الله جل وعلا.
وأما حقوق الآدميين فلا تسقط بالإكراه؛ لأن إيجابها من باب الربط بين الأسباب ومسبباتها. وسيأتي بيان للمسألة في موانع التكليف.
٥ - العلم بالتكليف:
فمن لم يعلم بالتكليف لا يُعدُّ مكلفاً، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، والحكمة من بعثة الرسل تعليم الناس حكم الله تعالى، ومفهوم الغاية في هذه الآية يدل على أنه بعد بعثة الرسل يمكن مؤاخذة المكلفين على تقصيرهم وتفريطهم.
والتكاليف الشرعية منها ما لا يعذر أحد بجهله بعد الدخول في الإسلام؛ لكونها مما علم من الدين بالضرورة، مثل وجوب الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وتحريم الزنا، والكذب، والظلم، ونحو ذلك.
فهذه الأحكام من ادعى الجهل بها من المسلمين إما أن يكون كاذبا في دعواه أو يكون مفرطا ومضيعا لدينه؛ لأن العلم بها يقارن العلم بالإسلام.
والصنف الثاني من الأحكام يمكن أن يجهلها المسلم لعدم اشتهارها أو لغموض أدلتها أو لحاجتها إلى نظر واستنباط، مثل حرمة بيع العينة، وبعض أنواع البيوع التي قد يجهلها الإنسان العادي، وبعض أحكام الطهارة كالمسح على الخفين، وبعض أحكام الصلاة كصلاة المسبوق وصلاة من لا يجد ما يستره، وبعض أحكام الزكاة كزكاة الحلي وأنصبة الزكاة، وبعض أحكام الصوم كاستعمال الإبر المغذية ونحوها.
فهذا النوع من الأحكام يعذر الجاهل بدعوى الجهل به فلا يلحقه إثم بما فعله أو تركه مما يخالف حكم الله، ولكن يجب عليه استدراك ما فاته إذا علم
стр. 72
بحكم الله جل وعلا، ومن العلماء من رأى أنه لا يطالب باستدراك ما فاته ولا يؤاخذ إلا بحقوق الآدميين؛ فإنها لا تسقط بجهله؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير.
والقول الأول هو الصحيح إن شاء الله، ولكن قد يعذر في استدراك ما فاته بجهله إذا كانت مطالبته بذلك توقعه في حرج ومشقة، كمن صلى أكثر عمره وهو يمسح على خف لا يستر محل الفرض أو يمسح على خف لم يلبسه على طهارة ونحو ذلك. وسيأتي للمسألة مزيد بيان في موانع التكليف.
الشروط المقيَّدة:
وأما الشروط التي تختلف باختلاف المكلف به فمنها: الحرية، فهي شرط للتكليف بالجهاد والجمعة، وليست شرطا للتكليف بالصلاة والصوم. ومنها: الذكورية، وهي شرط للتكليف بالجمعة، ومنها: الإقامة، شرط للجمعة، ونحو ذلك.
شروط الفعل المكلف به:
١ - أن يكون معلوماً:
والمراد بهذا الشرط أن تكون حقيقة الفعل المأمور به معلومة، والأمر به معلوما لدى أهل العلم من المكلفين، والدلائل عليه منصوبة؛ لأن الأمر بغير المعلوم عبث يتنزه الله عنه. وليس معناه أن يعلمه كل مكلف، بل يكفي نصب الدلائل على التكليف به بحيث يعرفها من طلبها.
وهذا الشرط يختلف عن الشرط السابق الذي ذكرناه في شروط المكلف؛ لأن ذلك الشرط يشمل كل مكلف، ولذلك وقع الخلاف في اشتراطه.
أما هذا فهو شرط في الفعل نفسه بغض النظر عن آحاد المكلفين، فإذا كان
стр. 73
معلوم المقدار وعُلِم الأمر به من بعض المكلفين صح التكليف به، ويجب على من جهل مقداره أن يطلب العلم به من أهله، وأما مؤاخذة كل مكلف بتقصيره فكما تقدم، تختلف باختلاف اشتهار التكليف به وعدمه، فيعذر في جهل بعض الأفعال دون بعض كما تقدم، ويعذر حديث الإسلام، ومن عاش ببادية فيما لا يعذر به غيره.
٢ - أن يكون معدوماً:
ومعناه أن يكون غير حاصل حال الأمر به إن كان مأمورا به؛ وذلك لأن الحاصل لا يمكن تحصيله، فمن صلى الفجر لا يؤمر به بعد فعله، وهذا الشرط لا ينطبق إلا على المأمور به، أما المنهي عنه فيمكن أن يكون معدوما كما ينهى المسلم عن الزنا وهو لم يرتكبه، وعن الكذب وهو لم يكذب، ويكون موجودا كما ينهى الكاذب عن الكذب، وشارب الخمر عن شربه، مع مباشرته للفعل المحرم، ولم أجد من نبه على اختصاص هذا الشرط بالمأمور به مع ظهوره لمن تأمله، وقد يقال: إن النهي عن الفعل المستقبل ـ وهو معدوم ـ لا عن الموجود الواقع، والأول أظهر.
٣ - أن يكون ممكناً:
ومعنى الإمكان أن لا يكون واجب الوقوع ولا ممتنع الوقوع عقلا، وخالف الأشعرية فأجازوا التكليف بالمحال، واختلفوا في وقوعه في الشرع، وأكثرهم لا يرى وقوعه.
ومحل النزاع هو المستحيل عقلا كالجمع بين الضدين، أو عادة كالصعود إلى السطح بلا سلم، أو ما يقوم مقامه.
أما المستحيل لتعلق علم الله الأزلي بعدم وقوعه فلا خلاف في جواز التكليف به ووقوعه، والصواب أنه لا يسمى مستحيلا؛ لأنه ممكن بمقتضى
стр. 74
العقل والعادة، ولأن علم الله بعدم وقوعه غيب عنا ولم نكلَّف بمعرفته ولا ببناء الأحكام عليه.
ومثاله: تكليف من علم الله أنه يموت على الكفر بالإيمان، وتكليف من علم الله أنه لا يدرك الصلاة، بالصلاة، فالمثال الأول لا خلاف في جوازه ووقوعه، والمثال الثاني وقع فيه خلاف لفظي؛ لاتفاقهم على أنه معذور إذا مات وهو عازم على الصلاة في آخر وقتها أو ساه عنها، أما إذا كان ذاكرا عازماً على الترك فيأثم على ذلك القصد السيء على الصحيح، وقد قيل لا يلزمه العزم بل يكون معذورا إذا مات قبل ضيق الوقت.
الأدلة على امتناع التكليف شرعاً بما لا يطاق عقلا أو عادة:
١ - قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ووجه الدلالة أن الله أخبر ـ وخبره صدق ـ أنه لا يكلف الإنسان ما لا يطيق، ولا شك أن المستحيل غير داخل تحت الوسع والطاقة.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]، وجه الدلالة: أن الله أخبر ـ وخبره صدق ـ أنه لم يجعل في ديننا حرجا، ولا شك أن التكليف بالمستحيل حرج عظيم.
٣ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وجه الدلالة: أن التكليف بالمستحيل عسر ومشقة، والله أخبر ـ وخبره صدق وحق ـ أنه لا يريد بنا العسر.
٤ - قوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (متفق عليه). وجه الدلالة: أن الحديث يدل على عدم وجوب الإتيان بالعمل الشاق الذي لا يستطيعه الإنسان وإن كان ممكنا، ومن باب أولى لا يكلف بالمستحيل.
стр. 75
٥ - استقراء فروع الشريعة الإسلامية يدل على عدم وقوع التكليف بالمستحيل.
٦ - أن المستحيل لا يتصور وقوعه، وما لا يتصور وقوعه فليس بشيء فلا يؤمر به.
٧ - ما ثبت في صحيح مسلم أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا: أيْ رسولَ الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟! بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير» قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. (رواه مسلم).
