← Фикх шафии

Фикх шафии · id 3637

التهذيب في الفقه الشافعي - كتاب السير منه

البغوي، أبو محمد

Полный текст (117 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أَحدهمَا: لَا لِأَنَّهُمَا محجوبان. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَح يلْزم لِأَن بر الْجد وَالْجدّة١ لَا يسْقط بالأبوين وَلَا تنقص شفقتهما بالأبوين. وَإِن كَانَ الأبوان كَافِرين فَلهُ أَن يُجَاهد بِغَيْر إذنهما، لِأَنَّهُ لَا تطيب أَنفسهمَا بِقِتَال٢ أهل دينهما٣. وَإِن٤ كَانَا مملوكين فَفِيهِ وَجْهَان٥: أَحدهمَا: لَهُ أَن يُجَاهد دون إذنهما لِأَنَّهُ لَا حكم لَهما فِي أَنفسهمَا فَلَا يعْتَبر إذنهما لغَيْرِهِمَا. وَالثَّانِي: هُوَ الْأَصَح عِنْدِي لَا يُجَاهد إِلَّا بإذنهما لِأَن الْمَمْلُوك كَالْحرِّ فِي الْبر والشفقة. وَإِن كَانَ الْجِهَاد فرضا مُتَعَيّنا بِأَن أحَاط الْعَدو بهم أَو هجموا على بلد فَعَلَيهِ أَن يُجَاهد بِغَيْر إِذن الْأَبَوَيْنِ وَصَاحب الدّين لِأَن ترك الْجِهَاد هَهُنَا يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك٦. فَحَيْثُ قُلْنَا لَا يخرج إِلَّا بِإِذن أهل الدّين والأبوين فَخرج بِغَيْر إذْنهمْ عَلَيْهِ أَن يرجع قبل حُضُور الْوَقْعَة والتقاء الزحفين٧ إِلَّا أَن يخَاف على نَفسه فِي الرُّجُوع فَلَا يرجع٨.

стр. 37

وَإِن كَانَ بعد حُضُور الْوَقْعَة هَل لَهُ أَن يرجع فِيهِ وَجْهَان١: أَحدهمَا: عَلَيْهِ أَن يرجع لِأَن ابْتِدَاء خُرُوجه كَانَ مَعْصِيّة. وَالثَّانِي: لَا يجوز أَن يرجع لِأَنَّهُ افْترض عَلَيْهِ الْجِهَاد بِحُضُور الْوَقْعَة وَإِن خرج بِإِذن الْأَبَوَيْنِ وبإذن الْغَرِيم ثمَّ رجعا، أَو كَانَ الأبوان كَافِرين فَخرج بِغَيْر إذنهما ثمَّ أسلما وَلم يأذنا. فَإِن كَانَ بعد حُضُور الْوَقْعَة فَلَا يجوز أَن يرجع٢ لِأَنَّهُ افْترض عَلَيْهِ الْجِهَاد٣. وَإِن كَانَ قبل حُضُور الْوَقْعَة عَلَيْهِ أَن يرجع إِلَّا أَن يكون قد دخل دَار الْحَرْب وَخَافَ على نَفسه من الْكفَّار، أَو يخْشَى انكسار قُلُوب الْمُسلمين بِرُجُوعِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع٤. وَإِذا ٥ خرج العَبْد إِلَى الْجِهَاد بِإِذن الْمولى لَهُ أَن ينْصَرف قبل حُضُور الْوَقْعَة وَبعده فَلَا؛ لِأَن فِيهِ ضَرَرا بِالْمُسْلِمين٦ ٧.

стр. 38

وَمن حدث بِهِ ١ عذر من مرض أَو غَيره فَلهُ أَن يرجع قبل حُضُور الْوَقْعَة وَبعده لَا يرجع٢. قَالَ الشَّيْخ ٣ ﵀ ٤: "عِنْدِي إِذا مرض رَجَعَ ٥. وَإِن قل سلاحه بعد حُضُور الْوَقْعَة لَهُ أَن يرجع ٦. وَإِن مَاتَ فرسه إِن أمكنه ٧ أَن يُقَاتل رَاجِلا لَا يرجع ٨ وَإِلَّا رَجَعَ" ٩.

стр. 39

فصل: فِي الإِمَام إِذا بعث سَرِيَّة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطيعُوا الَّرسُولَ وَأُوِلى الأَمرِ مِنكُمْ﴾ ١ الْآيَة٢. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: "نزلت فِي عبد الله بن حذافة٣ إِذْ بَعثه النَّبِي ﷺ فِي سَرِيَّة٤. وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة ٥ عَن أَبِيه٦. قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا

стр. 40

أمرّ أَمِيرا على جَيش أَو سَرِيَّة أوصاه فِي خاصته بتقوى الله وَمن مَعَه١ من الْمُسلمين خيرا٢. يكره الْغَزْو بِغَيْر إِذن الإِمَام أَو الْأَمِير من قبله، لِأَن الإِمَام والأمير أعرف بِأَمْر الْغَزْو ومصالحه من غَيره. فَلَو غزا قوم دون٣ إِذْنه جَازَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من التَّغْرِير بِالنَّفسِ٤ وَذَلِكَ جَائِز فِي الْجِهَاد٥؛ لِأَن٦ النَّبِي ﷺ بعث عَمْرو٧ ابْن أُميَّة الضمرِي٨ ورجلاً من الْأَنْصَار٩ سَرِيَّة وَحدهَا١٠. وَبعث عبد الله ابْن أنيس١١ سَرِيَّة

стр. 41

وَحده١. وَإِذا بعث الإِمَام سَرِيَّة يُؤمر عَلَيْهِم أَمِيرا ٢ وَيَأْمُرهُمْ بِطَاعَتِهِ ويوصيه فِي حَقهم رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة٣ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله وَمن عَصَانِي فقد عصى الله، وَمن يطع الْأَمِير فقد أَطَاعَنِي، وَمن يعْص٤ الْأَمِير فقد عَصَانِي" ٥. وعَلى الإِمَام أَن يبْدَأ بِقِتَال من يَلِيهِ٦ من الْكفَّار لقَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يلوُنَكُم مِنَ الكُفَارِ﴾ ٧. وَلِأَنَّهُم أهْدى إِلَى عورات الْمُسلمين، والمؤنة فِي قِتَالهمْ أخف فَإِن كَانَ الْخَوْف من الْأَبْعَد أَكثر بَدَأَ بقتالهم ٨ ويوادع من يَلِيهِ ٩ حَتَّى يَأْمَن

стр. 42

شرهم فِي الْغَيْبَة١ فَإِن النَّبِي ﷺ وادع يهود الْمَدِينَة ٢ وغزا قُريْشًا٣. وَلَا يجوز اسْتِئْجَار الْمُسلم على الْغَزْو٤ لِأَنَّهُ إِذا حضر الْوَقْعَة ٥ يفترض عَلَيْهِ الْجِهَاد، وَلَا يجوز أَخذ الْأُجْرَة على أَدَاء الْفَرْض٦. كَمَا لَا يجوز اسْتِئْجَار الصرورة ٧ على الْحَج لِأَن الْحَج فرض عَلَيْهِ. وَإِذا أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهِ رده.

стр. 43

أما إِذا ١ جهز غازياً بِأَن٢ أعطَاهُ مركوبه وسلاحه أَو الإِمَام٣ دفع من بَيت المَال فَحسن٤. رُوِيَ عَن زيد بن خَالِد٥ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "من جهز غازياً فِي سَبِيل الله فقد غزا" ٦. وَمَا يَأْخُذهُ المرتزقة من مَال الْفَيْء ٧ فَهُوَ حَقهم لَيْسَ بِأُجْرَة ٨: وَيجوز للْإِمَام اسْتِئْجَار الذِّمِّيّ ٩ للْجِهَاد١٠. وَلَا يجوز ذَلِك لغير الإِمَام بِغَيْر إِذْنه١١، وَتَكون أجرته من خُمس الْخمس

стр. 44

سهم الْمصَالح١. وَهل يجوز اسْتِئْجَار العَبْد الْمُسلم على الْغَزْو للْإِمَام أَو لغيره فِيهِ وَجْهَان٢: أَحدهمَا: يجوز؛ لِأَنَّهُ لَا يفترض عَلَيْهِ بِحُضُور٣ الْوَقْعَة. وَالثَّانِي: لَا يجوز لِأَنَّهُ قد يفترض٤ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة عِنْد اسْتِيلَاء الْكفَّار على بِلَاد الْإِسْلَام. وَلَو أكره الإِمَام جمَاعَة من الْمُسلمين على الْغَزْو، فَإِن تعين عَلَيْهِم لجهاد فَلَا أُجْرَة لَهُم، وَإِن لم يتَعَيَّن عَلَيْهِم فعلى الإِمَام أجرتهم من حِين أخرجهم ٥ إِلَى حُضُور الْوَقْعَة، وَلَا يجب لما بعده أُجْرَة٦ ٧. وَلَو أكره جمَاعَة من أهل الذِّمَّة عَلَيْهِ أجرتهم من حِين أخرجهم إِلَى حُضُور الْوَقْعَة ٨ إِلَى يَوْم خلاهم وَلَا تجب أُجْرَة الرُّجُوع ٩.

