جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: علمني كلمات جوامع نوافع، فقال: نعم، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتزول مع القرآن أينما زال، ومن جاءك بصدق من صغير أو كبير وإن كان بعيدا بغيضا فاقبله منه، ومن جاءك بكذب وإن كان حبيبا قريبا فاردده عليه (١).
وقال حذيفة بن اليمان لعامر بن مطر: كيف أنت إذا أخذ الناس طريقا واحدا وأخذ القرآن طريقا، مع أيهما تكون؟ قال: أكون مع القرآن وأموت معه وأحيا معه، قال: فأنت إذا أنت، فأنت إذا أنت (٢).
فالمطلوب مع القرآن أن يكون أمامنا، نسير وراءه كقائد وسائق يسوقنا إلى الله عزوجل وجنته. قال عبد الله بن مسعود: القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار (٣).
ولقد أوضح الشعبي معنى ترك القرآن خلف الظهر، فقال في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]: أما إنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به، فهذا يُبين لك أن من نبذ شيئا فقد تركه وراء ظهره (٤).
حالنا مع القرآن
أتعلم أخي القارئ أن القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي كان مع الصحابة رضوان الله عليهم وصنع منهم هذا الجيل الفريد؟
أتعلم أن الأدوات التي كانت معنا هي التي كانت معهم، من عينين ولسان وشفتين وعقل وقلب وجوارح.
فما الذي حدث ؟
لماذا لم يعد القرآن يُنتج مثل هذه النماذج؟ مع أنه قد تيسر وجوده بين المسلمين أكثر من أي وقت مضى؟!
فما من بيت من بيوت المسلمين إلا وفيه مصحف أو أكثر، وما عليك إلا أن تدير مؤشر المذياع لتستمع إلى آيات القرآن تتلى في إذاعة من الإذاعات. لقد أصبح القرآن في عصرنا ميسرا للقراءة أكثر من أي وقت مضى، وانتشرت الكتاتيب، وازداد حُفاظه من الرجال والنساء في كل مكان، فلماذا لا يُحيينا كما أحيا جيل الصحابة، ولماذا لا يرفعنا كما رفعهم؟
هل فقد مفعوله؟ أم ماذا حدث؟
يُجيب عن هذه التساؤلات الشيخ محمد الغزالي ﵀ فيقول:
إن المسلمين بعد القرون الأولى، انصرف اهتمامهم بكتابهم إلى ناحية التلاوة، وضبط مخارج الحروف، وإتقان الغُنن والمدود وما إلى ذلك مما يتصل بلفظ القرآن والحفاظ على تواتره كما جاءنا أداء وأحكاما - أقصد أحكام التلاوة - لكنهم بالنسبة لتعاملهم مع كتابهم صنعوا شيئا ربما لم تصنعه الأمم الأخرى، فإن كلمة (قرأت) عندما يسمعها الإنسان العادي أو يقولها تعني: أن رسالة جاءته أو كتابا وقع بين يديه فنظر فيه، وفهم المقصود منه ..
أما الأمة الإسلامية، فلا أدري بأي طريقة فصلت بين التلاوة وبين التدبر، فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة كما يقولون، وكأن ترديد الألفاظ دون حس بمعانيها، ووعي لمغازيها، يُفيد أو هو المقصود.
وعندما أحاول أن أتبين الموقف من هذا التصرف أجد أنه موقف مرفوض من الناحية الشرعية، وذلك أن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، يعني الوعي والإدراك والتذكر والتدبر .. فأين التدبر؟ وأين التذكر؟ مع تلك التلاوة السطحية التي ليس فيها أي إحساس بالمعنى، أو إدراك للمقصد، أو غوص فيما وراء المعنى القريب لاستنتاج ما هو مطلوب لأمتنا من مقومات نفسية واجتماعية تستعيد بها الدور المفقود في الشهادة على الإنسانية وقيادتها إلى الخير (٥).
стр. 72
تاريخ هجر القرآن:
والمقصود بهجر القرآن أي هجر الانتفاع به، وعدم الدخول إلى مصنعه وماكيناته التي من شأنها أن تغير الشخص - أي شخص - لتصنع منه مؤمنا عابدا لله في كل أموره وأحواله.
وتاريخ هجر القرآن يبدأ من قرون ماضية، حيث اهتم المسلمون ببعض جوانب العلم، وتوسعوا فيها كعلم الكلام والفقه، فوضعوا لها قواعد ثم شروحا ثم حواشي ثم مختصرات، وكان هذا كله على حساب القرآن الذي بات لا يُستدعى إلا في المآتم وعند المرض وفي رمضان.
يقول الشيخ محمد الغزالي ﵀:
هجر المسلمون القرآن إلى الأحاديث ..
ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة ..
ثم هجروا أقوال الأئمة إلى أسلوب المقلدين ..
وكان تطور الفكر الإسلامي على هذا النحو وبالا على الإسلام وأهله، روى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم: «يأتي على الناس زمان يُعلق فيه المُصحف حتى يعشش عليه العنكبوت، لا يُنتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث» (١).
إذن فما يحدث للقرآن الآن من تعامل شاذ وغريب ما هو إلا نتاج ميراث ورثناه من القرون الماضية، تحول فيها المسلمون عن القرآن بالتدريج حتى صار إلى ما هو عليه الآن، وحين يستاءل بعضنا عن عدم قدرتنا على الانتفاع بالقرآن كما انتفع به الصحابة، لابد أن تبدأ الإجابة بتشخيص حالنا مع القرآن.
التشخيص:
الهدف الأسمى من نزول القرآن: هداية الناس إلى الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].
فهل تعاملنا مع القرآن من هذا المنطق؟ وهل بدأنا معه من هذه النقطة، وأتينا أمره من أوله؟ أم ماذا فعلنا؟ المتأمل لحالنا يجد أننا قد ابتعدنا في تعاملنا مع القرآن عن الهدف الذي نزل من أجله، وتركناه كمصدر للهداية والتوجيه، ثم بحثنا عن ذلك في مصادر أخرى فتشتتنا وتفرقنا.
لم نعط القرآن حقه في وقتنا، وعندما نقرأه فبحناجرنا فقط، لم نعطه الفرصة ليُشكل تصوراتنا ويُصيغ شخصياتنا ويكون المصدر الأول لثقافتنا.
يعيب بعضنا على من لم يحسن أحكام التلاوة بل قد تهتز صورته في عينيه، ولا نوجه أي نصيحة لمن لا يفقه المعاني.
قصرنا فهمنا لحديث رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٢) على تعلم قراءته فقط، مع أن المقصد من الحديث كما يقول ابن تيمية: تعلم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه، وذلك الذي يزيد الإيمان (٣).
أصبح جُل اهتمامنا حين نقرأ القرآن الوصول إلى نهاية السورة دون الاهتمام بتفهم ما نقول، بل قد ينتقل الواحد منا من سورة إلى أخرى دون أن يشعر، وإن سُئلنا عن الآيات التي استوقفتنا فلن نجد جوابا.
وعندما يأتي رمضان - والذي شرفه الله بنزول القرآن فيه - يبدأ السباق فيما بيننا حول عدد ختمات القرآن التي سنختمها فيه.
- ظن بعضنا أن مفهوم الانشغال بالقرآن هو الانشغال بحفظ ومراجعة حروفه فقط دون التفقه فيه وفهم مراد الله منه، فانكب على حفظه آلاف وآلاف ..
- تغير مفهوم حامل القرآن لدينا، فتجد الواحد منا كما هو قبل أن يحفظ السورة من القرآن وبعد حفظها، لم يتغير أي شيء من أخلاقه أوتعاملاته.
- ندير مؤشر المذياع على صوت القارئ ثم نتركه ليملأ جنبات المكان وننشغل عنه بأمورنا الخاصة وكأننا لسنا المخاطبين بهذا القرآن.
стр. 73
لقد نبذنا كتابنا وراء ظهورنا وجعلناه أماني، كما نقل ابن تيمية ﵀ عن ابن عباس وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: غير عارفين بمعاني الكتاب، يعلمونها حفظا وقراءة بلا فهم، لا يدرون ما فيها.
فماذا جنينا من وراء هذا التعامل؟
واقع الأمة الإسلامية:
القاصي والداني يدرك ما وصل إليه حال الأمة الإسلامية من ضياع وتفكك، وذل نتجرع مرارته ليل نهار.
أصبحنا تحت أقدام الكفار يفعلون بنا ما يشاءون .. صرنا في ذيل الأمم .. أذل أهل الأرض .. لا قيمة لنا، ولا اعتبار لوجودنا.
تخلينا عن مصدر عزتنا فاطمأن أعداؤنا لذلك، وبلغ استهزاؤهم بنا إلى درجة أن بعض إذاعاتهم تبدأ برامجها بالقرآن لعلمهم بأننا قد نبذناه وراء ظهورنا.
وعندما ظهر شعاع الضوء وبصيص الأمل في تلك الظلمة الحالكة والذي تمثل في ظهور الصحوة الإسلامية، لم تعط هذه الأجيال الشابة الواعدة القرآن حقه في الفهم والعمل، ولم نتعامل معه كمصدر للهداية والتوجيه، بل تركته وبحثت عن غيره، فاختلفت المنابع، وتنوعت المشارب، فحدث ما حدث من خلاف في التصور حول القضايا المختلفة والأمور الجوهرية، ولم نعد على قلب رجل واحد .. فأبى الله أن يوفي بوعده ويطبق سننه معنا حين أسأنا، كما أوفى بوعده مع الجيل الأول حين احسنوا التعامل معه ..
فبعد أن كانوا أذلاء فقراء، جهالا، في مؤخرة الشعوب قبل الإسلام، إذا بهم - بعد أن أحسنوا استقبال القرآن - في المقدمة، سادة الأرض ومحط الأنظار: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١].
أما نحن فعندما تخلينا عن المصباح، وأهرقنا الدواء، والتمسنا الهدى في غير القرآن، تركنا الله وجعلنا أذلة بعد أن كنا أعزة، وسلط علينا من كَتَب عليهم الذلة والمسكنة .. إخوان القردة والخنازير، وجعل منهم سياطا يؤدبنا بها لعلنا نعود إليه وإلى كتابه.
قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨].
فهل نحن راجعون؟!!
стр. 74
الفصل الخامس
حاجتنا إلى القرآن
стр. 75
الناظر المتفحص لأحوال الأمة الإسلامية يجد أنها تمر بأخطر مرحلة في تاريخها فبعد أن كان أعداؤها يُخْفون عداوتهم ومخططاتهم ضدها أصبحوا اليوم يجاهرون بذلك بعد أن استطاعوا هزيمة المسلمين في الميادين المختلفة، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، تقودهم في ذلك الصهيونية العالمية التي تسعى سعيا حثيثا نحو إقامة مشروعها (إسرائيل الكبرى) والسيطرة على العالم كله بعد ذلك.
أما أبناء أمة الإسلام الذين انخدعوا في السابق بشعارات الغرب البراقة، وكانوا يعترضون على من يطلق عليه «نظرية المؤامرة» أو مصطلح «أعداء الإسلام»، أصبح هؤلاء يعيشون اليوم مع غيرهم من المسلمين في واقعية المؤامرة، وما أفغانستان وفلسطين والعراق منا ببعيد .. فجراحات المسلمين في كل مكان، ولا ندري أنبكي على هؤلاء أم على هؤلاء أم نبكي على أنفسنا، وعلى المجد الذي أضعناه أو الذل الذي نتجرعه بالليل والنهار.
لقد انطبق حالنا مع ما أخبر به المعصوم ﷺ : «يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كم اتتداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: وقلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن». فقال قائل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (١).
стр. 76
التشخيص:
والأمر اللافت للانتباه أنه كلما نزلت بالمسلمين نازلة، وأصابهم جرح جديد تعالت الأصوات من هنا وهناك بأن هذا عقاب من الله قد حاق بنا، وهذه هي الحقيقة بالفعل، فما حدث للأمة ما هو إلا تطبيق لسنن الله الحاكمة للأرض.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣].
ولما بدأنا بالتغيير كان هذا الواقع الذي نشكو منه، فالله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤].
لقد تمثل فينا قول رسولنا ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١).
نعم، هذا هو التشخيص الصحيح للوضع الأليم الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم، فمن ارتكب الذنب لا ينبغي عليه أن يستغرب العقوبة.
قال تعالى: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» [الروم: ٤١].
فلنبدأ بأنفسنا:
فإن كان الأمر كذلك، فإن هذا العذاب الذي نتجرعه بالليل والنهار لن يتوقف إلا إذا رجعنا إلى الله ، وغيرنا ما بأنفسنا تغييرا حقيقيا يشمل التصورات والسلوك، والسر والعلن فنكون من بعده عبيدا لله في كل أمورنا وأحوالنا، ويتمثل فينا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
إن وعد الله لا يتخلف، ولقد وعد عباده بنصرتهم وتمكينهم في الأرض إن هم نصروه على أنفسهم أولا.
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
إذن فلا بديل أمامنا إلا البدء في عملية التغيير الداخلي لذواتنا إن أردنا الفلاح لأنفسنا والعز لأمتنا.
فإن قلت: إننا جميعا متفقون على هذا التشخيص، ولكن ما منهج هذا التغيير المنشود الذي يتفق عليه الجميع، وما الكيفية التي من خلالها يقوم هذا المنهج بعمله في ذات الإنسان فيحدث فيه تغييرا جذريا، ويعيد صياغته من جديد؟
هذه التساؤلات تتردد هنا وهناك، والكل يظن أن الأمر صعب يحتاج إلى بذل الكثير من الجهد لوضع المنهج المناسب لعملية التغيير .. إن الأمر أبسط من ذلك بكثير، فالله وهو الرؤوف الرحيم لم يتركنا لنتخبط أو لنختلف فيما بيننا حول منهج التغيير، بل أرشدنا إلى هذا المنهج، وبين لنا فيه طريقته في التغيير.
أعطانا المصباح الذي بنوره ينكشف لنا الطريق، وتتبدد الظلمات .. وصف لنا الدواء الذي يعالج كل ما نعاني منه من أدواء .. فماذا فعلنا بهذا المصباح وبذلك الدواء؟!
