← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36397

العودة إلى القرآن لماذا وكيف

مجدي الهلالي

Полный текст (114 стр.). Показаны 106–114 · переход к 111.

стр. 106

ومنها أيضا: الاستماع إلى المواعظ والقراءة في كتب الرقائق كـ «التوهم» للحارث بن أسد المحاسبي، و «بحر الدموع، صفة الصفوة، وبستان الواعظين» لابن الجوزي، و «الداء والدواء» لابن القيم (١). وبالمداومة على هذه الوسائل وغيرها ترق القلوب فينزل عليها القرآن نزوله الصحيح فتزداد به تذكرا وخشوعا. قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]. ثانيا: ومن المعينات أيضا: قيام الليل: تدبر القرآن، والنظر في معانيه، من شانه أن يملأ القلب بمعاني العبودية والمعارف الإلهية، فهي تعرفنا بالله وبحقوقه علينا، وتورث في القلب ما تستوجبه هذه المعرفة من تعظيم ومهابة وحب، وخوف ورجاء، وثقة، وطمانينة به سبحانه، وتدفعنا إلى الإنابة والتوبة إليه، ودوام التوكل عليه .. ويعرفنا القرآن كذلك بأنفسنا، وبمدى ضعفها، وفقرها الذاتي والمطلق لله في كل طرفة عين، وينبهنا على ضرورة الحذر من الشيطان، وأهمية الاستعاذة بالله من شره، وغير ذلك من جوانب الهداية القرآنية. وبعد أن يمتلئ القلب بكل هذه المعاني والمعارف متى سيُخرجها؟ وكيف يعبر عنها؟ لابد إذن من وسيلة عملية تساعد العبد على استفراغ هذه المعاني، ومدلولاتها من القلب .. وما من وسيلة أعظم من الصلاة، وأفضل صلاة بعد المكتوبة قيام الليل، فهو مركبة السائرين، تقربهم، وتدنيهم من حبيبهم ومولاهم. قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. ففي القيام نقرأ القرآن، ونعيش مع معانيه، ونردد الآية التي تؤثر فينا، وفي الركوع نسبح الله ونثني عليه، وفي السجود نحمده سبحانه ونمجده ونتذلل له، ونريه ذل مقامنا وانكسارنا بين يديه، وافتقارنا الماس إليه. نستغفره من ذنوبنا وتقصيرنا في القيام بحقوقه، ونسأله من خيري الدنيا والآخرة، ونفضي إليه بمدى شوقنا إلى لقائه، ونقدم له طلباتنا، ونشكو له همومنا. إنها لحظات رائعة، تلك اللحظات التي يناجي فيها العبد مولاه وحبيبه، ويستشعر فيها بالقرب منه والأنس به، وأنه ليس مقطوع النسب، فله مولى يحميه، وملك يؤويه، وكافٍ يكفيه شر ما أهمه وأغمه. ما أجملها من لحظات وأنت تكتب رسائلك إلى مولاك بدموعك، وتنتظر منه الإجابة. ومما لاشك فيه أنه مما يعين على استثارة هذه المشاعر الفياضة تجاه المولى طول القيام بالقرآن، وإجمال النظر في معانيه ليكون السجود معبرا عما تأثر به القلب، فلنحرص على القيام كل ليلة، مهما كانت شواغلنا، ولا بأس من القراءة في المصحف، فلقد أجاز العلماء ذلك في صلاة التطوع.

