← Фикх шафии

Фикх шафии · id 3637

التهذيب في الفقه الشافعي - كتاب السير منه

البغوي، أبو محمد

Полный текст (117 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الْ مُقدمَة إِن الْحَمد لله نحمده ونستعينه، وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وسيئات أَعمالنَا، من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، بلغ الرسَالَة وَأدّى الْأَمَانَة وجاهد فِي الله حق جهاده، فصلوات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وَمن اتبع هَدْيه إِلَى يَوْم الدّين. أما بعد؛ فَإِن الْجِهَاد فِي الْإِسْلَام ذرْوَة سنامه، وَهُوَ من أهم مبادئ الْإِسْلَام الْعُظْمَى لِأَنَّهُ سَبِيل عزة هَذِه الْأمة وكرامتها وسيادتها؛ لهَذَا كَانَ فَرِيضَة محكمَة وأمراً مَاضِيا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَمَا ترك قوم الْجِهَاد إِلَّا ذلوا وصغروا وغزاهم عدوهم فِي دَارهم، ويعد الْجِهَاد من أفضل الْأَعْمَال عِنْد الله، وَلَقَد تمنى الرَّسُول ﷺ أَن يحوز دَرَجَة الشَّهَادَة فِي سَبيله. وَلَقَد قَرَأت كتاب السّير من كتاب التَّهْذِيب للْإِمَام الْبَغَوِيّ وَلما وجدته لهَذَا الْبَاب من أهمية، ولأهمية كتاب التَّهْذِيب استخرت الله وحققت هَذَا الْجُزْء، راجية من الله أَن يتقبله مني ويثقل بِهِ موازيني ووالديّ. وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين. وَصلى الله وَسلم على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.

стр. 2

الإِمَام الْبَغَوِيّ نسبه ومولده ونشأته وَصِفَاته: أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود بن مُحَمَّد الْفراء الْبَغَوِيّ الشَّافِعِي١. كَانَ أَبوهُ يعْمل الْفراء ويبيعها وإليها نسب٢، وَسمي بالبغوي نِسْبَة إِلَى بَلْدَة من بِلَاد خُرَاسَان بَين مرو وهراة يُقَال لَهَا بغ وبغشور٣، وَقيل بغشور اسْم الْولَايَة، وَاسم الْمَدِينَة بغ٤. ولقب بعدة ألقاب مِنْهَا: محيي السّنة٥، وركن الدّين٦، وظهير الدّين٧، وقامع الْبِدْعَة٨،

стр. 3

وَشَيخ الْإِسْلَام١. ولد الإِمَام الْبَغَوِيّ فِي جُمَادَى الأولى سنة ٤٣٣هـ٢، وَقيل: سنة ٤٣٦هـ٣ وَاخْتلفت المصادر فِي الْمدَّة الَّتِي عاشها فبعض ذكر أَنه عَاشَ بضعاً وَسبعين سنة٤ وَالْبَعْض ذكر أَنه جَاوز الثَّمَانِينَ٥، وَبَعضهَا الآخر ذكر أَنه أشرف على التسعين٦. ويبدو أَنه نَشأ فِي بَلْدَة بغشور، وتلقى مبادئ الْعلم فِيهَا، ثمَّ رَحل إِلَى مرو الروذ؛ ليتلقى الْعلم على أَيدي علمائها، وَهُنَاكَ التقى بإمامها فِي ذَلِك الْعَصْر القَاضِي حُسَيْن بن مُحَمَّد الْمروزِي، فتتلمذ عَلَيْهِ، ونهل من علمه، ودرس عَلَيْهِ الْمَذْهَب الشَّافِعِي. وَلم يكتف بِأخذ الْعلم من مرو الروذ بل نرَاهُ يُوسع دَائِرَة رحلاته إِلَى بِلَاد أُخْرَى لم تذكر لنا كتب التراجم أسماءها، وَلَكِن أجمل ذَلِك ابْن تغري بردي حَيْثُ قَالَ: "رَحل إِلَى الْبِلَاد وَسمع الْكثير.."٧. وَمَعَ كَثْرَة رحلاته لم يذهب إِلَى بَغْدَاد، كَمَا أَنه لم يذهب إِلَى أَرض الْحَرَمَيْنِ وَلم يحجّ. وانْتهى بِهِ الْمقَام فِي مرو الروذ حَتَّى توفّي فِيهَا فِي شَوَّال سنة ٥١٦هـ. وَكَانَ ﵀ ذَا علم غزير أثر فِي أخلاقه وسلوكه الشخصي؛ إِذْ إِنَّه لم يجرد هَذَا الْعلم عَن الْعَمَل بل كَانَ جَامعا بَينهمَا.

стр. 4

يَقُول ابْن السُّبْكِيّ: "كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا ورعاً زاهداً فَقِيها مُحدثا مُفَسرًا جَامعا بَين الْعلم وَالْعَمَل"١. شُيُوخه وتلاميذه٢: أَولا: شُيُوخه: تتلمذ الإِمَام الْبَغَوِيّ عَليّ شُيُوخ أجلاء فِي التَّفْسِير، والْحَدِيث، وَالْفِقْه مِنْهُم: القَاضِي الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْمروزِي٣، وَأَبُو عمر عبد الْوَاحِد المليحي٤، وَأَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف الْجُوَيْنِيّ٥، وَحسان بن مُحَمَّد المنيعي٦، وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن الْهَيْثَم الترابي٧، وَأَبُو بكر يَعْقُوب بن أَحْمد الصَّيْرَفِي٨، وَأَبُو الْحسن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الدَّاودِيّ٩.