لقد طرحنا المصباح جانبا، وأهرقنا الدواء، ثم اخذنا نبكي ونقول: أين الطريق؟
لقد انطبق حالنا مع قول الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
стр. 77
كتابنا، مصدر عزنا، النور المبين، والهدى والشفاء: أدرنا له ظهورنا وتعاملنا معه بطريقة غريبة وشاذة، وأصبحنا لا نستدعيه إلا في المآتم وأوقات المرض، وشهر رمضان، وغيره من المناسبات، واكتفينا بالتعامل مع ألفاظه فقط، والنظر إلى الثواب المترتب على قراءته، وإذا أردنا الدليل على ذلك، فليسأل كل منا نفسه: ما الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه حين يقرأ القرآن؟ أليس هو إنهاء الورد وتحقيق أكبر قدر من الحسنات؟
ألهذا الهدف فقط نزل القرآن؟
إن خير دليل على عدم صحة تعاملنا مع القرآن هو واقعنا نحن، فبالرغم من وجود عشرات بل مئات الآلاف من حفاظ القرآن على مستوى الأمة، وبالرغم من انتشار المصاحف في كل مكان بصورة لم تكن موجودة في العصور الأولى إلا أن الأمة لم تجن ثمارا حقيقية لهذا الاهتمام الشكلي بالقرآن.
القرآن هو الحل:
لقد اهتدى الجيل الأول بنور القرآن فانصلح حاله، وساد الأرض في سنوات معدودة، وبغير هذا النور لن ينصلح حالنا، فكما قال الإمام مالك: لا يصلح حال آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .. وما صلح أولها إلا بالقرآن.
والأمر اللافت للانتباه أن رسول الله ﷺ قد أخبر بذلك، وأنها ستكون فتن وأن المخرج منها الاستمساك بالقرآن واتباعه، وأخبر كذلك أن القرآن والسلطان سيفترقان، وأن علينا أن نكون مع القرآن.
قال ﷺ : «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر فيوشك أن يأتى رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وأهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى» (١).
وعندما سأله حذيفة بن اليمان ﵁: أبعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال: «يا حذيفة، عليك بكتاب الله فتعمله واتبع ما فيه» حتى قال ذلك ثلاث مرات، قلت: نعم (٢).
إن التمسك بالقرآن يعني أول ما يعني اتباعه واتخاذه دليلا وقائدا يقودنا إلى الله، قال الشعبي في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]: أما إنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به، فهذا يُبين لك أن من نبذ شيئا فقد تركه وراء ظهره (٣).
فالمطلوب منا إذن تجاه القرآن يختلف عما نفعله .. المطلوب منا أن نكون معه كما كان الجيل الأول معه، ليفعل بنا كما فعل بهم، فالماكينات القرآنية - إن جاز هذا التعبير - جاهزة للعمل ولا ينقصنا سوى دخولنا إليها.
وخلاصة القول أن تغيير هذا الواقع المرير الذي تعيشه الأمة، والذي أصبحت من خلاله تحت الأقدام لن يتم إلا إذا حدث تغيير حقيقي في الأفراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
هذا التغيير لن يتم بصورة جذرية إلا من خلال العودة الحقيقية إلى القرآن كمصدر للهداية والتوجيه، وكمصنع للتغيير الحقيقي في كيان الإنسان، ليجعل منه مؤمنا صادقا قولا وسلوكا، سرا وعلانية.
لماذا القرآن ؟
قد يتساءل البعض: وماذا يمكن للقرآن أن يفعله؟!
إن القرآن سيفعل الكثير والكثير بعون الله ، وسيظهر انتاجه في وقت قصير شريطة حسن التعامل معه.
- فالقرآن - كما مر علينا - سيعيد تشكيل العقل، وبناء اليقين الصحيح فيه، ليثمر ذلك انسجام القول مع الفعل.
стр. 78
- والقرآن قادر - بإذن الله - على طرد الهوى وحب الدنيا من القلب، وطريقته الفريدة في ذلك: زيادته المستمرة للإيمان، وتوليده طاقة كبيرة في نفس قارئه تدفعه للقيام بالطاعات ومقاومة الشهوات والسمو فوقها.
- وبالقرآن تتحقق الذاتية والإيجابية لدى الأفراد، فالقوة الدافعة، والطاقة المتولدة من القرآن وبصورة يومية تمثل أكبر دافع للمسارعة إلى الخيرات، وتنفيذ النصائح والتوجيهات التي تلقى على المسامع لتصبح واقعا ملموسا، دون الحاجة إلى شدة المتابعة، وهذا ما كان يفعله ﷺ مع صحابته الكرام، فكان يكفيه التوجيه ليسارع الجميع بالتنفيذ، فعندما بلغ عبد الله بن عمر ﵄ قول النبي ﷺ في شأنه «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» (١)، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا.
- وعندما قال ﷺ لعلي وفاطمة ﵄: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين» (٢)، قال علي: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ ، فقيل له: ولا ليلة صفين، قال: ولا ليلة صفين (٣).
- وبالقرآن نتحرى الصدق والإخلاص في أقوالنا وأفعالنا، فنزهد في الرئاسة، وحب الظهور، وبه نكف عن تزكية أنفسنا والمباهاة بإنجازاتها، فتصبح سريرتنا أفضل من علانيتنا (٤).
- وسيعيد لنا القرآن الشعور بالعزة المفقودة في زمن الهزيمة النفسية .. منطلق هذه العزة: الشعور بقيمة الانتساب إلى الله وحسن الصلة به، ومبعثها كذلك الثقة به .
- والقرآن يستثير كوامن العقل، ويحرره من أسر التقليد الأعمى، ويضبط هذا التحرر بضوابط الشرع. وهو أيضا يرفع قدره، ويعرفه قيمته في الكون، فينطلق إليه ليكتشف أسراره، وينتفع بقوانين تسخيره، ليبدأ علو المسلمين من جديد في شتى المجالات ويكون لهم قصب السبق كما كانوا من قبل.
القرآن وجمع كلمة الأمة:
القرآن هو الكتاب الوحيد القادر على جمع كلمة الأمة مصداقًًََََََا لقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: ١٠٣].
فحبل الله هو القرآن كما قال ابن مسعود وغيره.
ومن وسائل القرآن في تجميع كلمة الأمة، بناؤه لوحدة التصور لدى أفرادها، فهو قادر - بإذن الله - على رسم خريطة الإسلام الصحيحة في ذهن كل مسلم بنسبها الصحيحية دون تفريط أو إفراط، لتنطلق الأعمال بعد ذلك منسجمة مع هذا التصور، فتتوحد الجهود، ويقل الخلاف - إن لم يتلاش - في الأمور الجوهرية، ويضيق في الأمور الفرعية ليصبح خلافًا محمودًا مرغوبًا يهدف إلى رفع الحرج عن الناس.
يقول سيد قطب ﵀: إننا نعتقد - بالدراسة الطويلة - أن هذا القرآن فيه غناء في بيان الحقائق التي يقوم عليه التصور الإسلامي، فلا يحتاج إلى إضافة من خارجه في هذا البيان ..
ويستطرد قائلًا: ونحن نحب أن يتعود قارئ هذا البحث أن يلجأ إلى القرآن وحده، ليجد فيه تبيانًا لكل شيء (٥).
стр. 79
من هنا يتبين لنا أن الأمة الإسلامية بشبابها وشيوخها .. برجالها ونسائها لو اتجهت إلى القرآن دراسة وفهمًا، وأصغت سمعها إليه، وتعاملت معه على أنه كتاب هداية، فإن هذا من شأنه أن ينشئ قاسمًا مشتركًا بين أفرادها للتصور الصحيح لمفردات الحياة ..
عندئذ لن نختلف فيما بيننا حول النظرة إلى الدنيا أو المال أو الأولاد .. ولن نجادل كثيرًا حول مفهوم الجهاد والدعوة إلى الله .. سنجتمع على الكليات، ونعرف كيف نرتب الأولويات.
سمات المنهج القرآني:
مع هذه القدرة الفذة للقرآن في التغيير، فإن طريقته ومنهجه سهل وميسر للجميع كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
لا يحتاج إلى طقوس خاصة أو أماكن خاصة للتعامل معه، فيكفي أن تتوضأ وتمد يدك إليه لتقرأه في أي وقت وأي مكان طاهر.
منهج ينسجم مع الطبيعة البشرية، وما فيها من ضعف واحتياجات، فتراه لا يُصادم الفطرة ولا يدعو من يتمسك به إلى ترك الدنيا، بل يدفعه إلى حُسن التعامل معها، فأهل القرآن هم أسعد الناس في الدنيا والآخرة.
ومن سمات التغيير القرآني كذلك أنه تغيير متكامل لا يهتم بجانب على حساب آخر، فكما يهتم بحسن علاقة المرء بربه، يهتم كذلك بحسن علاقته مع من حوله.
دفع شبهة:
ليس معنى القول بأن القرآن هو الحل أن يتحرك كل واحد بمفرده مع القرآن، فواقع الأمة يستدعي التحرك الجماعي لمواجهة مشروع الإبادة ومحو الشخصية الذي يعمل أعداؤنا على تنفيذه.
إن أعداءنا قد اجتمعوا علينا، وتوحدت كلمتهم في القضاء على مقومات حضارتنا فليس أقل من أن نكون مثلهم في توحدنا واجتماع كلمتنا.
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن حجم الانحراف الذي حدث للأمة أكبر بكثير مما يتصوره البعض .. كل هذا يستدعي تضافر الجهود، والتحرك الجماعي لا التحرك الفردي الذي يُبعثر الجهود ويشتتها.
ومن ناحية ثالثة فإن الواحد بمفرده لن يسعه أن يتحرك بالقرآن منفردًا منعزلًا، لأن آيات القرآن نفسها ستلاحقه بوجوب التحرك الجماعي وبناء المجتمع الإيماني والانصهار في بوتقته.
هذا التحرك الجماعي يحتاج إلى جيل يقود الأمة لمواجهة ما يُراد لها، ويسعى للتمكين لدين الله في الأرض وإعادة المجد الإسلامي من جديد.
فإن قال قائل: فأين موقع القرآن من هذا الجيل؟
نُجيبه بأن هذا القرآن هو منهج هذاالجيل في التغيير: تغيير ما بالنفوس، وإقامة الإسلام داخلها، وقيادة الناس بالقرآن.
يقول الأستاذ حسن الهضيبي ﵀: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم.
لابد أن يتشبع هذا الجيل بالقرآن، فيملك عليه فكره وخواطره، ويستضيء قلبه بنوره، فيجد فيه الناس النموذج والقدوة، فيثقون به ويسيرون خلفه.
ولكن هل معنى هذا ترك القراءة والاطلاع في مؤلفات العلماء والباحثين؟
ليس معنى الاهتمام بالقرآن واتخاذه منهجا للتغيير أن نترك كتابات العلماء وما فيها من خير عظيم، ولكن المقصد ألا تكون قبل القرآن، بل خادمة له، تدور في فلكه .. توسع المدارك، وتفتح الآفاق لفهمه أكثر واكثر.
ويأتي على رأس تلك العلوم: السنة النبوية المطهرة والتي تلي القرآن مباشرة في الأهمية، فهي شارحة له، مبينة لكثير مما أُجمل فيه.
стр. 80
وكذلك فإن فروع العلوم الإسلامية الأخرى على درجة كبيرة من الأهمية، وسيكون لها أثر فعال في تكوين الفرد إذا ما تم ربطها بالقرآن، ومع ذلك فإن من الأفضل تخصيص أكبر وقت للقرآن وبخاصة في البداية، ليأخذ فرصته في إعادة تشكيل العقل وبناء اليقين الصحيح فيه، وتحرير القلب من الهوى، وتمكين الإيمان منه، وترويض النفس على لزوم الصدق والإخلاص.
حاجة الفرد إلى القرآن:
إن كان القرآن هو الحل، ونقطة البداية التي ينبغي أن نبدأ بها على مستوى الأمة للخروج من هذا النفق المظلم الذي تسير فيه، فإن المسلم كذلك بحاجة ماسة إلى القرآن على مستواه الفردي وفي كل زمان ومكان .. في ليله ونهاره، وحله وترحاله، وحتى بعد أن يعود للمسلمين عزهم ومجدهم بإذن الله، وذلك لدواع كثيرة منها:
أولا: تحقيق الربانية:
فمن معاني الربانية: القرب إلى الله، وحسن الصلة به، وطريق التحقق بها يستلزم معرفة الله ، فعلى قدر هذه المعرفة تكون عبودية القلب له سبحانه من حب وخشية ورجاء وتوكل وإنابة وإخلاص.
والطريق السهل الآمن لتلك المعرفة هو القرآن، فمن أهم سماته أنه كتاب تعريف بالله ، ولا يكتفي بذلك بل إنه يُنشئ في القلب العبودية المصاحبة لهذه المعرفة، فالقرآن هو أفضل وسيلة لتحقيق الربانية، فهو حبل الله المتين الممدود بين السماء والأرض، من تعلق به ارتفع قلبه إلى السماء وصار من عباد الله المقربين.
ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
وفي هذا المعنى يقول خباب بن الأرت لجار له: يا هناه، تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيئ هو أحب إليه من كلامه (١).
وفي الترمذي عن أبي أمامة مرفوعا: «ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه» (٢).
ثانيا: تحقيق السعادة:
السعادة هي سكون النفس، وطمأنينتها، وهدوء الخواطر لديها، فلا تفكير في ماض يبعث على الحزن، ولا تطلع لمستقبل يزيد الهم، والسعادة بهذا المعنى لا يمكن أن تأتي للإنسان من خارجه، بل إن مبعثها من داخل ذاته كنتيجة من نتائج هدايته للسلام مع نفسه، ومع كل الدوائر التي يتحرك فيها.
من هنا يأتي دور القرآن ..
يقول تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤].
قال ابن عباس: فضمن الله لمن اتبع القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أصاب مسلما قط هم أو حزن فقال: اللهم إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب غمي إلا أذهب الله تعالى همه وأبدله مكان حزنه فرحا» (٣).
стр. 81
يقول ابن القيم في تعليقه على هذا الحديث: ولمَّا كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته، سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى ألا تعود، وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك (١).
فكلما ازداد اقتراب المرء من القرآن، ازداد شعوره بالأمان والسكينة.
قال عبد الله بن مسعود: إن هذا القرآن مأدبة الله في الأرض فمن دخل فيه فهو آمن (٢).
