٣ - تقسيم الواجب بالنظر إلى المخاطب بفعله:
ينقسم الواجب بالنظر إلى المخاطب بفعله قسمين: عيني وكفائي:
الواجب العيني: وهو ما طلب الشرع فعله من كل مكلف بعينه، كالصلاة والزكاة والحج.
الواجب الكفائي: وهو ما طلب الشرع حصوله من غير تعيين فاعله.
وهذا النوع يدخل فيه ما أوجبه الله على الأمة بمجموعها من غير تخصيص أفراد بأعيانهم كالجهاد، وما أوجبه على جماعة محصورة من غير تحديد من يقوم به منهم بعينه كوجوب غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، فإن ذلك واجب على من حوله من المسلمين.
أهم الفروق بين الواجب العيني والواجب الكفائي:
١ - أن الواجب العيني مطلوب من كل واحد من المكلفين بعينه، فلا يقوم فعل غيره مقام فعله إلا بإذنه، فإن أذن له في فعله نيابة عنه فإن كان الواجب مما تدخله النيابة أجزأه ما يفعله ذلك الغير عنه وإلا فلا. وأما الواجب الكفائي فلا يطلب من كل واحد ولا من واحد معين، بل إذا قام به من يكفي أجزأ، ولا يشترط فيه الإذن، بل مهما فعل أجزأ عمن لم يفعل وسقط عنه الإثم.
٢ - أن الواجب العيني مصلحته ترجع إلى فاعله، أما الواجب الكفائي فمصلحته عامة.
٣ - الواجب الكفائي ينوب فيه البعض عن الكل، وأما الواجب العيني فلا يكفي فعل بعض المكلفين عن بعضهم الآخر.
٤ - الأمر في الواجب العيني موجه لجميع المكلفين، أي: لكل واحد منهم،
стр. 37
والأمر في الواجب الكفائي اختلف فيه:
فقيل: إنه موجه للجميع لكن يسقط بفعل البعض.
وقيل: موجه إلى بعض غير معين.
وقيل: متوجه إلى المجموع من حيث هو مجموع.
واستدل الأولون بأدلة منها:
١ - أن الواجبات الكفائية الواردة في القرآن والسنة جاءت بصيغة العموم كالواجبات العينية، فقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة ٢١٦]، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، مع أن الأول كفائي والثاني عيني.
٢ - أن الإثم يلحق الجميع إذا تركوا، ولو لم يكونوا مخاطبين به ما أثموا.
واستدل القائلون بأنه موجه إلى بعض مبهم بدليلين:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢]. فالخطاب هنا موجه إلى بعض مبهم وهو متعلق بواجب كفائي.
٢ - أنه يسقط بفعل بعض المكلفين، ولو خوطب به الجميع لما سقط إلا بفعل الجميع كسائر الواجبات العينية.
وأما القائلون إن الخطاب موجه إلى المجموع لا إلى الجميع، أي إلى الهيئة الاجتماعية، فاستدلوا بدليل واحد هو: أنه لو وجه الخطاب فيه إلى الجميع (إلى كل فرد) لما سقط بفعل بعضهم، ولو وجه إلى بعض مبهم لترك؛ لأن كل مكلف سيقول لست مقصودا، فلم يبق إلا أن نقول متوجه إلى المجموع من حيث
стр. 38
هو مجموع.
والراجح: أنه متوجه إلى الجميع ويسقط بفعل بعضهم؛ لرجحان أدلة هذا القول.
وأما استدلال من أوجبه على بعض مبهم بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة ١٢٢] فيجاب بأن الأمر هنا ليس أمر إيجاب بل ندب واستحباب؛ بدليل أنه جاء بصيغة الحض والترغيب في النفقة.
وأما استدلالهم بأنه يسقط بفعل بعض المكلفين، فيجاب بأنه لا تلازم بين الأمر بالشيء والمخاطبة به، وسقوط الفعل، فإن الواجب العيني لا خلاف في توجه الأمر فيه إلى كل واحد من المكلفين، ومع ذلك يسقط من غير فعل بالنسخ، أو بفوات الوقت المحدد للعبادة عند من يرى ذلك، أو بأخذ الواجب منه دون إذنه، أو بإسقاط صاحب الحق إن كان حقا لآدمي.
وأيضا فإن سقوط الواجب الكفائي بفعل بعض الأمة؛ لأجل أن المقصود من فرضيته إيجاده بغض النظر عن موجده. ومما يدل على صحة هذا القول أنهم لو فعلوه جميعا أثيبوا ثواب الفرض، ولو تركوه جميعا عوقبوا عقاب تارك الفرض.
٤ - انقسام الواجب إلى محدد وغير محدد:
مما يذكره الأصوليون هنا انقسام الواجب إلى محدد وغير محدد.
ويعنون بالمحدد: ما ورد تقديره في الشرع بمقدار ظاهر لكل أحد، كمقادير الزكاة، وأروش الجنايات، ومدة المسح.
ويعنون بغير المحدد: ما طلب فعله من غير تحديد مقداره، مثل الطمأنينة في الركوع والسجود. وهو تقسيم لا يترتب عليه كبير فائدة.
стр. 39
ما لا يتم الواجب إلا به
هذه القاعدة من القواعد الأصولية المهمة التي انبنى عليها فقه كثير، وهي ليست على الإطلاق المذكور في العنوان، ولا تصدق بعمومها. وإنما نقول: ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم قسمين:
١ ـ ما لا يتم الوجوب إلا به، كشروط الوجوب، وأسبابه، وانتفاء موانعه، فهذه ليست واجبة باتفاق، فليس على المكلف أن يمسك عن إنفاق ما عنده من مال حتى يتم الحول ويزكيه، وليس عليه أن يمسك ما عنده من بهيمة الأنعام أو يزيدها حتى تبلغ نصابا لتجب فيها الزكاة مثلا. وإنما يتصرف في ماله تصرفا عاديا من غير هروب من الزكاة، فإذا حال الحول وعنده نصاب زكاة زكاه وإلا فلا. فهذه الشروط والأسباب وإن كانت داخلة في عموم «ما لا يتم الواجب إلا به» لكنها غير مرادة.
٢ ـ ما لا يمكن عقلاً أو شرعاً أو عادةً أن يفعل الواجب تاما إلا بفعله، وهذا ينقسم أيضا قسمين:
أ ـ ... ما ليس بمقدور للمكلف، كغسل اليد في الوضوء إذا تعذر لقطع ونحوه، وكالركوع والسجود إذا تعذر ليبس في ظهره ونحو ذلك. فهذا خارج عن القاعدة فلا يجب باتفاق.
ب ـ ما هو مقدور للمكلف، مثل غسل جميع الثوب الذي أصابته نجاسة ولا يدري موضعها، وإمساك جزء من الليل مع النهار حتى يتم صيام النهار، والوضوء للصلاة، ونيتها. وهذا ينقسم أيضا قسمين:
١ - ما ورد في إيجابه نص مستقل كالوضوء والنية للصلاة، وهذا واجب
стр. 40
باتفاق، ولم ينقل عن أحد فيه خلاف.
٢ - ما لم يرد فيه بخصوصه دليل مستقل، وهذا هو موضع النزاع، وهو الذي قال بعض العلماء فيه: لا نسميه واجبا وإن وجب فعله تبعا.