стр. 76
وذهب أكثر الأشعرية إلى جواز التكليف بما لا يطاق، وزعموا أنه مذهب أهل السنة والجماعة، واختلفوا في وقوعه، فذهب بعضهم إلى أنه جائز وواقع، وذهب آخرون إلى عدم وقوعه رأفة ورحمة من الله ، وساق الرازي في المحصول عليه أدلة كثيرة أكثرها تدل ـ لو سلمت ـ على وقوعه في الشريعة الإسلامية.
ومن قال بجواز التكليف بما لا يطاق، إن كان مراده الجواز العقلي فإننا لا ندعي أن العقل هو المانع منه بل الدليل على امتناعه الشرع.
وإن ادعوا الجواز الشرعي فهو مردود بالأدلة السابقة.
وأما القائلون بالوقوع شرعا فقد استدلوا على الجواز والوقوع بأدلة منها:
١ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. [البقرة٢٨٦]، ووجه الدلالة: قالوا: لو لم يكن ذلك ممكن الحصول لما سألوا الله أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به؛ لأن الممتنع لا يشرع أن يسأل الله منعه، فلا يجوز أن تقول اللهم لا تظلمني.
والجواب من وجهين:
أـ أن المراد بما لا طاقة لهم به: الشاق، وليس المستحيل الوقوع عقلا أو عادة.
ب ـ أن الله قد استجاب دعاءهم كما ثبت في صحيح مسلم أن الله قال: قد فعلت، وقد تقدم الحديث بطوله، واستجابته تدل على عدم وقوعه.
٢ - أن أبا لهب مكلف بالإيمان، مع علم الله جل وعلا بأنه لا يؤمن، ووقوع خلاف علم الله محال، فيكون قد كلف بالإيمان وهو محال.
стр. 77
وساق الآمدي هذا الدليل بوجه آخر فقال: إن الله أخبر أن أبا لهب من أهل النار، بقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد ٣]، ومع ذلك أمره بالإيمان بما جاء به محمد ﷺ ، ومما جاء به محمد ﷺ هذه الآية التي تدل علىعدم إيمانه، فيكون قد أمر أن يؤمن بأنه لن يؤمن، وهذا محال.
والجواب من وجهين:
أـ أن هذا ليس تكليفا بالمحال؛ لأن إيمان أبي لهب لم يكن محالا في حياته؛ إذ لم يحل بينه وبين الإيمان حائل، وإنما منعه كبره وعناده، ومرادنا بالمحال المستحيل عقلا أو عادة.
ب ـ أن الآية ليس فيها نص على أنه لن يؤمن، بل فيها أنه سيصلى النار، وقد يدخل النار المؤمن لتمحص ذنوبه ثم يخرج منها كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم ٧١ - ٧٢].
وقد نسب الآمدي وغيره إلى أبي الحسن الأشعري القول بأن التكاليف الشرعية كلها مما لا يطاق تفريعا على قوله بأن أفعال العباد مخلوقة والله خالقها، وقوله: إن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل.
والصحيح أنه لا يلزم على القول بأن أفعال العباد مخلوقة لله أن تكون التكاليف الشرعية مما لا يطاق؛ لأن القول بخلق الأفعال لا يناقض القول بأن العبد هو الفاعل لفعله حقيقة، فإذا أثيب أو عوقب فإنما يثاب ويعاقب على فعله. وأما قوله بعدم تقدم القدرة على الفعل فغير مسلم، والكلام فيه ليس من غرض الأصولي والفقيه، ومحله علم الكلام.
стр. 78
موانع التكليف
اعتاد جمهور الأصوليين أن يتكلموا عن التكليف وشروطه، ويذكروا موانعه ضمن كلامهم عن شروطه.
وأما الحنفية فمنهجهم بحث شروط التكليف وموانعه تحت اسم الأهلية وعوارضها.
والأهلية عندهم قسمان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء. ولكل منهما شروط على النحو التالي:
أولا: أهلية الوجوب:
وهي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه.
وهي ملازمة للإنسان منذ بداية حياته، وشرط ثبوتها للإنسان الحياة، وقد يطلق عليها الفقهاء الذمة، ويعرفونها بأنها: «وصف شرعي مقدر يصير به الإنسان أهلا لما يجب له وعليه»، وكما يكون للإنسان ذمة صالحة لتعليق الحقوق والواجبات بها، يكون للشخص الاعتباري ذمة كذلك مثل الشركات والأوقاف وبيت المال، وبهذا يصح أن نقول للشخص النائم أو الساهي أو المغمى عليه إنه أهل للوجوب، أي: أن ذمته صالحة لأن يتعلق بها التكليف.
ثانيا: أهلية الأداء:
وهي صلاحية الإنسان لصدور الأفعال والأقوال منه على وجه يعتد به شرعا.
وشرطها الأساس: التمييز، فإذا كان الإنسان مميزا اعتد الشرع بأقواله وأفعاله في الجملة.
стр. 79
تمام الأهلية ونقصانها:
كلٌّ من أهلية الوجوب وأهلية الأداء قد تكون ناقصة أو تامة، فأهلية الوجوب الناقصة تثبت للجنين في بطن أمه؛ لأنه تثبت له حقوق ولا تترتب عليه واجبات، ولكن تلك الحقوق لا بد لثبوتها من ولادته حيا، فإن ولد ميتا لم يثبت له حق الإرث والوصية ونحوها.
وأهلية الوجوب الكاملة تثبت للإنسان منذ ولادته إلى وفاته ولا تفارقه بسبب الصبا أو الجنون أو نحو ذلك، ولكنه إذا لم يبلغ سن التمييز، أو بلغ ولكنه مجنون فلا ينضم إلى هذه الأهلية أهلية الأداء، وما عليه من واجبات يقوم وليه بأدائها من ماله، فيخرج عنه ما يجب عليه من نفقة أو زكاة أو ضمان متلف من ماله.
وأما أهلية الأداء الناقصة فهي تثبت للإنسان منذ بلوغه سن التمييز إلى البلوغ ولا تثبت للمجنون الذي لا يعقل، ولكنها تثبت لضعيف الإدراك ومن به تخلف عقلي.
وهذا النوع من الأهلية يترتب عليه صحة ما يفعله من حصلت له من العبادات، فيصح إسلام الصبي وصلاته وحجه وصيامه ونحو ذلك، ولكن لا يكون ملزماً بأدائها إلا على جهة التأديب والتمرين.
وأما حقوق العباد فتصرفات الطفل التي ترتب له حقوقا وترتب عليه واجبات على أقسام:
١ - التصرفات النافعة نفعا محضا، أي التي لا ضرر فيها كقبول الهبة والصدقة، وهذه تنفذ وتصح.
٢ - التصرفات الضارة ضررا محضا مثل الطلاق والعتق والهبة والضمان، وهذه
стр. 80
لا تصح من الصبي المميز ولو أجازها الولي؛ لأن الولي لا يملكها.
٣ - التصرفات الدائرة بين النفع والضرر، مثل البيع والإجارة والنكاح، وهذه موقوفة على إجازة الولي، إن أجازها صحت وإلا فلا.
وأما أهلية الوجوب الكاملة فتثبت للإنسان بالبلوغ والعقل، وفي التصرفات المالية يشترط لها الرشد أيضا.
ولما كان التكليف عند جمهور العلماء هو الخطاب بأمر أو نهي ذكروا من الموانع كل ما يمنع توجه الخطاب عقلا أو شرعا.
وأهم هذه الموانع:
١ - الجنون:
وهو ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف وشرط توجه الخطاب للمخاطب.
ولا يختلف العلماء في أن الجنون يمنع التكليف في الجملة. والدليل قوله ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم: «المجنون حتى يفيق» (رواه أحمد وأصحاب السنن) وأما الأحكام التي تثبت للمجنون فهي تختلف باختلاف متعلقها على النحو التالي:
أ- ... أحكام أقواله.
ب- ... أحكام أفعاله.
ج- ... أحكام تركه.
فأما أقواله فهي لغو لا يؤاخذ عليها ولا يترتب عليها حكم شرعي لا في الدنيا و لا في الآخرة، فلو قذف أو باع أو اشترى فلا أثر لشيء من ذلك، وهو محل وفاق.
