← Общие книги

Общие книги · id 36396

الجيل الموعود بالنصر والتمكين

مجدي الهلالي

Полный текст (69 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجيل الموعود بالنصر والتمكين د / مجدي الهلالي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى للناشر ١٤٢٩هـ - ٢٠٠٨م رقم الإيداع: ٢٧١٣٣/ ٢٠٠٧ الترقيم الدولي: I.S.B.N. ٦-٩٦-٦١٤٢-٩٧٧ دار الأندلس الجديدة للنشر والتوزيع ------------------------ ١٨ شارع مطر - أحمد حلمي - شبرا مصر - ت:٠١٠١٠٦٨١٣٥ newandalus@hotmail.com

стр. 3

رب يسر وأعن يا كريم المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فلقد وعد الله طائفة من عباده المؤمنين بأن يورثهم الأرض، ويمكنهم فيها ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف:١٢٨). ولم يحدد الله زمانًا ولا مكانًا لظهور تلك الطائفة المنصورة، بل حدد شروطًا وصفات إذا ما حققها جيل من الأجيال في أي زمان وأي مكان فإن وعده سيتحقق لهم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥). ومهما اجتهد المجتهدون، وتحرك العاملون للإسلام هنا وهناك، فإن هذا لا يكفي لإعادة مجد الإسلام من جديد، إلا إذا تضمنت حركتهم واجتهادهم العمل على استكمال صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين. إن وعد الله لا يتخلف: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء:١٠٥)، هذا الوعد ينتظر من يستوفي شروط استدعائه لكي يتحقق. ويحكي لنا التاريخ أن جيلًا من الأجيال قد استطاع أن يحقق الشروط المطلوبة لتنفيذ الوعد الإلهي، هو جيل الصحابة رضوان الله عليهم فكان الوفاء السريع والكريم من الله لهذا الجيل، فأورثهم الأرض، ومكن لهم فيها، وملكهم ممالكها في سنوات قليلة: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (التوبة:١١١). فحري بنا ونحن نعيش مرحلة دقيقة من تاريخ أمتنا، حيث الليل الدامس الذي يغشانا، والنفق المظلم الذي نسير فيه، والدم النازف من جسد الأمة العاني .. حريّ بنا أن نتكاتف جميعًا لإيجاد هذا الجيل الموعود بالنصر والتمكين، وأن نضحي في سبيل تكوينه بالغالي والرخيص، وأن نكثر من التأمل في جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - وكيف استطاعوا أن يستكملوا متطلبات النصر والتأييد الإلهي، لنحذو حذوهم ونتشبه بهم .. وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالرجال فلاح وحول هذا الموضوع - الجيل الموعود بالنصر والتمكين - يدور الحديث في هذه الصفحات والتي نسأل الله أن يلهمنا فيها الرشد والسداد، وأن يتقبلها منا بكرمه وفضله .. ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:٣٢).

стр. 4

الفصل الأول لماذا الجيل الموعود ؟!

стр. 5

الفصل الأول لماذا الجيل الموعود؟! ما يحدث لأمتنا الإسلامية من ذل وهوان لا يخفى على أحد، فالجراح تملأ جسد الأمة، والضعف والوهن قد أصابه، ولم يعد المسلمون على قلب رجل واحد، ولا راية واحدة، بل تعددت راياتهم، واختلفت وجهاتهم، وتكالب عليهم أعداؤهم من كل مكان. لقد صرنا أذل أهل الأرض .. لا قيمة لنا، ولا اعتبار لوجودنا، ويكفي ما يفعله بنا إخوان القردة والخنازير وحلفاؤهم الذين وضعونا تحت أقدامهم وسامونا سوء العذاب ... يقتلون أبناءنا، ويهدمون بيوتنا، ويعتقلون شبابنا .. كل ذلك يحدث تحت سمع وبصر العالم أجمع .. وضع مخزٍ ومرير تعيشه أمة والإسلام، فإلى متى سيستمر ذلك؟! - أملنا في الله وحده: مما يزيد الأمر تعقيدًا أن التفوق المادى والتكنولوجي الذي أحرزه أعداؤنا يجعل من الصعب علينا أن نلحق بهم، وفي نفس الوقت فإن الواقع يُخبرنا بأنهم لن يسمحوا لنا بالاقتراب منهم، فضلًا عن التفوق عليهم، فالمساحة التي أتاحوا لنا الحركة فيها محدودة جدًا. معنى ذلك أن الحسابات المادية تثبت وتؤكد حقيقة استمرار الوضع البائس الذي تعيشه الأمة الإسلامية، بل وستزداد الأوضاع سوءًا نتيجة المطوحات غير المحدودة للصهيونية والصليبية العالمية في بلاد الإسلام. نعم هذه هي حسابات أهل الأرض، أما حسابات أهل الإيمان فتخبرنا بأن هناك قوة عظيمة لا يمكن للعقل البشري أن يتصور مداها .. هذه القوة إن ساندت أحدًا مهما كان ضعفه؛ فالنصر يكون حليفه بغض النظر عن قوة أعدائه .. إنها القوة الإلهية، قوة الجبار الذي له جنود السماوات والأرض، والذي يملك كل شئ، يملك الريح والعواصف، والرعد والبرق، والزلال والبراكين و .. ويملك أنفاس أعدائنا. هذه القوة هي أملنا الوحيد في مواجهة هجمات أعدائنا الشرسة، وإعادة مجدنا، وريادتنا للبشرية من جديد. هذه القوة هي التي ساندت الفئة الضعيفة من بني إسرائيل ضد فرعون الطاغية وقومه فماذا حدث؟! ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف:١٣٧). - هل نترك الأسباب: ليس معنى القول بأن أملنا في الله وحده أن نترك الأسباب المادية بدعوى عدم جدواها، وبأن أعداءنا لن يسمحوا لنا بمنافستهم أو الاقتراب منهم في مجالات التقدم العلمي، بل المطلوب هو العكس ... أن نملأ كل فراغ يُتاح أمامنا، ونتغلغل في كل القطاعات، ونجتهد غاية الاجتهاد في امتلاك أسباب القوة، لا لأننا سننتصر بها، ولكن لأن الله طالبنا بذلك: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:٦٠). وعلى قدر اجتهادنا في الأخذ بما يُتاح أمامنا من أسباب نكون قد حققنا شرطًا من شروط النصر والتغيير، مع الأخذ في الاعتبار أن الأسباب بعينها لن تحقق لنا النصر، بل الذي سيحققه هو الله ... أليس هو القائل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (الأنفال:١٠)، والقائل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران:١٦٠). - متى نصر الله ؟! فإن كان أملنا في الله وحده، فمتى إذن يتحقق هذا الأمل، فدافع الله عنا، وينصرنا على أعدائنا ويُمكَّن لنا في الأرض؟!

стр. 6

أفاض القرآن في الإجابة على هذا السؤال، وأخبرتنا آياته أن للنصر والتمكين شروطًا، بها يُستدعى ويُستجلب، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:١١)، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:٧)، وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (آل عمران:١٢٠). فلابد إذن من نصرة الله على نفوسنا، وتغيير ما بها، والانتقال من كل حال يغضب الله إلى الحال الذي يرضيه ... لابد من تغيير عميق يضرب في أعماق الأمة ويعيدها إلى الله إن أردنا الخروج من حالة التيه التي نمر بها. - بث الروح: ولكي يتغير حال الأمة من المرض إلى الصحة لابد من وجود من يأخذ بيدها، ويدلها على الدواء، ويعينها على تغيير ما تلبست به مما يغضب الله . لابد من جود طائفة أو جيل ينطلق وسط الأمة فيبث الروح والأمل، ويبين لها طريق الصلح مع الله، وبخاصة أن الأمة الإسلامية الآن مهيأة لذلك أكثر من أي وقت آخر، فلقد أسفر أعدؤها عما كانوا يعملون على إخفائه من عداوة وكراهية وحقد أسود. فآلات الذبح لإخواننا المسلمين تُجهزَّ أمام أعيننا، ومخططاتهم الرامية لتذويب شخصيتنا يخبروننا بها قبل تنفيذها إمعانًا في إذلالنا، والقضاء على أي أمل يراودنا ... - توجيه العاطفة: نعم، ليست الأمة كلها في غيبوبة، بل هناك عاطفة جياشة تجاه الإسلام، تتنامى بمرور الأيام، ولعل من تلك العاطفة: امتلاء المساجد بالشباب والشيوخ، والإقبال على حلقات القرآن، ودروس العلم، ومنها كذلك: انتشار الحجاب بين المسلمات. عاطفة جيدة توجد الآن في ربوع الأمة، ولكنها وحدها لا تكفي، بل لابد من حُسن توجيهها إلى الاتجاه الصحيح .. اتجاه التغيير الحقيقي لما في النفس من جوانب عدة ليشمل التصورات والاهتمامات، والسر والعلن، والأقوال والأفعال .. تغييرًا يعيد تشكيل العقل، ويُمكِّن للإيمان في القلب، ويطرد منه حب الدنيا، فينعكس ذلك على السلوك بالمسارعة في الخيرات، والطمع في الدرجات العلى في الجنة، والتعلق بالله ، وقطع الطمع مما في أيدى الناس، مع بذل غاية الجهد في حُسن الإعداد، وامتلاك أسباب القوة. هذه المهمة - مهمة توجيه العاطفة لإحداث التغيير الحقيقي في النفوس - تحتاج إلى مجهود ضخم، وتعاهد، ومتابعة .. وهنا يأتي دور الجيل الموعود، فهو الجيل المنوط به مهمة تغيير الأمة، وتهيئة أرضها لاستقبال المدد الإلهي. نعم، إنها مهمة صعبة، ولن يكون الطريق إلى تحقيقها مفروشًا بالورود، فسيقف أمامها أهواء الناس، وحبهم للدنيا وعدم رغبتهم في التضحية ولو بشيء يسير منها، ولكن مع الإصرار ووجود القدوة الصالحة في أبناء جيل التغيير، ومع تأكد من حولهم من صدقهم وحرصهم على مصلحتهم وعدم طلبهم أجرًا وراء أفعالهم .. كل ذلك وغيره من شأنه أن يُعيد الأمة إلى الله شيئًا فشيئًا، وبخاصة إذا ما انتهج أبناء الجيل الموعود أسلوب الحكمة في الدعوة، وتقديم مفهوم التغيير للناس بصورة محببة ومبسطة يستطيعها الجميع. - قيادة الأمة في الضراء: على قدر الجهد الذي سيبذله أبناء الجيل الموعود في إيقاظ الأمة، وبث الروح فيها وحُسن توجيه عاطفتها تجاه التغيير الحقيقي والصلح مع الله .. على قدر ذلك كله يكون المدد والتأييد من الله ، والذي سيأتي حتمًا لتبدأ تباشير الفجر في البزوغ، وتشرق شمس الإسلام من جديد في أجزاء متفرقة من الأمة. فماذا سيحدث عند ذلك؟

стр. 7

يخبرنا التاريخ أنه بمجرد ظهور شعاع النور، وإعلان بداية استيقاظ المارد وتململه من القمقم الذي وضع فيه، فإن جميع القوى الكافرة والتي تحيط بأمتنا ستتوحد ضدنا، وتعمل على إطفاء هذا النور، وإجهاض الأمل، والقضاء على المشروع الإسلامي ... ** ستكون مقاطعة شاملة من الجميع، وستزداد الضغوط على كل مكان تُرفع فيه راية الإسلام. ** ستكون ضغوطًا شديدة لتفت في عضد الأمة، وتعمل على تركيعها، ومن المتوقع أن تُحدث هذه الضغوط ضيقًا وتذمرًا بين عموم الناس، فهم إن كانوا قد أعلنوا تأييدهم للإسلام، واستعدادهم للتضحية من أجله، فإنهم قد لا يستطيعون تحمل توابع المقاطعة، كحرمانهم من بعض احتياجاتهم الأساسية فضلًا عن الترفيهية والكمالية .. هنا يأتي دور الجيل الموعود الذي سيعمل جاهدًا على توفير احتياجات الناس، وبث روح الأمل في نفوسهم، والعمل على تثبيتهم، ورفع معنوياتهم، وربطهم بالله . معنى ذلك أن هؤلاء الخُلَّص لن يناموا في هذه الظروف إلا بعد أن ينام الناس، ولن يأكلوا إلا بعد أن يطمئنوا أن الطعام قد وصل للجميع. ** دور خطير ينتظر هذا الجيل في بداية وجود الدولة الإسلامية، لو لم ينهض به لضاع كل شئ، ولعادت الأمور إلى أسوأ مما هي عليه والعياذ بالله. - مع الجيل الأول: هذه المراحل، وهذه الأوضاع الصعبة، مرت على رسول الله ﷺ ، ومن معه من الجيل الأول .. جيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين كانوا بمثابة الركائز التي قام عليها المجتمع المسلم في المدينة ... هذا المجتمع تعرض في بداية تكوينه إلى ضغوط شديدة، ومحاصرة، ومقاطعة، وتهديدات، وحروب ... قال أبو العالية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥). قال: كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده لا شريك له سرًا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يُمْسون في السلاح ويُصبحون في السلاح، فصبروا على ذلك ما شاء الله، ثم إن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله ... أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟! أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟! فقال رسول الله ﷺ : (لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليست فيه حديدة) وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فآمنوا ووضعوا السلاح .... وقال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد (١). - لماذا الضراء ؟ إذن فهناك فترة قاسية ستمر بها الأمة وبخاصة في الأماكن التي سترتفع فيها راية الإسلام .... فإن قلت: ولماذا تمر الأمة الصاعدة بهذه الفترة، ولماذا ستُترك لهذه الفتنة العظيمة وهي تقف بمفردها أمام العالم أجمع؟! كان الجواب في قوله تعالى: ﴿الم ? أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ? وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:١ - ٣).