والخلاف في هذه القاعدة ضعيف، والقاعدة معمول بها عند جميع الأئمة، ومن نقل فيها خلافا فإنما هو في التسمية، وفي استحقاق هذه الزيادة ثوابا مستقلا. وإنما قال الجمهور: تسمى هذه الزيادة واجبا؛ لأنها لا يجوز تركها أبدا إلا بترك الواجب، وترك الواجب يذم عليه المكلف فكذلك ما لازمه.
ومن فروع هذه المسألة:
١ - إذا اشتبهت أخته بأجنبية اشتباها لا يمكن معه معرفة المحرمة عليه منهما بأي طريق، وجب عليه ترك نكاح الاثنتين. ويؤيده حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». ولكن لو اشتبهت أخته بنساء قرية لا يحرم عليه النكاح من نساء تلك القرية؛ لأن القاعدة هنا عارضتها قاعدة أخرى وهي قاعدة: «العبرة بالغالب لا بالنادر».
٢ - إذا اشتبهت الميتة بمذكاة وجب اجتنابهما معا؛ لأن إحداهما منصوص على تحريمها، والأخرى لا يتم اجتناب الحرام إلا باجتنابها.
٣ - إذا أصابت النجاسة طرفاً من ثوبه كالكم ـ مثلا ـ ولم يعرف موضعها، فإنه يغسل ما يتيقن بغسله أنه غسل النجاسة، وحينئذ يكون قد غسل ما وجب غسله بالنص وما لا يتم فعل ذلك الواجب إلا به.
٤ - إذا امتنع المدين من سداد الدين وعنده عقار زائد عن حاجة السكنى وجب عليه بيعه لسداد الغرماء، فإن امتنع أجبره القاضي.
стр. 41
زيادة الواجب غير المحددة هل تكون واجبة ؟:
هذه المسألة تذكر بعد قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؛ لشبهها بها، وذلك لأن كلا منهما زيادة في الواجب، غير أن الأولى كالشرط للواجب فلا يتم بدونها، والثانية متصلة به من آخره، وهذه الزيادة إذا كانت متميزة لا يختلفون في أنها ليست واجبة، مثل أن يدفع في زكاة الفطر كيسا من الأرز فيه عشرون صاعا، وزكاته هو وأسرته خمسة عشر صاعا، فهذه الزيادة مندوبة، وأما إن كانت غير متميزة مثل الزيادة في الركوع والسجود على القدر الذي تحصل به الطمأنينة، فهذه اختلفوا فيها على قولين، ولا يترتب على الخلاف فيها كبير فائدة؛ إذ لا يظهر للخلاف فائدة إلا مقدار الثواب أيثاب عليها ثواب فرض أم ثواب نافلة؟ ومقدار الثواب يرجع إلى أمور أخرى من الإخلاص وإتقان العمل، وهو أمر مغيب عنا، فلا نطيل بذكر الأدلة.
стр. 42
المندوب
تعريفه وطرق معرفته:
المندوب في اللغة: اسم مفعول، من الندب، وهو الدعاء، فيكون معنى المندوب: المدعو إليه.
وفي الاصطلاح: هو ما طلب الشرع فعله طلبا غير جازم.
ويعرف كون الفعل مندوباً بطرق كثيرة منها:
١ - الأمر المقترن بما يدل على جواز الترك، كالأمر في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور ٣٣] فالأمر بمكاتبة العبيد للندب؛ لأن النبي ﷺ لم يشدد على الصحابة في مكاتبة عبيدهم، بل أقرهم على إمساك الأرقاء مع علمه بما فيهم من الخير.
٢ - الترغيب فيه بذكر ثوابه من غير أمر، كقوله ﷺ : «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» (متفق عليه).
٣ - بيان محبة الله للفعل، كقوله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» (متفق عليه).
٤ - مدح فاعله، كقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣].
стр. 43
٥ - فعل الرسول ﷺ للفعل تقربا من غير أن يأمر به، مثل الاعتكاف.
هل المندوب مأمور به حقيقة ؟:
اختلف العلماء في تسمية المندوب مأموراً به حقيقة:
فذهب الأكثر إلى أنه مأمورٌ به حقيقة، واستدلوا بأن فعله يسمى طاعة، والطاعة هي امتثال الأمر، وبأن انقسام الأمر إلى أمر إيجاب وأمر ندب شائع ذائع عند حملة الشرع.
وذهب آخرون إلى أنه ليس مأمورا به حقيقة، بل مجازا، واستدلوا بحديث: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (متفق عليه).
ووجه الاستدلال من الحديث أنه يدل على أن الرسول ﷺ لم يأمرهم بالسواك خشية المشقة، مع أنه ندبهم إليه بقوله وفعله، فعلم من هذا أن الندب ليس أمرا حقيقة وأن المندوب ليس مأمورا به حقيقة، وهذا الاستدلال قوي.
وقد أجاب عنه الأولون بأن المراد لأمرتهم أمر إيجاب. وفي الجواب نظر؛ لأنه تأويل لا حاجة له.
ومما يشكل على القول الأول أنه يلزم منه أن الأمر مشترك بين الإيجاب والندب، وهذا خلاف ما عليه الجمهور في مقتضى الأمر كما سيأتي.
أسماء المندوب:
يسمى المندوب عند جمهور العلماء من المذاهب الثلاثة غير المذهب الحنفي بأسماء كثيرة، أهمها: السنة، والمستحب، والرغيبة، والنافلة، والتطوع، ونحو ذلك.
стр. 44
وعند بعض الحنفية ينقسم المندوب إلى:
سنة هدى: وهي ما كان أخذها هدى، وتركها ضلالة، ويمثلونها بصلاة العيد، والأذان، والإقامة، والصلاة في جماعة، وتركها يستوجب اللوم والعتاب. وهذا النوع يسميه الجمهور سنة مؤكدة، ويمثلونه بصلاة الوتر، ولهذا قال أحمد: «تارك الوتر رجل سوء» مع أنه لا يرى وجوب الوتر.
سنة مطلقة: وهي ما فعله الرسول ﷺ ولم يأمر به أمر إيجاب، مثل السنن الرواتب، وصيام الاثنين والخميس، ونحو ذلك.
نافلة: وهي ما شرع من العبادات الزائدة على الفروض.
وذهب بعض الحنابلة إلى تقسيم المندوب إلى ثلاثة أقسام:
سنة: وهي ما عظم أجره.
نافلة: وهي ما قل أجره.
فضيلة ورغيبة: وهو ما توسط أجره.
وهذا تقسيم مبني على عظم الأجر، وذلك أمر مغيب عنا، والأجر يختلف باختلاف النية والإخلاص وإحسان الفعل.
ومن الألفاظ المشهورة عند الفقهاء:
السنة المؤكدة: وهي ما فعله النبي ﷺ وواظب عليه في الحضر والسفر، مثل الوتر وسنة الفجر.
والمستحب: وهو ما رغب فيه النبي ﷺ فعله أو لم يفعله، مثل صيام يوم وترك يوم، فإن الرسول ﷺ قال: «خير الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما» ولم يفعل هذا، ومما فعله صيام الاثنين والخميس، وصيام عاشوراء.