стр. 45

وَلَو أكره جمَاعَة من العبيد عَلَيْهِ أجرتهم من يَوْم أخرجهم إِلَى أَن يعودوا إِلَى الموَالِي؛ لِأَن مَنْفَعَة العَبْد تضمن بِالْيَدِ١. وَيجوز للْإِمَام أَن يَأْذَن للمشرك فِي الْغَزْو إِذا رَآهُ حسن الرَّأْي فِي الْمُسلمين وَأَن يَسْتَعِين بهم على قتال الْمُشْركين إِذا كَانَ بِالْمُسْلِمين قُوَّة إِذا ٢ انْضَمَّ بَعضهم إِلَى بعض قاومهم الْمُسلمُونَ٣. فَإِن النَّبِي ﷺ غزا بيهود ٤ بني قينقاع بعد بدر ٥ ٦، وَشهد مَعَه

стр. 46

صَفْوَان١ حَرْب حنين٢ وَهُوَ مُشْرك٣. فَإِن لم يعرف مِنْهُ حسن الرَّأْي لَا يَسْتَعِين بِهِ. رَوَت عَائِشَة - رضى الله عَنْهَا - أَن رَسُول الله ﷺ خرج إِلَى بدر فَتَبِعَهُ رجل من الْمُشْركين قَالَ: "تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله" قَالَ: لَا، قَالَ: "فَارْجِع فَلَنْ أستعين بمشرك" ٤. وَيمْنَع الإِمَام من الْخُرُوج من كَانَ من أهل النِّفَاق وَمن يخذل الْجَيْش ويرجف بهم٥ ويكاتب الْكفَّار ويتجسس لَهُم٦.

стр. 47

قَالَ الله تَعَالَى: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ١ إِلَى أَن قَالَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّازَادُوكُمْ إلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يبغُونَكُمُ الْفِتَنَة﴾ ٢. وَيجوز أَن يَأْذَن للنِّسَاء فِي الْخُرُوج. رُوِيَ عَن أنس٣ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَغْزُو بِأم سليم ٤ ونسوة من الْأَنْصَار مَعَه فيسقين المَاء ويداوين الْجَرْحى ٥. وَقَالَت أم عَطِيَّة ٦ غزوت مَعَ رَسُول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم فِي رحالهم فأصنع لَهُم الطَّعَام وأداوي الْجَرْحى وأقوم على المرضى ٧.

стр. 48

وَيجوز أَن يَأْذَن لمن اشْتَدَّ من الصّبيان لِأَن فيهم١ مَعُونَة. وَلَا يَأْذَن لمَجْنُون؛ لِأَنَّهُ يعرضه للهلاك من غير مَنْفَعَة، ويتعاهد الْخَيل عِنْد الْخُرُوج حَتَّى لَا يخرج إِلَّا فرسا قَوِيا صَالحا لِلْقِتَالِ٢. وَيَأْخُذ الْبيعَة على الْجَيْش أَن لَا يَفروا ٣. لما رُوِيَ عَن جَابر٤ قَالَ: "كُنَّا يَوْم الْحُدَيْبِيَة ألفا وَأَرْبَعمِائَة فَبَايَعْنَاهُ تَحت الشَّجَرَة على أَن لَا نفر" ٥. وَيَنْبَغِي أَن يبْعَث الطَّلَائِع ٦ وَمن يتجسس ٧ ٨ أَخْبَار الْكفَّار. لما رُوِيَ عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله يَوْم الخَنْدَق ٩ " من يأتيني

стр. 49

بِخَبَر القو م"؟ فَقَالَ الزبير١: أَنا، فَقَالَ: إِن لكل نَبِي حواريّ٢، وحواريّي الزبير٣. وَيسْتَحب أَن يخرج يَوْم الْخَمِيس. لما رُوِيَ عَن كَعْب بن مَالك ٤ أَن النَّبِي ﷺ خرج يَوْم الْخَمِيس فِي غَزْوَة تَبُوك ٥ وَقَالَ ٦: "قلّما كَانَ رَسُول الله يخرج فِي سفر إِلَّا يَوْم الْخَمِيس ٧. وَقَالَ ٨ وقلّما يقدم من سفر إِلَّا ضحى وَكَانَ يبْدَأ بِالْمَسْجِدِ فيركع فِيهِ٩ رَكْعَتَيْنِ١٠.

стр. 50

وَرُوِيَ١ عَن صَخْر الغامدي٢ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها "، وَكَانَ إِذا بعث سَرِيَّة أَو جَيْشًا بَعثهمْ من أول النَّهَار٣. وَيسْتَحب أَن يعْقد الرَّايَات، وَيجْعَل تَحت كل راية طَائِفَة، وَيجْعَل لكل قوم شعاراً حَتَّى لايقتل بَعضهم بَعْضًا فِي البيات ٤. رُوِيَ ٥ أَن رَسُول ٦ الله ﷺ قَالَ: "إِذا بَيتكُمْ الْعَدو فَلْيَكُن شِعَاركُمْ حم

стр. 51

لَا ينْصرُونَ" ١ ٢. وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب٣ قَالَ: " كَانَ شعار الْمُهَاجِرين عبد الله وشعار الْأَنْصَار عبد الرَّحْمَن" ٤.