ثالثا: ومن دواعي حاجة المسلم إلى القرآن: زيادة الإيمان:
يمثل الإيمان جهاز المناعة لقلب الإنسان، ففي حالة زيادته يستطيع القلب أن يقاوم ضغوط النفس فيما تطلبه من شهوات، وفي حالة نقصانه يضعف القلب ويستسلم لها في كثير من الأحيان.
والشهوات تُحيط بالإنسان ليلا ونهارا، وبخاصة في عصر كالذي نحيا فيه، والمسلم بحاجة دائمة لزيادة إيمانه، وأفضل طريق لذلك هو القرآن بتذكرته المستمرة، وبمواعظه البليغة التي تضرب بقوة على المشاعر فتؤججها وتوجهها وتسمو بها فوق الشهوات.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
فالقرآن إذن منبع عظيم من منابع الإيمان يفيض على كل من يرده.
قال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. قال: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي ﷺ (٣).
والقرآن مُقوٍّ للإرادة والعزيمة يمنح صاحبه طاقة هائلة، وما عليه فقط إلا أن يُحولها إلى حركة إيجابية فيما يُحبه الله .
يقول ابن القيم: فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، وتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر الناس عليها فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي، فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن الذي تعود عليه (٤).
رابعا: من دواعي العودة الحقيقية للقرآن: التذكر الدائم لحقائق الإيمان وجوانب الهداية:
مع استمرارية التعامل الصحيح مع القرآن يظل المسلم في حالة دائمة من اليقظة والتذكر لحقائق الإيمان وجوانب الهداية ..
ففي كل مرة نقرأ فيها القرآن سنجد آيات تُعرفنا بالله وبحقوقه علينا، وحقوق بعضناعلى بعض، وبالرسول ﷺ وبالرسالة، وتعرفنا بأنفسنا وجوانب ضعفها وكيف نزكيها، وسنجد كذلك آيات تُذكِّرنا بعداوة الشيطان وكيده المستمر لنا، وفي كل جلسة مع القرآن سنجد قصة وجودنا على الأرض تطل علينا وتُذكرنا بالدنيا وقيمتها، وبحقيقة وجودنا فيها ومدى علاقتنا بمفرداتها من زوجة وأولاد ومال و ....
وقلما سنخرج بعد لقائنا بالقرآن دون تذكر بيوم الحساب وأحداثه، وبالجنة ونعيمها، والنار وألوان عذابها.
أما السنن والقوانين الإلهية التي يحكم الله بها الحياة فما أكثرها في القرآن، وكذلك الحديث عن المكذبين وما يُثيرونه من شبهات وتشخيص دوافعهم للتكذيب، والمآل الذي ينتظرهم إن استمروا على ذلك.
وفي مساحة ضخمة من القرآن سنجد قصص السابقين من مؤمنين وكافرين، يقصها الله علينا ويكررها في مواضع كثيرة لنأخذ منها العبرة ونربط بينها وبين واقعنا، فتزداد يقينا بأن الباطل إلى زوال والعاقبة للمتقين.
خامسا: تحصيل العلم النافع:
يقول تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
стр. 82
فمن أراد العلم - كما يقول ابن مسعود - فليتفكر في القرآن (١).
ومن أجلِّ العلوم التي يختص بها القرآن: معرفة الله .
يقول ابن رجب: فالعلم النافع ما عرَّف العبد بربه ودلَّه عليه، حتى عرفه ووحده وأنِس به، واستحيا من قربه وعَبَده كأنه يراه.
وكان السلف يقولون: إن العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمره، وعالم بأمر الله ليس عالما بالله.
فأصل العلم العلم بالله الذي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه، والأنس به والشوق إليه.
وكان الإمام أحمد ﵀ يقول عن معروف الكرخي: معه أصل العلم، خشية الله.
ثم يتلوه العلم بأحكام الله، وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد، فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علما نافعا، وحصل له العلم النافع والقلب الخاشع والنفس القانعة والدعاء المسموع، ومن فاته العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي ﷺ وصار علمه وبالا، وحجة عليه، فلم ينتفع به (٢).
ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها» (٣).
فمن أراد العلم النافع فليبدأ بالقرآن ليعرف ربه من خلاله فيتحقق قلبه بالخشوع والانكسار له سبحانه، فإن انتقل بعد ذلك إلى تعلم أوامر الله وأحكامه صار من العلماء الربانيين.
قال كعب: علكيم بالقرآن فإنه فهم العقل ونور والحكمة وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمن عهدا (٤).
ويقول مجاهد: استفرغ علمي القرآن (٥).
فمن ينشغل بالقرآن، ويوقف حياته له، لن يندم على ذلك لحظة من اللحظات.
يقول القرطبي: فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري (٦).
وهذا الإمام ابن تيمية يُحال بينه وبين كتب العلم في محبسه بالقلعة فيتفرغ للقرآن، ليقول عن هذه التجربة: قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء كان الكثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن (٧).
سادسا: العصمة من الفتن:
في هذا الجو المظلم الذي نعيش فيه، ومع ازدياد الفتن يحتاج المرء على ما يستمسك به، ويأخذ بيده إلى بر الأمان، وهنا يأتي دور القرآن، فعندما سأل حذيفة بن اليمان رسول الله ﷺ : أبعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال له ﷺ : «يا حذيفة عليك بكتاب الله فتعلمه واتبع ما فيه» حتى قال ذلك ثلاث مرات (٨).
ولقد رأي حذيفة في يوم من الأيام كثرة من الناس فقال لأحد التابعين وهو عامر بن مطر: يا عامر ابن مطر، كيف أنت إذا أخذ الناس طريقًا واحدا، وأخذ القرآن طريقا، مع أيهما تكون؟ قلت: أكون مع القرآن وأموت معه وأحيا معه. قال: فأنت إذا أنت، أنت إذا أنت (٩).
فعلى قدر تمسكنا بالقرآن واتصالنا الدائم به تكون نجاتنا بإذن الله .
стр. 83
قال ﷺ : «أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدا» (١).
إن الفتن التي تمر بنا في هذا العصر كقطع الليل المظلم، تجعل الحليم حيرانا وليس أمامنا من عاصم إلا الله وحبله المتين فلنسارع بالتعلق به.
قال ابن مسعود: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله، هذا الطريق، هذا الطريق، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن (٢).
ومن شأن القرآن كذلك أن يُبعد عن أهله أي بوادر لليأس والإحباط مهما اشتد الظلام وادلهمت الخطوب، فهو يثبت القلوب على الحق ويربط عليها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢].
سابعا: ومن دواعي العودة للقرآن: حسن التعامل مع متغيرات الحياة:
ما من يوم تُشرق شمسه إلا وللحياة فيه جديد، وليس من عادتها أن تظل صافية لإنسان ما أبد الدهر، ومع كثرة متغيراتها تزداد الحاجة إلى وجود دليل ناصح، أمين، يُعرفنا كيف نواجه تلك المستجدات .. وهنا يأتي دور القرآن، فما من مشكلة يتعرض لها الفرد إلا وفي القرآن حلها، كما قال ابن عباس: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في القرآن ..
فعند المصائب والشدائد تجده يربت على كتف صاحبه، ويدعوه إلى الصبر والاحتساب، ويحكي له نماذج لأناس أصابتهم مصائب أشد من مصيبته، فصبروا على ما أصابهم حتى جاءهم الفرج من حيث لم يحتسبوا.
والقرآن يوجه صاحبه نحو المعالي فيهون عليه، ويصغير في عينيه ما يتهافت عليه الناس، فيجعله دائما في حالة من الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والشكر على العطاء.
ثامنًا: من دواعي العودة كذلك: الوصول إلى صداقة القرآن وشفاعته:
كلما اقترب المسلم من القرآن وتوثقت علاقته به، فسيجد أنه أصبحت له علاقة خاصة بسور القرآن، فهو ينتظر الوصول لسورة الأنعام لتزيده حُبًّا لله، ويتلهف لقراءة الأنفال ليزداد شعوره بالعزة، ويشتاق لسورة يوسف لتكون له نعم السلوى.
يقول الأستاذ سيد قطب: هكذا عُدت أتصور سور القرآن، وهكذا عدت أحُسها، وهكذا عدت أتعامل معها بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته وملامحه وسماته .. وأنا أجد في سور القرآن تبعا لهذا وفرة بسبب تنوع النماذج، وأنسا بسبب التعامل الشخصي الوثيق، ومتاعا بسبب اختلاف الملامح والطباع والاتجاهات والمطالع ..
إنها أصدقاء .. كلها صديق .. وكلها أليف .. وكلها حبيب .. وكلها ممتع .. وكلها يجد القلب عنده ألوانا من الاهتمامات طريفة، وألوانا من المتاع جديدة، وألوانا من الإيقاعات، وألوانا من المؤثرات تجعل له مذاقا خاصا وجوا منفردا ..
ومصاحبة السورة من أولها إلى آخرها رحلة ... رحلة في عوالم ومشاهد، ورؤى وحقائق وتقريرات وموحيات، وغوص في أعماق النفوس واستجلاء لمشاهد الوجود .. لكنها كذلك رحلة متميزة المعالم في كل سورة ومع كل سورة (٣).
وصداقة القرآن للعبد بعد طول الصحبة لا تقتصر على حياته الدنيوية فقط، بل تتعداها إلى حياة البرزخ فيكون القرآن أنيسا له في قبره أيضا.
стр. 84
روى الترمذي عن ابن عباس قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة (الملك) حتى ختمها؟ فقال رسول الله ﷺ : «هي المانعة، هي المنجية من عذاب القبر» (١).
أما يوم القيامة، فللقرآن دور آخر، إذ أنه يأتي شفيعا لصاحبه عند ربه، ويرتقي به في درجات الجنة.
فعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» (٢).
стр. 85
الفصل السادس
عقبات في طريق العودة
стр. 86
إن طريق العودة الصحيحة إلى القرآن كهاد إلى الله وإلى صراطه المستقيم .. سهل ميسر - بإذن الله - إذا ما استطعنا أن نجتاز العقبات التي وضعت أمامنا خلال القرون الأخيرة، وأن نغير بعض الموروثات التي ورثناها.
وفي هذا الفصل سيكون الحديث - بعون الله - عن أهم العقبات التي تقف في طريق العودة وكيفية التعامل معها.
وهي على سبيل الإجمال:
١ - الاهتمام الشكلي فقط.
٢ - الخوف من تدبر القرآن.
٣ - مفهوم التدبر وطبيعته.
٤ - ضرورة ختم القرآن في مدة محددة.
٥ - أمراض القلوب.
٦ - مفهوم الانشغال بالقرآن.
العقبة الأولى
الاهتمام الشكلي فقط
والمقصد من ذلك هو قصر التعامل مع القرآن على ألفاظه وحروفه فقط.
ومن مظاهر تلك العقبة:
- الاهتمام الشديد بإتقان أحكام التلاوة والتعمق فيها، دون أن يصاحب ذلك اهتمام مماثل بالمعنى.
- ومنها: التركيز عند قراءة القرآن على الانتهاء من أكبر قدر من الآيات، وبخاصة في شهر رمضان، حيث التسابق على عدد الختمات، دون اهتمام بالمعنى.
- ومنها: الحرص على حفظ ألفاظ القرآن، وبذل الوقت والجهد في ذلك، دون معرفة معاني الآيات، وما فيها من إيمان، وما تدل عليه من عمل.
- وغير ذلك من المظاهر التي تدور حول قصر الانتفاع بالقرآن على الناحية الشكلية فقط.
ومما يعين على تجاوز هذه العقبة: معرفة الهدف والمقصد الذي من أجله نزل القرآن، ثم ليسأل كل منا نفسه بعد ذلك: هل يمكننا تحقيق هذا المقصد بمجرد تلاوة ألفاظه بحناجرنا فقط؟! فكما قال الحسن البصري ﵀: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ولم يأتوا الأمر من أوله. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وما تدبر آياته إلا اتباعه لعلمه. أما - والله - ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله قد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا ... قد والله أسقطه كله، ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل ... (١).
إذن فاجتياز هذه العقبة يستدعي منا أن نأتي أمر القرآن من أوله، بمعنى أن يكون همنا في التعامل معه كيفية الانتفاع به كهاد إلى الصراط، ومصنع للتغيير، وأما إتقان تلاوته والمداومة عليها وحفظه فما هي إلا وسائل معينة على تحقيق هذا المقصد.
قال الفضيل بن عياض: إنما نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملا، قيل: كيف العمل به؟ قال: أي: يحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهواعن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه (٢).
стр. 87
بركة القرآن:
إن بركة القرآن تكمن فيما يحمله من معان عظيمة تنير الطريق وتشفي الصدور وتُسعد العامل بها في الدنيا والآخرة ... فالمعنى إذن هو المقصود من تلاوته، وما الترتيل والتدبر إلا وسائل لتحقيق ذلك.
يقول ابن تيمية ﵀: ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك (١).
ويقول أيضا: ولا يخفى على أولي الألباب أن المقصود بنزوله اتباعه، والعمل بما فيه، إذ العاملون به هم الذين جُعلوا أهله، وأن المطلوب من تلاوته تدبره، وفهم معانيه، ولذلك أمر الله بترتيله والترسل فيه، ليتجلى أنوار البيان من مشارق تبصرته، ويتحلى بآثار الإيمان من حقائق تذكرته (٢).
ويؤكد على هذا المعنى الأستاذ حسن الهضيبي ﵀ فيقول: ليست العبرة في التلاوة بمقدار ما يقرأ المرء، وإنما العبرة بمقدار ما يستفيد، فالقرآن لم ينزل بركة على النبي ﷺ بألفاظه مجردة عن المعاني، بل إن بركة القرآن في العمل به، واتخاذه منهجًا في الحياة يضيء سبيل السالكين. فيجب علينا حين نقرأ القرآن أن يكون قصدنا من التلاوة أن نحقق المعنى المراد منها، وذلك بتدبر آياته وفهمها والعمل بها (٣).
ختمتان للقرآن !!
بناء على ما سبق، يتضح لنا أنه ليس هناك أي مبرر لمن يطالب بأن تكون هناك ختمتان للقرآن ... ختمة قراءة لإنهاء الورد دون النظر للمعنى، وختمة للتدبر والتي يمكن أن تستغرق عدة سنوات.
