← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36397

العودة إلى القرآن لماذا وكيف

مجدي الهلالي

Полный текст (114 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الثالث القرآن والتغيير

стр. 37

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]. في هذه الآيات تحذير شديد للمؤمنين من مخالفة فعلهم لقولهم. والمُشاهد لأحوالنا يجد أن الحال يختلف عن المقال، فالكثير يتكلم وينصح والقليل من تتمثل فيه هذه الأقوال والنصائح .. الكل يريد أن تكون أفعاله على مستوى أقواله لكنه لا يستطيع، فإن تكلف ذلك فترة من الزمن فسرعان ما يعود إلى سابق عهده. وليس معنى هذا عدم مطابقة الفعل للقول بالكامل، فهذا هو حال المنافقين والعياذ بالله، وإنما المقصد هو وجود بعض السلوكيات الخاطئة التي تتنافى مع ما يُحبه الله ويرضاه. أمثلة من الواقع: نحن كثيرا ما نتحدث عن الأولاد أنهم هبة من الله ، وليس بيد أحد من الناس اختيار نوع المولود، فإذا ما رُزق البعض منّا بأنثى شعر بالضيق في صدره، فإذا ما تكرر ذلك ازداد ضيقه، والذي قد يدفعه إلى اتهام زوجته بأنها السبب في ذلك. ومن صور التناقض بين القول والفعل أيضا أننا نتكلم عن ضرورة المساواة بين الأبناء ويفعل بعضنا عكس ذلك. ونتكلم كذلك عن ضرورة الإحسان إلى الزوجة ومعاشرتها بالمعروف، ونتبارى في إلقاء الكلمات المُعبرة عن ذلك، وإذا بشكاوى الزوجات من سوء معاملة أزواجهن تصُمُّ الآذان. - نتحدث كثيرا عن حقيقة الدنيا وأنها دار ارتحال وليست دار مقام، فلن يأخذ الإنسان - أي إنسان - شيئا معه عند خروجه منها، ثم تجد منّا الحرص على التملك فيها، واللهفة على تحصيل أكبر قدر منها، وكأننا لن نُغادرها. وغير ذلك من الأمثلة التي تكشف حجم الهوة بين الواجب والواقع، والقول والسلوك. أين القدوة ؟ إذن فنحن أمام مشكلة السلوك الخاطئ ونُدرة وجود الشخص القدوة الذي يقترب فعله من قوله، فضلا عن أن يتطابق معه.

стр. 38

وقبل أن يشرد الذهن باحثا عن حل لهذه المشكلة لابد من معرفة أسبابها ... هذه الأسباب تدور في مجملها حول النقاط التالية: ١ - الأفكار والمعتقدات الخاطئة التي ترسَّبت في عقل الفرد على مر السنين، وأصبحت من الثوابت التي تُشكل المنطلق الأول للسلوك. ٢ - غياب الفهم الصحيح للإسلام والذي قد يؤدي إلى تضخيم فرع من الفروع على حساب أصل من الأصول. ٣ - ضعف الإيمان: فالإيمان هو الدافع للأعمال الصالحة وعلى قدر وجوده في القلب يكثُر حجم تلك الأعمال. ٤ - عدم جهاد النفس على لزوم الصدق والإخلاص: فقد يقوى داعي الإيمان في القلب وينتصر على داعي الهوى، ويقوم المرء بما يأمره به إيمانه، لكنه لا يستفيد من تلك الأعمال ولا يصل أثرها إلى القلب، بل تتعرض للإحباط وعدم القبول من الله، وذلك بسبب أن النفس تُريد أن تأخذ حظها من تلك الأعمال، إما بدفع صاحبها إلى الإعجاب والاغترار بها واعتبار أنها السبب في القيام بهذه الأعمال، أو بدفعه للتحدث بها وتزيينها أمام الناس، وكلا الأمرين يؤديان - والعياذ بالله - إلى إحباط العمل. المعجزة الكبرى: إذن فلكي يُصبح الواحد منَّا ذا سلوك سَوِي، بفهم صحيح، وبصدق وإخلاص لابد أن يشمل التغيير عقله وقلبه ونفسه. فإن كان الأمر كذلك فما هو المنهج القادر على إحداث هذا التغيير في هذه المحاور الثلاثة، والذي ينبغي أن يكون ميسرا للجميع؟! هنا يأتي دور القرآن العظيم، وتظهر قيمة معجزته الكبرى. فالقرآن لا يكتفي بتعريف الناس طريق الهدى، ولا يؤدي فقط دور المصباح الذي يشع النور فيُبدد الظلمات، ويُنير طريق السالكين إلى الله، بل يقوم بنفسه بإخراج مَن يتمسك به من الظلمات إلى النور، وتغييره وإعادة تشكيله ليُصبح عبدا مخلصا لله في كل أموره وأحواله. وهذا هو سر معجزته والتي جعلته تتفوق على سائر المعجزات الأخرى كمعجزة عيسى ﵇ في إحياء الموتى، أو عصا موسى، أو ناقة صالح .... قد يقول قائل: إن معجزة القرآن تكمن في أسلوبه، وبلاغته، وتحدِّيه للبشرية، وأنه صالح لكل زمان ومكان و ... . نعم، هذا كله من أوجه إعجازه، ولكن يبقى سر إعجازه الأعظم في قدرته على التغيير ... تغيير أي إنسان، ومن أي حال يكون فيه، ليتحول من خلاله إلى إنسان آخر عالما بالله عابدا له في كل أموره وأحواله، حتى يتمثل فيه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].

стр. 39

كيفية التغيير القرآني: الوسائل التي يستخدمها القرأن في تغيير الفرد، وإحداث انقلاب جذري وشامل في كيانه تصُب في محاور ثلاثة: العقل والقلب والنفس، وبقدر استخدام تلك الوسائل يكون التغيير، وفي ذلك تفصيل ... . المحور الأول القرآن والعقل قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]. فالجنين يخرج من رحم أمه إلى الدنيا وهو لا يعلم شيئا، ويبدأ تدريجيا في التعرف على العالم من حوله من خلال بيئته الصغيرة المحيطة به، ففيها يكتسب معارفه الأوليه، وبمرور الأيام والسنين ومع اتساع دائرة حركته، وتنوع وسائل المعرفة التي يستقي منها معلوماته، وتتكون لديه مجموعة من الثوابت والتصورات عن نفسه وعن كل ما يُحيط به ويتعامل معه، مثل نظرته للمال، الدراسة، الزواج، الصداقة، القوة، الموت، عالم الغيب ... ومما لا شك فيه أن هذه التصورات تختلف من شخص لآخر باختلاف المشارب والبيئات والمنابع التي يستقي منها الفرد معلوماته، وعلى أساسها يتكون فكر الإنسان وثوابته الخاصة .. هذا الفكر وهذه الثوابت تُشكل المنطلق الأساسي للسلوك الخارجي، فالإنسان - أي إنسان - يتحرك من خلال قناعاته الشخصية، وإذا ما أردت تغيير سلوك شخص ما فعليك أولا أن تبدأ بتغيير قناعاته تجاه ما تُريد، أما إذا حاولت أن تقفز مباشرة إلى السلوك لتغيره دون أن تبدأ بالفكر، فلن تصل إلى النتيجة التي ترجوها، وإن أبدى أمامك استجابة سريعة لأوامرك - وبخاصة إذا ما كان لك عليه سلطان - فإن هذه الاستجابة تكون وقتية لا تستمر طويلا. لابد إذن من مخاطبة العقل وتغيير الفكر والمعتقد أولا إذا ما أردنا تغيير السلوك. تجارب عملية: لبيان مدى تأثير القناعات والمعتقدات على سلوك الإنسان يقول د. مالك البدري: إن تأثير العوامل النفسية على الناحية الجسمية العضوية أمر بدهي يلاحظه الفرد في حياته اليومية، فهو يضطرب وتزداد ضربات قلبه عند تلقيه أخبارا مفزعة أو مؤلمة، كما يحمر وجهه خجلا وحياء إن كان من أصحاب البشرة البيضاء. ومن أهم الظواهر أيضا تحسُّن الحالة الصحية الجسمية لكثير من المرضى عند تناولهم لحبوب وكبسولات لا تحتوي على أي مادة فعَّالة لكنهم يعتقدون أنها عقاقير مفيدة. فقد لا تحتوي الكبسولات إلا على قليل من السكر لكن الطبيب يؤكد للمرضى أنها ذات فائدة مضمونة. وفي بعض الحالات يقوم الطبيب بحقن المرضى بمحلول الماء والملح بعد إيهامهم بأن هذه الحقن تحتوي على دواء ممتاز. وقد أثبتت الدراسات المتكررة بأن هؤلاء المرضى تتحسن حالتهم بدرجة واضحة تكاد في بعض الأحيان تصل إلى مستوى أولئك الذين تلقوا عقاقير حقيقية. ولقد ظهرت مئات المؤلفات التي تدعو لتحسين صحة الإنسان الجسمية بتغيير أفكاره ومشاعره وانفعالاته .. ذلك لأن الذي يُشكل فكر الإنسان ونشاطه المعرفي ليس هو الأحداث والمثيرات التي يتعرض لها في بيئته بشكل مباشر، بل الذي يؤثر بالفعل هو تقييمه وتصوراته لهذه الأحداث والمثيرات (١). من هنا يتبين لنا أن الخطوة الأولى والأساسية لتغيير سلوك الإنسان هي تغيير فكره، وليس المقصد من تغيير الفكر تلك القناعة العابرة التي يُبديها العقل نتيجة قراءة أو مناقشة، فهذا من شأنه أن يُحدث تغييرا وقتيا ينتهي مفعوله بغياب الفكرة من العقل، ولكن إذا ما أردنا تغييرا مستمرا فهذا أمر آخر يتطلب الحديث عن الشعور واللا شعور.

стр. 40

الشعور واللا شعور: البعض منَّا يخاف من الظلام، فإذا ناقشته وجدته مقتنعا بعدم وجود ما يُبرر خوفه، لكنه مع ذلك يستمر كما هو، والناس يتحدثون عن العدول والمساواة ولكن عند التطبيق يظهرون بالقيم العشائرية ... فما السبب في ذلك؟ السبب الرئيسي لهذا التناقض بين القول والفعل أن العقل يستقبل المعلومات بجزئه المُدرك الواعي والذي يُسميه العلماء بالشعور .. هذه المعلومات لن تستطيع ان تكون دافعا مستمرا للأعمال إلا إذا أصبحت علما راسخا عند الإنسان، وانتقلت من منطقة الوعي والإدراك والشعور إلى منطقة اللاشعور، أو العقل الباطن، أو الأخفى على حد تعبير القرآن. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]. فالسر - كما يقول ابن عباس ﵁: ما أسرَّ ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله (١). فاللا شعور، أو الأخفى هو منطقة العلم الراسخ اليقيني عند الإنسان، ومن خلاله تنطلق الأفعال بصورة تلقائية. ولقد ضرب القرآن مثالا لأناس اعتقدوا أنهم مصلحون، ولكن سلوكهم يدل على عكس ذلك .. لماذا؟ لأنهم يُفسدون بطريقة تلقائية من اللا شعور. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]. والأمر الجدير بالانتباه كما يقول د. ميسرة طاهر: أن حوالي ٦٠% من سلوكنا اليومي ومن أفعالنا وأقوالنا مصدرها (الأخفى). ويستطرد قائلا: والأدلة على وجود الأخفى كثيرة، منها: المخاوف الشاذة، فكثيرا ما نرى كبارا وصغارا يخافون مما لا ينبغي الخوف منه، كالأماكن المرتفعة، والقطط، فمثل هذه المخاوف لا يمكن أن نجد لها تفسيرا على مستوى العقل الواعي. ومنها كذلك فلتات اللسان، وهي الكلمات التي نتفوَّه بها دون إرادة منَّا، وعند اكتشاف الفرد لمثل هذه الفلتات فغالبا ما يعتذر عنها، ويقول: لم يكن قصدي أن أقول هذا ... ومن مظاهر وجوده كذلك ألعاب الأطفال، فمن يُراقب الأطفال يجد أنهم يخرجون من عقلهم الباطن كل ما يُضايقهم ليصبُّوه على ألعابهم سواء بالحركات أو بالكلمات (٢). ومن الأوقات التي تُظهر الأخفى بصورة جلية: لحظات الاحتضار، حيث يكاد العقل المُدرك أن يتوقف ليُفسح المجال للأخفى ليُعبِّر عما بداخله، ويظهر هذا بوضوح من خلال تباين استجابة المحتضرين لمن يُلقِّنهم الشهادة، بل قد نجد الواحد منهم يُردد ما كان يغلب على اهتماماته في حياته. جاء في كتاب الداء والدواء لابن القيم: أنه قيل لرجل يحتضر: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء، ويقول ابن القيم: وأخبرني من حضر الشحاذين عند موته فجعل يقول: لله، فِلْس لله، حتى قُضي. وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه (لا إله إلا الله) وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشْتَرِ جيد، هذه كذا، حتى قُضي (٣). علاقة العقل المُدرِك بالأخفى (أو علاقة الشعور باللاشعور) ما من معلومة ترسخ في اللاشعور إلا وتمر عليه من خلال الشعور أو العقل المُدرك .. مع العلم أن كل فكرة نعتقد بصحتها حتى لو كانت خرافة فإن اللاشعور يقبلها دون مناقشة، أما رسوخها فيه لتُصبح يقينا ومُنطلقا للفعل التلقائي فهذا يحتاج إلى تكرار مرورها إليه من العقل المُدرِك ... وإليك بعض الأمثلة التي تُوضح ذلك الأمر:

стр. 41

عندما نتعلم أحكام تلاوة القرآن فنحن نتعلمها بالعقل المُدرِك، وبالمداومة على تطبيقها ترسخ هذه المعلومات في اللاشعور، فيُطبِّق المرء الأحكام دون تفكير فيها، وقد ينسى القارئ نَص الحكم التجويدي ومع ذلك يستمر في تطبيقه بصورة صحيحة. والذي يتعلم قيادة السيارة فإنه يتعلمها بالشعور، ثم بالمداومة والممارسة ترسخ المعلومات في اللاشعور، مما يجعله يقود سيارته دون تفكير، وقل مثل هذا على الذي يتعلم الكتابة على الكمبيوتر والذي لا يستطيع في البداية كتابة حرف دون النظر إلى مكانه في لوحة الحروف، وشيئًا فشيئًا يستطيع الكتابة وهو ينظر إلى الآخرين. إذن فتحول المعلومة من الشعور إلى اللاشعور وثباتها فيه يحتاج إلى تكرار التفكير فيها واسترجاعها بين الحين والآخر وإلَّا تلاشى وجودها شيئا فشيئا .. فكم من مهارات وأعمال وأناشيد وجُمَل مأثورة تعلمناها في الصِغر ودخلت اللاشعور، ثم تلاشت منه أو كادت بسبب إهمالها وعدم استرجاعها كل فترة. من هنا تأتي أهمية الممارسة العملية المتكررة المعبرة عن الأفكار التي نُريد ترسيخها في اللاشعور، ولعلنا نلمح هذا المعنى من تأكيد رسولنا ﷺ على أهمية المداومة على العمل - وإن قَلَّ - ليظل مدلوله راسخا في اللاشعور. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ» (١). القرآن واللاشعور: مما سبق يتبين لنا أن من أسباب عدم مطابقة الفعل للقول هو ما ترسب لدى الإنسان في عقله الباطن من أفكار ومعتقدات، والتي من الجائز أن يقتنع العقل المُدرك بعكسها في لحظة من اللحظات، لكنه عند التطبيق يصدر منه سلوك مُعبر عن يقينه ومعتقداته الراسخة لديه. فعلى سبيل المثال: لو ناقشت إنسانا ما في قضية الرزق وأنه بيد الله وقد ضَمِنه لنا، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فستجد منه اقتناعا تاما بذلك، ولكن عند التطبيق في معترك الحياة نجد أن الأمر يختلف، حيث اللهفة والحرص على المال وكثرة التفكير في المستقبل والخوف من الفقر ... إذن فالخطوة الأولى في تغيير السلوك تبدأ بتغيير ما ترسب لدينا من أفكار ومعتقدات خاطئة واستبدالها بأفكار ومعتقدات صحيحة. هذا التغيير - كما مرَّ علينا - يستلزم ثلاثة أمور: أولًا: اقتناع العقل المُدرِك بالأفكار الجديدة. ثانيًا: تكرار مرور تلك الأفكار على العقل. ثالثًا: ممارسة مقتضيات تلك الأفكار. وهذا ما يفعله القرآن . فالقرآن يُعيد تشكيل العقل من جديد، ويُصوِّب كل فكرة خاطئة لديه، ويبني فيه اليقين الصحيح لكل الأفكار والمعتقدات. ولكن كيف يتم ذلك؟ المتأمل في كتاب الله سيجد العديد من الوسائل التي يستخدمها في ترسيخ المفاهيم الصحيحة في اللاشعور، ومن أهم هذه الوسائل: أولا: الاقتناع: فالاقتناع بالفكرة هو الخطوة الأولى في طريق التغيير، حيث يسمح العقل المُدرِك بمرورها بعد ذلك إلى اللاشعور ليصبح السلوك المعبر عنها يصدر بطريقة تلقائية.

стр. 42

من هنا يبرز احترام القرآن للعقل ودوام مخاطبته وإقناعه بأهمية الفكرة المطروحة. والقارئ المُتدبر يجد المولى – وهو الكبير المتعال – يُخاطب عقولنا، ويُبيِّن لنا الكثير من الأمور التي من شأنها أن تُقنعنا بما يُريده منَّا، بل إنه يدعونا في كتابه إلى استخدام عقولنا والتفكر في كلامه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]. ويرُد القرآن على ادعاء النصارى بألوهية المسيح ﵇ أو أمه، فيقول تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]. ومن وسائل الإقناع التي يستخدمها القرآن: ضرب الأمثال، والتي تُعتبر من أهم وسائل تبسيط المعلومة وربط الذهن بها، فالمعلم القدير – كما يقول جودت سعيد – هو الذي يُقدم العلم للناس في أمثلة تجعلهم يقتربون من الموضوع أكثر (١). قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧]. ومن أمثلة القرآن ذلك المثال الذي يُبيِّن خطورة الرياء، وعدم الإخلاص لله، وكيف سيكون حال صاحبه وهو يرى جهده وتعبه قد ضاع، هو أحوج ما يكون إليه. يقول تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. ومن وسائل الإقناع كذلك: استخدام الطريقة الاستنتاجية بطرح الأسئلة وترك الإجابة للعقل ليصل إلى المعنى المراد من ورائها، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. ثانيا: تكرار الموضوعات: نعم الاقتناع بالفكرة هو الخطوة الأولى في طريق التغيير حيث تنتقل هذه الفكرة من العقل المُدرك إلى اللاشعور، ولكنها لن تستقر فيه إلا إذا حدث لها تكرار وتكرار. ولعلنا جميعا نلحظ ذلك، فعندما يحدث اقتناع بفكرة ما في لحظة من اللحظات تجد الواحد منَّا كثيرا ما يُعبر عن هذا الاقتناع بعمل من الأعمال، كمن قرأ أو سمع عن أهمية مساعدة المحتاجين ثم وجد أمامه محتاجا، ففي الغالب أنه سيتصدق عليه ولو بالقليل، هذا الفعل قد لا يتكرر من صاحبه ثانية إلا إذا استمر التذكير بأهميته بين الفينة والأخرى. من هنا تبرز قيمة التكرار كوسيلة من وسائل بناء اليقين الصحيح والتي يستخدمها القرآن، فالمتتبع للموضوعات المطروحة فيه يجدها متكررة ومتشابهة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠]. وصرَّفناه أي: كررناه بأساليب مختلفة .. ومن فوائد التكرار كذلك أنه يجعل القارئ في حالة دائمة من التذكر واليقظة.

стр. 43

والموضوعات التي تتكرر في القرآن كثيرة، تَقِف على قِمَّتها تلك الموضوعات التي تتناول جوانب الهداية فيه، والتي تمَّ ذكرها في الفصل السابق. فالتعرف على الله يحتل مساحة ضخمة في القرآن، ولا تكاد تمر آية إلا وتجد فيها تعريف بالمولى وبحقوقه علينا من عبادات قلبية وجوانب تشريعية. ومن الموضوعات التي تتكرر كثيرا في القرآن: قصة وجودنا على الأرض، وطبيعة الدنيا وأنها دار امتحان ينتهي بيوم عظيم للحساب، تُعرض فيها الأعمال، وتُعلن النتائج، ليفوز الناجحون بالجنة التي أعدَّ الله لهم فيها شتى أنواع النعيم، ويذهب الراسبون إلى النار فيذوقوا من ألوان العذاب .. أعاذنا الله منها. ويُحذرنا القرآن دوما من عداوة الشيطان لنا وعمله الدائب لإضلالنا، ويُكرر لنا السنن والقوانين التي يحكم الله بها الحياة لنتذكرها ونستفيد بها. ويُذكِّرنا القرآن كذلك بحقوق الناس بعضهم على بعض، ويُكرر علينا قصص السابقين لتتأكد لدينا المعاني والعِبر التي تحملها ... ثالثا: رسم خريطة الإسلام: ومن وسائل القرآن في إعادة تشكيل العقل: رسم خريطة الإسلام بنِسَبِها الصحيحة في ذهن قارئه، فالقرآن يُعطي لصاحبه تصورا عاما لكل ما هو مطلوب منه، وعلاقته بكل شيء حوله، ولا يكتفي بذلك بل يضع كل أمر في حجمه المناسب له في شجرة الإسلام، فهو يرتب الأولويات، ويُكون الشخصية المعتدلة، المتوازنة، والتي تُعطي كل ذي حق حقه، فعلى سبيل المثال: نجد قضية الجهاد في سبيل الله قد أخذت مساحة معتبرة في القرآن بل نجدها تتقدم في الأولوية على عبادات أخرى عند تعارضها. قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ١٩، ٢٢]. فمن يترك عقله للقرآن، سيجد بلا شك أن شخصيته قد تشكلت بصورة متوازنة، وستتكون لديه ملكة معرفة الأهم فالمهم لكل قضية حين يطرحها القرآن، وستوضع في ذهنه بالحجم المناسب الذي يتناسب مع اهتمام القرآن بها. ولك أن تتخيل - أخي القارئ - ماذا يمكن أن يحدث لو اتجهت عقول الأمة إلى القرآن ليصبح المصدر الرئيسي للتلقي؟ وكيف ستكون نسبة الاتفاق بين أفرادها؟! ... وخلاصة القول: أن القرآن يعيد تشكيل العقل، ويقوم ببناء اليقين الصحيح فيه من خلال مخاطبته له بأساليب شتي، مما يؤدي إلي إقناعه بما يحمل من أفكار فتنتقل تلك الأفكار بسهولة ويسر إلي منطقة اللاشعور، وتترسخ فيها من خلال تكرارها في السور والآيات لتشكل بعد ذلك نقطة بداية قوية لانطلاق السلوك المعبر عنها ... . والقرآن لا يركز على قضايا بعينها، بل يرسم في الذهن خريطة شاملة وواضحة للإسلام، ويُعطي كل جزء فيها اهتمامًا يناسب حجمه، فينشأ عن هذا كله تصحيح للمفاهيم الخاطئة وتغيير للثوابت الموروثة، لتحل محلها معاني القرآن وثوابته، وهذا من شأنه أن يُحدث وحدة التصور لدي أفراد الأمة.

стр. 44

المحور الثاني القلب والقرآن نعم إن الاقتناع العقلي هو المنطلق الأساسي للسلوك، ومع هذا يبقي هذا الاقتناع بحاجة إلى رضا قلبي لتنطلق به الجوارح بالأفعال المؤيدة لما في العقل من أفكار، فالعقل مهما كان وضعه إلا أنه في النهاية ما هو إلا جندي من جنود القلب، فالقلب هو الملك، وما من عمل تقوم به الجوارح إلا ويمر من خلال القلب ويأخذ موافقته ورضاه عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]. فالسلوك يبدأ - كما توضح الآية - بإصغاء من القلب لصوت العقل ثم رضا بذلك لتكون النتيجة اقتراف الفعل .. وهذا ما يؤكده كذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَ﴾ [التحريم: ٤]، أي: أنصتت قلوبكما لصوت العقل وارتضته فكانت التوبة. فالاقتناع العقلي هو نقطة البداية التي لابد أن يتبعها إصغاء من القلب ثم رضًا منه بمقتضياته .. ولكن قد يقتنع العقل بقضية من القضايا لكن القلب لا يستطيع أن يتخذ القرار بتنفيذ مقتضى هذا الاقتناع .. أتدرون لماذا؟! لغلبة سلطان النفس وهواها وسيطرتها عليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠]. فما هو الهوى وما مدى علاقته بالقلب؟ القلب بين الإيمان والهوى: من تعريفات القلب أنه مجموعة المشاعر والعواطف داخل الإنسان من حب وكُرْه، وفرح وخوف ورجاء، والقلب كما نعلم هو الملك على سائر الأعضاء كما في الحديث: « .. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١) ... هذا القلب يتجاذبه طرفان: إيمان وهوى. أما الإيمان فهو تصديق القلب لحقائق العقل، أو بمعنى آخر: اتجاه المشاعر لما قرره العقل من حقائق، فالإيمان محله القلب كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. والإيمان مشاعر كما في الحديث: «ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان ن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٢). وأما الهوى: فهو اتجاه المشاعر لما تميل إليه النفس من شهوات حسية كانت أو معنوية. وعلى قدر قوة أحد الطرفين - الإيمان أو الهوى - تكون له الغلبة على إرادة القلب، ومن ثَمَّ يكون من نصيبه الأمر الصادر من القلب إلي للجوارح. ففي الحديث: «لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن» (٣). فلحظات الزنى أو السرقة أو القتل عكست انتصار الهوى على الإيمان، وقوة سيطرته على المشاعر. الإيمان أولًا: إذن فعندما نرى سلوكًا معوجًا من شخص ما: كمن بدأ يتهاون في أداء الصلاة، أو من يطلق بصره إلى المحرمات، فإن هذا يعكس قوة سلطان الهوى على مشاعره، ومن ثَمَّ فإن الطريقة الصحيحة لتقويمه ليست بإنكار أفعاله فقط، فهو يعلم جيدًا خطأ ما يفعل، وإنما تكون بالعمل على زيادة الإيمان في قلبه ليصبح هو الدافع للأعمال. وهذا ما نلحظه في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].