стр. 52

وَقَالَ سَلمَة بن الْأَكْوَع ١: غزونا مَعَ أبي بكر٢ ﵁ ٣ زمن النَّبِي ﷺ ٤ فبيتناهم نقتلهم ٥ فَكَانَ شعارنا تِلْكَ اللَّيْلَة أمت أمت٦. وَيسْتَحب أَن يدْخل دَار ٧ الْحَرْب بتعبية الْحَرْب ٨ ليَكُون أحوط وأبلغ

стр. 53

فِي إرهاب الْعَدو. رُوِيَ١ عَن ابْن عَبَّاس فِي قصَّة الْفَتْح قَالَ: أسلم أَبُو سُفْيَان ٢. فَقَالَ النَّبِي ﷺ للْعَبَّاس٣: "احْبِسْ أَبَا سُفْيَان على الْوَادي حَتَّى تمر بِهِ٤ جنود الله" فحبسه وَمَرَّتْ ٥ الْقَبَائِل على راياتها حَتَّى مر رَسُول الله ﷺ فِي الكتيبة الخضراء ٦ فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار لَا ترى مِنْهُم إِلَّا الحدق من الْحَدِيد ٧. وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم الْفَتْح فَجعل خَالِد بن

стр. 54

الْوَلِيد١ على المجنبة الْيُمْنَى، وَجعل الزبير على المجنبة الْيُسْرَى، وَجعل أَبَا عبيده٢ على البياذقة٣ وبطن الْوَادي٤ ٥. وَإِذا كَانَ الْعَدو مِمَّن لم تبلغهم الدعْوَة لم يجز قِتَالهمْ حَتَّى يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام لِأَنَّهُ لَا يلْزمهُم الْإِسْلَام قبل بُلُوغ الْخَبَر إِلَيْهِم. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِبِين حَتَّى نَبْعثَ رَسُولاً﴾ ٦. وَإِن بلغتهم الدعْوَة فالمستحب٧ أَن يعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام ٨. لما رُوِيَ عَن سهل بن سعد ٩ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم خَيْبَر١٠

стр. 55

لعَلي١: "انفذ على رسلك حَتَّى تنزل بِسَاحَتِهِمْ ثمَّ ادعهم إِلَى الْإِسْلَام وَأخْبرهمْ٢ بِمَا يجب عَلَيْهِم من حق الله فِيهِ٣ فوَاللَّه لِأَن يهدي الله بك رجلا وَاحِدًا خير لَك ٤ من أَن يكون لَك حمر النعم" ٥ ٦. وَلَو قَاتلهم من غير أَن يعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام جَازَ لأَنهم علموه ٧. رُوِيَ ٨ عَن نَافِع ٩ قَالَ: أغار النَّبِي ﷺ على بني المصطلق١٠ وهم غَارونَ١١ ١٢.

стр. 56

ثمَّ إِن كَانَ من الْكفَّار الَّذين لَا يجوز إقرارهم بالجزية قَاتلهم حَتَّى يسلمُوا١ لما رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا "٢. وَإِن كَانُوا مِمَّن يجوز إقرارهم بالجزية قَاتلهم حَتَّى يسلمُوا أَو يبذلوا الْجِزْيَة٣ لقَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالَيَوْمِ الآخِرِ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيةَ عَنْ يدِِ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٤. وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ رَسُول الله ٥ ﷺ إِذا أمّر أَمِيرا على جَيش أَو سَرِيَّة قَالَ: "إِذا لقِيت عَدوك٦ من الْمُشْركين فادعهم إِلَى ثَلَاث خِصَال فأيتهن٧ أجابوك فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم، ثمَّ٨ ادعهم٩ إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أجابوك فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم، ثمَّ ادعهم إِلَى التَّحَوُّل من دَارهم إِلَى دَار الْمُهَاجِرين، وَأخْبرهمْ أَنهم إِن فعلوا ذَلِك فَلهم مَا للمهاجرين وَعَلَيْهِم مَا على الْمُهَاجِرين، فَإِن أَبَوا أَن يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا

стр. 57

فَأخْبرهُم١ أَنهم يكونُونَ كأعراب الْمُسلمين يجْرِي عَلَيْهِم حكم الله الَّذِي يجْرِي على الْمُؤمنِينَ، وَلَا يكون لَهُم فِي الْغَنِيمَة٢ والفيء٣ شَيْء إِلَّا أَن يجاهدوا مَعَ الْمُسلمين فَإِن٤ هم أَبَوا فسلهم الْجِزْيَة فَإِن هم٥ أجابوك فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم فَإِن٦ هم أَبَوا فَاسْتَعِنْ بِاللَّه وَقَاتلهمْ" ٧، وَيسْتَحب أَن يستنصر بالضعفاء. لما ٨ رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: "هَل تنْصرُونَ وترزقون إِلَّا بضعفائكم" ٩. وَرُوِيَ١٠ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يستفتح بصعاليك الْمُهَاجِرين١١

стр. 58

وَيسْتَحب أَن يَدْعُو عِنْد لِقَاء الْعَدو. لما١ رُوِيَ عَن عبد الله بن أبي أوفى٢ قَالَ: دَعَا رَسُول الله ﷺ يَوْم الْأَحْزَاب على الْمُشْركين فَقَالَ: " اللَّهُمَّ منزل الْكتاب سريع الْحساب اللَّهُمَّ٣ اهزم الْأَحْزَاب، اللَّهُمَّ اهزمهم وزلزلهم "٤ وَفِي رِوَايَة: "وَانْصُرْنَا عَلَيْهِم "٥. وَرُوِيَ عَن أبي مُوسَى٦ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا خَافَ قوما قَالَ٧: " اللَّهُمَّ إِنَّا نجعلك فِي نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم " ٨ وَالله أعلم ٩.