стр. 107

أخرج ابن أبي داود في كتابه (المصاحف) عن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي ﷺ كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف في الصلاة (١). وعن الحسن أنه كان يعجبه إذا كان مع الرجل ما يقرأ، أن يردده، ويؤم به في رمضان، وإن لم يكن معه شيء أن يقرأ في المصحف (٢). وعن عطاء أنه كان لا يرى بأسا أن يقرأ في المصحف في الصلاة (٣). ثالثا: دراسة السيرة النبوية: السيرة النبوية هي التطبيق العملي للقرآن، ودراستنا للسيرة من هذا المنطلق تزيد من فهمنا للقرآن، وتفتح لنا آفاقا جديدة لفهم ومعايشة القرآن. كذلك فإن معرفة أسباب النزول تؤدي إلى نفس المعنى، فهي تعد بمثابة نماذج تطبيقية للآيات، وتعين كذلك على استشعار الظروف التي نزلت فيها فيقوي التعايش والتفاعل معها، ومن ثم التأثر بها والاستفادة منها. رابعا: التفسير: القرآن الكريم كفيل - بإذن الله - أن يُحدث التوازن المطلوب في شخصية المسلم إذا ما أقبل عليه بروح الشغوف الباحث عن الهداية، وسيكون له عاصما من الزلل، وسيفسر بعضه بعضا، فما يجمله في مكان يفصله في مكان آخر، وسيصحح له - بدوام قراءته وتدبره - أي مفهوم خاطئ قد يتطرق إلى عقله، فأغلب آيات القرآن واضحة يسهل فهمها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. ومع هذا كله علينا أن نرجع إلى التفاسير لفهم آية لا نستطيع فهمها، أو لتصحيح مفهوم خاطئ، أو لفتح آفاق جديدة أمام عقولنا، أو لمعرفة حكم شرعي دلت عليه الآيات .. فلا بيصح لنا أن نستنبط الأحكام الشرعية مباشرة من القرآن مهما بلغت درجة انشغالنا أو تأثرنا به طالما لم نستكمل الأدوات اللازمة لذلك من علوم شرعية كثيرة بينهما العلماء في حديثهم عن شروط المفسر للقرآن. ولقد أجمل الإمام حسن البنا ﵀ الكثير من معينات الفهم لكتاب الله بما في ذلك التفسير في إجابته عن سؤال أحد الأشخاص. يقول ﵀: فلقد سألني أحد الإخوان عن أفضل التفاسير، وأقرب طرق الفهم لكتاب الله ﵎؟ فكان جوابي على سؤاله هذا هذه الكلمة: (قلبك) فقلب المؤمن لا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله ﵎. وأقرب طرائق الفهم أن يقرأ بتدبر وخشوع، وأن يستلهم الله الرشد والسداد، ويجمع شوارد فكره حين التلاوة، وأن يُلم مع ذلك بالسيرة النبوية المطهرة، ويعني بنوع خاص بأسباب النزول وارتباطها بمواضعها من هذه السيرة، فسيجد في ذلك أكبر العون على الفهم الصحيح السليم. وإذا قرأ في كتب التفسير بعد ذلك، فللوقوف على معنى لفظ دق عليه، أو تركيب خفي أمامه معناه، أو استزادة من ثقافة تعينه على الفهم الصحيح لكتاب الله. فهي مساعدات على الفهم، والفهم بعد ذلك إشراق يقدح ضوؤه في صمصم القلب .. ولاشك أن من أخذ بهذه الطريقة سيجد أثرها بعد حين في نفسه ملكة تجعل الفهم من سجيته ونورا يستضيء به في دنياه وآخرته إن شاء الله (٤). خامسا: الدعوة إلى الله: من أهم أسباب فهم القرآن والتفاعل معه والشعور بأننا المخاطبون به: الحركة وبذل الجهد بين الناس لتبليغ دين الله، والعمل على إقامة شرعه، مع ما في ذلك من صعوبات ومحن.