стр. 45

وفي الدعاء: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك» (١). مرض القلب وصحته: معنى مرض القلب: أي عدم صحته، أو بعبارة أخري: اتجاه مشاعره نحو الهوى حتى يسيطر عليه، وبقدر هذه السيطرة يكون المرض، وعندما تتجه المشاعر كلها للهوى يتمكن المرض من القلب وتنتفي عنه الصحة، ويصبح داعي الهوى هو الآمر الناهي المطاع، كما صور ذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]. وصور اتباع الهوى كثيرة، وتشمل كل ما تميل إليه النفس، ويجمعها قاعدة واحدة تنطلق منها وهي: حب الدنيا. فمن تلك الصور: اتباع الشهوات، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. ومنها: طلب العلو في الأرض: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. ومنها كذلك: الخوف على الرزق والحياة. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧]. وفي المقابل فإن عودة القلب إلي صحته تعني: تخلصه مشاعره من سيطرة الهوى واتجاهها إلي الله . قال صلي الله عليه وسلم: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٢). القلب الحي: عندما تتحرر المشاعركلها من سلطان الهوى وتتجه إلي الله عندئذ يصبح القلب حيًا أبيضًا، يشع النور من جنباته، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض .. كما في الحديث: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها، نُكِتت فيه نُكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نُكِتت فيه نكته بيضاء حتى يصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر: أسود مربادًا كالكوز مُجَخِيًا، لا يعرف معروفًا، ولا يُنكِر منكرًا، إلا ما أُشرِب من هواه» (٣). فإن استغل الشيطان منه غفلة، تذكر الله فعاد إلي ما كان عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وخلاصة القول: أن التغيير المنشود يستلزم بالإضافة إلى إعادة تشكيل العقل: دخول الأيمان في القلب، وتقويته في مواجهة الهوى، والعمل الدائم علي زيادته حتى يسيطر تمامًا على المشاعر ليعيد القلب إلى كامل صحته وحياته. فإن كان هذا هو المطلوب للقلب ليحدث التغيير المنشود في السلوك، فكيف يمكن للقرآن أن يفعل ذلك؟! القرآن ودوره في دخول الإيمان القلب: دخول الإيمان والنور في القلب نعمة عظيمة من الله ، كما قال تعالى على لسان نبيه: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١]. فالإيمان محض فضل من الله يمنحه لمن يجد عنده الرغبة فيه، كما في الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» (٤).

стр. 46

ومما لا شك فيه أن القناعة العقلية هي مبدأ هذه الرغبة .. هذه القناعة لابد لها أن تمتزج بميل قلبي وعاطفة تنتظر اللحظة المناسبة التي يمُنُّ الله فيها عليها. فتتوهج وينشرح صدر صاحبها للإيمان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وهنا يأتي دور القرآن: فمن أقبل على القرآن وهو يبحث فيه عن الهدى وجده .. لماذا؟! لأنه سيجد فيه ردًّا شافيا على ما يتردد في عقله من تساؤلات حول قضية الوحدانية، وقصة الوجود وما بعد الموت و .. لكن هذا كله لا يكفي - كما ذكرنا - فالقناعة العقلية إن لم يصاحبها إصغاء قلبي فستظل حبيسة العقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]. وهنا يأتي الدور الآخر للقرآن ألا وهو قدرته على إثارة المشاعر وتأجيجها، فالقرآن ليس تذكرة للعقول فقط، ولكنه أيضا موعظة تثير المشاعر والعواطف. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. دور الموعظة: الموعظة كالسياط تهز القلب، وتهيئ للإصغاء إلى صوت العقل فتنشأ الرغبة، ويزداد الشوق إلى الإيمان الذي يدخل نوره القلب في الوقت الذي يحدده الله . وهنا أمثلة كثيرة توضح قدرة القرآن على مخاطبة العقل وإثارة مشاعر القلب في نفس الوقت، مما يُهيئ سامعه للهداية إن استمر في التعامل معه. وإليك هذا المثال والذي نراه يتمثل في أحد صناديد الكفر -عتبة بن ربيعة - الذي ذهب إلى رسول الله ﷺ ليحاوره، ويعرض عليه ترك دعوته ودينه مقابل ما يُريد من مال أو جاه أومُلك. فما كان من رسول الله إلا أن انتظر حتى فرغ من كلامه ثم تلا عليه صدر سورة فصلت حتى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]. فلم يستطع عقبة أن يتحمل أكثر من ذلك فوضع يده على فيِّ رسول الله ﷺ وناشده بالرحم أن يسكت، وعاد إلى قومه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله من قبل، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم (١). والمتأمل للآيات التي قرأها رسول الله ﷺ على عتبة يجدها تُخاطب العقل وتقنعه بوحدانية الله وبملكه التام والمُطْلق لهذا الكون، وفي نفس الوقت فإن الآيات تُثير المشاعر وتهز القلب وتخوفه، فينتج عن هذا امتزاج الفكر بالعاطفة، وهذا ما حدث لعتبة لكنه لم يستثمر الفرصة العظيمة التي سُنحت له. القرآن يمزج الفكر بالعاطفة: إليك مثال آخر يوضح طريقة القرآن في مزج القناعة العقلية بالعاطفة القلبية. يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].

стр. 47

فهذا خطاب موجَّه للعقل يحمل تحديًّا معجزًا ولكن هذا وحده لا يكفي لحدوث الرضا القلبي، بل لابد من هزِّ القلب، وإثارة مشاعره، وهذا ما نجده في الآيات التالية للآية السابقة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٤ - ٢٥]. فامتزاج الفكر بالعاطفة هو طريقة القرآن الفريدة في تحويل وجهة القلب إلى الله ، لينتظر القلب بعد ذلك فضل الله في إدخال نور الإيمان إليه. القرآن وزيادة الإيمان: مع دور الإيمان العظيم في دخول الإيمان للقلب فإنه يعمل كذلك على زيادته فيه وذلك من خلال ثلاث وسائل: الأولى: أنه بنفسه يزيد الإيمان: فكما مرَّ علينا سابقا أن معاني الإيمان، اتجاه المشاعر إلى الله .. معنى ذلك أن الإيمان يزداد في لحظات التجاوب والانفعال القلبي لكل ما هو لله. والقرآن يقوم بذلك من خلال قدرته على التأثير في مشاعر قارئه بمواعظه البليغة وسلطان ألفاظه وبخاصة عند ترتيلها والتغني بها. نعم في البداية قد يكون التجاوب بطيئا بين العقل والقلب، ولكن بالمدوامة على القراءة مع يقظة الذهن سيزداد التجاوب والانفعال .. هذا التجاوب يعني زيادة الإيمان في القلب، وكلما استثمر الشخص لحظات التأثر بترديد الآية التي أثرت فيه: ازداد الإيمان في قلبه. الثانية: الطاقة المتولدة من القرآن: فاستثارة المشاعر تولد طاقة في نفس صاحبها، فإن استثمر تلك الطاقة بحُسن تصريفها في أعمال مصاحبة للقراءة كالدعاء أو السجود مثلا: ازداد الإيمان أكثر وأكثر، وهذا ما نجده في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. فعندما ترجم هؤلاء الصالحون شعورهم عند استماعهم للقرآن بالسجود والبكاء، انعكس ذلك على القلب بزيادة خشوعه وخضوعه لله . الوسيلة الثالثة: الدلالة على أوجه البر: فالقرآن يدل على أعمال من شأنها أن تزيد إيمانه كالصلاة والصيام وقيام الليل. فعلى سبيل المثال: نجد القرآن كثيرا ما يستحث القارئ على الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨]. فالإيمان كما نعلم يزيد بالطاعة وتنقص بالمعصية، فإذا ما قام العبد بهذه الأعمال فإن أثرها يعود على القلب مرة أخرى بزيادة مساحة الإيمان فيه. القرآن وشفاء القلب: السبب الرئيسي لمرض القلب هو الهوى، وشفاؤه بالإيمان، وطريقة القرآن الفريدة في شفاء القلب هو «الإحلال» بمعنى استخدام قوة الإيمان ليحل محل الهوى كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].

стр. 48

ويضرب القرآن مثلا لهذه الطريقة في العلاج، يقول تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]. القرآن وحياة القلوب (الولادة الثانية): بالمداومة على قراءة القرآن ومع ازدياد فترات تجاوب القلب مع العقل: يزداد الإيمان شيئا فشيئا، ويحل محل الهوى في القلب، إلى أن تأتي لحظة من أجمل لحظات الحياة وهي تحرر القلب بالكامل من الهوى وولادته من جديد: قلبا حيا، يقظا، نابضا، يتحرك ويخشع، ويجده صاحبه معه عندما يريده .. هذه اللحظة السعيدة سماها العلماء «الولادة الثانية». يقول ابن القيم: «فللروح في هذا العالم نشأتان: إحداهما النشأة الطبيعية المشتركة، والثانية نشأة قلبية روحانية، يولد بها قلبه وينفصل عن مشيمة طبعه كما وُلد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن، ومن لم يصدق هذا فليضرب عنه صفحا وليشتغل بغيره. وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: أن المسيح عيسى بن مريم ﵇ قال للحواريين: «إنكم لن تلجوا ملكوت السماوات والأرض حتى تولدوا مرتين» (١). وعندما تتم هذه الولادة، ويُولد القلب الحي، عندئذ تبدأ رحلته المباركة في السير إلى الله للوصول إلى معرفته في الدنيا والقرب منه في الآخرة. القرآن والسير إلى الله: كما أن لدى القرآن القدرة على تغيير سلوك صاحبه وذلك بالعمل المستمر على زيادة الإيمان في قلبه وطرد الهوى منه، فإن لديه القدرة كذلك على السير به إلى الله والاقتراب الدائم منه حتى يصل العبد إلى درجة الصديقية، وهي الدرجة التي تلي الأنبياء في القرب من الله وذلك من خلال ما يعرف بـ «أعمال القلوب» . أعمال القلوب: أعمال القلوب هي العبادات التي ينبغي أن يمارسها القلب عند تعرضه لأحوال معينة. فعندما يتوجه البدن بطاعة من الطاعات، كالصلاة أو الانفاق ينبغي أن يصاحب ذلك عبادة قلبية تُسمى الإخلاص لله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. والعبودية التي ينبغي أن يكون فيها القلب عند ورود النعم عليه: الشكر لله ، كما قال تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]. والصبر هو عبودية القلب التي ينبغي أن تلازمه عند ورود المصائب أو الابتلاءات عليه، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: ٣٥]. والخشوع والخضوع والتواضع هي عبوديته عند ذكره لله وتذكَّر عظمته وكبريائه مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وعبادة التوكل على الله والاستعانة به ينبغي أن تصاحب القلب قبل القيام بأي عمل: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والتقوى هي الحال التي ينبغي أن يكون عليها القلب بعد القيام بأي طاعة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].