стр. 45
هل يلزم المندوب بالشروع فيه ؟:
اختلف العلماء في ذلك، ومحل الخلاف فيما عدا الحج والعمرة والصدقة، فأما الحج والعمرة فقد اتفقوا على وجوب إتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٩٦]. وأما الصدقة بالمال كالنفقة على الفقير فلا خلاف في جواز قطعها.
١ - ذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى أن المندوب يجب بالشروع فيه، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
أـ ... قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٣]، ووجه الدلالة: أن الآية فيها نهي عن إبطال العمل، والنهي يقتضي التحريم، وإذا حرم إبطال المندوب وجب إتمامه.
ب ـ ... ما روي أن النبي ﷺ قال لأحد الصحابة ـ وكان صائما صوم تطوع ـ: «كل وصم يوما مكانه» (أخرجه الدارقطني من حديث جابر ﵁) ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أمره بالقضاء، والأصل في الأمر الوجوب، ولا يأمر بقضائه إلا إذا كان واجبا.
ج ـ ... أن المندوب ينقلب واجبا إذا نذره، فالنذر صير المندوب واجبا بالقول، أي بقوله: لله علي كذا، والشروع في المندوب فعل صيّر المندوب لله فوجبت صيانته عن الإفساد. وخلاصة هذا الدليل قياس الشروع في الفعل على النذر.
د ـ ... القياس على الحج والعمرة.
وذهب الجمهور إلى عدم وجوبه بالشروع فيه، واستدلوا بأدلة منها:
стр. 46
أ ـ ... قول الرسول ﷺ : «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر»، ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة؛ فإن الرسول ﷺ جعل الصائم المتطوع مخيرا بين الصيام والفطر، وإذا كان الصيام المندوب لا يجب بالشروع فيه فكذلك سائر المندوبات، إلا ما قام عليه دليل بخصوصه كالحج.
ب ـ ... أن الرسول ﷺ كان يسأل أهله: «أعندكم طعام؟» فإن قالوا نعم أكل منه، وإلا قال: «إني إذا صائم» (أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة). ووجه الاستدلال أنه يكون ناويا الصوم، ثم إن وجد طعاما أكل وإلا أكمل صيامه.
ج ـ ... أن النبي ﷺ أمر الرجل الذي كان صائما أن يفطر كما مر في الحديث الذي استدل به للحنفية. ووجه دلالته على عدم الوجوب أنه لو كان إتمامه واجبا لما أمره بالفطر؛ لأنه يكون آمرا بمعصية، والرسول ﷺ لا يأمر بمعصية.
وقول الجمهور أرجح.
وأما الاستدلال بالآية فالمقصود بها إبطال الأعمال بالرياء أو بالردة.
وأما الحديث فهو دليل للجمهور؛ لأن الرسول ﷺ أجاز للصائم المتطوع أن يفطر، وقوله: «صم يوماً مكانه» ندب؛ لأنه عوض عن ندب.
وأما تشبيه الشروع بالنذر فبعيد جدا، وإلا لوجب على من شرع في الإنفاق على فقير أن يستمر، ولم يقل بذلك أحد.
وأما القياس على الحج والعمرة فمردود؛ للفرق بينهما وبين سائر الواجبات.
وثمرة الخلاف تظهر في إيجاب القضاء، فعند أبي حنيفة إذا شرع في نفل ثم قطعه وجب عليه القضاء، وعند الجمهور لا يجب.
стр. 47
الحرام
تعريفه وطرق معرفته:
هو ما يذم شرعا فاعله. أي: ما عُرف من الشرع ذم فاعله، سواء عرف ذلك بقرآن أو سنة أو إجماع أو دليل آخر.
ويعرف كون الفعل حراماً بطرق منها:
١ - النهي عنه من غير أن تصحبه قرينة تدل على أنه للكراهة. مثل الزنا، فقد نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء٣٢].
٢ - النص على الخبر بتحريمه، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة٢٧٥].
٣ - ذم فاعله، مثل قوله ﷺ : «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» (أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس مرفوعا).
٤ - توعد الفاعل بالعقاب، كقوله تعالى ـ بعد ذكر بعض المحرمات ـ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان٦٨ - ٦٩].
أقسام الحرام:
يقسم بعض العلماء الحرام قسمين:
١ - حرام لذاته: وهو ما كان مفسدة في ذاته. مثل القتل، والسرقة، وأكل لحم الخنزير.
стр. 48
٢ - حرام لغيره: وهو ما تكون مفسدته ناشئة من وصف قام به لا من ذاته. مثل الصلاة في المقبرة، والبيع وقت نداء الجمعة الثاني.
وقد يطلق الحرام لغيره على ما حرِّم لكونه وسيلة إلى الحرام، مثل النظر إلى مفاتن المرأة الأجنبية.
التضاد بين الحرام والواجب:
الحرام ضد الواجب، والنهي ضد الأمر، ولهذا لا يمكن أن يكون الشيء الواحد بالعين حراما واجبا، مأمورا به منهيا عنه من جهة واحدة.
وما قد يبدو أنه كذلك فإما أن يكون واحداً بالجنس لا بالعين كالسجود، فإنه إذا وقع للصنم كان حراما، وإذا وقع لله كان واجبا أو مندوبا، فهذا ليس من الواحد بالعين، بل من الواحد بالجنس أو بالنوع، وإما أن يكون الواحد بالعين له جهتان تنفك إحداهما عن الأخرى فيكون حراما من جهة وطاعة من جهة أخرى، ومثّل له بعضهم بالصلاة في الدار المغصوبة؛ فإنها من حيث كونها صلاة طاعة لله، ومن حيث كونها في دار مغصوبة معصية؛ لأن الغصب محرم، ولذا قالوا إنها صحيحة ومجزئة وعليه إثم الغصب، ونظيرها أن يأمر السيد عبده بخياطة ثوبه وينهاه عن دخول دار بعينها، فلو دخل الدار وخاط الثوب استحق المدح على خياطة الثوب واستحق الذم على دخول الدار.
وذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة في الدار المغصوبة ليس لها إلا جهة واحدة فلا يمكن أن تكون صحيحة، واستدلوا على ذلك بأن الصلاة عبارة عن قيام وقعود وركوع وسجود، ولا بد لهذه الأفعال من مكان تفعل فيه عادة، فالمكان شرط عادي لأداء الصلاة، فإذا كان المكان منهيا عن اللبث فيه كان البقاء فيه حراما وجميع ما يفعل فيه باطلا محرما لا يمكن أن يكون طاعة.
والصحيح: أن الواحد بالعين إذا كان النهي ليس منصبا عليه بذاته، ولا
стр. 49
على هيئته المكونة من الفعل وصفته لا يبطل، وإلا كان باطلا، فالوارد في الشرع في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة ليس فيه النهي عن الصلاة ولا عن الصلاة في الدار المغصوبة، بل فيه النهي عن الغصب والأمر بالصلاة، فالجهة منفكة فتصح الصلاة ويأثم على الغصب.
أما إذا انصب النهي على ذات المأمور به فيكون نسخا كالنهي عن المتعة بعد الأمر بها، وكذلك إذا اتجه النهي إلى الموصوف مع صفته كالنهي عن بيع الملامسة والمنابذة، والنهي عن الصلاة في المقبرة ونحوها، فالمنهي عنه باطل.