стр. 81
وأما أفعاله، فإذا كانت عبادات، فهي لغو لا أثر لها، وإن كان فيها ضرر بالغير فهو لا يؤاخذ عليها في الآخرة، وأما في الدنيا فعليه ضمانها إن ترتب عليها ضمان، فلو أتلف مالا أو قتل قتيلا فلا إثم عليه ولا قصاص ولكن الضمان يثبت في ماله أو على عاقلته؛ لأن الضمان ليس مشروطا بالتكليف.
وأما الترك فإنه لا يؤاخذ عليه فيما يتعلق بحقوق الله، فلا يطلب منه القضاء لو أفاق من جنونه إلا إذا كانت العبادة لم يذهب وقتها. وهذا مذهب الجمهور.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لو أفاق في آخر اليوم لزمه قضاء صلوات ذلك اليوم. وذهب محمد بن الحسن إلى أنه إذا مرت عليه الصلاة السادسة ولم يفق سقط عنه صلوات اليوم السابق، وإلا قضاها.
٢ - النسيان:
وهو ذهول القلب عن الشيء مع سبق العلم به.
والنسيان عذر يمنع المؤاخذة الأخروية لقوله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان» (أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا).
وأما أفعال الناسي وأقواله وتركه فهي لغو لا يعتد بها ولا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، ولكن إذا فعل ما يبطل العبادة ناسيا فقال بعض العلماء: لا تبطل عبادته، وقال بعضهم: تبطل، لأن المبطلات أسباب للبطلان فلا يشترط لها التكليف؛ لأنها من أحكام الوضع، وقال الحنفية بالتفريق بين العبادة التي هيئتها تذكر بها كالصلاة، والعبادة التي ليس لها هيئة خاصة تذكر المتلبس بها كالصوم، فالأولى لا يعذر بالنسيان فيها، والثانية يعذر فيها بالنسيان، كما أنه إذا فعل ما يضر بالآخرين ناسيا ترتب عليه الضمان لإهماله، وأما المؤاخذة الأخروية فهي ساقطة عنه، وأما الحد والتعزير فيسقطان عنه إذا قام على دعوى
стр. 82
النسيان دليل أو قرينة، ولا يكتفى بمجرد دعوى النسيان.
٣ - الجهل:
وهو انعدام العلم عمن يتصور منه العلم.
وهو من حيث كونه عذرا رافعا للتكليف على أنواع أربعة:
أـ الجهل بالله جل وعلا وإنكار وجوده أو قدرته ونحوهما من صفاته الثابتة بالنصوص القطعية، وما يجب له من العبادة. فهذا لا يعذر به الإنسان بعد علمه بإرسال الرسل إلى الخلق. وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥] فمفهومه أنه بعد بعث الرسل سيعذب العصاة والكفار، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٣ - ١٠٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت ٢٣]، فهذه الآيات تدل على أن ظنهم السيء لم يعفهم من العقوبة.
ولأن الله جل وعلا قد أرسل الرسل إلى الخلق ولم يدع أمة إلا أرسل فيها نذيراً ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وغرس الإيمان بوجود الخالق في فطرة الإنسان «كل مولود يولد على الفطرة» ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠] وأعطى الإنسان عقلا ليتفكر في خلق الله فيستدل به عليه، فإذا سمع بالإسلام وما يأمر به وما ينهى عنه وجب عليه أن ينظر فيه، فإذا نظر في دين الإسلام بعقل متجرد عن الهوى اهتدى إلى أنه دين الحق. ولهذا قال
стр. 83
رسول الله ﷺ «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار» (أخرجه مسلم بلفظ قريب من هذا عن أبي هريرة مرفوعا) فمجرد السماع بمحمد ﷺ وبعثته ورسالته يوجب على العاقل التفكر فيما جاء به من الدين، فإذا تفكر فيه اهتدى إلى أنه الحق. وإن أعرض ولم ينظر كان مقصرا ملوما معاقبا على إعراضه وتقصيره.
ب ـ الجهل بما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالجهل بوجوب الصلاة والزكاة، والجهل بحرمة الزنى والربا والظلم، ونحو ذلك. فهذا لا يعذر به أحد ممن عاش بين المسلمين؛ لأنه إما ناشئ عن تقصير وتفريط، وإما أنه دعوى كاذبة فيدعى الجهل وهو يعلم.
ج ـ الجهل في موضع الاجتهاد أو الاشتباه، كالجهل بحرمة بعض أنواع البيوع، وبعض الأحوال العارضة للإنسان في صلاته أو في حجه، ونحو ذلك مما يصعب على عامة الناس الإحاطة به. فهذا النوع يسقط عن الجاهل اللوم والذم، ولكنه يلزم باستدراك ما فعله على غير الصفة الصحيحة إذا أمكن ذلك من غير مشقة خارجة عن المعتاد.
د ـ الجهلُ من حديث العهد بالإسلام أو ممن عاش حياته في البلاد الكافرة بما يعرفه عامة المسلمين في البلاد الإسلامية يعد عذرا مسقطا للمؤاخذة الأخروية، ولكن يلزم الجاهل باستدراك ما فاته إذا أمكن استدراكه، وذلك كالجاهل بوجوب الغسل من الجنابة وتحريم الأخت من الرضاعة ونحو ذلك مما هو معلوم للمسلمين الذين يعيشون في البلاد الإسلامية ولكن قد يجهله من عاش في البلاد الأخرى.
стр. 84
٤ - النوم:
يذكر بعض الأصوليين أن النوم مانع من التكليف، وأن النائم غير مكلف، ومرادهم ـ كما سبق ـ أن الخطاب لا يتوجه إليه حال نومه وإنما يتوجه إليه بعد الاستيقاظ؛ لقوله ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم: «النائم حتى يستيقظ».
والقول بعدم تكليفه حال نومه يعني أن ما يصدر منه من الأقوال لغو لا يعتد به حتى لو نطق بالطلاق أو بكلمه الكفر أو بالقذف أو ببيع أو شراء أو نحو ذلك لا يعتد به. وأما الأفعال فيؤاخذ على ما يوجب الضمان منها؛ لأن الضمان ليس من شرطه التكليف.
ولا يقال: يلزم من عدم تكليفه أنه لو نام حتى ذهب وقت الصلاة لا تلزمه، ولو نام جميع النهار لا يلزم الصوم؛ لأن عدم تكليفه حال نومه لا يمنع من لزوم القضاء عليه لقوله ﷺ «إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» (رواه النسائي والترمذي وصححه، ومعناه في صحيح مسلم) والصيام كذلك؛ لأن الله أوجب قضاءه على المعذور لمرض أو سفر. فالنوم عذر يسقط الإثم ولا يسقط القضاء.
٥ - الإغماء:
وهو مرض يتسبب في تعطل قوى الإدراك لدى الإنسان.
وهو مانع من التكليف وأشد من النوم؛ لأن النائم لو نبه لصحا من نومه بخلاف المغمى عليه.
واختلف العلماء في قضاء العبادة التي مر وقتها على الإنسان وهو مغمىً
стр. 85
عليه، فقال الشافعي لا قضاء عليه، وقال الحنفية إن كان طويلا فيلحق بالجنون ويسقط القضاء كما مثلنا في المجنون، وإن كان قصيرا فيلحق بالنوم فلا يسقط به القضاء.
وما نقل عن الشافعي هو الصحيح، والفرق بين النائم والمغمى عليه هو أن النوم فيه جانب تقصير من جهة العبد؛ إذ كان ينبغي أن يحتاط لصلاته فلا ينام قرب وقتها، أو ينام عند من يوقظه. وأما الإغماءُ فليس فيه تقصير من العبد ألبتة.
٦ - السكر:
وهو حالة تحصل للإنسان تغطي عقله فيضعف تمييزه بين الأشياء أو يذهب بالكلية.
وقد اختلف العلماء في عدِّ السكر مانعا من التكليف:
فذهب بعضهم إلى أنه ليس مانعا وأن السكران مكلف، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء ٤٣] وجه الدلالة: أن الله نهاه حال سكره عن الصلاة، فدل ذلك على أنه أهل للخطاب.