стр. 8

فهذه الفترة تُعد بمثابة امتحان لمدى صدق الأمة في حبها لله وتعلقها به وتوكلها عليه، ومدى استعدادها للتضحية من أجله، وهي فترة المخاض الأخيرة لولادة الأمة الفتية القوية .. ومن فوائدها كذلك أنها تقطع تعلق القلوب بما سوى الله، وتُجَرُّدها له سبحانه .. فعندما تنقطع الأسباب المادية، وينعدم الصبر، وتشتد الخطوب، لا تجد الأمة أمامها إلا الله فتهرع إليه، وتدعوه دعاء المضطر المشرف على الغرق .. حينئذ يأتي الفرج، ويأتي النصر والتمكين: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة:٢١٤). - قيادة الأمة في السراء: وبعد فترة الضيق والشدائد، سيأتي الفرج - بإذن الله - وتبدأ الأمة في التوحد شيئًا فشيئًا، وتتساقط رايات الباطل بسهولة ويسر، وهنا يظهر لجيل التغيير دور جديد ألا وهو العمل على تجميع الأمة على راية واحدة، وقيادتها لإقامة الخلافة الإسلامية، واسترداد كل الديار المغتصبة، وإنقاذ المسلمين المستضعفين في شتى بقاع العالم ... ويستمر دور الجيل الموعود بعد ذلك في نشر الإسلام وأستاذية العالم وتحقيق وعد رسول الله ﷺ ببلوغ هذا الدين الآفاق، وفتح روما لتُصبح الدولة الإسلامية بذلك هي القوة الأولى في العالم، تنشر الأمن والأمان، وتنقذ البشرية من الضلالة، وتخرجها من الظلمات إلى النور. نعم سيحدث ذلك - بإذن الله - كما حدث مع الجيل الأول، الذي بدأ بأفراد مطاردين مضطهدين في مكة، يقرأون القرآن، ويستمعون إلى آيات الوعد بالنصر والتمكين، وأقصى أمانيهم في ذلك الوقت أن يبيتوا آمنين، وألا يتعرض أحد منهم لأذى ... هؤلاء هم أنفسهم الذين رأو التمكين بأم أعينهم، وشاهدوا عز الإسلام ومجده، ويا للعجب أن يصبح خوفهم بعد ذلك على أنفسهم من فتنة بسط الدنيا عليهم .. أخرج البخاري في صحيحه أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أُتي بطعام وكان صائما، فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكُفِّن في بُردة أن غُطي رأسه بدت رجلاه، وإن غُطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا في الدنيا ما بُسط، أو قال: أُعطينا من الدنيا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عُجِّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. وهذا خباب بن الأرت ﵁ يعود نفر من أصحاب النبي ﷺ فيقولون له: أبشر يا عبد الله، إخوانك تُقم عليهم غدًا، فبكى وقال: أما إنه ليس بي جزع، ولكنكم ذكَّرتموني أقوامًا وسميتم لي إخوانًا، وإن أولئك قد مَضَوا بأجورهم كما هي، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم (١). - الاستفادة من الدروس السابقة: على جيل التغيير ألا يتخلى عن مهمته في قيادة الأمة حتى بعد أن يتم لها السيادة وأستاذية العالم، بل عليه أن يستمر في بناء الأجيال، والحفاظ عليها من أمراض الأمم مثل الترف والظلم، ومن ثَّم البعد عن الله ، والخروج من دائرة معيته وولايته.

стр. 9

وخلاصة القول: إن حاجة الأمة الآن لوجود جيل التغيير - الجيل الموعود بالنصر والتمكين - حاجة شديدة وماسة تستلزم تكاتف كل الجهود من أجل تكوينه، ولِمَ لا وهو الجيل الذي سيبث الروح في الأمة -بإذن الله- ويوجه عاطفتها توجيهًا صحيحًا نحو التغيير الحقيقي، وسيستمر جيل التغيير في قيادة الأمة فترة الضيق والكرب والمقاطعة المتوقعة من أعداء الإسلام، وسيستمر كذلك في فترة السراء والفتوحات والخلافة وأستاذية العالم، ولن يضع سلاحه أو يركن إلى الدعة بعد ذلك، بل سيواصل بناء الأجيال والحفاظ على المجد والعزة والعمل على نشر الدين الحق في كل مكان ...

стр. 10

الفصل الثاني مع صفات الجيل الموعود

стр. 11

الفصل الثاني مع صفات الجيل الموعود أخبرنا الله في كتابه بأن هناك صفات وشروطًا ينبغي أن تتوفر في الطائفة أو الجيل الذي سيمكنه سبحانه ويمده بمدده وتأييده، وينصره على أعدائه .. ولا يشترط لذلك مكان أو زمان بعينه، فالأمر متاح للجميع عبر الزمان والمكان، المطلوب فقط هو استيفاء الشروط المؤهِّلة للدخول في معية الله وكفايته ونصره. - ليس كلامًا نظريًا: وقبل أن ينتقل الحديث عن صفات الجيل الموعود، هناك أمر جدير بلفت الانتباه إليه وهو أن الكلام عن الجيل الموعود، وما يمكن أن يحققه الله له ليس كلامًا نظريًا افتراضيًا تُسَوَّد به الصفحات، وليس أماني أو أحلامًا نحلم بها، ونهرب من خلالها من واقعنا المر .. لا والله، بل هي حقائق يمكنها أن تحدث وبأسرع مما قد يتخليه البعض لو اجتهدنا جميعًا في استكمال الشروط المطلوبة، وانتفضنا لتحقيق صفات الجيل الموعود في أنفسنا وفيمن حولنا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج:١٥). ويحكي لنا تاريخ أمتنا بأن هناك جيلًا من الأجيال قام بتحقيق تلك الشروط في نفسه فحقق الله وعده معه ... ذلكم هو جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - والذين كانوا قبل إسلامهم غاية في الجاهلية والفرقة والتشرذم، ليأتي الإسلام، ويدخل نوره في قلوبهم، ويحدث التغيير الداخلي فتعاد صياغة شخصياتهم من جديد، ويحققون ما طلبه الله منهم، فيحدث الوفاء السريع والكريم منه سبحانه فيمكن لهم في الأرض، ليحطموا الإمبراطوريات الظالمة، وليصبحوا في سنوات قليلة القوة الأولى في العالم، وينقلوا البشرية إلى عهد جديد زاهر. هذا الجيل كان قبل إسلامه أبعد بكثير عن الله مما نحن عليه الآن، ومع ذلك فإنه غيَّر ما بنفسه، واستوفى الشروط المؤهلة للنصر والتمكين ساد الأرض، وصنع المجد العظيم للإسلام. إذن فالأمر الآن بين أيدينا .. لا نحتاج لإعدادات ضخمة، أو مساعدات خارجية، أو ..... ، بل نحتاج إلى أن نُغير ما بأنفسنا ليظهر من بيننا الجيل الموعود الذي يقود الأمة إلى العز والسيادة كما حدث مع الجيل الأول. - ضياع المجد: ولأن وعد الله لا يُخلف: فعندما حققت طائفة من البشر الصفات والشروط المؤهلة للنصر - مع قلة الأسباب المادية لديها - نصرها الله ، ومكنها في الأرض، وعندما بدأت الأجيال التالية لها في التنازل شيئًا فشيئًا عن تلك الصفات، كان الخذلان والخسارة، والعودة مرة أخرى إلى الوراء، ليعلو شأن الكفار من جديد ويصل الوضع إلى ما نحن فيه الآن من بؤس وضياع. وما فتئ الزمان يدور حتى ... مضى بالمجد قوم آخرونا وأصبح لا يُرى في الركب قومي ... وقدعاشوا أئمته سنينا

стр. 12

- سنة الله في بني إسرائيل: ولقد تحقق وعد الله وجرت سنته بشقيها على بني إسرائيل، فعندما حقق جيل من أجيالهم الشروط المؤهلة للدخول في المعية الإلهية كان العون والمدد والنصر منه سبحانه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف:١٣٧). هذا التمكين الإلهي إنما حدث لبني إسرائيل عندما حققوا ما طلبه الله منهم، فهل حافظوا عليه؟! يخبرنا القرآن بأنهم بعد ذلك بدأوا بالانحراف والابتعاد التدريجي عن الحال الذي أَهلَّهم للدخول في دائرة المعية والتفضيل الإلهي، وبدأ الكِبر والظلم، بل والشرك يظهر بينهم ... فأمهلهم الله وتجاوز عنهم مرة ومرة لعلهم يعودون لسابق عهدهم، لكنهم تمادوا في غيهم، وأصروا على ظلمهم واستكبارهم فكان عقابهم الأليم من الله : ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران:١١٢). - الكرامة على قدر الاستقامة: إذن فالدخول في دائرة التأييد الإلهي يستلزم شروطًا، والاستمرار في الوجود فيها يتطلب الثبات على هذه الشروط، فكرامة العباد عند ربهم بمقدار استقامتهم وتقواهم، واستمرار الكرامة باستمرار الاستقامة. ألم يقل سبحانه لحبيبه محمد ﷺ : ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ (الرعد:٣٧). إنه قانون سماوي ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف:٤٩). - مع صفات جيل التغيير: مما سبق يتبين لنا أنه لابد من وجود جيل تتحقق فيه الصفات التي تؤهله للدخول في دائرة المعية والنصر والتأييد الإلهي .. نعم، قد تتوفر هذه الصفات في أفراد هنا أو هناك، ولكن هذا وحده لا يكفي، بل لابد من وجود جيل مترابط يتنزل عليه النصر والتمكين. أما صفات جيل التمكين فلقد تحدث عنها القرآن في العديد من آياته، فعلينا أن نبحث عنها ونتأملها ونستخرج منه ما تدل عليه من صفات .... وإليك أخي القارئ بعضًا من هذه الآيات: ١ - قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥). في هذه الآية نجد أن الله قد وعد طائفة من عباده المؤمنين بالاستخلاف والتمكين وربط هذا الوعد بعبادته وعدم الشرك به، أي أن من صفات الجيل الموعود: العبادة، والإخلاص التام لله .

стр. 13

٢ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ? إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ? وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة:٥٤ - ٥٦). هذه الآيات تتحدث عن بعض صفات حزب الله الذي يُكرمه سبحانه بالغلبة والنصر ... هذه الصفات هي: أولًا: حب الله. ثانيًا: التواضع. ثالثًا: الجهاد المتواصل. رابعًا: العبادة. خامسًا: الموالاة والتآخي. ٣ - قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:٦٠). تتناول هذه الآية صفة الجهاد بمفهومها الواسع من بذل الجهد في الإعداد المادي بكل صوره المتاحة، وفي حدود الاستطاعة. ٤ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ... رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ? وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (إبراهيم:١٣ - ١٤). هنا تركز الآيات على الخوف من الله كصفة أساسية من صفات التمكين. ٥ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ? إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٥، ١٠٦). من خلال هذه الآيات نجد أن العبادة والصلاح لابد وأن يكونا من صفات جيل التمكين. ٦ - قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (الأعراف:١٣٧)، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة:٢٤). في هذه الآيات نجد الصبر والثبات على الحق من أهم صفات الطائفة المنصورة: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود:٤٩). ٧ - قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ? وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (هود:١١٢، ١١٣). هنا نجد الوجه الإلهي للفئة المؤمنة بضرورة التحلي بصفة الوسطية والاعتدال، فالطغيان يمثل التشدد، والركون يمثل التفريط والترخص أما الاستقامة فهي بينهما، وبدونها يبتعد المؤمنون عن دائرة الولاية والنصرة الإلهية كما بينت الآيات. ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:١٤٣).

