعزم على الفعل في الوقت يكون آثما، وإن أخرها ناسيا أو عازما على الفعل في الوقت فلا إثم عليه، وهذا
стр. 35
هو المناسب للقول بالتوسع، وبأن أول الوقت سبب لوجوب الصلاة.
وقيل: لا إثم عليه وإن لم يعزم على الفعل في آخر الوقت، وهو مرجوح؛ لأنه إذا كان ذاكرا فإما أن يفعل أو يعزم على الفعل أو يعزم على الترك، فإذا لم يفعل فليس أمامه سوى خيارين، وأحدهما محرم، فيكون الثاني واجبا لأنه لا يتم ترك الحرام إلا به فيكون واجبا، وهو العزم على الفعل في تالي الوقت (١).
الفرق بين الواجب الموسع والواجب المضيق:
١ - الواجب الموسع لا يصح أداؤه إلا بنية اتفاقا، وأما الواجب المضيق كالصوم في رمضان، فعند أكثر الحنفية أنه لا يحتاج إلى نية الفرض، بل ينصرف الصوم إليه من غير نية تخصيصه، وعند الجمهور لا بد من النية (٢).
٢ - أن الواجب الموسع لا يمتنع صحة غيره من الواجبات في زمنه، فله أن يصلي في وقت الظهر ظهرا فائتة أو صلاة أخرى، وأما الواجب المضيق فليس له أن يؤدي في وقته غيره إلا إذا كان ممن يجوز له ترك هذا الواجب كالمسافر في رمضان، فقد اختلفوا هل يجوز أن ينوي بصيامه في رمضان واجبا آخر كالكفارة والنذر مثلا؟ فقال بعضهم: لا يجوز؛ لأن وقت رمضان مضيق فلا يتسع لغيره، وقال بعضهم: إذا كان معذورا لا يكون مطالبا بصيام رمضان، ولا دليل على منعه من صيام نذر أو كفارة (٣).
стр. 36
٣ - تقسيم الواجب بالنظر إلى المخاطب بفعله:
ينقسم الواجب بالنظر إلى المخاطب بفعله قسمين: عيني وكفائي:
الواجب العيني: وهو ما طلب الشرع فعله من كل مكلف بعينه، كالصلاة والزكاة والحج.
الواجب الكفائي: وهو ما طلب الشرع حصوله من غير تعيين فاعله.
وهذا النوع يدخل فيه ما أوجبه الله على الأمة بمجموعها من غير تخصيص أفراد بأعيانهم كالجهاد، وما أوجبه على جماعة محصورة من غير تحديد من يقوم به منهم بعينه كوجوب غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، فإن ذلك واجب على من حوله من المسلمين.
أهم الفروق بين الواجب العيني والواجب الكفائي:
١ - أن الواجب العيني مطلوب من كل واحد من المكلفين بعينه، فلا يقوم فعل غيره مقام فعله إلا بإذنه، فإن أذن له في فعله نيابة عنه فإن كان الواجب مما تدخله النيابة أجزأه ما يفعله ذلك الغير عنه وإلا فلا. وأما الواجب الكفائي فلا يطلب من كل واحد ولا من واحد معين، بل إذا قام به من يكفي أجزأ، ولا يشترط فيه الإذن، بل مهما فعل أجزأ عمن لم يفعل وسقط عنه الإثم.
٢ - أن الواجب العيني مصلحته ترجع إلى فاعله، أما الواجب الكفائي فمصلحته عامة.
٣ - الواجب الكفائي ينوب فيه البعض عن الكل، وأما الواجب العيني فلا يكفي فعل بعض المكلفين عن بعضهم الآخر.
٤ - الأمر في الواجب العيني موجه لجميع المكلفين، أي: لكل واحد منهم،
стр. 37
والأمر في الواجب الكفائي اختلف فيه:
فقيل: إنه موجه للجميع لكن يسقط بفعل البعض.
وقيل: موجه إلى بعض غير معين.
وقيل: متوجه إلى المجموع من حيث هو مجموع.
واستدل الأولون بأدلة منها:
١ - أن الواجبات الكفائية الواردة في القرآن والسنة جاءت بصيغة العموم كالواجبات العينية، فقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة ٢١٦]، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، مع أن الأول كفائي والثاني عيني.
٢ - أن الإثم يلحق الجميع إذا تركوا، ولو لم يكونوا مخاطبين به ما أثموا.
واستدل القائلون بأنه موجه إلى بعض مبهم بدليلين:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢]. فالخطاب هنا موجه إلى بعض مبهم وهو متعلق بواجب كفائي.
٢ - أنه يسقط بفعل بعض المكلفين، ولو خوطب به الجميع لما سقط إلا بفعل الجميع كسائر الواجبات العينية.
وأما القائلون إن الخطاب موجه إلى المجموع لا إلى الجميع، أي إلى الهيئة الاجتماعية، فاستدلوا بدليل واحد هو: أنه لو وجه الخطاب فيه إلى الجميع (إلى كل فرد) لما سقط بفعل بعضهم، ولو وجه إلى بعض مبهم لترك؛ لأن كل مكلف سيقول لست مقصودا، فلم يبق إلا أن نقول متوجه إلى المجموع من حيث
стр. 38
هو مجموع.
والراجح: أنه متوجه إلى الجميع ويسقط بفعل بعضهم؛ لرجحان أدلة هذا القول.
وأما استدلال من أوجبه على بعض مبهم بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة ١٢٢] فيجاب بأن الأمر هنا ليس أمر إيجاب بل ندب واستحباب؛ بدليل أنه جاء بصيغة الحض والترغيب في النفقة.