стр. 108

فالقرآن يثبت القلوب، ويدحض الشبهات، ويذكر بالثوابت والأولويات، ويحل المشكلات ويوضح الرؤية كلما علا الغبش وكثر الضباب في الطريق .. هذا كله لا يستطيع أن يدركه من أغلق الباب على نفسه ورضي بالقعود. فهذا القرآن كما يقول سيد قطب ﵀: لا يدرك إسراره قاعد، ولا يعلم مدلولاته إلا إنسان يؤمن به ويتحرك به (١). ويقول: إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة، ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل ليواجهها ويوجهها. والذين يلتمسون معاني القرآن ودلالاته وهو قاعدون، يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يمكلون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة بعيدا عن المعركة وبعيدا عن الحركة، إن حقيقة هذا القرآن لا تنكشف للقاعدين أبدا (٢). إن القرآن هو خير زاد للصف المسلم الذي تعقد عليه الأمة آمالها .. وهو نعم الصديق الذي يخفف عن صديقه معاناته، ويملؤه بالأمل، ويشحذ همته للاستمرار في مواجهة المعرضين عن الدعوة .. ويذكره بأن ما يحدث له قد تكرر كثيرا مع أصحاب الدعوات ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]. يقول سيد قطب ﵀: إن هذه الطلائع - طلائع البعث الإسلامي - في حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه: تستلهمه في منهج الحركة وخطواتها ومراحلها، وتستوحيه فيما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات، وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق. والقرآن بهذه الصورة لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة، ولكنه ينتفض حيا يتنزل اللحظة على الجماعة المسلمة المتحركة لتتحرك به، وتتابع توجيهاته، وتتوقع موعود الله فيه. ويستطرد قائلا: وهذا ما نعنيه بأن هذا القرآن لا ينفتح عن أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به لتحقيق مدلوله في عالم الواقع. لا لمن يقرؤونه لمجرد التبرك، ولا لمن يقرؤونه لمجرد الدراسة الفنية والعلمية، ولا لمن يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البياني فيه. إن هؤلاء جميعا لن يدركوا من هذا القرآن شيئا يذكر، فإن هذا القرآن لم يتنزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو. إنما تنزل ليكون مادة حركة وتوجيه (٣). فلنبحث عن العاملين للإسلام الداعين إليه، الذين يتحركون به حركة شاملة فنضع أيدينا في أيديهم ونسير معا وراء القرآن متجهين إلى الله . سادسا: ومن المعينات كذلك: حلقات المدارسة: قال ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٤). إن وجود حلقات المدارسة القرآنية من الأهمية بمكان لتعليم الناس كيف يدخلون إلى عالم القرآن فيهتدون بهداه، ويستشفون بشفائه. هذه الحلقات وإن كانت منتشرة في المساجد هنا وهناك إلا أن مفهومها قد اختُزِل على تعلم أحكام التجويد، وتصحيح النطق فقط، وهذا الأمر - كما أشرنا سابقا - مهم وضروري ولكنه لا يكفي لتعلم القرآن كما يريد الله ، بل هو بداية لابد أن يتبعها تعلم المعاني وجوانب الهدى والإيمان فيما يُتلى من آيات، فيسهل على من يواظب عليها التعامل مع القرآن بمفرده. في هذه الحلقات نتعرف على الله أكثر وأكثر من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله، التي أكثر القرآن من ذكرها لنستدل بها عليه إلها واحدا خالقا، عزيزا رحيما ودودا رءوفا غنيا حيا قيوما ..

стр. 109

وفيها نتدارس أسباب هلاك الأمم كعاد وثمود وقوم لوط وبني إسرائيل، ولماذا فضلهم الله على العالمين فترة من الفترات؟ ثم غضب منهم وجعل منهم قردة وخنازير؟ وغير أولئك من الأمم التي حكى عنها القرآن. وفيها نتعرف على الكون المحيط بنا، ونتذكر قصة وجودنا على الأرض، ويوم الحساب والجزاء، ومن خلالها نبحث عن واجبات العبودية وحقوق الله علينا، وحقوق العباد بعضهم على بعض .. ولا نقوم منها إلا وقد خرجنا بدروس مستفادة وواجبات عملية نعمل على الالتزام بها. سابعا: حفظ القرآن: مما لا شك فيه أن حفظ القرآن من معينات تدبره، ولِم لا وهو مع صاحبه أينما كان، يستدعيه في أي لحظة ليتلوه، ويقف عند معانية، ويدخل إلى مأدبته، يستشهد به في دعوته للناس وحركته بينهم، ويترنم بآياته، ويعيش معها، ويقف بين يدي الله . إنها نعمة عظيمة، ومرتبة عالية، تمنح صاحبها شرفا كبيرا في الدنيا والآخرة. أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن أن نافع بن الحارث الخزاعي تلقى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فسلم على عمر، فقال له: من استخلفت على البوادي؟ استخلفت عليهم يا أمير المؤمنين ابن أبزى، قال عمر: ومن ابن أبزى؟ فقال نافع: هو من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟! فقال: يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله تعالى، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» (١). ومع هذا الفضل الكبير لحامل القرآن ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا مدلول ما يحمله هذا الاسم، كما نقله إلينا صحابة رسول الله ﷺ ، ومر علينا في صفحات هذا الكتاب، فهم أدرى الناس بصورة التعامل الصحيحة مع القرآن وكيفية حفظه. إننا جميعا - بلا استثناء - نشهد أن جيل الصحابة هو أفضل جيل ظهر على الأرض في تاريخ الأمة الإسلامية، ونشهد كذلك بأن المنهج الذي صنعهم ورفعهم إلى هذه المرتبة هو القرآن، فلماذا لا نتعامل معه كما تعاملوا؟! تُرى ما الذي يحدث لو حذونا حذوهم في طريقة تعلمهم وحفظهم للقرآن؛ فنبدأ بتعلم الإيمان قبل القرآن، فستخرج من الآيات التي نريد حفظها ما فيها من جوانب الهداية ثم نستخلص منها واجبات عملية نلتزم بها في حياتنا قدر المستطاع؟ قد يقول قائل: إننا بذاك سنمكث فترة طويلة في حفظ السورة. نعم سيحدث ذلك، ولكن ما الضرر الذي سيقع علينا، وما النفع الذي سيفوتنا إن حدث ذلك؟ ألم يكن هذا هو هدي الصحابة في حفظ القرآن؟ إن حمل القرآن ليس بتعلم حروفه وحفظها فقط، بل بتعلم حروفه ومعانيه جميعا- كما يقول ابن تيمية - بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه، وذلك الذي يزيد الإيمان كما قال جندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وغيرهما: «تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا، وأنتم تعلمتم القرآن ثم تتعلمون الإيمان» .. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة (٢). فلنحفظ القرآن بهذه الطريقة، ولا نستعجل إنهاء السورة فيكفي عشر آيات نتعلمها ونعيش معها ونطبق ما فيها قدر المستطاع ثم ننتقل إلى العشر التي تليها. عن الحسن قال: مات عمر ابن الخطاب ولم يجمع القرآن، قال: أموت وأنا في زيادة أحب إليّ أن أموت وأنا في نقصان .. قال الأنصاري: يعني نسيان القرآن (٣).