ولعل ما قيل في الصفحات السابقة، مع التركيز على معرفة الهدف الأسمي من نزول القرآن ومدى حاجتنا إليه على مستوي الأمة والفرد ... لعل هذا كله يرد على من يطرح هذا التصور.
فأي هدف سيسعى القارئ إلى تحقيقه وهو يقرأ بدون تدبر؟ وما النفع الذي سيعود عليه من ذلك؟ وهل ستحقق له قراءة الحناجر التغير المنشود الذي ينتظره من القرآن؟
لو كانت القراءة لمجرد الثواب المترتب عليها فقط، لكان من الأولى أن نقوم بأعمال أكثر ثوابًا من قراءة القرآن مثل ما رواه ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي و يميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتًا في الجنة» (٤).
ولسنا نعني بذلك التقليل من شأن الثواب المترتب على قراءة القرآن، بل نعني إعادة النظر في في طريقة تعاملنا معه، فقيمة القرآن وبركته الحقيقية تكمن في معانيه، ولأن اللفظ وسيلة لإدراك المعنى كان التوجيه النبوي بالإكثار من تلاوته، وتحفيز الناس على ذلك من خلال الثواب الكبير المترتب على قراءته.
ومثال ذلك: الأب الذي يرصد مكافأة لابنه إن استمر في المذاكرة عدة ساعات، هو بالتأكيد لا يقصد مجرد جلوسه على المكتب والنظر في الكتب دون فهم ما تحتويه، بل هدفه من وراء ذلك تشجيع ابنه على المذاكرة بذهن حاضر ليتحقق له النجاح.
стр. 88
فإذا ما نظرنا إلى الهدف الأسمى من نزول القرآن، وربطنا بينه وبين ما رتب الشارع الحكيم على قراءته من ثواب عظيم، لوجدنا أن من أهداف هذا الثواب تشجيع المسلمين على دوام الاقتراب منه حتى يهتدوا بهداه، ويستشفوا بشفائه ... أما أن نقترب منه وليس لنا هدف إلا الثواب، دون الالتفات إلى المعنى المقصود من الخطاب، فمما لا شك فيه أننا بذلك التعامل الشكلي سنخسر كثيرًا، ولن يحقق القرآن فينا مقصوده.
ولعل السبب من وراء مطالبة البعض بختمة للتدبر وختمة لإنهاء الورد هو استشعارهم صعوبة التدبر، وعدم القدرة على تجاوز عدة آيات في لقائهم مع القرآن ... فهذه عقبة أخري سيتم تناولها بمشيئة الله في الصفحات القادمة.
دفع شبهة:
فإن قال قائل: ولكننا قرأنا أن فلانًا من السلف كان يختم القرآن في الليلة الواحدة مرة ومرتين، وفلان كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، فلماذا لا نفعل مثلهم؟!
هذه الأخبار - لو صحت - فلا يمكن أن نستدل بها على جواز اتخاذ هذه الطريقة كوسيلة نحقق بها مقصود القرآن، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤].
فنصوص القرآن واضحة في أهمية تدبره عند قراءته أو الاستماع إليه ليكون التدبر وسيلة للفهم والتأثر ثم العمل، يقول تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص: ٢٩].
ولأن فهم مقصود الخطاب لابد أن يلازم قراءة القرآن، كان توجيه الرسول ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص بألَّا يختم القرآن في أقل من ثلاث معللًا ذلك بقوله ﷺ : «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث» (١).
والأمر الآخر أننا في هذه الصفحات نتحدث عن كيفية الانتفاع بالقرآن كهاد إلى الله وإلى صراطه المستقيم وكمصنع للتغيير، ومما لاشك فيه أن تحقيق هذه الأهداف يستلزم القراءة الهادئة المتأنية المسترسلة.
الوسائل والغايات:
ومما يلحق بهذه العقبة قول البعض: بأن الله تعبدنا بالوسائل، ولم يطلب منا النظر للأهداف والمقاصد، فمن يقرأ بألفاظه فقط، دون النظر لمقصد نزوله فسيصل إليه دون تكلف، وكذلك فإنه بمجرد الصوم والامتناع عن الطعام والشراب سيتحقق مقصود الصوم، وكذلك الصلاة وسائر العبادات.
فإن كان الأمر كذلك، وإن مجرد قراءة القرآن بألفاظه فقط دون تدبر سيحقق لصاحبه الهدف الذي نزل لأجله القرآن، فلماذا إذن فُضلت سور عن سور مثل سورة الإخلاص والتي تُعد قراءتها بثلث القرآن ...
هل لألفاظها فقط كان التفضيل، أم بما تحمله من معانٍِ عظيمة؟!! وهل من قرأها بلسانه فقط سيحقق المقصد من تفضيلها؟!
ولو كان الأمر كذلك لاستوى المصلون في درجاتهم عند الله طالما حققوا شروط وواجبات الصلاة بأجسامهم دون قلوبهم.
ألم يقل ﷺ : «أن الرجل لينصرف وما كُتب له عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» (٢).
وكذلك الدعاء .. فما قيمة رفع اليدين بالدعاء والقلب غافل لاه؟!
يقول ﷺ : «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» (٣).
ويذكرنا القرآن بأهمية تحصيل التقوى في الحج كمقصد أساسي له.
стр. 89
يقول تعالى ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وغير ذلك من الأدلة التي تحثنا على تحري الخشوع والتقوى وحضور القلب مع العبادات وإلا ضاع جهد صاحبها، قال رسول الله ﷺ : «رب قائم حظه من قيامه السهر ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» (١).
ومع هذا كله فخير دليل على عدم صحة هذا القول هو الواقع، فنحن نقرأ القرآن منذ سنوات وسنوات وختمناه مرات ومرات، وكان كل همنا الانتهاء من الورد أو السورة دون الالتفات إلى المعنى ... فماذا غيَّر القرآن فينا؟
ويؤكد على هذا المعنى ابن القيم فيقول ﵀:
ولا ريب أن مجرد القيام بأعمال الجوارح من غير حضور ولا مراقبة، وإقبال على الله: قليل المنفعة، دنيا وأخرى .. فإنه - وإن كثر - متعب غير مفيد، فهكذا العمل الخارجي القشوري بمنزلة النخالة كثيرة المنظر قليلة الفائدة. فإن الله لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها (٢).
ويقول: فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها. وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب. فتكون صورة العمل واحدة. وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض. والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدًا وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض (٣).
العقبة الثانية
الخوف من تدبر القرآن
ثانية العقبات التي ينبغي أن نجتازها بسلام: (الخوف من تدبر القرآن) فمبدأ الدخول إلى عالم القرآن بتدبره وتفهمه، والعمل بمقتضاه، يُشكِل عقبة عند البعض، ومبعث خوف هؤلاء إما لاستشعارهم عدم أهليتهم لذلك، أو خوفهم من الوقوع تحت طائلة حديث رسول الله ﷺ : « .. ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (٤).
أما شعور البعض بعدم أهليته لتدبر القرآن فهذا من تلبيسات الشيطان ليصرفنا عن مصدر السعادة والهدى، فالقرآن لا يخاطب فئة من الناس، بل هو للرجل والمرأة، والعالم والأمي، والعربي والأعجمي .. إنه خطاب للعامة والخاصة.
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. ولو كان هذا الكتاب لا يخاطب إلا العلماء ما طالبنا الله بتدبره.
يقول القرطبي في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
يقول: ودلت هذه الآية وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، على وجوب التدبر في القرآن ليُعرف معناه. فكان في هذا رد على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسير إلا ما ثبث عن النبي ﷺ (٥).
ويؤكد على هذا المعنى ابن هبيرة فيقول: ومن مكائد الشيطان تنفير عباد الله عن تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعًا (٦).
стр. 90
انتبه
ويطلق ابن القيم تحذيرًا شديدًا يساعدنا على اجتياز تلك العقبة فيقول: ومن قال: إن له تأويلا لا نفهمه ولا نعلمه، وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه، ففي قلبه منه حرج (١).
نعم، قد تضيق المعاني وتتسع حسب معارف الشخص ومستوى إدراكه، فالقرآن حمَّال أوجه - كما قال علي بن أبي طالب ﵁ ولكن تبقى النقطة الجوهرية ألا وهي مقدار تأثر القلب بما يدركه العقل ... قد يفهم عالم من العلماء مفاهيم كثيرة ويدرك بعقله معاني عميقة حول آية من الآيات، لكنها تظل حبيسة عقله، فلا ينتفع بها قلبه.
وفي المقابل قد يفهم رجل عادي، ذو ثقافة محدودة آية من الآيات بفهم بسيط، ومع ذلك فإن هذه الآية بهذا الفهم قد تؤثر في قلبه، وتهز وجدانه .. فالعبرة بما يحدثه القرآن في القلب كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
وتفاضل الناس عند ربهم ليس بكم المعارف التي في عقولهم، ولكن بمقدار التقوى التي في قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
تأمل معي ما حدث لهذا الأعرابي عندما كان في مجلس الرسول ﷺ فاستمع منه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، فقال: يا رسول الله، أمثقال ذرة؟ قال: «نعم». فقال الأعرابي: واسوأتاه، ثم قام وهو يقولها، فقال رسول الله ﷺ : «لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان» (٢).
معنى التحذير من القول في القرآن:
أما بالنسبة لخوف البعض من أن يقول في القرآن برأيه فيقع فيما حذر منه رسول الله ﷺ كما جاء في الحديث، فيرد عليه د. يوسف القرضاوي بقوله:
الأول: أن يراد بالرأي الهوى، فهو يجر القرآن جرًّا لتأييد ما يهواه وما يميل إليه (٣)، فلا يجوز ولا يليق ولا يُقبل أن يكون القرآن تابعا لمذهب في الفقه، أو نحلة في الكلام، أو مقولة في الفلسفة، أو شطحة في الصوفية (٤).
والثاني: أن يكون معنى الحديث: أن يهجم على تفسير القرآن دون أن يتأهل له بما يلزم من أدوات التفسير وشروط المفسر (٥).
وبديهي أن المتدبر، المتفكر في القرآن يختلف عن المفسر، فالمتدبر يبحث عن الهداية والشفاء في القرآن، لذلك فالمعنى هو مقصوده، أما المفسر فيقف عند كل كلمة ليشرح معناها ويستخرج وجوه الإعجاز والبيان فيها، وقد يستخرج منها أحكاما شرعية، وهذا مما لا شك فيه وظيفة العلماء المتخصصين والمؤهلين لهذا العلم.
التلقي المباشر من القرآن:
إذن فلا خطورة من التلقي المباشر من القرآن بعد أخذ هذه الضوابط في الاعتبار، والتأكد بأننا لا نأخذ من القرآن أحكاما شرعية بطريقة مباشرة نلزم بها أنفسنا أو الآخرين، بل علينا الرجوع إلى كتب التفسير والفقه إذا ما أردنا معرفة تلك الأحكام.
(فتفسير مراد الله واستنباط الأحكام الشرعية هما منزلة خاصة بالعلماء والمفسرين أما الفهم والاعتبار والتذكر والاتعاظ فلا عذر لأحد في تركه).
стр. 91
ويجتهد الصنعاني ﵀ في بيان حجج يرد بها على من سلك هذا المسلك، وملخص ما قال: إن الله سبحانه كمّل عقول العباد ورزقهم فهم كلامه، ثم إن فهم كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عند قرعها الأسماع لا يحتاج معناها إلى علم النحو، ولا إلى علم الأصول، بل في الأفهام والعقول ما يجعلها تسارع إلى معرفة المراد، فإن من قرع سمعه قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]، يفهم معناه من دون أن يعرف أن ﴿مَا﴾ أداة شرط، و ﴿تُقَدِّمُوا﴾ مجزوم بها لأنه شرطها و ﴿تَجِدُوهُ﴾ مجزوم بها لأنه جزاؤها، ومثلها كثير.
ثم إنك ترى العامة يستفتون العالم ويفهمون كلامه وجوابه وهو كلام غير مُعْرب في الأغلب، بل تراهم يسمعون القرآن فيفهمون معناه ويبكون لقوارعه وما حواه، ولا يعرفون إعرابا ولا غيره، بل ربما كان موقع ما يسمعونه في قلوبهم أعظم من موقعه في قلوب من حقق قواعد الاجتهاد، وبلغ الذكاء والانتقاد.
ثم إن هؤلاء العامة يحضرون الخطب في الجمع والأعياد، ويذوقون الوعظ ويفهمونه ويفتت منهم الأكباد، وتدمع منهم العيون، فيكثر منهم البكاء والنحيب.
ثم أنك تراهم يقرءون كتبا مؤلفة من الفروع الفقهية ويفهمون ما فيها، ويعرفون معناها، ويعتمدون عليها ويرجعون في الفتوى والخصومات إليها.
فيا ليت شعري! ما الذي خص الكتاب والسنة بالمنع عن معرفة معانيهما، وفهم تراكيبهما ومبانيهما والإعراض عن استخراج ما فيهما، حتى جعلت معانيهما كالمقصورات في الخيام، وقد ضربت دونها السجوف، ولم يبق لنا إليهما إلا ترديد ألفاظهما والحروف، وأن استنباط معانيهما قد صار حجرا محجورا وحرما محرما محصورا (١).
ماذا قال صاحب الظلال ؟
ولأهمية التعامل المباشر مع القرآن يقول الاستاذ سيد قطب ﵀ في مقدمته لتفسير سورة الرعد: وإنني لأهيب بقراء هذه الظلال، ألا تكون هي هدفهم من الكتاب إنما يقرءونها ليدنوا من القرآن ذاته. ثم ليتناولوه عند ذلك في حقيقته، ويطرحوا عنهم هذه الظلال (٢).
وعندما سئل الإمام الشهيد حسن البنا عن أفضل التفاسير للقرآن قال: (قلبك)، فقلب المؤمن لا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله ﵎ (٣).
وليس معنى هذا هو ترك هذا التراث الضخم من التفاسير العظيمة التي تركها علماء الأمة على مر العصور، فالتفسير بلا شك يعين على زيادة الفهم، وإزالة الإشكاليات أمام العقل، ومعرفة الحكم الشرعي المستبط من الآيات ...
ومع أهمية الرجوع إلى التفسير لمعرفة هذه الأمور وغيرها إلا أنه ليس شرطا للانتفاع الحقيقي بالقرآن كمنهج حياة يعظ صاحبه، ويذكره بما ينبغي أن يتذكره، ويزيد إيمانه، ويعينه على مواجهة متغيرات الحياة ... وهذا هو أهم دور للقرآن.