стр. 5

ثَانِيًا: تلاميذه: أَبُو عَليّ الْحسن بن مَسْعُود الْبَغَوِيّ١، أَبُو الْفتُوح مَسْعُود بن أَحْمد ابْن يُوسُف الْخَطِيب البامنجي٢، وَأَبُو الْفتُوح مُحَمَّد بن مُحَمَّد الطَّائِي٣، وَأَبُو عَمْرو عُثْمَان بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الشَّاشِي الفاشاني٤، وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد الشَّاشِي الفاشاني٥، وَأَبُو مَنْصُور مُحَمَّد ابْن أسعد العطاري الْمَعْرُوف بحفدة٦، وَأَبُو المكارم فضل الله بن محمدالنوقاني٧. مؤلفاته: كَانَ الْبَغَوِيّ ﵀ مُفَسرًا، ومحدثاً، وفقيهاً، وعالماً بالقراءات وبسيرة النَّبِي ﷺ ، وَقد شملت مؤلفاته كل تِلْكَ الْعُلُوم. قَالَ عَنهُ السُّبْكِيّ: "وَقدره عَال فِي الدّين، وَفِي التَّفْسِير، وَفِي الحَدِيث، وَفِي الْفِقْه … "٨. وَمن مؤلفاته فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وعلومه:

стр. 6

١ - معالم التَّنْزِيل فِي التَّفْسِير١ مطبوع٢. ٢ - الْكِفَايَة فِي علم الْقِرَاءَة٣ "مخطوط"٤. ٣ - مُشكل الْقُرْآن. ذكره مُحَقّق الأنوارفي شمائل النَّبِي المختارللبغوي نقلا عَن ابْن الفوطي ٥. مؤلفاته فِي الحَدِيث: ١ - مصابيح السّنة٦"مطبوع"٧.

стр. 7

٢ - شرح السّنة١ "مطبوع"٢. ٣ - شرح الْجَامِع لِلتِّرْمِذِي٣ "مخطوط"٤. ٤ - الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ٥. وَالْكتاب لم أَقف عَلَيْهِ. ٥ - الْمدْخل إِلَى مصابيح السّنة٦ "مخطوط"٧. ٦ - الْأَرْبَعين حَدِيثا٨ أَو الْأَرْبَعين الصَّغِير٩ "مخطوط". ٧ - الْأَنْوَار فِي شمائل النَّبِي الْمُخْتَار١٠ "مطبوع"١١. ٨ - مُعْجم الشُّيُوخ١٢ "مخطوط".

стр. 8

مؤلفاته فِي الْفِقْه: ١ - التَّهْذِيب١. ٢ - الْفَتَاوَى٢ "مخطوط"٣. ٣ - التَّعْلِيق على فَتَاوَى شَيْخه القَاضِي حُسَيْن٤ "مخطوط"٥. ٤ - تَرْجَمَة الْأَحْكَام فِي الْفُرُوع٦، مَكْتُوب بِالْفَارِسِيَّةِ. ٥ - الْكِفَايَة فِي الْفُرُوع٧ (مَكْتُوب بالأعجمية) .

стр. 9

٦ - شرح الْمُخْتَصر١. عقيدته ومكانته العلمية: كَانَ الْبَغَوِيّ من أَئِمَّة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، سائراً على عقيدتهم مقتدياً بسيرتهم، وَيظْهر ذَلِك فِي تَفْسِيره حَيْثُ يُورد رَأْي أهل السّنة وينصر رَأْيهمْ فِي بَيَان تِلْكَ الْآيَات الَّتِي تتصل بالعقيدة ردا على الْمُعْتَزلَة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ٢ وَشهد بِصِحَّة عقيدته الإِمَام الذَّهَبِيّ حَيْثُ قَالَ: " … على منهاج السّلف حَالا وعقداً "٣. وَقَالَ صَاحب مِفْتَاح السَّعَادَة: (صَحِيح العقيدة فِي الدّين) ٤. أما مكانته العلمية، فقد كَانَ بحراً فِي الْعُلُوم ٥، مُجْتَهدا٦، من أَصْحَاب الْوُجُوه فِي الْمَذْهَب الشَّافِعِي، وَمن أَئِمَّة أهل النَّقْل٧. وَقد برع فِي عُلُوم الْقُرْآن وَالسّنة وَالْفِقْه حَتَّى أضحى عَلامَة زَمَانه فِيهَا٨ وتنافس الْعلمَاء فِي تَحْصِيل كتبه ورزق فِيهَا الْقبُول التَّام لحسن قَصده

стр. 10

وَصدق نِيَّته. وَقَالَ عَليّ الْقَارِي: "من أَصْحَاب الْوُجُوه، قَالَ بعض مشائخنا لَيْسَ لَهُ قَول سَاقِط"١. قَالَ السُّبْكِيّ: "وَقدره عَال فِي الدّين، وَفِي التَّفْسِير، وَفِي الحَدِيث، وَفِي الْفِقْه متسع الدائرة نقلا وتحقيقاً، كَانَ الشَّيْخ الإِمَام يجل مِقْدَاره جدا، ويصفه بالتحقيق مَعَ كَثْرَة النَّقْل، وَقَالَ فِي بَاب الرَّهْن من تَكْمِلَة شرح الْمُهَذّب، "اعْلَم أَن صَاحب التَّهْذِيب قَلَّ أَن رَأَيْنَاهُ يخْتَار شَيْئا إِلَّا وَإِذا بحث عَنهُ وجد أقوى من غَيره، هَذَا مَعَ اخْتِصَار كَلَامه"، وَهُوَ يدل على نبل كَبِير وَهُوَ حري بذلك فَإِنَّهُ جَامع لعلوم الْقُرْآن وَالسّنة وَالْفِقْه٢. أهمية الْكتاب وأثره فِي كتب الْمَذْهَب: يعد كتاب التَّهْذِيب من الْكتب المهمة وَالْقيمَة فِي الْمَذْهَب الشَّافِعِي، فقد ذكر فِيهِ الْبَغَوِيّ جملَة من منصوصات الإِمَام الشَّافِعِي وَكثير من تفريعات أَصْحَابه خرجوها على أُصُوله وَذكر فِيهِ من أقاويل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن تَبِعَهُمْ من الْعلمَاء مَا لَا يَسْتَغْنِي عَن مَعْرفَتهَا المترصد للْفَتْوَى، وَلم يخل الْكتاب من اختياراته واستنباطاته وترجيحاته مِمَّا جعل كثيرا من أَئِمَّة الْمَذْهَب يكثرون النَّقْل مِنْهُ، فقد نقل عَنهُ الإِمَام النَّوَوِيّ فِي كِتَابيه شرح الْمُهَذّب وروضة الطالبين، وَابْن الرّفْعَة فِي كِفَايَة النبيه وَالْمطلب العالي، والخطيب الشربيني فِي مُغنِي الْمُحْتَاج، والرملي فِي نِهَايَة الْمُحْتَاج، وَابْن حجر فِي تحفة الْمُحْتَاج، والأردبيلي فِي الْأَنْوَار وَغَيرهم. وَهَذَا إِنَّمَا يدل على أهمية الْكتاب ومكانته فِي كتب الْمَذْهَب.

