← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 36379

أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله

عياض السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 456–493 · переход к 461.

стр. 456

لأن المسائلَ التي اشتهر كلامُ الفقهاء فيها قد حُصرتْ أدلّتُها أو أغلبُها، فأمكنَ أنْ يطّلعَ عليها مَن لم يُحطْ بأدلّة الفقه كلِّها أو أغلبها، وأن يرجح ما يراه راجحا منها. وأما مسائلُ النوازل فلم يشتهر البحثُ فيها، ولا يُمكنُ لمن لم يُحطْ بأكثر أدلّة الأحكام في جميع الأبواب أنْ يجتهدَ فيها. هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من النوازل لا يعرفُ حكمَها مَن لم تتكونْ عنده ملَكَةٌ فقهيةٌ كاملةٌ، وهي لا تحصلُ بمعرفة بعض المسائل أو الأبواب. وتظهر ثمرةُ الخلاف: في الاعتداد بقول مَن لم يُحطْ بأكثر الأدلّة، وفي جوازِ فتواه، والعملِ بها من قِبَل العامّة، وانعقادِ الإجماعِ مع خلافه وعدمه.

стр. 457

اجتهادُ الرسول ﷺ واجتهاد الصحابة في عهده تكلّم الأصوليون في مسألتين، يُعدُّ الكلامُ فيهما كنقل السيرة، لا يترتّبُ عليه فروعٌ فقهيةٌ، وإنْ كان لا يخلو من فوائدَ. والمسألتان هما: مسألة اجتهاد الرسول ﷺ ، ومسألة اجتهاد الصحابة في عهده، ولنتكلم عن كل منهما باختصار. ١ - مسألةُ الاجتهاد من النبيّ ﷺ : والجمهور على أنه قد يجتهدُ، إذا لم يأته وحيٌ، وقد يتوقّفُ إلى نزول الوحي. وإذا اجتهد: فمنهم مَن يقول: إنه مسدَّدٌ للحقِّ لا يُمكنُ أنْ يُخطئَ في اجتهاده. ومنهم من يقول: إنه قد يُخطئُ في إصابة الحقّ، ولكن اللهَ يُصوِّبُه حالاً ويُبيّنُ له الحقَّ. والنصوص التي تدلُّ على القول الأخير أصرحُ، كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة٤٣]، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال٦٧]، وغير ذلك، ففي هذه الآيات عتاب للنبي ﷺ من الله، ولا يعاتبه إلا على الخطأ. وليس في هذا انتقاصٌ لمنزلة الرسول ﷺ ، وإنما فيها دليلٌ على بشريّته،

стр. 458

ودليل على صدقه وأمانته؛ حيث بلغ الأمة خطأه وتصويب الله له. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم٣] فإن المنفيَّ النطقُ عن هوى، والاجتهادُ ليس كذلك. وقولُه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم٤] يرجع إلى القرآن. ٢ - مسألة اجتهادِ الصحابة في عهد النبيّ ﷺ : وهذه المسألة اختُلف فيها على أقوالٍ، والصحيحُ منها - إن شاء الله - أن اجتهادَ الصحابة في غيابهم عن النبيّ ﷺ أو في حضوره بإذنه جائزٌ وواقعٌ، وما عدا ذلك فليس اجتهاداً. والدليلُ على وقوع الاجتهاد من الغائب عن مجلس النبيّ ﷺ : اجتهادُ الصحابة الذين بعثهم النبيّ ﷺ إلى بني قريظة، وقال لهم: «لا يُصلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلاّ في بني قريظة». وقد تقدّم ذكرُه. وكذلك اجتهادُ عليّ ﵁ حينما بعثه إلى اليمن قاضياً في وقائعَ حدثت له. واجتهادُ عمارَ ﵁ في التيمم للجنابة (متفق عليه). وأما للحاضر بإذن الرسول ﷺ : فمثاله: اجتهادُ سعدِِ بنِ معاذٍ ﵁ في الحكم على بني قريظة (متفق عليه عن أبي سعيد)، واجتهادُ عمرو بن العاص ﵁ بإذنه (أخرجه أحمد والدارقطني والحاكم). وأما الدليلُ على منع الحاضر إذا لم يُؤذنْ له فقولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات١]، والاجتهادُ في مسألةٍ شرعيةٍ بحضرته بلا إذنٍ من التقدُّمِ بين يديه. وأما قول أبي بكر ﵁ لمن طلب سلَبَ القتيل الذي قتله أبو قتادةَ: لا ها الله!

стр. 459

إذاً لا يعمدُ إلى أسد من أُسْد الله يُقاتل عن الله وعن رسوله فيُعطيك سلَبَه. (متفق عليه عن أبي قتادة) فليس اجتهاداً، بل أخذاً بالنصّ، فإن الرسولَ ﷺ كان قد قال: «مَن قتل قتيلاً له عليه بينةٌ فله سلَبُه» (متفق عليه وهو طرفٌ من حديث أبي قتادة السابق)، وهو وعدٌ من الرسول ﷺ ، وليس من عادته إخلافُ وعده، أو هو قضاءٌ سابقٌ ولم ينقُضه. وقد نصَّ الرازيُّ وبعضُ الأصوليين أن المسألتين لا ثمرةَ لهما. ومع ذلك فإنهما لا تخلوان من الفوائد، وإنْ لم تكنْ متفرِّعةً عنهما أو عن أحدِهما، ولهذا أُخذ من المسألتين حكمُ الرجوع إلى الظنّ مع إمكان اليقين، فأجازه مَن أجاز الاجتهادَ في المسألتين، ومنعه مَن منعه. وذلك مثل الوضوء من الماء الذي يغلبُ على الظنِّ طهارتُه، مع كونه على شاطئِ البحر، بحيثُ يتمكّنُ من الوضوء من ماء البحر المقطوع بطهارته. والإفطارُ بناءً على سماع الأذان أو النظر للساعة دون الخروج لرؤية غروب الشمس، ونحو ذلك من المسائل. ولا يبعُدُ أنْ يكونَ للخلاف في اجتهاد الرسول ﷺ صلةٌ بحجّية الفعل المجرَّد من الرسول ﷺ .

стр. 460

المصيبُ في مسائل الاجتهاد واحدٌ هذه من المسائل التي طال البحثُ فيها، وتفرّع عنها بعضُ مسائل الاجتهاد الأخرى، وتُسمّى مسألةَ: «التصويب» أو «تصويب المجتهدين». وقد عنون لها بعضُهم بنحو هذا العنوان. وعنون لها بعضُهم بقوله: هل الحقُّ يتعدّدُ في مسائل الاجتهاد؟ وقال بعضُهم: هل لله في كلّ واقعةٍ حكمٌ معيّنٌ؟ ومحلُّ النزاع: إنما هو في المسائل الاجتهادية العملية، أما المسائل العملية القطعية، والعلمية الاعتقادية، فإن المصيبَ فيها واحدٌ، باّتفاقٍ، والحقُّ فيها لا يتعدّدُ. ولم ينقلوا فيها خلافاً إلاّ عن القاضي العنبريّ، فإنه نُقل عنه قوله: كلُّ مجتهِدٍ في الأصول مصيبٌ. وعن الجاحظ مثلُ ذلك. وقد حمله بعضُهم على تعدُّد الحقّ في المسائل العلمية الخبرية، وهو مخالفٌ لبدائه العقول؛ إذْ لا يُمكنُ أنْ يقولَ عاقلٌ إن اللهَ يُمكنُ أنْ يوصَفَ بهذه الصفة وبعدمها، وأن هذا الشيءَ واقعٌ وغيرُ واقعٍ. وحمله بعضُهم على أنه لا يُؤَثّمُ المخطئُ من الكفار إذا بذل جهدَه في طلب الإيمان بالله فلم يصلْ إليه. وحمله المحققون على أنه خاصُّ بالمجتهدين من أهل الملّة، إذا بذلوا جهدهم في إدراك الحقّ في مسائل الأصول أو الفروع، فأخطأوا، فإنهم لا يأثمون. ففسروا قولَه بالتصويب بأن المرادَ نفيُ الإثم.