стр. 14

٨ - وفي مقابل الآيات التي تتحدث عن صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين، نجد أن هناك آيات تتحدث عن أسباب الهزيمة والخروج من دائرة المعية والتأييد الإلهي، ويُفهم من هذه الآيات ضرورة التخلي عن هذه الصفات لمن يريد النصر والتمكين ... منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ? إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة:٣٨،٣٩). فالتعلق بالدنيا من أخطر الأسباب التي تؤدي إلى الخروج من دائرة المعية والنُصرة الإلهية، ومن ثَّم فمن الضروري أن يكون الزهد في الدنيا وعدم التعلق بها من صفات الجيل الموعود. - الصفات العشر: فإذا ما أردنا أن نجمع الصفات التي دلت عليها الآيات السابقة لوجدناها: ١ - الإخلاص لله . ٢ - محبة الله. ٣ - الخوف من الله. ٤ - العبادة. ٥ - التواضع. ٦ - الزهد في الدنيا. ٧ - الجهاد في سبيل الله. ٨ - الصبر والثبات. ٩ - المولاة والتآخي. تبقى صفة عاشرة لها أهمية كبيرة وينبغي أن تتوفر في جيل التغيير ألا وهي صفة الوسطية والاعتدال ... هذه الصفة طالب الله رسوله ﷺ ومن معه بالتحقق بها وهم لا يزالون في مكة مطاردين ومضطهدين .. قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ? وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (هود:١١٢، ١١٣). فالطغيان يمثل التشدد، والركون يمثل التفريط والترخص، أما الاستقامة فهي بينهما، وبدونها يبتعد المؤمنون عن دائرة الولاية والنصرة الإلهية كما بينت الآيات. - بين الفردية والجماعية: الملاحظ في الصفات السابقة أن بعضًا منها يأخذ طابعًا فرديًا، بمعنى أنها تخص كل فرد على حدة وينبغي عليه أن يحققها في نفسه كالإخلاص لله وحبه والخوف منه، والبعض الآخر من الصفات يأخذ طابعًا جماعيًا بمعنى أنه لا يمكن تحقيقه إلا من خلال مجموع الأفراد بعضهم مع بعض كالإعداد والمؤاخاة، وهذا ما يؤكد عليه القرآن في خطابه الموجه للفئة المؤمنة، والذي نلحظ فيه أنه يخاطبهم بصيغة الجمع باعتبار أن العديد من الصفات الرئيسية لجيل التمكين لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تكاتف الأفراد مع بعضهم البعض، وانصهارهم في بوتقة واحدة .. تأمل معي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:٤١). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١). - هل يمكن إضافة صفات أخرى؟!

стр. 15

قبل الانتقال للحديث عن هذه الصفات العشر بشيء من التفصيل هناك ملاحظة جديرة بلفت الانتباه إليها، وهي أن البعض منا قد يرى أن هناك صفات أخرى يمكنه إضافتها إلى هذه الصفات، سواء كانت فردية كالعلم والتوكل على الله، أو جماعية كالانضباط والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نعم، لا بأس من ذلك وبخاصة أن هذه الصفات - كما سيأتي بيانه - ما هي إلا ثمار تنطلق من محاور عدة، هذه المحاور عندما تتحقق في الجيل الموعود فإنها ستثمر بمشيئة الله هذه الصفات العشر وغيرها مما قد يضيفه، وبطريقة طبيعية وسلسة. معنى هذا أن تلك الصفات ليست على سبيل الحصر، وإن كانت تشكل أهم ما يميز الجيل الموعود من سمات. وفي الصفحات المقبلة سيتم - بعون الله - إلقاء الضوء على الصفات العشر للجيل الموعود، مع عرض لنماذج من الجيل الأول والذي تحققت فيه هذه الصفات. أولًا: الإخلاص لله (جيل مخلص) قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥). فالآية تخاطب المؤمنين وتبشرهم بالوعد الإلهي بالتمكين والاستخلاف في الأرض شريطة أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. والملاحظ أن الآية ذكرت كلمة "شَيْئًا" لتخرج بالشرك من الدائرة الضيقة -دائرة الشرك الظاهر- إلى الدائرة الواسعة التي تتضمن كل أنواع الشرك سواء كان ذلك في التوجه أو الاستعانة ... - شرك التوجه والقصد: وشرك التوجه هو أن يقصد المرء من أفعاله رضا الله من ناحية، ومن ناحية أخرى يريد بتلك الأفعال رضا الناس وحبهم له، وعلو منزلته عندهم ... ، أو يقصد بأعماله رضا الله، وكذلك الحصول على مغنم أو جاه، أو أي فائدة دنيوية. فكل ما ينافي التوجه التام والمطلق لله فهو شرك. عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه) (١). وعن شداد بن أوس قال: رأيت النبي ﷺ يبكي، فقلت ما يبكيك يا رسول الله؟! قال: (إني تخوفت على أمتي الشرك أما أنهم لا يعبدون صنمًا ولا شمسًا ولا قمرًا ولا حجرًا ولكنهم يراءون بأعمالهم) (٢). - شرك الاستعانة: وكما أننا مطالبون بإخلاص التوجه لله ، وأن يكون رضاه وحده هو المقصد في جميع أعمالنا، فإننا كذلك مطالبون بأن نستعين به وحده على أداء أي عمل، فلا حول ولا قوة لأحد إلا بالله، وعندما يستعين المرء بغير ربه ويظن أنه يصل لهدفه بدونه سبحانه فقد أشرك به ... ومن الصور الخفية للاستعانة بغير الله: الاستعانة بالنفس والاعتقاد بما حباها الله من إمكانات على أنها ملك ذاتّي للعبد يفضُلُ بها غيره، أو أنه يمكنه استخدامها والاعتماد عليها وقتما شاء، فإذا ما وصل لهدفه فرح بنفسه ونظر إليها بعين الرضا والإعجاب ... فهذا هو الإعجاب بالنفس الذي يُعد من أخطر أنواع الشرك بالله. إذن فالشرك بالله يشمل كل شيء يشترك في توجه العبد بأعماله إلى الله، ويشمل كذلك كل شيء يستعين به العبد على القيام بتلك الأعمال. يقول ابن تيمية: الرياء من باب الإشراك بالخلق، والعُجب من باب الإشراك بالنفس.

стр. 16

ويقول: المعجب بنفسه لا يحقق إياك نستعين، كما أن المرائي لا يحقق إياك نعبد (١). - خطورة الشرك الخفي: أما خطورة الشرك الخفي من رياء أو عجب وما يؤديان إليه من غرورو وكبر ونفاق فكبيرة، أقلها إحباط العمل، فكل عمل يخالطه رياء أو عجب فقد أُحبط، وصار هباءً منثورًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ (البقرة:٢٦٤). ومع إحباط العمل فإن العجب يؤدي إلى غضب الله ومقته، قال ﷺ : (من تَعظَّم في نفسه، واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان) (٢) .. وقال: (النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت) (٣). ويؤدي العُجب أيضًا إلى الخذلان وحرمان التوفيق والتعرض للفتن، ولنا في قصة غزوة حنين أبلغ مثال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (التوبة:٢٥). فليست القضية فقط في إخلاص التوجه لله، بل لابد كذلك من الاستعانة الصادقة به سبحانه، وعدم رؤية العمل أو رؤية النفس بعين الفرح والرضا والإعجاب ... من هنا يتأكد لدينا ضرورة وجود صفة الإخلاص التام لله في التوجه والاستعانة لأبناء الجيل الموعود وإلا فلا نصر ولا تمكين. - من مظاهر الإخلاص: عندما يسير العبد في طريق الإخلاص لله فإن هذا من شأنه أن يترك عليه آثارًا وعلامات يشعر بها بداخله، ويلاحظها عليه من حوله ... - من هذه العلامات أن العبد لن ينتظر من وراء عمله رضا رؤسائه عنه، أو توجيه الثناء له، أو خلع الألقاب عليه، أو تقديمه على غيره من زملائه. - ومنها أن يسعى لإخفاء مكانه وعمله غاية الإمكان، فلا يتحدث به تلميحًا ولا تصريحًا. - ومنه أنه لن يسعى لمعرفة رأي الناس في أعماله، بل يعمل العمل ويجتهد في نسيانه وإخفائه وعدم التحدث به. - ومنها أيضًا: أن يخاف على نفسه من فتنة الشهرة والأضواء، فيدفعها عن نفسه غاية الإمكان. - ومنها: أنه يستوي عنده العمل في المقدمة، مع العمل في المؤخرة، بل إن عمله في المؤخرة سيكون أحب إليه حيث لا يتعرض لنظر الناس أو ثنائهم عليه. - ومنها: استواء المدح والذم لديه، حتى إنه ليدفع مدح الناس لخوفه على نفسه من آثاره السلبية. - ومنها: عدم ضيقه إذا ما نُسب عمله إلى غيره. - ومنها: مساعدته للآخرين في أعمالهم والعمل على إنجاحها دون أن يشعر به أحد. - ومنها: وجود خبيئة من أعمال صالحة بينه وبين الله لا يعلمها أحد سواه. - ومنها: أنه لن يضيق صدره إذا ما تخطاه الاختيار للقيام بعمل له فيه سابقة خبرة أكثر من غيره، بل إنه يساعد من اختير لذلك ويقدم له نصائحه وخبرته. - ومنها: أنه لن يهتم برضا الناس عنه أو سخطهم عليه. - ومنها: أنه لن يتحدث عن نفسه بما يزكيها، ولا يكثرمن قول أنا ... لي ... عندي ... . - ومنها: أنه لن يفتخر على أحد بشيء حباه الله به. - ومنها: أنه لن يُحاول إظهار كل إمكاناته وما يعلمه أمام الآخرين. - ومنها: أنه لن ينظر إلى مغنم من وراء عمله، ولن يستغل منصبه في تحقيق منافع دنيوية له أو لأقاربه وأصدقائه. - ومنها: عدم المنِّ بالعطايا على الآخرين، وعدم تذكيرهم بها بأي شكل من الأشكال.

стр. 17

- ومنها: أنه يكثر من الاستغفار بعد أعماله الصالحة. - ومنها: أنه يجاهد نفسه ولا يستسلم لخواطر العُجب، بل يعالجها ويسقيها الشراب المضاد الذي يعيد لها التوازن ويضعها في قالب العبودية. - ومنها أنه لن يرى أنه مخلص، بل يسيء دومًا الظن بنفسه، ويتهمها بالنفاق و ... و ... وأشياء كثيرة تدل على الإخلاص التام لله في التوجه والاستعانة. - الجيل الأول والإخلاص: الناظر والمدقق في سيرة الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم الجيل الذي تحقق فيهم وعد الله بالاستخلاف والتمكين، يجد أن مظاهر صفة الإخلاص قد تجلت فيهم بوضوح. انظر مثلًا إلى حرصهم على إخفاء أعمالهم والذي يتجلى في هذا الأثر: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، قال: فنقبت أقدامنا، فنقبت قدماي، وسقطت أظافري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بريدة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، كأنه يكره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه (١). وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يدخل المسجد فيرى معاذ بن جبل ﵁ يبكي عند قبر رسول الله ﷺ فقال: ما يبكيك؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يُعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة) (٢). لقد كانوا شديدي الحذر من أنفسهم، وكانوا يقفون بالمرصاد أمام كل خواطر العُجب، يقول عروة: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ وعلى عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتتني الوفود بالسمع والطاعة دخَلَت في نفسي نخوة، فأحببت أن أكسرها، ومضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها ... وهذا أبو بكر الصديق ﵁ يبعث برسالة إلى خالد بن الوليد ﵁ بعد انتصاراته في العراق يقول له فيها: فليهنك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتم الله لك، ولا يدخلنك عُجب فتخسر وتُخذل، وإياك أن تُدل بعمل فإن الله له المن وهو ولي الجزاء (٣). وهذا أبو عبيدة بن الجراح ﵁ يؤم قومًا، فلما انصرف قال: مازال الشيطان بي آنفًا حتى رأيت أن لي فضلًا على من خلفي، لا أَؤم أبدًا (٤). وكانوا يتدافعون المدح ولا يستسلمون له فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يقول لما أُثني عليه: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون. وقال رجل يومًا لابن عمر ﵄: يا خير الناس، وابن خير الناس، فقال: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تُهلكوه. أما خوفهم على أنفسهم من النفاق فإليك هذا الخبر: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لحذيفة ﵁: أُنشدك الله هل سمَّاني لك رسول الله ﷺ ، يعني من المنافقين؟ فيقول: لا، ولا أُزكِّي بعدك أحدًا (٥).

стр. 18

ثانيًا: تمكن حب الله من القلب (جيل محب لله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ? وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة:٥٤ - ٥٦). فالآيات تتحدث عن الجيل والطائفة التي يحبها الله ويرضى عنها ويكتب لها الغلبة على أعدائها .. هذا الطائفة لها عدة صفات بينتها الآيات السابقة، وأول هذه الصفات هي حبهم لله ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. فإن قلت: ولكن المسلمين جميعًا يحبون الله ، فما الداعي لوجود هذه الصفة؟! نعم، هناك حب لله في القلوب، ولكن الحب الذي يريده - سبحانه - من الجيل الموعود حبٌ يهيمن على القلب، ويتمكن منه حتى يصير الله أحبّ إليه من كل شيء ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البقرة:١٦٥). هذا الحب الصادق له علامات يُعرف بها ... منها: ١ - طاعة المحبوب والعمل على مرضاته: العبد المحب لله يسارع ويبادر إلى نيل رضاه .. انظر إلى موسى ﵇ وهو يترك بني إسرائيل وراءه ذاهبًا للقاء ربه قائلًا: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه:٨٤). ولا يزال المحب الصادق يحرص على إرضاء ربه، وإن بذل في سبيل ذلك كل ما يملك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ (البقرة:٢٠٧). ٢ - سرعة الإنابة: من علامات الحب الصادق مسارعة العبد بالتوبة والاستغفار، والاعتذار، وسكب العبرات، واسترضاء مولاه إذا ما وقع في ذنب، أو قصَّر في أداء واجب لخوفه الدائم من غضب ربه عليه .. انظر إلى محمد ﷺ وهو يناجي ربه ويسترضيه بعد ما حدث له في الطائف من تكذيب وإعراض، وخوفه من أن يكون سبب ذلك منه ... يقول ﷺ : ( ... إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي ... أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحلّ علىَّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ... ). ٣ - الشكر على عطاياه: المحب الصادق في حبه يتلقى هدايا وعطايا ربه بفرح وسعادة وامتنان، وينسب إليه كل فضل وخير يأتيه، ونراه دائمًا ذاكرًا لأنعمه، حامدًا شاكرًا له عليها. ٤ - الصبر على البلايا والرضا بالقضاء: فالمحب الصادق لله يتحمل إبتلاء ربه له ويرضى بقضائه، فهو يعلم أنه لا يريد به إلا الخير وأنه ما ابتلاه إلا ليطهره، ويقربه إليه: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ (الرعد:٢٢). ٥ - كثرة المناجاة: من علامات الحب الصادق لله حب الخلوة به، وكثرة مناجاته والثناء عليه، والانطراح بين يديه .. ولما كانت المناجاة تخص المحبوب وحده، فإن المحب دائمًا ينتظر حتى تهدأ الأصوات، وتنام العيون، ويخلو المكان، حتى يهرع إلى ربه، ويأنس به، وما أجمل لحظات الأنس في رحاب الصلاة، وبالأخص في السجود .. لذلك كانت أفضل صلاة بعد المكتوبة قيام الليل حيث يتهيأ الجو للاتصال ... في هذا الوقت ينزل ربنا إلى السماء الدنيا نزولًا يليق بجلاله وكماله .. فكيف بمن يدعي حب الله أن يعرض عن لقاء حبيبه، أو يتركه وينام؟!!