стр. 11

مَنْهَج الْبَغَوِيّ فِي الْكتاب: اتبع الْبَغَوِيّ فِي كِتَابه الْمنْهَج الْآتِي: ١ - قسم الْكتب إِلَى أَبْوَاب تندرج تحتهَا فُصُول. ٢ - يعنون للأبواب والفصول غَالِبا. ٣ - يبْدَأ الْأَبْوَاب والفصول - غَالِبا - بآيَات وَأَحَادِيث. ٤ - يقوم بشرح الْمَسْأَلَة مستوعباً الْمَذْهَب وَيذكر - فِي بعض الأحيان - الْأَقْوَال وَالْأَوْجه وَيُشِير - أَحْيَانًا - لقائليها. ٥ - امتاز الْكتاب بترتيب الْمسَائِل والتوسع فِي نقل الْفُرُوع مَعَ حسن التَّصَرُّف والبحث الدَّقِيق. ٦ - قد يكون فِي الْمَسْأَلَة أَكثر من قَول أَو وَجه أَو طَريقَة، فَيقْتَصر على قَول وَاحِد أَو يقطع بِالطَّرِيقِ الَّذِي فِيهِ قَول وَاحِد أَو الطَّرِيق الَّذِي فِيهِ قَولَانِ. ٧ - يرجح فِي بعض الأحيان بَين الْأَقْوَال أَو الْأَوْجه بقوله "وَهُوَ الْأَصَح"، "وعندى". ٨ - يذكر الِاخْتِلَاف بَين مذْهبه والمذاهب الْأُخْرَى وبخاصة الْمَذْهَب الْحَنَفِيّ كَمَا يذكر أَقْوَال الْأَئِمَّة كالثوري، وَالزهْرِيّ، وَالنَّخَعِيّ. مَنْهَج التَّحْقِيق: ١ - مُقَابلَة النّسخ مَعَ بَعْضهَا مَعَ الْإِشَارَة فِي الْهَامِش إِلَى الفروق، ومراعاة قَوَاعِد الْإِمْلَاء الحديثة. ٢ - وضع النَّص القرآني بَين قوسين وتشكيله وَالْإِشَارَة إِلَى السُّورَة الَّتِي جَاءَت فِيهَا الْآيَة، ورقم الْآيَة. ٣ - تَخْرِيج الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة، وَبَيَان دَرَجَة الحَدِيث مَا أمكن. ٤ - تَخْرِيج الْآثَار من أَقْوَال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. ٥ - شرح الْكَلِمَات الغريبة. ٦ - تَرْجَمَة جَمِيع الْأَعْلَام الْوَارِدَة فِي المخطوطة. ٧ - الْإِشَارَة إِلَى بداية كل لوحة.

стр. 12

٨ - تَحْقِيق الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة على النَّحْو التَّالِي: أ - إِذا ذكر حكما مُتَّفقا عَلَيْهِ عِنْد الشَّافِعِيَّة، أكتفي بِذكر بعض المراجع الْفِقْهِيَّة الْمُعْتَمدَة فِي الْمَذْهَب توثيقاً لما أوردهُ الْمُؤلف. ب - إِذا ذكر قولا أَو وَجها أَو طَرِيقا فِي مَسْأَلَة، وَوجدت قَوْلَيْنِ أَو عدَّة أوجه، أَو أَكثر من طَرِيق فإنني أذكرها، وأذكر الْقَائِلين بهَا فِي أَكثر الأحيان، وَالصَّحِيح مِنْهَا إِذا وجدت تَرْجِيحا. ج - إِذا ذكر أقوالاً للمذاهب الْأُخْرَى، فإنني أقوم بتحقيقها بِالرُّجُوعِ إِلَى كتب كل مَذْهَب مَعَ ذكرهَا توثيقاً لما ورد. د - إِذا ذكر أقوالاً للثوري أَو الْأَوْزَاعِيّ رجعت إِلَى مظانه كالمجموع وَغَيره من كتب الْفِقْه الْمُقَارن توثيقاً لهَذِهِ الْأَقْوَال. ٨ - ضمنت آخر الْكتاب فهرسين تفصيلية بيانهما؛ هما: ١ - فهرس المراجع. ٢ - فهرس الموضوعات. ثَانِيًا: وصف النّسخ المخطوطة: - النُّسْخَة الأولى: وَهِي نُسْخَة يُوجد مِنْهَا الْجُزْء الرَّابِع فِي مكتبة أَحْمد الثَّالِث بتركيا تَحت رقم (٨٧٠) . وَعدد لوحاتها (٣٢٤) لوحة، تحتوي كل صفحة على ٢٥ سطراً تتراوح كَلِمَات كل سطر مَا بَين (١٣ - ١٦) كلمة، وَعدد لوحات الْجُزْء الْمُحَقق (١٣) لوحة. وَقد كتب هَذَا الْجُزْء بقلم نسخ مُعْتَاد، وَلم يذكر النَّاسِخ اسْمه أَو تَارِيخ النّسخ وَهَذِه النُّسْخَة خَالِيَة من الْحَوَاشِي والتعليقات. يبْدَأ هَذَا الْجُزْء بِكِتَاب الْقصاص، وَيَنْتَهِي بِكِتَاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَلَقَد رمزت لهَذِهِ النُّسْخَة برمز (أ) .

