ثانياً: النسخ:
تعريفه: هو في اللُّغة: بمعنى الإزالة.
وفي الاصطلاح: رفعُ الحكمِ الثابتِ بخطابٍ متقدِّمٍ بخطابٍ متأخِّرٍ عنه.
شرح التعريف:
«رفعُ الحكمِ الثابتِ بخطابٍ» أي: بيانُ انتهاءِ العمل بالحكم الذي ثبت بدليلٍ شرعيٍّ من كتابٍ أو سنةٍ.
وقولهم: «الثابت بخطاب متقدم» يخرج ما كان ثبوته بمقتضى البراءة الأصلية، فإن رفعه لا يسمى نسخا.
وقولهم: «بخطابٍ متأخِّرٍ عنه» يعني: أن النسخَ لا يكونُ إلاّ بدليلٍ شرعيٍّ من كتابٍ أو سنّةٍ متأخِّرٍ عن الدليلِ المنسوخِ في نزوله إلينا إن كان كتاباً، أو في تكلُّمِ النبي ﷺ به أو فعلِه أو إقرارِه إنْ كان سنّةً.
وباب النسخٍ شغل حيِّزاً كبيراً من كتب أصول الفقه، وأطالوا فيه الكلامَ بما لا طائلَ تحته.
والمفيد منه: أنْ يعرفَ الفقيهُ أنه أحدُ الطرقِ الشرعيةِ لدفعِ التعارُضِ الظاهريّ بين الأدلّةِ، وأنْ يعرفَ شروطَ الناسخِ، وطرقَ معرفةِ النسخِ. وما عدا ذلك مما يذكرونه في باب النسخ قليلُ الفائدة.
فأما كون النسخ طريقاً لدفعِ التعارُض الظاهري فلا خلافَ فيه بين الأئمة.
وقد وردت أدلةُ ذلك في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة١٠٦].
стр. 422
وقول عائشة ﵂: كان فيما أُنزلَ من القرآن عشرُ رَضَعَاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمْن، فنُسخن بخمس رَضَعَاتٍ. (أخرجه مسلم).
فالآيةُ تدلُّ على أن الآيةَ تُنسخُ ويأت الله بخيرٍِ منها. والحديث دلَّ على وقوع النسخ.
ولا يختلفُ العلماءُ في ذلك، والحمد لله. وما يذكر من خلاف في بعض كتب الأصول فلا اعتداد به.
وأما اختلافُهم في حقيقة النسخ: أهو بيانٌ أو رفعٌ وإزالةٌ؟ فهو خلافٌ لفظيٌّ لا ثمرةَ له، كما نصَّ على ذلك إمامُ الحرمين وغيره من المحققين.
شروط الناسخ:
يُشتَرَطُ في الناسخ شروطٌ، هي:
١ - أن يكونَ نصّاً من قرآنٍ أو سنّةٍ، فلا يصحُّ النسخُ بالقياس، ولا بالإجماع، عند جماهير العلماء.
٢ - أن يكونَ النصُّ الناسخُ متأخِّراً عن المنسوخ، وهذا لا اختلافَ فيه؛ لأنه لا يُمكنُ أنْ يكونَ المتقدِّمُ رافعاً للمتأخِّر.
٣ - أن يكونَ الناسخُ في قوَّة المنسوخ أو أقوى منه، فالقرآنُ يُنسخُ بالقرآن، والسنَّةُ تُنسخُ بالسنَّة بالاتّفاق، والقرآن لا يُنسخُ إلاّ بقرآنٍ مثلِه؛ لأن السنّةَ لا يُمكنُ أنْ تكونَ مثلَ القرآن ولا خيرا منه، والله تعالى يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
وهذا هو مذهب الشافعي، واختاره بعض أصحابه.
وذهب أكثر الأئمة إلى أن القرآن يمكن أن ينسخ بالسنة المتواترة أو المشهورة،
стр. 423
واستدلوا على ذلك بأنه ممكن عقلا وواقع شرعا.
فإما إمكانه عقلا فإن العقل لا يمنع أن يخبر النبي ﷺ بنسخ حكم نزلت في إثباته آية.
وأما الوقوع فمثلوه بآية الوصية للوالدين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة١٨٠] نسخت بحديث: «لا وصية لوارث» (رواه الخمسة إلا النسائي عن أبي أمامة ـ ﵁ ـ). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر٧].
وأجابوا عن استدلال الشافعي بالآية السابقة، بأن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة١٠٦] لا يلزم منه أن يكون الناسخ قرآنا، وإنما المراد الخيرية للمكلفين، أي: نأت بحكم هو خير من الحكم المذكور في الآية للمكلفين.
وعلى الرغم من أن ظاهر الآية يؤيد ما ذهب إليه الشافعي، إلا أن الأكثر تأولوها.
والذي يظهر عدم الوقوع وإن كان ممكنا عقلا، والشافعي إنما قصد امتناعه في الوقوع لا في العقل.
وما ذكروه من أمثلة محتمل؛ لأن آية الوصية للوالدين منسوخة بآيات المواريث، وقد أخبر النبي ﷺ عن نسخها بآيات المواريث فقال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (رواه الخمسة إلا النسائي).
أما نسخُ القرآن بالسنة الآحادية فالجمهور على منعه، وقد نقل إمامُ الحرمين الإجماعَ على ذلك، فقال: «أجمع العلماء على أن الثابتَ قطعاً لا ينسخُه مظنونٌ؛ فالقرآنُ لا ينسخُه الخبرُ المنقولُ آحاداً، والسنة المتواترة لا
стр. 424
ينسخها ما نقله غير مقطوع به» (١).
والذين أجازوه استدلُّوا بقياس النسخ على التخصيص، وبالوقوع. ومثّلوه بنسخ آية الوصية للوالدينِ بحديث: «لا وصيَّةَ لوارثٍ».
ونسخ آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام١٤٥] بالنهي عن كلّ ذي نابٍ من السباع وكلّ ذي مخلبٍ من الطير.
وأُجيبَ عن الاستدلال بالقياس بأنه قياسٌ مع الفارق، فالنسخ رفعٌ وإزالةٌ، والتخصيصُ بيان أن المُخرَجَ غيرُ مرادٍ أصلاً.
وأُجيب عن أدلّة الوقوع بما يلي:
١ - أن آية الوصية للوالدين نُسخت بآيات المواريث، كما سبق إيضاحُ ذلك.
٢ - أن آية المحرَّمات ليست منسوخةً؛ إذْ ليس فيها أنه لا يُمكنُ أنْ يُحرِّمَ عليهم غيرَ ما ذُكر، وإنما فيها أن الذي حُرّم إلى نزول الآية هي الأربع المذكورة فيها , وهذا لا يمنع الزيادةَ عليها بعد ذلك.
نسخُ القياس والنسخُ به:
القياسُ لا يكون ناسخاً للكتاب والسنة؛ لأنه لا يُعتدُّ به إذاعارضهما، والنسخُ لا يكون إلاّ مع التعارُض بين الناسخ والمنسوخ.
وقال بعضهم: إذا كانت علتُه منصوصةً فيجوزُ النسخُ به.
وهل يُمكنُ نسخُ القياس؟ أما نسخُه تبعاً لأصله فجائزٌ. وأما نسخُه مع بقاء أصله فلم يجزْه الجمهور، ولكن الظاهرَ من صنيعهم أنهم منعوا تسميةَ
стр. 425
ذلك نسخاً، مع أنهم لا يمنعون بقاءَ حكمِ الأصل، والمنعُ من القياسِ عليه لدليلٍِ يمنعُ ذلك؛ إذْ لا قياسَ مع النصّ.
وأما القياسُ على الأصلِ الذي نُسخ حكمُه فقد منعه الأكثرُ، ونُقل عن أبي حنيفةَ جوازُ القياس على الأصل المنسوخ؛ لأنه قاسَ صيامَ الفرض بنيّةٍ من النهار على صيام عاشوراء الذي كان واجباً ونسخ، فإن النبي ﷺ أمر من لم يطعم أن يتم صوم ذلك اليوم، مع أنه لم ينو الصيام من أول اليوم كما روت الربيع بنت معوذ قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم» (متفق عليه).
نسخ المفهوم والنسخ به:
لا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة؛ لأنه أضعف من المنطوق، وأما نسخه فجائز.
ومثال نسخ المفهوم المخالف بدون نسخ أصله: نسخ مفهوم قوله ﷺ : «الماء من الماء» (أخرجه مسلم عن أبي سعيد) بحديث: «إذا مس الختانُ الختانَ فقد وجب الغُسل» (أخرجه مسلم عن عائشة)، فالحديث الأول منطوقُه باقٍ وهو وجوب الغُسل من الإنزال، ومفهومه أنه إذا لم يُنزلْ فلا يجبُ الغُسلُ. وهذا المفهوم نُسخ بالحديث المتقدّم عن عائشة.