стр. 461

وقد صحّح هذا التفسيرَ ابنُ تيميةَ، ودافع عن العنبريّ ـ وانتصر له، وقال: «إن المخطئَ من مجتهدي المسلمين مأجورٌ، سواء كان الخطأُ في الأصول أو الفروع، إذا بذل جهدَه ولم يصلْ إلى الحقّ». قال ﵀: «ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع، بل جعل الدين قسمين: أصولا، وفروعا، لم يكن معروفا في الصحابة والتابعين، ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين إن المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم لا في الأصول ولا في الفروع ... وحكوا عن عبيد الله العنبري أنه قال: كل مجتهد مصيب، ومراده: لا يأثم، وهذا قول عامة الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما» (١). والخلاصةُ: أن الكلامَ في مقامين: الأول: هل يُقال لكلٍّ من المختلفين: إنه مصيبٌ؟ الثاني: هل يأثمُ إذا خالف ما هو الحقّ عند الله؟ فأما في المقام الأول: فإن المسائلَ العلميةَ الخبريةَ لا يُمكنُ أنْ يتعدّدَ الحقُّ فيها، فيكونَ الصوابُ مع كلٍّ منهما؛ إذْ لا يقول عاقلٌ إن اللهَ موصوفٌ بصفة الرحمة، وغير موصوفٍ! وإن اللهَ قد كتب السعادةَ أو الشقاءَ على الإنسان، ولم يكتبها! لوجود التناقُض الممتنع عقلاً. وعلى ذلك: فإن مَن قال في شيءٍ من مسائل الاعتقاد: إن كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، فلا يُحمَلُ قولُه على تعدُّد الحقّ فيها؛ لامتناعه عقلاً، وإنما يُحملُ على أنه معذورٌ في خطئه إذا لم يُخالفْ قاطعاً، وأما إذا خالف قاطعاً من غير تأويلٍ، فإنه يكونُ مقصِّراً.

стр. 462

والجمهور على تأثيمه إذا خالف دليلاً قطعياً، وعذرِه إذا خالف ظنّيّاً. ولا خلافَ في تأثيم الكفار؛ لورود النصوص القطعية بذلك، كقوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت٢٣]، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف١٠٣ - ١٠٥]. وما نُقل عن العنبريّ لا يصحُّ؛ لأن كلامه في أهل القبلة. وأما الجاحظ فليس من أهل الاجتهاد، فلا يُعتدُّ بقوله. وأما المسائل العملية: فإن كانت قطعية، أي: قام عليها دليل قطعي، فالحق ما قام عليه الدليل؛ إذ لا يمكن مخالفة الدليل القطعي. وأما العملية الظنية: فإن العقل لا يمنع من تصويب المختلفين فيها. ولذلك اختلفوا فيها أيقال: الجميع مصيبون أم المصيب واحد؟ والثاني أرجحُ، والدليلُ عليه من وجوهٍ: ١ - أن النبيَّ ﷺ سمّى أحدَ المجتهدَين مصيباً، والآخَرَ مخطئاً، فقال: «إذا حكم الحاكمُ فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ»، (متفق عليه)، فسمّاه مخطئاً. ٢ - أنه لو كان الجميعُ مصيبين مع اختلافِهم، لما كانتْ هناك حاجةٌ إلى المناظرة والاستدلالِ على المخالف؛ لأن الخلافَ يكونُ من باب اختلاف التنوُّع، والإجماعُ على خلاف ذلك. ٣ - أنه لو كان الحقُّ يتعدّدُ للزم اجتماعُ الضدّين في بعض صور الاجتهاد، كما إذا طلّق زوجتَه ثلاثاً، وهو ممن يرى الثلاث واحدةً، وهي ممن يرى الثلاثَ

стр. 463

ثلاثاً، فهل يُقالُ له: لا تُفارقْها، ويُقالُ لها: فارقيه؟! وكيف يكون كلٌّ من القولين حقّاً في هذا الصورة؟! ٤ - إجماع الصحابة على إطلاق وصف الخطأ على بعض أنواع الاجتهاد، كما في قول ابن مسعود ﵁ في المفوضة: أقول فيها برأيي فإنْ كان صواباً فمن الله، وإنْ كان خطأً فمني ومن الشيطان، وأستغفرُ الله» (أخرجه أحمد والنسائي) ولا يُعرَفُ له مخالفٌ. وأما عن المقام الثاني: وهو مقام التأثيم، فإن الجماهيرَ متّفقون على أن كلَّ مجتهدٍ من المسلمين مأجورٌ، إما أجراً واحداً، أو أجرين، ولم يُنقلْ خلافٌ في ذلك، إلاّ عن ابن عُليّةَ وبعضِ الظاهرية. والدليل على أن المخطئَ في مسائل الاجتهاد مأجورٌ: الحديثُ المتقدّمُ: «إذا حكم الحاكمُ فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ»، (متفق عليه). وقد حكى غيرُ واحدٍ الإجماعَ على عدم تأثيم المخطئ في مسائل الاجتهاد. وقد بنى بعضُ العلماء على الخلاف في تصويب المجتهدين اختلافَهم فيمن اجتهد في القبلة فصلى، ثم تبين له أنه صلى إلى غير الجهة الصحيحة، فهل عليه إعادةٌ؟ ذهب بعضُهم إلى إيجاب الإعادة، وبعضهم إلى عدم الإيجاب، وفرّق بعضُهم بين مَن كان داخلَ المصر فيُعيدُ، دون مَن كان خارجه. ومن المسائل التي تُبنى على تصويب المجتهدين مع اختلافهم: موقف المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلّةُ، فالقائلون بالتصويب قالوا: يتخيّرُ أحدَ القولين فيقضي به؛ لأن كلاًّ منهما صوابٌ.

стр. 464

ومَن قال المصيبُ واحدٌ، قال: يجبُ عليه التوقُّفُ حتى يترجّحَ له أحدَ القولين، وإنْ حضر وقتُ العمل فله أنْ يُقلِّدَ عالماً آخَر. ومن تلك المسائل: إذا تعارضت فتوى عالمين، فما موقفُ المقلِّد؟ فمَن قال: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ، قال: يتخير. ومَن قال: المصيبُ واحدٌ، قال: يأخذُ بقول الأوثق منهما والأعلم، فإن تساويا فالأورعُ منهما والأتقى، فإن تساويا، سأل ثالثاً. وقد فسّر بعضُ العلماء ما نُقلَ عن الشافعيّ من تصويب المجتهدين بأن المرادَ أنه أصاب في عمله بما توصَّل إليه اجتهادُه، وليس المرادُ أنه أصاب الحقَّ عند الله في واقع الأمر. والمسألةُ فيها كلامٌ طويلٌ للأصوليين، ولكن فيما ذكرتُه كفايةٌ إن شاء الله تعالى. وقد ساق جماعةٌ من الأصوليين - منهم الغزالي والصفيُّ الهنديّ - المسألةَ على وجهٍ آخَر، فقالوا: الواقعةُ إما أنْ يكونَ عليها نصٌّ أو لا، فإنْ كان عليها نصٌّ، فإما أنْ يجتهدَ في طلبه أو لا، إن اجتهد: فإما أنْ يبذُلَ وُسعَه أو يُقصّرَ في البحث. فإن وجد المجتهدُ نصّاً وحكم به، فهو مصيب ولا خلافَ في ذلك. وإنْ وجده ولم يحكمْ به مع العلم بدلالته، فهو مخطئٌ آثمٌ. وإنْ قصّر في البحث، فهو آثمٌ. وإنْ لم يُقصِّرْ، فهو غير آثمٍ. وإنْ كانت المسألةُ لا نصَّ فيها، فقد قال جمهورُ المتكلِّمين: ليس لله فيها حكمٌ معيَّنٌ قبلَ اجتهاد المجتهد، بل حكمُ الله تابعٌ لاجتهاد كلّ مجتهد. ولهذا قالوا: كلُّ مجتهدٍ فيها مصيبٌ.

стр. 465

وقال أكثرُ الفقهاء: لله فيها حكمٌ معيَّنٌ قبلَ الاجتهاد، والمصيبُ فيها واحدٌ، والمخطئُ معذورٌ. وقال بعضُ المتكلِّمين: يوجدُ حكمٌ أشبهَ بحكم الله، وهو الحكمُ الذي لو حكم الله فيها لما حكم بغيره. سبب الخلاف: قال ابنُ دقيق العيد: إن سببَ الخلاف في التصويب والتخطئة اختلافُهم في أصلٍ، وهو هل لله في كلّ واقعةٍ حكمٌ معيَّنٌ، أو أن حكمَه في مسائل الاجتهاد تبَعٌ لاجتهاد المجتهدين؟ فعلى الأول: المصيبُ واحدٌ. وعلى الثاني: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ (١).