وأما استدلالهم بأنه يسقط بفعل بعض المكلفين، فيجاب بأنه لا تلازم بين الأمر بالشيء والمخاطبة به، وسقوط الفعل، فإن الواجب العيني لا خلاف في توجه الأمر فيه إلى كل واحد من المكلفين، ومع ذلك يسقط من غير فعل بالنسخ، أو بفوات الوقت المحدد للعبادة عند من يرى ذلك، أو بأخذ الواجب منه دون إذنه، أو بإسقاط صاحب الحق إن كان حقا لآدمي.
وأيضا فإن سقوط الواجب الكفائي بفعل بعض الأمة؛ لأجل أن المقصود من فرضيته إيجاده بغض النظر عن موجده. ومما يدل على صحة هذا القول أنهم لو فعلوه جميعا أثيبوا ثواب الفرض، ولو تركوه جميعا عوقبوا عقاب تارك الفرض.
٤ - انقسام الواجب إلى محدد وغير محدد:
مما يذكره الأصوليون هنا انقسام الواجب إلى محدد وغير محدد.
ويعنون بالمحدد: ما ورد تقديره في الشرع بمقدار ظاهر لكل أحد، كمقادير الزكاة، وأروش الجنايات، ومدة المسح.
ويعنون بغير المحدد: ما طلب فعله من غير تحديد مقداره، مثل الطمأنينة في الركوع والسجود. وهو تقسيم لا يترتب عليه كبير فائدة.
стр. 39
ما لا يتم الواجب إلا به
هذه القاعدة من القواعد الأصولية المهمة التي انبنى عليها فقه كثير، وهي ليست على الإطلاق المذكور في العنوان، ولا تصدق بعمومها. وإنما نقول: ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم قسمين:
١ ـ ما لا يتم الوجوب إلا به، كشروط الوجوب، وأسبابه، وانتفاء موانعه، فهذه ليست واجبة باتفاق، فليس على المكلف أن يمسك عن إنفاق ما عنده من مال حتى يتم الحول ويزكيه، وليس عليه أن يمسك ما عنده من بهيمة الأنعام أو يزيدها حتى تبلغ نصابا لتجب فيها الزكاة مثلا. وإنما يتصرف في ماله تصرفا عاديا من غير هروب من الزكاة، فإذا حال الحول وعنده نصاب زكاة زكاه وإلا فلا. فهذه الشروط والأسباب وإن كانت داخلة في عموم «ما لا يتم الواجب إلا به» لكنها غير مرادة.
٢ ـ ما لا يمكن عقلاً أو شرعاً أو عادةً أن يفعل الواجب تاما إلا بفعله، وهذا ينقسم أيضا قسمين:
أ ـ ... ما ليس بمقدور للمكلف، كغسل اليد في الوضوء إذا تعذر لقطع ونحوه، وكالركوع والسجود إذا تعذر ليبس في ظهره ونحو ذلك. فهذا خارج عن القاعدة فلا يجب باتفاق.
ب ـ ما هو مقدور للمكلف، مثل غسل جميع الثوب الذي أصابته نجاسة ولا يدري موضعها، وإمساك جزء من الليل مع النهار حتى يتم صيام النهار، والوضوء للصلاة، ونيتها. وهذا ينقسم أيضا قسمين:
١ - ما ورد في إيجابه نص مستقل كالوضوء والنية للصلاة، وهذا واجب
стр. 40
باتفاق، ولم ينقل عن أحد فيه خلاف.
٢ - ما لم يرد فيه بخصوصه دليل مستقل، وهذا هو موضع النزاع، وهو الذي قال بعض العلماء فيه: لا نسميه واجبا وإن وجب فعله تبعا.
والخلاف في هذه القاعدة ضعيف، والقاعدة معمول بها عند جميع الأئمة، ومن نقل فيها خلافا فإنما هو في التسمية، وفي استحقاق هذه الزيادة ثوابا مستقلا. وإنما قال الجمهور: تسمى هذه الزيادة واجبا؛ لأنها لا يجوز تركها أبدا إلا بترك الواجب، وترك الواجب يذم عليه المكلف فكذلك ما لازمه.
ومن فروع هذه المسألة:
١ - إذا اشتبهت أخته بأجنبية اشتباها لا يمكن معه معرفة المحرمة عليه منهما بأي طريق، وجب عليه ترك نكاح الاثنتين. ويؤيده حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». ولكن لو اشتبهت أخته بنساء قرية لا يحرم عليه النكاح من نساء تلك القرية؛ لأن القاعدة هنا عارضتها قاعدة أخرى وهي قاعدة: «العبرة بالغالب لا بالنادر».
٢ - إذا اشتبهت الميتة بمذكاة وجب اجتنابهما معا؛ لأن إحداهما منصوص على تحريمها، والأخرى لا يتم اجتناب الحرام إلا باجتنابها.
٣ - إذا أصابت النجاسة طرفاً من ثوبه كالكم ـ مثلا ـ ولم يعرف موضعها، فإنه يغسل ما يتيقن بغسله أنه غسل النجاسة، وحينئذ يكون قد غسل ما وجب غسله بالنص وما لا يتم فعل ذلك الواجب إلا به.
٤ - إذا امتنع المدين من سداد الدين وعنده عقار زائد عن حاجة السكنى وجب عليه بيعه لسداد الغرماء، فإن امتنع أجبره القاضي.