стр. 19

أخذ الفضيل بن عياض بيد الحسين بن زياد وقال: يا حسين، ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول الرب: ((كذب من ادعى محبتي، فإذا جَنَّه الليل نام عني .. أليس كل حبيب يحب خلوة حبيبه؟ ها أنذا مطلع على أحبائي إذا جَنَّهُم الليل، مثلتُ نفسي بين أعينهم فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على الحضور، غدًا أقرُّ عين أحبائي في جنتي)) (١). ٦ - حب الرسول ﷺ لله: ومن علامات الحب الصادق: حب ما يحبه سبحانه، وأحب ما يحبه الله .. رسول الله ﷺ . والترجمة العملية لحب الله والرسول ﷺ : طاعته ﷺ فيما جاء به من ربه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران:٣١). ولقد اشتد حب الله في قلوب الصحابة فذهب بعضهم إلى رسول الله ﷺ ليخبروه بذلك ويقولون له: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا، فأنزل الله قوله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢). ويعلق الحافظ ابن كثير على هذه الآية فيقول: هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله ليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، قال الحسن: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية (٣). ٧ - ومن علامات الحب الصادق: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما: فكل حب آخر من حب للزوجة أو الأولاد أو الآباء أو الأمهات ... ينبغي أن يكون تابعًا لهذا الحب ... لايزاحمه، ولا يعارضه، ويظهر هذا جليًا عند تعارض حب الله ورسوله ومقتضياتهما مع حب شيء آخر كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (التوبة:٢٤) (٤). ٨ - ومن علامات الحب الصادق: الحب في الله والبغض في الله: فالمحب الصادق في دعواه يحب ما يحبه مولاه، ويبغض ما يبغضه.

стр. 20

قال ﷺ : (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله) (١). فيُحب أي إنسان على قدر ما يحبه الله فيه من صفات. قال ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا في الله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار) (٢). معنى ذلك أن هذا العبد يحب المسلمين، ويكره الكافرين، ويحب المسلم الملتزم بأوامر الله أكثر من المقصر في جنبه، ويحب المؤمن القوي أكثر من المؤمن الضعيف، ويحب أهل المساجد المحافظين على الجمع والجماعات المتبعين لسنة رسول الله ﷺ أكثر ممن لا يحافظون على ذلك. ويحب أهل الجهاد السائرين في الطريق الصحيح لتمكين دين الله في الأرض أكثر من غيرهم ممن قعد عن الجهاد أو انحرف عن طريقه، ويحب في القاعدين التزامهم بالأوامر الأخرى أكثر من غيرهم من المسلمين الشاردين .. وهكذا. ٩ - ومن علامات الحب الصادق: حب القرآن: من يحب الله حبًا صادقًا من البديهي أن يحب كلامه ويلتذ به، ويُكثر من قراءته، والاستماع إليه وفهم المراد به. قال ابن مسعود – ﵁ – لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فمن أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله (٣). إن كنت تزعم حبي ... لم هجرت كتابي أما تأملت ما فيه ... من لذيذ خطابي ١٠ - كثرة ذكره: ومن علامات حب الله: كثرة ذكره. فالمحب يُكثر من ذكر محبوبه، لذلك ترى لسانه دومًا رطبًا بذكر الله فهو لقلبه كالماء للسمك قال ﷺ : (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت) (٤). ١١ - الدعوة إلى الله: ومن علامات حب الله: دعوة الناس إلى الله، وتحبيبهم فيه ودلالتهم عليه، قال أبو الدرداء: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال له: يا آدم أحبني وحببني إلى خلقي ... قال ﷺ : (خيار أمتي من دعا إلى الله وحبب إليه عباده) (٥). ١٢ - ومنها الغضب لله: والغيرة عليه إذا ما انتهكت محارمه، وعُطِّل شرعه، ونُحَّي كتابه. ١٣ - ومنها حب الجهاد والشهادة في سبيل الله: فالجهاد في سبيل الله هو بذل الجهد والطاقة من أجل رضا الله ، أما الشهادة فهي تعد بمثابة أكبر دليل على أن حبه سبحانه أحب للعبد من كل شئ. - الصحابة وحبهم لله: امتلأت قلوب الصحابة بحب الله، وظهرت آثار ذلك الحب في سلوكهم، وتجلت بوضوح عند تعارضها مع المحاب الأخرى. ولقد تعارضت هذه المحبة مع محبة الآباء والأبناء والإخوان وذلك في معركة بدر فماذا حدث؟! لقد قتل أبو عبيدة ﵁ أباه المشرك حين لاقاه في المعركة، وهمَّ أبو بكر الصديق ﵁ بقتل ابنه عبد الرحمن، أما مصعب بن عمير ﵁ فقد قتل أخاه عبيد بن عمير، وعمر بن الخطاب ﵁ قتل قريبًا له، و ....

стр. 21

وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة:٢٢). وتجلى تمكن حب الله في قلوب الصحابة عند الهجرة من مكة إلى المدينة، فلقد ترك المهاجرون أموالهم وديارهم وهاجروا فرارًا بدينهم وامتثالًا لأوامر رسولهم ﷺ ، كل ذلك ما كان ليحدث لو لم يكن حب الله مهيمنًا على قلوبهم. عن الزبير ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا بقُباء ومعه نفر، فقام مصعب بن عمير ﵁، عليه بُردة ما تكاد تواريه، ونكَّس القوم، فجاء فسلَّم فردوا عليه، فقال فيه النبي ﷺ خيرًا وأثنى عليه، ثم قال: (لقد رأيت هذا عند أبويه بمكة يكرمانه وينعمانه، وما فتى من فتيان قريش مثله، ثم خرج من ذلك ابتغاء مرضاة الله ونصرة رسوله .. ) (١). - حب الرسول: أما حبهم للرسول ﷺ ، فالأمثلة كثيرة ... أخرج الطبراني عن عروة ابن الزبير أن المشركين الذين قتلوا خبيب بن عدي ﵁ نادوه قبل قتله وهو مصلوب: أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال: لا والله العظيم! ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه. أما سرعة مبادرتهم للجهاد في سبيل الله فإليك ما فعله حنظلة ﵁، فحينما استشهد في أحد قال رسول الله ﷺ : (إن صاحبكم حنظلة لتغسله الملائكة فأسالوا أهله ما شأنه) فسُئلت صاحبته (زوجته)، فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهاتفة، فقال رسول الله ﷺ : (لذلك غسلته الملائكة) (٢). أما حبهم للشهادة فلا تسل عنه، فلقد كانوا يسابقون إليها تسابقًا عجيبًا، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأخيه يوم أحد: خذ درعي يا أخي. قال: أريد الشهادة مثل الذي تريد، فتركاها جميعًا (٣). وهذا عبد الله بن جحش ﵁ يدعو الله قبل معركة أحد فيقول: اللهم إني أقسم عليك أن القى العدو غدًا، فيقتلني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني بم ذالك؟ فأقول: فيك (٤). أما معاذ بن جبل ﵁ فأمره عجيب في حبه لربه، فعندما اشتد به النزع بعد إصابته بالطاعون كان كلما أفاق فتح طوقْه ثم قال: اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك (٥). ثالثًا: الخوف الشديد من الله (جيل خاشع، خائف من الله) قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ? وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (إبراهيم:١٣،١٤). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف:١٢٨). وقال تعالى مخاطبًا رسوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود:٤٩).

стр. 22

من خلال هذه الآيات يتبين لنا أن الخوف من الله ينبغي أن يملأ قلوب أبناء الجيل الموعود بالنصر والتمكين ... خوف مبعثه الإجلال والتعظيم والمهابة لله ، ومبعثه كذلك الشعور بالتقصير في القيام بحقوق العبودية ... وخوف من عاقبة الذنوب التي لا ينفك عنها بشر ... ومن التعرض لسوء الخاتمة، ومن سكرات الموت وحساب القبر، ومن أهوال يوم القيامة، ومن العرض على الله والتعرض للحساب، وعدم رجحان كفة الحسنات، وعدم الجواز على الصراط ... وفارق كبير بين خوف عارض يهز المشاعر، ويُرسل العبرات، ثم يمضي إلى حال سبيله، وبين خوف دائم يملأ القلب ويجعله دائمًا في حالة من التذكر والانتباه .... إن الخوف المطلوب وجوده في قلوب أبناء جيل التمكين هو الخوف الذي يدفع للعمل ويثمر التقوى والحذر والورع في كل الأقوال والأفعال، فيتحرى صاحبه الدقة في كلامه، ويترك الكثير من المباح مخافة الوقوع في الحرام ... المطلوب هو خوف يدفع صاحبه لتعظيم شعائر الله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢). ويجعله مسارعًا في الخيرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ? وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ?وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ?وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ? أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون:٥٧، ٦١). معنى ذلك أن الخوف من الله له دور كبير في استقامة العبد على الصراط المستقيم ومن ثّم دخوله إلى دائرة الولاية والنصرة والكفاية الإلهية ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (آل عمران:١٢٠). - نماذج من خوف الصحابة: وعندما نبحث عن هذه الصفة في جيل الصحابة نجد أنها قد تمكنت منهم تمكنًا شديدًا، وظهرت آثارها على حياتهم وسلوكهم، فهذا أبو بكر الصديق ﵁، وهو خير من في الأمة بعد الأنبياء وبعد الرسول ﷺ يقول: يا ليتني كنت شجرة تؤكل ثم تعضد. وذُكر عنه أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وكان بيكي كثيرًا ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا (١). وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول عند موته: والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله قبل أن آراه ... وكانت آخر كلماته قبل موته: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي. وهذا عثمان ﵁ يقول: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير. قال أبو عبيدة الجراح ﵁: وددت أني كبش فذبحني أهلي وأكلوا لحمي وحسوا مرقي. وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع .. وهذا أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد، وددت أني لم أُخلق (٢). وقال رجل عند عبد الله بن مسعود ﵁: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أكون من المقربين أحب إلىَّ. فقال عبد الله: لكن ههنا رجل ودَّ لو أنه مات لم يُبعث ... يعني نفسه. وكان شداد بن أوس الأنصاري ﵁ إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم فيقول: اللهم إنَّ النار أذهبت منى النوم، فيقوم فيصلي حتى يُصبح. وهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول: والله لوددت أني شجرة، والله لوددت أني كنت مَدَرة، والله لوددت أنَّ الله لم يكن خلقني شيئًا قط (٣).

стр. 23

ودخل عليها ابن عباس ﵄ وهي تموت فأثنى عليها، فقالت: دعني منك، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسيًا منسيًا (١). رابعًا: جيل عابد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ? إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٥،١٠٦). - فجيل التمكين جيل عابد لله ... كثير الذكر، كثير الطاعة، ... جيل تعرفه الملائكة، وتشهد له المساجد بأنه من عمَّارها وأوتادها. - يبكر للصلاة، ويحافظ على السنن .. لا يفوته قيام الليل مهما كان تعبه ... - له أوراد يحافظ عليها من نوافل وصلوات وكذلك الأذكار وقراءة القرآن. - قرة عينه في الصلاة .. يطيل الركوع والسجود، ويكثر مناجاة ربه .. - كثير الإنفاق .. كثير الصيام .. كثير الدعاء .. - لا يشغله اهتمامه بالناس ودعوتهم عن اهتمامه بنفسه، فهو دومًا يحافظ على توازنه، وزاده الإيماني. - هكذا كان أصحاب محمد ﷺ : يصف علي بن أبي طالب ﵁ الصحابة فيقول: لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ ، فلم أر اليوم شيئًا يشبههم، لقد كانوا يُصبحون شُعثًا غُبرًا، بين أعينهم أمثال رُكب المعزى، قد باتوا لله سُجدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهَملَتْ أعينهم حتى تبلّ ثيابهم ... (٢). لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدي الحرص على العبادة وعلى الصلاة وبخاصة صلاة الجماعة بالمسجد، يقول ابن مسعود ﵁: "من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم ﵊ سُنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهرَّ فيُحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف". ويقول عبد الله بن عمر ﵄: كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن (٣). - رهبان الليل: ومع شدة حرصهم على صلاة الجماعة، كانوا كذلك حريصين على قيام الليل، وكانوا يتعاملون معه على أنه مصدر أنسهم وسعادتهم، ولم يكن يصرفهم عنه تعب ولا سفر .. . فكانوا كما وُصفوا رهبانًا بالليل، فرسانًا بالنهار .. يحيون ليلهم بطاعة ربهم، بتلاوة، وتضرع، وسؤال وعيونهم تجري بفيض دموعهم، مثل انهمال الوابل الهطال، في الليل رهبان، وعند جهادهم لعدوهم من أشجع الأبطال، وإذا بدا علم الرهان رأيتهم بصالح الأعمال. جاءت هند زوج أبي سفيان ﵁ زوجها صبيحة فتح مكة، فقالت له أريد أن أبايع محمدًا ﷺ ، قال أبو سفيان: قد رأيتك تكفرين، قالت: أي والله، والله ما رأيت الله تعالى عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، والله إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا (٤).