стр. 466

تجديدُ الاجتهاد المقصودُ بتجديد الاجتهاد: إعادةُ النظر في حكم الواقعة، لتجدُّد وقوعها أو السؤال عنها، مع سبق النظر فيها من المجتهد والتوصُّل فيها إلى حكمٍ يغلب على ظنه أنه الصواب. مثاله: إذا سُئل المفتي عن حكم الإجارة المنتهية بالتمليك، وأفتى بتحريمها، ثم سُئل عنها بعد عامٍ، فهل له أنْ يُفتيَ بما أفتى به سابقاً، أو يجبُ عليه أنْ يُعاودَ النظرَ في المسألة؛ لاحتمال أنْ يظهرَ له دليلٌ لم يكنْ قد ظهر له أولاً؟ وهل يكونُ الحكمُ واحداً لو نسيَ طريقَ اجتهاده الأول أو ذكره؟ ويخرجُ عن محلّ النزاع إذا وجد ما يستدعي إعادةَ النظر في المسألة، كتغيُّر العرف في مسألةٍ مبنيةٍ على العرف، أو وجود نصٍّ يُخالفُ ما أفتى به سابقاً، ولا يعرفُ حالَ ذلك النصّ. فإنه في هذه الحال يجبُ عليه إعادةُ النظر. وأخرج بعضُهم عن محلّ النزاع إذا لم يُوجدْ ما يحتملُ أنه يُؤدِّي إلى تغيُّر الاجتهاد، وكان المجتهدُ ذاكراً طريقَ اجتهاده السابق، فلا يجبُ عليه تجديدُ الاجتهاد. واختلفوا فيما إذا تجدّد له ما يَحتملُ أنه يُؤدّي إلى رجوعه، وهو ذاكرٌ لاجتهاده الأول أو غيرُ ذاكر، أو لم يتجدّدْ ما يَحتمل أنْ يُؤدّي إلى رجوعه، وهو غيرُ ذاكرٍ لطريق اجتهاده السابق. وقد ذكروا في المسألة أقوالاً، أشهرها ثلاثةٌ: القول الأول: يجبُ عليه تجديدُ الاجتهاد في الصور الثلاث كلِّها. وهو مذهب أكثر الحنفية، والحنابلةِ، واختاره القاضي الباقلانيّ، وأبو

стр. 467

يعلى، وابنُ عقيلٍ، والشيرازيّ. وحجتُهم: أنه إذا لم ينظرْ في المسألة الجديدة يكونُ مقلِّداً لنفسه. وأيضاً فإن الاجتهادَ كثيراً ما يتغيّرُ بمعاودة النظر، فلا يأمنُ أنْ يكونَ الحقُّ في غير ما أفتى به أولاً. القولُ الثاني: عدمُ وجوب إعادة النظر. وهو قول بعض الحنابلة، وبعضِ الشافعية، وبعضِ الحنفية، واختاره ابنُ الحاجب، وابنُ الساعاتيّ، وصحّحه المطيعيّ في سلّم الوصول. وحجّتهم: أن الأصلَ عدمُ تغيُّر الاجتهاد، فيجوزُ البناءُ عليه. وأيضاً فإنه لو أُمرَ بتجديد الاجتهاد لكان إيجاباً من غير دليلٍ. والثالث: أنه إنْ كان ذاكراً لطريق اجتهاده السابق فلا يجبُ عليه معاودةُ النظر، وإنْ كان ناسياً وجب عليه معاودةُ الاجتهاد والنظر. وهو قول المحققين من الأصوليين، واختاره أبو الحسين البصريّ، وابنُ السَّمعانيّ، وأبو الخطّاب، والرازيُّ، وابنُ الصلاح، والنوويُّ، والآمديُّ، والبيضاويُّ، والسبكيُّ، والمرداويُّ، والشوكانيُّ. وهو الراجح. دليله: أن المجتهدَ إذا كان ذاكراً لدليله السابق، ولم يظهرْ له ما يُعارضه، فهو باقٍ على اجتهاده السابق، ولا يجبُ عليه تجديدُ البحث؛ لأنه لا موجبَ له. وأما إذا نسيَ دليلَه السابقَ فإنه لو حكم بما حكم به أولاً من غير نظرٍ كان كالمقلِّد؛ لأنه أخذ قولاً لا يعرفُ دليلَه. والمجتهدُ لا يجوزُ له أنْ يقنعَ بالتقليد مع قدرته على النظر والاجتهاد. وأدلّةُ الموجِبين تُحمَلُ على حالة النسيان؛ لأنه مع ذكر الدليل لا حاجةَ

стр. 468

لمعاودة النظر والبحث. وأما القائلون بعدم الوجوب مطلقاً، فليس معهم إلاّ التمسُّكُ باستصحاب الحكم السابق، ومعلومٌ أن المجتهدَ مع نسيانه للطريق التي توصَّل بها إلى القول بالتحريم أو الإباحة مثلا، يجعلُ البقاءَ على حكم الإباحة بقاءً على حكمٍ لا يَعرفُ دليلَه، والفتوى به مرةً ثانيةً فتوى بلا دليلٍ، وهي لا تصحُّ. والاستصحابُ إنما يُفيدُ عدم نقض ما أفتى به أو حكم به بناءً على الاجتهاد السابق، أما الفتوى الجديدةُ فتفتقرُ إلى دليلٍ، وهو قد نسيه، ونسيَ طريقَ الوصول إلى الحكم السابق. وهذه المسألة من أهمّ مسائل الاجتهاد؛ إذْ يترتّبُ على القول الراجح وجوبُ إعادة النظر في أكثر المسائل التي تحدث بعد تغيُّر الأحوال، لاحتمال أنْ تكونَ المصلحةُ فيها قد تغيّرتْ وتبدّلت. وهذا يكفلُ للفقه الإسلاميّ التجدُّدَ المستمرَّ وعدمَ الوقوف عند اجتهاد المتقدِّمين. وإذا عرفنا أن الإجماعَ قائمٌ على أنه إذا وجد دليلٌ جديدٌ، أو تبدّلت الأحوالُ أو الأعرافُ، وجب معاودةُ النظر في المسألة، عرفنا فائدةَ هذه القاعدة، وعرفنا ما يحملُه أصولُ الفقه من قواعدَ تُوجبُ التجديدَ المستمرَّ للفقه. وينبغي أنْ لا نفهمَ من إعادة النظر والاجتهاد ضرورةَ تغيُّر الرأي في المسألة، بل قد نبقى على الرأي الأول، وقد تزيدُ المكتشَفاتُ الحديثةُ التدليلَ على صوابه. وقد يُؤدّي معاودةُ النظر إلى ضرورة تقديم الحكم للناس بأسلوبٍ آخَرَ يُناسبُ العصر.

стр. 469

وقد يُؤدّي الاجتهادُ إلى تغيُّر الحكم في المسألة، ولا يُنكَرُ تغيُّرُ الأحكام بتغيُّر الأزمان. وقد يكونُ التغيُّرُ ليس لذات الحكم، وإنما هو في تحقيق المناط، فقد يكونُ مناطُ الحكم لم يعدْ موجوداً في الصورة المسؤول عنها، فلا يُوجَدُ الحكمُ بل نقيضُه، ولا يُعدُّ هذا من تغيُّر الحكم إلاّ تجوُّزاً.