واستدلوا أيضا بأنه مرتكب لمحرم، فلا يكون ذلك سببا في عذره، وإلا لجعله الناس ذريعة لارتكاب الجرائم؛ فيسكر ثم يقتل أو يزني أو يسرق.
وذهب آخرون إلى أنه غير مكلف؛ لأنه كالمجنون لا يعقل الخطاب.
وردوا على الاستدلال بالآية السابقة بأن المراد بها: لا تسكروا قرب وقت الصلاة حتى لا تدخلوا في الصلاة وأنتم سكارى، وقالوا: هذا نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢] أي: لا تفارقوا الإسلام حتى
стр. 86
لا تموتوا على الكفر.
وفرق بعضهم بين أقواله وأفعاله وقالوا هو مكلف بالأفعال دون الأقوال فيؤاخذ على القتل والزنى وإتلاف المال ولا يؤاخذ على القذف والطلاق، ولا تنفذ عقوده.
وفرق بعضهم بين أن يكون السكر بقصد أو من غير قصد فإن كان قاصدا شرب المسكر فيؤاخذ وإلا فلا. والأولى أن يقال السكر درجات فقد يصل بالإنسان إلى حالة لا يعقل فيها شيئا ولا يعرف طريقه، ولا يعرف أشياءه الخاصة كنعله وعمامته.
وهذا ينبغي أن يقال إنه يمنع التكليف إذا فسرنا التكليف بالخطاب بأمر أو نهي ولا يلزم من ذلك أن يعذر في أقواله وأفعاله المتعلقة بحقوق الآدميين بل يؤاخذ عليها، ويعاقب عقوبة الصاحي إن كان سكره باختيار ويؤاخذ المتسبب في سكره إن كان سكره بفعل غيره.
وأما إذا لم يبلغ به السكر هذا المبلغ فيكون مكلفا بأقواله وأفعاله؛ لأنه يعقل الخطاب ويفهمه فصح خطابه. ولأن كثيراً ممن اعتادوا شرب الخمر من الكفار والفساق لا يذهب عقولهم ولا يفقدهم التمييز فهم يقومون بأعمالهم التجارية والصناعية ويعقدون الصفقات الكبيرة وهم على هذه الحال.
٧ - الإكراه:
وهو حمل غيره على فعل لا يفعله لو خلي ونفسه.
وقد قسمه الحنفية والجمهور إلى ملجئ وغير ملجئ، ولكن اختَلَف اصطلاحهم في تعريف الإكراه الملجئ وغير الملجئ على النحو التالي:
الإكراه الملجئ عند الجمهور: هو الذي لا يكون للمكره فيه قدرة على
стр. 87
الامتناع ويكون كالآلة في يد المكره، ومثلوه بما لو ألقاه من مكان مرتفع على صبي فمات، أو ربطه وأدخله في دار حلف ألا يدخلها.
وغير الملجئ عندهم ماعدا ذلك من أنواع الإكراه كالتهديد بالقتل أو الضرب أو السجن.
والإكراه الملجئ عند الحنفية: هو أن يكون التهديد فيه بقتل أو قطع طرف أو جرح أو ضرب مبرح أو حبس مدة طويلة ممن يستطيع أن يفعل ذلك.
فهم حددوا ما يسمى إكراها ملجئا بالنظر إلى نوع التهديد فإن كان متَحَمَّلا سُمّي غير ملجئ وإن كان غير متحمل عادة سُمي ملجئا. ولهذا اختلفوا في بعض أنواع من التهديد هل يعد الإكراه بها مُلجئا؟ مثل حبس الوالد أو الولد، أو ضربهما أو قتلهما، إلى غير ذلك.
وغير الملجئ عند أكثر الحنفية هو ما كان التهديد فيه بأقل مما ذكر في الملجئ.
تحرير محل النزاع:
أما الإكراه الملجئ باصطلاح الشافعية ومن وافقهم فهو يمنع التكليف باتفاق؛ لأن المكلف لا ينسب إليه شيء من العمل فهو كالآلة.
ولكن الحنفية لا يسمون هذا النوع إكراها، بل يقولون الفعل لا ينسب إلى الإنسان أصلا، فلا يقال أكره عليه , فإذا أُلقِي الإنسان من مكان مرتفع على طفل فمات الطفل فالقاتل ليس الملقَى، بل الملقي، والملقى لا يعدو أن يكون آلةً، فهو كالحجر.
وأما الإكراه غير الملجئ باصطلاح الحنفية فهو لا يمنع التكليف باتفاق، لأنه تهديد بما يمكن تحمله، فإقدام المكره على الفعل يكون باختياره؛ لأنه
стр. 88
متمكن من الصبر على الأذى الذي هدد به. ويبقى الإكراه الملجئ باصطلاح الحنفية وهو ما كان التهديد فيه بقتل أو قطع طرف أو جرح أو ضرب مؤلم ونحو ذلك ممن يمكنه فعل ما هدد به.
فهذا مختلف فيه على أقوال:
القول الأول: أن الإكراه لا يمنع التكليف وهو مذهب الشافعية والحنفية وجمهور الأصوليين، ولكن الحنفية يعبرون بعبارة أخرى وهى قولهم: «لا يؤثر في أهلية الوجوب ولا في أهلية الأداء» لأنهم لا يعبرون بالتكليف.
القول الثاني: أنه يمنع التكليف بما يوافق مراد الشارع ولا يمنع التكليف بنقيضه، وهذا مذهب أكثر المعتزلة. ومعناه أن من أكره على فعل مراد للشارع فَفَعَله لأجل الإكراه لا يعد مكلفا فلا يثاب على هذا الفعل. وإن امتنع يعد مكلفا فيعاقب على الترك، وإن أكره على فعل يخالف مراد الشارع كالزنا وسب الرسول ﷺ فإن امتنع فهو مكلف ويثاب، وإن فعل فليس بمكلف، فلا يعاقب.
والسبب في هذا القول أنهم يربطون بين التكليف والثواب والعقاب، فحيث وجد التكليف فلا بد من الثواب أو العقاب، وحيث عدم التكليف فلا ثواب ولا عقاب.
والجمهور مع قولهم إن الإكراه لا يمنع التكليف لا يقولون إن المكره يؤاخذ على كل ما يقوله أو يفعله؛ لأن التكليف عندهم الخطاب بأمر أو نهي، والمكره مخاطب، وكونه مخاطبا لا يلزم منه حصول الثواب أو العقاب ولا يلزم منه صحة جميع تصرفاته، والحكم الفقهي لما يفعله المكره فيه تفصيل على النحو التالي:
١ - الإكراه بحق على بيع ماله لسداد الغرماء أو على عتق عبده، ونحو ذلك
стр. 89
فهذا ينفذ ويصح.
٢ - الإكراه بغير حق، وهذا يختلف حكمه باختلاف المكره عليه، فهو إما أن يكون قولا أو فعلا.
أـ ... فأما الأقوال فهي أنواع نجمل أهمها فيما يلي:
١ ـ العقود المالية، كالبيع والإجارة ونحو ذلك، وهذه لا تصح ولا تنعقد عند الجمهور، وذهب الحنفية إلى أنها فاسدة لا باطلة، ويمكن تصحيحها برضا العاقدين بعد ارتفاع التهديد والإكراه.
٢ ـ العتق والنكاح والطلاق، وهي عقود لا تقبل الفسخ، وهذه لا تقع مع الإكراه عند الجمهور، وعند الحنفية تقع؛ لأنها تقع مع الهزل فمع عدم الرضا كذلك، ولكن يرجع على من أكرهه لضمان ما لحقه من الخسارة.
٣ ـ الأقوال المحرمة كالنطق بكلمة الكفر وسب الرسول ﷺ ، وهذه يعد الإكراه عذرا مسقطا لعقوبتها إن نطق بها وقلبه مطمئن بالإيمان كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦]. والنطق بها رخصة فإن صبر على الأذى وامتنع أثيب على ذلك، وأما القذف ونحوه فالإكراه يسقط عقوبته والإثم المترتب عليه.