стр. 13

- النُّسْخَة الثَّانِيَة: وَهِي نُسْخَة يُوجد مِنْهَا مجلدان فِي المكتبة الظَّاهِرِيَّة. وَقد تمكنت بِفضل الله من تَصْوِير الْجُزْء الرَّابِع بأكمله وَهُوَ الَّذِي يشْتَمل على الْجُزْء الْمُحَقق. وَوضع تَحت رقم (٢٢٢٩) (٢٩٢ فقه الشَّافِعِي) . وَعدد لوحاته (٣٦١) لوحة، تحتوي كل صفحة على (٢٥) سطراً وتتراوح كَلِمَات كل سطر بَين (١١ - ١٥) كلمة، وَعدد لوحات الْجُزْء الْمُحَقق (١٣) لوحة. وَقد كتب الْجُزْء بِخَط وَاحِد وبقلم نسخ جميل وَقد ذكر اسْم ناسخه عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن، وَمَكَان تَارِيخ نسخه فِي شهر رَجَب من سنة (٥٩٩هـ) . وَقد جَاءَ بِآخِرهِ بِخَط مُخْتَلف فهرس تفصيلي لمحتويات هَذَا الْجُزْء وَدون على اللوحة الأولى بعض التمكينات والوقفيات للجزء. يبْدَأ هَذَا الْجُزْء بِكِتَاب الْقصاص وَيَنْتَهِي بِكِتَاب عتق أُمَّهَات الْأَوْلَاد. وَقد رمزت لهَذِهِ النُّسْخَة برمز (ظ) . - النُّسْخَة الثَّالِثَة: وَهِي النُّسْخَة المحفوظة بدار الْكتب المصرية تَحت رقم (٤٨٨ فقه شَافِعِيّ) وَيَقَع الْجُزْء الْمُحَقق فِي الْجُزْء التَّاسِع، وَعدد لوحاته (١١٦) تحتوي كل صفحة على (٢٠) سطر وتتراوح كَلِمَات كل سطر بَين (١١_١٢) كلمة، وَعدد لوحات الْجُزْء الْمُحَقق (١٧) لوحة. وَقد كتبت هَذِه النُّسْخَة بِخَط مُعْتَاد غير منقوط. وَيبدأ هَذَا الْجُزْء بِكِتَاب قتال أهل الْبَغي، وَيَنْتَهِي بِبَاب النذور. وَقد رمزت لَهَا برمز (د) .

стр. 14

بَاب: فرض الْجِهَاد: فصل: فِي حكم الْجِهَاد … كتاب السّير١ بَاب فرض الْجِهَاد٢. بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم٣. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ﴾ ٤ الْآيَة. وَقَالَ جلّ ذكره: ﴿انْفِرُوْا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأمْوَالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ فِي سَبِيِل الله﴾ ٥. كَانَ الْقِتَال مَعَ الْمُشْركين مَمْنُوعًا عَنهُ٦ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام بل كَانَ يلْزمهُم الصَّبْر على أَذَى الْمُشْركين٧.

стр. 15

قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمُ كُفُوا أَيْدِيَكْمْ﴾ ١. وَقَالَ: ﴿لتُبْلَوُنّ فِي أَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى:٢ ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتتَّقُوا فَإِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٣. فَلَمَّا هَاجر رَسُول الله ٤ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة وَجَبت ٥ الْهِجْرَة على من قدر عَلَيْهَا وَمن لم يقدر عذره الله تَعَالَى ٦.

стр. 16

قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الّذِينَ توَفّاهُمُ١ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوْا فِيمَ كُنتُمْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿قَالُوا٢ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهاجُروا فِيها﴾ ٣. إِلَى قَوْله: ﴿إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الّرِجَالِ وَالِنّساءِ وَاْلوِلْدانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ٤. وَقطع الله الْولَايَة ٥ يين من هَاجر وَبَين ٦ من لم يُهَاجر فَقَالَ جلّ ذكره: ﴿وَالّذَيِنَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَالَكُم مِن وَلَايَتِهم مِن شَيء حَتّى يُهَاجِروا﴾ ٧ إِلَى أَن فتحت مَكَّة ٨ ارْتَفع وجوب الْهِجْرَة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ٩ رضى الله عَنهُ ١٠ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَوْم الْفَتْح١١:

стр. 17

"لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة وَإِذا استنفرتم فانفرو"١ فَأَرَادَ٢ بِهِ الْهِجْرَة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة٣. وَهِي بَاقِيَة فِي حق كل من أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يقدر على إِظْهَار دينه وَقدر على الْهِجْرَة فَيجب عَلَيْهِ أَن يُهَاجر إِلَى دَار الْإِسْلَام٤. قَالَ النَّبِي ﷺ : " أَنا بَرِيء من كل مُسلم مَعَ مُشْرك لَا ترَاءى نارهما "٥.

стр. 18

وَمن لم يقدر على الْهِجْرَة لَا تلْزمهُ الْهِجْرَة، وَإِن كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا وَلكنه مُطَاع فِي قومه يقدر على إِظْهَار دينه وَلَا يخْشَى الْكفَّار على نَفسه وَلَا الْفِتْنَة فِي دينه لَا تجب عَلَيْهِ الْهِجْرَة وَلَكِن يسْتَحبّ لَهُ١ أَن يُهَاجر حَتَّى لَا يكون مكثراً لسوادهم٢، وَلَا يُؤمن أَن يمِيل إِلَيْهِم قلبه وَإِذا استولى الْمُسلمُونَ على ذَلِك الْبَلَد أَن يسترق وَلَده ثمَّ لما هَاجر النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة أذن الله فِي الْقِتَال مَعَ من قَاتلهم فَقَالَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيِل اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ ٣ ثمَّ أُبِيح ابْتِدَاء٤ الْقِتَال مَعَهم فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا٥ الّذِينَ يَلُونَكم مِن الكُفَّارِ﴾ ٦.