وأما مفهومُ الموافقة فالجمهور على جواز النسخ به؛ لأنه كالمنطوق أو أقوى.
وأما نسخه مع بقاء أصله فالأكثر على منعه. ومنهم من جوزه مطلقاً، ومنهم مَن جوَّزه إذا كان المفهومُ أولى بالحكم من المنطوق. ولم يشتهرْ له أمثلةٌ في كلام الأصوليين.
стр. 426
طرق معرفة النسخ:
يُعرف النسخُ بعدّة طرقٍ، أهمها:
١ - النص على النسخ:
كما في قوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (أخرجه مسلم عن بريدة).
فالحديث فيه بيانٌ للنسخ لا يتطرّق إليه شكٌّ.
وكذلك قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال٦٦] نسخ قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال٦٥].
٢ - تأخُّر أحدِ النصين المتعارِضَين عن الآخر:
فإذا تعارض النصَّان وتعذر الجمعُ بينهما وعرفنا المتأخرَ منهما عرفنا أنه ناسخٌ للمتقدم إذا كان في قوته.
وقد يُعرف التأخر بنص الصحابي، أو بغير ذلك.
٣ - اتفاق الصحابة على نسخ أحد النصين بالآخر:
كما ورد في صحيح مسلم من نسخ مفهوم حديث: «الماء من الماء» (أخرجه مسلم عن أبي سعيد) بحديث: «إذا جلس بين شُعبها لأربع ثم جهدها فقد وجب الغُسلُ» (متفق عليه عن أبي هريرة).
стр. 427
٤ - تركُ الصحابة والتابعين العمل بالحديث من غير نصٍّ على النسخ:
مثاله: تركُ العمل بحديث أخذِ الشطْر من مال مانع الزكاة، فقد جاء في سنن أبي داود من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال ـ فيمن غل صدقته ـ: «إنّا آخذوها وشطْرَ ماله»، وكذلك حديث: قتل السارق في المرة الرابعة (أخرجه الخمسة عن معاوية). ولم يعمل به الصحابة فدل ذلك على نسخه.
стр. 428
ثالثاً: الترجيح:
الترجيح في اللُّغة: مصدر رجّح، مأخوذٌ من رُجحان الميزان، وهو مَيَلاَنُ إحدى كفَّتيه.
وفي الاصطلاح: تقويةُ إحدى الأَمارتين على الأخرى.
وقيل: بيانُ اختصاص الدليل بمزيد قوَّةٍ عن مُقابِلِه.
والفرق بين التعريفين: أن الأولَ عبَّر بالأَمارة، والثاني عبَّر بالدليل، وهو أقربُ إلى اصطلاح الفقهاء الذين يُطلقون الدليلَ على القطعيّ والظنِّيّ.
شروط الترجيح:
يشترط في الترجيح ما يلي:
١ ـ أنْ يكونَ بين الأدلّة لا بين البيِّنات أو الدعاوى، فلا ترجيحَ بين بيِّنة المدَّعِي وبينة المدَّعى عليه؛ لأن البيّنةَ على المدعي واليمين على مَن أنكر.
هكذا قالوا، وفيه نظرٌ، أشار إليه ابنُ القيِّم في إعلام الموقَّعين.
٢ ـ تحقُّقُ التعارُضِ في الظاهر بين الدليلين المرجَّحِ أحدهما، فلا ترجيحَ بين دليلين متَّفقين في المدلول.
٣ ـ تعذُّرُ الجمعِ بين الدليلين، فإنْ أمكنَ الجمعُ بينهما والعملُ بهما معاً لم يَنتقل المجتهدُ إلى الترجيح؛ لأن الترجيحَ يُفضي إلى ترك الدليل المرجوح، والجمع فيه عملٌ بكلا الدليلين في الجملة، والعملُ بالدليلين - ولو من وجهٍ - أولى من إهمالهما أو إهمال أحدِهما.
٤ ـ عدم معرفة تاريخ كلٍّ من الدليلين، فإنْ عُرفَ التاريخُ فالمتأخِّرُ ناسخٌ
стр. 429
للمتقدِّم.
واشترط بعضُهم أنْ يكونَ الترجيحُ بصيغةٍٍ في الدليل، لا بدليلٍ مستقلٍّ.
والصواب: عدمُ اشتراط ذلك؛ لأنه يمكنُ أنْ يتساوى الدليلان ويترجَّحُ أحدُهما بموافقة دليلٍ آخَرَ. وستأتي أمثلةُ ذلك.
حكم الترجيح:
يجب على المجتهد إذا تعارض عنده دليلان في الظاهر، ولم يتمكنْ من الجمع بينهما، ولا القولِ بالنسخ أنْ يبحثَ عمّا يُرجِّحُ أحدَهما؛ ليعملَ بالراجح. وقد حَكى الإجماعَ على العمل بالراجح من الدليلين عند تعارضهما غيرُ واحدٍ.
ونُقل الخلافُ في ذلك عن أبي عبد الله البصري، الملقَّب بـ (جُعل)، وكذلك نُقل عن القاضي الباقلانيّ، ولم يلتفت الفقهاءُ إلى خلافهما.
والدليل على وجوب العمل بالراجح من وجوهٍ، أهمُّها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر٥٥]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر١٨].
والآيتان دليلٌ على اتّباع الدليل الراجح؛ لأنه أحسنَ من المرجوح.
٢ - أن الدليلين إذا تعذّر الجمعُ بينهما، فإما أنْ يُتركا معاً، أو يُتركَ الراجحُ منهما، أو يُتركُ المرجوحُ.
فالأول باطلٌ؛ لما فيه من الإعراض عن الدليلين، والتسويةِ بين الراجح والمرجوح، وهما لا يستويان عند العقلاء.
والثاني باطلٌ؛ لما فيه من تقديم الضعيف على القويّ، وهو خلافُ مقتضى الشرع والعقل.
стр. 430
فلم يبقَ إلاّ الثالثُ، وهو المطلوبُ إثباتُه.
٣ - إجماعُ الصحابة والتابعين على العمل بالراجح من الدليلين عند تعارُضهما، قال الطُّوفي في المختصر بعد أنْ نقل قولَ الباقلاني: «وليس بشيءٍ؛ إذ العملُ بالأرجح متعيِّن، وقد عمل الصحابة بالترجيح». وأوضح في الشرح أن العملَ بالترجيح متعيِّنٌ عقلاً وشرعاً، ونقل إجماعَ الصحابة عليه (١).
وجوه الترجيح:
الترجيحُ له طرقٌ متعدِّدةٌ، لا يُمكنُ حصرُها وقد قال الزركشيُّ: «واعلمْ أن التراجيحَ كثيرةٌ، ومناطُها: ما كان إفادتُه للظنّ أكثرَ فهو الأرجحُ، وقد تتعارض هذه المرجِّحاتُ - كما في كثرة الرُّواة، وقوَّة العدالة، وغيره - فيعتمدُ المجتهدُ في ذلك على ما غلب على ظنّه» (٢).
وقد جرت عادةُ الأصوليين أنْ يفصلوا الترجيحَ بين الأدلّة النقلية عن الترجيح بين الأدلّة العقليّة.
فلْنأخذ كلَّ نوعٍ على حِدةٍ، فنقول:
طرقُ الترجيح بين الأدلّة النقليّة:
وله ثلاثة أوجه:
١ - الترجيح من جهة السند.
٢ - الترجيح من جهة المتن.
٣ - الترجيح لأمرِ خارجيّ.
стр. 431
أولاً: الترجيح من جهة السند:
وله طرقٌ، أهمُّها:
١ - كثرةُ الرُّواة:
فيُرجَّحُ الخبرُ الذي رُواتُه أكثرُ على الخبر الذي رُواته أقلُّ.
مثاله: رواية رفع اليدين عند الركوع الواردةِ من حديث جماعةٍ من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالبٍ، وابن عمرَ، ومالك بن الحويرث، وأبو حميد الساعديّ، ووائل بن حجر. وغيرهم، تُرَجح على رواية البراء بن عازب: أن النبيَّ ﷺ كان يرفعُ يديه عند تكبيرة الإحرام، ثم لا يعودُ (أخرجه أبو داود والدارقطني) بأن الخبرَ الأولَ أكثرُ رواةً.
وقد خالف الحنفيةُ في الترجيح بالكثرة، وقاسوا الأخبار على البيِّنات كالشهادات، فكما أن الحقَّ لو شهد به شاهدان ثبت، ولا يزيدُ ثبوتُه بشهادة ثلاثة أو أربعةٍ، أو بمعارضتهم، فكذلك لا يُرجَّحُ بالكثرة في الرواية.