فإذا ضبط الطالب هذه القاعدة أمكنه أن يعرف الفعل الذي له جهتان تنفك إحداهما عن الأخرى فيمكن أن يكون حراما من جهة وطاعة من جهة، والفعل الذي ليس له إلا جهة واحدة أو له جهتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى فلا يمكن أن يكون حراما طاعة.
стр. 50
المكروه
تعريفه وطرق معرفته:
المكروه في اللغة: المبغَض.
وفي الشرع: هو المحرَّم؛ لأن الله تعالى ذكر بعض المحرمات، ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء٣٨]، وقال ﷺ : «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة ﵁).
والمقصود بقيل وقال: نقل الكلام للنميمة أو للغيبة، والمذكورات في الحديث محرَّمة.
وفي اصطلاح الأصوليين والفقهاء، يطلقه الجمهور على: «ما نهى عنه الشرع نهيا غير جازم» أو: «ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله» مثل المشي بنعل واحدة، والإعطاء والأخذ بالشمال.
ويطلقه الحنفية على شيئين:
١ - المكروه كراهة تحريم، وهو: ما نهى عنه الشرع نهيا جازما، ولكنه ثبت بطريق ظني، مثل أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
٢ - المكروه كراهة تنزيه، وهو: ما نهى عنه الشرع نهيا غير جازم. وهو مرادف للمكروه عند الجمهور.
стр. 51
وكون الشيء مكروها كراهة تنزيه يعرف بأمور، منها:
١ - النهي عنه مع وجود قرينة تدل على عدم العقاب على الترك، مثل: المشي بنعل واحدة؛ فإن النهي عنه خرج مخرج التأديب والحمل على ما يناسب المروءة، وترك ما يضادها.
٢ - أن يترتب على فعل الشيء الحرمان من فضيلة، مثل: أكل الثوم والبصل، فمن أكلهما ممنوع من دخول المسجد.
стр. 52
المباح
تعريفه وطرق معرفته:
وهو في اللغة: المأذون فيه، والمطلق.
وشرعا: ما خير الشرع فيه بين الفعل والترك. مثل: أكل اللحوم وغيرها من الأطعمة مما لم يأت نهي عن أكله.
والإباحة تعرف بطرق منها:
١ - النص على التخيير بين الفعل والترك. مثل:
ـ ... قوله ﷺ لمن سأله عن الوضوء من لحوم الغنم: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ» (رواه مسلم)، وهو يدل على إباحة الأمرين، وقد يستدل على فضل الوضوء بدليل آخر.
ـ ... وتخيير بريرة ـ حين عتقت وزوجها عبد ـ بين المفارقة والبقاء تحته (متفق عليه) فهو يدل على إباحة الأمرين.
ـ ... وقوله ـ لمن سأل عن صيام رمضان في السفر ـ: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» (رواه البخاري).
٢ - نفي الإثم والمؤاخذة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٢٩].
٣ - النص على الحل، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
стр. 53
نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧].
٤ - الأمر الوارد بعد الحظر، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة ١٠].
٥ - كون الفعل مسكوتا عنه؛ فإن الأصل في الأشياء المنتفع بها الحل، ومن أمثلة ذلك: الانتفاع بوسائل الحياة المتطورة في هذا العصر، من مآكل ومشارب، ووسائل الاتصال الحديثة، والنقل، ونحو ذلك.
стр. 54
القسم الثاني
الحكم الوضعي
تعريفه:
الحكم الوضعي: هو خطاب الله تعالى بجعْلِ الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً أو فاسداً.
أقسام الحكم الوضعي:
أـ ... السبب:
السبب في اللغة: ما يحصل الشيءُ عنده لا به. ومنه سمي الحَبْل سببا، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج ١٥].
وفي الاصطلاح: يطلق على عدة معانٍ هي:
١ - العلامة المعرِّفة للحكم، مثل قولهم: غروب الشمس سبب للفطر، وطلوع الفجر سبب لوجوب الإمساك في رمضان.
٢ - العلة الكاملة، أي: العلة المستكملة شروطها المنتفية موانعها، كما يقال: أخذ المكلف، المال البالغ ربع دينار فصاعدا، خفية، من حرز مثله، بلا شبهة، سبب القطع في السرقة. وكقولهم: الوطء في فرج محرم، بلا شبهة، من مكلف، هو سبب حد الزنى.
وبالنظر إلى هذين المعنيين عرفه بعضهم بأنه: «ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته»، وهذا التعريف ينطبق على المعنى الثاني (العلة
стр. 55
الكاملة)؛ وذلك لأن السرقة إذا توافرت فيها الشروط وانتفت الموانع لزم من وجودها وجوب القطع، وإذا انعدمت انعدم القطع لأجلها، ولا يمتنع قصاصا، وهذا فائدة قولهم: «لذاته» أي: أن وجود المسبب لذات السبب وعدمه لعدم ذات السبب.
٣ - العلة مع تخلف شرطها، كما يقولون: ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة وإن لم يحُلِ الحول.
٤ - ما يقابل المباشرة، فمن حرَّض على القتل ولم يقتل يسمى متسببا، والقاتل يسمى مباشرا، والفقهاء يقولون: إذا اجتمع المباشر والمتسبب في الجناية يكون الحكم على المباشر إلا إذا كان غير مكلف لجنون أو لصغر فيحكم على المتسبب.
ب ـ ... العلة:
العلة في اللغة: المرض، أو ما اقتضى تغييرا في المحل.
وفي الاصطلاح: «وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم».
ومثالها: الإسكار علة لتحريم الخمر، والطعم مع اتحاد الجنس علة لتحريم التفاضل في بيع البر بالبر والتمر بالتمر وما جرى مجراهما.
والفقهاء قد يجعلون العلة مرادفة للسبب، وقد يجعلونها مباينة له، فيطلقون السبب على ما لا تعرف حكمته مما هو علامة على ثبوت حكم أو نفيه، مثل غروب الشمس، الذي هو علامة على وجوب صلاة المغرب، ويطلقون العلة على ما عرفت حكمته مما هو علامة على ثبوت حكم أو نفيه، مثل الإسكار علة للتحريم.
стр. 56
وقد يجعلون السبب أعم من العلة، فيقولون: السبب يطلق على ما عرفت حكمته وما لم تعرف. وأما العلة فلا تطلق إلا على ما عرفت حكمته. فهذه ثلاثة اصطلاحات لهم مشهورة.
ج ـ ... الشرط:
وهو في اللغة التأثير، أو العلامة.
وفي الاصطلاح: وصف يلزم من عدمه عدم ما علق عليه، ولا يلزم من وجوده وجوده ولا عدمه.
مثاله: الطهارة شرط لصحة الصلاة، فيلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الطهارة صحة الصلاة ولا عدمها؛ لأن الطهارة قد تحصل ولا تحصل صلاة، أو تحصل صلاة غير مستوفية لبقية الشروط والأركان.
والشرط ينقسم أربعة أقسام بالنظر إلى طريق معرفته:
١ - شرعي: وهو ما عرف اشتراطه بالشرع، مثل: الطهارة للصلاة.
٢ - عقلي: وهو ما عرف اشتراطه بالعقل، مثل: الحياة شرط للعلم.
٣ - عادي: وهو ما عرف اشتراطه بالعادة، مثل: وجود السلم شرط لصعود السطح.
٤ - لغوي: وهو التعليق الحاصل بإحدى أدوات الشرط المعروفة في اللغة، كإن وإذا ونحوهما.