стр. 59

بَاب: جَامع السّير: فصل: إِذا التقى الصفان وَلَكِن بِمُقَابلَة كل مُسلم مُشْرِكَانِ … بَاب جَامع السّير قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ اَلمؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِانّ لَهُمُ الَجّنةَ﴾ ١ الْآيَة. وَرُوِيَ٢ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه٣ قَالَ: "لَا يكلم ٤ أحد فِي سَبِيل الله، وَالله أعلم بِمن يكلم فِي سَبيله إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وجرحه يثعب٥ دَمًا، اللَّوْن لون الدَّم وَالرِّيح ريح الْمسك" ٦. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ المجُاهِدينَ عَلَى القَاعِدِينَ أجْراً عَظِيماً﴾ ٧. وَرُوِيَ٨عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة أعدهَا الله ٩ للمجاهدين فِي سَبِيل الله مَا بَين الدرجتين كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض" ١٠.

стр. 60

وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قيل للنَّبِي ﷺ مَا يعدل الْجِهَاد فِي سَبِيل الله؟ قَالَ: "مثل الْمُجَاهِد١ فِي سَبِيل الله٢ كَمثل الصَّائِم الْقَائِم القانت بآيَات الله لَا يفتر من صِيَام وَلَا صَلَاة حَتَّى يرجع الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله" ٣. وَيَنْبَغِي أَن تكون نِيَّته فِي الْجِهَاد إعلاء كلمة الله وَإِظْهَار دينه. رُوِيَ عَن أبي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ٤: الرجل يُقَاتل للمغنم، وَالرجل للذّكر، وَالرجل يُقَاتل ليرى مَكَانَهُ فَمن فِي سَبِيل الله؟ قَالَ: "من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله" ٥ وَيجب أَن يصبر على الْقِتَال. لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاَثْبِتُوا واذْكُرُوا اللَهَ كَثِيرًا لَعَلّكُم تُفْلِحُونَ﴾ ٦ ٧ إِلَى قَوْله: ﴿واصْبِروا٨ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِريِنَ﴾ ٩.

стр. 61

وَالصَّبْر سَبَب للنصر، وَالظفر وَالْأَجْر، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنَ يَكُنْ مِنْكُم مِائَةُُ صَابِرةُُ يَغْلبُوا مِائَتَين﴾ ١. وَرُوِيَ عَن عبد الله بن أبي أوفى أَن رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَيَّامه الَّتِي لَقِي فِيهَا انْتظر حَتَّى مَالَتْ الشَّمْس ثمَّ قَامَ فِي النَّاس قَالَ٢: " أَيهَا٣ النَّاس لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو ٤، وسلوا الله الْعَافِيَة، فَإِذا لقيتموهم فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَن الْجنَّة تَحت ظلال السيوف " ٥. وَيجب أَن يُقَاتل الْمُشْركين حَتَّى يسلمُوا وَيُقَاتل أهل الْكتاب وَالْمَجُوس حَتَّى يسلمُوا أَو يُعْطوا الْجِزْيَة فَإِن لم يَفْعَلُوا حل قتل رِجَالهمْ وتسبى ٦ نِسَاؤُهُم٧ وذراريهم، وتغنم أَمْوَالهم ٨. وَلَا يجوز قتل نِسَائِهِم وصبيانهم إِذا لم يقاتلوا ٩. لما رُوِيَ عَن ابْن عمر١٠ " أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن قتل النِّسَاء

стр. 62

وَالصبيان" ١. فَمن٢ وَقع فِي الْأسر من نِسَائِهِم وصبيانهم صَار رَقِيقا وَكَانَ حكمه حكم سَائِر أَمْوَال الْغَنِيمَة خمسه لأهل الْخمس وَأَرْبَعَة أخماسه للغانمين، وَكَذَلِكَ حكم عبيدهم إِذا وَقَعُوا فِي الْأسر٣. أما الرِّجَال الْأَحْرَار العاقلون البالغون٤ إِذا وَقَعُوا فِي الْأسر فالإمام فيهم بِالْخِيَارِ بَين أَن يقتلهُمْ صبرا٥، وَبَين أَن يمن عَلَيْهِم فيخلي سبيلهم وَبَين أَن يفاديهم وَيكون مَال الْفِدْيَة فِي الْغَنِيمَة وَبَين أَن يسترقهم فيقسمهم كَسَائِر أَمْوَال الْغَنِيمَة ويختار مِنْهَا مَا هُوَ أَنْفَع للْمُسلمين٦. وَهل يحل قتل شيوخهم الَّذين لَا قتال مِنْهُم٧ نظر إِن كَانَ شَيخا لَهُ رَأْي فِي الْحَرْب جَازَ قَتله٨. قتل دُرَيْد بن الصمَّة٩ يَوْم حنين وَهُوَ ابْن خمس وَمِائَة١٠ سنة وَكَانَ