العقبة الثالثة
مفهوم التدبر وطبيعته
البعض يتصور أن معنى التدبر: إعمال العقل في كل كلمة من كلماته والتدقيق الشديد فيها، والغوص في معانيها .. هذا التصور يجعل من التدبر عملية شاقة لا يستطيع أحد أن يستمر عليها، وفي الوقت ذاته فإنها لا تحقق مقصوده. فتدبر القرآن وسيلة لدوام التذكر بما هو مطلوب منا، ومن خلاله تتضح الرؤية لطريق الهدى، وبه يتعظ القلب فيزداد إيمانا وتقوى.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣].
стр. 92
فليس المقصد من تدبر القرآن إظهار نوع الإعجاز البياني واللغوي، وإمتاع العقل بما فيه من أدب وتاريخ وقصص - وإن كان كل هذا من محتوياته - بل المقصد الأساسي هو المعنى الذي يخرج به قارئه مما يجعله في حالة من دوام التذكر، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
ويضع الشيخ عبد الرحمن السعدي القاعدة لقارئ القرآن فيقول: «وأن يجعل المعنى هو المقصود واللفظ وسيلة له» (١).
ولو تفهمنا هذه القاعدة لأصبح التدبر سهلا ميسرا لمن جعله وسيلة للبحث عن الهدى والشفاء .. فلن يقف القارئ عند كل كلمة يقرؤها بل سيتفكر في المعنى الإجمالي للآية وارتباطها بجوانب الهداية، وأما ما أشكل عليه فهمه فليتركه لعالمه ، وغالبا ما سيجد ما يوضحه في موضع آخر بالقرآن، وحسبنا في ذلك ما قاله رسول الله ﷺ : «إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه» (٢).
قال عبد الله بن مسعود: إن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما يشبه عليكم - أو قال: شبه عليكم - فكلوه إلى عالمه (٣).
يقول الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، قال: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه (٤).
طبيعة التدبر:
حينما كنا نسمع أو نقرأ عن أهمية تدبر القرآن والعمل بما فيه، كانت الرغبة تجتاح النفس، والشوق يملؤها لذلك، ولكن ما إن نبدأ في التطبيق إلا ونقف عاجزين أمام الآيات فلا نكاد نستخرج منها شيئا، تماما كمن يقال له: انظر إلى الشمس وقت الغروب وتفكر فيها .. هو يتمنى أن يخرج بشيء من خلال رؤيته لهذا المنظر الجميل ولكنه يقف جامدا أمامه لأنه لم يتعلم كيف يتفكر، وعم يبحث.
ونفس الأمر إذا ما طلب من شخص ما إبداء رأيه في سيرة أو بناية أو ميزانية شركة وهو بعيد عن هذه المجالات فرأيه إن أبداه لن يفيد أحدا طالما أنه لا يعرف أين سيحرك عينيه، وعم سيبحث، وهذا هو ما يحدث معنا، فعندما يطلب منا التدبر واستخراج خواطر من الآيات، تجد الواحد منا يتأمل فيها ويشعر أنها تحتوي على معان عظيمة لكنه لا يخرج منها بشيء يُذكر لأنه لم يتعلم كيف يتدبر.
نعم قد يتأثر الوجدان بالقراءة والسماع في بعض الأوقات، ولكن هذا التأثر غالبا ما يكون مع آيات الوعيد التي من شأنها مخاطبة الوجدان واستثارة المشاعر، وهذا وحده لا يكفي.
فلنبحث عن الهدى:
القرآن مليء بأنواع كثيرة من العلوم وأوجه الإعجاز، فمن قرأه وهو يبحث عن البلاغة وجدها، ومن قرأه وهو يبحث عن القصة عثر عليها، ومن قرأه وهو يبحث عن الإعجاز العلمي ظفر به، ومن قرأه وهو يبحث عن الهداية وجدها، ومن قرأ القرآن وهو لا يبحث فيه عن شيء لن تراه غالبا وقد استوقفه شيء منه، ألم يقل عن قصة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧].
فالسائلون المهتمون بالموضوع هم الذين سينتفعون بما في القصة من آيات وعبر.
стр. 93
من هنا نقول إن من تبين له بوضوح الهدف الأساسي من نزول القرآن، ستسهل عليه قراءة القرآن وتدبره، وسيخرج منها بالكثير من جوانب الهداية، أما من لم يتضح له هذا الهدف ولم يستشعر عظيم حاجته إليه فسيصعب عليه التدبر، ولن يستطيع المدوامة عليه لعدم وجود قضية تشغله يعلم أن في القرآن حلها، وحسبنا في ذلك قول ابن تيمية: من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له الحق (١).
العقبة الرابعة
ضرورة ختم القرآن في مدة محددة
البعض منا يظن أن الواجب عليه ختم القرآن في شهر مثلا، وأنه لو تأخر عن ذلك فقد يقع في الإثم والحرج.
نعم ينبغي علينا أن ننشغل بالقرآن، وألا يمر علينا يوم دون القراءة في المصحف، ولكن ليس معنى هذا أن من الواجب ختم القرآن في مدة محددة، فالصحابة مع شدة اعتنائهم بالقرآن وانشغالهم به إلا أنهم كانوا يتفاوتون في مدة ختمه.
أخرج ابن أبي دواد عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرءون القرآن في سبع وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك (٢).
وليس معنى هذا أننا سنمكث فترات طويلة لنختم القرآن، بل العكس هو المطلوب فعلى قدر انشغالنا بالقرآن والإكثار من تلاوته وتدبره سيكون النفع المتحقق بمشيئة الله، وعلى قدر ما نعطي للقرآن من أوقاتنا وعقولنا وقلوبنا يعطينا من خيره ونوره.
وعندما نعطي للقرآن المساحة الزمنية الكبيرة من يومنا سنتمكن - بعون الله - أن نختمه في أقل من شهر، ولكن دون أن يكون هناك سيف مسلط على رقابنا يدعونا للمسارعة في القرآن كي لا نتجاوز المدة التي حددناها في أذهاننا.
هب أنك في يوم من الأيام استوقفتك آية وأنت تقرأ القرآن، فهزّت مشاعرك، وذقت معها حلاوة الإيمان كلما رددتها، هل تترك هذه اللحظة السعيدة - لحظات الإيمان - خوفا من عدم إنهاء وردك المحدد؟
فإن قال قائل: ولكن وجود حد أقصى لمدة الختم في ذهني يشحذ همتي لمداومة القراءة .. إن كان الأمر كذلك فلا بأس منه شريطة ألا يخل بمقصود القراءة، وألا يكون كذلك على حساب ترديد الآيات والتجاوب معها، والأفضل أن نجعل هذا الأمر من باب الاستئناس وليس من باب الإلزام.
العقبة الخامسة
أمراض القلوب
يظن البعض أن علاج القلب من أمراضه لابد أن يسبق العودة إلى القرآن، فالقلب المريض لا يمكنه الانتفاع الحقيقي بالقرآن - كما يقولون - ويرفع هؤلاء شعار «التخلية قبل التحلية» فإن كان الأمر كذلك فما هو إذن دور القرآن؟
ألم يصفه الله بأنه شفاء لما في الصدور؟
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
فالقرآن نعم الدواء لأمراض القلوب، فقوة نوره تخترق الظلمات فتبددها، وتحرق ما يقابلها من شهوات وشبهات، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].
стр. 94
نعم في البداية سيجد نور القرآن بعض الصعوبة في الدخول إلى القلب بسبب حجب الظلمات التي تراكمت عليه من آثار المعاصي والغفلات، ولكن هذه الحجب لن تستطيع أن تقاوم طويلا دخول أشعة نور القرآن إلى القلب إذا ما داوم الشخص على تلاوته بتدبر، وكلما دخل النور إلى جزء من أجزاء القلب انطرد منه الهوى وعادت إليه الحياة مرة أخرى، إلى أن يأتي الوقت الذي يعود فيها القلب إلى كامل صحته، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
وفي المقابل فإن من يتبنى طريقة التخلية قبل التحلية فسيظل يراوح في مكانه، ولن يصل إلى مبتغاه، من تطهير قلبه أولا من أمراضه، لأنه كلما فتش في نفسه سيجد آفات وعيوبا، وكلما تخلص من واحد منها ظهر آخر، ولن يستطيع أن يدعي في يوم من الآيام أنه تخلص منها جميعا.
العقبة السادسة
مفهوم الانشغال بالقرآن
إن الانشغال الحقيقي بالقرآن يعني أول ما يعني الانشغال بمعانيه، ومواعظه، وجوانب هدايته، وامتلاء القلب بها وتمكنها من العقل الباطن واللاشعور، فينعكس ذلك على خواطر العبد واهتمامته.
- والانشغال بالقرآن يعني كذلك الانشغال بحمل معانيه إلى الناس، ودعوتهم إلى الجلوس المباشر معه، وإزالة الحاجز النفسي بينهم وبينه.
- ومن أهم صور الانشغال بالقرآن: تعريف الناس بربهم عن طريقه، وذلك من خلال ربط آيات القرآن بآيات الكون، والاستدلال منها على الخالق العظيم، ذي الجلال والإكرام.
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].
- ومن صور الانشغال بالقرآن كذلك: السعي الدءوب على تحويله إلى واقع ملموس في حياة الناس ليصبح دستور الأمة، فتسود أخلاقه جوانب المجتمع، وهذا لن يتم إلا بوجود جيل قرآني يدعو إلى الله بأفعاله قبل أقواله.
- ومع هذا كله يأتي الانشغال بالقرآن كذلك .. الانشغال بدوام تلاوته بالليل والنهار، وحفظ آياته، ولكن بمثل الطريقة التي كان يحفظ بها الصحابة، فيتعلم الإيمان وجوانب الهداية من الآيات قبل حفظها.
إن أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته هم أولئك الذين فهموا مراد الله من إنزاله القرآن، فانكبوا عليه وعملوا به، ودعو الخلق إليه، ولعل هذا هو ما كان يقصده الحسن البصري بقوله: إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه وإن لم يكن يقرؤه (١).
ومن لوازم تصحيح هذا المفهوم عدم حصر معنى قول الرسول ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» على تعلم وتعليم أحكام التجويد فقط، فكما قال ابن تيمية: دخل في قوله: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» تعليم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه وذلك الذي يزيد الإيمان، كما قال جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر وغيرهما: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا، وأنتم تعلمتم القرآن ثم تتعلمون الإيمان .. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.
стр. 95
الفصل السابع
كيف نعود إلى القرآن ؟
стр. 96
قبل الحديث عن وسائل الانتفاع بالقرآن، وحسن العودة إليه، هناك بعض العوامل التي من شأنها أن تهيئ المرء لحسن الدخول إلى عالم القرآن ..
هذه العوامل هي:
- الدعاء والتضرع إلى الله .
- وضع القرآن على أعلى سلم الأولويات.
- سلامة النطق والترتيل.
الدعاء والتضرع إلى الله:
لعل ما قيل في الصفحات السابقة يرسم إلى حد كبير الصورة المُثلى في التعامل مع القرآن، ويزيل بعضا من الموروثات القديمة عنه، ومع هذا فإن العامل الرئيسي لدخول الواحد منا إلى عالم القرآن، وتذوقه، واستخراج كنوزه هو شدة احتياجه إليه ورغبته فيه.
ليتخيل كل واحد منا أن مرضا قد أصاب عضوا من أعضائه، وأن البحث عن الدواء الذي يشفيه قد أعياه، وأن معاناته من ذلك المرض تزداد يوما بعد يوم، وفي هذه الأثناء يخبره أحد المقربين إليه بأن هناك كتابا به وصفة أكيدة لمرضه، وقد جُربت من قبل وأتت بنتائج مبهرة، لكنه لا يعلم في أي صفحات الكتاب تكون هذه الوصفة.
تُرى ماذا سيكون رد فعل هذا المريض؟ كيف سيتعامل مع هذا الكتاب؟ وكيف ستكون طريقة قراءته له؟ وهل سيسمح لذهنه أن يسرح في سطر منه؟ وإذا ما سرح هل سيتابع القراءة أم سيعود لقراءة ما سرح فيه مرة أخرى؟
بالتأكيد أن هذا المريض سيكون في أعلى درجات اليقظة والاستعداد للتلقي والتنفيذ في كل لقاء له مع هذا الكتاب، وسيقرؤه مرات ومرات حتى يصل لدوائه.
فإن كان هذا فيما يخص البدن الذي سيبلى بعد الموت فماذا لا نفعل ذلك مع القلب، وهو محل نظر الله ، وبقدر سلامته تكون النجاة يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩].
ما الذي يجعلنا ننتظر، والكتاب الذي يحوي الشفاء والهداية بين أيدينا ميسر للذكر .. متواجد في كل بيت .. لا ينقصنا إلا أن نمد أيدينا فنتناوله ونقبل عليه بشعور الملهوف الراغب في الهدى كما قال ابن تيمية ﵀: من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له طريق الحق.
وقال القرطبي: فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﵊ بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه الله كما يحب وجعل له في قلبه نورا (١).
فنقطة البداية - إذن - تبدأ مني ومنك، وهي استشعار الحاجة للعودة إلى القرآن .. هذا الشعور لابد أن نترجمه في هيئة دعاء وتضرع إلى الله بأن ييسر لنا فهم كتابه، وحسن تدبره، والعمل بما فيه.
ندعوه بأن يمنع عنا كل ما يثبط عزائمنا ويبعدنا عن التدبر .. نلح عليه بان يحبب إلى قلوبنا تدبر القرآن، وأن يعلمنا علم القرآن، وينور قلوبنا بنوره .. ولا ينبغي أن يدفعنا تأخر الإجابة إلى اليأس وترك الدعاء، وحسبنا في ذلك ما قاله ﷺ : «يستجاب لأحدكم مالم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي» (٢).
الامداد بحسب الاستعداد:
أخي: لنعلم جميعا بحسب الاستعداد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال: ٧٠].
فالبداية من العبد: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].
فلنرِ الله من أنفسنا خيرا، ولنكثر من الاستغفار والتوبة، ولنداوم قرع الباب وإن رددنا.
قال رجل لذي النون وهو يعظ الناس: يا شيخ، ما الذي أصنع، كلما وقفت على باب من أبواب المولى صرفني عنه قاطع المحن والبلوى.