стр. 110

تجربة مفيدة: فإن قيل: وما العمل فيمن حفظ القرآن كله أو بعضه بطريقة حفظ حروفه فقط؟ من كان هذا حاله - وأغلبنا كذلك إلا من رحم الله- ما عليه إلا أن يبدأ من الآن في فهمه واستخراج جوانب الهداية منه، والتفقه فيه، وليجاهد نفسه على قراءته بترسل وتؤدة، وللشيخ محمد الغزالي تجربة مفيدة في ذلك، يقول ﵀: حفظت القرآن وعمري عشر سنين .. وبداهة ما كنت أعي منه شيئا، والغريب أن هذه الطريقة في الحفظ لألفاظ القرآن صرفني عن معان كثيرة كنت أمر بها ولا أعرفها .. وأنا كبير أقرأ، ولكن لأني حفظت القرآن دون فهم للمعنى أجد نفسي في كثير من الأحيان أمضي دون فهم للمعنى، لأن الحفظ كان يغلب على التدبر أو على إحسان الوعي، وما بدأت أفكر حتى أكرهت نفسي على أن أعود فأدقق النظر في كل ما أقرأ، وأحمل نفسي على ترك هذه العادة التي ورثتها مع الحفظ (١). أما بالنسبة لتعهد القرآن والعمل على عدم نسيانه فهو أمر ضروري يلزمنا جميعا، قال ﷺ : «مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» (٢). ولكن هذه المراجعة المستمرة للمحفوظ ينبغي أن تكون بقراءة يفهمها قارئها، والحد الأدنى في ذلك ما قاله ابن عباس لأبي جمرة عندما أخبره بأنه سريع القراءة، وأنه يقرأ القرآن في ليلة، فقال له: لأن أقرأ سورة أحب إليّ .. وإن كنت لابد فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويوعها قلبك (٣). الصغار وحفظ القرآن: لا يخفى على أحد أن الامة الإسلامية في حاجة ماسة إلى من يخرجها من النفق المظلم الذي تسير فيه .. إنها بحاجة إلى من يقودها وهو يحمل المصباح بإحدى يديه والدواء باليد الأخرى .. إنها باختصار تحتاج إلى جيل قرآني ذاق حلاوة القرآن، فاختلط القرآن بلحمه ودمه، فشكل شخصيته وأنار قلبه، وهذا لن يتحقق إلا إذا بدأنا بأنفسنا وبأولادنا، فلا ينبغي أن نفوت فرصة صفاء أذهانهم حتى نملأها بمعاني القرآن، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم (٤). فلنبدأ معهم أمر القرآن من أوله ولنعمل على تأسيس القاعدة الإيمانية في قلوبهم من خلاله، فنعرفهم بالله بما تحتمله عقولهم، ونطلب منهم أن يبحثوا في القدر الذي يحفظونه عما يعرفهم به، كالتعرف على الله المنعم أو الرحيم مثلا، ثم ننتقل معهم بعد ذلك إلى واجبات العبودية، ونرفع معهم على سبيل المثال شعار: «احفظ الله يحفظك»، وكيف نستدل من القرآن على صحة هذا الشعار، ونربط بينه وبين حياتهم العملية، ونتحدث معهم كذلك عن الشيطان ثم نطلب منهم تعريفا به، وبمداخله من خلال القرآن .. وهكذا في بقية الجوانب العشر التي سبق الإشارة إليها في الفصل الثاني بأسلوب سهل، شيق، قصصي، يراعي سنهم وقدراتهم. ومما يساعد على ذلك تأكيدنا الدائم لأولادنا بأن المعنى هو المقصود من التلاوة، فلا بديل عن فهم المعنى لما سيتم حفظه، ولا داعي للاستعجال في الكم، وليكن ماثلا أمام أعيننا دوما قول أبي الدرداء لمن جاء يبشرة بأن ابنه قد جمع القرآن فقال له: اللهم غفرا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع (٥). فلنجعل أبناءنا ممن يسمع للقرآن ويطيع، وهذا لن يتأتى إلا بتعلم الإيمان قبل القرآن، مما سيجعل فترة حفظ السورة طويلة - نسبيا - وبخاصة في البداية، لكننا سنكون قد استفدنا من إمكاناتهم وفطرتهم السليمة في ترسيخ معاني القرآن وبناء تصوراتهم الصحيحة وشخصياتهم المتوازنة .. فهل هناك من يزهد في هذه الثمار ولا يتمناها لأبنائه؟