стр. 49

والرضا هو الحال الذي ينبغي أن يستقبل به القلب أقدار الله وبخاصة المؤلمة منها. وعلى قدر القيام بهذه الأعمال تكون عبوديته لربه، ومن ثَم قربه منه. فإن قال قائل ولكن كيف يمكننا القيام بهذه الأعمال القلبية، وما هو دور القرآن في ذلك؟ قبل الإجابة بهذه عن هذا السؤال لابد أن يتطرق الحديث حول منشأ هذه العبادات والفرق بين الحال والمقام . الحال والمقام: عندما تبلغ مسامع شخص ما أخبار ساره فإنه يعيش في حالة من الفرح والسرور، وعكس ذلك يكون عند تلقِّيه أخبارا محزنة، هذه الحالة تزول بعد فترة من تعرضه للمؤثرات التي أثرت فيه، فإذا ما كان المؤثر شديدا أو استمر في تعرضه له لفترة طويلة، فإن هذه الحالة الشعورية التي انتابته ستلازمه لفترة أطول من الزمن، وهذا ما يُسمَّى بالمقام، أي أنه أقام في هذه الحالة واستمر عليها. فالحال إذن هو الحالة الشعورية الطارئة التي تنتاب الشخص عند تعرضه لمؤثر ما، ولا يصبح هذا الحال مقاما إلا إذا عاش فيه ولازمه وأقام فيه، فقد تتلقى امرأة خبرا بوفاة زوجها الذي هو في نفس الوقت شقيقا لواحد من الناس وابن عم لواحد آخر .. بلا شك سيعيش الجميع في حالة من الحزن عند وقت تلقيهم النبأ، هذه الحالة ستزول عند ابن العم في وقت أقصر منه عند الأخ، أما الزوجة ففي الغالب أن حالة الحزن ستلازمها وقتا طويلا فتظل في مقام الحزن. هذا من ناحية المشاعر، أما من ناحية السلوك فعلى قدر استثارة المشاعر تكون القوة الدافعة للعمل، فعلى قدر قوة المؤثر يكون العمل المُصاحب، وعلى قدر الاستمرار أو المقام في الحالة الشعورية المستثارة يكون الاستمرار في العمل المصاحب. فالبكاء مثلا عمل مصاحب لمشاعر الحزن عندما تتمكن من القلب وسرعة استدعائه مرتبطة ببقاء هذه المشاعر في حالة من التوهُّج. فإذا ما اتضح هذا الأمر فما علينا إلا أن نُسقطه على عبادات القلوب. - فالشكر عبادة قلبية تنتج من استثارة مشاعر الحب لله ، هذه الحالة الشعورية قد تكون طارئة فيعيش القلب شاكرا لله في لحظات معدودة، وقد تستمر الحالة فترة طويلة فيستمر القلب في مقام الشكر مما يدفعه إلى القيام بأعمال تُعبِّر عن هذه العبادة القلبية كسجود الشكر، وقيام الليل، وكثرة حمد الله باللسان وذكر نعمه والتحدث عنها. - والشعور بالاحتياج إلى الله يستدعي عبودية الاستعانة به ، وعلى قدر قوة الحالة الشعورية يكون العمل المُصاحب والذي يمثله الدعاء إلى الله بإلحاح وصدق. واستمرار هذه العبودية وهذا العمل مرهون ببقاء تلك الحالة الشعورية. - وعندما تهيج مشاعر الحياء من الله يعيش القلب في عبودية المراقبة والإخلاص والتي قد تصل إلى الإحسان المذكور في حديث جبريل المشهور أي أن تعبد الله كأنك تراه. - وعندما ينتاب الشخص شعور بالعجز والانكسار لله يعيش قلبه في عبودية الاستسلام والخضوع لله . - وعندما تتأجج مشاعر الخوف من الله في القلب فإنه يعيش عبودية التقوى له سبحانه. أما عبودية الإنابة والتوبة فيتجه إليها القلب عندما تستثار مشاعر الرغبة والطمع فيما عند الله . هذه الأحوال المختلفة التي قد تطرأ على مشاعر العبد تجعل قلبه يتقلب في ألوان من العبودية لله بقدر ما تمكث هذه الأحوال، وما من مؤمن بالله إلا وعاش فيها ولو للحظات، ولكنه لا يلبث أن يعود إلى سابق عهده من الغفلة بعد ذهاب المؤثر القوي.

стр. 50

الطريق إلى العبودية: إذن لكي يصبح القلب في عبودية تامة ودائمة لله يجب أن تكون مشاعره متوجهة إلى الله وبصورة مستمرة مما يجعل استثارة أي منها تتم بأدنى مؤثر، فيؤدي ذلك إلى توجه القلب إلى العبادة المناسبة للمشاعر المُثارة وبصوة تلقائية، فإن أصابته سرَّاء شكر وإن أصابته ضراء صبر، وإن عزم على أمر توكل على الله، وكلما توجه القلب إلى العبودية المناسبة فإنه بذلك يسير إلى الله ويقترب منه. ولكن كيف يمكننا أن نصل إلى هذه الحالة القلبية من خلال القرآن؟ الطريق الذي يسلكه القرآن للوصول بصاحبه إلى هذه الحالة يتلخص في قدرة القرآن على إنشاء الأحوال المختلفة التي يعيشها القلب وذلك بتنوع مؤثراته عليه فتارة يُخوفه بذكر يوم الحساب وما فيه من أهوال، ويذكره النار وما تحتويه من ألوان العذاب، وبعاقبة المكذبين من الأمم السابقة .. وتارة يُرغبه بذكر الجنة وما فيها من ألوان النعيم، وتارة يستثير فيه مشاعر الحب بكثرة ذكر النعم، وتارة يستثير مشاعر الاحتياج إلى الله بعرض جوانب الفقر إليه .. هذه الأحوال التي ينشئها القرآن في القلب تتحول بمرور الأيام إلى مقامات ثابتة يعيشها القلب، وذلك من خلال كثرة استثارته للمشاعر المختلفة ودوام الضغط عليها حتى تتمكن الأحوال الطارئة من القلب فتصبح مقامات ثابتة. أهمية الانشغال بالقرآن: ولكي يصل المرء إلى هذه الحالة لابد له من كثرة قراءة القرآن ودوام التفكر في الآيات .. لابد أن تأخذ آيات القرآن وقتها الكافي مع القلب لتستقر الأحوال التي تثمرها فيه، فتنتج هذه الأحوال عبادات قلبية .. هذه العبادات ستدفع صاحبها للقيام بالأعمال الصالحة التي تعبر عنها. وهذا ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم - كما سيمر علينا بمشيئة الله في الفصل القادم - كانوا يأخذون عشر آيات فقط من النبي ﷺ فيعيشون معها بكل جوارحهم فتحدث لهم أبلغ الأثر من تغيير في عقولهم، وتعبيد قلوبهم لله ، وتدفعهم لسرعة الاستجابة والمبادرة للقيام بأي عمل صالح يُعبر عن عبوديتهم التامة لربهم .. ثم ينتقلون بعد ذلك إلى غيرها. تأمل معي حالهم وقد امتلأت قلوبهم حبًّا لله نتيجة لتفاعلهم مع آيات القرآن التي لا تخلو من بيان سور كرمه سبحانه على عباده وإنعامه عليهم ... تأمل معي وقد هاج عليهم هذا الحب والتعات به قلوبهم، فذهبوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه بذلك ويقولون له: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا، فأنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. من أجل ذلك كانوا يظلون فترة طويلة في حفظ السورة من القرآن، فلقد أتم عمر بن الخطاب حفظ سورة البقرة في اثني عشر عاما، أما ابنه عبد الله فقد أتمها في ثماني سنين. إن حفظ سورة البقرة لا يستغرق عدة أسابيع أو شهور إن كان الأمر يقتصر على حفظ ألفاظها فقط، أما إذا كان الأمر مرتبطا بتأثير القرآن على العقل ليعيد تشكيله، وعلى القلب ليعبده لله ، فالأمر بلا شك سيختلف، وسيحتاج إلى سنين كما فعل عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله ﵄. المحور الثالث القرآن والنفس بمداومة قراءة القرآن بتدبر وتفهم تبدأ خريطة الإسلام تُرسم في الذهن، ويُعاد تشكيل العقل من جديد، ويُبنى فيه اليقين الصحيح. ومع التغيير الذي يحدث في العقل فإن القرآن كذلك يؤثر في المشاعر ويوجهها تجاه المولى مما يزيد الإيمان، وينصلح القلب فتنصلح الجوارح تبعا له.

стр. 51

هذا العمل الصالح الذي تقوم به الجوارح سيواجه عقبة كبيرة تعمل على منع وصول أثره إلى القلب، هذه العقبة هي الشيئ الذي وضعه الله داخلنا ليمتحننا به .. إنها النفس التي جُبلت على حب الراحة والشهوات والتي لا تفكر إلا في لذته الآنية، ولا تنظر إلى عواقب أفعالها ولو كانت بعد لحظات، كالطفل الذي لا يفكر إلا فيما يريد وإن كان سيتسبب في هلكته. أنواع الشهوات: والشهوات التي تسعى النفس دائما للحصول عليها إما أن تكون مادية مثل ما هو مذكور في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]. ومنها ما هو معنوي كحب الرفعة عمن حولها وتميزها على أقرانها، وأن تُحمد على أفعالها وترتفع منزلتها في عيون الآخرين. فالنفس تُريد في كل لحظة من اللحظات استيفاء شهوة من شهواتها في حين أنها تنفر من كل تكليف يُتعبها أو عمل لا تخرج منه بشيء من حظوظها. من هنا كان استثقالها للقيام بأي طاعة، فإذا ما دخل الإيمان القلب وارتفع مستواه فيه، وبدأ في صراعه مع هوى النفس واستطاع أن ينتصر عليه .. فإن إرادة القلب ستكون طوع أمره وستأمر الجوارح بنتفيذ ما يُريد من أعمال صالحة. ولكن هل ستضع النفس سلاحها وتستسلم لقرار القلب وتنتظر معركة أخرى مع الإيمان أم سيكون لها توجه آخر؟! عندما تنهزم النفس وهواها أمام داعي الإيمان، وتتأكد أنه لا حيلة لها إلا الاستسلام فإنها لا تترك هذا الأمر هكذا يتم رغما عنها، بل يتحول اهتمامها إلى كيفية الاستفادة من هذا العمل لخدمة حظوظها. ومن صور ذلك: إلحاحها على صاحبها ودعوته لإظهار عمله أمام الناس ليعظم قدره في أعينهم فيمدحوه، ويوقروه، ويعظموه ... وهذا من أحب الأمور لدى النفس، بل يُعدّ من أحلى الأشربة لديها. فإن لم يكن هناك فرصة لإظهار العمل أمام الناس كان هناك طريق آخر أمام النفس يخدم حظوظها، ألا وهو سعيها بأن تجعل العمل كبيرا في عين صاحبها فتلح عليه كي يحمدها على قيامها به فيؤدي ذلك إلى إعجابه بعمله، بل قد يصل به الأمر أن يظن أن له قدرا عند الله بهذا العمل، وأنه أفضل من غيره، وشيئا فشيئا تعظم في عينه فيغتر بها ويتكبر على الآخرين. ذلك كله يؤدي إلى إحباط العمل وعدم وصول أثره إلى القلب، بل يزيده بعدا من الله ومقتا، لأنه قد وقع في الشرك الخفي والذي يعد من اخطر أنواع الشرك. فالذي يعمل العمل وهو يريد به وجه الله وفي نفس الوقت يريد أن ترتفع منزلته عند الناس فقد أشرك بالله الناس. والذي يعمل ويرى أن نفسه هي التي أعانته عليه فقد أشرك بالله نفسه. الشرك الخفي: قال بن تيمية: «الرياء شرك بالناس، والعجب شرك بالنفس». فكلا الأمرين ضد الإخلاص، فيُحرم القلب بذلك ثمرة العمل، بل إن ثمرته تخدم جانب الهوى أكثر، وتُقوِّي داعيه في القلب، وهو ما يسميه العلماء بالشهوة الخفية، والتي قد تكون هي الدافع للعمل الذي يبدو أمام الناس أنه عمل صالح. فأمر النفس إذن خطير، جد خطير، ولابد أن يشتد حذرنا منها وانتباهنا إليها حتى لا تضيع علينا ثمرة أعمالنا. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤].