стр. 24

خامسًا: التواضع (جيل متواضع) من أهم الصفات التي ينبغي أن تتوفر في الجيل الموعود بالنصر والتمكين: التواضع، والتي يؤكد عليها ما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة:٥٤). فالذلة للمؤمنين وخفض الجناح لهم يدل على تواضع صاحبه. وحقيقة التواضع أن يكون المرء عند نفسه صغيرًا ... وهي حالة قلبية يعيشها العبد وتظهر آثارها في سلوكه وتعاملاته مع ربه، ومع نفسه، و مع الناس . - مع الله: تواضع العبد في علاقته مع ربه تنطلق من رؤيته لحقيقته وأصله، وأنه مخلوق عاجز، ضعيف، جاهل ... أصله هو التراب، والماء المهين ... وتنطلق كذلك من استشعاره لعظمة ربه، وجلاله، وكماله، وعظيم فضله عليه. هذه الحالة القلبية ينبغي لها أن يترجمها العبد في صورة تذلل ومسكنة وخضوع لله ، وإظهار لعظيم افتقاره وحاجته إليه، وأنه مهما أوتي من أشكال الصحة أو القوة أو الجمال أو الثراء .. فهو كما هو: عبد ذليل لرب جليل، وأن هذه الأشياء لم تغير من حقيقته شيئًا. - مع النفس: وحقيقة التواضع مع النفس هو استصغار المرء لها، ورؤيتها بعين النقص، ووضعها دائمًا في منزلة أقل مما ينبغي أن تكون، وحسبك في ذلك ما فعله موسى ﵇ عندما استصغر نفسه، واستكثر أن يتحمل الرسالة بمفرده، وطلب من ربه أن يساعده في حملها أخوه هارون ﵇: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُو﴾ (القصص:٣٤). مع أن الواقع يدل على أنه ﵇ قد قام بها خير القيام. ومن صور تواضع المرء: عدم تقديم نفسه للقيام بعمل ما، وكذلك رؤيته لنفسه أنها ليست أهلًا للعمل الذي يتم ترشيحه له .... ومنها أنه يمشي على الأرض هونًا، فلا يتبختر أو يختال. - مع الناس: تواضع المرء مع الناس ينطلق من رؤيته لهم على أنهم أفضل منه مهما كانت أعماله أو رتبته، فهو دائمًا ينظر إلى الجانب الإيجابي لكل من يتعامل معه ويستشعر أفضليته عليه. ويظهر ذلك في سلوكه معه .. فهو لا يستنكف عن خدمة أهله، ويخفض جناحه للمؤمنين، ويجيب دعوة الفقراء والضعفاء، ويكثر من الجلوس مع المساكين، ويسعى في قضاء حوائج الناس و ... . - تواضع الصحابة: لقد تجلت هذه الصفة وظهرت آثارها بوضوح في جيل الصحابة رضوان الله عليهم ... انظر إلى أبي بكر ﵁ وقد استمر في حلب الأغنام لجيرانه بعد توليه الخلافة، ويقول لهم بعد أن ظنوا أنه لن يستمر في ذلك: بل لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خُلق كنت عليه، فاستمر يحلب لهم (١). وفي أول خطبة بعد توليه الخلافة يقول للناس: قد وليت عليكم ولست بخيركم .. مع أنه ﵁ خير الناس جميعًا بعد رسول الله ﷺ ، ولكنه استصغار النفس. وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يدخل بيت المقدس فاتحًا فماذا كان حاله؟

стр. 25

كان بينه وبين الغلام الذي معه مناوبة .. فلما قرب من الشام كانت نوبة ركوب الغلام، فركب الغلام وأخذ عمر بزمام الناقة فاستقبله الماء في الطريق، فجعل عمر يخوض في الماء، ونعله تحت إبطه اليسرى، وهو آخذ بزمام الناقة، فخرج أبو عبيدة الجراح ﵁ وكان أميرًا على الشام، وقال: يا أمير المؤمنين إن عظماء الشام يخرجون إليك، فلا يحسن أن يروك على هذه الحالة، فقال عمر: إنما أعزنا الله بالإسلام، فلا نبالي بمقالة الناس (١). ومر يومًا على امرأة وهي تعصد العصيدة، فقال: ليس هكذا يُعصد، ثم أخذ المسوط، فقال: هكذا (٢). وعند موته ﵁ قال لابنه عبد الله ﵁: اطرح وجهي يا بني بالأرض لعل الله يرحمني .. قال: فمسح خديه بالتراب (٣). ورُئي عثمان بن عفان ﵁ يركب على بغلة، وخلفه غلامه نائل وهو خليفة، ورُئي كذلك نائمًا في المسجد في ملحفة وليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين (٤). ولما بعث عمر أبا هريرة أميرًا للبحرين دخلها وهو راكب على حمار، وجعل يقول: طرِّقوا للأمير، طرّقوا للأمير (٥). وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ لا يُعرف من بين عبيده أي من تواضعه في الزي (٦). وكان سلمان الفارسي ﵁ أميرًا بالمدائن، ومر برجل من عظمائها قد اشترى شيئًا، فحسب سلمان حمالًا، فقال: تعالى فاحمل هذا، فحمله سلمان، فجل يتلقاه الناس ويقولون: أصلح الله الأمير، نحن نحمل عنك، فأبى أن يدفع لهم، فقال الرجل في نفسه: ويحك إني لم أسخر إلا الأمير، فجعل يعتذر إليه ويقول: لم أعرفك أصلحك الله، فقال: انطلق، فذهب به إلى منزله، ثم قال: لا أسخر أحدًا أبدًا (٧). سادسًا: الزهد في الدنيا (جيل زاهد) جيل التغيير جيل زاهد في الدنيا بمفهوم الزهد الحقيقي ألا وهو انصراف الرغبة عن الدنيا ومجافاتها كما قال ﷺ : (مالي والدنيا ومالي!) (٨). وكيف لا يكون الجيل الموعود بالنصر والتمكين كذلك، وحب الدنيا والرغبة فيها من أهم العوائق التي تحول بين العبد وبين الدخول في دائرة المعية الإلهية. وما أصاب الأمة ما أصابها من ضعف وذل إلا بحبها للدنيا ورغبتها فيها، وإيثارها إياها على الآخرة، ولقد تنبأ رسولنا ﷺ بذلك فقال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلة يومئذ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يُجعل الوهن في قلوبكم، ويُنزع الرعب من قلوب عدوكم، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت) (٩). لابد إذن من توافر هذه الصفة في الجيل الموعود، وأن يخرج حب الدنيا من قلوب أبنائه ... عليه أن يكون شعاره في الحياة "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى". لا ينبغي عليه أن يفكر كثيرًا في المال، بل ينظر إليه على حقيقته في أنه وسيلة يستجلب بها حاجاته وحاجات أهله الأساسية، ويصون بها وجهه عن سؤال الناس واستجدائهم. - طموح ولكن .. !!: إن جيل التمكين جيل طموح، ولكن ماهي طموحاته؟! هل في العلاوة والمنصب والجاه .. هل في شراء أرض لبناء عقار لأبنائه؟! .... هل في زيادة رصيده في البنك؟!

стр. 26

لا، فهذه كلها طموحات دنيوية لا قيمة لها، ولن تفيده في مستقبله الحقيقي هناك في الدار الآخرة. أما طموحاته الحقيقية فهي عند الله ، في الفردوس الأعلى ... في رؤية مولاه ... في مصاحبة رسوله وحبيبه ﷺ . طموحاته في الشهادة في سبيل الله وأن تكون روحه في حواصل طير خضر ... من هنا فإنه يتعامل مع الدنيا على حقيقتها بأنها مزرعة للآخرة ... . - لا يُساوم: إن جيل التغيير جيل عابد لله ، وحر من كل ما سواه ... لا يأسره شيء من حطام الدنيا .. لا تأسره وظيفة يخاف من فقدانها، أو منصب يخشى فواته ... . جيل وضحت عنده الغاية، وتعلق بصره بالسماء، فهدفه الأسمى رضا الله وجنته، أما ما دون ذلك فهو زاهد فيه ... لا يعنيه كثيرًا إن كان غنيًا أو فقيرًا ... أن رُزق بأولاد أو لم يرزق ... أن كان في منصب رفيع أو وضيع. ومن آثار حرية هذا الجيل أنه غير مقيد بأثقال تمنعه من الحركة: أنه لا يساوم على شيء من هذه الدنيا، فنتيجة المساومة معروفة. ومما يعين هذا الجيل على الحرية من أسر الدنيا: ألا يتشعب في المشاريع الاقتصادية، وأن يكون زاده في الدنيا كزاد الراكب، فلا يتوسع في كماليات تحتاج منه إلى مصاريف كثيرة تصبح أداةً تضغط عليه، وأثقالًا تربط قلبه بالدنيا. وليس معنى هذا أن يكون جيل التمكين جيلًا فقيرًا، بل المقصد ألا تشغل الدنيا فكره أو تأسر قلبه، فالمهمة العظيمة المنوطة به تستدعي منه عدم التعلق بشيء سوى الله ... تأمل معي هذا الحديث النبوي الشريف لتعرف أهمية عدم تعلق القلب بالدنيا ... . قال ﷺ : (غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فقال لقومه: لا ينبعني رجل ملك بُضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها، ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر أولادها ... ) (١). فهنا اشترط هذا النبي شروطًا لمن يريد الخروج معه، القاسم المشترك لهذه الشروط هو عدم وجود ما يشغل الذهن، أو يكون وسيلة ضغط على الشخص تجعله متثاقلًا في حركته، يتمنى عدم الموت لكي يعود ويتفقد أشغاله. من هنا ندرك قيمة توجيه الرسول ﷺ لأصحابه: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) (٢). - من لوازم الحرية: ومن أخطر الأشياء التي يمكنها أن تجذب أبناء جيل التمكين إلى الأرض وتحد من حريتهم، وتضع الأثقال في قلوبهم، أن لا تكون زوجته وأولاده على مستواه من الفهم، ووضوح الغاية مما يشكل أمامه عائقًا كبيرًا يعوق حركته وتجرده، ولقد بين لنا القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (التغابن:١٤). وقال ﷺ : (الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة) (٣). من هنا كان من الضروري أن يختار أبناء هذا الجيل لأنفسهم زوجات يشعُرنْ بهموم الأمة، ويدركن حاجتها إلى جيل جديد يُخرجها - بإذن الله - من النفق المظلم الذي تسير فيه منذ زمن طويل، ويدركن أيضًا أن هذا الجيل ليس كبقية الناس في أحلامه وطموحاته الدنيوية، لذلك فلن يطالبن بفرش وثير ومسكن واسع، وسيارة حديثة و ... بل سيطالبن أزواجهم ببذل المزيد من الجهد في العمل المطلوب منهم، وليس ذلك فحسب بل سيكُنَّ بجوارهم معينات ومؤازرات، فجيل التمكين ليس قاصرًا على الرجال فقط، بل الرجال والنساء سواءً بسواء ...