والراجح: صحَّةُ الترجيح بالكثرة في الأخبار؛ لأن الأخبارَ تختلف عن الشهادة في هذا، فالشهادةُ لها نِصابٌ، إذا وُجد تمّتْ وقضى بها القاضي، وأما الرواية فليس لها نِصابٌ محدَّدٌ، ولهذا قد تصلُ الروايةُ إلى التواتر أو الاستفاضة، وقد تقفُ عند درجة الآحاد.
وأيضاً فإن الشهادةَ فيها شائبةُ التعبُّد، بدليل أنها لا تُقبَلُ بلفظ الخبر، ولا تُقبَلُ شهادةُ النساء منفردات، بخلاف الخبر.
وذهب القاضي الباقلاني والغزالي إلى أن العبرةَ بظن المجتهد، فإن غلب على ظنِّه صدقُ الواحد أخذ بحديثه وترك حديثَ الاثنين أو الثلاثة. وهو قريبُ من قول الحنفية.
стр. 432
٢ - فقه الراوي:
فتُقذَّمُ روايةُ الفقيه على غيره مطلقاً، أي: سواء أكانت الروايةُ باللّفظ أو المعنى، وتُقدَّمُ روايةُ الأفقه على رواية الأقلِّ فقهاً. وقيل: بل تُقدَّم روايةُ الفقيه إذا كانت الروايةُ بالمعنى دون اللّفظ.
والأول هو الراجح؛ لأن الفقيهَ أقدرُ على نقل اللّفظ والمعنى من غيره، ولأن الفصلَ بين ما رُويَ باللّفظ وما رُويَ بالمعنى ليس بالأمر الهين.
مثالُه: تقديمُ رواية عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس على رواية معقِل بن سنان، ونحوه، ممن قلّت مخالطتُهم للرسول ﷺ والتفقُّه عليه، وكذلك الأمرُ فيمَن بعد الصحابة من الرُّواة، فتُقدَّمُ روايةُ إبراهيم النخعيّ عن علقمةَ عن ابن مسعود، على رواية الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود؛ فالأعمش وأبو وائل أقلُّ فقهاً من النخعيّ وعلقمةَ.
٣ - كونُ أحدِ الراويين صاحبَ الواقعة أو له صلةٌ قويّةٌ بما رواه:
مثال تقديم رواية صاحب الواقعة: تقديم روايةِ ميمونة ﵂: تزوجني رسولُ الله ﷺ ونحن حلالان (رواه أبو داود)، على رواية ابن عباسٍ ﵄: أن رسول الله ﷺ نكحها وهو محرمٌ (متفق عليه).
ومثال تقديم خبر مَن له صلةٌ قويّةٌ تقديمهم لخبر عائشةَ ﵂: أن رسولَ الله ﷺ كان يُصبِح جنباً من غير احتلامٍ، ويصوم (متفق عليه)، على خبر أبي هريرة ﵁: «مَن أصبحَ جنباً فلا صومَ له» (متفق عليه).
٤ - كونُ أحدِ الراويين ممن تأخَّر إسلامُه:
والحجّةُ في تقديم المتأخِّر إسلاماً أن تأخُّرَ إسلامِه دليلٌ على تأخُّرِ حديثه، فيكونُ ناسخاً لما يُعارضه.
стр. 433
ومثّلوه بتقديم رواية أبي هريرة ﵁ في نقض الوضوء بمسِّ الذكر (أخرجه أحمد)، على رواية طلْق ﵁ في عدم نقضه (أخرجه الخمسة).
ونازع في ذلك الآمديُّ، وصحّح العكس. واشترط بعضُهم أنْ يكونَ إسلامُ المتأخِّر بعدَ موت المتقدِّم؛ لنجزمَ بتأخُّر سماعِ المتأخِّر من الرسول ﷺ .
٥ - قوَّةُ الحفظ والضبطِ:
فيُقدَّمُ الأقوى في الحفظ والضبط على مَن دونه، وهذا يُعرفُ بالتجربة والتتبُّعِ لمرويّاته وسيرته. ومثّله إمامُ الحرمين بتقديم رواية عبيد الله بن عمر بن عبد العزيز على رواية أخيه عبد الله؛ لأن الشافعيَّ قال: «بينهما فضلُ ما بين الدرهم والدينار».
٦ - يُقدَّمُ المسنَدُ على المرسَلِ؛ للخلاف في حجّية المرسَل:
وقال بعضهم: المُرسَلُ إذا كان عن ثقةٍ لا يُرسلُ إلاّ عن ثقات مثل المسنَد أو أولى منه؛ لما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: «إذا قلتُ لكم: قال ابن مسعود فقد سمعته من كثيرٍ من أصحابه، وإذا قلت: حدّثني فلانٌ فهو الذي حدّثني» (أخرجه الدارقطني في سننه).
ثانياً: الترجيح من جهة المتن:
وله طرقٌ، أهمها:
١ - ترجيحُ الخاصِّ على العامِّ، والأخصُّ من العامَّين على الأعم منهما:
وهذا مذهب جمهور الأصوليين من المذاهب الثلاثة. وعند الحنفية: أنهما سواءٌ، وهو روايةٌ عن الإمام أحمدَ.
وعلى ذلك: فإذا عُرف المتأخِّرُ فهو ناسخٌ للمتقدِّم في القدر الذي اشتركا فيه، وإنْ جُهل التاريخُ توقَّف العملُ على عمل الصحابة بأيِّهما كان.
стр. 434
وعلى الأول يكونُ الخاصُّ مخصِّصاً للعامِّ مطلَقاً، ومقدَّماً عليه. وقد تقدّم تمثيلُه في العموم والخصوص.
وكذا يكونُ الأخصُّ من العامَّين مقدَماً على الأعمّ منهما. كما يقدَّمُ حديثُ: «مَن قَتل قتيلاً فله سلَبُه» على عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال٤١]. مع أن الحديثَ فيه عمومٌ من جهة المستحِقّ للسلَب، ومن جهة السلَب نفسِه، فإنه يشملُ الثيابَ والسلاحَ، ولكنه أخصُّ من الآية فإنها عامّة في جماعة المسلمين، وعامّةٌ من جهة الغنيمة (ما غنمتم). وعند الحنفية أن السلَبَ يُخمَّسُ كسائر الغنيمة، ولا يرون تخصيص الآية بالحديث المذكور.
٢ - ترجيح العامِّ المحفوظ على العامِّ المخصوص:
لأن التخصيصَ يُضعفُ دلالةَ العامِّ، عند المحقّقين من الأصوليين، كإمام الحرمين، وسُليم الرازيّ، والفخر الرازيّ، وابن تيمية، وغيرهم، مثاله: تقديمُ حديث: «إذا دخل أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتّى يُصلِّيَ ركعتين» (متفق عليه عن أبي قتادة) على حديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة. فالثاني مخصوصٌ بحديث: «مَن نام عن صلاةٍ أو نسيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكرها» (متفق عليه عن أنس)، والأول لا يُعرفُ له مخصِّصٌ، فيُقدَّمُ.
٣ - ترجيحُ ما قلّت مخصِّصاتُه على ما كثرت مخصِّصاتُه:
مثالُه: تقديمُ آية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة٥] على آية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام١٢١] في الدلالة على حِلّ ما تركوا التسميةَ عليه من ذبائحهم؛ لأن الآيةَ الأولى
стр. 435
مخصِّصاتُها أقلُّ، كما بيّن ذلك الإمامُ الشنقيطيّ في: «دفع إيهام الاضطراب» (١).
٤ - ترجيحُ العامِّ المطلَق على العامِّ الوارد على سببٍ في غير صورة السبب:
وذلك لأن العامَّ الواردَ على سببٍ قال بعضُ العلماء بقصره على سببه، بخلاف العامِّ المطلَق.
مثاله: تقديمُ حديث: «مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه» (البخاري عن ابن عباس) على حديث: النهي عن قتل النساء والصِبيان (متفق عليه عن ابن عمر)؛ فإنه واردٌ على سببٍ، وهو الحربُ، فإنه ﷺ كان يُوصي الجيشَ بذلك.
٥ - ترجيحُ الخبر الدالّ على المراد من وجهين على الخبر الدالّ عليه من جهةٍ واحدةٍ:
مثل: تقديم حديث: «إنما الشفعةُ فيما لم يُقسمْ، فإذا وقعت الحدودُ وصُرِّفت الطرقُ فلا شُفعةَ» (متفق عليه عن جابر) على حديث: «الجارُ أحقُّ بصَقَبِه» (البخاري عن أبي رافع).
٦ - ترجيحُ ما فيه إيماءٌ إلى العلة على ما ليس كذلك:
مثل حديث: «مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه» (البخاري عن ابن عباس) على حديث النهي عن قتل النساء (متفق عليه عن ابن عمر)؛ فإن الأولَ فيه تنبيهٌ على العلّة، وهي الردّةُ، والثاني مطلَقٌ عن التعليل.