стр. 19

ثمَّ أوجب الله الْجِهَاد فَقَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمْ﴾ ١. وَقَالَ: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وثِقَالاً وَجَاهِدُوا بأَمْوالِكُمْ﴾ ٢.٣. وَقَالَ: ﴿إلاّ تَنفِرُوا٤ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَليِماً﴾ ٥. وَالْجهَاد الْيَوْم فرض على الْكِفَايَة٦ ٧، إِذا كَانَ الْكفَّار قارين فِي بِلَادهمْ، فَإِذا خرج من تقع بهم الْكِفَايَة سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ وَاخْتلفُوا فِي أَنه هَل كَانَ فرضا على الْعين٨ فِي عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٩؟

стр. 20

مِنْهُم من قَالَ: كَانَ فرضا على الْعين١ لقلَّة الْمُسلمين وَكَثْرَة الْمُشْركين بِدَلِيل أَن الله - تَعَالَى - ألحق الْوَعيد بِمن لم يُجَاهد فَقَالَ: ﴿إلاّ تَنفِرُوا يُعَذِّبَكُمْ عَذَاباً ألِيماً﴾ ٢. وَمِنْهُم من قَالَ كَانَ فرضا على الْكِفَايَة والوعيد لمن ترك إِجَابَة النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم ٣ فَإِن إجَابَته وَاجِبَة على كل من دَعَاهُ وَإِن كَانَ فِي الصَّلَاة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُهَا الّذِينَ آمنُوا استَجِيُبوا للهِ وللِرّسُولِ﴾ ٤.

стр. 21

فصل: فِي حكم الْجِهَاد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الّذِينَ لَا يَجِدوَن مَا يُنفِقُونَ حَرَجُُ﴾ ١ الْآيَة٢. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجُُ َولَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجُُ﴾ ٣ الْآيَة. الْجِهَاد مَعَ الْمُشْركين فرض فِي الْجُمْلَة ٤ لقَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم الْقِتَالُ﴾ ٥. وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى فرض عين وَفرض كِفَايَة. فَفرض الْعين٦: أَن يدْخل الْكفَّار دَار قوم من الْمُسلمين أَو نزلُوا بَاب بلدهم فَيجب على الْمُكَلّفين من الرِّجَال من أهل ذَلِك الْبَلَد الْجِهَاد يَسْتَوِي فِيهِ الْفَقِير والغني وَالْحر وَالْعَبْد للدَّفْع عَن أنفسهم وجيرانهم، وعَلى العبيد الْخُرُوج بِغَيْر إِذن ساداتهم٧ هَذَا النَّوْع على من قرب مِنْهُم

стр. 22

فرض على الْعين، وَهُوَ فِي حق من بعد فرض على الْكِفَايَة. فَإِن وَقعت الْكِفَايَة بِمن قرب مِنْهُم لَا يجب على من بعد بل يسْتَحبّ فَإِن١ لم تقع بهم الْكِفَايَة يجب على من بعد إِذا لم يكن لَهُم٢ عذر وَلَا يجوز لمن قرب من الْكفَّار أَن يؤخروا قِتَالهمْ مَعَ الْإِمْكَان إِلَى أَن يحضر الأبعدون٣، ثمَّ من كَانَ على أقل من مَسَافَة الْقصر عَلَيْهِ الْخُرُوج إِذا وجد الزَّاد، وعَلى من كَانَ على مَسَافَة الْقصر فَأكْثر إِذا وجد الزَّاد٤ وَالرَّاحِلَة٥. وَكَذَلِكَ إِذا دخلُوا دَار الْإِسْلَام وَلم يهجموا على بلد، فعلى من دون مَسَافَة الْقصر الْخُرُوج إِلَى جهادهم إِذا وجد٦ الزَّاد، وعَلى من فَوْقهَا إِذا وجد٧ الزَّاد وَالرَّاحِلَة، وَلَا يدْخل فِي هَذَا الْقسم العبيد وَلَا الْفُقَرَاء لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وأنفُسِكُمْ﴾ ٨ وَالْفَقِير لَا مَال لَهُ، وَالْعَبْد لَا يملك نَفسه بل هُوَ

стр. 23

ملك للسَّيِّد وخدمة السَّيِّد فرض عَلَيْهِ مُتَعَيّن، وَالْجهَاد هَهُنَا١ فرض على الْكِفَايَة فَأَما النِّسَاء٢ وَغير الْمُكَلّفين من الصّبيان والمجانين والضعفاء فَلَا جِهَاد عَلَيْهِم٣، لقَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجُُ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجُُ وَلَا عَلَى الَمِرَيض حَرَجُُ﴾ ٤. وَفرض الْكِفَايَة قِسْمَانِ: أَحدهمَا: يكون على الْمُسلمين وَهُوَ مَا ذكرنَا، أَن الْعَدو إِذا دخلُوا دَار السَّلَام فيفرض على من بَعدُ مِنْهُم فرض كِفَايَة٥، فَإِن٦ قَامَ بِهِ من تقع بِهِ الْكِفَايَة سقط٧ الْفَرْض عَن الآخرين. وَإِن قعد عَنهُ كلهم عصوا جَمِيعًا كرد السَّلَام، وَالصَّلَاة على الْمَيِّت وَدَفنه وَالْقِيَام بتَعَلُّم الْعلم، فرض على الْكِفَايَة، إِذا سلم على جمَاعَة فَرَدَّ وَاحِد ٨ مِنْهُم سقط ٩ الْفَرْض عَن البَاقِينَ، وَإِذا قَامَ بدفن الْمَيِّت وَالصَّلَاة عَلَيْهِ من تقع بِهِ