стр. 63

شَيخا١ لَا يَسْتَطِيع الْجُلُوس فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَلم يُنكر قَتله وَإِن٢ لم يكن لَهُ رَأْي هَل يجوز قَتله؟ فِيهِ قَولَانِ٣. وَكَذَلِكَ العسفاء٤ الَّذين لَا يُقَاتلُون والرهبان ٥ وَأَصْحَاب الصوامع ٦ والعميان والزمنى٧ الَّذين لَا يُرْجَى زَوَال زمانتهم هَل يجوز ٨ قَتلهمْ؟ فِيهِ قَولَانِ ٩: أَحدهمَا: وَهُوَ اخْتِيَار الْمُزنِيّ١٠ ﵀ ١١: لَا يتركون١٢ وَيقْتلُونَ؛

стр. 64

لِأَنَّهُ كَافِر حر مُكَلّف كالشبان. وَالثَّانِي: وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة١ رَحمَه الله٢: "لَا يقتلُون لأَنهم لَا يُقَاتلُون كالنساء وَالصبيان" ٣. رُوِيَ ٤ أَن أَبَا بكر بعث جَيْشًا إِلَى الشَّام فنهاهم عَن قتل الشُّيُوخ وَأَصْحَاب الصوامع ٥. وَمن قَالَ بِالْأولِ أجَاب بِأَنَّهُ إِنَّمَا نهي عَن قَتلهمْ؛ ليشتغلوا بالأهم وهم الْمُقَاتلَة. كَمَا أَنه نهى عَن قطع الْأَشْجَار المثمرة. وَقد كَانَ النَّبِي ٦ ﷺ قطع نخل بني النَّضِير ٧ ٨.

стр. 65

وَلَكِن نهي عَنهُ؛ ليشتغلوا بالأهم وَلِأَنَّهُ كَانَ يَرْجُو إبْقَاء نَفعهَا للْمُسلمين، فَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ وعدهم١ فتح الشَّام. فَإِن قُلْنَا: يقتلُون جَازَ استرقاقهم وَسبي ذَرَارِيهمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ ٢ وَإِن قُلْنَا لَا يقتلُون لَا يجوز استرقاقهم وَسبي نِسَائِهِم وَأَوْلَادهمْ ٣ واغتنام أَمْوَالهم ٤. وَقيل: فِي سبي زوجاتهم وَجْهَان كسبي زَوْجَة الْمُسلم إِذا كَانَت حربية. وَإِذا ترهبت الْمَرْأَة هَل يجوز استرقاقها؟ فِيهِ قَولَانِ بِنَاء على قتل الرجل الراهب ٥. ويتوقى فِي الْقِتَال ٦ قتل قَرِيبه الْكَافِر. فَإِن النَّبِي ﷺ كف أَبَا حُذَيْفَة بن عتبَة ٧ يَوْم بدر عَن قتل

стр. 66

أَبِيه١ ٢ وكف أَبَا بكر يَوْم أحد عَن قتل ابْنه عبد الرَّحْمَن ٣ ٤. فَلَو سمع أَبَاهُ أَو قَرِيبه يذكر الله أَو رَسُوله بِسوء٥ لم يكره أَن يقْتله ٦ ٧. فَإِن أَبَا عبيده بن الْجراح قتل أَبَاهُ وَقَالَ لرَسُول الله ﷺ ٨ كَانَ يسبك فَلم يُنكر عَلَيْهِ ٩.

стр. 67

فصل: إِذا التقى الصفان وَكَانَ بِمُقَابلَة كل مُسلم مُشْرِكَانِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيْتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُولّوهم الأَدْبَارَ﴾ ١ الْآيَة. إِذا التقى الصفان وَكَانَ بِمُقَابلَة كل مُسلم مُشْرِكَانِ فَأَقل لَا يجوز لأحد من الْمُسلمين٢ أَن يولي ظَهره فِرَارًا، فَمن فعل فقد بَاء بغضب من الله إِلَّا أَن يولي متحرفاً لقِتَال: وَهُوَ أَن يكمن٣ فِي مَوضِع وَاحِد ٤ ليكر عَلَيْهِم، أَو كَانَ ٥ الْقِتَال فِي مضيق فيولي دبره ليتبعه الْعَدو إِلَى مَوضِع وَاسع فيسهل ٦ عَلَيْهِ الْقِتَال، أَو متحيزاً إِلَى فِئَة: وَهُوَ أَن يذهب إِلَى طَائِفَة من الْمُسلمين قَليلَة أَو كَثِيرَة قريبَة أَو بعيدَة ٧ ٨ ليستنجده٩ فَلَا يَأْثَم إِذا كَانَ قَصده هَذَا. وَكَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام إِذا كَانَ فِي مُقَابلَة كل مُسلم عشرَة مَا كَانَ يجوز الْفِرَار كَمَا قَالَ الله١٠ تَعَالَى: ﴿إِن يَكُن مِنّكُمْ عِشْرُونَ صَابِرونَ يَغِلبُوا مِائَتَيْن﴾ ١١.