стр. 52

من هنا يتبين لنا أن جهاد النفس على لزوم الصدق والإخلاص هو هو الضلع الثالث لمثلث التغيير، فكل ما سبق ذكره في جانبي العقل والقلب لن يؤتي أكله إلا إذا اكتمل بتزكية النفس وجهادها وترويضها على طاعة الله بصدق وإخلاص. فإذا كان الأمر بهذه الخطورة، فما هو دور القرآن في تغيير النفس والسيطرة عليها واليأس من أن تكون في يوم من الأيام سببا لدفعنا للعمل الصالح الخالص لوجه الله؟! يتجلي دور القرآن العظيم في تغيير النفس من خلال عدة محاور أهمها تعريف الناس بحقيقة أنفسهم ومدى ضعفها، وتعريفهم بالله وحقه عليهم، وإرشادهم إلى الوسائل التي تعينهم على جهاد أنفسهم، وإلزامها طاعة الله بصدق وإخلاص. القرآن يعرفنا بأنفسنا: من أهم الأمور التي تعين العبد على جهاد نفسه هو معرفته بها معرفة حقيقية، وعدم رضاه عنها، والتأكد أنها لن تأمره بشيء إلا إذا كان لها حظ فيه. فمن أخطر الأشياء على العبد وثوقه بنفسه، ورضاه عنها، واعتقاده أنه يأتيه خير من قِبلها. ذلك نجد القرآن كثيرا ما يعرفنا بأنفسنا وبخطورتها، وبضرورة الحذر الدائم منها. يقول تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. ويقول تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. ويذكرنا القرآن بحقيقة نفوسنا فيقول تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. ولا يكتفي القرآن بذكيرنا بحقيقة أنفسنا، بل يضرب لنا الأمثال، ويقص علينا القصص التي تُبيِّن خطورتها، وكيف استطاع الشيطان أن يستغل جهلها، وولوعها باستيفاء حظوظها العاجلة، وعدم نظرتها للعواقب. فنجده يقصُّ علينا قصة ابني آدم، ودور النفس فيها. يقول تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠]. وإخوة يوسف الذين ألقوا بأخيهم في البئر فقال لهم أبوهم يعقوب ﵇: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨]. وامرأة العزيز التي راودت يوسف عن نفسه، واعترفت بأن نفسها هي السبب في ذلك ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. وبنو إسرائيل الذين فعلوا الكثير مما يغضب الله . قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠]. والقرآن كذلك يُذكرنا بحقيقة ضعفنا أمام أنفسنا، وأننا لا نستطيع الصمود أمام إلحاحها، كما قال تعالى على لسان نبيه يوسف ﵇: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. معرفة الله حق: من المحاور الرئيسية في قضية تغيير ما بالنفس معرفة حق الله على عباده، وأن جميع البشر مدينون لله ، ومهما اجتهد العبد في أداء الطاعات فلن يوفي جزءا يسيرا من هذا الحق.

стр. 53

هذه الحقيقة عندما تستقر في كيان الإنسان فإن من شأنها أن تُنسيه عمله الصالح، بمعنى أنه لن يظن أن له مكانة عند الله بهذا العمل أو أنه يستحق به دخول الجنة ودرجاتها العلى، بل يعمل العمل ويجتهد فيه ثم يسغفر الله بعد القيام به لشعوره بأن حق الله عليه أعظم مما يفعل وأنه إن لم تتداركه رحمة الله وعفوه فسيهلك، كمن أدان شخصا بمبلغ كبير من المال مثلا مليون دينار، ثم قام هذا الشخص بالاجتهاد في العمل وفي نهاية كل شهر قام بسداد درهم واحد .. ما هو شعور هذا الشخص وهو يقدم الدرهم لدائنه؟! .. هل شعور الفخر والإعجاب بهذا الدرهم، أم أنه سيُنكِّس رأسه وهو يعطيه له، ويشعره بالتقصير الشديد في حقه ويستعطفه ويرجوه أن يسامحه على تقصيره؟! بل يرى أن قبوله له محض فضل منه وإحسان. هذا لو كان الدَيْن يساوي ذلك فقط، فما بالك بدين الله علينا الذي تعجز قدرات العقل عن إحصائه؟!! فالله له حقان على العبد: حق طاعة أوامره، وحق شكر نعمه. والمتأمل في القرآن يجد مساحة كبيرة ومعتبرة تتحدث عن حق الله على عباده وبخاصة دَيْن النعم، وتذكرهم ببعض تفاصيل هذا الحق وواجبهم نحوه . يقول تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. جوانب النعم: ويعدد لنا القرآن بعضا من جوانب نعم الله علينا لنستشعر حجم الدَّين الذي في رقبتنا، مثل: - نعمة الإيجاد. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. - ونعمة الإمداد: مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. - ونعمة التسخير. مثل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. - ونعمة الحفظ. مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]. - ونعمة الهداية. مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]. - ونعمة التوفيق. مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]. - ونعمة الثبات: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. - ونعمة العصمة من الفجور: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. - ونعمة العفو: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]. - ونعمة الأمن والستر، ونعمة سبق الفضل، والعافية، والإمهال .. والقرآن بعد أن يُعدِّد لنا بعضا من جوانب النعم الإلهية على العباد يُطالبنا بشكر هذه النعم، قال تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وشكر النعم يبدأ بمعرفة حق الله ودَينه المستحق علينا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣].

стр. 54

وكلما توسع العبد في ذكر نعم ربه عليه ازدادا يقينا بأنه لن يستطيع أن يؤدي حقها، وأنه لو حاسبنا على نعمه وطالبنا بحقه لهلكنا، كما قال ﷺ : «من نوقش الحساب عذب» (١). فلا أمل لدينا إلا في رحمة الله ومغفرته وتجاوزه عن حقه، وعدم محاسبتنا على نعمه علينا .. عفو الله أو النار: من هنا كان القرآن دوما يُذكِّر بهذه الحقيقة، وبأن سعينا مهما بلغ فلن يوجب بمفرده النجاة من النار فضلا عن أن يدخل الجنة، وأن هذه النجاة وهذا الفوز لن يحدث إلا إذا تفضل الله علينا ولم يحاسبنا على نعمه، وتجاوز عن حقه، وعن تقصيرنا في أدائه كما قال تعالى على لسان أحد الناجين من النار: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧]. وليس معنى هذا ترك العمل والاجتهاد، فصاحب الدَين الذي يرى استهتارا من المدين وعدم مبالاته بالسداد، يجعله يُعرض عنه ويغضب منه ولا يُفكر في إسقاط دينه، بخلاف من يراه مجتهدا في السداد - مع عدم قدرته على الوفاء - فإنه قد يتجاوز عنه. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. فالعمل والاجتهاد في فعل الخيرات ما هو إلا وسيلة لنيل الرحمة والمغفرة والتعرض للعفو والتجاوز. لذلك نجد القرآن يطالبنا بالاجتهاد في العمل للتعرض للرحمة والمغفرة الإلهية والتي إذا تمت للعبد فسيتبعها بمشيئة الله دخول الجنة، فضلا ورحمة منه سبحانه. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]. من فوائد النظر في حق الله: كثرة التفكر والنظر في حق الله ودينه علينا له كثير من الفوائد التي من شأنها أن تعيننا على تحري الصدق والإخلاص في أعمالنا. فمن هذه الفوائد: ١ - عدم رؤية العمل الصالح أو الاعتماد عليه بل استصغاره، والنظر إليه بعين النقص مهما كان اجتهاد العبد، فالذي يجتهد ويجتهد ثم يُسدد بضعة دراهم من دينه البالغ المليون دينار لن يشعر بأنه قدَّم شيئا يُذكر، فتراه دوما مستصغرا ما يقدمه لدائنه طامعا في عفوه. ٢ - عدم احتقار الآخرين أو الشعور بالأفضلية عليهم، فالكل مَدِين لله ولا يسع الجميع سوى عفوه وإلا فالنار مصير من لم يدركه هذا العفو. فالذي يقدم خمسة دراهم لصاحب الدَّين الكبير لن يشعر بأنه أفضل ممن قدم درهما أو نصف درهم، فالكل مقصِّر، والكل يستحق العقوبة، ولا أمل إلا في السماحة والعفو. ٣ - الخوف الدائم من عدم قبول العمل: فمن الطبيعي ألا يقبل صاحب الدين الكبير سداد جزء يسير منه، فإن قبله فهذا محض فضل وإحسان منه. لذلك كان الصالحون يجتهدون ويجتهدون ثم يخافون ألا يقبل منهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. ٤ - الحذر الشديد من السكون إلى النفس أو الإعجاب بها حتى لا يتعرض العبد لمقت الله ومعاملته بالعدل للا بالإحسان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. ٥ - الاجتهاد في نسيان العمل بعد أدائه وعدم التحدث به أمام الآخرين.

стр. 55

٦ - سؤال الجنة استجداء لا استحقاقا، فمن تفضل الله عليه، وقبل عمله وتجاوز عن حقه لديه، وعفا عنه، أدخله الجنة ورفعه في درجاتها بهذ العمل القليل الذي أداه .. رحمة منه - سبحانه - وفضلا. وسائل عملية: ومع تذكير القرآن الدائم لنا بحق الله علينا فإنه يدلنا كذلك على وسائل عملية تجعلنا دوما مستشعرين لهذا الحق، منها: ١ - ذكر النعم وإحصاء جوانبها: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١]. وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. فالتذكر الدائم لنعم الله والعمل على إحصائها وكتابتها من أهم وسائل معرفة حق الله علينا ومن أكبر المعينات كذلك على شكره سبحانه. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. ٢ - ربط النعم بالمنعم وحمده عليها: مما يعين على دوام تذكر حق الله علينا، ربط أي نعمة جديدة بالمنعم العظيم وسرعة حمده عليها لينغلق الباب سريعا أمام النفس، فلا تلح على صاحبها كي ينسب النعمة إليها، أو يحمدها عليها .. قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨]. وقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. ٣ - الاستغفار بعد أداء الطاعة: فالاستغفار بعد القيام بالطاعة دليل على استشعار العبد تقصيره في حق الله، وأن هذه الطاعة لا تليق بجلاله ولا توفي حقه .. فبعد الإفاضة من عرفات علينا بالاستغفار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]. وبعد قيام الليل كذلك، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. معرفة النفس: هذا بالنسبة لوسائل معرفة حق الله واستشعاره بصورة دائمة، أما بالنسبة لوسائل معرفة النفس واليأس منها فهي: ١ - معرفة جوانب الفقر إلى الله: فمعرفة جوانب الافتقار إلى الله تُنسي العبد نفسه وتُشعره بضآلة حجمها، وتُريه دائما فضل ربه عليه، وأنه به سبحانه لا بنفسه، وأنه - سبحانه - لو تركه لنفسه لهلك وضل، كالمريض صاحب الحالة الحرجة والذي تم إمداده بالمقويات والدم والهواء والسوائل من خلال أنابيب تتصل بجسمه ولو قُطعت عنه لهلك. فنحن بدون الإمداد الإلهي المستمر لحظة بلحظة نفتقد كل مقومات وأسباب الحياة والعافية والهداية والثبات والعصمة من الفجور و ... فمن عاش في هذه الحقيقة سيقطع بالكلية اعتماده على نفسه أو غيره وسيتجه قلبه لله ، مادا يده إليه مستجديا فضله آملا ألا ينقطع مدده عنه. جوانب الفقر إلى الله: أفاض القرآن في بيان أوجه الفقر إلى الله ، منها: - فقر الوجود وتوالي الإمداد: قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦]. - الفقر إلى الرزق: قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١].

стр. 56

- فقر الهداية: قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]. - فقر التوفيق والسداد: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. - الفقر إلى العلم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. - فقر العصمة من الفجور: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. - فقر العصمة من الكفر: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. - فقر العصمة من الظلم: ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤]. - فقر العصمة من الشيطان: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. - الفقر إلى تزكية النفس: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. - فقر الصبر: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]. - الفقر إلى النصر والتمكين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. - الفقر إلى الإعانة على القيام بالطاعة: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]. - الفقر إلى التوبة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]. - الفقر إلى إيجاد الماء: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. - الفقر إلى وجود الليل والنهار وتعاقبهما: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: ٧١]. - فقر الأمن من العواصف والبراكين والزلازل والخسف: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]. - الفقر إلى نزول السكينة: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]. - الفقر إلى الله في كشف الضر: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. - فقر الحفظ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. - فقر الولاية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ٢ - من وسائل اليأس من النفس: كثرة الدعاء وسؤال الله كل شيء يحتاجه العبد كدليل على استشعاره لفقره الذاتي والمطلق إليه، وهذا في القرآن أكثر من أن يُحصى، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. ٣ - تتبع عيوب النفس:

стр. 57

وذلك من خلال التفكر في مواضع المنع والحرمان من العصمة الإليهة وتخلية الواحد منا بينه وبين الذنب، ليعرف قدر نفسه عليه لارتكابها، فالعاقل من تتبع هذه المواقف وواجه نفسه بها ليُعرِّفها حقيقتها وقدرها، ويدرك مدى عجزها وجهلها وظلمها وفقرها إلى مولاها، وهذا ما كان يفعله الصالحون، كما جاء في القرآن على لسان آدم وزوجه بعد أن أكلا من الشجرة: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وعلى لسان موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦]. وكذلك يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وعندما طلب يوسف ﵇ سؤال النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند رؤيته ليثبت براءته قبل خروجه من السجن، عند ذلك اعترفت زوجة العزيز أنها من وراء ذلك كله، وأقرت بأن نفسها هي التي أمرتها بذلك فقالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]. ٤ - التخويف من عاقبة الرياء والعجب: من وسائل الحذر من النفس: دوام التذكر بخطورة الرياء والعجب وإحباطهما للعمل ليشتد حذر الإنسان من نفسه، ويخشى على عمله منها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. ٥ - الخوف من الله: فالخوف هو أفضل لجام تُلجم به النفس. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٨ - ١٠]. ٦ - التواضع: التواضع من أفضل الوسائل التي تعين العبد على استصغار نفسه وعدم شعوره بالأفضلية على غيره، مهما كانت درجته أو ثقافته أو سبقه، ومن فوائده كذلك أنه لا يرى نفسه أهلا لتحمل مسئولية، أو إمارة، بل يكون حاله كحال موسى ﵇ عندما استصغر نفسه على حمل الرسالة بمفرده، وطلب من الله أن يشاركه أخوه في حملها مع أنه ﵇ كان أهلا لذلك، وقد قام بحملها على أحسن وجه، وتحمل من فرعون ثم من بني إسرائيل الكثير والكثير. قال تعالى على لسان موسى ﵇: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤]. وفي القرآن صور كثيرة للتواضع، وفيه كذلك تحذير من الكبر ومظاهره. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨، ١٩].

стр. 58

وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ٧ - الإسرار بالعمل ليظل باب طلب المنزلة عند الناس مغلقا أمام الناس: قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. ٨ - كثرة الإنفاق في سبيل الله: فالإنفاق في سبيل الله يزكي النفس ويطهرها من شحها المجبولة عليه، فيجعلها سهلة سمحة مما يعين العبد على ترويضها. قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]. نماذج تربوية: القرآن لا يكتفي في موضوع النفس ببيان خطورتها وضرورة الحذر منها ووسائل جهادها، بل يعرض لقارئه كذلك نماذج تربية الله لرسله وأنبيائه على هذه المعاني العظيمة، وبخاصة رسولنا الكريم ﵊. فمن توجيهات القرآن لنبينا ﵊: التذكير الدائم بفضل الله عليه. قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. - ويُذكِّره أنه بالله لا بنفسه. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. - ويُذكِّره في بدايات الوحي بقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. - ويذكره كذلك بمدى فقره إلى الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦، ٨٧]. - ويعلمه كيف يُعبِّر عن حالة الفقر والمسكنة والاستسلام لله . قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. - ويذكره دوما بأنه عبد لله لا يملك من الأمر شيئا مثله مثل سائر البشر. قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. احتياجات التغيير القرآني: رأينا فيما سبق قدرة القرآن على التغيير من خلال المحاور الثلاثة: العقل والقلب والنفس لينتج ذلك كله شخصية سوية تتمتع بفكر صحيح وعاطفة جياشة، وسلوك سوي مستقيم، أي أنه ينتج عبدا لله في كل أموره وأحواله، شعاره قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].

стр. 59

هذه القدرة الفذة على التغيير التي يحملها القرآن في طياته كيف نستدعيها وننتفع بها، أو بعبارة أخرى .. ما الأمور التي يحتاجها القرآن ممن يتعامل معه ليحدث فيه هذا التغيير؟ لو فكرنا معا في هذا الأمر، واسترجعنا ما قيل في الصفحات السابقة لخلصنا إلى أن احتياجات التغيير القرآني تتمثل في هذه النقاط: أولا: تفريغ أكبر وقت للقرآن وعدم الانشغال بغيره - قدر المستطاع - ليتمكن القرآن من إعادة تشكيل العقل وترسيخ المعاني فيه، وبناء القاعدة الإيمانية في القلب، ومعرفة النفس معرفة حقيقة، وتزكيتها وترويضها على القيام بطاعة الله مع تحري الصدق والإخلاص. وهذا يستدعي أيضا المداومة على قراءته واعتبار أنه بمثابة الوجبة اليومية للعقل والقلب والنفس، فبها يتم دوام التذكير، ووضوح الرؤية، ومن خلالها تتولد الطاقة الدافعة للعمل. ثانيا: التركيز الشديد عند قراءته والإنصات التام له، وعدم السماح للذهن أن يشرد. ثالثا: القراءة ببطء وترسل للتمكن من فهم المراد من الآيات. رابعا: تدبر الآيات وفهم المعنى الإجمالي المقصود منها، وأن يكون الهدف من قراءته البحث عن الهدى فيه لتحقيق المقصد من نزوله. خامسا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب لاستثارة المشاعر وترسيخ المعنى في اللاشعور وزيادة الإيمان في القلب. سادسا: حسن الاستفادة من الطاقة المتولدة من القراءة بتوجيهها نحو أعمال البر المختلفة والتي دلت عليها القراءة. سابعا: حفظ ما تيسر منه أو حفظه كله ليسهل التعبد به وقراءته واستدعاؤه في أي وقت. إن الذي يقرأ كتابا - أي كتاب - له هدف من قراءته، والذي يستمع إلى شريط أو يقرأ صحيفة له هدف من ذلك، والقرآن ليس بأقل من هذه الأشياء، فلا ينبغي أن نقرأه لمجرد القراءة، أو طلب الثواب فقط دون النظر إلى الهدف الأسمى الذي من أجله أنزله الله .

стр. 60

الفصل الرابع القرآن بين الأولين والآخرين

стр. 61

قد يظن البعض أن ما سبق ذكره عن قدرة القرآن على التغيير فيه مبالغة ن ولا يعدو أن يكون كلاما نظريا. نعم القرآن لديه القدرة الفذة على التغيير الجذري لأي شخص - كائنا من كان - ومن أي نقطة يبدأ منها، واستبداله بشخص آخر عابدا لله في كل أموره وأحواله. ومن فضل الله على هذه الأمة أن جعل القرآن يحدث هذا التغيير في أناس كانوا قبل إسلامهم غاية في الغرابة والجاهلية، فدخلوا إلى مصنع القرآن ومدرسته فخرجوا منه أناسا آخرين تفخر بهم البشرية حتى الآن. إنها الدفعة الأولى التي تخرجت في مدرسة القرآن وبأعداد كبيرة .. جيل الصحابة. الرسول والقرآن: ومما ساعد القرآن على إحداث هذا التغيير في جيل الصحابة حُسن تعاملهم معه بعد أن فهموا المقصد من نزوله. ولقد كان أستاذهم وقدوتهم في ذلك محمدا ﷺ ، فلقد عايش رسول الله ﷺ القرآن بكل كيانه وانصبغت حياته به، فكان قرآنا يمشي على الأرض. فلقد سئلت السيدة عائشة ﵂ عن خُلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خُلقه القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه (١). وجاءت سنته شارحة للقرآن وموضحة له، بل إن الإمام الشافعي عليه رحمة الله يقول بأن كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن (٢).

стр. 62

وكانت قراءته ﷺ للقرآن قراءة متأنية مترسلة .. تقول السيدة حفصة ﵂ كان رسول الله ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها (١)، وكان ﷺ يقف عند المعاني متأملا ومعتبرا، فإذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ. عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح بالقرأة فقرأها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع (٢). بل إنه ﵊ قام ليلة بآية واحدة حتى أصبح يرددها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) [المائدة: ١١٨]. التحذير من عدم الانتفاع بالقرآن: وكان ﷺ يحذر أصحابه من الاهتمام بشكل الأداء فقط دون المعنى، فعن سهل بن سعد الساعدي قال: بينما نحن نقترئ إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، اقرأوا القرآن، اقرأوا قبل أن يأتي أقوام يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه» (٤). وكان يؤكد لأصحابه على أن المعنى هو المقصود من القراءة، وأن القارئ لابد أن يفقه ما يقول، فعندما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن المدة التي يختم فيها القرآن قال ﷺ : «اقرأه في كل شهر». قال: قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك، قال: «اقرأه في خمس وعشرين». قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك، قال: «أقرأه في عشرين». قال: قلت: إني أقوي على أكثر من ذلك. قال: «اقرأه في خمس عشرة». قال: قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك. قال: «اقرأه في سبع». قال: قلت: إني أقوي على أكثر من ذلك. قال: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث» (٥). القرآن علم يدعو للعمل: وكان ﷺ يدرك قيمة القرآن العظمى وأنه منهاج حياة ومصدر سعادة للفرد في الدنيا والآخرة، لذلك كان حريصا على أن يتعامل الصحابة مع آيات القرآن على أنها رسائل جاءتهم من ربهم، تأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، وهذا لن يتحقق إلا إذا جعلوا القرآن أمامهم واتبعوا تعليماته. فالقرآن علم يدعو للعمل، فمن سار وراء توجيهاته كان من أهله، وإن لم يكن يقرؤه، وهذا لا يعني ترك قراءته ولكن يعني الحرص على العمل بمقتضى علمه. ومما لا شك فيه أن الذي يواظب على قراءته ويتلوه بالليل والنهار، ويقرون ذلك بالعمل أفضل بكثير ممن يعمل به ولا يقرؤه.

стр. 63

روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب. والذي لا يقرأ كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها» (١). إن قيمة العلم الحقيقية فيما يحدثه من خشوع في القلب يدفع صاحبه للعمل. عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء»، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس العلم منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟»، قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت قلت: ألا تسمع إلى مايقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قاله أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس؟ الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا (٢). «فأخبر النبي ﷺ أن العلم عند أهل الكتابين من قبلنا موجود بأيديهم، ولا ينتفعون بشيء منه لما فقدوا المقصود منه، وهو وصوله إلى قلوبهم حتى يجدوا حلاوة الإيمان به، ومنفعته بحصول الخشية والإنابة لقلوبهم، وإنما هوعلى ألسنتهم تقوم به الحجة عليهم» (٣). من هنا يتبين لنا خطورة التحذير النبوي «القرآن حجة لك أو عليك» (٤). وكما يقول ابن عمر ﵄ أن كل حرف من القرآن ينادي: أنا رسول الله إليك لتعمل بي، وتتعظ بمواعظي. عدم الاختلاف في القرآن: لأن القرآن هو النعمة العظمى التي اختص الله بها الأمة، ولأن عز المسلمين مرتبط بتمسكهم به، واجتماعهم عليه، كان ﷺ حريصا على عدم الاختلاف في القرآن، فما نعرف منه فلنعمل به، وما جهلنا منه فلنكله إلى عالمه . عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حَجَرة إذا ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضبا قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: «مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يُكذِّب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (٥). وعن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا القرآن ما أئتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه» (٦).

стр. 64

صفاء المنبع: كان ﷺ حريصا على وحدة التلقي وصفاء المنبع الذي يستقي منه الصحابة - رضوان الله عليهم - فكان دائم التوجيه لهم بعدم الانشغال بغير القرآن، جاءه عمر بن الخطاب يوما بكتاب أصابه من بعض الكتب، فقال: يا رسول الله: إني أصبت كتابا حسنا من بعض أهل الكتاب، فغضب رسول الله ﷺ وقال: «أمتهوكون فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه و سلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» (١). يقول سيد قطب ﵀ في تعليقه على هذه الحادثة: «إذن فقد كان هناك قصد من رسول الله ﷺ أن يُقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل في فترة التكوين الأولى على كتاب الله وحده، لتخلص نفوسهم له وحده، ويستقيم عودهم على منهجه وحده، ومن ثم غضب أن رأى عمر ابن الخطاب ﵁ يستقي من نبع آخر. كان ﷺ يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي الذي يتضمنه القرآن (٢). الجيل الجديد: استقبل الصحابة القرآن استقبالا صحيحا، وفهموا المقصد الأساسي من نزوله فانصبغت حياتهم به، وقطف الإسلام أطيب الثمار بظهور هذا الجيل الفريد الذي لم تشهده البشرية - وبهذا الكم - مثله. إنه لأمر عجيب يشهد بقدرات هذا الكتاب على إحداث ذلك التغيير الجذري في النفوس .. أمة تعيش في الصحراء .. حفاة عراة .. فقراء، بلا مقومات تذكر، لا توضع في حسابات القوى الكبرى آنذاك من فرس وروم، وإن شئت فقل إنها كانت تابعة .. فيأتي القرآن ليغير هذه الأمة ويعيد صياغة شخصيتها، وكيانها من جديد، ويرفع هامات أبنائها إلى السماء، ويربطها بالله ويُشعرها بالعزة والرفعة بإيمانها ودينها الذي ارتضاه الله لها. يأتي القرآن ليصنع أمة جديدة لم يعهدها العالم من قبل، .. تحطم الامبراطوريات وتقلب الموازين، وتصبح في سنوات معدودات صاحبة القوة الأولى في الأرض بين الأمم .. الكل يخشاها .. الكل يتودد إليها .. لا تُشترى بالمال ولا بالجاه .. أمة عرفت مصدر عزتها فتمسكت به فأحسن قيادتها، وأسعد بها الدنيا ردحا من الزمن .. انظر مثلا إلى واحد من هؤلاء وهو يُجيب على رستم قائد الفرس عندما سأله: ما الذي جاء بكم؟ قال له: الله جاء بنا .. وهو الذي بعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأهله، ومن أبى إلا الحرب قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر. إنها العزة التي جعلت عمر بن الخطاب يقول لأبي عبيدة بن الجراح حين طلب منه أن يغير ثيابه المرقعة لتسلم بيت المقدس ومقابلة عظماء النصارى: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. وحدة التصور والسلوك: عندما أتجه الصحابة بكليتهم إلى القرآن أنشأ عندهم وحدة التصور، مما أثمر إلى حد كبير وحدة السلوك، ولم لا والكتاب الذي تلقوا منه أفكارهم وتصوراتهم واحد.