وهذا النوع الأخير يسمى شرطا من حيث الاسم، وهو سبب من حيث المعنى؛ لأنه ينطبق عليه تعريف السبب؛ لأنه يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. وهذا معنى قولهم: «الشروط اللغوية أسباب».
стр. 57
د ـ ... المانع:
هو في اللغة بمعنى: الحاجز أو الحائل.
وفي الاصطلاح: وصفٌ يلزم من وجوده عدم متعلقه، ولا يلزم من عدمه وجوده ولا عدمه.
مثل: الرق مانع من الإرث، والدَّين الحال مانع من الزكاة على الصحيح. فالرق وصف متعلق بشخص هو ابن للميت مثلا، فلولا هذا الوصف لورث من تركته، ولكن لوجود هذا الوصف منع من الإرث، فيكون هذا الوصف مانعا من موانع الإرث. وعدم الرق لا أثر له في وجود الإرث ولا عدمه، فقد يعدم الرق ولكن يكون الشخص ليس من الوارثين أصلا أو محجوبا بوارث آخر، كأن يكون الميت له ابن وابن ابن وكلاهما حر غير رقيق، فابن الابن لا يرث مع أنه ليس برقيق؛ لأنه محجوب بالابن.
هـ ـ ... الصحة:
الصحة في اللغة: ضد المرض.
وفي الاصطلاح: ترتب الآثار المقصودة من الفعل عليه.
وهذا التعريف يصلح للصحة في العبادات وفي المعاملات؛ فإن الآثار المقصودة من فعل العبادة عند الفقهاء هي براءة الذمة وسقوط المطالبة به، وهذه تحصل من الفعل الصحيح للعبادة. وعند المتكلمين المقصود من فعل العبادة موافقة الأمر، ولهذا جعلوا الصحة هي موافقة الأمر، سواء أسقط القضاء بالفعل أم لا.
والآثار المقصودة من المعاملة تختلف باختلاف نوعها، فإن كانت بيعا فهي دخول الثمن في ملك البائع والمبيع في ملك المشتري، وهذا يترتب على العقد
стр. 58
الصحيح، وإن كانت إجارة فالمقصود منها تمكين المستأجر من العين المستأجرة لينتفع بها، وتمكين المؤجر من تملك الأجرة لينتفع بها، وهذا كله يحصل من العقد الصحيح.
ومن العلماء من فرق بين تعريف الصحة في العبادات وتعريفها في المعاملات؛ فجعل التعريف الذي ذكرته صالحا لتعريف الصحة في المعاملات، وأما تعريف الصحة في العبادات فقد ذكروا له تعريفين: أحدهما للمتكلمين، وهو: موافقة الفعل لأمر الشارع. والآخر للفقهاء، وهو: سقوط القضاء.
والصحيح: ما ترتبت آثاره المقصودة منه عليه، وهذا يصدق على الصحيح من العبادات والعقود والإيقاعات كالطلاق والعتاق.
و ـ ... الفساد والبطلان:
الفساد في اللغة: ضد الصلاح.
والبطلان: ذهابُ الشيء خُسْراً وهَدَراً.
وفي الاصطلاح: تخلف الآثار المقصودة من الفعل عنه. فإن كانت عبادة ففسادها أن لا تبرأ بها الذمة، ولا يحصل بها الثواب. وإن كان عقدا أو نحوه ففساده أن لا يترتب عليه أثره من نقل الملك أو حل الاستمتاع ونحو ذلك.
الفرق بين الفاسد والباطل:
الفاسد والباطل عند الجمهور بمعنى واحد، وهو: ما لا يترتب عليه أثره.
وعند الحنفية يفرق بينهما بأن الفاسد: ما شرع بأصله ولم يشرع بوصفه، والباطل: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه.
ومثال الفاسد عندهم: العقود الربوية، فإذا باع رشيد من رشيد درهما بدرهمين فالعقد فاسد وليس بباطل، ومثال الباطل عندهم: إذا باعه حمل
стр. 59
الحمل الذي في بطن ناقته، أو باع الدم بدراهم، فالعقد باطل في الصورتين؛ لأن الخلل في المبيع، فحمل حمل الناقة معدوم، والدم نجس.
وبين العقدين ـ عندهم ـ فرق كبير؛ فإن العقد الفاسد إذا اتصل بالقبض يفيد الملك الخبيث، والباطل لا يفيد شيئا. والعقد الفاسد يمكن إصلاحه برد الزيادة إذا كانت هي سبب الفساد فيكون الباقي حلالا طيبا، أما الباطل فهو لغو لا فائدة فيه ولا يمكن إصلاحه.
تنبيه:
وقع التفريق بين الفاسد والباطل للشافعية في عقد الكتابة، فجعلوا منها فاسدا وباطلا، وفرقوا بينهما. ووقع مثل ذلك للحنابلة في النكاح ففرقوا بين العقد الفاسد والباطل وجعلوا الباطل ما اختل ركنه ككون الزوجة معتدة، والفاسد ما اختل شرطه كالنكاح بلا ولي.
والصحة والفساد جعلهما الرازي وأتباعه من الأحكام التكليفية، وقالوا الصحة ليست شيئا زائدا على الاقتضاء والتخيير، بل هي راجعة إلى واحد من الأحكام التكليفية الخمسة.
وجعلها ابن الحاجب من الأحكام العقلية لا من الأحكام الشرعية.
стр. 60
أوصاف العبادة المؤقتة
العبادة المؤقتة بوقت محدد سواء أكانت فرضا أم نفلا تتصف بإحدى صفات ثلاث هي:
أ ـ ... الأداء: وهو فعل العبادة في وقتها المعين غير مسبوق بفعل مختل.
فقولنا: (فعلها في وقتها المعين)، يخرج فعلها بعد فوات وقتها، فلا يسمى أداء.
وقولنا: (غير مسبوق بفعل مختل)، يخرج الإعادة.
ب ـ القضاء: وهو فعل العبادة المؤقتة بعد فوات وقتها. كأداء صلاة الصبح بعد طلوع الشمس لعذر النوم.
ج ـ الإعادة: وهي فعل العبادة في وقتها بعد فعل مختل.
فقولنا: (بعد فعل مختل)، يخرج الأداء؛ لأنه لا يكون مسبوقا بفعل. ووصف الفعل السابق بالخلل يشمل ما اختل شرطه أو ركنه، وما نقص ثوابه وإن استكمل الشروط والأركان، مثل الصلاة منفردا، فمن صلى منفردا ثم وجد جماعة سن له أن يعيد لاستدراك الفضل الذي فاته، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.
وأما الواجب الذي لم يؤقت بوقت محدد كالكفارات، فيوصف بالإعادة ولا يوصف بالأداء والقضاء الاصطلاحيين. ولا يمتنع أن يقول: أديت ما وجب علي من كفارة، ولكن لا يقصد بذلك الأداء الاصطلاحي بل مجرد الفعل، يدل على ذلك أنك لا تقول: صيام الكفارة أداء أم قضاء؟ وأما الإعادة فيوصف بها كل فِعل فُعِل أوَّلا على ضرب من الخلل، سواء أكان له زمن محدد أم لا (١).