ب ـ الأفعال، وهي أنواع، أهمها ما يلي:
١ ـ أفعال الكفر، كتمزيق المصحف وإهانته والذبح للصنم ونحو ذلك، وهذه كالنطق بالكفر يرخص للمكره في فعلها إن فعلها وقلبه مطمئن بالإيمان على الصحيح. وذهب بعض العلماء إلى أنه يؤاخذ عليها؛ لحديث الرجلين اللذين مرَّا على صنم لا يجوزه أحد حتى يقرِّب إليه قربانا، فامتنع أحدهما فقتلوه فدخل الجنة، وقال الآخر: لا أجد ما أقرِّبه له، فقالوا: قَرِّب ولو
стр. 90
ذباباً، فقرب ذباباً فدخل النار. (أخرجه ابن أبي شيبة من حديث سلمان ﵁)
والصواب عدم مؤاخذته، وهذا الحديث لا دليل فيه على مسألتنا؛ لأن الرجل الذي قرب ذبابا قربه مختارا طائعا بدليل أنه علل عدم التقريب للصنم بعدم وجوده ما يقربه، ولم يعلله بالتحريم والخوف من غضب الله جل وعلا.
ويمكن أن يجاب بأن هذا في شرع من قبلنا وقد جاء شرعنا بخلافه فأباح لنا النطق بكلمة الكفر مع طمأنينة القلب فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل ١٠٦]، وقال ﷺ : «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (أخرجه ابن ماجه) ولا فرق بين الأقوال والأفعال الكفرية.
٢ - قتل المعصوم أو جرحه أو قطع طرف من أطرافه، والإكراه لا يبيح ذلك باتفاق؛ فالفاعل يأثم باتفاق، وهل يقتص منه؟ اختلف في ذلك، فقيل: يقتص من المكرَه، وقيل: يقتص من المكرَه والمكرِه، وقيل: يُقتص من المكرِه (بالكسر) فقط، وقيل: يسقط القصاص، والصواب الاقتصاص من المكرَه (بالفتح).
٣ - الزنى: والإكراه عليه لا يبيحه باتفاق، واختلفوا في إقامة الحد على المكره، والصواب أنه لا حد عليه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة قوية، وأما المكرِه فلا حد عليه باتفاق.
وفرق بعضهم بين المرأة والرجل، فقال إذا أكرهت المرأة على الزنى فلا إثم عليها، وإن أكره الرجل ففعل فعليه الإثم؛ لأن زناه لا يكون إلا باختياره؛ إذ لا جماع بغير شهوة وانتشار، فإن حصل منه ذلك كان مطاوعا مختارا.
وبهذا يتبين أن قول جمهور العلماء: «إن المكرَه مكلفٌ، وإن الإكراه لا يمنع
стр. 91
التكليف» لا يعني مؤاخذته على كل ما أكره عليه.
ولَمَّا رأى بعض العلماء أن الله قد عفا عن المكره إلا في الحالات التي قدم فيها صيانة نفسه على صيانة غيره من المسلمين، قال: إن المكره غير مكلف، وهو وإن خالف الجمهور في ذلك من حيث اللفظ لكنه موافق لهم في المعنى، غير أنه نظر إلى آثار التكليف ـ وأهمها المؤاخذة الأخروية ـ فوجدها منتفية فنفى التكليف.
والقول بعدم تكليف المكره هو الأليق بمذهب السلف، والأقرب إلى ظاهر القرآن والسنة؛ لأن الله تعالى لم يؤاخذ من نطق بكلمة الكفر مكرها فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾. [النحل١٠٦] والرسول ﷺ قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (أخرجه ابن ماجه).
والتكليف مع الإكراه فيه حرج شديد ومشقة عظيمة، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨] ويقول: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦].
والإجماع الذي حكوه على أن الإكراه لا يبيح قتل المعصوم والزنى، يحمل على أنه لم يسقط عنه الإثم؛ لأنه في القتل قدم مصلحة نفسه على مصلحة أخيه المسلم، والرسول ﷺ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (متفق عليه من حديث أنس). وفي مسألة الزنى لأن القرينة تدل على أنه أقدم على الزنى لشهوة وإلا لما استطاع أن يجامع. وأما المرأة المغتصبة غير المطاوعة فهي غير مكلفة على الصحيح.
стр. 92
وقد تكون مسألة تكليف المكره ذات صلة بمسألة أخرى وهي مسألة التكليف بما لا يطاق، فإن أكثر الأشعرية على صحة هذا التكليف كما تقدم، ولهذا ناسبهم أن يقولوا هنا بتكليف المكره.
وعلى القول الصحيح هناك أنه لا يجوز التكليف بما لا يطاق ينبغي أن نقول هنا بمنع تكليفه
стр. 93
الباب الثاني
أدلة الأحكام الشرعية
تعريف الدليل:
الأدلة: جمع دليل، والدليل في اللغة: المرشد إلى الشيء والهادي إليه.
وفي الاصطلاح: «ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري».
والمراد بالنظر: الفكر الموصل إلى علم أو ظن. ووصف بكونه صحيحا ليخرج النظر الفاسد المخالف لمقتضى العقل السليم أو للفطرة المستقيمة أو للغة أو للشرع، والمراد بقولنا مطلوب خبري أي حكم من الأحكام.
وقلنا: ما يمكن التوصل الخ، حتى يدخل الدليل الذي لم يتنبه المجتهدون للاستدلال به، فإنه دليل وإن لم يستدل به فعلا، وهو أفضل من قولنا ما يتوصل؛ لأنه يدل على أن الدليل هو ما حصل التوصل به فعلا.
وقولنا: بصحيح النظر فيه، يخرج النظر الفاسد فإنه لا يوصل إلى الحكم الصحيح، وإن توهم الناظر أنه يوصل إليه. وهذا القيد لا يمنع من دخول الدليل الذي لم ينظر فيه نظرا صحيحا ولم يتوصل به إلى المطلوب؛ لأن عدم الاستدلال به جاء من جهة فساد النظر لا من جهة عدم دلالته.
أقسام الأدلة الشرعية:
١ - تنقسم الأدلة الشرعية من حيث الاتفاق على العمل بها وعدمه ثلاثة أقسام:
أ ـ ... أدلة متفق عليها، وهي الكتاب، والسنة.
стр. 94
ب ـ ... أدلة فيها خلاف ضعيف، وهي الإجماع والقياس.
ج ـ ... أدلة فيها خلاف قوي، وهي قول الصحابي والاستحسان والمصلحة المرسلة وشرع من قبلنا والاستصحاب وسد الذرائع.
٢ - وتنقسم من حيث طريق معرفتها إلى قسمين:
أ ـ ... أدلة نقلية، وهي الكتاب والسنة والإجماع وقول الصحابي وشرع من قبلنا والعرف.
ب ـ ... أدلة عقلية، وهي القياس والمصلحة المرسلة وسد الذرائع والاستحسان والاستصحاب. وليس مرادهم أنها عقلية محضة بل هي عقلية مستندة إلى نقل.
ويقسمها بعضهم إلى ثلاثة أقسام:
نقلية محضة، وعقلية محضة، ومركبة من العقل والنقل. ولا يترتب على ذلك التقسيم كبير فائدة، والتقسيم غير منضبط.
والسبب في اختلافهم في تقسيمها أن بعضهم يعد ما للعقل مدخل في دلالته دليلا عقليا وإن كان مستندا إلى نقل، وبعضهم يعد ما يستدل به العقلاء قبل الشرع دليلا عقليا وما لا يعرف كونه دليلا إلا بعد ورود الشرع يعده دليلا شرعيا.
والظاهر أن الأدلة الشرعية منها ما يدل بمقتضى الوضع اللغوي مثل أكثر نصوص الكتاب والسنة. ومنها ما لا يدل إلا بضميمة إليه كنص شرعي آخر مثل قول الصحابي وشرع من قبلنا والإجماع ونحوها. ومنها ما يستدل به العقلاء قبل ورود الشرع وجاء الشرع مؤيدا له كبعض أنواع القياس والاستصحاب والمصالح المرسلة.