стр. 111

إن بناء اليقين الصحيح عند أبنائنا لمن أهم صور التربية الصالحة لهم، وسيعود نفعه - بمشيئة الله - عليهم وعلى أسرهم وأمتهم، والقرآن كفيل بذلك إذا ما أعطينا معانيه جل اهتمامنا، وربطنا بينه وبين الواقع، وجعلنا تشجيعنا لأولادنا مرتبطا بمدى تعلمهم المعاني الإيمانية من القرآن وتطبيقها على أنفسهم، وليس معنى هذا أن نزهد في أن يكون أبناؤنا من حفظة القرآن، ولكن المقصد هو أن نأتي أمر القرآن معهم من أوله، فنعلمهم الإيمان قبل الحفظ، فمن استطاع أن يُحفظ ابنه القرآن بهذه الطريقة فقد قدم لنفسه ولأمته خدمة عظيمة، ورفع للإسلام راية في زمن قلَّت فيه راياته. ماذا يقول الطرطوشي: يقول أبو بكر الطرطوشي في كتابه «الحوادث والبدع»: ومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه دون التفقه فيه، ويقول: سئل الإمام مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن فقال: «ما أرى هذا ينبغي» وإنما وجه إنكاره ما تقرر في الصحابة ﵃ من التسرع في حفظ القرآن دون التفقه فيه. وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]. كانوا يحفظون التوراة ولا يعلمون ما استودع الله تعالى فيها من الحكم والعبر، فوصفهم الله تعالى بأنه ليس عندهم من ذلك إلا الأماني، والأماني معناها: التلاوة. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. فشبَّه تالي القرآن من غير أن يفهمه كمثل الحمار يحمل أسفارا .. فدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا ثم لا يفهمه ولا يعمل به (١). وأيضا قد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، أ. هـ (٢). رأي البنا: وللإمام حسن البنا رأي مهم في مسألة تحفيظ القرآن للصغار، يقول ﵀: تقرر في أذهان الناس: أن تحفيظ القرآن جزء من منهج التعليم لأول أدواره، إذ أن هذه السن هي وقت قوة الحافظة والذاكرة، ولا يتيسر حفظه فيما بعد ذلك، وصار هذا عرفا يجد الناس في مخالفته كثيرا من الحرج، ويُخيل إليهم أن ذلك ضياع لكتاب الله، وترى من جانب آخر اشتغال الطلبة بحفظ القرآن كله في هذا السن يُفوِّت عليهم كثيرا من استخدام مواهبهم العقلية، ويُعطِّل كثيرا من قواهم النفسانية، ويُرسم القرآن في عقولهم وقلوبهم ألفاظا لا معنى لها، ويعودهم القرآءة بدون تفكير ولا تدبر في مستقبل حياتهم، فهذه الطريقة إن خرَّجتهم أوعية القرآن فقد حرمتهم لذة تدبره وثمرة التفكير في معانيه ومقاصده. والمشكل قديم، وقد عالجه أبو بكر بن العربي، وأشار إليه وأبان أن التحفيظ ابتداءً طريقة المشارقة، ونقد هذه الطريقة نقدا مُرًّا، وزكّى طريقة المغاربة والأندلسيين في البدء بتعليم اللغة، وتذوق الأدب، ثم يأتي دور دراسة القرآن بعد ذلك.