стр. 27

- الزهاد الأوائل: كان الصحابة أكثر الخلق عبودية لله بعد الرسل، ومن ثَّم كانوا أكثر الخلق حرية من الدنيا، لقد كانت صفة الزهد في الدنيا من أبرز الصفات التي ميزتهم عما سواهم ... يقول عبد الله بن مسعود ﵁ لمن بعده من التابعين: أنتم أكثر صومًا وصلاة من أصحاب محمد وهم كانوا خيرًا منكم. فقالوا: وبمَ ذلك؟، قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة (١). لقد كانوا يخافون من بسط الدنيا، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ أتته غنائم القادسية، فجعل يتصفحها وينظر إليها وهو يبكي ومعه عبد الرحمن بن عوف ﵁، فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين هذا يوم فرح وسرور، فقال: أجل، ولكن لم يؤت هذا قوم قط إلا أورثتهم العداوة والبغضاء (٢). وهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ يدخل على سلمان ﵁ يعوده، فبكى سلمان، فقال سعد: ما يبكيك؟ تلقى أصحابك، وترد على رسول الله ﷺ الحوض، وتُوفى رسول الله ﷺ وهو عنك راض! فقال: ما أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدنيا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا فقال: (ليكن بُلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب) وهذه الأوساد حولي، وإنما حوله مِطْهرة أو إنجاتة (٣) ونحوها. - مفهوم التهلكة: لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون أن التهلكة ليست في الموت في سبيل الله بل في الركون إلى الدنيا. عن أبي عمران ﵁ قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري ﵁، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا. صحبنا رسول الله ﷺ وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:١٩٥)، فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد (٤). - جيل الأحرار: حاولت قريش مساومة صهيب الرومي ﵁ على عدم الهجرة إلى المدينة أو ترك ماله الذي جمعه نظير عمله عندهم فماذا فعل صهيب؟! قال لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تتخلون عني؟ قالوا: نعم، يقول صهيب: فدفعت إليهم مالي فخلوا عني فخرجت حتى قدمت المدينة فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال (ربح صهيب، ربح صهيب) مرتين، وفيه وفي أمثاله نزلت الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ (البقرة:٢٠٧) (٥). - الزهد في المال: ومما يدل على أن طموح الصحابة كان في زيادة رصيدهم من نعيم الآخرة هو كثرة إنفاقهم للمال مع شدة حاجتهم إليه، فإن كنت في شك من هذا فتأمل معي هذا الخبر: لما أتى عمر الشام، طاف بها ونزل بحمص، فأمر أن يكتبوا له فقراءهم، فرُفع إليه الكتاب، فإذا فيه سعيد بن عامر " أميرها ". قال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا! قال: أميركم؟ قالوا: نعم، فعجب عمر فقال: كيف يكون أميركم فقيرًا؟ أين عطاؤه؟ وأين رزقه؟، قالوا: يا أمير المؤمنين، لا يمسك شيئًا، فبكى عمر، ثم عمد إلى ألف دينار، فصرَّها - أي وضعها في صُرَّة - ثم بعث إليه بها، وقال: أقرئه السلام وقل: بعث بها إليك أمير المؤمنين تستعين بها على حاجتك.

стр. 28

فجاء بها إليه الرسول، فنظر، فإذا هي دنانير، فجعل يسترجع! وتقول له امرأته: ما شأنك؟ أمات أمير المؤمنين؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: فما شأنك؟ قال: الدنيا أتتني! الفتنة دخلت عليَّ! قال: فاصنع فيها ما شئت. قال: عندك عَوْن؟ قالت: نعم. فأخذ ذريعة له، فصر دنانير فيها صُررًا، ثم جعلها في مِخلاة، ثم اعترض بها جيشًا من جيوش المسلمين، فأمضاها كلها (١). سابعًا: جيل مجاهد من سمات الجيل الموعود أنه جيل مجاهد في سبيل الله، يبذل جهده ووسعه وطاقته من أجل رضا ربه، ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة:٥٤). لقد وضحت الرؤية لهذا الجيل، ورُفع له علم الخلافة وأستاذية العالم، فشمَّر للوصول إليه، وجعل حياته وإمكاناته وفقًا لتنفيذ هذا الهدف، ولا ينتظر من ذلك إلا رضا مولاه عنه. جيل لا يبخل بأي جهد يبذله للوصول إلى هدفه، ولِمَ لا وهو يعلم أن إقامة هذا الدين لن تكون إلا بجهد البشر في البداية ليأتي التأييد الإلهي تبعًا لوجود هذا الجهد كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:٧). من هنا يعلم أبناء هذا الجيل أن أي جهد يبذلونه - مهما كان ضئيلًا - فإنه يمثل خطوة مهمة في بناء المشروع الإسلامي، لذلك فهم يصلون الليل بالنهار من أجل الوصول إلى أهدافهم دون الإخلال بواجباتهم تجاه أنفسهم أو أهليهم. لقد أوقف هذا الجيل حياته من أجل هدفه، وجعل كل شيء آخر على هامش تفكيره .. أجلَّ الكثير من متع نفسه من أجل مشروعه ومشروع الأمة العظيم، يدفعه لذلك الحُرقة الشديدة التي تملأ قلبه على أحوال أمته وما يحدث لها من ذل وهوان لم يسبق له مثيل. تراه دومًا على استعداد تام للتضحية بأي شيء من أجل رضا الله وتحكيم شرعه ورفع رايته. على استعداد لأن يبذل ماله ووقته وجهده وراحته ... وعلى استعداد كذلك للتضحية بالمنصب والعقود المغرية التي من شأنها أن تُحسن وضعه المالي. هيأ نفسه وبيته للبذل وتحمل خشونة العيش وكذلك المضايقات والإيذاءات التي من المتوقع أن يتعرض لها. وتتصاعد التضحية لتصل إلى درجة التضحية بالنفس طمعًا في رضا ربه والفوز بمكانة الشهداء عنده. - مع الصحابة وجهادهم في سبيل الله: لقد أوقف الصحابة حياتهم من أجل الله وجاهدوا في سبيله وتحملوا خشونة العيش والجوع والأذى رغبة فيما عنده . عن أبي موسى ﵁ قال: " لو رأيتنا ونحن مع نبينا ﷺ ، لحسبت أنما ريحنا ريح الضأن، إنما لباسنا الصوف وطعامنا الأسودان التمر والماء" (٢). وعن محمد بن سيرين قال: " كان الرجل من أصحاب النبي ﷺ يأتي عليه ثلاثة أيام لا يجد شيئًا يأكله فيأخذ الجلدة فيشويها فيأكلها فإذا لم يجد شيئًا أخذ حجرًا فشد صلبه" (٣). - وضوح الهدف: لقد كان أبناء الجيل الأول يعلم بوضوح هدفه في الدنيا، وأن الله قد اختارهم لينشروا دينه، ويقوموا بالشهادة على الناس، ويسعوا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، لذلك انتشروا في الأرض يدعون الخلق إلى الله، ويجاهدون في سبيله .. لم يركنوا إلى الدنيا، ولم ينقطعوا للعبادة، أو مجاورة الحرم .. لم يقيموا في مدينة نبيهم ﷺ ، مع ما في ذلك من فضل عظيم، لأنهم علموا أن الله يريد منهم الدعوة والجهاد وتعبيد الأرض له سبحانه.

стр. 29

تأمل معي ربعيّ بن عامر ﵁ وهو أحد عامة جيش المسلمين الذين ذهبوا لفتح بلاد فارس وهو يخاطب رستم قائد الفرس، فحين سأله رستم: " ما جاء بكم؟ " قال: " الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله، وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقى" .. (١). - وضوح الغاية: أما غايتهم - رضوان الله عليهم - فقد كانت واضحة أمامهم تمام الوضوح، وتمثل في رضا الله وبلوغ جنته ... لقد اقتربت الجنة أمام أعينهم، فازداد شوقهم إليها، ومن ثَّم العمل على دخولها .. تأمل معي ما حدث لحرام بن ملحان ﵁ وهو أحد القراء الذين استشهدوا في بئر معونة ... لقد ذهب بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه وأمر رجلًا فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حِرَام: " الله أكبر، فزت ورب الكعبة". وفي بدر وقف ﷺ يُحرض أصحابه على القتال فقال لهم: (والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيُقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة)، وقال وهو يحضهم على القتال: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)، وحينئذ قال عمير بن الحمام: " بخ بخ "، فقال رسول الله ﷺ : (ما يحملك على قول بخ بخ؟) قال: " لا، والله يارسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها "، قال: (فإنك من أهلها)، فأخرج ثمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: " لئن أنا حييت آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل". وكذلك سأله عوف بن الحارث بن العفراء، فقال: " يا رسول الله ما يضحك الرب من بعده "! قال: (غمسه يده في العدو حاسرًا)، فنزع درعًا كان عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل (٢). وهذا جعفر بن أبي طالب ﵁ يعقر فرسه في مؤتة ويقاتل الروم حتى قتل وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردة شرابها والروم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها علىَّ إذا لاقيتها ضرابها (٣) ثامنًا: الصبر والثبات (جيل صابر) من الصفات الأساسية للجيل الموعود بالنصر والتمكين أنه جيل صابر .. يتحمل ما يلاقيه من ضغوط، ويجتاز ما يقابله من عقبات، ويثبت أمام المحن والبلايا التي يتعرض لها في طريقه لتحقيق هدفه المنشود. لقد علم أبناء هذا الجيل بأن الطريق الذي يوصلهم إلى هدفهم ليس مفروشًا بالورود والرياحين، بل طريق صعب، مرير، طويل ... ملئ بالأشواك والعقبات ... يقف على جانبيه شياطين الإنس والجن يعملون جاهدين على إيقاف المسيرة، والحيلولة دون وصولهم إلى غايتهم التي نذروا حياتهم من أجلها في رضا مولاهم والفوز بجنته. علم أبناء هذا الجيل طبيعة الطريق فوطنوا أنفسهم على ذلك، واعتصموا بربهم، وعاهدوه على المُضى قُدمًا في هذا الطريق، فإما أن يموتوا فيه مجاهدين في سبيل مولاهم، صابرين، ثابتين على عهدهم، أو يصلوا إلى هدفهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:٢٣).

стр. 30

- طريق أصحاب الدعوات: إن طريق أصحاب الدعوات الصادقة - طريق التمكين - طريق واحد لا ثاني له، سار عليه الرسل وأتباعهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة:٢١٤). يقول الصلابي: "الإبتلاء مرتبط بالتمكين ارتباطًا وثيقًا، فلقد جرت سنة الله تعالى ألا يُمكِّن لأمة إلا بعد أن تمر بمراحل الاختيار المختلفة، وإلا بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطيب وهي سنة جارية على الأمة الإسلامية لا تتخلف، فقد شاء الله تعالى أن يبتلى المؤمنين، ويختبرهم، ليمحص إيمانهم، ثم يكون لهم التمكين في الأرض بعد ذلك، ولذلك جاء المعنى على لسان الإمام الشافعي ﵀ حين سأله رجل، أيهما أفضل للمرء ـ أن يُمكن أو يبتلى؟ فقال الإمام الشافعي: " لا يُمكَّن حتى يُبتلى"، فإن الله تعالى ابتلى نوحًا، وإبراهيم، وموسى، ومحمدًا - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة" (١). إذن فسنة الإبتلاء من لوازم طريق التمكين: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد:٣١) ... ولا يوجد خيار آخر للتعامل معها غير الصبر والثبات والاعتصام بالله ... ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:٢٥٠). - الصبر والثبات عند الجيل الأول: عندما نتأمل سيرة الجيل الأول نجد أنهم قد تعرضوا لفتن وابتلاءات عظيمة كان من أشدها ما تعرض له المسلمون في الأوائل في مكة فصبروا وتحملوا وثبتوا على عهدهم مع الله ... انظر ما حدث لبلال ﵁ وما فعله معه عدو الله أمية بن خلف إذ كان يُخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له، لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول - وهو في ذلك البلاء -: " أحد، أحد" (٢). ويقول عثمان بن عفان ﵁ بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ بالبطحاء إذ بعمَّار وأبيه وأمه يُعذبون في الشمس ليرتدوا عن الإسلام، فقال أبو عمّار: " يا رسول الله، الدهر كله هكذا؟ " فقال: (صبرًا آل ياسر. اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت) (٣). لقد كان رسول الله ﷺ بينهم يراهم يُعذَّبون فكان يأمرهم بالصبر لأنه يعلم ﷺ أن طريق الدعوات لابد وأن يصاحبه إيذاء ومضايقات وعقبات، ولا بديل عن الصبر والتحمل واجتياز تلك العقبات حتى يأذن الله بالفرج ... تأمل معي ما قال ﷺ عندما جاءه خباب بن الأرت ﵁ عند الكعبة يشكو إليه شدة ما لاقوه من الأذى، ويطلب منه أن يدعو الله لهم، فأحمر وجهه ﷺ وقال: (لقد كان من قبلكم ليُمشط بأمشاط من حديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه!! وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) (٤).