стр. 68

ثمَّ خفف١ الله تَعَالَى فَأوجب على كل مُسلم مصابرة اثْنَيْنِ ٢ ٣. فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِنْكُم مِائَةٌ صَابِرةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾ ٤. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: "من فرّ من ثَلَاثَة فَلم يفر، وَمن فرّ من اثْنَيْنِ فقد فرّ" ٥. وَإِن غلب على ظنهم أَنهم إِن ثبتوا لَهُم هَلَكُوا وَجْهَان ٦: أَحدهمَا: لَهُم أَن يولوا ظُهُورهمْ٧ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأيْديكُمْ إِلَى الّتْهلُكةِ﴾ ٨. وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيح٩ لَيْسَ لَهُم أَن يولوا، لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ ١٠؛ وَلِأَن الْمُجَاهِد إِنَّمَا يُجَاهد لِيَقْتُلَ وَيُقْتَلَ. فَأَما إِذا كَانَ بِمُقَابلَة١١ كل مُسلم أَكثر من مُشْرِكين فَيجوز أَن يولي ظَهره فِرَارًا١٢.

стр. 69

رُوِيَ أَن خَالِد بن الْوَلِيد ردّ الْجَيْش من حَرْب مُؤْتَة١ لِكَثْرَة الْعَدو، فَقَالَ: النَّاس هم الْفَرَّارُونَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ بل هم الكرارون٢. ثمَّ إِن غلب على ظنهم أَنهم لَا يهْلكُونَ فَالْأَفْضَل أَن يثبتوا، وَإِن غلب على ظنهم أَنهم ٣ يهْلكُونَ فَفِيهِ ٤ وَجْهَان٥: أَحدهمَا: يلْزمهُم أَن ينصرفوا لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُلّقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى الَتّهلُكَةِ﴾ ٦. وَالثَّانِي: يسْتَحبّ أَن ينصرفوا وَلَا يلْزمهُم٧، لأَنهم إِن قتلوا فازوا بِالشَّهَادَةِ. وَإِن كَانَ بِمُقَابلَة كل مُسلم أقل من مُشْرِكين ٨ وَلكنه مَرِيض أولم يكن لَهُ سلَاح فَلهُ أَن يولي ظَهره، وَكَذَلِكَ لَو مَاتَ فرسه، وَلَا يُمكنهُ أَن يُقَاتل رَاجِلا لَهُ أَن يرجع لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يستسلم للْقَتْل ٩. وَلَو لَقِي رجل من الْمُسلمين رجلَيْنِ من الْمُشْركين فِي غير الْحَرْب فَإِن طلباه

стр. 70

وَلم يطلبهما فَلهُ أَن يولي عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ غير متأهب لِلْقِتَالِ وَإِن طلبهما وَلم يطلباه فِيهِ وَجْهَان١: أَحدهمَا: لَهُ أَن يولي لِأَن فرض الْجِهَاد فِي الْجَمَاعَة. وَالثَّانِي لَا يجوز أَن يولي؛ لِأَنَّهُ مُجَاهِد كَمَا لَو كَانَ مَعَ الْجَمَاعَة، وَإِن كَانَ الْكفَّار فِي حصن جَازَ للْإِمَام نصب المنجنيق٢ عَلَيْهِم، وَيجوز أَن يفعل أَيْنَمَا٣ كَانُوا مَا يعممهم بِالْهَلَاكِ من التحريق والتغريق. وَإِن كَانَ فيهم نِسَاؤُهُم وذراريهم ٤ فَإِن النَّبِي ﷺ شن الْغَارة على بني المصطلق ٥ وَأمر بالبيات ٦ ٧ وَالتَّحْرِيق ٨ وَنصب المنجنيق على أهل الطَّائِف ٩.

стр. 71

رُوِيَ عَن الصعب بن جثامة ١ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن أهل الدَّار يبيتُونَ من الْمُشْركين فيصاب من نِسَائِهِم وذراريهم قَالَ: "وهم مِنْهُم" ٢. وَإِن كَانَ فيهم ٣ مُسلمُونَ مستأمنون أَو أُسَارَى فَهَل يجوز أَن يفعل لَهُم مَا يعممهم ٤ بِالْهَلَاكِ من التحريق والتغريق وَنصب المنجنيق ٥؟ نظر٦:

стр. 72

إِن كَانَ فِي حَالَة التحام الْقِتَال أَو الْخَوْف على الْمُسلمين أَن يظفر بهم الْكفَّار يجوز، لِأَن حفظ الْمُجَاهدين أولى من حفظ من بِأَيْدِيهِم١ وَإِن٢ لم يكن ذَلِك، أَو كَانُوا فِي حصن فَهَل يجوز أَن يفعل بهم ذَلِك؟ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: يجوز حَتَّى لَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل الْجِهَاد كَمَا لَو كَانَ فيهم نِسَاؤُهُم وذراريهم. وَالثَّانِي: لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة إِلَيْهِ بِخِلَاف الذَّرَارِي وَالنِّسَاء فَإِنَّهُم مِنْهُم. وَإِن تترسوا بأطفالهم وَنِسَائِهِمْ٣. فَإِن كَانَ فِي حَال التحام الْقِتَال جَازَ الرَّمْي ويتوقى الْأَطْفَال وَالنِّسَاء مَا أمكنه٤، لأَنا لَو تركنَا رميهم بِمثل٥ ذَلِك

стр. 73

لتعطل أَمر الْجِهَاد وَإِن كَانَ فِي غير حَال الْحَرْب فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: يجوز الرَّمْي حَتَّى لَا يتعطل الْجِهَاد ويتوقى الْأَطْفَال وَالنِّسَاء. وَالثَّانِي: لَا يجوز الرَّمْي، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قتل أطفالهم١ وَنِسَائِهِمْ من غير ضَرُورَة. وَإِن تترسوا بِمُسلم نظر٢: إِن لم يكن فِي حَال التحام الْقِتَال لَا يجوز أَن يضْربهُ، فَإِن ضربه وَقَتله٣ فَهُوَ كَمَا لَو قتل رجلا فِي دَار الْحَرْب إِن علمه مُسلما عَلَيْهِ الْقود، وَإِن ظَنّه

стр. 74

كَافِرًا فَلَا قَود عَلَيْهِ١ وَتجب الْكَفَّارَة، وَفِي الدِّيَة قَولَانِ. فَإِن٢ كَانَ فِي حَال التحام الْقِتَال والاضطرار إِلَى الرَّمْي بالخوف على نَفسه وَهُوَ يعلم أَنه مُسلم فَيَرْمِي الْكَافِر٣ ويتوقى الْمُسلم، فَإِن توصل إِلَى إِصَابَة الْكَافِر من غير أَن يُصِيب الْمُسلم فَأصَاب الْمُسلم وَجب عَلَيْهِ الْقود ٤. وَإِن ٥ لم يتَوَصَّل إِلَى ضرب٦ الْكَافِر إِلَّا بِضَرْب الْمُسلم لَا يجوز ضربه، فَإِن ضربه قيل فِي وجوب الْقود قَولَانِ؛ كالمكره، وَقيل: يجب قولا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا ٧ من نحيل الحكم ٨ عَلَيْهِ غَيره. وَلَو قصد الْكَافِر فَأصَاب الْمُسلم فَهُوَ خطأ فَلَا قَود عَلَيْهِ ٩ وَعَلِيهِ الدِّيَة وَالْكَفَّارَة. وَإِن١٠ لم يعلم أَنه مُسلم فَإِن قَصده فَلَا قَود، وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة وَفِي الدِّيَة قَولَانِ. وَإِن قصد الْكَافِر فَأَصَابَهُ فَلَا دِيَة، وَتجب الْكَفَّارَة، وَإِن تترسوا بذمي أَو مستأمن أَو عبد لَا يجوز الضَّرْب كَمَا ذكرنَا.

стр. 75

فَإِن١ ضرب وَقَتله٢ فَكل مَوضِع أَوجَبْنَا فِي الْمُسلم الْقود أَو الدِّيَة٣ فَيجب فِي الذِّمِّيّ والمستأمن الدِّيَة، وَفِي العَبْد الْقيمَة وَإِلَّا فالكفارة ٤ ٥. وَلَو تترس الْكَافِر بترس مُسلم أَو ركب فرسه٦ فَرمى إِلَيْهِ وَاحِد من الْمُسلمين فأتلفه٧. فَإِن كَانَ فِي غير حَال ٨ التحام الْقِتَال يجب عَلَيْهِ الضَّمَان، وَإِن كَانَ فِي حَال التحام الْقِتَال ٩، فَإِن أمكنه أَن لَا يُصِيب الترس وَالْفرس فَأَصَابَهُ ضمن، وَإِن لم يُمكنهُ إِلَّا بِهِ فَإِن جَعَلْنَاهُ كالمكره لم يضمن١٠؛ لِأَن الْمُكْره فِي المَال يكون طَرِيقا فِي الضَّمَان، وَهَهُنَا لَا ضَمَان على الْحَرْبِيّ حَتَّى يَجْعَل الْمُسلم طَرِيقا. وَإِن١١ جَعَلْنَاهُ مُخْتَارًا ضمن. وَإِن١٢ قاتلونا على خيلهم وَلم نجد سَبِيلا إِلَى قَتلهمْ إِلَّا بعقرها جَازَ عقرهَا؛
следующие страницы →