стр. 95
٣ - وتنقسم الأدلة الشرعية من حيث قوة دلالتها إلى قطعية وظنية:
والدليل القطعي: هو ما دل على الحكم من غير احتمال ضده. وقيل ما دل على الحكم ولم يحتمل غيره احتمالا ناشئا عن دليل. فعلى الأول يكون الاحتمال الممكن ـ وإن كان بعيدا لا دليل عليه ـ ناقلا للدليل من القطع إلى الظن، وعلى الثاني لا ينتقل الدليل إلى الظن بمجرد الاحتمال بل لا بد أن يكون الاحتمال مستندا لدليل.
مثاله قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة ١٩٦]. فدلالة العدد هنا على الأيام الواجب صيامها دلالة قطعية.
والظني: ما دل على الحكم مع احتمال ضده احتمالا مرجوحا، ومثاله: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة ٢٦٤]، فالآية تدل بظاهرها على أن كلا من المن والأذى يبطل الصدقة ويذهب أجرها، ولا يلتفت إلى الاحتمال المرجوح الذي تحتمله الآية وهو أن الصدقة لا تبطل إلا بمجموع الأمرين.
الأصل في الأدلة الشرعية العموم:
الأدلة الشرعية تحمل على العموم سواء وردت بصيغة العموم أم بصيغة الخصوص، إلا أن يدل على خصوصيتها دليل.
ومعنى ذلك أن الدليل الشرعي من القرآن أو السنة يجب أن يعد شاملا لمن ورد في بيان حكمه ومن يماثله من المكلفين على مر العصور.
فالآيات والأحاديث الواردة بصيغة العموم لا إشكال في عمومها بطريق اللغة، وأما الواردة بصيغة الخصوص كالتي وجه الخطاب فيها إلى فرد أو أفراد محصورين فتكون عامة فيمن حاله كحالهم ممن يأتي بعدهم إلا أن تقوم دلالة
стр. 96
على أنها خاصة بمن وردت فيه بعينه لا بوصفه.
فالأحاديث الواردة في رجم ماعز لَمّا زنى يدخل فيها كل زان محصن، والأحاديث الواردة في قتل العرنيين الذين قتلوا الرعاة وسملوا أعينهم تشمل من يفعل مثل فعلهم بطريق المعنى، وقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته دابته ـ: «لا تخمروا رأسه» (متفق عليه) يشمل كل من مات محرما على الصحيح من قولي العلماء، ومن قال بخصوص الحديث إنما قال بذلك لدلالة قامت عنده على الخصوصية.
والدليل على ذلك الأصل من وجوه:
١ - عموم رسالة الرسول ﷺ وما جاء به من الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف١٥٨]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ٢٨]، وقوله ﷺ : «بعثت إلى الناس كافة» (أخرجه البخاري بهذا اللفظ ومسلم بمعناه).
٢ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب٢١]. فإذا كان التأسي بالرسول ﷺ مطلوباً فيكون ما يثبت في حقه من الأحكام ثابتاً في حق أمته إلا أن يقوم دليل على الخصوصية.
٣ - الأدلة الدالة على مشروعية القياس تدل على عموم الأدلة؛ لأن القياس مبناه على توسيع مجرى النص وإدخال من لا يدخل تحته وضعاً بطريق المعنى.
стр. 97
الدليل الأول
الكتاب
القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة:
القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف تسهيلا وتيسيرا على الناس، يدل على ذلك قول الرسول ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» متفق عليه.
والأحرف السبعة التي نزل القرآن بها كلها عربية، ولما جمع القرآن في المصاحف الجمعة الأخيرة اقتصر فيه على حرف واحد، وهو الحرف الذي كانت قريش تقرأ به.
والقراءات العشر لا تخرج عن الحرف الذي أثبت في المصحف العثماني. وقيل إن مصحف عثمان مشتمل على الأحرف السبعة (١) وليس هذا موضع بسط الكلام في ذلك.
والقراءات منها ما هو صحيح، ومنها ما هو شاذ، ومنها ما هو باطل.
فالقراءة الصحيحة هي: ما صح سندها، ووافقت اللغة ولو من وجه، ووافقت رسم المصحف العثماني.
والقراءة الشاذة: ما صح سندها ووافقت اللغة ولو من وجه، وخالفت رسم المصحف العثماني.
стр. 98
والمخالفة قد تكون بزيادة كلمة أو تغييرها ونحو ذلك، ومثالها قراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فكلمة (متتابعات) غير موجودة في المصحف العثماني، ولهذا أطلق عليها بعض العلماء اسم القراءة الشاذة أو الآحادية.
والقراءة الباطلة: ما اختل فيها أحد الشرطين الأولين، وهما: صحة السند، وموافقة اللغة العربية. فأي قراءة لم يصح سندها أو لم توافق العربية بوجه من الوجوه هي قراءة باطلة لا تجوز القراءة بها ولا الاحتجاج بها باتفاق.
ولما كان رسم المصحف العثماني متواترا، عدوا ما خرج عنه آحادا أو شاذا.
واختلفوا في القراءة الشاذة أو الآحادية هل تجوز القراءة بها في الصلاة؟:
فذهب الجمهور إلى عدم صحة القراءة بها؛ لأنها ليست قرآنا؛ إذ القرآن متواتر وهي ليست متواترة. وذهب بعض العلماء إلى صحة القراءة بها في الصلاة إذا صح سندها، واستدل بأن ابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما كانوا يقرأون بها ولا يمكن أن نقول ببطلان صلاة هؤلاء وأمثالهم.
وهذا القول إحدى الروايتين عن مالك وإحدى الروايتيتن عن أحمد واختاره ابن القيم ﵀ (١)، ومذهب الجمهور أحوط. وكون القراءة نقلت عن أحد الصحابة بطريق الآحاد لا يلزم منه كونها قرآنا، ولا يلزم أنه كان يقرأ بها في الصلاة؛ لاحتمال أنه كان يقولها تفسيرا لما في القرآن من إجمال، وتقييدا لما فيه من إطلاق.
стр. 99
حجية القراءة الشاذة:
اختلف العلماء في حجية القراءة الشاذة (الآحادية) على قولين:
القول الأول: أنها حجة، وهو منسوب لأبي حنيفة وأحمد، وأكثر أصحابهم، وحكاه البويطي عن الشافعي.
ودليل هذا القول: أن هذه القراءة نقلت عن الرسول ﷺ بسند صحيح فهي لا تخلو إما أن تكون قرآنا أو سنة، وعلى كلا الاحتمالين فهي حجة.
القول الثاني: أنها ليست بحجة، وهو المشهور عن الشافعي ﵀.
والدليل على ذلك أن الصحابي نقلها على أنها قرآن، لا على أنها سنة، وهي لا يمكن أن تكون قرآنا؛ لأن القرآن متواتر وهي غير متواترة، ولأن الظاهر أنها تفسير من الصحابي نفسه، ومذهب الصحابي ليس حجة عند الشافعي.
والصواب الأول، وقولهم: لا يمكن أن تكون قرآنا، لا يصح إلا على التسليم باشتراط التواتر في كل كلمة من كلمات القرآن وهذا محل خلاف، قال الشوكاني: «وقد ادُّعِي تواتر كل من القراءات السبع ... وليس على ذلك أثارة من علم؛ فإن هذه القراءات كل واحدة منها منقولة نقلا آحاديا كما يعرف ذلك من يعرف أسانيد هؤلاء القراء، وإنما هو قول قاله بعض أهل الأصول، وأهل الفن أخبر بفنهم» (١).
وقولهم: إنها قول صحابي، يجاب بأن قول الصحابي في تفسير القرآن حجة؛ لما علمناه من تورعهم عن القول في كتاب الله بما لا علم لهم به. والله أعلم.
стр. 100
ومن الفروع التي بنيت على هذا الأصل ما يلي:
١ - وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين، فمن أوجبه استدل بقراءة ابن مسعود «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» كالحنفية والحنابلة، ومن لم يوجبه لم يستدل بهذه القراءة كالشافعية والمالكية في الأظهر.