стр. 112

ونحن نريد أن نوفق بين حفظ كتاب الله والمحافظة عليه، وبين الانتفاع بكل القوى والمواهب في الطفل، وتربيتها جميعا تربية متناسقة، بحيث يقوي بعضها بعضا، ويعضد بعضها بعضا، ولنجمع بين الفائدتين (١). وهذا ما نريده .. أن نجمع بين الفائدتين. وإليك أخي القارئ في الأسطر القادمة تصورا مقترحا لذلك. تصور مقترح لحفظ الآيات بطريقة الإيمان قبل القرآن بداية التصور المقترح لحفظ الآيات بطريقة الإيمان قبل القرآن يبدأ بضرورة الاقتناع بأنه لا داعي للاستعجال في الحفظ، فالصحابة رضوان الله عليهم - وهم من هم - كان اهتمامهم بالعمل بالقرآن قبل اهتمامهم بحفظ حروفه وكلماته، لذلك كان الحفاظ فيهم قليلين. لقد بدأوا أمر القرآن من أوله، وأول أمر القرآن هو الانتفاع به وتحقيق المقصود من نزوله، أما الحفظ فليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة مساعدة لتيسير الانتفاع بالقرآن من خلال سرعة استدعائه في أي وقت وأي مكان. النقطة الأخرى للتصور المقترح هو تبني طريقة الصحابة في الحفظ، والتي أخبرنا عنها بعضهم كما مر علينا سابقا، وأخبرنا كذلك أحد تلامذتهم وهو أبو عبد الرحمن السُلمي. يقول ﵀: إنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيهن من العمل. قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعا، وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز هذا، وأشار إلى حنكه (٢). وتكمن أهمية هذا الأثر في أن صاحبه - وهو ليس من الجيل الأول بل من التابعين- ينقل لنا الطريقة السائدة في حفظ القرآن بين الصحابة وبعد أن اكتمل نزوله. إذن ف الوسيلة الأولى في كيفية الحفظ هي: أن نأخذ كما قليلا في المرة الواحدة، وليكن عشر آيات، ولا يتم الانتقال إلى العشر الأخر إلا بعد العمل بما فيهن وحفظهن كذلك. الوسيلة الثانية: تبني طريقة «الإيمان قبل القرآن» في الحفظ، والتي شرحها لنا جندب بن عبد الله عندما قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاير فتعلمنا الإيمان قبل القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا» (٣). ويؤكد على هذه الطريقة عبد الله بن عمر بقوله: لقد عشنا برهة من الدهر وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عليه منها (٤). هذا هو الإطار العام الذي ينبغي أن نُلزم أنفسنا به ونحن نحفظ القرآن، ولأن الكثير منا قد تعود على حفظ القرآن بألفاظه فقط، وبكم كبير، دون ربط الآيات بمعانيها، وما فيها من هداية وإيمان وعمل، فإن من الصعب عليه الانتقال المباشر إلى الطريقة الأخرى، المشار إليها تحت شعار «الإيمان قبل القرآن». وفي هذه السطور طريقة مقترحة تساعدنا، ولو في البداية، على التحول التدريجي نحو حفظ القرآن وربطه بالإيمان والعمل، وهي ليست إلزامية لأحد، ولكنها من باب الاستئناس، وكمرحلة انتقالية تعينه بإذن الله على التعود على حفظ اللفظ والمعنى، وترشده إلى كيفية استخراج الجوانب العملية من الآيات.