٧ - ترجيحُ ما سِيقَ لبيان الحكم على الدالّ على الحكم بلفظه من غير أنْ يُساقَ لبيانه:
مثل: ترجيحُ الحنفية أحاديثَ النهي عن بيع الملامسة والمنابذة على عموم
стр. 436
قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة٢٧٥]؛ فإن الآيةَ لم تُسقْ لبيان حكم البيع بجميع صوره، وإنما سيقت لبيان الفرق بين البيع والربا، وأما الأحاديث فقد سيقت لتحريم تلك البيوع بأعيانها.
وإنما نصصتُ على الحنفية مع موافقة الجمهور لهم؛ لأن الجمهورَ يُعلِّلون تقديمَ الأحاديث بكونها خاصّةً والآيةً عامّةً، والخاصُّ عندهم مقدَّمٌ على العامِّ مطلَقاً.
٨ - ترجيحُ الناقل عن حكم الأصل على الموافق لحكم الأصل:
وهو البراءةُ الأصليةُ.
وهذا مذهب الجمهور.
مثاله: ترجيحُ أحاديثِ تحريمِ الحُمُرِ الأهليةِ على الأحاديث التي فيها إباحتُها؛ لأن التحريمَ ناقلٌ عن حكم الأصل.
٩ - ترجيحُ ما يقتضي الحظر على ما يقتضي الإباحة:
لأنه أحوطُ، ولقوله ﷺ : «دعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَريبُك» (أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن الحسن بن علي ﵄.
ويُمكن تمثيلُه بالمثال السابق في أحاديث الحُمُر الأهلية، وترجيح المحرِّم لها على المبيح.
وكذلك الأحاديث الدالّة على تحريم المتعة على الأحاديث الدالّة على الإباحة، إنْ نازع الخصمُ في النسخ.
١٠ - ترجيحُ المثبِت على النافي:
لأن مع المثبت زيادةَ علمٍ خفِيت على النافي.
стр. 437
مثاله: ترجيحُ حديث بلالٍ ﵁ في صلاة النبيّ ﷺ داخلَ الكعبة (متفق عليه) على حديث أسامةَ ﵁: أنه لم يُصلِّ (أخرجه مسلم).
وخَصَّ ذلك بعضُ الأصوليين بما إذا لم يذكر النافي سبباً واضحاً للنفي، فإنْ ذكر سبباً لجزمه بالنفي غيرَ عدم العلم فلا يُعدُّ حديثُ المثبِتِ مقدَّماً، بل هما سواءٌ، وإن استند إلى عدم العلم فحسب، قُدِّمَ حديثُ المثبِتِ.
وهو تفصيلٌ حسنٌٌ.
١١ - ترجيحُ النصِّ على الظاهر، والحقيقةِ على المجاز:
مثاله: ترجيحُ الجمهور الخاصّ على العامِّ؛ لكون العامِّ ظاهراً والخاصِّ نصّاً. وأمثلتُه معروفةٌ.
١٢ - ترجيحُ المنطوقِ على المفهومِ المخالِفِ:
مثل: ترجيح منطوق حديث: «الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسْه شيءٌ» (الخمسة إلا ابن ماجه) على مفهوم حديث القُلَّتين؛ فإنه يُؤخذُ منه - بطريق مفهوم المخالَفة - أن ما نقص عن القُلَّتين يتنجّسُ بملاقاة النجاسة، وإنْ لم يتغيّرْ، ومنطوقُ الأول يدلُّ على عدم تنجُّسِه إذا لم يتغيّر لونُه أو طعمُه أو ريحُه.
ثالثاً: الترجيحُ لأمرِ خارجيٍّ:
وله طرقٌ، منها:
١ - اعتضادُ أحدِ الخبرين بموافقة ظاهر القرآن:
مثاله: ترجيحُ خبر التغليس بالفجر على خبر الإسفار؛ لموافقته لظاهر قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران١٣٣].
ونُقل عن الشافعيّ قولُه: «ما وافق ظاهرَ القرآن كانت النفوسُ أميلَ
стр. 438
إليه» (١).
٢ - ترجيحُ القول على الفعل المجرَّد:
لأن الفعلَ إذا لم يصحبْه أمرٌ احتمل الخصوصيةَ للرسول ﷺ بخلاف القول.
مثاله: ترجيحُ حديث: النهي عن استقبالِ القبلةٍ واستدبارِها عند قضاء الحاجة، على حديثِ ابنِ عمرَ: رأيت النبيَّ ﷺ يقضي حاجتَه مستقبلاً بيتَ المقدِس، مستدبراً الكعبةَ. (متفق عليه).
٣ - ترجيحُ ما كان عليه عملُ أكثر السلف على ما ليس كذلك:
لأن احتمالَ إصابة الأكثر أغلبُ.
مثاله: ترجيحُ حديثِ تكبيرات العيد، وأنها سبعٌ في الأولى وستٌّ في الثانية على رواية مَن روى أنها خمسٌ في الأولى وأربعٌ في الثانية.
وهو يرجعُ إلى الترجيح بالكثرة، وقد سبق.
٤ - موافقةُ أحدِ الخبرين للقياس، فيُقدَّمُ على ما خالف القياسَ:
مثاله: ترجيح حديث: «إنما هو بَضعة منك» (رواه أحمد والنسائي) على حديث: «من مس ذكره فليتوضأ» (رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي) لأن الأول موافق للقياس دون الثاني.
٥ - ترجيحُ الخبر المقترن بتفسير راويه له بقولٍ أو فعلٍ، دون الآخَر:
فيُقدَّمُ ما فسَّره راويه؛ لكون الظنِّ بصحَّته أوثقَ، كما في حديث ابن عمر ﵄ في خيار المجلس، فقد فسّره ابن عمر بالتفرُّق بالأبدان.
стр. 439
الترجيح بين محامل اللّفظ الواحد:
من المعلوم أن لفظَ الدليل قد يتّفقُ العلماءُ على صحَّته، ويختلفون في المعنى الذي يُحمَلُ عليه، واختلافهم يحتاج من الناظر فيه إلى معرفة قواعد الترجيح بين معاني اللّفظ التي يحمله عليها المختلفون.
وهذه أهمُّ تلك القواعد:
١ - تقديمُ الحقيقة على المجاز:
وهذا محلُّ وِفاقٍ إذا لم تكن الحقيقةُ مهجورةً، أو كان المجازُ غالباً.
مثاله: ترجيحُ قول مَن حمل حديث: «الجارُ أحقُّ بشفعة جاره» (الخمسة عن جابر) على المجاوِر لا على الشريك؛ لأن إطلاقَ الجار على الشريك مجازٌ.
وترجيح مذهب أهل السنة في حمل صفات الله تعالى على الحقيقة دون المجاز، كما في صفة اليدين مثلاً، فهناك من حملها على النعمة، وهو مجازٌ.
وترجيحُ قولِ مَن حمل لفظَ الأرض في قوله ﷺ : «جُعلتْ ليَ الأرضُ مسجداً وطهورا» (متفق عليه عن جابر) على التراب، دون الجِير والإسمنت؛ فإنه لا يُسمى أرضاً إلاّ مجازاً، من جهة كونه مصنوعاً منها.
وأما إذا كانت الحقيقةُ مهجورةً فإن المجازَ يُصبحُ حقيقةً عرفيةً، فتُقدَّمُ على الحقيقة اللُّغوية المهجورة، كمَن حلف لا يأكلُ من هذه النخلة، فيُحمَلُ على الأكل من ثمرها لا من خشبها.
وإذا كان المجازُ غالباً على الحقيقة مع بقاء استعمال اللفظ في حقيقته، ففيه خلافٌ، ليس هذا موضع بسطه.
٢ - ترجيحُ الحقيقةِ الشرعية على الحقيقة اللُّغوية:
مثاله: حملُ لفظ الصلاة في قوله ﷺ : «لا تقبل صلاة بغير طَهورٍ» (مسلم
стр. 440
عن ابن عمر) على الصلاة الشرعية، ذاتِ القيام والركوع والسجود، دون الدعاءِ الذي هو معنى الصلاة في اللُّغة.
وحملُ لفظ الزكاة على المعنى الشرعيّ المعروف، دون المعنى اللُّغويّ، الذي هو النماءُ والزيادةُ، في مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة١١٠].
٣ - تقديمُ الحمل على المجاز على الحمل على الاشتراك:
لأن المجازَ يُمكنُ العملُ به، بخلاف المشترَك فيجبُ التوقُّفُ فيه على البيان، ولأن المجازَ أكثرُ وقوعاً في اللُّغة من الاشتراك.
مثاله: لفظ النكاح في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء٢٢].