٢ - المراد بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة٢٣٨] ورد في قراءة عائشة: «والصلاة الوسطى وصلاة العصر» (١)، فمن احتج بالقراءة الآحادية احتج بهذه القراءة على أن الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر؛ لعطفها بالواو على الصلاة الوسطى، والعطف يقتضي المغايرة، ومن لم يحتج بالقراءة الآحادية لم يحتج بهذه القراءة، وربما ذهب إلى أنها صلاة العصر أو غيرها بأدلة أخرى.
ومن العلماء من لم يستدل بهذه القراءة؛ لعدم ثبوتها عنده، لا لأنه لا يقول بحجية القراءة الآحادية.
٣ ـ تفسير القروء الوارد في العدة بالأطهار.
قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة٢٢٨] واختلفوا في المراد بالأقراء: أهي الحيض أم الأطهار؟ فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أنها الحيص، وذهب مالك والشافعي إلى أنها الأطهار.
ومما استدل به من قال إنها الأطهار، قراءة: «فطلقوهن لقبل عدتهن» بدل قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق١] ذكر ذلك الإمام الشافعي في الأم (٢)،
стр. 101
مع أن المشهور عن الشافعي عدم الاحتجاج بالقراءة الآحادية، ولعله احتج بهذه القراءة لأنها مسندة للنبي ﷺ لا إلى أحد من الصحابة كما في قراءتي ابن مسعود وعائشة السابقتين، وأما أبو حنيفة وأحمد فلعل القراءة لم تصح عندهما، فتركا الاحتجاج بها. والله أعلم.
стр. 102
الدليل الثاني
السنة
تعريف السنة:
السنة في اللغة: الطريقة، سواء أكانت حسنة أم سيئة، ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ... » (أخرجه مسلم).
وفي الاصطلاح: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.
هذا تعريفها عند الأصوليين.
وعند المحدثين: زيادة: الوصف، إذ يقولون السنة: ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف. ويريدون بالوصف ما ورد عن الصحابة من وصف الرسول ﷺ سواء كان وصفا خَلْقيا أو خلُقيا.
والأصوليون لم يدخلوا هذا النوع في السنة؛ لأنهم يتكلمون عن السنة التي هي دليل يستدل به ويتأسى بالرسول ﷺ فيه، ولا شك أن صفات الرسول التي ليست من فعله لا يمكن أن تكون دليلا على الوجوب أو الاستحباب؛ إذ لا يتعلق بها حكم.
وتطلق السنة في كلام العلماء إطلاقات أخرى، فهي تطلق على المستحب والمندوب، وتطلق في مقابل البدعة فيقال هذا صاحب سنة وذاك صاحب بدعة، ولها إطلاقات أخرى.
стр. 103
أقسام السنة:
تنقسم السنة من حيث ذاتها ثلاثة أقسام هي:
١ - السنة القولية: وهي ما صدر عن النبي ﷺ من قول غير القرآن، مثل قوله ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبؤا مقعده من النار» (متفق عليه).
٢ - السنة الفعلية: وهي ما صدر عن النبي ﷺ من فعل، مثل ما نقل من صفة وضوئه وصفة صلاته، والتركُ مع قيام الداعي بمثابة الفعل.
٣ - السنة التقريرية: وهي ما نقل من سكوت النبي ﷺ عن قول قيل أو فعل فُعل في حضرته، أو علم به ولم ينكره. ومن أمثلة ذلك ما رواه الشيخان: من أكل الضب على مائدته من غير إنكار، وما روياه أيضا: من رؤيته للحبشة وهم يلعبون بالحراب في المسجد، وتمكين عائشة من النظر إليهم.
ومما يوجد في كتب بعض المتأخرين: تقسيمهم السنة من حيث ورودها إلينا إلى متواترة وآحادية، أو متواترة ومشهورة وآحادية، وعندي أن هذا ليس تقسيما للسنة وإنما هو تقسيم للخبر الناقل لسنة الرسول ﷺ ، فالسنة لا تنقسم إلى هذه الأقسام، بل هذه أقسام الخبر سواء أكان ناقلا لسنة الرسول ﷺ أم لغيرها.
وكذلك تقسيمهم السنة إلى صحيحة وحسنة وضعيفة ليس راجعا إلى ذات السنة بل راجع إلى الخبر الذي نقل لنا السنة، فلو تيقنا أنها سنة الرسول ﷺ لما سميناها ضعيفة، بل الضعف في السند الناقل لها، ولهذا نجد المتقدمين يجعلون هذين التقسيمين للخبر أو للحديث، والسنة أخص منهما.
الفرق بين السنة والخبر:
السنة كما عرفناها ـ فيما سبق ـ هي: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من
стр. 104
قول أو فعل أو تقرير.
وأما الخبر في اللغة فهو النبأ، وجمعه أخبار. وفي الاصطلاح: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته.
ومعنى قولهم: لذاته، أي: بالنظر إلى ذات الخبر دون النظر إلى المخبِر والقرائن التي تحف بالخبر، وبهذا القيد يدخل في تعريف الخبر خبر الصادق، والأخبار التي لا يمكن أن تكذب لحفوف القرائن بها، أو لقيام الدليل القاطع على صدقها كأخبار القرآن والسنة المتواترة، والأخبار التي دلت القرائن على صدقها.
ويطلق الخبر على ما نقل عن النبي ﷺ غير القرآن، وما نقل عن الصحابة والتابعين. وقد يجعلون الخبر ما نقل عن النبي ﷺ ، والأثر ما نقل عن الصحابة والتابعين.
أقسام الخبر:
الخبر بمعناه الاصطلاحي ينقسم عند الجمهور قسمين: المتواتر والآحاد.
وعند الحنفية ثلاثة أقسام: المتواتر، والمشهور، والآحاد.
١ ـ تعريف المتواتر: هو ما رواه جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة وأسندوه إلى حس.
وهو نوعان:
أ ـ ... المتواتر اللفظي: وهو ما اتفق الرواة على لفظه ومعناه، مثل حديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» فقد روى هذا الحديث عن النبي ﷺ أكثر من ستين صحابيا.
وقد اعتنى جماعة من العلماء بجمع الأحاديث التي رأوا أنها بلغت حد
стр. 105
التوتر. وهي قليلة إذا قيست بما جعلوه من الآحاد.
ب ـ المتواتر المعنوي: وهو ما اتفق الرواة على معناه دون لفظه حتى أصبح المعنى مقطوعا به وإن كان اللفظ لم يبلغ درجه القطع. ومثاله الأحاديث الواردة في المسح على الخفين؛ فإن معناها المشترك بينها وهو (مشروعية المسح على الخفين) متواتر، وإن كانت ألفاظها غير متواترة.
٢ ـ الآحاد: وهو ما رواه واحد أو أكثر ولم يبلغوا حد التواتر. وأغلب الأحاديث من هذا القسم.
٣ ـ المشهور عند الحنفية: هو ما رواه عن النبي ﷺ واحد أو اثنان ثم تواتر في عصر التابعين أو تابعي التابعين. ومثلوه بحديث عمر بن الخطاب ـ ﵁ ـ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه.
وتقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد، أو إلى متواتر ومشهور وآحاد، يكاد يجمع عليه علماء الأصول وعلماء الحديث، ولكنهم لم يتفقوا على تحديد دقيق للعدد الذين تعد روايتهم تواترا والذين تعد روايتهم آحادا، فكل ما ذكروه من تحديد لم يقم عليه دليل صحيح.
وهذا قد حدا ببعضهم إلى أن يعرِّفوا المتواتر بأنه: ما أفاد العلم واليقين، والآحاد ما أفاد الظن، مع أن الناس يختلفون في العدد الذي يفيد اليقين فمنهم من يقطع بما رواه له عدد يسير، ومنهم المولع بالشك الذي لا يتيقن بالخبر وإن رواه عدد كثير، ومنهم المطلع على الأخبار العالم بأحوال الرواة الخبير بألفاظ النبوة الذي ربما قطع بصحة الحديث الذي رواه اثنان أو ثلاثة، ومنهم من ليس كذلك.