стр. 24

الْكِفَايَة أَو قَامَ بتَعَلُّم الْعلم من تقع بِهِ١ الْكِفَايَة سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ وَإِلَّا عصوا جَمِيعًا وَالدَّلِيل على أَنه فرض على الْكِفَايَة قَوْله تَعَالَى ٢: ﴿لَا يَسْتوي القَاعِدونَ مِنَ المُؤْمنِيِنَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ﴾ ٣. إِلَى قَوْله تَعَالَى٤: ﴿وَكُلاً٥ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى﴾ ٦. ذكر فضل الْمُجَاهدين ثمَّ وعد الْحسنى لمن جَاهد وَلمن قعد، وَلَو٧ كَانَ فرضا على الْعين لم يكن يعد الْحسنى لمن قعد وَترك الْفَرْض. وَالْقسم٨ الثَّانِي من فروض الْكِفَايَة: يكون على الإِمَام وَهُوَ أَن يكون الْكفَّار قارين فِي بِلَادهمْ لم يقصدوا الْمُسلمين وَلَا بَلَدا من بِلَادهمْ فعلى الإِمَام أَن لَا يخل كل سنة من٩ غَزْوَة يغزوها بِنَفسِهِ أَو بسراياه حَتَّى لَا يكون الْجِهَاد معطلاً، فَإِن١٠ فعل فِي كل عَام مرَارًا كَانَ أفضل لما فِيهِ من قُوَّة الْإِسْلَام وقمع أهل الشّرك فَإِن لم يفعل فأقله مرّة فِي كل سنة١١، لِأَن١٢ النَّبِي كَانَ لَا يدع

стр. 25

ذَلِك١، وَلِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى مَال يتعيش٢ بِهِ هُوَ٣ والجند، وَلَا وَجه إِلَّا من الْجِهَاد. قَالَ الشَّافِعِي٤ رَحمَه الله٥: "وَلَا يدع ذَلِك فِي كل سنة، إلاّ لضَرُورَة أَو عذر"٦؛ فالضرورة أَن يكون فِي الْمُسلمين ضعف وَفِي الْأَعْدَاء كَثْرَة يخَاف٧ الاصطلام٨ لَو ابتدأهم٩ بِالْقِتَالِ فَهُوَ مُضْطَر إِلَى تَركه.

стр. 26

والعذر١ أَن يكون فِي الطَّرِيق ضيق وَقلة علف فيؤخر إِلَى إِدْرَاك الْغلَّة أَو يَرْجُو مدَدا يلحقهم أَو يَرْجُو إِسْلَام قوم لَو ترك قِتَالهمْ فَيجوز التَّأْخِير٢. كَمَا أخر النَّبِي ﷺ عَام الْحُدَيْبِيَة٣ ٤. وَإِنَّمَا يجب فرض الْكِفَايَة على من وجد أهبة الْخُرُوج من الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَوجد٥ نَفَقَة الذّهاب وَالرُّجُوع لَهُ وَلمن٦ تلْزمهُ نَفَقَته٧ فَإِن لم يجد فَلَيْسَ لَهُ أَن يتَطَوَّع بِالْخرُوجِ، ويدع الْفَرْض. وكل عذر يمْنَع وجوب الْحَج يمْنَع وجوب الْجِهَاد إِلَّا الْخَوْف فَإِنَّهُ يمْنَع وجوب الْحَج وَلَا يمْنَع وجوب الْجِهَاد، لِأَن الْجِهَاد يجب للخوف٨ ٩.

стр. 27

فصل: فِي الْأَعْذَار١: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلَا عَلَى اَلْمَرْضَى وَلَا عَلَى الّذِين لَا يَجِدُونَ مَا يُنفقُونَ حَرَجُُ﴾ ٢. وَقَالَ تَعَالَى٣: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجُ ولَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجُُ وَلا عَلَى المَرِيَض حَرَجٌ﴾ ٤. لَا يجب٥ الْجِهَاد على المعذورين من النِّسَاء وَغير الْمُكَلّفين من الصّبيان والمجانين، وَلَا على الضُّعَفَاء٦، وحدّه أَن من كَانَ بِهِ عِلّة لَا يُمكنهُ الْمُحَاربَة مَعهَا والثبوت٧ على الدَّابَّة إِلَّا بِمَشَقَّة شَدِيدَة٨ فَلَا جِهَاد عَلَيْهِ فَلَا يجب الْجِهَاد على النِّسَاء لِأَنَّهُنَّ يضعفن عَن الْقِتَال. سَأَلت عَائِشَة٩ ﵂ ١٠ رَسُول الله ﷺ

стр. 28

فَقَالَت١: هَل على النِّسَاء جِهَاد قَالَ: "نعم جِهَاد لَا شوك فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة" ٢ فَدلَّ على٣ أَن الْجِهَاد الَّذِي فِيهِ شوك وَهُوَ السِّلَاح٤ والقتال لَا يلزمهن وَكَذَلِكَ لَا يجب على الْخُنْثَى الْمُشكل لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أَنه رجل٥. وَلَا يجب على الصّبيان والمجانين٦، لما رُوِيَ عَن عَليّ٧ ﵁ ٨

стр. 29

أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث١ عَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يفِيق وَعَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ"٢. وَرُوِيَ عَن عبد الله بن الزبير٣ " أَن النَّبِي ﷺ رد يَوْم بدر نَفرا من أَصْحَابه استصغرهم " ٤ ٥. وَلَا يجب على الْأَعْمَى لقَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعَمَى حَرَجُُ﴾ ٦.