стр. 31

وفي غزوة الأحزاب، ومع شدة البلاء، واجتماع المشركين على المؤمنين من كل جانب، وتضييق الخناق عليهم، تذكر هؤلاء ما أخبر به الله رسوله ﷺ عما سيلاقونه من متاعب وهم في طريقهم لإقامة الدولة الإسلامية العالمية، فزادهم ذلك إيمانًا وتسليمًا لله وصبرًا واحتسابًا لما عنده ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٢٢). تاسعًا: الاعتدال والتوازن من أهم سمات هذا الجيل أنه جيل معتدل ومتوازن في أموره كلها ... في عباداته ومعاملاته، في فهمه وحركته .. يُعطي كل ذي حق حقه، لا يضخم صغيرًا، أو يصغر كبيرًا يضع كل شيء في مكانه الصحيح ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة:٢٦٩). يوازن بين متطلبات إصلاح نفسه وبين متطلبات بيته ومجتمعه، ويعلم أن الدائرة الأَوْلى هي نفسه، ثم بيته ثم مجتمعه. لا يتشدد فيما لا ينبغي التشدد فيه، ولا يكلف نفسه ما لا يطيق. - عالم بزمانه: جيل التمكين ليس جيلًا منعزلًا عن الناس، فلا تراه يعيش في خلوة بعيدًا عنهم، بل هو ابن بيئته، يعرف زمانه جيدًا، ويُحسن التعامل مع متغيرات الحياة، ووسائل العلم الحديث ... مثقف الفكر .. يعيش هموم أمته، ويعي جيدًا كيف يخطط أعداؤه. يستخدم كل جديد لتبليغ دعوته، والوصول إلى هدفه. - منشغل ببناء الحق: الجيل الموعود كذلك ينشغل ببناء الحق، ويصب جهده في إعادة بناء الأمة وبث الروح فيها، هذه المهمة تستدعي منه عدم الانشغال كثيرًا بهدم الباطل .. فإن قلت: ولماذا لا ينشغل أيضًا بهدم الباطل؟!! جاءك الجواب بأن الباطل وهو في عنفوانه له الكثير من الأعوان، ولو انشغل بهدمه لاستنُفذت قواه، ولضاع مجهودهُ سدى ... ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة في ذلك، فلقد كان ﷺ يطوف حول الكعبة وحولها من الأصنام ما يبلغ ثلاثمائة وستين صنمًا، ومع ذلك لم يحاول هدمها، بل كان عمله ﷺ مُنصبًا على بناء التوحيد في النفوس، وإقامة الدولة الإسلامية ليأتي بعد ذلك هدم الباطل بسهولة ويسر ... لقد انشغل ﷺ ببناء الأمة، ويومًا بعد يوم ارتفع الصرح الإسلامي وتضاءل الباطل، حتى جاء اليوم الذي زهق فيه تمامًا، وأزيلت الأصنام من الجزيرة العربية كلها .. وهذا هو المطلوب: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ? وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ? وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود:١٢١ - ١٢٣). - مع الجيل الأول: إن قضية الفهم الصحيح للإسلام لمن الأهمية بمكان لجيل التمكين، فإن كان الإيمان هو الدافع الحقيقي للأعمال، فإن الفهم الصحيح هو الذي يمنع جنوح هذه الأعمال خارج أُطر الاستقامة .. ولقد تمثلت هذه الصفة جيدًا في جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - وظهرت مظاهرها في الكثير من أقوالهم وأفعالهم، ولعل من أقوى المظاهر تأخرهم في دفن رسولهم وحبيبهم ﷺ حتى انتهوا من اختيار خليفة وإمام لهم، خشية أن يبيتوا ليلة بغير إمام، ولما في ذلك من مفسدة عظيمة للأمة.

стр. 32

وهذا أبو بكر الصديق ﵁ عندما حان الأجل وجاءته ساعة الوفاة يوصي عمر بن الخطاب ﵁ بعد أن استخلفه مكانه خليفة للمسلمين فيقول له: " إن لله تعالى حقًا بالنهار لا يقبله بالليل، ولله في الليل حق لا يقبله بالنهار، وإنه لا تقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة" (١). ولقد ترك عثمان بن عفان ﵁ قصر الصلاة في الحج، مع أن رسول الله ﷺ كان يقصر في الحج، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اعتقاد العامة أن الصلاة ركعتان في جميع الأوقات والظروف. وهذا أبو هريرة ﵁ يقول: " لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلىَّ من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود" (٢). عاشرًا: جيل مترابط متآخ ٍ هذا الجيل - جيل التمكين - ليس مجرد أفراد متناثرين هنا وهناك لا يشعر أحدهم بالآخر، بل هو جيل مترابط متآخٍ كالبنيان المرصوص يشد بعضه أزر بعض. فالأخوة هي الرباط الذي يربط أفراده ليشكلوا جميعًا صفًا واحدًا لا أعوجاج فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف:٤). هذا الترابط الذي ينبغي أن يكون بين أبناء الجيل الموعود، له دور كبير في تحقيق الهدف المنشود، فهو وسيلة عظيمة لحماية الأفراد من الفتور أو التأثر السلبي بالهجمات التغريبية التي تتعرض لها الأمة، وهو كذلك يعينهم على الثبات ومواصلة السير، ومن خلاله يكون التنافس على الخير، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. - نماذج مشرفة: ولأن الجيل الأول هو النموذج الذي نراه أمامنا وقد تحقق فيه وعد الله بالنصر والتمكين فإن من الطبيعي أن نرى هذه الصفة وقد تجلت فيه بوضوح، وظهرت آثارها في أقوال وأفعال أبنائه، ولقد قام ﷺ بعد الهجرة من مكة إلى المدينة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا سبعين رجلًا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، وعلى أن يتوارثوا بعد الموت دون ذوى الأرحام، إلى حين واقعة بدر، فلما أنزل الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (الأنفال:٧٥). رد التوارث دون عقد الأخوة (٣). وقد جعل الرسول ﷺ هذه الأخوة عقدًا لا لفظًا فارغًا، وعملًا يتربط بالدماء والأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر، وكانت عواطف الإيثار والمواساة والؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال (٤). روى البخاري أن المهاجرين لما قدموا المدينة آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ﵄، فقال سعد لعبد الرحمن: "إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ... ".

стр. 33

- الإيثار مع الحاجة: إن رابطة الأخوة والحب في الله لمن أوثق الروابط التي تجمع بين المؤمنين بصفة عامة، وبين جيل التمكين بصفة خاصة .. هذه الرابطة يمكنها أن تشتد وتشتد حتى تصل لآفاق عالية لا يمكن لعقل أن يصدقها ... تأمل وصف الله للأنصار وكيف تعاملوا مع إخوانهم المهاجرين: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر:٩). يقول القرطبي: كان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم ﵊ أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم منازلهم، وإشراكهم في أموالهم ثم قال: (إن أحببتم قسمت ما أفاء الله عليَّ من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ماهم عليه من السكن في مساكنهم وأموالهم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم) فقال سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ: بل نقسمه بين المهاجرين، ويكونوا في دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار). لقد آثروهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم لا عن غنى، بل مع احتياجهم إليها (١). ومما يؤكد على أن الإيثار كان سمة عامة في تعامل الجيل الأول مع بعضهم البعض ما أخبر به ابن عمر ﵄ أنه أُهدى لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاة، فقال: " أخي فلان أحوج مني إليه، فبعث بها إليه، فبعث ذلك الإنسان إلى آخر فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن داوله سبعة" (٢).

стр. 34

الفصل الثالث كيف تحقق صفات الجيل الموعود ؟!!

стр. 35

الفصل الثالث كيف تحقق صفات الجيل الموعود؟ عند إجالة النظر في الصفات العشر السابقة التي تشكل الحد الأدنى لما ينبغي أن يكون عليه الجيل الموعود بالنصر والتمكين نجد أن التحقق بهذه الصفات أمر في غاية الصعوبة، وإذا ما تكلف الواحد منا بعضها فترة من الفترات فإنه سرعان ما يعود لسابق عهده، والواقع هو خير دليل على ذلك، فالكثير منا يتمنى أن يكون زاهدًا في الدنيا، راغبًا فيما عند الله، مشمرًا للجنة، مخلصًا لله، خائفًا منه، محبًا له ... لكنه لا يستطيع. نقرأ أخبار الصالحين فنتأثر بها ونحلم أن نكون مثلهم ولا نستطيع تحويل الحلم إلى حقيقة .. لماذا؟! لأننا نريد أن نقفز إلى الثمرة مباشرة ولا نبدأ الأمر من أوله، وبما أن مرحلة الإثمار هي آخر مراحل الإنبات، وتسبقها مراحل كثيرة من الرعاية والعناية، كذلك الصفات العشر السابقة، لابد لها -حتى تظهر- من عمل وبناء وتغيير داخلي يتصاعد شيئًا فشيئًا حتى تبدو الآثار وتينع الثمار. فعلى سبيل المثال: لا يمكن للإنسان أن يتكلف أعمال المخلصين لله ويستمر على ذلك فترة من الزمان، فالإخلاص ماهو إلا صورة من صور تعامل العبد مع ربه، ولابد أن تنطلق من داخله بصورة تلقائية، وكذلك الحب والخوف والرجاء والتعظيم ..

стр. 36

- المعاملة بقدر المعرفة: فإن قلت: وكيف يمكن للعبد أن يعامل ربه بهذه المعاملات، وأن يستمر على ذلك طيلة حياته؟! كانت الإجابة بأنه من الأمور المعروفة بين الناس أنه على قدر معرفة الشخص بشخص آخر تكون درجة معاملته له، فلو قُدِّر لإنسان ما أن يجلس بجوار آخر في قطار مسافر إلى بلدة بعيدة، وبدأ الحديث بين الشخصين .. في بداية الحديث يكون الكلام بينهما فيه الكثير من التحفظ، ومع استمرار التعارف وتجاذب أطراف الحديث يزول التكلف وتتحسن درجة المعاملة كل منهما للآخر .. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه لو اكتشف أحدهما أن الآخر صاحب منصب مرموق فإن نظرته له ستختلف عما كانت عليه في البداية وسينعكس ذلك - بلا شك - على طريقة تعامله معه. - الجهل بالله: فإذا ما نظرنا إلى معاملتنا وعلاقتنا بالله فسنجدها معاملة جافة، وعلاقة محدودة .. فالذي يحكمها ويؤثر فيها هو درجة معرفتنا به سبحانه، فلو يعلم الناس قدر ربهم لخافوه ولاستقاموا على أمره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الأنعام:٩١). وكلما ازداد جهل العباد بالله ازداد تصورهم الخاطئ عنه - سبحانه - وانكعس ذلك على شكل التعامل بينهم وبينه. انظر - مثلًا - لقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة:١٤٢). فلقد سمى القرآن هؤلاء الذين يسألون هذا السؤال بالسفهاء الجهلة لأنهم لا يعرفون الله، ولا يعرفون أن له ملك السموات والأرض، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. ومثال ذلك أيضًا: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ? حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ? وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (فصلت:١٩ - ٢٣). فظن هؤلاء المحدود والقاصر عن الله جعلهم يبتعدون عن صراطه المستقيم، مما أوردهم النار والعياذ بالله. - مع موسى ﵇: تأمل معي هذا الموقف الذي حدث لموسى ﵇: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف:١٤٣). في هذا الموقف طلب موسى ﵇ من ربه رؤيته، فأخبره الله بأنه لا يستطيع أن يراه وأقام له الدليل على ذلك بأنه لو تجلى سبحانه للجبل واستقر ذلك الجبل مكانه ولم يحدث له شيء فسوف يستطيع أن يراه ... ثم تجلى الله للجبل فدكَّ الجبل وتحطم. فماذا حدث لموسى ﵇؟!

стр. 37

صُعق مما رآه من منظر رهيب، ثم أفاق " وقد ازدادت " معرفته بعظمة ربه وجلاله فانعكست تلك المعرفة على كلامه ومعاملته لربه، فلما آفاق قال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. لقد تاب موسى ﵇ إلى الله من تقصيره في حقه سبحانه، وحق تعظيمه وإجلاله وتقديسه، ومن طلب لرؤيته ... هذه التوبة كانت نتيجة المعرفة التي ازدادات لديه بعد ما رأى آثار عظمة الله جلاله. إذن فمعاملة الله بالإخلاص، والحب، والخوف، والمهابة، والتعظيم، والتقوى، والاستسلام .. كل ذلك نتاج قوة المعرفة به سبحانه. معنى ذلك أن أول محور ينبغي أن تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين هو معرفة الله . - المعرفة المطلوبة: نعم، المعاملة على قدر المعرفة، ولكن المعرفة المطلوب وجودها لكي تُحدث تغييرًا في المعاملة مع الله لابد وأن تكون معرفة قوية وراسخة وعميقة ومستمرة .. المطلوب معرفة بالله ، تتمكن من يقين الإنسان وعقله الباطن، وتؤثر في مشاعره، وتشكل جزءًا أصيلًا من إيمانه. - المعرفة والإيمان: كما نعلم أن المصدر الموجه لأفعال الإنسان هو القلب، وأن القلب هو مجمع المشاعر من حب وكره، ورغبة ورهبة، وفرح وسرور، و ... هذه المشاعر يتجاذبها طرفان: إيمان وهوى .. إيمان بما في العقل من حقائق، وهوى بما تميل إليه النفس وتريده .. وعلى قدر قوة أحدهما وقت اتخاذ القرار يكون الفعل من نصيبه، قال ﷺ : (لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن) (١). فلحظات الزنى والسرقة وشرب الخمر عكست انتصار الهوى على الإيمان. معنى ذلك أنه لابد من زيادة الإيمان بالله في القلب ليثمر ذلك أعمالًا صالحة بالجوارح. وزيادة الإيمان بالله تعني زيادة اتجاه المشاعر إليه سبحانه، أي زيادة اتجاه الحب والخشية والمهابة و ... . وكلما تغيرت المشاعر واتجهت إلى الله تحسنت معاملة العبد القلبية لربه، ومن ثم انعكس ذلك بسهولة على جوارحه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢). وقال ﷺ : (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك) (٢). فعلى قدر الخشية يكون ترك المعاصي .. هذه الخشية ما هي إلا معاملة قلبية من العبد لربه تزيد وتنقص بحسب قوة المعرفة بالله . - الفكر والعاطفة: لكي تؤثر المعرفة بالله في المشاعر وتصبح جزءًا من إيمان الفرد، لابد وأن تكون عميقة ومؤثرة .. تخاطب الفكر والعاطفة، وأن تكون كذلك متواصلة لتستمر المشاعر في التوجه إلى الله . إذن فالإيمان بالله يعني: معرفة بالله تؤثر في المشاعر مما يجعل القلب يتجه بهذا الجزء من المشاعر إلى الله . أما زيادة الإيمان فتعني زيادة اتجاه المشاعر إليه سبحانه، واستكمال الإيمان يعني اتجاه المشاعر بالكلية إلى الله ، قال ﷺ : (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان). من هنا تظهر قيمة حضور العقل والقلب معًا في الأعمال الصالحة التي يقوم بها العبد لكي يزداد إيمانه، وأنه على قدر تحرك المشاعر القلبية مع الطاعة تكون زيادة الإيمان الناتج عنها.