стр. 65

أخرج ابن المبارك في الزهد أن عمر بن الخطاب أخذ أربع مائة دينار فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تله ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية! اذهبي بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر بن الخطاب فأخبره ووجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل ثم تله في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب به إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذا في حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، تعالي يا جارية! اذهبي إلى فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا فلم يبق في الخرفة إلا ديناران، فدحا بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرَّ بذلك عمر وقال: إنهم أخوة بعضهم من بعض (١). من وصايا الصحابة: لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يستشعرون جيدا أن استمرار عزة الإسلام ورفعته مرهون باستمساك أبناءه بالقرآن، فهو حبل الله الذي يجمع ولا يفرق، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وكانوا يدركون أن الاستمساك بالقرآن يعني اتخاذه دليلا ومصاحبا وهاديا لكل ما يحبه الله ، فكانوا شديدي الحرص على استمرار تعامل الأجيال التي تليهم مع القرآن بنفس الطريقة التي تعاملوا هم بها معه، وكانوا كذلك شديدي الخوف من أن يتحول القرآن من كتاب هداية يصنع النفوس الكبار ويحرر القلوب من أسر الدنيا، وينقذ البشرية من الضلال إلى مجرد تراتيل ترددها الألسن ولا تتجاوز الحناجر. وتجلى هذا جيدا في توجيهاتهم ووصاياهم لمن بعدهم. فمن هذه الوصايا: ١ - التفرغ للقرآن وعدم الانشغال بغيره: إن التفرغ للقرآن وعدم الانشغال بغيره من شأنه أن يجعل تصورات الشخص وخواطره ومنطلقات سلوكه تنطلق من معاني القرآن، لذلك كان الصحابة شديدي الحرص على تبليغ هذه الوصية لمن بعدهم، وبخاصة بعد انتشار الفتوحات، ودخول الكثيرين الإسلام ممن لم يعايشوا أجواء القرآن. تأمل معي هذه الوصية لعبد الله بن مسعود ﵁ والتي يقول فيها: جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة. قال شعبة - أحد رواة هذا الأثر-: فحدثت به أبا التياح وكان عربيا فقال: نعم، أُمروا أن يجردوا القرآن. قلت له: ما جردوا القرآن؟ قال: لا يخلطون به غيره (٢). وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفة، فانطلقنا إلى ابن مسعود بها، وقد زالت الشمس أو كادت تزول، فجلسنا بالباب ثم قال ابن مسعود للجارية: انظري من بالباب فقالت: علقمة والأسود، فقال: ائذني لهما، قال: فدخلنا، فقال: كأنكما قد أطلتما الجلوس؟ قلنا: أجل. قال ما منعكما أن تستأذنا؟ قالا: خشينا أن تكون نائما. فقال: ما أحب أن تظنا بي هذا، إن هذه الساعة كنا نقيسها بصلاة الليل. فقلنا: هذه صحيفة فيها حديث حسن، فقال: هاتها، يا خادم هاتي الطست فاسكبي فيها الماء. قال: فجعل يمحوها بيده ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، فقلنا: انظر فيها، فإن فيها حديثا عجبا، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره. قال أبو عبيد في تعليقه على هذا الخبر: أرى أن هذه الصحيفة أُخذت من بعض أهل الكتاب، فلهذا كرهها عبد الله (٣). جردوا القرآن:

стр. 66

كان عمر بن الخطاب ينهى وهو يرسل الجيوش عن الإكثار من رواية الحديث لعدم شغل الناس عن القرآن .. فعن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق، فمشى عمر ﵁ معنا إلى صرار فتوضأ، فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب (١). وعن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليا ﵁ يخطب ويقول: «أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم» (٢). ويعلق الشيخ محمد الغزالي ﵀ على هذين الخبرين فيقول: فعمر وعلي وغيرهما من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القرآن حظه الأوفر من الحفاوة والإقبال. وذلك هو الترتيب الطبيعي، فلابد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه، إذ أن هذه الشروح والتفاصيل لا يحتاج إليها كل أحد، وربما شحنت الأذهان فلم تترك بها فراغا للأصول اللازمة والقواعد الهامة (٣). لقد أدرك الصحابة القيمة العظمى للقرآن وقدرته على التغيير، وأدركوا كذلك أن انشغال الناس بغيره سيشتت الذهن ويصرف الوقت، مما سيؤدي إلى عدم تمكن القرآن من قيادتهم وتغييرهم. تأمل معي ما قاله الحارث الأعور .. دخلت المسجد فإذا أُناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على علي فقلت: ألا ترى أناسا يخوضون في الأحاديث في المسجد؟ فقال: قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون فتن» قلت: وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١]، وهو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به هدي إلى صراط مستقيم» (٤). ٢ - ومن هذه الوصايا: تأكيدهم المستمر بأن المعنى هو المقصود من التلاوة والعمل هو ثمرته: يقول ابن مسعود ﵁: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن (٥). ويؤكد هذا المعنى أبو عبد الرحمن السلمي، وهو أحد تلامذة الصحابة فيقول: أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن من العمل. قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعا، وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا، وأشار إلى حنكه (٦). وفي هذا المعنى يقول عمر بن الخطاب: لا يغرركم من قرأ القرآن، إنما هو كلام نتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به (٧).

стр. 67

ويقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. قال: يتبعونه حق اتباعه. وقال عكرمة: ألا ترى أنك تقول «فلان يتلو فلان»: أي يتبعه ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (١) [الشمس: ١، ٢]. العمل مقدم على الحفظ: لقد كانت قضية العمل بما يتعلمونه من القرآن لا يختلف عليها اثنان منهم، لهذا - كما يقول ابن تيمية - كانوا يبقون مدة في حفظ السورة. قال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَلَّ في أعيننا (٢). ولقد ظل عمر بن الخطاب يتعلم ويحفظ في سورة البقرة اثنتي عشرة سنة، فلما أتمها نحر جزورا، وهذا ابنه عبد الله يتعلمها في ثماني سنين (٣). فالعمل بالقرآن لديهم كان مقدما على حفظه، ولقد مات الكثير من أكابر الصحابة، بل من العشرة المبشرين بالجنة دون أن يتموا حفظ القرآن .. أخرج ابن سعد في طبقاته عن محمد بن سيرين قال: قُتل عمر ولم يجمع القرآن (٤). وكما يقول الحسن البصري أن رسول الله ﷺ توفي وما استكمل حفظ القرآن من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم إلا النفر القليل، استعظاما له، ومتابعة لأنفسهم بحفظ تأويله والعمل بمحكمه ومتشابهه. وفي هذا يقول عبد الله بن مسعود: «إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به». وكان ابن عمر يقول: كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به» (٥). وليس معنى هذا هو إهمالهم حفظه، بل معناه انشغالهم بالعمل به عن حفظه، فالعمل بالقرآن مقدم على حفظه، فإن استطاع شخص ما أن يجمع بين الاثنين فهذا هو السابق حقا، فقد استطاع أن يجمع بين النبوة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه .. ٣ - تصحيح مفهوم حامل القرآن: يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما، فقد أُدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه. ولقد جمع أبو موسى الأشعري الذين قرأوا القرآن وهم قريب من الثلاثمائة فعظَّم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم ذخرا، وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زج به في قفاه فقذفه في النار (٦). وكان أبو عبد الرحمن السلمي إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا اتق الله، فما أعرف أحدا خير منك إن عملت بالذي علمت (٧). وكان محمد بن كعب القرظي يقول: كنا نعرف قارئ القرآن بصُفرة اللون (٨). فلا يصح جمع القرآن عندهم إلا بالعمل به أولا، وهذا ما أشار إليه الحسن البصري بقوله: إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه وإن لم يقرأه (٩). ويؤكد ابن عبد البر على هذا المعنى فيقول: وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه، وحلاله وحرامه، والعاملون به (١٠).

стр. 68

ولقد أتى رجل أبا الدرداء فقال: إن ابني جمع القرآن، فقال: اللهم غفرا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع (١). ٤ - ومن وصاياهم: الإيمان قبل القرآن: والمقصد من هذه الوصية غرس قواعد الإيمان في القلب وإقامة صرحه وتمكنه من الإرادة قبل حفظ حروف القرآن. يقول جندب بن عبد الله: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاير، فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا (٢). ويؤكد على هذا المعنى عبد الله بن عمر ﵁ بقوله: لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عليه منها، ثم رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده فينثره نثر الدقل (٣). فإن كنت في شك من هذا فتأمل معي هذا الخبر: كتب إلى عمر بن الخطاب بعض عماله في العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب لهم عمر أن افرض لهم في الديوان، فكثر من يطلب القرآن، فكُتب إليه من قابل أنه قد جمع القرآن سبعمائة رجل. فقال عمر: «إني لأخشى أن يُسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين، فكتب ألا يُُعطيهم شيئا» (٤). ويُطلق الحسن البصري ربيب الصحابة وأحد كبار التابعين تحذيره من حفظ حروف القرآن فقط فيقول: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ولم يأتوا الأمر من أوله. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وما تدبر آياته إلا اتباعه لعلمه. أما - والله - ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا .. قد والله أسقطه كله، ما رُئي القرآن له في خلق ولا عمل، وإن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس. ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الورعة .. متى كان القرآء يقولون مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء (٥). فالحسن البصري يحذر من عدم أخذ أمر القرآن من أوله، وأوله كما مر علينا هو تعلم ما فيه من إيمان وعمل، ليأتي بعد ذلك الحفظ على قاعدة سليمة فيزداد به القلب إيمانا. ٥ - ومن وصاياهم: ضرورة تدبر القرآن وفهمه وتحريك القلب به: عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول (٦). وهكذا كان يفعل ابن عباس ﵄ ... يقول ابن أبي مليكة: سافرت مع ابن عباس ﵄ من مكة إلى المدينة فكان يقوم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفا حرفا ثم يبكي حتى نسمع له نشيجا (٧). وعن ابن أبي ذئب ﵀ عن صالح قال: كنت جارا لابن عباس ﵄ وكان يتهجد من الليل فيقرأ الآية ثم يسكت قدر ما حدثتك، وذاك طويل، ثم يقرأ. قلت: لأي شيء فعل ذلك؟ قال: من أجل التأويل يُفكر فيه (٨). فبمثل ما كان يقرأ ابن عباس كانوا يوصون ...