قال له: يا أخي كن على باب مولاك كالصبي الصغير مع أمه، كلما ضربته أمه ترامى عليها، وكلما طردته، تقرب إليها، فلا يزال كذلك حتى تضمه إليها (٣).
стр. 97
القرآن والأولويات:
ومع الدعاء والتضرع إلى الله، علينا أن نضع القرآن في أعلى سلم أولوياتنا واهتمامتانا، وأن نعطيه أفضل أوقاتنا، ونمكث معه أطول فترة ممكنة، فعلى قدر ما سنعطي للقرآن سيعطينا ويكرمنا، فهو كما أخبر عنه الله ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧].
إن طول المكث مع القرآن من شأنه أن يسرع خطى التغيير المنشود .. تغيير العقل وإعادة تشكيله، وبناء اليقين الصحيح فيه، وتغيير القلب وطرد حب الدنيا والهوى منه، وترويض النفس على لزوم الصدق والإخلاص.
فكتاب هذا شأنه ينبغي أن نسلم له زمام قيادتنا ونترك أنفسنا له، وأن نكثر من الجلوس وعقد اللقاءات معه كلما سنحت الفرصة لذلك. وليس معنى هذا إهمال العلوم الأخرى وإنما تفريغ الوقت الأكبر لهذا الكتاب.
وعلينا كذلك أن نهيئ مكانا للقائه بعيدا عن الضوضاء، وعن كل ما من شأنه أن يشوش على الذهن ويقلل التركيز.
سلامة النطق:
ومن الأمور التي ينبغي أن نتقنها منذ البداية: تصحيح النطق بالقرآن وتعلم أحكام التجويد، فسلامة النطق من الأهمية بمكان لفهم القرآن، وكذلك أحكام التلاوة والتي من شأنها أن تيسر على القارئ ترتيل القرآن.
فإن قال قائل: ولماذا الترتيل؟ ألا يكفي سلامة النطق؟
إن للترتيل الكثير من الفوائد فضلا عن كونه واجبا على قارئ القرآن، فمن فوائده: إطالة مدة قراءة الآية مما يتيح للعقل فرصة فهم المقصود منها.
يقول ابن حجر في شرحه لباب الترتيل في القراءة في صحيح البخاري: أي تبين حروفها، والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها (١).
ومن فوائده كذلك: أنه يستثير المشاعر، وكما قيل في الصفحات السابقة، فإن العبرة ليست بالتدبر العقلي فقط ولكن لابد أن يصحب ذلك انفعال وجداني ليحدث التأثر القلبي ويزداد الإيمان. لذلك نجد التوجيه النبوي بالتغني بالقرآن، أي بتحسين الصوت وتزيينه، وكذلك التباكي عند قراءته لمن لم يستطع البكاء .. كل ذلك لتستثار المشاعر ويتحقق المقصود من القراءة.
قال ﷺ : «إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا» (٢).
إن تلاوة القرآن حق تلاوته كما يقول أبو حامد الغزالي هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزعاج والائتمار .. فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ (٣).
الوسائل العملية للانتفاع بالقرآن
مما لا شك فيه أن من يقبل على القرآن مستشعرا أنه خطاب من الله موجه إليه يحمل في طياته مفاتيح سعادته في الدنيا والآخرة، وأنه القادر بإذن الله على تغييره مهما كان حاله .. لا شك أن هذا الشخص لا يحتاج إلى من يدله على وسائل تعينه على الانتفاع بالقرآن، لأنه بهذا الشعور قد أصبح مهيأ للتغيير الذي يقوم به القرآن.
أما وإنه من الصعب علينا في البداية أن نكون كذلك بسبب ما ورثناه من أشكال التعامل الخاطئ مع القرآن، مما يجعل هناك حاجزا نفسيا بيننا وبينه يمنعنا من الانتفاع الحقيقي به.
أما والأمر كذلك فإن عودتنا إلى القرآن تحتاج إلى وسائل سهلة وعملية ومحددة تعين صاحبها على إدارة وجهه للقرآن، والإقبال على مأدبته، والدخول إلى عالمه ومصنعه بصورة متدرجة.
стр. 98
هذه الوسائل تنطلق من قاعدة (تيسير القرآن للذكر)، فما دام القرآن ميسرا للذكر فلابد أن تكون وسائل الانتفاع به ميسرة للجميع.
هذه الوسائل على سبيل الإجمال هي:
١ - المداومة على التلاوة اليومية.
٢ - تهيئة الجو المناسب.
٣ - التركيز مع القراءة.
٤ - أن نجعل المعنى هو المقصود.
٥ - التجاوب مع القراءة.
٦ - ترديد الآية التي تؤثر في القلب.
٧ - استصحاب معنى من المعاني الإيمانية.
وقبل أن نتحدث في شرح وبيان هذه الوسائل هناك أمر جدير أن نلفت الانتباه إليه، وهو أن هذه الوسائل السبع تخص القارئ للقرآن، أما السامع فعليه أن يأخذ منها قدر المستطاع لتتحقق له الفائدة المرجوة من هذه المعجزة الكبرى.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
ويقول ابن عباس: من سمع آية من كتاب الله تتلى كانت له نورا يوم القيامة (١).
أولا: المداومة على التلاوة اليومية:
لكي يحقق القرآن هدفه معنا - فيهدينا إلى الصراط المستقيم، ويثبتنا عليه، ويغير ما بأنفسنا، ويجعلنا في حالة دائمة من التبصر والتذكر - لابد أن تستمر ماكيناته في العمل بصورة دائمة، ولفترة طويلة، فالتغيير القرآني تغيير بطيئ، هادئ، متصاعد، ولكي يؤتي ثماره لابد من استمرارية التعامل معه، فلا يصح ترك قراءة القرآن يوما من الأيام وإلا تضاءل الأثر المترتب عليها.
فلنداوم على التلاوة اليومية ولفترات طويلة، ليلا ونهارا، سفرا وحضرا .. ولتكن تلاوة مرتلة بطئية، ولا يكن هم القارئ متى سينتهي من السورة أو الورد، بل ليكن همه متى يتجاوب قلبه، ويخشع فؤاده، وتدمع عيناه.
أما بالنسبة للأوقات المفضلة للقراءة فيقول عنها النووي في كتاب الأذكار:
اعلم أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، وأما القراءة في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما قراءة النهار فأفضلها ما كان بعد صلاة الصبح، ولا كراهة في القراءة في وقت من الأوقات ولا في أوقات النهي عن الصلاة (٢).
ثانيا: تهيئة الجو المناسب:
لكي يقوم القرآن بعمله في التغيير لابد من تهيئة الظروف المناسبة لاستقباله، ومن ذلك وجود مكان هادئ بعيد عن الضوضاء يتم فيه لقاؤنا به، فالمكان الهادئ يعين على التركيز وحسن الفهم وسرعة التجاوب مع القراءة، ويسمح لنا كذلك بالتعبير عن مشاعرنا إذا ما استثيرت بالبكاء والدعاء.
ومع وجود المكان الهادئ علينا أن يكون لقائنا بالقرآن في وقت النشاط والتركيز لا في وقت التعب والرغبة في النوم، ولا ننسى الوضوء والسواك.
ثالثا: التركيز مع القراءة:
نريد أن نقرأ القرآن كما نقرأ أي كتاب - كحد أدنى - فعندما نشرع في قراءة كتاب أو مجلة أو جريدة فإننا نعقل ما نقرؤه، وإذا ما سرحنا في موضع من المواضع عُدنا بأعيننا إلى الوراء، وأعدنا قراءة ما فات على عقولنا، وما دفعنا إلى ذلك إلا لتفهم المراد من الكلام.
هذا ما نريده مع القرآن: أن نقرأه بحضور ذهن، فإذا ما سرحنا في وقت من الأوقات علينا أن نعيد الآيات التي شرد فيها ذهننا.
نعم في البداية سنجد صعوبة في تطبيق هذه الوسيلة بسبب تعودنا على التعامل مع القرآن كألفاظ مجردة من معانيها، ولكن بالمدوامة والمثابرة سنعتاد بمشيئة الله القراءة بتركيز وبدون سرحان.
ولنتذكر دائما قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
стр. 99
ولكن في بعض الأوقات قد نبدأ القراءة فنجد أنفسنا وقد غلبها النعاس، وأصبحنا لا ندري ما نقول، فماذا نفعل إذا ما فشلنا في جمع الذهن مع القراءة بعد العديد من المحاولات؟
علينا عندئذ التوقف بنية العودة إليها في وقت آخر.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع» (١).
وليكن مقياس استمرارنا في القراءة قول الحسن بن علي ﵄: «اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرأه» (٢).
رابعا: أن نجعل المعنى هو المقصود:
البعض منا عندما يشرع في تدبر القرآن تجده يقف متمعنا عند كل لفظ فيه مما يجعل التدبر عملية شاقة عليه وما يلبث إلا أن يمل فيعود أدراجه إلى الطريقة القديمة في القراءة دون فهم ولا تدبر.
فكيف لنا إذن أن نقرأ القرآن بتدبر وسلاسة في نفس الوقت؟
الطريقة السهلة لتحقيق هذين الأمرين معا هو أن نأخذ المعنى الإجمالي للآية، وإذا وجدنا بعض الألفاظ التي لا نعرف معناها، فعلينا أن نتعرف على المعنى من السياق، كمن يقرأ مقالا باللغة الإنجليزية مثلا ولا يعرف معاني بعض الكلمات، فإنه يفهم المعنى الإجمالي من السياق، وهذا ما أرشدنا إليه رسول الله ﷺ حين قال: «إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه» (٣).
وبهذه الطريقة تصبح قراءة القرآن سهلة وميسرة للجميع.
فعلى سبيل المثال إذا ما قرأنا قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]. ولا ندري معنى حسبانا ولا زلقا لكننا نفهم من السياق أن عقابا ومصيبة قد تحدث لهذا البستان.
وعندما نقرأ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، ولا ندري معنى أبًّا، فالسياق يدلنا على أنه نوع من المأكولات.
نعم إن معرفة معاني الكلمات الغريبة تساعدنا على زيادة الفهم، ولكن علينا ألا نجعل عدم معرفتها عائقا يحول بيننا وبين الاسترسال في القراءة، والتركيز معها والتأثر بها.
وليس معنى هذا عدم النظر في كتب التفسير ومعاني الكلمات، فمما لا شك فيه أن للتفسير دورا كبيرا في حسن الفهم، وله أيضا دور أساسي في معرفة الأحكام الشرعية، والتي لا ينبغي علينا أن نستنبطها بمفردنا من القرآن، فتاريخ الأمة الإسلامية يشهد بانحراف الكثير ممن استنبط تلك الأحكام بمفرده من القرآن دون أن يكون مؤهلا لذلك، مثل الخوارج وغيرهم.
ومع هذا الدور العظيم للتفسير إلا أنه ينبغي أن يكون له وقته الخاص به، وغير مرتبط بوقت القراءة، فنحن لا نريد أن نخرج من لقائنا بالقرآن بزيادة الفهم فقط، ولكن نريد القلب الحي كذلك، وهذا يحتاج إلى اللقاء المباشر مع القرآن، والسماح بقوة تأثيره أن تنساب داخلنا وتتصاعد من خلال الاستمرار في القراءة، والاسترسال مع الآيات والتجاوب معها.
حسن الابتداء والوقف:
من الأمور المعينة كذلك على فهم المعنى الإجمالي للآيات: حُسن الابتداء والوقف.
يقول النووي ﵀: ويستحب للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض، وكذلك إذا وقف عند المرتبط وعند انتهاء الكلام، ولا يتقيد في الابتداء ولا في الوقف بالأجزاء والأحزاب والأعشار، فإن كان كثيرا منها في وسط الكلام المرتبط (٤).
стр. 100
خامسا: التجاوب مع القراءة:
القرآن خطاب مباشر من الله لجميع البشر: لي، ولك، ولغيرنا .. هذا الخطاب يشمل من ضمن ما يشمل: أسئلة وأجوبة، ووعدا ووعيدا، وأوامر ونواهي.
فعلينا أن نتجاوب مع الخطاب القرآني بالرد على أسئلته، وتنفيذ ما يمليه من تسبيح أو حمد أو استغفار أو سجود، وعلينا كذلك التأمين على الدعاء والاستعاذة من النار، وسؤال الجنة، ولقد كان هذا من هدي رسول الله ﷺ ، وصحابته الكرام.
عن عبد الله بن السائب قال: أخر عمر بن الخطاب ﵁ العشاء الآخرة فصُليت ودخل فكان في ظهري، فقرأت: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] حتى أتيت على قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فرفع صوته حتى ملأ المسجد: أشهد (١).
وسمع عبد الله بن مسعود رجلا قرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].
قال: إي وعزتك، فجعلته سميعا بصيرا، وحيا وميتا (٢).
وعن أبي عمارة الكوفي - عبد خير - أنه سمع عليا قرأ في الصلاة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال: سبحان ربي الأعلى (٣).
فعلينا المداومة على استخدام هذه الوسيلة والتي سنجد لها أثرا عظيما بمشيئة الله في دوام يقظة العقل، وسرعة تجاوب القلب.
سادسا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب:
إن يقظة العقل وقت قراءة القرآن أمر نستطيع تحصيله بشيء من المجاهدة وبعون من الله ، أما حضور القلب وتجاوبه مع القراءة وتأثره بها، فهذا أمر لا نملكه وقد يمضي بنا وقت ليس بالقصير حتى يبدأ القلب في التحرك مع القراءة، فإلى أن تنفذ أنوار الآيات من بين أغلفة الظلمات وتصل إلى القلب علينا بالمداومة على القراءة المتأنية مع يقظة العقل، والتضرع إلى المولى بأن يفتح قلوبنا لكلامه، وبمشيئة الله لن يطول انتظارنا، فبمرور الوقت سيبدأ القلب بالتأثر والانفعال ولو مع آية من الآيات.
فإذا ما تم ذلك في لحظة من اللحظات .. فماذا نفعل حينئذ؟
ينبغي علينا أن نستثمر وجودها أحسن استثمار، وأن نعض عليها بالنواجذ فهذه اللحظات من أهم أوقات حياتنا، ومن خلالها يتم التغيير المنشود.