стр. 470

تغيُّرُ الاجتهاد ينشأُ عن تجديد الاجتهاد - أحياناً - تغيُّرُ الاجتهاد السابق، فما كان يراه المجتهدُ جائزاً قد يراه غيرَ جائزٍ فيما بعدُ، والعكسُ كذلك. وتغيُّرُ الاجتهاد ينشأُ عن أسبابٍ كثيرةٍ، أهمُّها: ١ - الاطّلاعُ على دليلٍ لم يكنْ قد اطّلعَ عليه قبلَ ذلك. ٢ - التنبُّهُ إلى دلالة دليلٍ على الحكم لم يكنْ المجتهدُ قد تنبّه لها قبلَ ذلك، وقد يكونُ هذا التنبُّهُ من قبل المجتهد نفسِه، وقد يُنبِّهه على وجه الدلالة آخَرُ. ٣ - تغيُّرُ الأعراف والعادات في مسألةٍ مبناها على العرف والعادة، مثلُ أنْ يكونَ من عادة الناس في بلدٍ أن المؤجِّرَ مطالَبٌ بدفع قيمة مصاريف الكهرباء، فيُفتي أو يَقضي بناءً على هذا العرف، ثم يتغيّرُ العرفُ ويُصبحُ المستأجِرُ هو المطالَبُ بذلك، فيُفتي به. ٤ - تغيُّرُ المصالح والمفاسد المترتّبة على الفعل، فقد يترتّبُ على الفعل مفسدةٌ أو مصلحةٌ في وقتٍ من الأوقات، فيُفتي بناءً على ذلك، ثم يتغيّرُ الحالُ فتتغيّرُ الفتوى، إذا كانتْ مبنيّةً على تحقُّق المصلحة أو المفسدة. ٥ - عدم تحقق المناط في الواقعة الجديدة، إما لفوات شرط أو وجود مانع، كما أوقف عمر ﵁ القطع في السرقة عام المجاعة؛ لغلبة الاضطرار على الناس، والحد يمنعه الاضطرار إلى الفعل الموجب له. القواعدُ المبنيةُ على تغيُّر الاجتهاد: ينبني على تغيُّر الاجتهاد قواعدُ أصوليةٌ كثيرةٌ، أهمها:

стр. 471

١ـ قاعدة: الاجتهادُ لا يُنقضُ بالاجتهاد: وهي قاعدةٌ عامّةٌ صحيحةٌ، تُفيدُ أن المجتهدَ إذا أفتى أو قضى قضاءً بناءً على اجتهادٍ، ثم تغيّر اجتهادُه فإنه لا يَنقضُ حكمه السابق، ولا يرجعُ فيه بعدَ نفاذه، وكذلك إذا أفتى بفتوىً وعمل بها المقلِّدُ، فإن رجوعَه لا ينقُضُ فتواه الني اتّصلَ بها العملُ. ولا فرقَ في تطبيق القاعدة بين أنْ يكونَ اختلافُ الاجتهاد الثاني من المجتهد الأول أو من غيره، بل إذا كان الاجتهاد المتأخِّرُ من غير المجتهد الأول يكونُ أولى بعدم النقض. ٢ـ الاجتهادُ يُنقضُ إذا خالف نصّاً صريحاً من كتابٍ أو سنّةٍ، أو خالف إجماعاً صريحاً ثابتاً: ولا فرقَ - على الصحيح - بين أنْ يكون النصُّ قطعيَّ الثبوت أو ظنيَّ الثبوت، إلا أنه إذا كان ظنيَّ الثبوت فيُشترطُ لنقض الاجتهاد به أنْ لا يُعارضَه نصٌّ آخَرُ يُماثلُه أو يُقاربُه في القوّة، فإنْ عارضه نصٌّ آخَرُ فلا نقضَ. ٣ـ هل يلزمُ المجتهدَ إخبارُ مَن أفتاه بتغيُّر اجتهاده ؟: اختلف العلماءُ في ذلك، والأكثر على أنه لا يلزمه ذلك. وقيل: يلزمُه إنْ لم يتّصلْ به العملُ وأمكنه ذلك من غير مشقّةٍ. وهو أرجح؛ لأنه من النصح لعامّة المسلمين، وقد أمر به الرسول ﷺ ، وجعله من الدين، فقال ﷺ : «الدينُ النصيحةُ»، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامّتهم»، (مسلم عن تميم الداري). ولأنه من التعاون على البر والتقوى المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى

стр. 472

الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة٢]. وهذا كلُّه إذا لم يكنْ خالف نصاً لا معارضَ له، فإنْ خالف نصّاً صحيحاً من كتابٍ أو سنةٍ لا معارضَ له، أو خالف إجماعاً صريحاً صحيحاً فيجبُ عليه إخبارُ مَن أفتاه بالفتوى الخطأ؛ لقوله ﷺ : «مَن أُفتي فتوىً من غير ثبتٍ فإنما إثمُه على مَن أفتاه» (أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة) فإذا كان الإثم سيلحق المفتي وجب إبلاغ المستفتي بالخطأ حتى لا يزيد الإثم. ولفعل ابنِ مسعودٍ ﵁، حيث أفتى رجلاً بجواز نكاح أم الزوجة إذا لم يدخلْ بها، فأخبره الصحابة بتحريم ذلك، فرجع إلى الحيّ الذي فيه المستفتي وسأل عنه وأخبره بخطإ الفتوى. ولأن الفتوى المخالفةَ لنصٍّ لا معارضَ له خطأٌ يقيناً، ولا عبرةَ بالظن البيِّن خطؤُه، أما في الاجتهاد فإنه لا يجزمُ بخطئه، وإنما يغلبُ على ظنه ذلك، لذا لم يجبْ عليه الإبلاغُ عند الأكثر. ٤ـ لا يُنكَرُ تغيُّرُ الفتوى بتغيُّر الأزمان: نصَّ العزُّ ابنُ عبد السلام، والقَرافيّ، وابن القيم، وغيرُهم على أن الحكمَ أو الفتوى قد يتغيّران في المسألة الواحدة لأجل تغيُّر الأعراف والعادات والأزمان، ونحو ذلك مما له أثرٌ في الحكم. وقد توسّع في القاعدة بعض المتأخِّرين، ولم يقصروها على الأحكام التي ترجعُ إلى العرف والعادة. وأنكرها بعضُ العلماء لمَّا فَهم منها العمومَ لجميع الأحكام، أو لما في ظاهرها من الاحتمال الباطل الذي يُوهمُ بأن الحكمَ في المسألة الواحدة بعينها

стр. 473

قد يتغيّرُ عند الله جل وعلا بلا نسخٍ. وحملوا ما يذكرُه العلماءُ من الأمثلة على تغيُّر الأحكام لتغيُّر الأزمان أو الأحوال على أن الحكمَ الشرعيَّ لم يتغيّرْ، وإنما تخلّف تعلُّقُه بالصورة المشابهة في الظاهر للصورة السابقة لعدم تحقُّق المناط، حيث كان موجوداً في الصورة السابقة وغيرَ موجودٍ في الصورة اللاحقة. وهذا نظيرُ حكم النفقة للزوجة، فقد كان يُقدَّرُ بشيءٍ يسيرٍ من الطعام واللباس؛ لتعارُف الناس عليه، وفي هذا الوقت لم يعُدْ كافياً، وكذلك السُّكنى، فإن الشرعَ لم يُحدّدْ نوعَ البيت الذي يجبُ أنْ يُوفِّرَه الزوجُ للزوجة، وإنما تُرك ذلك للعُرف، ولقدرة الزوج ويُسره أو عُسره. فهذا الحكمُ لم يتغيّرْ، ولكنه جاء في صورة قاعدةٍ عامّةٍ، يُترَكُ تطبيقُها للقُضاة عند التخاصُم، والمعتمدُ في تحديدها عرفُ أهل البلد وعاداتُهم. ولهذا فقد يكونُ البيتُ الشرعيُّ في عصرٍ أو بلدٍ غرفةً واحدةً. وفي بلدٍ آخَرَ مكوناً مما لا يقلُّ عن أربع غرفٍ مع مرافقها. وكذلك إنكار المنكر يكون واجبا حين يغلب على الظن زواله بالإنكار، ويحرم حين يغلب على الظن أن إنكاره يؤدي إلى منكر أعظم منه (١). ومع ذلك لا يُقالُ الحكمُ تغير، إلا بشيءٍ من التسامح في العبارة. ولذا فإن القاعدةَ بحاجةٍ إلى ضبطٍ حتى لا يُفهمَ منها نسخُ الأحكام المنصوصةِ التي لا مدخلَ للعرف والعادة في تحديدها، مع وجود أسبابها. ونص القاعدة - كما ذكرها ابن القيم - ليس فيه إلا عدمُ الإنكار على مَن

стр. 474

تغيرت فتواه لتغير الأزمان والأحوال. وكذلك الحكمُ القضائي كالفتوى؛ ولهذا اتفق العلماءُ على أن القاضيَ يجب أنْ يعرفَ عاداتِ الناس وأعرافَهم حتى يقضيَ بينهم، ولا يجوز أنْ يقضيَ مَن لا علمَ له بذلك.