стр. 61
تقسيم الحكم إلى عزيمة ورخصة
عَدَّ بعض العلماء من أقسام الخطاب الوضعي وصف الحكم بالعزيمة أو الرخصة، وبعضهم جعله تقسيما آخر للحكم وهو أولى، ولكنه تقسيم للحكم التكليفي والتخييري لا للحكم الوضعي، فلا يوصف السبب والشرط والمانع بالعزيمة والرخصة.
والعزيمة في اللغة: القصد المؤكد، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥].
وفي الاصطلاح: وصف للحكم الثابت ابتداء لا لأجل عذر.
ويوصف به الواجب والمندوب والمكروه والحرام والمباح، ولا يطلق إلا في مقابل الرخصة.
والرخصة في اللغة: التسهيل والتيسير، ومنه قولهم: رخص السعر، وقولهم: أرض رخصة أو رخيصة، إذا كانت دمثة لينة.
وفي الاصطلاح: وصف للحكم الثابت على خلاف دليل شرعي باق لعذر.
فقولنا: (على خلاف دليل شرعي)، يخرج كل حكم لم يشرع على خلاف دليل شرعي آخر.
وقولنا: (باق)، يخرج ما شرع على خلاف دليل منسوخ فلا يسمى رخصة اصطلاحا.
وقولنا: (لعذر)، يخرج ما شرع على خلاف دليل شرعي لمخصص لا لأجل العذر.
стр. 62
الفرق بين الرخصة والمخصوص من العموم:
الفرق بين الحكم المخصوص من العموم والحكم الثابت رخصة: أن الأول خصص لعدم وجود الداعي للحكم العام فيه، والثاني خصص مع وجود الداعي للحكم العام فيه ولكن لأجل العذر رخص في تركه مع جواز فعله. وإذا منع تركه فإنما يمنع لسبب آخر كما نوجب على المضطر أن يأكل من الميتة ما تبقى به حياته لئلا يهلك نفسه، مع أن الأصل في أكل الميتة للمضطر أنه رخصة، فالمفسدة التي لأجلها ورد النهي عن أكل الميتة موجودة في الميتة التي رخص للمضطر في أكلها، ولكن أبيح له الأكل دفعا للمشقة، وفي تخصيص الحامل من المطلقات وجعل عدتها وضع الحمل وعدة غيرها ثلاثة قروء، الأمر مختلف، فالحكمة التي أمرت لأجلها المطلقة الحائل بالانتظار ثلاثة قروء هي التأكد من خلو الرحم، والحامل إذا وضعت قطعنا بخلو رحمها، وهذا معنى قولنا: في الرخصة الداعي موجود، وفي التخصيص معدوم.
ما الأحكام التي توصف بأنها رخصة ؟:
الأصل في الرخصة أن لا يوصف بها إلا الإباحة، ولكن قد يعرض للحكم الموصوف بأنه رخصة ما يجعله واجبا أو مندوبا، وذلك كالأكل من الميتة لمن أشرف على الهلاك، الأصل أنه رخصة ولكن يكون واجبا إذا أدى تركه إلى الهلكة.
والفطر للمسافر في نهار رمضان رخصة، ولكن إذا شق عليه الصوم يكون الفطر مندوبا. وأما القصر في السفر فمن العلماء من جعله واجبا؛ لمواظبة الرسول ﷺ عليه، ولحديث عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» (أخرجاه في الصحيحين، وهذا لفظ مسلم) ولا وجه لتسميته رخصة حينئذ.
стр. 63
ومنهم من جعله مندوبا لمواظبة الرسول ﷺ عليه، ولا يمكن أن يواظب إلا على الأفضل. يقول تاج الدين السبكي: «واعلم أن الإيجاب والندب واستواء الطرفين أو رجحان أحدهما أمر زائد على معنى الرخصة؛ لأن معناها التيسير، وذلك بحصول الجواز للفعل أو الترك، يرخص في الحرام بالإذن في فعله، وفي الواجب بالإذن في تركه، وأدلة الوجوب والندب وغيرها تؤخذ من أدلة أخرى» (١).
стр. 64
الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي
أنكر بعض الأصوليين تقسيم الحكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي، وجعلوا ما يسميه الجمهور أحكاما وضعية من السبب والشرط وما ذكر معهما، راجعاً إلى الأحكام التكليفية أو التخيير، وقالوا إنها ليست أحكاما بل هي إعلام بالحكم، فالسبب: علامة على الحكم، وكذلك الشرط والمانع علامة على تخلف الحكم، والصحة راجعة إلى إباحة الانتفاع إذا كانت في العقود، والفساد يعني تحريم الانتفاع.
وأما في العبادة فالصحة كون الفعل موافقا للمشروع، والفساد عكسه، وهذا حكم عقلي لا شرعي؛ لأنه يدرك بالعقل.
والصحيح: أنها أحكام شرعية، ولا يصدق عليها اسم شيء من الأحكام الخمسة المتقدمة، ولا بد لها من تسمية فاصطلح على تسميتها بالأحكام الوضعية؛ لأن الشرع هو الذي جعل السبب سببا والشرط شرطا والمانع مانعا الخ.
وإذا تقرر ذلك فهناك فروق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، تتلخص فيما يلي:
١ - أن الحكم التكليفي لا يوصف به إلا فعل المكلف، وهو البالغ العاقل، أما الحكم الوضعي فلا يختلف باختلاف الفاعل، فمن فعل ما هو سبب للضمان أُلزم به، سواء أكان بالغا عاقلا أم لا، فالصبي إذا أتلف شيئا لغيره انعقد سبب الضمان.
٢ - أن الحكم التكليفي من شرطه العلم، فالجاهل به لا يثبت في حقه تكليف،
стр. 65
والحكم الوضعي لا يشترط العلم به، فمن فعل المحرم جاهلا بتحريمه فلا يؤثّم بل يُعذر، ولكن من فعل سببا من أسباب الضمان لزمه وإن لم يعلم بكونه سببا للضمان، فلو منع فضل طعامه مضطرا حتى مات ضمنه، سواء أعلم بأن ذلك سبب للضمان أم لا. ولكن في العقوبات البدنية كالحدود لا يلزمه الحد إذا كان جاهلا بالتحريم، فمن سرق وادعى عدم علمه بحرمة السرقة، وأمكن تصديقه لكونه حديث عهد بالإسلام مثلا، فلا تُجعل السرقة سببا في إقامة الحد عليه؛ لأن وجوب الحد تابع للتحريم، والتحريم حكم تكليفي لا يثبت مع الجهل.
وأما في ضمان المتلفات فإن الضمان ليس تابعا للتحريم بدليل أنه إذا اضطر يباح له الأكل من مال غيره وعليه ضمانه، ولذا قالوا: «الاضطرار لا يبطل حق الغير».
ومما يزيد الأمر وضوحا أن المرأة يقع عليها الطلاق علمت به أولا، ولكن لو تكلم الزوج بلفظ الطلاق من غير أن يعرف معناه فلا يقع، وكذلك لو تكلم بلفظ الهبة أو البيع دون علم بمعناه، لعدم القصد.