فمعنى تأثر القلب بآية من الآيات هو دخول نور هذه الآية إلى القلب وتفاعله معه، وإحلاله محل ظلمة فيه، ويعني كذلك زيادة الإيمان، وهذا قلما يحدث للواحد منا وخاصة في البداية، لذلك علينا ألا نضيع تلك الفرصة إذا ما جاءتنا ولنعمل على دخول أكبر قدر من النور إلى قلوبنا بترديد تلك الآية مرات ومرات، وعلينا ألا نمل من ذلك طالما وُجد التجاوب، وشيئا فشيئا ستتبدد الظلمات من القلب ويُطرد الهوى، ويصبح النور هو الغالب فيه، فيسهل عليه التأثر بالآيات ويزداد لينه وخشوعه بها.
يقول ابن القيم: ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة .. فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر ولا تفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح (٤).
стр. 101
وبترديد الآية التي تؤثر في القلب تتولد داخل العبد طاقة، عليه أن يُحسن تصريفها بالبكاء والدعاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
سابعا: استصحاب معنى من المعاني الإيمانية:
الوسائل السابقة تكفي بمشيئة الله وعونه لحسن العودة إلى القرآن، والانتفاع بمعجزته، إذا ما داومنا عليها، وصبرنا على ذلك.
وهناك وسيلة أخرى من شأنها أن تُسرع الخطى نحو الدخول إلى عالم القرآن، ودائرة تأثيره القوية على الإنسان.
هذه الوسيلة هي استصحاب معنى من المعاني الإيمانية، والبحث عن مدلوله من خلال رحلتنا مع القرآن.
فإذا ما كانت رحلة المسلم مع كتاب ربه تبدأ من سورة الفاتحة وتنتهي بسورة الناس، فلتكن من سمات كل رحلة البحث عن معنى جديد من المعاني التي تؤسس القاعدة الإيمانية في القلب وتبني اليقين في العقل.
ومما لا شك فيه أن استصحاب معنى إيماني أو أكثر في كل رحلة سيكون له بعون الله وفضله أبلغ الأثر في تذوق حلاوة الإيمان، فإذا ما صاحب ذلك ربط مدلول هذا المعنى بواقع الحياة فلا تسل عما سيحدثه من قرب حقيقي، ومعرفة، وأنس بالله ، والتمتع بالحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده وأوليائه.
ومن فوائد استصحاب المعنى الإيماني في قراءتنا للقرآن أنه يُثير الهمة ويقوي العزيمة.
يقول ابن القيم:
فإن سيرهم - أي السائرين إلى الله - إنما هو على الشواهد، فمن كان لا شاهد له فلا سير له، ولا طلب ولا سلوك له.
قالت عائشة ﵂: «من رأى رسول الله ﷺ فقد رآه غاديا رائحا، لم يضع لبنة على لبنة، ولكن رُفع له علم فرآه فشمر إليه».
ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل، حتى يرفع الله بفضله ومَنِّه علما يشاهده قلبه، فيشمر إليه ويعمل إليه (١).
وإليك أخي القارئ بعضا من العناوين المقترحة لهذه المعاني الإيمانية، لك أن تستصحب منها ما تشاء في رحلتك المباركة مع كتاب ربك (٢).
التعرف على الله (الواحد):
وذلك من خلال تتبع آيات القرآن التي تتحدث عن صفة الوحدانية، وآثارها في الكون، وكيف يُثبت القرآن أن للكون إلها واحدا لا شريك له، وأنه هو الله، ونتتبع كذلك تفنيد الآيات لمزاعم المبطلين الذين يدعون أن هناك إلها آخر للكون، أو أن لله شريكا في ملكه.
مثل قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].
وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].
стр. 102
التعرف على الله (المنعم):
من خلال رحلتنا مع القرآن نبحث عن الآيات التي تتحدث عن نعم الله علينا، ونعمل على إحصائها قدر الإمكان، والتعرف على جوانبها المختلفة كنعم الإيجاد والإمداد، والحفظ، والتسخير، والاجتباء والهداية، والثبات، والتوفيق، والأمن، والستر، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [الملك: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
التعرف على الله (الرحيم):
وذلك من خلال تتبع الآيات التي تتحدث عن الرحمة الإلهية وآثارها في الكون والنفس، مثل قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
التعرف على الله (القوي) (الجبار):
الله وصف نفسه بأنه: القوي، الجبار، شديد العقاب، ذو انتقام، فهو سبحانه يعاقب الظالمين والعاصين، وينتقم منهم .. ولقد أفاض القرآن في الحديث عن مظاهر تلك الصفة سواء كان ذلك على مستوى الأمم أو على مستوى الأفراد.
مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
وقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
جوانب الفقر إلى الله:
فقرنا إلى الله فقر ذاتي ومطلق يشمل جميع أسباب ومقومات الحياة، والهداية، والثبات، والتوفيق، والعصمة من الفجور، ولقد تم بيان بعض أوجه الفقر إلى الله بشيء من التفصيل في الفصل الثالث (القرآن والتغيير- محور النفس).
قال تعالى على لسان نبيه إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠].
التعرف على الله (العزيز - القهار) .
كل ما في الكون خاضع لله منقاد لإرادته، لا يتحرك متحرك إلا بحول الله وقوته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فإرادته الكونية غالبة، فعال لما يريد، غالب على أمره، فالعبد يريد شيئا والله يريد شيئا آخر، فلا يحدث إلا ما يريده الله .
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦].
وقال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢].
وقال : ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤].
الدنيا دار امتحان:
تم بفضل الله شرح هذا العنوان في الفصل الثاني (جوانب الهداية في القرآن).
стр. 103
ويتضمن هذا المعنى: بداية خلق آدم، عداوة الشيطان للإنسان، الدنيا قاعة امتحان، أدوات الامتحان والإجابات الصحيحة، تسجيل الإجابات والرقابة على الامتحان، نهاية الامتحان، يوم النتيجة وتوزيع الشهادات، وذهاب الناجحين إلى الجنة، وسوق الراسبين إلى النار.
مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٨، ٤٩].
الرسائل الإلهية:
الله أخبرنا بأنه لا تدركه الأبصار، ولا سبيل لمعرفته إلا من خلال ما أتاحه لنا من معلومات عنه سبحانه، هذه المعلومات أودعها الله في مخلوقاته، وجعلها آيات تدل علي وتذكر به.
قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤].
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧].
كيف ربى الله رسولنا ﷺ على تمام العبودية ؟
فنتأمل في رحلتنا المباركة مع القرآن التوجيهات التي وُجهت لحبيبنا المصطفى ﵊، ونعمل على أن ننهل منها لنقتفي أثره ﷺ في عبوديته لربه.
مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢].
وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٠ - ١٣٢].
السنن الاجتماعية الحاكمة للحياة:
من خلال هذا المعنى نتعرف من القرآن على القوانين التي تجلب للناس السعادة أو الشقاء، ولقد تم شرح هذا الموضوع بشيء من التفصيل في الفصل الثاني (جوانب الهداية في القرآن).
هذه القوانين كالمعادلات الرياضية، لابد أن يكتمل الطرف الأول ليتحقق الطرف الثاني، والملاحظ أن الطرف الأول دائما يكون هو العبد وما يفعله.
ومن هذه القوانين قانون النصر والهزيمة، والتيسير والتعسير، سلب النعم، هلاك الأمم، الحياة الطيبة ..
مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧].
стр. 104
الفصل الثامن
معينات على الطريق
стр. 105
انطلاقا من حسن الظن بالله نوقن بأننا إذا ما أحسنا البداية وأخذنا بالوسائل العملية المشار إليها فسنجد ثمارا سريعة، وتحسنا ملحوظا في علاقتنا بالقرآن، ومع ذلك فهناك معينات من شانها أن تهيئ القلب أكثر وأكثر لاستقبال القرآن وسرعة الانتفاع به، وخروجه من دائرة التدبر العقلي إلى الانفعال الوجداني والتحرك القلبي ليقوم القرآن بأهم دور له، فيصبح القوة الدافعة والمحركة لفعل كل ما يرضي مولانا، وترك ما يبغضه.
أولا: كثرة ذكر الموت:
لكي يحدث القرآن في القلب أثره المطلوب، لابد من تهيئة القلب لاستقباله بزيادة مستوى الخوف من الله فيه، هكذا أخبرنا الله وتعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥].
وقال ﷺ : «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (١).
ويعلق المناوي في فيض القدير على هذا الحديث فيقول:
فكل من خاف الردى أو فوت ما يتمنى لا يركن إلى الراحة ولا ينتظر الصباح، بل يبادر إلى الحركة والسفر ولو كان بالليل، فأخبر ﷺ أن الخوف من الله هو المقتضي للسير إليه بالعمل الصالح والمشار إليه بالإدلاج .. (٢).
من هنا يتضح لنا أن القلب الخائف الوجل من الله هو المؤهل للانتفاع بالقرآن، فالخوف بصفة عامة يجعل الإنسان مرهف الحس تجاه كل ما من شأنه تخفيف مسببات خوفه، فيستقبل أي موعظة او نصيحة استقبال الباحث عن طوق النجاة، فيتعلق بها، ولا يتركها إلا إذا استفاد منها استفادة كاملة .. أما الآمن فهو على عكس ذلك لأنه لا يستشعر بأن هناك خطرا قريبا منه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦].
ووسائل زيادة الخوف من الله كثيرة، أهمها ذكر الموت والتوقع الدائم لقدومه، كما قال ﷺ : «أكثروا ذكر هاذم اللذات، الموت، فإنه ما ذُكِر في ضيق العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه» (٣).
ولقد اشتكت امرأة إلى عائشة ﵂ قسوة قلبها فقالت: أكثري ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت فرقّ قلبها.
ومن الوسائل المعينة للتذكر الدائم للموت: زيارة المقابر، وتغسيل الموتى واتباع الجنائز، وكتابة الوصية، ودوام مطالعتها.
ومنها أيضا: شراء الكفن ومشاهدته كل فترة، والجلوس مع الأهل لترتيب أمورهم فيما بعد الموت.
وكذلك زيارة المستشفيات ومشاهدة المرضى وأصحاب العاهات.
стр. 106
ومنها أيضا: الاستماع إلى المواعظ والقراءة في كتب الرقائق كـ «التوهم» للحارث بن أسد المحاسبي، و «بحر الدموع، صفة الصفوة، وبستان الواعظين» لابن الجوزي، و «الداء والدواء» لابن القيم (١).
وبالمداومة على هذه الوسائل وغيرها ترق القلوب فينزل عليها القرآن نزوله الصحيح فتزداد به تذكرا وخشوعا.
قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١].
ثانيا: ومن المعينات أيضا: قيام الليل:
تدبر القرآن، والنظر في معانيه، من شانه أن يملأ القلب بمعاني العبودية والمعارف الإلهية، فهي تعرفنا بالله وبحقوقه علينا، وتورث في القلب ما تستوجبه هذه المعرفة من تعظيم ومهابة وحب، وخوف ورجاء، وثقة، وطمانينة به سبحانه، وتدفعنا إلى الإنابة والتوبة إليه، ودوام التوكل عليه ..
ويعرفنا القرآن كذلك بأنفسنا، وبمدى ضعفها، وفقرها الذاتي والمطلق لله في كل طرفة عين، وينبهنا على ضرورة الحذر من الشيطان، وأهمية الاستعاذة بالله من شره، وغير ذلك من جوانب الهداية القرآنية.
وبعد أن يمتلئ القلب بكل هذه المعاني والمعارف متى سيُخرجها؟ وكيف يعبر عنها؟
لابد إذن من وسيلة عملية تساعد العبد على استفراغ هذه المعاني، ومدلولاتها من القلب .. وما من وسيلة أعظم من الصلاة، وأفضل صلاة بعد المكتوبة قيام الليل، فهو مركبة السائرين، تقربهم، وتدنيهم من حبيبهم ومولاهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
ففي القيام نقرأ القرآن، ونعيش مع معانيه، ونردد الآية التي تؤثر فينا، وفي الركوع نسبح الله ونثني عليه، وفي السجود نحمده سبحانه ونمجده ونتذلل له، ونريه ذل مقامنا وانكسارنا بين يديه، وافتقارنا الماس إليه.
نستغفره من ذنوبنا وتقصيرنا في القيام بحقوقه، ونسأله من خيري الدنيا والآخرة، ونفضي إليه بمدى شوقنا إلى لقائه، ونقدم له طلباتنا، ونشكو له همومنا.
إنها لحظات رائعة، تلك اللحظات التي يناجي فيها العبد مولاه وحبيبه، ويستشعر فيها بالقرب منه والأنس به، وأنه ليس مقطوع النسب، فله مولى يحميه، وملك يؤويه، وكافٍ يكفيه شر ما أهمه وأغمه.
ما أجملها من لحظات وأنت تكتب رسائلك إلى مولاك بدموعك، وتنتظر منه الإجابة.
ومما لاشك فيه أنه مما يعين على استثارة هذه المشاعر الفياضة تجاه المولى طول القيام بالقرآن، وإجمال النظر في معانيه ليكون السجود معبرا عما تأثر به القلب، فلنحرص على القيام كل ليلة، مهما كانت شواغلنا، ولا بأس من القراءة في المصحف، فلقد أجاز العلماء ذلك في صلاة التطوع.
стр. 107
أخرج ابن أبي داود في كتابه (المصاحف) عن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي ﷺ كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف في الصلاة (١).
وعن الحسن أنه كان يعجبه إذا كان مع الرجل ما يقرأ، أن يردده، ويؤم به في رمضان، وإن لم يكن معه شيء أن يقرأ في المصحف (٢).
وعن عطاء أنه كان لا يرى بأسا أن يقرأ في المصحف في الصلاة (٣).
ثالثا: دراسة السيرة النبوية:
السيرة النبوية هي التطبيق العملي للقرآن، ودراستنا للسيرة من هذا المنطلق تزيد من فهمنا للقرآن، وتفتح لنا آفاقا جديدة لفهم ومعايشة القرآن.
كذلك فإن معرفة أسباب النزول تؤدي إلى نفس المعنى، فهي تعد بمثابة نماذج تطبيقية للآيات، وتعين كذلك على استشعار الظروف التي نزلت فيها فيقوي التعايش والتفاعل معها، ومن ثم التأثر بها والاستفادة منها.