стр. 113

القرآن كتاب هداية: منطلق التصور المقترح لحفظ القرآن أن القرآن كتاب هداية .. هذه الهداية لها جوانب متعددة تتعلق بكل ما يتصل ويخص الإنسان، سواء كان ذلك من داخله أو من خارجه، هذه الجوانب لوحظ أنها - في الغالب - تتركز في عشرة مواضيع، وهي التي تمت الإشارة إليها بشيء من التفصيل في الفصل الثاني: ١ - التعريف بالله وحقوقه على العباد. ٢ - التعريف بالرسول ﷺ والرسالة. ٣ - التعريف بالإنسان. ٤ - التعريف بالشيطان. ٥ - التعريف بقصة الوجود ويوم الحساب. ٦ - معرفة السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة. ٧ - التعرف على الكون المحيط. ٨ - التعرف بحقوق العباد بعضهم على بعض. ٩ - لماذا لا يتبع الناس الحق؟ (فقه الدعوة إلى الله). ١٠ - التعريف بالسابقين وأخذ العبرة منهم. فالقارئ لكتاب الله سيجد أن هذه الجوانب العشرة تطل عليه في كل لقاء له معه ... نعم قد لا نجدها مجتمعة في بضع آيات من القرآن، ولكننا حتما سنجد بعضا منها، وليس معنى هذا قصر هداية القرآن على هذه الجوانب، فلك أخي القارئ أن تضيف عليها أو تعدل فيها كما تشاء في الإطار العام لمقصد نزول القرآن، فهي - كما ذكرنا - ليست إلزامية لأحد. لا بديل عن العمل بالقرآن: والجدير بالذكر أن الخروج بواجب عملي أو أكثر من الآيات المقرر حفظها، من الأهمية بمكان لكي يصبح القرآن حجة لنا لا علينا. لذلك علينا ألا نتجاوز بضع آيات في مقرر الحفظ - لنا ولأولادنا وأن نستخرج منها جوانب الهداية، ونعيش معها في صلواتنا، ونلزم أنفسنا بالقيام بما فيها من عمل ولو لعدة أيام قبل أن ننتقل إلى الآيات الأخرى. ولنثابر على ذلك، ولنتذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ قد حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة أي بمعدل آيتين كل شهر! نموذج مقترح: سورة الناس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٦]. ١ - من هو الله؟ - رب الناس: أي مربيهم ومدبر أحوالهم. - ملك الناس: أي الذي يملك الناس ملكاً تاماً. - إله الناس: هو المعبود بحق. - الذي يحمي من يلجأ إليه. ٢ - حقوق الله على العباد: - الاستعاذه والالتجاء إليه من شر كل ذي شر. ٣ - من هو الإنسان؟ - مملوك لربه. - ضعيف يحتاج إلى دوام الحماية من ربه. - عنده قابلية للشر والقيام بعمل الشياطين (من الجنة والناس). ٤ - من هو الشيطان: - الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس. ٥ - الكون المحيط: - يوجد حولنا مخلوقات لانراها (الجن). الواجبات العملية: - دوام الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. - كثرة قراءة سورة الناس لفضلها وفائدتها. بشرى: نعم إن تعلم استخراج المعاني الإيمانية من الآيات سيحتاج في البداية إلى بعض الوقت، وبخاصة ونحن نريد تحقيق مدلولها في الواقع. ومع الاستمرار على ذلك، سنجد بعون الله وفضله أن تلك المعاني تتكرر في الآيات والسور، مما سيجعل الحفظ يتم أيسر وأسرع من ذي قبل، والله المستعان، وعليه التكلان.