стр. 475

الباب السادس التقليد تعريفه: التقليدُ في اللُّغة: وضعُ القِلادة في العُنق. وفي الاصطلاح: اختلف العلماءُ في تعريفه، وانبنى على ذلك الخلافِ اختلافُهم في حكمه. فقد عرَّفه بعضُهم بأنه: قَبُول قولِ الغير من غير حجةٍ. وهذا التعريفُ ذكره جماعةٌ من الأصوليين، منهم: الغزاليُّ، وابنُ قدامة، والآمديُّ، وابنُ الحاجب، وابنُ الهمام، والشوكانيُّ، وغيرهم. ويَردُ على هذا التعريف إشكالٌ، وهو: أن قولَهم: «من غير حجة» هل يُقصدُ به أن القَبُولَ لا حجةَ عليه؟ أو أن القولَ نفسَه ليس عليه حجةٌ؟ فإنْ أُريد أن القَبولَ لا حجةَ عليه لزم خروجُ اتِّباع العاميّ للعالم؛ لأن ذلك قد قامت حجّتُه، وهي قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل٤٣]، والإجماعُ على صحّة سؤال العاميّ للعالم. وإنْ أرادوا أن الذي ليس عليه حجةٌ هو القولُ نفسُه، فهذا مشكِلٌ من جهة أن القولَ الذي يَعرف المقلدُ أنه لا حجةَ عليه لا يجوزُ اتباعُ العالمِ فيه عند أكثر العلماء، بل حكي الاتفاق عليه. والفريقُ الثاني عرَّفوا التقليدَ بأنه: قَبولُ قولِ القائل وأنتَ لا تَعرفُ من

стр. 476

أين قاله (١). أو: أخذُ مذهب الغير بلا معرفةِ دليله (٢). وقد ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، منهم: القفالُ الشاشيُّ، والمرداويُّ، وابنُ النجار. ومن الذين عبروا باللفظ الأول مَن قصد هذا المعنى، ولكنه ظن أن عبارته تفيده كابن قدامة ﵀، فإنه في أثناء كلامه أوضح أن مرادَه المعنى الذي ذكره الفريقُ الثاني. ولو وازنا بين التعريفين لاخترنا تعريفَ الفريقِ الثاني، ولكن يرد عليه اعتراضٌ لا بدَّ من الاحتراز عنه. وهو: هل يخرج الإنسانُ من مرتبة التقليد إذا عَرف دليلَ المسألة، وإنْ لم يكنْ قادراً على دفع الشُّبَه عن الدليل والجواب عن أدلة القول الآخر؟ فالظاهر من حال أكثر الأصوليين والفقهاء أنهم لا يُخرجونه عن مرتبة التقليد بمجرَّد معرفة الدليل. ولهذا يجب أن يزيدوا قيداً فيقولوا: «أخذ مذهب الغير من غير معرفة رجحان دليله»، حتى يصدُقَ اسمُ المقلِِّد على مَن لا يعرفُ رجحانَ الدليل، وإن عرف الدليل. وهذه الزيادة لا بدَّ منها لمن لا يرى واسطةً بين الاجتهاد والتقليد. وأما مَن جعل مرتبةَ الاتّباع واسطةً بين الاجتهاد والتقليد فلا تلزمهُ هذه الزيادةُ؛ لأنه ربما جعل مَن يعرف الدليلَ متّبعاً وليس مقلِّداً، كما قال ذلك ابنُ حزم، وغيره.

стр. 477

والذي يظهرُ لي عدمُ جواز التسوية بين العاميّ الصِّرْف الذي لا يفقه الدليلَ حتى لو تُلي عليه، والمتعلمِ الذي يُمكنه معرفةُ الدليل ووجهُ دلالته، ولكنه لا قدرةَ له على ردّ أدلة القول المخالف أو لا علمَ له بها. فالأول مقلِّدٌ، والأخيُر متَّبعٌ للدليل. وعلى ذلك: فيمكن الأخذُ بتعريف الفريق الثاني للتقليد من غير زيادة. أركانُ التقليد: للتقليد ثلاثةُ أركانٍ، هي: ١ - المقلِّدُ. ٢ - المقلَّدُ. ٣ - المقلَّدُ فيه. فالأولُ هو العاميُّ، والثاني هو المجتهدُ، والثالثُ هو الحكمُ المأخوذُ عن المجتهد بطريق التقليد من غير معرفة دليله. حكمُ التقليد: تكلّم الأصوليون في حكم التقليد، ففرّقوا بين التقليد في الأصول والتقليدِ في الفروع، وحصل في نقل الأقوال خلطٌ كثيٌر، والسببُ عدمُ اتفاقِهم على تعريف التقليد. فالذين عرّفوا التقليدَ بأنه: «قَبول قولِ الغير من غير حجةٍ» وقصدوا بهذا أن القولَ المقلَّدَ فيه لا حجةَ عليه إلا قولُ المجتهد أو فعلُه ذهبوا إلى تحريمه والمنعِ منه، وهو ما فعله ابنُ حزم وابنُ القيم والشوكانيُّ، ونقلوه عن جمهور العلماء. ولا ينبغي أنْ يُفهمَ من هذا أنهم يمنعون العامةَ من سؤال العلماء، فإن هذا

стр. 478

مجمعٌ عليه لا يُنكره أحدٌ، ولكنهم لا يُسمونه تقليداً، إذا كان العالِمُ أفتى بقول بناءً على الدليل. وقد أوجب ابنُ حزم على العاميّ أنْ يسألَ المفتيَ عن دليله، فلا يَقبل فتواه إلا إذا ذكر له الدليلَ، أو قال له: إن هذا حكمُ الله جلّ وعلا. وحينئذٍ عنده أن السائل لا يكون مقلِّداً، بل متَّبعاً لشرع الله الذي ظهر على لسان المفتي. وأما ابنُ القيم والشوكانيُّ فقد اتجه ذمُّهما للتقليد إلى ما يفعله أتباعُ المذاهبِ من الفقهاء الذين يتّبعون مذاهبَ أئمتِهم ولو تبيّن لهم أن الدليلَ قامَ على خلافها! فلهذا حرّموا التقليدَ وشنّعوا على مَن أجازه. ونقل الشوكانيُّ أن مذهبَ جماهير العلماء تحريمُه. وما ذاك إلا لأنه فسّره بأنه: «قَبولُ قولُ الغيرِ دونَ حجةٍ» (١). وأما الفريقُ الثاني الذين عرّفوه بأنه: «قَبولُ قولِ الغير من غيِر معرفةِ دليلِه» أو نحو ذلك، فإنهم فرّقوا بين التقليد في أصول الإيمان، والتقليد في الفروع، فمنعوا الأولَ وأجازوا الثاني. وفيما يلي بيانُ الخلاف المذكور في الموضعين.

стр. 479

التقليدُ في الأصول محلُّ النزاع: ظنّ بعضُ الأصوليين أن المقصودَ بالأصول مسائلُ الاعتقاد عموماً. والصوابُ: أن المرادَ الأصولُ التي يَدخل بها الإنسانُ في الإسلام، وهي: الإيمان بالله جل وعلا، واستحقاقُه العبادةَ وحده، والإيمانُ بصدق رسالة الرسول ﷺ . فهذه الأصولُ هي التي قال جمهور العلماء: إنها لا يجوزُ التقليدُ فيها، وإنما يجبُ على كلّ مسلمٍ أنْ ينظرَ في أدلّتها حتّى ترسخَ في قلبه، فلا يتزعزعُ إيمانُه بها لأدنى شبهة. واستدلوا على ذلك بالآيات التي فيها ذمُّ التقليد، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة١٧٠]، وقوله تعالى في معرِض ذمّ المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف٢٣]. وحملوا هذه الآياتِ على ذمّ التقليد في أصل الإيمان. واستدلّوا بدليلٍ عقليٍّ، وهو: أن المقلِّدَ إما أنْ يكونَ شاكّاً في صدق مَن قلّده أو متيقِّناً صدقَه: فإنْ كان شاكّاً فلا يصحُّ إيمانٌ مع الشك. وإنْ كان متيقِّناً: فإما أنْ يكونَ بناء على نظرٍ واستدلالٍ، أو بناءً على ثقته بمَن قلّده. فإنْ كان بناءً على نظرٍ واستدلالٍ فهو قد استدلَّ، وليس مقلِّداً. وإنْ كان بناءً على ثقته بمَن قلّده وسكونِ نفسِه إليه، فما الفرقُ بين سكونِ