فإنه يحتمل أن يكون مشتركاً بين الوطء والعقد، ويحتمل أن يكون مجازاً في العقد. فمن جعله مشتركا إما أن يجعله عاما فيهما كالشافعي لعدم التنافر بين المعنيين، وإما أن يتوقف فيه ويطلب البيان من غيره. ومن حمله على العقد مجازا جعل عقد الأب على المرأة يحرّمها، دون الوطء بالزنا. والقاعدة تؤيده؛ لأن المجاز أولى من الاشتراك.
ومثّل القرافي باحتجاج المالكي على بيع الغائب بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة٢٧٥].
فيعترض بكونه مشتركاً بين المحرمة والمباحة، ويجاب بأن إطلاقه على المحرّمة مجاز، والحمل على المجاز أولى من الحمل على الاشتراك.
٤ - تقديمُ المعنى الذي لا يحتاج إلى إضمارٍ على المعنى الذي يحتاج إلى إضمارٍ:
مثاله: تقديمُ ابنِ حزمٍ تركَ الإضمار في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ
стр. 441
مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة١٨٤]، ولم يضمرْ (فأفطر)، كما أضمرَ الجمهور، فالقاعدة تؤيِّدُه، لولا ما نقلوه من النصّ والإجماع على صحّة صوم المسافر إذا صام.
ومن الأمثلة الصحيحة: أن الجمهورَ حملوا حديث: «ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه» (رواه الخمسة إلا النسائي عن أبي سعيد) على أن ذكاةَ أمه تكفي عن ذكاته. والحنفية قالوا لا بدَّ أنْ نُضمر (مثل)؛ ليكونَ المعنى: مثل ذكاة أمه، وترك الإضمار أولى من الإضمار.
٥ - تقديمُ التأسيس على التأكيد:
والمرادُ بالتأسيس: حملُ الزيادة في اللّفظ على زيادة المعنى.
والتأكيدُ: حملُ الزيادة على تأكيد المعنى السابق.
مثاله: إذا قال الرجلُ لزوجته: أنتِ طالقٌ طالقٌ. فهل يُحمَلُ على التأكيد فلا تقعُ إلاّ واحدةً، أو على التأسيس فتقعُ طلقتان. والقاعدة تُؤيِّدُ الاحتمالَ الثاني عند من لا يعتبر النية.
الترجيحُ بين المعقولين:
الترجيحُ بين المعقولين يُقابلُ الترجيحَ بين المنقولين.
والمراد بالمعقولين: الأقيسةُ وطرقُ الفقه الأُخرى، التي ليست بنقلٍ ولا قياسٍ، ويُسميها بعضُهم الاستدلالَ، ويَدخل فيها الاستصحابُ بأنواعه، والاستصلاحُ، والاستقراءُ عند مَن يرى حجيته.
ولكن المقصودَ هنا هو الترجيحُ بين الأقيسة، وأما الترجيحُ بين أنواع الاستصحاب فيُعرف عندَ الكلام عنه، وكذلك الاستصلاحُ، والاستقراءُ.
وقد ذكر الأصوليون كثيراً من طرق الترجيح بين الأقيسة، بعضُها يرجع
стр. 442
إلى ترجيح حكمِ الأصل في أحد القياسَين على حكم الأصل الآخَر، أو ترجيحِ دليلِ حكم الأصل على دليل حكم الأصل الآخَر.
ويذكرون فيه طرقَ الترجيح بين الأدلة المنقولة التي تقدَّم ذكرُ أهمِّها، ثم يزيدون عليها طرقَ الترجيح بين العلل.
ويُعَدُّ الآمديُّ من أكثر الأصوليين توسُّعاً في عدِّ طرق الترجيح بين الأقيسة، فقد ذكر في الترجيح العائد إلى حكم الأصل ستةَ عشرَ طريقاً، وفي الترجيح العائد إلى العلة خمسة وثلاثين طريقاً، وفي الترجيحات العائدة إلى الفرع أربعةَ طرقٍ. والذين جاءوا بعدَه أخذوا عنه.
ومع كثرة ما ذكره من طرق الترجيح لم يُمثّلْ لها، وكذلك غيرُه من الأُصوليين لم يُعنوا بالتمثيل لطرق الترجيح.
والمتأمِّل لتلك الطرق يجدُ أنها لم تستوعبُ جميعَ الاحتمالات الممكنة في التعارُض؛ لأن بعضَ الأقيسة قد تكونُ فيه صفةٌ تُميِّزه، والآخَرُ فيه صفةٌ أخرى تُميِّزه. وقد تكون في أحد الأقيسة صفتان، وفي الآخَر صفتان أو ثلاث.
ولا يُمكنُ الترجيحُ بين الأقيسة حتى نُبيِّنَ ما الذي يجبُ النظرُ فيه أولاً من أركان القياس؟
فهل ننظرُ أولاً في حكمِ الأصل ودليلِ ثبوته، بحيثُ إذا ترجّحَ دليلُ الثبوت في أحد القياسَين يكونُ هو الراجحُ؟
وهل يُمكنُ أنْ نجعلَ النظرَ أولاً في العلَّة، فإذا ترجّحتْ ترجّحَ القياسُ المبنيُّ عليها؟
وحتى لو سلَّمنا أحدَ هذين الاحتمالين فإن للترجيح بين الأصلين وبين العلّتين طرقاً كثيرةً. فنحتاجُ إلى معرفة ما يُقدَّمُ منها على الآخَر.
стр. 443
وهذا الإشكالُ لا سبيلَ إلى حلِّه إلاّ بأنْ نجعلَ الأمرَ متروكاً للمجتهد، فينظرَ في مجمَل هذا القياس؛ بأصلِه، وعلَّتِه، وفرعِه، فيُقوِّمه، ثم ينظر في القياس الآخَر؛ بأصلِه، وعلَّتِه، وفرعِه، فيُقوِّمه، ثم يُقدِّم ما يراه راجحاً، مستفيداً مما يذكره الأصوليون من طرق الترجيح في الجملة.
ولعلَّ ورودَ هذا الإشكال في أذهان الأصوليين المتقدِّمين هو الذي حال بينهم وبين التمثيل لما يذكرونه من طرق الترجيح؛ لأن مَن أراد أنْ يُمثِّلَ لتقديم القياس الذي أصلُه ثبت بدليلٍ قطعيٍّ على القياس الذي ثبتَ أصلُه بدليلٍ ظنّيٍّ، يصعُبُ عليه أنْ يراعيَ ترجيحَ العلَّةِ في القياس الأول على العلّة في القياس الثاني، فقد يكونُ القياسُ ثبت أصلُه بدليلٍ قطعيٍّ، ولكن علّتَه شبَهيةُ وليستْ مُناسِبةً. وقد تكون علّتُه اسماً لا وصفاً، وقد تكونُ مركَّبةً من أوصافٍ لا مفرَدةً.
وهكذا لا يستطيعُ أنْ يُمثِّلَ برجحان هذا القياس على ذاك؛ لرُجحان أصله وحده، أو دليل أصله وحده، أو علّته وحدها. ولكن الترجيحَ لجملة قياسٍ على قياسٍ.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن كثيراً من طرق الترجيح مختلَفٌ فيها، تأيَّدَ ما ذكرناه من أن الترجيحَ يرجعُ إلى قوَّة الظنّ لدى المجتهد من أيّ طريقٍ حصلت.
وأن ما يُذكَرُ من طرقٍ إنما هو لمساعدة المجتهد على استذكار طرق المفاضلة بين الأقيسة. قال الزركشيُّ: «واعلم أن التراجيحَ كثيرةٌ، ومناطُها ما كان إفادتُه للظن أكثرَ فهو الراجحُ» (١).
وحيثُ إن العلةَ هي أهمُّ أركانِ القياس فإن أكثرَ طرق الترجيحِ ترجِعُ إلى
стр. 444
ترجيح علةٍ على علةٍ أخرى، وقد قصر بعضُ الأصوليين كلامَه في هذا الموطن على الترجيح بين العلل.
وفيما يلي أهم طرق الترجيح بين الأقيسة:
١ - تقديمُ القياس في معنى الأصل على قياس العلّة وقياس الشَّبَه:
مثل: تقديم قياس العبد على الأمة في تنصيف الحدّ، على قياسه على الحر الذكر بجامع الذُّكورة؛ لأن القياسَ الأولَ قياسٌ في معنى الأصل، لعدم الفارق المؤثِّر بين العبد والأمة.
٢ - تقديمُ قياس العلة على قياس الشَّبَه وقياس الطَّرْد:
مثل: تقديمُ قياس (البيرة) المُسكِرة على الخمر بعلّة الإسكار على قياسها على عصير التفاح؛ للتشابُه بينهما في الصورة والشكل.