стр. 38

معنى ذلك أن الطاعة التي تزيد الإيمان هي الطاعة التي يتحرك معها القلب، وإلا فمهما أدى العبد من طاعات كثيرة بجوارحه دون أن يتحرك قلبه معها كان الأثر الناتج عنها ضعيفًا في زيادة الإيمان، ومن ثم لا يصبح لها تأثير إيجابي على سلوك صاحبها. وخلاصة القول أن المحور الأول الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين هو معرفة الله ... هذه المعرفة لابد وأن تكون عميقة وراسخة يزداد بها الإيمان وتتأثر بها المشاعر، فتتوجه إلى الله، ومن ثم تتحسن المعاملة القلبية معه سبحانه، مما يثمر أعمالًا ومظاهر تعكس تحسن هذه المعاملة. - معرفة النفس: وكما أن قاعدة " المعاملة على قدر المعرفة " تنطبق على علاقتنا بالله وطريقة معاملتنا له سبحانه، فإنها كذلك تنطبق على نظرتنا لأنفسنا، وأسلوب التعامل معها، فالملاحظ على البعض أنه يتعامل مع نفسه بالإعجاب والرضا، ويستشعر علوها وتميزها على الآخرين .. هذه المعاملة الخاطئة مع النفس تنطلق من الجهل بحقيقتها .. فلو عرف الواحد منا حقيقة أصله، ومدى ضعفه، وإحتياجه لربه، وشدة فقره إليه .. ولو عرف هذا كله معرفة تترسخ في يقينه وتتشابك مع إيمانه لاشتد حذره من نفسه، وخوفه منها، واشتد شعوره بالاحتياج إلى الله .. معنى ذلك أن معرفة النفس معرفة حقيقية سيؤدي إلى مزيد من الإخلاص لله والتوكل الصادق عليه، وسيثمر كذلك صفة التواضع، فأصل التواضع هو استصغار العبد لنفسه، ورؤيتها بعين النقص، ورؤية غيره أفضل منه .. ومن هنا يتضح لنا أن معرفة النفس هي المحور الثاني الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين .. هذا المحور بلا شك له ارتباط وثيق بمحور معرفة الله ، فكلما ازداد العبد معرفة بربه صغرت نفسه عنده، وكلما نسى ربه ازداد نسيانه لخطورة نفسه عليه، ومن ثم ازداد ركونه إليها، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (الحشر:١٩). - معرفة الدنيا: ما الذي يجعلنا نطمع في الدنيا، ونكثر من التفكير في مستقبلنا؟! ما سبب لهفتنا على المال، والفرح بزيادته، والحزن على نقصانه؟ ما الذي يجعلنا نمد أعيننا إلى من فضلوا علينا في الرزق، ونتمنى أن نكون مثلهم؟ إنه الجهل بالدنيا وحقيقتها وكونها مجرد محطة لنستريح فيها استراحة المسافر، وأنها مرحلة من مراحل رحلة العودة إلى الله. إنه كذلك الجهل بطبيعتها وحقيقة زينتها وزيفها. هذا الجهل جعلنا نتعامل معها بطريقة خاطئة، فبدلًا من مجافاتها، وعدم الركون إليها، أحببناها وحرصنا عليها. تخيل أن أحدًا من الناس قد دعاك أنت وأسرتك لقضاء العطلة الصيفية في بلدته، عزمت على السفر ولكنك أردت بعض المعلومات عن هذه البلدة، فبحثت عنها وسألت العارفين بها فوجدت أن طقسها في الصيف حار جدًا، والكهرباء تنقطع عنها باستمرار، وأمراض الصيف تنتشر فيها بكثرة، ونسبة الرطوبة عالية جدًا، واللصوص وقطاع الطرق يملأون طرقاتها، ... فماذا سيكون رد فعلك بعد سماع هذه الأخبار؟! هل ستسافر إلى هذه البلدة أم ستنصرف رغبتك عنها؟! بلا شك أنك ستزهد في الذهاب إليها، وستنصرف عنها رغبتك بالكلية نتيجة معرفتك بحقيقتها. وكذلك الدنيا، فالسبب الرئيسي لتعلقنا بها ناتج عن جهلنا بحقيقتها .. نعم، نسمع عن بعض صفاتها بين الحين والحين فنتمنى الزهد فيها ولكننا لا نستطيع، لأن المعرفة لابد أن تكون عميقة وراسخة تدخل في يقين الإنسان وتؤثر في إيمانه حتى يكون لها مردود إيجابي ومستمر في تعامله معها بالزهد فيها والعزوف عنها.

стр. 39

إذن فمعرفة الدنيا هي المحور الثالث الذي تنطلق منها صفات الجيل الموعود، وبخاصة صفة الزهد وما شابهها من صفات. - الإيمان بالآخرة: وعلى عكس تعاملنا مع الدنيا نتعامل مع الآخرة، فعلى الرغم من كون الآخرة هي دار القرار وأن في الجنة من صور النعيم ما لا يمكن أن يدركه العقل البشري المحدود، وأن في النار من صور العذاب ما لا يتحمله بشر إلا أننا لا نتعامل مع هذه الحقيقة كما ينبغي، فلا ترانا مشمرين للجنة، بل زاهدين فيها وفي كل ما يقرب إليها، ولا ترانا كذلك خائفين وجلين من النار، أو عاملين على الهروب منها، وهذا بلا شك ناتج عن الجهل بحقيقتهما. إن وضوح الرؤية بالنسبة للجنة وعدم غياب حقيقتها عن ذهن المسلم له دور كبير في التشمير لها، فينعكس ذلك على تصرفاته، من المسارعة في الخيرات، والإكثار من العبادة، والجهاد في سبيل الله، والصبر على مشاق الطريق. معنى ذلك أن معرفة الآخرة والإيمان بها يشكل المحور الرابع، الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين. - المعارف الأربعة: إذن فهناك أربعة معارف تشكل المنطلقات الأساسية لأغلب صفات جيل التمكين، هذه المعارف هي: معرفة الله ، ومعرفة النفس، ومعرفة الدنيا، ومعرفة الآخرة، مع الأخذ في الاعتبار بأن المعرفة المطلوبة ينبغي أن تكون معرفة عميقة راسخة في يقين الإنسان وعقله الباطن، تؤثر في مشاعره لتصبح جزءًا أصيلًا من إيمانه يدفعه للتعامل الصحيح مع الله، ومع النفس، ومع الدنيا، ومع الآخرة، مما يثمر إخلاصًا لله ، وحبًا له، وخوفًا منه، وإكثارًا من عبادته، وتواضعًا، وزهدًا في الدنيا، وجهادًا، وتضحية، وصبرًا وثباتًا، وطاعة، وتجردًا، وتوكلًا على الله . - الحكمة ثمرة الفهم: أما صفة الاعتدال والتوازن وهي الصفة العاشرة فهي ثمرة للفهم الصحيح للدين وشموله، ومراتب أحكامه، وهي ثمرة كذلك لمعرفة فقه الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه الواقع، وفقه المقاصد، وفقه الخلاف، مع الأخذ في الاعتبار أهمية هذا المحور -محور الفهم- كضابط يمنع جنوح الأعمال التي قد تدفع إليها قوة الإيمان بالله واليوم الآخر، وقوة الحذر من الدنيا والنفس. فمن المتوقع أن هذه المعارف الأربعة عندما تتمكن من العبد فإن من شأنها أن تدفعه إلى ترك الدنيا أو التشديد على النفس ومنعها من بعض حظوظها المباحة، وقد تدفعه إلى التشدد فيما لا ينبغي التشدد فيه، والترخص فيما لا ينبغي الترخص فيه. ومن هنا كانت الحكمة والاعتدال والتوازن والوسطية ثمرات طيبة للفهم الصحيح للدين. معنى ذلك أن الفهم الصحيح للإسلام هو المحور الخامس الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين. - الأخوة: تبقي صفة الأخوة والترابط وموالاة المؤمنين .. هذه الصفة ماهي إلا ثمرة من ثمرات الإيمان بالله ، ولازمة من لوازمه، وكلما تمكن الإيمان بالله في القلب ازداد الحب في الله .. تأمل معي حال الأنصار عندما تمكن الإيمان من قلوبهم حتى وصلوا إلى الدرجة التي قال عنها: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ (الحشر:٩). فكأنهم دخلوا بكليتهم في الإيمان، فاختلط بلحومهم، ودمائهم فضلًا عن تمكنه من قلوبهم. هذا المستوى العجيب من الإيمان ماذا أثمر؟ أثمر حبًا في الله تجاه المهاجرين ظهرت آثاره بأفعال لم يعهدها البشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:٩).

стр. 40

والعجيب أنهم فعلوا ذلك كله عن فقر وحاجة لا غنى ويسر. - وسائل تكوين المحاور: تبين لنا مما سبق أن صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين ماهي إلا ثمار طبيعية لمعارف خمسة وهي: معرفة الله، ومعرفة النفس، ومعرفة الدنيا، ومعرفة الآخرة، ومعرفة أصول الفهم الصحيح للدين. هذه المعارف لابد وأن تترسخ في يقين المسلم وتؤثر في مشاعره وتجتذب إيمانه، حتى تثمر الصفات التي يريدها الله من عباده بصورة تلقائية ومستمرة. فإن كان الأمر كذلك، يبقي السؤال: كيف يمكننا تكوين هذه المعارف وبالصورة المطلوبة؟ حول الإجابة عن هذا السؤال يدور الحديث في الصفحات المقبلة. كيف نتعرف على الله ؟! معرفة الله هي أهم محور من المحاور الخمسة اللازمة لتكوين الجيل الموعود، وعلى قدر تلك المعرفة تكون الثمار الطيبة والصفات الحميدة التي نسعى جميعًا إلى التحلي بها، ولم لا والإخلاص والحب والخوف والرجاء والتوكل والاستعانة و .. كل هذه ثمار مباركة للمعرفة العميقة بالله .. وفي المقابل فضعف تلك المعرفة يخلف العديد من الآثار السلبية على العبد فتراه خائفًا من المخلوقين، قلقًا على رزقه، مستعينًا بغيره من البشر في قضاء حوائجه، مرتكبًا للكثير من المعاصي .. - العلم الحقيقي: من هنا كان العلم النافع الحقيقي الذي ينبغي أن يشمر إليه ويبدأ به طلبة العلم بصفة خاصة وجميع المسلمين بصفة عامة هو العلم بالله ، فمن خلال هذا العلم تتحسن معاملة العبد لربه فيخشاه ويتقيه ويحذره ويتوكل عليه ويرجوه و ... ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر:٢٨). وعلى قدر هذه المعاملات القلبية وقوتها يكون قرب العبد من ربه: ﴿أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:١٣). من هنا فُضِّل العلم بالله على غيره .. وبعد العلم بالله يأتي العلم بأحكامه ليثمر ذلك قيام العبد بأوامره سبحانه على الوجه الذي شرعه. - كيف نعرف الله ؟! الله أخبرنا بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١). وأنه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (الأنعام:١٠٣). وأنه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه:١١٠). - فكيف لنا أن نعرفه ؟ نعم، لا يعرف الله إلا الله، ولا يستطيع أحد من المخلوقات أن يعرفه سبحانه حق المعرفة، ومع ذلك فلقد أتاح الله لنا جزءًا من المعلومات عنه من خلال ما أخبرنا به من أسماء حسنى سمى بها نفسه - سبحانه - وأودع آثارها ومظاهرها في كونه ومخلوقاته، فالله أخبرنا أنه رحيم، وأظهر لنا الكثير من الآثار التي تدل على صفة الرحمة من نزول المطر، وقبول التوبة، والحلم على العصاة، ومن شريعته التي شرعها لعباده وما فيها من دلائل الرحمة، وهكذا. وأخبرنا أيضًا أنه قهار، ومن آثار صفة القهر التي أظهرها في مخلوقاته: نوع المولود، وشكله، ولونه، ... ومنها النوم، والمرض، والنسيان. إذن فالطريق إلى معرفة الله يبدأ برؤية آثار أسمائه وصفاته، وكلما ازدادت المعرفة به سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق:١٢). - آيات الله: ما من مخلوق خلقه الله إلا ويحمل رسالة تعريف به سبحانه إلى البشر، وما علينا إلا أن نحسن قراءة تلك الرسائل لتزداد معرفتنا بربنا ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (الأعراف:١٨٥).
следующие страницы →