ومع اختلاف الناس في ذلك، لكنهم لا يختلفون فيما رواه عدد كثير يفوق
стр. 106
الحصر أنه متواتر، ولكن مثل هذا لا وجود له في الأحاديث النبوية، ولهذا نجدهم يمثلون له بالخبر بوجود مكة والمدينة ونحو ذلك مما لا يتصور فيه الخلاف.
والذين عرّفوه بأنه ما أفاد القطع، لا بد أن يعترفوا أن الخبر قد يتواتر عند شخص ولا يتواتر عند غيره، فقد يقطع شخص بصدقه ولا يقطع الآخر، وحينئذ لا يمكن أن نرتب على هذا التقسيم تكفير المخالف للخبر إذا قال إن الحديث لم يتواتر عندي ولم أقطع بصحته عن الرسول ﷺ .
وهذا قد دعا بعض العلماء إلى إنكار التقسيم من أساسه، وعدم التعويل عليه، وعدم التفريق بين ما سماه المحدثون متواترا وما سموه آحادا متى صح سنده، وقالوا: العبرة بصحة الخبر، فمتى صح وجب العمل به قطعا.
وينقسم الخبر من حيث صحته إلى ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف:
١ ـ الصحيح:
وهو ما رواه عدل تام الضبط عن مثله إلى رسول الله ﷺ ، وسَلِم من الشذوذ والعلة القادحة.
ومعنى قولهم: (عدل)، أي: مرضي في دينه وخلقه، وهو المواظب على الواجبات المجتنب للكبائر وما يخل بالمروءة من الصغائر.
وقولهم: (تام الضبط)، أي: أنه يغلب عليه حفظ ما سمعه من الحديث وعدم مخالفة الثقات في ذلك.
وقولهم: (عن مثله)، أي: أن رجال السند لا بد أن يكونوا كذلك من لدن الراوي الذي نقل لنا الحديث إلى رسول الله ﷺ .
وقولهم: (وسلم من الشذوذ والعلة القادحة):
الشذوذ: هو مخالفة الراوي للثقات الأثبات.
стр. 107
والعلة القادحة: وصف خفي يوجب رد الحديث. وهذا لم يضبطه المحدثون بضابط محدد، وإنما ذكروا أمثلة للأحاديث المعلة كما فعل الترمذي في علل الحديث، وفعله غيره من علماء الحديث.
ويصرح كبار النقاد من المحدثين بأن نقد الحديث صناعة لا يتقنها إلا أهلها، ويدل على ذلك القصة المنقولة عن أبي حاتم الرازي حين أعل بعض الأحاديث، فقال له السائل: تدعي علم الغيب؟ قال: ما هذا ادعاء علم الغيب، قال: فما الدليل على ما تقول؟ قال: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم، فذهب السائل إلى أبي زرعة فسأله فوجد جوابه مطابقا لجواب أبي حاتم، ثم رجع إلى أبي حاتم وقال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما (١).
وأما الأصوليون فقد ذكروا صفات يُرَدّ لها خبر الآحاد عند بعض العلماء، وهذا من قبيل إعلال الحديث بعلة قادحة عند من رد الحديث لأجلها، ومن ذلك أن الحنفية قالوا إذا انفرد الراوي برواية ما تعم به البلوى فلا يقبل حديثه، ومثلوا له بحديث: الوضوء من مس الذكر، وحديث: إيجاب الوضوء من أكل لحم الإبل.
وقالوا هم وغيرهم إذا انفرد بما تتوافر الدواعي على نقله من العدد الكثير لا تقبل روايته، وإذا خالف خبر الآحاد النص الصريح من القرآن لا يقبل، ومثلوا للأول بما يحتج به الشيعة على أن الرسول ﷺ عهد لعلي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة بعده، وللثاني بما رواه عمر وابنه ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» متفق عليه. فإن عائشة ﵂ ردت
стр. 108
الحديث لمعارضته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر١٨]، وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مَرّ رسول الله ﷺ على يهودية يُبكى عليها، فقال: «إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها» (أخرجه مسلم، ونحوه في البخاري) وجمهور العلماء لم يتركوا الحديث بل تأولوه بما لا يتعارض مع الآية، وهو مراد عائشة ﵂.
٢ ـ الحسن:
وقد اختلف المحدثون في تعريفه، فأدخله بعضهم في الصحيح، ومن أوضح ما قيل في تعريفه أنه: ما نقله عدل خفيف الضبط بسند متصل من غير شذوذ ولا علة قادحة (١). فيكون الفرق بينه وبين الصحيح في قوة الضبط وخفته.
٣ ـ الضعيف:
وهو ما لم يجمع صفات الصحيح أو الحسن.
وهناك تقسيمات أخرى عند المحدثين لا نطيل بذكرها.
شروط الراوي الذي تقبل روايته:
يشترط في الراوي عدة شروط بعضها محل وفاق وبعضها محل خلاف، وأهمها ما يلي:
١ ـ الإسلام:
والدليل على اشتراطه أن الله أوجب التوقف في خبر الفاسق فالكافر أولى بذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا
стр. 109
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات٦]. كما أن الكافر متهم بالإضرار بالدين والكذب عليه فلا يقبل قوله فيه.
وهذا الشرط محل وفاق، ولكن المراد اشتراط هذا الشرط عند الأداء لا عند التحمل، أي أن الكافر لو سمع حديثا من الرسول ﷺ حال كفره ثم رواه بعد إسلامه قبل منه.
٢ ـ البلوغ:
والدليل على اشتراطه أن الصبي مرفوع عنه التكليف وهو آمن من العقوبة على الكذب فلا يبعد أن يكذب على الرسول ﷺ .
٣ ـ العدالة:
وهي صفة راسخة في النفس تحمل المتصف بها على ملازمة التقوى وترك الكبائر، وما يخل بالمروءة من الصغائر (١)، ويعنون بما يخل بالمروءة الأعمال الخسيسة التي لا تناسب مكارم الأخلاق، كالغش في التوافه.
والدليل على اشتراطها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]؛ حيث أوجب التوقف في خبر الفاسق وعدم الحكم به حتى يروى من طريق آخر رواته عدول. ولأن الفاسق متهم بالكذب فلا يقبل قوله.
٤ ـ الضبط:
وهو الحفظ لما يسمعه أو يراه، وقلة الخطأ فيه.
стр. 110
والدليل على اشتراطه أن من كثر منه الغلط فيما ينقله ويرويه لا يغلب على الظن صدقه، ومن لا يغلب على الظن صدقه لا يقبل خبره في الدين.
حجية السنة:
السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، ولا يختلف المسلمون في حجية السنة الثابتة عن الرسول ﷺ ، ولهذا فالأخبار المتواترة عن الرسول ﷺ حجة باتفاق المسلمين.
وأما أخبار الآحاد فقد خالف فيها بعض المتكلمين، فقال بعضهم إنها ليست حجة، وقال بعضهم يشترط في حجية خبر الآحاد أن يرويه عن النبي ﷺ اثنان ويرويه عن كل واحد منهما اثنان حتى يصل إلينا.
وهذه المذاهب لم يعتنقها ـ والحمد لله ـ أحد من الأئمة المتبوعين، بل جميعهم اعتدوا بأخبار الآحاد إذا صحت واحتجوا بها.
ومما استدلوا به على حجية أخبار الآحاد ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة١٢٢].
وجه الدلالة: أن الطائفة في اللغة تطلق على الواحد وعلى العدد القليل والكثير، وقد أوجب الله عليهم أن ينذروا قومهم، ولولا أن نذارتهم مقبولة لما كان لإيجاب النذراة عليهم فائدة.
٢ - أن النبي ﷺ كان يرسل رسله وأمراءه وقضاته وسعاته المأمورين بجمع الزكاة، وهم آحاد فلو لم يجب قبول خبرهم عنه لما أرسلهم، ولما حصل المقصود بإرسالهم.