٣ - تقديمُ القياس الذي علّتُه مطَّرِدةٌ منعكِسةٌ على القياس الذي علّتُه ليست كذلك:
مثاله: تقديمُ تعليل الشافعيّ الربا في الأصناف الأربعة المذكورة في الخبر (البرُّ، والتمرُ، والشعيرُ، والملحُ) بالطُّعم، على تعليل مَن علّله بالكيل كالحنفية وأحمدَ في روايةٍ؛ لأن تعليلَ الشافعيّ يشملُ القليلَ والكثيرَ، والتعليلُ بالكيل لا يَشملُ الشيءَ اليسيرَ الذي لا يُكالُ.
وكذلك تقديمُ التعليل بالطُّعم على التعليل بالاقتيات؛ لأن من الأصناف الأربعة ما ليس قوتاً، وهو الملح.
وينبني على ذلك تقديم القياس الذي ترجح علته.
стр. 445
٤ - تقديمُ القياس الذي علَّتُه منصوصة أو مومأ إليها على غير المنصوصة وغير المومأ إليها:
مثاله: تقديمُ قياس الشافعية التين على البرّ في تحريم التفاضُل بجامع الطُّعم على قياس غيرهم التين على القَصَب بجامع عدم الكيل.
فعلّة الطَّعم منصوصٌ عليها أو مومأٌ إليها، كما يقول الشافعيةُ في قوله ﷺ : «لا تبيعوا الطعامَ بالطعام إلاّ مثلاً بمثلٍ».
٥ - تقديمُ القياس الذي علّتُه مُثبتةٌ على الذي علَّتُه نافية:
ويصلُح المثالُ السابقُ له؛ لأن علّةَ الطُّعم مُثبِتةٌ، وعلّةَ عدمِ الكيل نافية.
٦ - تقديمُ القياس الذي ثبت حكمُ أصله بالنصّ على الذي ثبت حكم أصله بالظاهر:
مثاله: تقديمُ قياس المذي على البول في النجاسة على قياس المذي على المنيّ؛ لأن نجاسةَ البول ثبتتْ بالنصّ، كقوله ﷺ : «تنزَّهوا من البول؛ فإن عامَّةَ عذاب القبر منه» (الدارقطني عن أنسٍ)، وحديث: «إنهما ليُعذَبان، وما يُعذَبان في كبيرٍ، أما أحدُهما فكان لا يستنزه من البول» (متفق عليه عن ابن عباس).
وكذلك الإجماع قائمٌ على نجاسة بول الآدميّ.
وأما المنيُّ فطهارتُه ثابتةٌ بالظاهر؛ حيث كانت عائشةُ ﵂ تحُتُّه من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابساً، وتغسلُه إذا كان رطباً (رواه مسلم، وأصله متفق عليه).
وهذا لا يرتقي إلى درجة النصّ الصريح.
стр. 446
٧ - تقديمُ القياس الموافق للأصول الثابتة في الشرع على ما ليس له إلاّ أصلٌ واحدٌ:
مثاله: ترجيحُ قياس الجنايةٍ على العبد على سائر الإتلافات التي تحدث من الإنسان؛ على قياسها على دية الخطأ في كون ديته على العاقلة؛ لأن جعْلَ ديةِ الخطأ على العاقلة أصلٌ واحدٌ لا نظيرَ له في الشرع، وجعْلُ الإتلافات المالية على الفاعل تشهدُ له أصولٌ كثيرةٌ في الشرع، فكان القياسُ عليها أولى.
٨ - تقديمُ القياس الموافقِ لظاهر قرآن أو سنةٍ أو قول صحابيٍّ على ما ليس كذلك:
مثل: ترجيح قياس جراح العبد على الإتلافات المالية المذكورة في المثال السابق على قياسه على دية الخطأ؛ لكون الأول متأيِّدا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر١٨].
ومثل: تقديم قياس الاستصناع على البيع والإجارة على قياسه على بيع المجهول؛ لأن الأولَ متأيِّدٌ بعمل الصحابة.
وكذا قياسُ الأجير المشترَكِ على المشتري أو المستعير في ضمان ما تلف عنده بجامع القبض لمصلحته، على قياسه على المؤتمن في عدم الضمان، والأول متأيِّدٌ بفعل علي ﵁، وسكوتِ مَن حضر من الصحابة ﵃.
стр. 447
الباب الخامس
الاجتهاد
تعريفه:
الاجتهاد في اللغة: بذل الجهد، والجهد هو الوسع والطاقة.
وفي الاصطلاح هو: بذل الوُسع في إدراك حكمٍ شرعيٍّ بطريق الاستنباط ممن هو أهلٌ له.
وإنما قُيِّد بكونه (بطريق الاستنباط)؛ ليخرجَ بذلُ الوُسع لإدراك الحكم الشرعيِّ بحفظ متون الفقه، أو بحفظ النصوص الشرعية الدالّة صراحةً على الحكم.
فهذا العملُ - وإنْ كان اجتهاداً في اللُّغة - لكنه ليس اجتهاداً في الاصطلاح.
والمتقدِّمون قد يُطلقون اسمَ الاجتهاد على القياس الشرعيّ، وقد يُطلقونه على ما يغلبُ على الظنّ عن طريق الخبرة والتجرِبة، كالاجتهاد في جهة القبلة، ومقدارِ النفقة الواجبة للزوجة مثلاً.
أركانُ الاجتهاد:
للاجتهاد ثلاثةُ أركانٍ، هي:
١ - المجتهِد: وهو الفقيه المستوفي للشروط الآتي ذكرُها.
٢ - المجتهَد فيه: وهو الواقعةُ المطلوبُ حكمُها بالنظر والاستنباط، لعدم ظهور حكمها في النصوص، أو لتعارض الأدلّة فيها ظاهراً.
стр. 448
٣ - النظرُ وبذلُ الجهد: وهو فعلُ المجتهد الذي يتوصَّلُ به إلى الحكم.
الاجتهادُ في عصر الصحابة والتابعين وكبار الأئمة:
في عهد الرسول ﷺ كان هو المرجع في الفتوى، ومع ذلك لم يكنْ بابُ الاجتهاد موصَداً أمام الصحابة رضوانُ الله عليهم، بل كانوا يجتهدون في غيابهم عنه، فإذا جاءوه عرضوا عليه اجتهادَهم، كما فعلوا عندما بعثهم إلى بني قُريظةَ، وقال: «لا يُصلّينَّ أحدٌ العصرَ إلاّ في بني قُريظةَ» (أخرجه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري)، فجاءهم وقتُ العصر، فقال بعضُهم: لم يُردْ منّا أنْ نُؤخِّرَ الصلاةَ، وإنما أرادَ استعجالَنا.
وقال آخرون: بل نأخذُ بظاهر النصِّ، ولا نُصلِّي حتى نصل بني قُريظةَ، ولو غربت الشمس، فعمل كل فريق باجتهاده، ولم يعنف الرسول ﷺ أحدا منهم.
وأما بعدَ وفاة الرسول ﷺ فقد اشتهر اجتهادُ الصحابة، ونُقل إلينا أكثرُه.
ومن ذلك: أن ابن عباس ﵁ كان لا يرى العولَ في الفرائض، خلافاً لأكثر الصحابة الذين قاسوه على ضيق التركة عن سداد الدَّين وتوزيعها على الغُرماء، كلٌّ بحسب دَينه، بحيثُ ينقُصُ ما يأخذُه كل منهم بمثل نقص التركة عن مجموع الدَّين.
وفي عهد التابعين ازدادت الحاجةُ إلى الاجتهاد؛ لكثرة الوقائع، واختلاطِ المسلمين بأُمم أُخرى.
ولقد تأثّرَ اجتهادُ التابعين باجتهاد مَن تفقَّهوا عليه من الصحابة، فكان أهلُ العراق أكثرَ أخذاً عن ابن مسعودٍ وعلي، ﵄. وأهلُ المدينة أكثر تأثُّراً بابن عمر ﵁.
стр. 449
ونشأ على إثر ذلك ما عُرف بمدرسة أهل المدينة، أو أهل الحديث، ومدرسة أهل العراق أو أهل الرأي.
وفي عهد كبار الأئمة كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيّ وأحمدَ أخذت المذاهبُ الفقهيةُ يتميّزُ بعضُها عن بعضٍ، فلم تَعُدْ مدرسةُ الرأي على مذهبٍ واحدٍ، ولا أهلُ الحديث على مذهبٍ واحدٍ، ولم يكنْ أهلُ الرأي معزولين عن الحديث، ولا أهلُ الحديث رافضين للرأي بالكلّيّة.
стр. 450
شروط الاجتهاد
لقد أكثر الأصوليون الكلامَ في شروط الاجتهاد، فمنهم المتشدِّدُ في الشروط، ومنهم المتساهلُ، ومنهم المتوسِّطُ.
وسأقتصر على ذكر الشروط التي قام الدليلُ على اشتراطها، وهي:
١ - الإسلام:
فغيرُ المسلم مهما بلغ من العلم بعلوم الشريعة - لا يُقبلُ اجتهادُه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران١٠٠].