رابعا: التفسير:
القرآن الكريم كفيل - بإذن الله - أن يُحدث التوازن المطلوب في شخصية المسلم إذا ما أقبل عليه بروح الشغوف الباحث عن الهداية، وسيكون له عاصما من الزلل، وسيفسر بعضه بعضا، فما يجمله في مكان يفصله في مكان آخر، وسيصحح له - بدوام قراءته وتدبره - أي مفهوم خاطئ قد يتطرق إلى عقله، فأغلب آيات القرآن واضحة يسهل فهمها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
ومع هذا كله علينا أن نرجع إلى التفاسير لفهم آية لا نستطيع فهمها، أو لتصحيح مفهوم خاطئ، أو لفتح آفاق جديدة أمام عقولنا، أو لمعرفة حكم شرعي دلت عليه الآيات .. فلا بيصح لنا أن نستنبط الأحكام الشرعية مباشرة من القرآن مهما بلغت درجة انشغالنا أو تأثرنا به طالما لم نستكمل الأدوات اللازمة لذلك من علوم شرعية كثيرة بينهما العلماء في حديثهم عن شروط المفسر للقرآن.
ولقد أجمل الإمام حسن البنا ﵀ الكثير من معينات الفهم لكتاب الله بما في ذلك التفسير في إجابته عن سؤال أحد الأشخاص.
يقول ﵀: فلقد سألني أحد الإخوان عن أفضل التفاسير، وأقرب طرق الفهم لكتاب الله ﵎؟
فكان جوابي على سؤاله هذا هذه الكلمة: (قلبك) فقلب المؤمن لا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله ﵎. وأقرب طرائق الفهم أن يقرأ بتدبر وخشوع، وأن يستلهم الله الرشد والسداد، ويجمع شوارد فكره حين التلاوة، وأن يُلم مع ذلك بالسيرة النبوية المطهرة، ويعني بنوع خاص بأسباب النزول وارتباطها بمواضعها من هذه السيرة، فسيجد في ذلك أكبر العون على الفهم الصحيح السليم.
وإذا قرأ في كتب التفسير بعد ذلك، فللوقوف على معنى لفظ دق عليه، أو تركيب خفي أمامه معناه، أو استزادة من ثقافة تعينه على الفهم الصحيح لكتاب الله. فهي مساعدات على الفهم، والفهم بعد ذلك إشراق يقدح ضوؤه في صمصم القلب .. ولاشك أن من أخذ بهذه الطريقة سيجد أثرها بعد حين في نفسه ملكة تجعل الفهم من سجيته ونورا يستضيء به في دنياه وآخرته إن شاء الله (٤).
خامسا: الدعوة إلى الله:
من أهم أسباب فهم القرآن والتفاعل معه والشعور بأننا المخاطبون به: الحركة وبذل الجهد بين الناس لتبليغ دين الله، والعمل على إقامة شرعه، مع ما في ذلك من صعوبات ومحن.
стр. 108
فالقرآن يثبت القلوب، ويدحض الشبهات، ويذكر بالثوابت والأولويات، ويحل المشكلات ويوضح الرؤية كلما علا الغبش وكثر الضباب في الطريق .. هذا كله لا يستطيع أن يدركه من أغلق الباب على نفسه ورضي بالقعود.
فهذا القرآن كما يقول سيد قطب ﵀: لا يدرك إسراره قاعد، ولا يعلم مدلولاته إلا إنسان يؤمن به ويتحرك به (١).
ويقول: إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة، ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل ليواجهها ويوجهها.
والذين يلتمسون معاني القرآن ودلالاته وهو قاعدون، يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يمكلون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة بعيدا عن المعركة وبعيدا عن الحركة، إن حقيقة هذا القرآن لا تنكشف للقاعدين أبدا (٢).
إن القرآن هو خير زاد للصف المسلم الذي تعقد عليه الأمة آمالها .. وهو نعم الصديق الذي يخفف عن صديقه معاناته، ويملؤه بالأمل، ويشحذ همته للاستمرار في مواجهة المعرضين عن الدعوة .. ويذكره بأن ما يحدث له قد تكرر كثيرا مع أصحاب الدعوات ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣].
يقول سيد قطب ﵀: إن هذه الطلائع - طلائع البعث الإسلامي - في حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه: تستلهمه في منهج الحركة وخطواتها ومراحلها، وتستوحيه فيما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات، وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق.
والقرآن بهذه الصورة لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة، ولكنه ينتفض حيا يتنزل اللحظة على الجماعة المسلمة المتحركة لتتحرك به، وتتابع توجيهاته، وتتوقع موعود الله فيه.
ويستطرد قائلا: وهذا ما نعنيه بأن هذا القرآن لا ينفتح عن أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به لتحقيق مدلوله في عالم الواقع. لا لمن يقرؤونه لمجرد التبرك، ولا لمن يقرؤونه لمجرد الدراسة الفنية والعلمية، ولا لمن يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البياني فيه.
إن هؤلاء جميعا لن يدركوا من هذا القرآن شيئا يذكر، فإن هذا القرآن لم يتنزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو. إنما تنزل ليكون مادة حركة وتوجيه (٣).
فلنبحث عن العاملين للإسلام الداعين إليه، الذين يتحركون به حركة شاملة فنضع أيدينا في أيديهم ونسير معا وراء القرآن متجهين إلى الله .
سادسا: ومن المعينات كذلك: حلقات المدارسة:
قال ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٤).
إن وجود حلقات المدارسة القرآنية من الأهمية بمكان لتعليم الناس كيف يدخلون إلى عالم القرآن فيهتدون بهداه، ويستشفون بشفائه.
هذه الحلقات وإن كانت منتشرة في المساجد هنا وهناك إلا أن مفهومها قد اختُزِل على تعلم أحكام التجويد، وتصحيح النطق فقط، وهذا الأمر - كما أشرنا سابقا - مهم وضروري ولكنه لا يكفي لتعلم القرآن كما يريد الله ، بل هو بداية لابد أن يتبعها تعلم المعاني وجوانب الهدى والإيمان فيما يُتلى من آيات، فيسهل على من يواظب عليها التعامل مع القرآن بمفرده.
في هذه الحلقات نتعرف على الله أكثر وأكثر من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله، التي أكثر القرآن من ذكرها لنستدل بها عليه إلها واحدا خالقا، عزيزا رحيما ودودا رءوفا غنيا حيا قيوما ..
стр. 109
وفيها نتدارس أسباب هلاك الأمم كعاد وثمود وقوم لوط وبني إسرائيل، ولماذا فضلهم الله على العالمين فترة من الفترات؟ ثم غضب منهم وجعل منهم قردة وخنازير؟ وغير أولئك من الأمم التي حكى عنها القرآن.
وفيها نتعرف على الكون المحيط بنا، ونتذكر قصة وجودنا على الأرض، ويوم الحساب والجزاء، ومن خلالها نبحث عن واجبات العبودية وحقوق الله علينا، وحقوق العباد بعضهم على بعض .. ولا نقوم منها إلا وقد خرجنا بدروس مستفادة وواجبات عملية نعمل على الالتزام بها.
سابعا: حفظ القرآن:
مما لا شك فيه أن حفظ القرآن من معينات تدبره، ولِم لا وهو مع صاحبه أينما كان، يستدعيه في أي لحظة ليتلوه، ويقف عند معانية، ويدخل إلى مأدبته، يستشهد به في دعوته للناس وحركته بينهم، ويترنم بآياته، ويعيش معها، ويقف بين يدي الله .
إنها نعمة عظيمة، ومرتبة عالية، تمنح صاحبها شرفا كبيرا في الدنيا والآخرة.
أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن أن نافع بن الحارث الخزاعي تلقى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فسلم على عمر، فقال له: من استخلفت على البوادي؟ استخلفت عليهم يا أمير المؤمنين ابن أبزى، قال عمر: ومن ابن أبزى؟ فقال نافع: هو من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟! فقال: يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله تعالى، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» (١).
ومع هذا الفضل الكبير لحامل القرآن ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا مدلول ما يحمله هذا الاسم، كما نقله إلينا صحابة رسول الله ﷺ ، ومر علينا في صفحات هذا الكتاب، فهم أدرى الناس بصورة التعامل الصحيحة مع القرآن وكيفية حفظه.
إننا جميعا - بلا استثناء - نشهد أن جيل الصحابة هو أفضل جيل ظهر على الأرض في تاريخ الأمة الإسلامية، ونشهد كذلك بأن المنهج الذي صنعهم ورفعهم إلى هذه المرتبة هو القرآن، فلماذا لا نتعامل معه كما تعاملوا؟!
تُرى ما الذي يحدث لو حذونا حذوهم في طريقة تعلمهم وحفظهم للقرآن؛ فنبدأ بتعلم الإيمان قبل القرآن، فستخرج من الآيات التي نريد حفظها ما فيها من جوانب الهداية ثم نستخلص منها واجبات عملية نلتزم بها في حياتنا قدر المستطاع؟
قد يقول قائل: إننا بذاك سنمكث فترة طويلة في حفظ السورة.
نعم سيحدث ذلك، ولكن ما الضرر الذي سيقع علينا، وما النفع الذي سيفوتنا إن حدث ذلك؟
ألم يكن هذا هو هدي الصحابة في حفظ القرآن؟
إن حمل القرآن ليس بتعلم حروفه وحفظها فقط، بل بتعلم حروفه ومعانيه جميعا- كما يقول ابن تيمية - بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه، وذلك الذي يزيد الإيمان كما قال جندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وغيرهما: «تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا، وأنتم تعلمتم القرآن ثم تتعلمون الإيمان» .. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة (٢).
فلنحفظ القرآن بهذه الطريقة، ولا نستعجل إنهاء السورة فيكفي عشر آيات نتعلمها ونعيش معها ونطبق ما فيها قدر المستطاع ثم ننتقل إلى العشر التي تليها.
عن الحسن قال: مات عمر ابن الخطاب ولم يجمع القرآن، قال: أموت وأنا في زيادة أحب إليّ أن أموت وأنا في نقصان .. قال الأنصاري: يعني نسيان القرآن (٣).
стр. 110
تجربة مفيدة:
فإن قيل: وما العمل فيمن حفظ القرآن كله أو بعضه بطريقة حفظ حروفه فقط؟
من كان هذا حاله - وأغلبنا كذلك إلا من رحم الله- ما عليه إلا أن يبدأ من الآن في فهمه واستخراج جوانب الهداية منه، والتفقه فيه، وليجاهد نفسه على قراءته بترسل وتؤدة، وللشيخ محمد الغزالي تجربة مفيدة في ذلك، يقول ﵀:
حفظت القرآن وعمري عشر سنين .. وبداهة ما كنت أعي منه شيئا، والغريب أن هذه الطريقة في الحفظ لألفاظ القرآن صرفني عن معان كثيرة كنت أمر بها ولا أعرفها .. وأنا كبير أقرأ، ولكن لأني حفظت القرآن دون فهم للمعنى أجد نفسي في كثير من الأحيان أمضي دون فهم للمعنى، لأن الحفظ كان يغلب على التدبر أو على إحسان الوعي، وما بدأت أفكر حتى أكرهت نفسي على أن أعود فأدقق النظر في كل ما أقرأ، وأحمل نفسي على ترك هذه العادة التي ورثتها مع الحفظ (١).
أما بالنسبة لتعهد القرآن والعمل على عدم نسيانه فهو أمر ضروري يلزمنا جميعا، قال ﷺ : «مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» (٢).
ولكن هذه المراجعة المستمرة للمحفوظ ينبغي أن تكون بقراءة يفهمها قارئها، والحد الأدنى في ذلك ما قاله ابن عباس لأبي جمرة عندما أخبره بأنه سريع القراءة، وأنه يقرأ القرآن في ليلة، فقال له: لأن أقرأ سورة أحب إليّ .. وإن كنت لابد فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويوعها قلبك (٣).
الصغار وحفظ القرآن:
لا يخفى على أحد أن الامة الإسلامية في حاجة ماسة إلى من يخرجها من النفق المظلم الذي تسير فيه ..
إنها بحاجة إلى من يقودها وهو يحمل المصباح بإحدى يديه والدواء باليد الأخرى ..
إنها باختصار تحتاج إلى جيل قرآني ذاق حلاوة القرآن، فاختلط القرآن بلحمه ودمه، فشكل شخصيته وأنار قلبه، وهذا لن يتحقق إلا إذا بدأنا بأنفسنا وبأولادنا، فلا ينبغي أن نفوت فرصة صفاء أذهانهم حتى نملأها بمعاني القرآن، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم (٤).
فلنبدأ معهم أمر القرآن من أوله ولنعمل على تأسيس القاعدة الإيمانية في قلوبهم من خلاله، فنعرفهم بالله بما تحتمله عقولهم، ونطلب منهم أن يبحثوا في القدر الذي يحفظونه عما يعرفهم به، كالتعرف على الله المنعم أو الرحيم مثلا، ثم ننتقل معهم بعد ذلك إلى واجبات العبودية، ونرفع معهم على سبيل المثال شعار: «احفظ الله يحفظك»، وكيف نستدل من القرآن على صحة هذا الشعار، ونربط بينه وبين حياتهم العملية، ونتحدث معهم كذلك عن الشيطان ثم نطلب منهم تعريفا به، وبمداخله من خلال القرآن .. وهكذا في بقية الجوانب العشر التي سبق الإشارة إليها في الفصل الثاني بأسلوب سهل، شيق، قصصي، يراعي سنهم وقدراتهم.
ومما يساعد على ذلك تأكيدنا الدائم لأولادنا بأن المعنى هو المقصود من التلاوة، فلا بديل عن فهم المعنى لما سيتم حفظه، ولا داعي للاستعجال في الكم، وليكن ماثلا أمام أعيننا دوما قول أبي الدرداء لمن جاء يبشرة بأن ابنه قد جمع القرآن فقال له: اللهم غفرا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع (٥).
فلنجعل أبناءنا ممن يسمع للقرآن ويطيع، وهذا لن يتأتى إلا بتعلم الإيمان قبل القرآن، مما سيجعل فترة حفظ السورة طويلة - نسبيا - وبخاصة في البداية، لكننا سنكون قد استفدنا من إمكاناتهم وفطرتهم السليمة في ترسيخ معاني القرآن وبناء تصوراتهم الصحيحة وشخصياتهم المتوازنة .. فهل هناك من يزهد في هذه الثمار ولا يتمناها لأبنائه؟