стр. 480

نفسِه وسكونِ أنفُسِ المقلِّدين من النصارى إلى ما يقولُه القُسسُ والرهبانُ؟! وقد خالف بعضُ العلماءِ في إيجاب النظرِ على الجميعِ، ظناً منهم أن المطلوبَ الاستدلالُ على طريقة المتكلمين، وهذا ليس مراداً عند المحقِّقين، وإنْ كان هناك مَن ظنّ أنه مرادٌ، حتى قال: مَن لم يعرفْ دليلَ التمانُع فلا يصحُّ إيمانُه! والصحيحُ: وجوبُ النظرِ على القادرِ على ذلك، حتى لا يهتزَّ إيمانُه لأدنى شبهةٍ؛ لأن القادرَ على النظر إذا تركه كان مفرِّطاً في المحافظة على عقيدته من الزيغ والضلالة. وليس المقصودُ المعرفةَ بدفع جميع الشُّبه في مجال الاعتقاد، وإنما المقصودُ النظرُ الدالُّ على وجود الله، ووحدانيته، واستحقاقِه للعبادة، وصدقِ الرسول ﷺ . أما بقيةُ مسائلِ الاعتقادِ فيكفي فيها التقليدُ كمسائل الفروع الآتي ذكرُها. ثمرة الخلاف: ظن البعضُ أن ثمرةَ الخلاف أن مَن أوجب النظرَ لا يُصحّحُ إيمانُ مَن لم ينظرْ، ونقلوا عن أبي الحسن الأشعري عدمَ صحّة إيمانِ العوامِّ. وهذا النقلُ لا يصحُّ. والبناءُ المذكورُ لا يصحُّ أيضاً. وثمرةُ الخلافِ تظهرُ في أن مَن أوجبَ النظرَ في تلك المسائل يحكمُ بتأثيم مَن تركه مع قدرته عليه، أما مع العجز عنه فلا. ولا يعدُّه شرطاً لصحّة الإيمان، بل الإيمانَ صحيحٌ إذا لم يخالطْه شكٌّ، وإن لم يعرفْ ما يدلُّ عليه بالنظر.

стр. 481

التقليدُ في الفروع المرادُ بالفروع هنا: ما ليس من الأصول التي يدخل بها الإنسانُ في الإسلام، فيدخلُ في الفروع بعضُ مسائل الاعتقاد، ومسائلُ أصولِ الفقه والفقهُ. وقد اختلفوا في جواز التقليد في تلك المسائل. فذهب الجمهورُ إلى جواز التقليد فيها. واستدلوا بإجماع الصحابة على إفتاء العوام إذا سألوا، وعلى أن فرضَ الجاهلِ سؤالُ العالم. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل٤٣]. وبقول الرجل في قصة العسيف عند النبي ﷺ : «وإني سألت أهلَ العلم فأخبروني أنّ على ابني جلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ» (متفق عليه عن أبي هريرة)، ولم ينكرْ عليه الرسولُ ﷺ سؤالَه لأهل العلم. وبقول الرسولِ ﷺ : «ألا سألوا إذْ لم يعملوا» (أخرجه أبو داود عن جابر). ومنع من التقليد في الفروع ابنُ حزم والشوكانيُّ. ومنعُهم مبنيٌّ على تعريفهم للتقليد، ولو وافقناهم على التعريف لوافقناهم على الحكم. وأما إذا اخترنا أن التقليدَ هو: «الأخذُ بمذهبِ الغيِر من غيرِ معرفةِ دليله»، أو « ... من غير معرفة رجحان دليله» فلا يمكنُ أنْ نمنعَ التقليدَ؛ لأن أكثرَ

стр. 482

المسلمين يعملون بالأحكام من غير أنْ يعرفوا الأدلةَ الخاصّةَ عليها. ومن منكري التقليد مَن منع التقليدَ بمعنى: التزام مذهب إمامٍ معيَّنٍ من غير بحثٍ عن حجّته، وأجاز للعاميّ تقليدَ مَن شاء. والفرقُ بين هذا المذهب ومذهب الجمهور: أنه يمنعُ التَمَذْهُبَ بمذهبِ إمامٍ معيَّنٍ، ولا يمنعُ أصلَ التقليدِ، والجمهورُ يُجيزون التمذْهُبَ ويعدُّونَه فرعاً عن جواز التقليد. وحجتهم على جواز التمذهب: أنه إذا جازَ لغير المجتهد تقليدُ مَن شاء من العلماء جاز له أنْ يختارَ منهم واحداً فيقلِّدَه دونَ غيره، لثقته في علمه وعدالته وورعه. والمانع من التمذهب يحتجُّ بأنه لم يكنْ معروفاً في صدر الإسلام. وأنه يؤدِّي إلى التعصُّب وتركِ الحق. ويُجابُ بأن عدمَ اشتهارِه في صدر الإسلام يُمكن منُعه، ولا يستطيعُ مدّعيه أنْ يُقيمَ الدلالةَ على عدم وجود التزام بعض العوامّ بسؤالِ واحدٍ بعينه من المفتين. ولو سُلِّمَ، فإن عدمَ اشتهارِه في الصدر الأول لا يدلُّ على تحريمه. وأيضاً فإن المفتين في الصدر الأول لم تكنْ لهم مذاهبُ معروفةٌ في جميع مسائل الفقه. وهذا جعل المقلّدين يسألون مَن وجدوه حين تعرِض لهم المسألةُ. وأما قولهم: إنه يؤدّي إلى التعصُّب وتركِ الدليل الشرعيّ، فيُجابُ بأن الممنوعَ هو التعصُّبُ المذهبيُّ وتركُ الدليل مع معرفتِه والعلمِ برُجحانه، وهذا غير لازمٍ من التمذهُب لزوماً بيِّناً، ولكنه قد يحدثُ. والذي يظهر: أن الذين أنكروا التقليدَ بمعنى التمذهبِ حملهم على إنكارِه

стр. 483

ما رأوه في عصرهم من التعصُّب الممقوت الذي يصدُّ عن الحقّ، ويفرِّقُ الأمةَ، حتى أصبح الدينُ كأنه مللٌ شتّى. ومن مظاهره: قولُ بعضِ أتباع المذاهب ببطلان الصلاة خلفَ مَن يُخالفُ المذهبَ؛ لاحتمال أنه فعلَ ناقضاً من نواقض الوضوء التي لا يراها إمامُه ناقضةً، وهي عند إمام المقتدي به ناقضةٌ. ولا شكّ أن مثلَ هذا مخالفٌ لما عليه المحقّقون من أتباع المذاهب كافّة، وحكوا عليه الإجماع. حكمُ تقليدِ المجتهد لمجتهد آخَرَ: نقل كثيرٌ من الأصوليين الاتّفاقَ على أن المجتهدَ إذا نظر في الواقعة وتوصّلَ فيها إلى ظنٍّ غالبٍ بحكم الله، لا يجوزُ له أنْ يتركَ ما غلب على ظنه ويعملَ بظنِّ غيره. وحصروا الخلافَ في المسألة فيما إذا لم ينظرْ في المسألة بعدُ، أو نظرَ فيها ولم يتوصّلْ إلى ظنٍّ غالبٍ. وغلط بعضُهم فحصر الخلاف فيما إذا اتّسع الوقتُ للنظر والاجتهاد، وحكى الاتفاق على جواز التقليد للعالم إذا ضاق الوقت عن النظر. والصواب: دخولُ ذلك في الخلاف. أهم الأقوال في المسألة: الأول: عدمُ جوازِ التقليد للمجتهد مطلقاً. وهو مذهبُ جمهورِ الأصوليين. واستدلُّوا بأدلّةٍ كثيرةٍ، منها: ١ - حديث: «دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» (رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن الحسن بن علي ﵄، فإن رأي المجتهدِ الآخَرِ مما يرتابُ فيه المجتهد، بخلاف رأيه هو.