стр. 114

الخاتمة وأخيراً: القرآن ينادينا وقبل أن ينتهي الحديث في هذه الصفحات عن القرآن وعن كيفية العودة إليه، أنقل إليك أخي القارئ رسالة استشعرت وكأن القرآن يريد أن يرسلها لنا، يقول فيها: أيها المسلمون في كل مكان سارعوا بالعودة إلي والانتفاع بي قبل أن تضيع منكم الفرصة، ويشتد بكم الندم. أقبلوا علي بكيانكم اتهتدوا بهداي، ولتستشفوا بشفائي، ولتنتفعوا بمواعظي ... اتركوا أنفسكم لي، وسيروا معي حيث سرت، فسأكون لكم -بمشيئة الله- نِعم القائد الذي يقودكم إلى العيش السعيد في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة. انشغلوا بي، وأكثروا من تلاوتي، وتدبروا آياتي، وأعملوا بما أدلكم عليه قدر استطاعتكم .. ولا تبخلوا عليَ بأوقاتكم، اجعلوا لي حظا من نهاركم، ونصيبا من ليلكم ... اصحبوني في حلكم وترحالكم، ولكم عهد بألا أخذلكم، وألا أترككم تواجهون الصعاب بمفردكم بل سأكون معكم نعم الصديق لصديقه، وسأصحبكم في قبوركم لتستأنسوا بي في وحدتكم، وستجدوني أمامكم يوم القيامة أحاج عنكم حتى أرفعكم في الجنة درجات ودرجات. اعتصموا بي فأنا حبل الله المتين، من استمسك به ارتفع إلى السماء، وتخلص من جاذبية الأرض والطين واقترب من مولاه. إياكم ثم إياكم أن تستجيبوا لوساوس الشيطان بأنكم لا تصلحون لتدبري وفهم آياتي، فيقينا أن كل عاقل منكم يقدر على فهمي، والاهتداء بهداي، والتأثر بمواعظي، فلقد أودع الله في آياتي القدرة على التأثير على الحجارة إن خاطبتها، فكيف بقلوب خلقها ربي لتكون أوعية لمعرفته؟ قد يتأخر الإمداد من ربكم لحكمة منه سبحانه فلا تيأسوا، وأيقنوا بأنه قادم لا محالة طالما اشتد عزمكم وتاقت أنفسكم للدخول إلى مأدبتي وتذوق حلاوتي. عاهدوني أن تتلوا آياتي بترسل وتؤدة .. حركوا بها قلوبكم، وترنموا بها في ليلكم، واجعلوا المعنى مقصودكم، ولا يكن همكم سرعة الانتهاء من وِردكم. لا تستصغروا أنفسكم فلقد كرمك مولاكم على سائر خلقه، وأسجد الملائكة لأبيكم ... أنتم قادة هذا الكون الفسيح، وكل ما فيه مخلوق من أجلكم، مسخر لخدمتكم، فتقدموا إليه واجعلوني دليلكم، وافتحوا به هذه الأرض، وتعرفوا على ما فيها من عوالم كثيرة طال انتظارها لكم لتكتشفوا مكنوناتها وما تحتويه من أسرار لأسماء الله وصفاته، فتزداد من خلالها معرفتكم بربكم. سارعوا إلى حملي فأمتكم أمة الإسلام - خير أمة أخرجت للناس - في حالة من الضياع والتفكك والتشرذم لم يسبق لها مثيل، فلقد طال سباتها واشتد مرضها ولا علاج لها إلا من خلالي. إن المستضعفين من إخوانكم المسلمين في كل مكان ينتظرون الفرج، فاحملوا مصباحي، واجمعوا الناس حول نوري، وناولوا دوائي لكل شارد وغافل. وأبشروا بالنصر فما أسرع تنزله على جيل القرآن ... سيعود لكم مجدكم الزائل، ودياركم المسلوبة .. ستعود القدس، ويافا، وحيفا، وعكا .. ستعود كشمير، والبلقان، والأندلس، وسترتفع راية التوحيد على روما، وستعود أمتكم أمة واحدة .. دستورها واحد وغايتها واحدة، وخليفتها واحد .. العدل منهجه، وكتاب الله دليله، وما ذلك على ربكم بعزيز، واعلموا أن استمرار عزكم ومجدكم مرهون بتمسككم بي، فلا تقعوا بعد ذلك فيما وقع فيه من سبقكم عندما تركوني وانشغلوا بغيري. أنفذوا وصية نبيكم بالتمسك بي واجعلوني وصيتكم لأبنائكم ولمن بعدكم تفوزوا بخيري الدنيا والآخرة. وفي النهاية: نسأل الله أن يتقبل منا ما وفقنا إليه من خير في هذه الصفحات، وأن يتجاوز عما فيها من زلات، وأن يجعلنا جميعا من أتباع القرآن، ومن جيل القرآن، ومن أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.