٣ - أن خطاب التكليف يشترط فيه قدرة المكلف على فعل ما كلف به؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]. وأما خطاب الوضع فليس من شرطه ذلك ولهذا فإن كثيرا من الأسباب لا قدرة للمكلف على إيجادها أو منعها ولا يمنع ذلك من كونها أسبابا، مثل دخول شهر رمضان سبب لوجوب الصوم مع كون السبب المذكور ليس في مقدور المكلف منعه ولا إيجاده. وموت المورث سبب للإرث وليس هو من فعل الوارث ولا داخلا تحت قدرته. وكذلك الشأن في الموانع تمنع الحكم وإن كانت ليست من
стр. 66
فعل الإنسان الذي له علاقة بذلك الحكم، فوجود الجمع من الإخوة يمنع الأم من إرث الثلث وليس لها مدخل فيه ولا تستطيع منعه ولا إيجاده.
٤ - أن الحكم التكليفي توصف به الأفعال التي هي من كسب العبد، وما ليس من كسبه لا يكون مكلفا به، فكل فعل يقع من غير كسب من العبد لا يقال إنه حرام عليه ويستحق عليه العقوبة، ولا يقال إنه واجب أو مندوب في حقه فلا ينال عليه ثوابا: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]. وهذا لا يتعارض مع حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا» (رواه مسلم من حديث جرير البجلي ﵁ مرفوعا)، وذلك لأن التسبب كسب، فما وقع نتيجة لفعله فله أجره وعليه وزره.
وأما الحكم الوضعي فلا يشترط أن يكون من كسب العبد فقد يكون من كسبه ككثير من الشروط التي تشترط لصحة العبادة، وقد لا يكون من كسبه كالأسباب والشروط والموانع الخارجة عن كسبه، فلو أرضعت زوجته طفلة حرمت عليه مع أنه لم يفعل شيئا؛ لأن الرضاع سبب لانتشار المحرمية مع أنه ليس من كسبه.
стр. 67
التكليف
تعريفه:
التكليف في اللغة: مصدر كلف يكلف وهو الإلزام بما فيه كلفة، والكلفة هي المشقة، فيكون التكليف بمعنى الأمر بما فيه مشقة. وكلف بالشيء كلفا وكلفه: أحبه، والمتكلف: الواقع فيما لا يعنيه (١).
والتكليف في الاصطلاح: «الخطاب بأمر أو نهي» وعرفه بعضهم بأنه: «الإلزام بما فيه كلفة ومشقة».
ومن عرف التكليف بأنه: الخطاب بأمر أو نهي، جعل الأحكام التي تسمى تكليفية حقيقة أربعة، هي: الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، وأما الإباحة فسميت تكليفا إما بالنظر إلى اعتقادها وإما من باب التغليب. وقد تقدم أن الأولى إخراج الإباحة عن الأحكام التكليفية.
ومن عرف التكليف في الاصطلاح بمثل التعريف اللغوي فقال: «هو الإلزام بما فيه كلفة». فقد قصر الأحكام التكليفية على الواجب والمحرم؛ لأنها هي التي فيها إلزام.
صحة تسمية أوامر الشرع ونواهيه تكاليف:
أنكر بعض العلماء أن تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؛ لأنها ليس فيها مشقة (٢).
стр. 68
والصواب: صحة الإطلاق؛ إما من جهة أن الإطلاق جاء من قولهم: كَلِفت بالأمر، إذا أحببته، وتكاليف الشرع محبوبة للمؤمن، وإما من جهة أن التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقة، ولكنها مشقة معتادة؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (رواه مسلم من حديث أنس مرفوعا)، وتكون المشقة المنفية هي المشقة الخارجة عن المعتاد المؤدية إلى اختلال الحياة أو المعاش.
ومما يدل على صحة تسمية أوامر الشرع تكليفا قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] فالآية تدل على امتناع التكليف بما خرج عن الوسع والطاقة، وتدل على صحة التكليف بما يدخل تحت الوسع والقدرة بطريق المفهوم.
أركان التكليف:
للتكليف ثلاثة أركان: المكلِّف، والمكلَّف، والمكلَّف به، وقد يزاد ركن رابع هو الصيغة والطلب.
فالمكلِّف: هو الآمر وهو الله جل وعلا.
والمكلَّف: هو البالغ العاقل.
والمكلَّف به: هو الفعل أو الترك.
وصيغة التكليف: هي الأمر والنهي وما جرى مجراهما.
стр. 69
شروط التكليف
التكليف له شروط بعضها يرجع إلى المكلف وبعضها يرجع إلى الفعل المكلف به.
والشروط التي ترجع إلى المكلَّف قسمان:
أ- ... شروط عامة.
ب- شروط خاصة ببعض التكاليف.
ف الشروط العامة في كل التكاليف هي:
١ - البلوغ:
وهو يحصل ببلوغ الذكر أو الأنثى خمس عشرة سنة، كما يحصل بالإنزال باحتلام أو بجماع، أو بنبات الشعر الخشن حول العانة. وتزيد الأنثى بالحيض والحمل فإنها من علامات بلوغها.
والدليل على كون البلوغ شرطا للتكليف حديث: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «الصغير حتى يحتلم» (أخرجه أحمد وأصحاب السنن).
تكليف المميز:
واختلف العلماء في مَن بلغ عشر سنين ولم تظهر عليه علامات البلوغ هل يعد مكلفا؟
فذهب الجمهور إلى أنه ليس بمكلف؛ للحديث السابق.
وذهب الإمام أحمد في رواية إلى أنه مكلف بالصلاة دون غيرها؛ لحديث: «واضربوهم عليها لعشر»، ولا يضرب على الترك من ليس بمكلف. وذهب
стр. 70
بعض المالكية إلى أنه مكلف بالمندوبات والمكروهات دون الواجبات والمحرمات؛ لأنه يثاب على الطاعات إذا فعلها فتكون مندوبة في حقه، ولا يعاقب على المعاصي فتكون مكروهة في حقه.
٢ - العقل وفهم الخطاب:
فمن لا يعقل الخطاب ولا يفهمه لا يمكن أن يخاطب، وخطابه عبث وسفه يتنزه الله عنه.
والدليل على عدم خطاب المجنون قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «المجنون حتى يفيق». ويلحق بالمجنون كل من لا يعقل الخطاب من نائم أو مغمى عليه أو ذاهل ناس فإنه حال نسيانه لا يخاطب. وهذا لا يمنع وجوب الفعل في ذمته ووجوب قضائه، وقد يسمى مخاطبا بهذا المعنى أي بمعنى لزوم الفعل في ذمته.
٣ - القدرة على الامتثال:
فالعاجز لا يكلف؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨].
٤ - الاختيار:
وهو أن لا يكون مكرها على الفعل ولا على الترك، والدليل على اشتراط هذا الشرط قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل١٠٦]، فالآية تدل على عدم مؤاخذة من أكره على النطق بكلمة الكفر، وإذا عذر في النطق بكلمة الكفر فمن باب أولى عذره فيما عدا ذلك من حقوق
стр. 71
الله جل وعلا.
وأما حقوق الآدميين فلا تسقط بالإكراه؛ لأن إيجابها من باب الربط بين الأسباب ومسبباتها. وسيأتي بيان للمسألة في موانع التكليف.
٥ - العلم بالتكليف:
فمن لم يعلم بالتكليف لا يُعدُّ مكلفاً، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، والحكمة من بعثة الرسل تعليم الناس حكم الله تعالى، ومفهوم الغاية في هذه الآية يدل على أنه بعد بعثة الرسل يمكن مؤاخذة المكلفين على تقصيرهم وتفريطهم.