٢ - العقل:
لأن المجنونَ لا يُقبلُ قولُه على نفسه، فكيف يُقبَلُ في الفتوى والاجتهاد؟ !
٣ - البلوعُ:
لقوله ﷺ : «رُفع القلمُ عن ثلاثةٍ» وذكر منهم «الصبي حتى يحتلم» (أخرجه أبو داود والنسائي عن عائشة وصححه الحاكم).
وإذا أمن العقوبةَ لم يُؤمنْ عليه الكذبُ والتساهلُ.
٤ - معرفةُ الآيات والأحاديث الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر، ومعرفة ما يصِحُّ من تلك الأحاديث وما لا يصِحُّ .
أما الآياتُ والأحاديثُ الدالّةُ بطريق الإشارة أو مفهومِ المخالفة، ونحوِهما من طرق الدلالة الخفيّة، فلا يُشترَطُ معرفتُها، كما لا يلزمُ معرفةُ أكثر من دليلٍ
стр. 451
واحدٍ على الحكم، إذا لم تكنْ في الدليل الآخَر زيادةُ حكمٍ تتعلَّقُ بشروطه أو قيوده، ونحو ذلك.
والدليلُ على اشتراط هذا القدر: أن مَن اجتهد قبلَ تحصيله فقد يُخالفُ المنصوصَ عليه في القرآن أو السنة، فيكونُ اجتهادُه باطلاً.
وأما الدليلُ على عدم اشتراط ما زاد على ذلك فهو: أن الصحابةَ كانوا يجتهدون مع غفلتهم عن بعض ما دلّ عليه القرآن بطريق الإشارة أو الالتزام، ولم يكن اجتهادُهم واقعاً ممن ليس أهلاً.
ولما عُرفَ عنهم من أنهم يعذرون المخطئَ إذا لم يكن الدليلُ ظاهراً قوياّ، ولعلَّ هذا مأخذَ الذين حدّدوا آياتِ الأحكام بخمسمائة آيةٍ.
قال ابن دقيق العيد: «ولعلَّهم قصدوا بذلك الآياتِ الدالةَ على الأحكام دلالةً أوّليّةً بالذات، لا بطريق التضمُّن والالتزام» (١).
ومما يُؤيِّدُ ما ذكرته أن الإحاطةَ بكلِّ ما في القرآن من المعاني ليس ممكناً، فلو اشترطنا ذلك لما تمكن أحدٌ من الاجتهاد.
٥ - معرفة الناسخ والمنسوخ من الأحكام الواردة في القرآن والسنة:
لأنه لو لم يًعرف ذلك لأفتى بالحكم المنسوخ وعمل به، وهو لازمُ باطلٌ، فيبطُل ملزومُه، الذي هو عدمُ اشتراط ذلك، ويكفي أنْ يعرفَ أن الدليلَ الذي استدلّ به ليس منسوخاً.
٦ - معرفةُ مواطن الإجماع حتى لا يخالفَها:
لأن مخالفةَ الإجماع محرَّمةٌ. ويكفي أن يعرفَ أن المسألةَ التي ينظر فيها ليست
стр. 452
من مسائل الإجماع ولا ينبني حكمُها على مسألةٍ مجمَعٍ عليها.
٧ - أنْ يعرفَ بقيّةَ الطرق الموصلة إلى الفقه وكيفية الاستدلال بها:
فيعرفُ القياسَ، والاستصحابَ، والاستصلاحَ، والأعرافَ والعوائدَ في الأحكام المبنيّةَ عليها؛ وذلك لأن النصوصَ والإجماعَ لا يُمكنُ أنْ تُحيطَ بكلّ الوقائع، فوجبَ أنْ يعرفَ طرقَ الفقه فيما لا نصَّ فيه ولا إجماع.
ولمّا كانت بعضُ الأحكام مردُّها إلى العادات والأعراف وجب معرفتُها لمن رام الاجتهادَ فيها.
٨ - أنْ يكونَ عارفاً بدلالات الألفاظ، خبيراً بما يصحُّ من الأساليب وما لا يصِحُّ:
لأن القرآن نزل بلغة العرب، ومَن لا يعرفُ لغةَ العرب لا يُمكنُ أنْ يفهمَ ما في الكتاب والسنة على الوجه الصحيح.
٩ - أنْ يكونَ عارفاً بمراتبِ الأدلّة، وطرقِ الجمعِ بينها، وطرقِ الترجيحِ عندَ التعارُض:
وذلك لأن مواضعَ الاجتهادِ - غالباً - تتعارضُ فيها الأدلّةُ في أنظار النُّظّار، فإن لم يكنْ له درايةٌ بطرق الجمع والترجيح لم يستطع الاجتهاد، بل سيحتارُ ويتوقّف.
وقد اكتفى بعضُهم عن هذا الشرط واللذين قبلَه باشتراط معرفة أصول الفقه. ولكن لما كان مصطلحُ أصول الفقه يشملُ أموراً أخرى غيرَ هذا لم أرتض الاكتفاءَ به.
стр. 453
١٠ - العدالةُ:
وهي شرطٌ لقَبول الاجتهاد والاعتدادِ به، فمن ليس عدلاً مقبولَ الرواية لا يُقبلُ قولُه في الشرع، كما لا يُقبلُ خبرُ مَن ليس عدلاً عن رسول الله ﷺ ؛ فإن الفُتيا خبرٌ عن حكم الله تعالى.
стр. 454
تجزُّؤُ الاجتهاد
المقصود بتجزئة الاجتهاد: أنْ يكونَ الفقيهُ مجتهداً في بابٍ من أبواب الفقه دون غيره، أو في مسألةٍ دون مسألةٍ.
وهذه المسألةُ من المسائل التي طال كلامُ الأصوليين فيها، ويُمكنُ تلخيصُه فيما يلي:
١ ـ ليس من محلّ النزاع أنْ يجتهدَ في مسألةٍ فقهيةٍ مَن لم تتوافرْ فيه شروطُ الاجتهاد العامّة، وهي: معرفةُ العربية، ودلالات الألفاظ، والقدرة على الاستنباط، ومعرفةُ ما يحتاج إليه في المسألة من أصول الفقه. فمن لم يحصل هذه الشروط لا يُمكنُ أنْ يُعدَّ مجتهداً في شيءٍ من مسائل الفقه.
ولهذا قال ابنُ الزملْكانيّ: «فما كان من الشروط كلّياً، كقوّةِ الاستنباط، ومعرفةِ مجاري الكلام، وما يُقبَلُ من الأدلّة، وما يُردُّ، ونحوِه، فلا بدَّ من استجماعه بالنسبة إلى كلّ دليلٍ ومدلولٍ، فلا تتجزّأ تلك الأهليّةُ» (١).
وإنما موضعُ النزاع أن مَن له قدرةٌ على النظر في الأدلّة والاستنباط منها، وحصّل الشروطَ العامّةَ للاجتهاد إذا لم يُحطْ بأدلّة الفقه كلِّها، هل له أنْ يجتهدَ في المسائل التي أحاط علماً بأدلّتها؟
٢ ـ أخرج بعض الأصوليين عن محل النزاع تجزؤ الاجتهاد بالنسبة للمسائل في الباب الواحد، وقصر الخلاف على التجزؤ بالنسبة للأبواب. والصواب: شمول الخلاف للكل.
стр. 455
الأقوال:
قال جمهور العلماء: من حصل الشروط العامة له أنْ يجتهدََ في المسألة المستقلّة، إذا أحاط بأدلّتها، وقدر على النظر فيها، ولو لم يستطع الاجتهاد في مسألة أخرى لقصوره عن الإحاطة بأدلتها.
واستدلوا على ذلك بأن أكثرَ العلماء كانوا يتوقّفون في بعض المسائل، مما يدلُّ على أنهم لم يُحيطوا بأدلّتها، ويُفتون في غيرها لإحاطتهم بأدلّتها.
وذهب بعضُ العلماء إلى أن الاجتهادَ لا يتجزأُ، ومَن لم يُحطْ بأدلّة الفقه على الوجه الذي ذكرناه في شروط الاجتهاد ليس له أنْ يجتهدَ في بابٍ أو مسألةٍ.
وهذا القولُ منقولٌ عن أبي حنيفةَ، ولم ينصَّ عليه، ولكنهم أخذوه من قوله في تعريف الفقيه: «مَن له مَلَكَةُ الاستنباطِ في الكلّ»، فأخذوا من قوله: (الكلّ) أنه إذا قدِرَ على الاستنباط في البعض لا يُعدُّ فقيهاً مجتهداً، وقالوا: إن مَلَكَةَ الاجتهاد لا تتجزأُ، فمَن حصلتْ له فهو المجتهدُ، ومَن لا فلا.
واختار هذا القولَ الشوكانيُّ في «إرشاد الفحول».