стр. 484

وفي الاستدلال ضعفٌ، من جهة أن الحديثَ لا يُفيدُ أكثرَ من ترك المشكوكِ فيه والعملِ بالمقطوع. فلا ينطبقُ على مسألتنا. ٢ - الأدلّةُ الدالّةُ على ذمّ التقليد، فإنها تشمل تقليد المجتهد - القادر على النظر - لغيره. ٣ - أن التقليدَ إنما أُذنَ فيه للعاجز عن الاجتهاد، فلا يشملُ القادرَ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل٤٣]. وعدمُ نظره في المسألة لا يُخرجُه عن كونه من أهل العلم. القولُ الثاني: لا يجوزُ له التقليدُ، إلاّ إذا ضاق الوقتُ وحضر وقتُ العمل، ولم ينظرْ أو لم يتبيّنْ له فيها رأيٌ. وهو مذهب ابن سُريجٍ، واختاره ابنُ تيميةَ. وجعله بعضُ العلماء جائزاً باتّفاقٍ في هذه الحالة. ودليلُه: أنه إذا لم يتمكّنْ من النظر لضيق الوقت، أو نظر فلم يظهرْ له حكمٌ معيَّنٌ يكونُ بمنزلة العاميّ؛ إذْ لا يُمكنه التوقُّفُ إلى الأبد. ولأن اللهَ علّق جوازَ التقليد على عدم العلم بالبيّنات، والمجتهدُ في المسألة التي لم ينظرْ فيها لا علمَ له بأدلّتها. القولُ الثالث: جوازٌ تقليدٍ المجتهد للأعلم منه، دون مَن هو مثلُه أو أقلُّ منه. وهو مذهب محمد بن الحسن الشيبانيّ. واحتجَّ: بأن العالم مع مَن هو أعلمُ منه كالعاميّ مع العالم. وهناك أقوالٌ أخرى: تُجوّز تقليدَ الصحابة وحدهم، أو الصحابة والتابعين. والراجحُ: القول الثاني، وهو: جوازُ التقليد مع ضيق الوقت لا مع سعته، وكذلك إذا نظر ولم يظهرْ له حكمٌ جاز له التقليدُ؛ وذلك لأن العالمَ حينئذٍ إما أنْ يُقلّدَ، وإما أنْ يتركَ العملَ. ولا يجوزُ له تركُ العمل مع قدرته على سؤال غيره.

стр. 485

وأما إنْ نظر فلم يظهرْ له حكمٌ فلا ينبغي أنْ يقعَ خلافٌ في جواز التقليد له إذا احتاج إلى العمل. وأما إذا لم يحتجْ للعمل بنفسه، وإنما سُئل عن الواقعة، فليس له أنْ يُفتيَ تقليداً، بل يدلُّ السائلَ على المفتي أو ينقلُ له فتواه. سؤالُ العاميّ مَن شاءَ من المفتين: يجوزُ للعاميّ أنْ يسألَ مَن شاء من المفتين، وله أنْ يسألَ المفضولَ مع وجود الفاضل، عند أكثر العلماء. واستدلُّوا على ذلك: بالإجماع؛ أخذاً مما عليه الحالُ وقتَ الصحابة والتابعين، فإن العوامَّ كانوا يسألون المفضولَ فيُفتيهم، ولا يأمرُهم بسؤال الفاضل. ولم يُعهدْ عن أحدٍ من الصحابة أنه كان لا يُفتي مع وجود الأفضل منه في البلدة، وقد أفتى ابنُ عباسٍ وابنُ عمر في حياة الخلفاء الأربعة، ﵃ أجمعين. وأوجب بعضُ العلماء على العاميّ البحثَ عن الأعلم والأتقى ليسألَه. وقال: إن العاميَّ يجتهدُ في أحوال المفتين، فيبحثُ عن الأفضل منهم، كما يجتهدُ العالمُ في الأخذ بالأقوى من الدليلين المتعارضين. موقفُ المستفتي من اختلاف المفتين: إذا سأل المستفتي أكثرَ من عالمٍ فاختلفوا، أو اشتهرتْ فتاوى العلماء مع اختلافها، كما هو الحالُ في عصرنا الحالي؛ فإن العوامَّ ربما عرفوا فتوى أكثر من عالمٍ في المسألة الواحدة، فما موقفهم؟ وبم يأخذون؟. الواجب على المستفتي إذا تعارضت الفتاوى: أنْ يأخذَ بفتوى الأعلم من المفتين، فإنْ تساووا أخذَ بقول الأتقى والأورع، فإنْ جهل الأعلمَ أو الأورعَ

стр. 486

سأل العارفين بهم عن ذلك، ثم أخذ بمَن يغلب على ظنه أنه الأعلمُ أو الأتقى. وقال بعضُ العلماء: يتخيّر. وقال بعضُهم: يعملُ بالأحوط. وقيل: يعملُ بالأسهل. والأول هو الصحيحُ. والدليل على صحّته: أن فتوى العالم عند العاميّ كالدليل عند المجتهد، وإذا تعارضت الأدلّةُ عند المجتهد وجب عليه طلبُ الترجيح، فكذلك العاميّ إذا تعارضتْ عنده الفتاوى. تقليدُ الميت: اختلف العلماءُ في حكم تقليد الميت، على أقوال: الأول: مذهب الجمهور أنه جائزٌ، وربما حكى بعضُهم الإجماعَ عليه؛ أخذاً بعمل أتباع المذاهب. واستدلَّ له بعضُهم بالقياس على شهادة الشاهد إذا مات، قبل الحكم بها. واستدلّ بعضُهم بالضرورة؛ لأنّا لو لم نُجوِّزْ تقليدَ الميت لأدّى إلى حَيرة الناس لعدم وجود المجتهد المطلَق. الثاني: المنع من تقليد الميت مطلقاً. وهذا القولُ قد يفهم من كلام الرازي اختياره؛ حيثُ أجاز نقلَ الفتوى عن الأحياء دون الأموات، ولكنه أورد بعض أدلة المجيزين لتقليد الأموات ولم يجب عنها، وبه قال بعضُ المعتزلة، وهو قولُ الشيعة.

стр. 487

ودليلُه: ١ - أن الميتَ لا يُعتدُّ بقوله في الإجماع؛ إذْ لو وجب الاعتدادُ بقوله ما ثبت إجماعٌ بعد موت أول عالمٍ. ٢ - أن تجديدَ الاجتهاد واجبٌ، كما قال كثيرٌ من العلماء، والميتُ لا يُمكنُ أنْ يُجدِّدَ اجتهادَه. ٣ - أن الوقائعَ تختلفُ صفاتُها المؤثِّرةُ في حكمها، وتغيُّرُها يُوجبُ إعادةَ النظر فيها، فما كان مفسدةً في وقتٍ قد يعودُ مصلحةً، أو قد يكونُ أقلَّ مفسدةً من غيره. وهذا لا يُمكنُ تقديرُه إلاّ من الأحياء. والصوابُ: أن الوقائعَ التي أفتى فيها المتقدِّمون: إما أنْ يغلِبَ على ظننا أن تغيُّرَ العصر لا مدخلَ له في تغيُّرِ حكمِها، أو لا. فإنْ غلب على ظننا أن الأعرافَ والعاداتِ والمصالحَ لم تتغيّرْ في هذا العصر عنها في العصر السابق، أو أن التغيُّرَ لا مدخلَ له في حكمِها، فلا بأسَ بنقل فتاوى المتقدّمين والعملِ بها من المقلّدين. وإنْ لم يحصلْ ظنٌّ غالبٌ بذلك، لم يجز الفتوى فيها بنقل مذاهب الأموات، ولم يجزْ للمقلّد إذا اطّلع على فتوى المتقدّمين فيها: أن يأخذَ بها حتى يُراجعَ علماءَ العصر. ونتيجةً لاكتفاء بعض علماء العصر بنقل مذاهب الأموات في مسائل الاجتهاد دون أنْ ينظروا في أثر تغيُّر الزمان والأعراف والمصالح في المسألة، وقع خللٌ كبيرٌ في الفتاوى، وتأخّر الفقهُ عن مسايرة تطوُّر الحياة. وهذا الكلام خاصٌّ بمسائل الاجتهاد، التي لم يردْ فيها نصٌّ صريحٌ صحيحٌ، لا معارض له.