والتكاليف الشرعية منها ما لا يعذر أحد بجهله بعد الدخول في الإسلام؛ لكونها مما علم من الدين بالضرورة، مثل وجوب الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وتحريم الزنا، والكذب، والظلم، ونحو ذلك.
فهذه الأحكام من ادعى الجهل بها من المسلمين إما أن يكون كاذبا في دعواه أو يكون مفرطا ومضيعا لدينه؛ لأن العلم بها يقارن العلم بالإسلام.
والصنف الثاني من الأحكام يمكن أن يجهلها المسلم لعدم اشتهارها أو لغموض أدلتها أو لحاجتها إلى نظر واستنباط، مثل حرمة بيع العينة، وبعض أنواع البيوع التي قد يجهلها الإنسان العادي، وبعض أحكام الطهارة كالمسح على الخفين، وبعض أحكام الصلاة كصلاة المسبوق وصلاة من لا يجد ما يستره، وبعض أحكام الزكاة كزكاة الحلي وأنصبة الزكاة، وبعض أحكام الصوم كاستعمال الإبر المغذية ونحوها.
فهذا النوع من الأحكام يعذر الجاهل بدعوى الجهل به فلا يلحقه إثم بما فعله أو تركه مما يخالف حكم الله، ولكن يجب عليه استدراك ما فاته إذا علم
стр. 72
بحكم الله جل وعلا، ومن العلماء من رأى أنه لا يطالب باستدراك ما فاته ولا يؤاخذ إلا بحقوق الآدميين؛ فإنها لا تسقط بجهله؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير.
والقول الأول هو الصحيح إن شاء الله، ولكن قد يعذر في استدراك ما فاته بجهله إذا كانت مطالبته بذلك توقعه في حرج ومشقة، كمن صلى أكثر عمره وهو يمسح على خف لا يستر محل الفرض أو يمسح على خف لم يلبسه على طهارة ونحو ذلك. وسيأتي للمسألة مزيد بيان في موانع التكليف.
الشروط المقيَّدة:
وأما الشروط التي تختلف باختلاف المكلف به فمنها: الحرية، فهي شرط للتكليف بالجهاد والجمعة، وليست شرطا للتكليف بالصلاة والصوم. ومنها: الذكورية، وهي شرط للتكليف بالجمعة، ومنها: الإقامة، شرط للجمعة، ونحو ذلك.
شروط الفعل المكلف به:
١ - أن يكون معلوماً:
والمراد بهذا الشرط أن تكون حقيقة الفعل المأمور به معلومة، والأمر به معلوما لدى أهل العلم من المكلفين، والدلائل عليه منصوبة؛ لأن الأمر بغير المعلوم عبث يتنزه الله عنه. وليس معناه أن يعلمه كل مكلف، بل يكفي نصب الدلائل على التكليف به بحيث يعرفها من طلبها.
وهذا الشرط يختلف عن الشرط السابق الذي ذكرناه في شروط المكلف؛ لأن ذلك الشرط يشمل كل مكلف، ولذلك وقع الخلاف في اشتراطه.
أما هذا فهو شرط في الفعل نفسه بغض النظر عن آحاد المكلفين، فإذا كان
стр. 73
معلوم المقدار وعُلِم الأمر به من بعض المكلفين صح التكليف به، ويجب على من جهل مقداره أن يطلب العلم به من أهله، وأما مؤاخذة كل مكلف بتقصيره فكما تقدم، تختلف باختلاف اشتهار التكليف به وعدمه، فيعذر في جهل بعض الأفعال دون بعض كما تقدم، ويعذر حديث الإسلام، ومن عاش ببادية فيما لا يعذر به غيره.
٢ - أن يكون معدوماً:
ومعناه أن يكون غير حاصل حال الأمر به إن كان مأمورا به؛ وذلك لأن الحاصل لا يمكن تحصيله، فمن صلى الفجر لا يؤمر به بعد فعله، وهذا الشرط لا ينطبق إلا على المأمور به، أما المنهي عنه فيمكن أن يكون معدوما كما ينهى المسلم عن الزنا وهو لم يرتكبه، وعن الكذب وهو لم يكذب، ويكون موجودا كما ينهى الكاذب عن الكذب، وشارب الخمر عن شربه، مع مباشرته للفعل المحرم، ولم أجد من نبه على اختصاص هذا الشرط بالمأمور به مع ظهوره لمن تأمله، وقد يقال: إن النهي عن الفعل المستقبل ـ وهو معدوم ـ لا عن الموجود الواقع، والأول أظهر.
٣ - أن يكون ممكناً:
ومعنى الإمكان أن لا يكون واجب الوقوع ولا ممتنع الوقوع عقلا، وخالف الأشعرية فأجازوا التكليف بالمحال، واختلفوا في وقوعه في الشرع، وأكثرهم لا يرى وقوعه.
ومحل النزاع هو المستحيل عقلا كالجمع بين الضدين، أو عادة كالصعود إلى السطح بلا سلم، أو ما يقوم مقامه.
أما المستحيل لتعلق علم الله الأزلي بعدم وقوعه فلا خلاف في جواز التكليف به ووقوعه، والصواب أنه لا يسمى مستحيلا؛ لأنه ممكن بمقتضى
стр. 74
العقل والعادة، ولأن علم الله بعدم وقوعه غيب عنا ولم نكلَّف بمعرفته ولا ببناء الأحكام عليه.
ومثاله: تكليف من علم الله أنه يموت على الكفر بالإيمان، وتكليف من علم الله أنه لا يدرك الصلاة، بالصلاة، فالمثال الأول لا خلاف في جوازه ووقوعه، والمثال الثاني وقع فيه خلاف لفظي؛ لاتفاقهم على أنه معذور إذا مات وهو عازم على الصلاة في آخر وقتها أو ساه عنها، أما إذا كان ذاكرا عازماً على الترك فيأثم على ذلك القصد السيء على الصحيح، وقد قيل لا يلزمه العزم بل يكون معذورا إذا مات قبل ضيق الوقت.
الأدلة على امتناع التكليف شرعاً بما لا يطاق عقلا أو عادة:
١ - قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ووجه الدلالة أن الله أخبر ـ وخبره صدق ـ أنه لا يكلف الإنسان ما لا يطيق، ولا شك أن المستحيل غير داخل تحت الوسع والطاقة.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]، وجه الدلالة: أن الله أخبر ـ وخبره صدق ـ أنه لم يجعل في ديننا حرجا، ولا شك أن التكليف بالمستحيل حرج عظيم.
٣ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وجه الدلالة: أن التكليف بالمستحيل عسر ومشقة، والله أخبر ـ وخبره صدق وحق ـ أنه لا يريد بنا العسر.
٤ - قوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (متفق عليه). وجه الدلالة: أن الحديث يدل على عدم وجوب الإتيان بالعمل الشاق الذي لا يستطيعه الإنسان وإن كان ممكنا، ومن باب أولى لا يكلف بالمستحيل.
стр. 75
٥ - استقراء فروع الشريعة الإسلامية يدل على عدم وقوع التكليف بالمستحيل.
٦ - أن المستحيل لا يتصور وقوعه، وما لا يتصور وقوعه فليس بشيء فلا يؤمر به.
٧ - ما ثبت في صحيح مسلم أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا: أيْ رسولَ الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟! بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير» قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. (رواه مسلم).