ودليلُه: أن مسائلَ الفقه متّصلٌ بعضُها ببعضٍ كسلسلةٍ متّصلةِ الحلَقات، ولا يُمكن أنْ يُحيطَ بأدلّة مسألةٍ ما لم يُحطْ بأدلّة المسائل الأخرى.
وذهب بعضُ العلماء إلى أنه يتجزأُ بالنسبة للأبواب لا بالنسبة للمسائل في الباب الواحد.
ودليلهم: أن المسائلَ في الباب الواحد مداركُها متّصلٌ بعضُها ببعضٍ، وأما الأبوابُ فليستْ كذلك.
والذي يظهر لي: أنه يجوز أنْ يتجزأَ الاجتهادُ، على المعنى الذي ذكرته سابقاً، بالنسبة للمسائل التي تكلَّم فيها الفقهاءُ السابقون دون النوازل. وذلك
стр. 456
لأن المسائلَ التي اشتهر كلامُ الفقهاء فيها قد حُصرتْ أدلّتُها أو أغلبُها، فأمكنَ أنْ يطّلعَ عليها مَن لم يُحطْ بأدلّة الفقه كلِّها أو أغلبها، وأن يرجح ما يراه راجحا منها.
وأما مسائلُ النوازل فلم يشتهر البحثُ فيها، ولا يُمكنُ لمن لم يُحطْ بأكثر أدلّة الأحكام في جميع الأبواب أنْ يجتهدَ فيها.
هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من النوازل لا يعرفُ حكمَها مَن لم تتكونْ عنده ملَكَةٌ فقهيةٌ كاملةٌ، وهي لا تحصلُ بمعرفة بعض المسائل أو الأبواب.
وتظهر ثمرةُ الخلاف: في الاعتداد بقول مَن لم يُحطْ بأكثر الأدلّة، وفي جوازِ فتواه، والعملِ بها من قِبَل العامّة، وانعقادِ الإجماعِ مع خلافه وعدمه.
стр. 457
اجتهادُ الرسول ﷺ واجتهاد الصحابة في عهده
تكلّم الأصوليون في مسألتين، يُعدُّ الكلامُ فيهما كنقل السيرة، لا يترتّبُ عليه فروعٌ فقهيةٌ، وإنْ كان لا يخلو من فوائدَ.
والمسألتان هما: مسألة اجتهاد الرسول ﷺ ، ومسألة اجتهاد الصحابة في عهده، ولنتكلم عن كل منهما باختصار.
١ - مسألةُ الاجتهاد من النبيّ ﷺ :
والجمهور على أنه قد يجتهدُ، إذا لم يأته وحيٌ، وقد يتوقّفُ إلى نزول الوحي.
وإذا اجتهد: فمنهم مَن يقول: إنه مسدَّدٌ للحقِّ لا يُمكنُ أنْ يُخطئَ في اجتهاده.
ومنهم من يقول: إنه قد يُخطئُ في إصابة الحقّ، ولكن اللهَ يُصوِّبُه حالاً ويُبيّنُ له الحقَّ.
والنصوص التي تدلُّ على القول الأخير أصرحُ، كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة٤٣]، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال٦٧]، وغير ذلك، ففي هذه الآيات عتاب للنبي ﷺ من الله، ولا يعاتبه إلا على الخطأ.
وليس في هذا انتقاصٌ لمنزلة الرسول ﷺ ، وإنما فيها دليلٌ على بشريّته،
стр. 458
ودليل على صدقه وأمانته؛ حيث بلغ الأمة خطأه وتصويب الله له.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم٣] فإن المنفيَّ النطقُ عن هوى، والاجتهادُ ليس كذلك. وقولُه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم٤] يرجع إلى القرآن.
٢ - مسألة اجتهادِ الصحابة في عهد النبيّ ﷺ :
وهذه المسألة اختُلف فيها على أقوالٍ، والصحيحُ منها - إن شاء الله - أن اجتهادَ الصحابة في غيابهم عن النبيّ ﷺ أو في حضوره بإذنه جائزٌ وواقعٌ، وما عدا ذلك فليس اجتهاداً.
والدليلُ على وقوع الاجتهاد من الغائب عن مجلس النبيّ ﷺ : اجتهادُ الصحابة الذين بعثهم النبيّ ﷺ إلى بني قريظة، وقال لهم: «لا يُصلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلاّ في بني قريظة». وقد تقدّم ذكرُه.
وكذلك اجتهادُ عليّ ﵁ حينما بعثه إلى اليمن قاضياً في وقائعَ حدثت له. واجتهادُ عمارَ ﵁ في التيمم للجنابة (متفق عليه).
وأما للحاضر بإذن الرسول ﷺ : فمثاله: اجتهادُ سعدِِ بنِ معاذٍ ﵁ في الحكم على بني قريظة (متفق عليه عن أبي سعيد)، واجتهادُ عمرو بن العاص ﵁ بإذنه (أخرجه أحمد والدارقطني والحاكم).
وأما الدليلُ على منع الحاضر إذا لم يُؤذنْ له فقولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات١]، والاجتهادُ في مسألةٍ شرعيةٍ بحضرته بلا إذنٍ من التقدُّمِ بين يديه.
وأما قول أبي بكر ﵁ لمن طلب سلَبَ القتيل الذي قتله أبو قتادةَ: لا ها الله!
стр. 459
إذاً لا يعمدُ إلى أسد من أُسْد الله يُقاتل عن الله وعن رسوله فيُعطيك سلَبَه. (متفق عليه عن أبي قتادة) فليس اجتهاداً، بل أخذاً بالنصّ، فإن الرسولَ ﷺ كان قد قال: «مَن قتل قتيلاً له عليه بينةٌ فله سلَبُه» (متفق عليه وهو طرفٌ من حديث أبي قتادة السابق)، وهو وعدٌ من الرسول ﷺ ، وليس من عادته إخلافُ وعده، أو هو قضاءٌ سابقٌ ولم ينقُضه.
وقد نصَّ الرازيُّ وبعضُ الأصوليين أن المسألتين لا ثمرةَ لهما.
ومع ذلك فإنهما لا تخلوان من الفوائد، وإنْ لم تكنْ متفرِّعةً عنهما أو عن أحدِهما، ولهذا أُخذ من المسألتين حكمُ الرجوع إلى الظنّ مع إمكان اليقين، فأجازه مَن أجاز الاجتهادَ في المسألتين، ومنعه مَن منعه. وذلك مثل الوضوء من الماء الذي يغلبُ على الظنِّ طهارتُه، مع كونه على شاطئِ البحر، بحيثُ يتمكّنُ من الوضوء من ماء البحر المقطوع بطهارته. والإفطارُ بناءً على سماع الأذان أو النظر للساعة دون الخروج لرؤية غروب الشمس، ونحو ذلك من المسائل.
ولا يبعُدُ أنْ يكونَ للخلاف في اجتهاد الرسول ﷺ صلةٌ بحجّية الفعل المجرَّد من الرسول ﷺ .
стр. 460
المصيبُ في مسائل الاجتهاد واحدٌ
هذه من المسائل التي طال البحثُ فيها، وتفرّع عنها بعضُ مسائل الاجتهاد الأخرى، وتُسمّى مسألةَ: «التصويب» أو «تصويب المجتهدين». وقد عنون لها بعضُهم بنحو هذا العنوان.
وعنون لها بعضُهم بقوله: هل الحقُّ يتعدّدُ في مسائل الاجتهاد؟
وقال بعضُهم: هل لله في كلّ واقعةٍ حكمٌ معيّنٌ؟
ومحلُّ النزاع: إنما هو في المسائل الاجتهادية العملية، أما المسائل العملية القطعية، والعلمية الاعتقادية، فإن المصيبَ فيها واحدٌ، باّتفاقٍ، والحقُّ فيها لا يتعدّدُ.
ولم ينقلوا فيها خلافاً إلاّ عن القاضي العنبريّ، فإنه نُقل عنه قوله: كلُّ مجتهِدٍ في الأصول مصيبٌ. وعن الجاحظ مثلُ ذلك.
وقد حمله بعضُهم على تعدُّد الحقّ في المسائل العلمية الخبرية، وهو مخالفٌ لبدائه العقول؛ إذْ لا يُمكنُ أنْ يقولَ عاقلٌ إن اللهَ يُمكنُ أنْ يوصَفَ بهذه الصفة وبعدمها، وأن هذا الشيءَ واقعٌ وغيرُ واقعٍ.
وحمله بعضُهم على أنه لا يُؤَثّمُ المخطئُ من الكفار إذا بذل جهدَه في طلب الإيمان بالله فلم يصلْ إليه.
وحمله المحققون على أنه خاصُّ بالمجتهدين من أهل الملّة، إذا بذلوا جهدهم في إدراك الحقّ في مسائل الأصول أو الفروع، فأخطأوا، فإنهم لا يأثمون. ففسروا قولَه بالتصويب بأن المرادَ نفيُ الإثم.