стр. 30

وَيجب على الْأَعْوَر والأعشى وَهُوَ الَّذِي يبصر بِالنَّهَارِ دون اللَّيْل فَإِن١ كَانَ فِي بَصَره سوء نظر٢ إِن كَانَ يدْرك الشَّخْص وَمَا يتقيه من السِّلَاح يلْزمه الْجِهَاد وَإِلَّا فَلَا يلْزمه وَلَا يجب على الْأَعْرَج لعَجزه عَن الْقِتَال سَوَاء كَانَ أعرج الرجل الْوَاحِدَة، أَو أعرج الرجلَيْن. وَعند أبي حنيفَة٣ جب على أعرج الرجل الْوَاحِدَة٤ ٥. وَإِن كَانَ الْأَعْرَج يُمكنهُ الْقِتَال على الدَّابَّة وَله دَوَاب لَا يلْزمه لِأَن الدَّوَابّ

стр. 31

إِن١ أهلكت لَا يُمكنهُ الْفِرَار، وَإِن أمكنه الْمَشْي فَيكون نَاقِصا يشق عَلَيْهِ الْقِتَال والهرب. وَإِن٢ كَانَ بِهِ عرج يسير يقدر مَعَه على الرّكُوب وَالْمَشْي والقتال يجب عَلَيْهِ٣. وَلَا يجب على الأقطع٤ والأشل٥ لِأَنَّهُ يحْتَاج فِي الْقِتَال إِلَى يَد يضْرب بهَا وَيَتَّقِي بهَا. وَإِن كَانَ مَقْطُوع أَكثر الْأَصَابِع لَا يجب، وَإِن كَانَ مَقْطُوع الْأَقَل يجب٦ وَلَا يجب على الْمَرِيض الثقيل لِلْآيَةِ٧، ولعجزه عَن الْقِتَال، وَيجب على من بِهِ حمى خَفِيفَة٨ أَو قَلِيل صداع ٩.

стр. 32

وَلَا يجب على الْفَقِير الَّذِي لَا يجد ماينفق فِي طَرِيقه فَاضلا عَن١ نَفَقَة عِيَاله وَمن يلْزمه نَفَقَته٢ لقَوْله تَعَالَى٣: ﴿وَلَا عَلَىَّ الَّذين لَا يَجدُونَ مَا يُنفقُونَ حرَج﴾ ٤. وَإِذا كَانَ الْقِتَال على مَسَافَة الْقصر وَلم يقدر على مركوب يحملهُ لَا يجب٥؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذاَ مَا أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيه﴾ ٦. فَإِن بذل لَهُ الإِمَام مركوباً يجب أَن يقبل ويجاهد لِأَن مَا يُعْطِيهِ الإِمَام حَقه، وَإِن بذل لَهُ٧ غَيره لَا يلْزمه الْقبُول لِأَنَّهُ اكْتِسَاب مَال تجب بِهِ الْعِبَادَة فَلَا يجب كاكتساب المَال لِلْحَجِّ وَالزَّكَاة٨ ٩. وَإِن كَانَ عَلَيْهِ دين حَال١٠ فَلَيْسَ لَهُ أَن يُجَاهد بِغَيْر إِذن غَرِيمه١١.

стр. 33

رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ١ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ٢: "يغْفر للشهيد كل ذَنْب إِلَّا الدّين"٣. وَإِن٤ استناب من يَقْضِيه بِمَال حَاضر جَازَ أَن يخرج؛ لِأَن الْغَرِيم يصل إِلَى حَقه فِي الْحَال٥، وَإِن كَانَ من مَال غَائِب لم يجز لِأَنَّهُ قد٦ يتْلف قبل وُصُوله إِلَيْهِ٧، وَإِن كَانَ الدّين مُؤَجّلا فَوَجْهَانِ٨.

стр. 34

وَقيل: إِن لم يخلف وَفَاء فَلَيْسَ لَهُ أَن يخرج إِلَّا بِإِذن رب الدّين، ولرب المَال١ مَنعه٢ وَإِن خلف وَفَاء فَفِيهِ وَجْهَان ٣: أَحدهمَا ٤: لَهُ أَن يُجَاهد دون إِذْنه، لِأَنَّهُ يتْرك مَا يقْضى بِهِ الدّين. وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ٥ لِأَنَّهُ رُبمَا يقتل ويتلف المَال فيضيع حق صَاحب الدّين. وَهَذَا بِخِلَاف مَا لَو أَرَادَ الْمَدْيُون سفرا آخر سوى الْجِهَاد وَالدّين مُؤَجل لَيْسَ٦ لصَاحب الدّين مَنعه وَإِن لم يبْق من الْأَجَل إِلَّا يَوْم لِأَن الظَّاهِر من ذَلِك السّفر السَّلامَة والمجاهد يعرض نَفسه للْقَتْل طلبا للشَّهَادَة، وَإِذا قتل يضيع حق صَاحب الدّين وَلَو كَانَ على أحد من المرتزقة٧ دين مُؤَجل فَهَل لَهُ الْخُرُوج بِغَيْر إِذن من لَهُ الدّين إِذا لم يخلف وَفَاء، فِيهِ وَجْهَان٨: أَحدهمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِك كَغَيْر المرتزقة.

стр. 35

وَالثَّانِي: لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ قد اسْتحق عَلَيْهِ هَذَا الْخُرُوج بكتبه اسْمه فِي الدِّيوَان، وَلَعَلَّه لَا يُمكنهُ أَدَاء الدّين إِلَّا بِمَا يجْرِي عَلَيْهِ من الرزق أَو بِمَا يُصِيب من الْغَنِيمَة. وَإِن كَانَ لَهُ أَبَوَانِ مسلمان لَا يُجَاهد إِلَّا بإذنهما. وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ أَحدهمَا مُسلما لَا يُجَاهد إِلَّا بِإِذْنِهِ١. لما رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فاستأذنه فِي الْجِهَاد فَقَالَ: "أَحَي والداك؟ قَالَ: نعم، قَالَ "ففيهما فَجَاهد"٢. وَرُوِيَ: "فَارْجِع إِلَى والديك فَأحْسن صحبتهما"٣. لِأَن الْجِهَاد فرض على الْكِفَايَة يَنُوب فِيهِ غَيره عَنهُ٤ وبر الْوَالِدين مُتَعَيّن عَلَيْهِ فَلَا يجوز تَركه لفرض كِفَايَة. وَإِن لم يكن لَهُ أَبَوَانِ وَله جد أَو جدة فَلَا يُجَاهد إِلَّا بإذنهما كالأبوين ٥ وَإِن كَانَ لَهُ أَبَوَانِ٦ وجد وَجدّة فَهَل يلْزمه اسْتِئْذَان الْجد مَعَ الْأَب واستئذان الْجدّة مَعَ الْأُم فِيهِ وَجْهَان٧:

стр. 36

أَحدهمَا: لَا لِأَنَّهُمَا محجوبان. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَح يلْزم لِأَن بر الْجد وَالْجدّة١ لَا يسْقط بالأبوين وَلَا تنقص شفقتهما بالأبوين. وَإِن كَانَ الأبوان كَافِرين فَلهُ أَن يُجَاهد بِغَيْر إذنهما، لِأَنَّهُ لَا تطيب أَنفسهمَا بِقِتَال٢ أهل دينهما٣. وَإِن٤ كَانَا مملوكين فَفِيهِ وَجْهَان٥: أَحدهمَا: لَهُ أَن يُجَاهد دون إذنهما لِأَنَّهُ لَا حكم لَهما فِي أَنفسهمَا فَلَا يعْتَبر إذنهما لغَيْرِهِمَا. وَالثَّانِي: هُوَ الْأَصَح عِنْدِي لَا يُجَاهد إِلَّا بإذنهما لِأَن الْمَمْلُوك كَالْحرِّ فِي الْبر والشفقة. وَإِن كَانَ الْجِهَاد فرضا مُتَعَيّنا بِأَن أحَاط الْعَدو بهم أَو هجموا على بلد فَعَلَيهِ أَن يُجَاهد بِغَيْر إِذن الْأَبَوَيْنِ وَصَاحب الدّين لِأَن ترك الْجِهَاد هَهُنَا يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك٦. فَحَيْثُ قُلْنَا لَا يخرج إِلَّا بِإِذن أهل الدّين والأبوين فَخرج بِغَيْر إذْنهمْ عَلَيْهِ أَن يرجع قبل حُضُور الْوَقْعَة والتقاء الزحفين٧ إِلَّا أَن يخَاف على نَفسه فِي الرُّجُوع فَلَا يرجع٨.

стр. 37

وَإِن كَانَ بعد حُضُور الْوَقْعَة هَل لَهُ أَن يرجع فِيهِ وَجْهَان١: أَحدهمَا: عَلَيْهِ أَن يرجع لِأَن ابْتِدَاء خُرُوجه كَانَ مَعْصِيّة. وَالثَّانِي: لَا يجوز أَن يرجع لِأَنَّهُ افْترض عَلَيْهِ الْجِهَاد بِحُضُور الْوَقْعَة وَإِن خرج بِإِذن الْأَبَوَيْنِ وبإذن الْغَرِيم ثمَّ رجعا، أَو كَانَ الأبوان كَافِرين فَخرج بِغَيْر إذنهما ثمَّ أسلما وَلم يأذنا. فَإِن كَانَ بعد حُضُور الْوَقْعَة فَلَا يجوز أَن يرجع٢ لِأَنَّهُ افْترض عَلَيْهِ الْجِهَاد٣. وَإِن كَانَ قبل حُضُور الْوَقْعَة عَلَيْهِ أَن يرجع إِلَّا أَن يكون قد دخل دَار الْحَرْب وَخَافَ على نَفسه من الْكفَّار، أَو يخْشَى انكسار قُلُوب الْمُسلمين بِرُجُوعِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع٤. وَإِذا ٥ خرج العَبْد إِلَى الْجِهَاد بِإِذن الْمولى لَهُ أَن ينْصَرف قبل حُضُور الْوَقْعَة وَبعده فَلَا؛ لِأَن فِيهِ ضَرَرا بِالْمُسْلِمين٦ ٧.

стр. 38

وَمن حدث بِهِ ١ عذر من مرض أَو غَيره فَلهُ أَن يرجع قبل حُضُور الْوَقْعَة وَبعده لَا يرجع٢. قَالَ الشَّيْخ ٣ ﵀ ٤: "عِنْدِي إِذا مرض رَجَعَ ٥. وَإِن قل سلاحه بعد حُضُور الْوَقْعَة لَهُ أَن يرجع ٦. وَإِن مَاتَ فرسه إِن أمكنه ٧ أَن يُقَاتل رَاجِلا لَا يرجع ٨ وَإِلَّا رَجَعَ" ٩.

стр. 39

فصل: فِي الإِمَام إِذا بعث سَرِيَّة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطيعُوا الَّرسُولَ وَأُوِلى الأَمرِ مِنكُمْ﴾ ١ الْآيَة٢. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: "نزلت فِي عبد الله بن حذافة٣ إِذْ بَعثه النَّبِي ﷺ فِي سَرِيَّة٤. وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة ٥ عَن أَبِيه٦. قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا

стр. 40

أمرّ أَمِيرا على جَيش أَو سَرِيَّة أوصاه فِي خاصته بتقوى الله وَمن مَعَه١ من الْمُسلمين خيرا٢. يكره الْغَزْو بِغَيْر إِذن الإِمَام أَو الْأَمِير من قبله، لِأَن الإِمَام والأمير أعرف بِأَمْر الْغَزْو ومصالحه من غَيره. فَلَو غزا قوم دون٣ إِذْنه جَازَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من التَّغْرِير بِالنَّفسِ٤ وَذَلِكَ جَائِز فِي الْجِهَاد٥؛ لِأَن٦ النَّبِي ﷺ بعث عَمْرو٧ ابْن أُميَّة الضمرِي٨ ورجلاً من الْأَنْصَار٩ سَرِيَّة وَحدهَا١٠. وَبعث عبد الله ابْن أنيس١١ سَرِيَّة
следующие страницы →