стр. 488

التلفيق يُطلقُ التلفيقُ في الفقه وأصوله ويُرادُ به في الغالب: الإتيانُ في مسألةٍ واحدةٍ بكيفيةٍ لا تُوافقُ قولَ أحدٍ من المجتهدين السابقين. وحين التمثيل للتلفيق المختلَفِ فيه يذكرون التلفيقَ الناشئَ عن الخلاف في شروط الفعل، أو في مبطلاته، ويعدُّون ذلك مسألةً واحدةً، مع إمكان أنْ يُقالَ إن كلَّ شرطٍٍ يُعدُّ مسألةً مستقلّةً. مثاله: أن يتوضأ فيمسحَ على شعراتٍ من رأسه تقليداً للشافعيّ، ويمسَّ امرأةً فلا يتوضّأُ تقليداً لأبي حنيفةَ، ثم يُصلّي بهذا الوضوء. فهذه الصلاةُ لا تصحُّ على مذهب أبي حنيفةَ؛ لعدم مسح ربع الرأس، ولا على مذهب الشافعيّ؛ لكون الوضوء عنده قد انتقض بلمس المرأة. ويُطلق التلفيقُ على أعمّ من هذا المعنى عند بعضِ العلماء، حيثُ أدخلوا فيه أخذَ المقلِّد في مسألةٍ بمذهب إمامٍ، وفي مسألةٍ أخرى بمذهب إمامٍ آخَرَ، حتى ولو لم يكنْ بين المسألتين تلازمٌ. وهذا لا يُمكنُ منعُه، إلاّ على قول مَن يُوجبُ على المقلِّد الالتزامَ بمذهبٍ واحدٍ في جميع ما يفعلُ أو يتركُ. وهو قولٌ فاسدٌ لا دليلَ عليه، أوقع فيه الإفراطُ في التقليد. وقد قام الإجماعُ في عهد الصحابة والتابعين على أن للمقلِّد أنْ يسألَ مَن شاءَ من العلماء، وأن مَن سأل عالماً في مسألةٍ لا يُمنعُ من سؤال غيره في مسألةٍ أخرى. وقد يُطلَقُ التلفيقُ على أخذ المجتهد بقولٍ جديدٍ مركَّبٍ من قولين مختلفين في

стр. 489

المسألة، وهو ما يُسمّيه بعضُهم: «إحداث قولٍ جديدٍ». وقد سبق الكلامُ عن هذه المسألة في الإجماع، وبيانُ ما فيها من الخلاف. وقد يُطلَقُ التلفيقُ على فتوى المجتهد بقولٍ مركَّبٍ من قولين مع عدم اعتقاد رُجحانه، وإنما يُفتي به تخليصاً للمستفتي من ورطةٍ وقع فيها. وهذا يدخلُ فيما يُسمّى بـ (مراعاة الخلاف). والصحيحُ: أن المجتهدَ إذا رأى أن هذا القولَ أرجحُ في حقّ هذا المستفتي مراعاةً ليُسر الشريعة، ورفعاً للحرج، فيكونُ قد ترجّحَ عنده القولُ في هذه الصورة بخصوصها، وفتواه حينئذٍ صحيحةٌ. وأما إذا كان يرى أن الصورةَ المعروضةَ عليه فيها قولٌ آخَرُ أرجحُ فليس له تركُه والفتوى بالمرجوح. أما التلفيقُ بالمعنى المشهور، وهو: «الإتيانُ في مسألةٍ واحدةٍ بكيفيةٍ لا يقولُ بها أحدٌ من المجتهدين السابقين»، فقد اختُلف في جوازه. وهو قد يقعُ من المقلِّد بقصدٍ أو بغير قصدٍ. فإنْ وقع بغير قصدٍ: فلا شكَّ في جوازه؛ للإجماع على أن له أنْ يعملَ برأي مَن استفتاه، ولا يمتنع أنْ يستفتيَ شافعياً في الوضوء ويستفتي مالكياً في نقض الوضوء، ثم يُصلي بوضوءٍ لم يُعمِّمْ فيه مسحَ الرأس ولا أكثره، وقد مسَّ امرأةً أجنبيةً. وأما إنْ كان التلفيقُ مقصوداً: فإما أنْ يحصلَ من مجتهدٍ أو مقلدٍ. فإنْ حصل التلفيقُ من مجتهدٍ فيفرَّقُ بين أنْ يرى رجحانَ القول الجديد المركَّب الذي أداه إليه اجتهاده إما مطلقاً أو في هذه الصورة التي استُفتي فيها، أو أنه لا يرى رجحانَه حتى في هذه الصورة.

стр. 490

فإنْ كان يرى رجحانَ القول مطلقاً أو في هذه الصورة ففتواه صحيحةٌ على الراجح؛ لأن المسألةَ خلافيةٌ لا إجماعَ فيها. وإنْ كان لا يرى رجحانَه لا في هذه الصورة ولا مطلقاً ففتواه باطلةٌ. وأما إنْ حصل التلفيقُ المقصودُ من مقلِّدٍ فلا يصحُّ، لاحتمال أنْ يقعَ في مخالفةِ نصوصِ شرعيةِ من حيثُ لا يعلمُ. ولأن العملَ بقولٍ جديدٍ من غير استفتاءٍ عملٌ بالهوى والشهوة، وهو ينافي التدينَ. وقد اشترط بعض العلماء لصحة التلفيق شروطاً، أهمها: ١ - أن لا يخالف إجماعاً أو نصاً من كتاب أو سنة. ٢ - أن لا يكون بقصد التحلل من عهدة التكليف.

стр. 491

تتبع الرخص يُقصدُ بتتبُّع الرخص: الأخذُ بأخف الأقوال في المسائل الخلافية. وهذا العملُ قد يحصُل من مجتهدٍ أو مقلدٍ. فالحاصل من المجتهد لا يجوز إلا أنْ يؤدّيَه اجتهادُه إلى رجحانه مطلقاً، أو في صورةٍ من الصور التي سئلَ عنها. كما تقدم في التلفيق. وأما من المقلد فإن التتبعَ للرخص لا يكونُ إلا ممن له علمٌ بالمذاهب؛ وقد أجازه بعضُ العلماء. والصوابُ منعُه؛ لأن فرضَ المقلد سؤالُ أهل العلم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل٤٣]. ولأن تتبعَ الرخص يؤدّي إلى التحلُّل من رِبقة التكاليف الشرعية، وهو عملٌ بالهوى بدون دليل. ولهذا قال بعضُ العلماء: مَن تتبّع الرخصَ فقد تزندق. وينبغي أنْ يُعلمَ أن تتبعَ الرخص إنما يتحقّقُ في شأن مَن هذا ديدنُه في مسائل الخلاف. وأما من أخذ في مسألة أو مسألتين بالقول الأخفّ لحاجته إليه: فهذا قد اختُلف في صحّة عمله، بناءً على ما ذكرناه سابقاً في مسألة العامي إذا سأل أكثر من عالم فاختلفوا فماذا يصنع؟ وقد ذكرت في المسألة أقوال كثيرة، منها: أن له أنْ يأخذَ بالأسهل. ولكن الراجحَ أنه يطلبُ الترجيحَ فيأخذُ بفتوى الأعلم والأورع، فإنْ تساويا سأل ثالثاً.

стр. 492

وقد استأنس القائلون بجواز الأخذ بأسهل الأقوال بما رُوي عن الإمام أحمد أنه سأله رجلٌ عن مسألةٍ في الطلاق، فقال: إن فعل حنث. فقال له: يا أبا عبد الله، إن أفتاني إنسان (يعني: بعدم الحنث)، فقال: تعرف حلْقةَ المدنيين؟ ـ حلقة بالرّصافة ـ فقال له: إنْ أفتوني يحلُّ؟ قال: نعم (١). وهذا النقلُ ليس دالاًّ على تجويز الإمام أحمد اتّباع المقلِّد لرخص المذاهب؛ لأن القصةَ تدل - إن صحّتْ - على جواز أخذ المقلِّد في مسألةٍ اجتهاديةٍ لا نصَّ فيها بأسهل الرأيين، ولم يظهر من كلام السائل ولا من كلام الإمام أحمدَ ما يدلُّ على أن ذلك من عادةِ السائل وديدنِه في مسائل الخلاف. وقد يُنازَع في دلالة القصة حتى على التخيُّر عند اختلاف المجتهدين ولو لم يُتّخذْ عادةً؛ لأن الإمامَ أحمدَ أرسله إلى علماءٍ ثقاتٍ يعرفهم، وقال له إنْ أفتوك بالحلّ فرأيُهم أرجحُ لكثرتهم، وللعاميّ عند اختلاف المفتين أنْ يأخذَ بقول الأكثر منهم؛ لأن الكثرةَ من المرجِّحات.

стр. 493

الخاتمة: الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات وترفع الدرجات. أما بعد: فقد انتهى هذا السفر الذي آمل أن يكون موافقا لصحيح الأدلة من المنقول والمعقول، محققاً لما رجوته من استيعاب أهم مسائل الأصول، على وجه يكفي قارئه عن كثير من المطولات، ويحرر كثيراً من المشكلات. وإني لآمل من الله جل وعلا أن يجعل ما بذلته فيه من جهد زيادة في الحسنات وتكفيراً للسيئات. وأرجو من القارئ الكريم أن لا يبادر إلى تخطئة ما يراه مخالفاً للمشهور قبل المراجعة والتأمل. كما أرجو أن يكتب إليّ بما له من ملحوظات لتلافيها في الطبعات القادمة إن شاء الله تعالى؛ عملاً بقول الله جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة٢]. واللهَ أسأل أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل به، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.