стр. 69

ومع شدة انشغالهم بالقرآن واعتنائهم به إلا نهم كانوا يتفاوتون في مدة ختمه. أخرج ابن أبي داود عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرءون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك (١). ولقد سأل رجل زيد بن ثابت: كيف ترى قراءة القرآن في سبع؟ فقال زيد: حسن، ولئن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إليّ، وسلني لم ذاك؟ فقال: إني أسألك؟ قال زيد: لكي اتدبره وأقف عليه (٢). فالعبرة عندهم ليست بكم القراءة بقدر ما كانت بالمعاني المستخرجة منها والتي تحرك القلوب وتدفع للعمل. لذلك كان من وصايا ابن مسعود: لا تهذوا القرآن هذّ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم من السورة آخرها (٣). القراءة المتأنية أدعى لحسن الفهم: سئل الإمام مجاهد – تلميذ ابن عباس – عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قيامهما واحد، وركوعهما واحد، وسجودهما واحد، وسجودهما واحد، وجلوسهما واحد، أيهما أفضل؟ فقال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٤) [الإسراء: ١٠٦]. ولقد قيل للسيدة عائشة ﵂: إن أناسا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثا، فقالت: قرءوا ولم يقرءوا، كان رسول الله ﷺ يقوم ليلة التمام فيقرأ سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء، لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله وتعالى ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ (٥). وفي صحيح مسلم عن أبي وائل أن رجلا يقال له نهيك بن سنان جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن: كيف تقرأ هذا الحرف، ألفا تجده أم ياء «من ماء غير آسن» أو «من ماء غير ياسين» قال: فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذَّا كهذِّ الشعر؟ إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه، فنفع .. ويُعلق النووي على قول ابن مسعود: معناه إن قوما ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل إلى قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب (٦). فلا بديل عن التدبر .. فإن قلت فما هو الحد الأدنى للسرعة في القراءة؟! يوضح ذلك الحسن بن علي بقوله: اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرأه (٧). وعندما قال أبو جمرة لابن عباس: إني سريع القراءة، إني لأقرأ القرآن في ليلة .. قال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إلي .. إن كنت فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويوعها قلبك (٨). ومن هديهم في تلاوتهم للقرآن: ترديد الآية التي تؤثر فيهم. عن عباد بن حمزة قال: دخلت على أسماء ﵂ وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو، فطال عليّ ذلك فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو (٩). وظل عبد الله بن مسعود يردد قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١٠) [طه: ١١٤]، حتى أصبح.

стр. 70

وظل عمر بن الخطاب يردد الفاتحة في ليلة لا يزيد عليها حتى أصبح (١). وقرأ عامر بن قيس ليلة سورة المؤمن فلما انتهى إلى قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨]، فلم يزل يرددها حتى أصبح (٢). ٦ - ومن وصاياهم: عدم التعمق في إقامة حروف القرآن: أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن الحارث بن قيس قال: كنت رجلا في لساني لُكنة، وكنت أتعلم القرآن فقيل لي: ألا تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن! فذكرت ذلك لعبد الله بن مسعود وقلت: إنهم يضحكون مني، ويقولون: تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن، فقال: لا تفعل، فإنك في زمان تحفظ فيه حدود القرآن، وإن بعدك زمانا تحفظ فيه الحروف وتُضيع فيه الحدود (٣). وكأن ابن مسعود يريد أن يلفت الانتباه إلى أن الجهد الأكبر ينبغي أن ينصب في اتجاه المعنى وما يحدثه في القلب وليس في اتجاه إقامة الحروف، وليس معنى هذا إهمال هذا الأمر، ولكن وضعه في حجم معقول يتناسب مع أهميته، فشكل العبادة - أي عبادة - مهم وضروري للدخول على الله بها، ولا قيمة لعبادة تؤدى بشكل مبتدع، ولكن مع الاهتمام بالشكل ينبغي أن يكون الاهتمام الأكبر والأشمل لجوهر العبادة وروحها وما تحدثه في القلب. وفي هذا المعنى يقول حذيفة: أقرأ الناس للقرآن منافق يقرأه، ولا يترك منه واوا ولا ألفا يلفته بلسانه، كما تلفت البقرة الخلا بلسانها لا يجاوز ترقوته (٤). وتامل ما قاله فضالة بن عبيد الأنصاري لأبي سكينة: خذ هذا المصحف وامسك عليّ ولا تردَّن عليّ ألفا ولا واوا فإنه سيكون قوم يقرأون القرآن لا يسقطون منه ألفا ولا واوا ثم رفع فضالة يده، فقال: اللهم لا تجعلني منهم (٥). وهذا عبد الله بن مسعود يصف زمانه ويقارنه بأزمان أخرى فيقول: إنك في زمان قليل قراؤه كثير فقهاؤه .. تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه .. قليل من يسأل .. كثير من يعطي .. يطيلون فيه الصلاة ويقصرون فيه الخطبة .. يبدون فيه أعمالهم قبل أهوائهم .. وسيأتي على الناس زمان كثير قراؤه، قليل فقهاؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون الخطبة، ويقصرون الصلاة، ويبدون أهواءهم قبل أعمالهم (٦). ولقد قرأ رجل عند عمر بن عبد العزيز سورة، وعنده رهط .. قال بعض القوم: لحن. فقال عمر: أما كان فيما سمعت ما يشغلك عن اللحن (٧). ٧ - ومن وصاياهم: اترك نفسك للقرآن وتمسك به: عن أبي قلابة أن رجلا من أهل الكوفة لقي أبا الدرداء فقال: إن إخوانا لك من أهل الكوفة يقرئونك السلام، ويأمرونك أن توصيهم. فقال: أقرئهم السلام ومُرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه يحمل على القصد والسهولة ويُجنِّبهم الجور والحزونة (٨). والخزائم جمع خزامة وهي حلقة من الشعر توضع في وترة أنف البعير يشد بها الزمام .. والمراد: أي اجعلوا القرآن مثل الخزام في أنف أحدكم فاتبعوه واعملوا به. وهذه الوصية من أهم الوصايا التي قيلت في القرآن، فمن ترك نفسه للقرآن ليقوده ويوجهه فسيحظى بالطريق السهل الآمن الذي لا تشدد فيه ولا تعسف .. طريق الحبيب المصطفى ﷺ وصحابته الكرام.

стр. 71

جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: علمني كلمات جوامع نوافع، فقال: نعم، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتزول مع القرآن أينما زال، ومن جاءك بصدق من صغير أو كبير وإن كان بعيدا بغيضا فاقبله منه، ومن جاءك بكذب وإن كان حبيبا قريبا فاردده عليه (١). وقال حذيفة بن اليمان لعامر بن مطر: كيف أنت إذا أخذ الناس طريقا واحدا وأخذ القرآن طريقا، مع أيهما تكون؟ قال: أكون مع القرآن وأموت معه وأحيا معه، قال: فأنت إذا أنت، فأنت إذا أنت (٢). فالمطلوب مع القرآن أن يكون أمامنا، نسير وراءه كقائد وسائق يسوقنا إلى الله عزوجل وجنته. قال عبد الله بن مسعود: القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار (٣). ولقد أوضح الشعبي معنى ترك القرآن خلف الظهر، فقال في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]: أما إنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به، فهذا يُبين لك أن من نبذ شيئا فقد تركه وراء ظهره (٤). حالنا مع القرآن أتعلم أخي القارئ أن القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي كان مع الصحابة رضوان الله عليهم وصنع منهم هذا الجيل الفريد؟ أتعلم أن الأدوات التي كانت معنا هي التي كانت معهم، من عينين ولسان وشفتين وعقل وقلب وجوارح. فما الذي حدث ؟ لماذا لم يعد القرآن يُنتج مثل هذه النماذج؟ مع أنه قد تيسر وجوده بين المسلمين أكثر من أي وقت مضى؟! فما من بيت من بيوت المسلمين إلا وفيه مصحف أو أكثر، وما عليك إلا أن تدير مؤشر المذياع لتستمع إلى آيات القرآن تتلى في إذاعة من الإذاعات. لقد أصبح القرآن في عصرنا ميسرا للقراءة أكثر من أي وقت مضى، وانتشرت الكتاتيب، وازداد حُفاظه من الرجال والنساء في كل مكان، فلماذا لا يُحيينا كما أحيا جيل الصحابة، ولماذا لا يرفعنا كما رفعهم؟ هل فقد مفعوله؟ أم ماذا حدث؟ يُجيب عن هذه التساؤلات الشيخ محمد الغزالي ﵀ فيقول: إن المسلمين بعد القرون الأولى، انصرف اهتمامهم بكتابهم إلى ناحية التلاوة، وضبط مخارج الحروف، وإتقان الغُنن والمدود وما إلى ذلك مما يتصل بلفظ القرآن والحفاظ على تواتره كما جاءنا أداء وأحكاما - أقصد أحكام التلاوة - لكنهم بالنسبة لتعاملهم مع كتابهم صنعوا شيئا ربما لم تصنعه الأمم الأخرى، فإن كلمة (قرأت) عندما يسمعها الإنسان العادي أو يقولها تعني: أن رسالة جاءته أو كتابا وقع بين يديه فنظر فيه، وفهم المقصود منه .. أما الأمة الإسلامية، فلا أدري بأي طريقة فصلت بين التلاوة وبين التدبر، فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة كما يقولون، وكأن ترديد الألفاظ دون حس بمعانيها، ووعي لمغازيها، يُفيد أو هو المقصود. وعندما أحاول أن أتبين الموقف من هذا التصرف أجد أنه موقف مرفوض من الناحية الشرعية، وذلك أن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، يعني الوعي والإدراك والتذكر والتدبر .. فأين التدبر؟ وأين التذكر؟ مع تلك التلاوة السطحية التي ليس فيها أي إحساس بالمعنى، أو إدراك للمقصد، أو غوص فيما وراء المعنى القريب لاستنتاج ما هو مطلوب لأمتنا من مقومات نفسية واجتماعية تستعيد بها الدور المفقود في الشهادة على الإنسانية وقيادتها إلى الخير (٥).

стр. 72

تاريخ هجر القرآن: والمقصود بهجر القرآن أي هجر الانتفاع به، وعدم الدخول إلى مصنعه وماكيناته التي من شأنها أن تغير الشخص - أي شخص - لتصنع منه مؤمنا عابدا لله في كل أموره وأحواله. وتاريخ هجر القرآن يبدأ من قرون ماضية، حيث اهتم المسلمون ببعض جوانب العلم، وتوسعوا فيها كعلم الكلام والفقه، فوضعوا لها قواعد ثم شروحا ثم حواشي ثم مختصرات، وكان هذا كله على حساب القرآن الذي بات لا يُستدعى إلا في المآتم وعند المرض وفي رمضان. يقول الشيخ محمد الغزالي ﵀: هجر المسلمون القرآن إلى الأحاديث .. ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة .. ثم هجروا أقوال الأئمة إلى أسلوب المقلدين .. وكان تطور الفكر الإسلامي على هذا النحو وبالا على الإسلام وأهله، روى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم: «يأتي على الناس زمان يُعلق فيه المُصحف حتى يعشش عليه العنكبوت، لا يُنتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث» (١). إذن فما يحدث للقرآن الآن من تعامل شاذ وغريب ما هو إلا نتاج ميراث ورثناه من القرون الماضية، تحول فيها المسلمون عن القرآن بالتدريج حتى صار إلى ما هو عليه الآن، وحين يستاءل بعضنا عن عدم قدرتنا على الانتفاع بالقرآن كما انتفع به الصحابة، لابد أن تبدأ الإجابة بتشخيص حالنا مع القرآن. التشخيص: الهدف الأسمى من نزول القرآن: هداية الناس إلى الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. فهل تعاملنا مع القرآن من هذا المنطق؟ وهل بدأنا معه من هذه النقطة، وأتينا أمره من أوله؟ أم ماذا فعلنا؟ المتأمل لحالنا يجد أننا قد ابتعدنا في تعاملنا مع القرآن عن الهدف الذي نزل من أجله، وتركناه كمصدر للهداية والتوجيه، ثم بحثنا عن ذلك في مصادر أخرى فتشتتنا وتفرقنا. لم نعط القرآن حقه في وقتنا، وعندما نقرأه فبحناجرنا فقط، لم نعطه الفرصة ليُشكل تصوراتنا ويُصيغ شخصياتنا ويكون المصدر الأول لثقافتنا. يعيب بعضنا على من لم يحسن أحكام التلاوة بل قد تهتز صورته في عينيه، ولا نوجه أي نصيحة لمن لا يفقه المعاني. قصرنا فهمنا لحديث رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٢) على تعلم قراءته فقط، مع أن المقصد من الحديث كما يقول ابن تيمية: تعلم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه، وذلك الذي يزيد الإيمان (٣). أصبح جُل اهتمامنا حين نقرأ القرآن الوصول إلى نهاية السورة دون الاهتمام بتفهم ما نقول، بل قد ينتقل الواحد منا من سورة إلى أخرى دون أن يشعر، وإن سُئلنا عن الآيات التي استوقفتنا فلن نجد جوابا. وعندما يأتي رمضان - والذي شرفه الله بنزول القرآن فيه - يبدأ السباق فيما بيننا حول عدد ختمات القرآن التي سنختمها فيه. - ظن بعضنا أن مفهوم الانشغال بالقرآن هو الانشغال بحفظ ومراجعة حروفه فقط دون التفقه فيه وفهم مراد الله منه، فانكب على حفظه آلاف وآلاف .. - تغير مفهوم حامل القرآن لدينا، فتجد الواحد منا كما هو قبل أن يحفظ السورة من القرآن وبعد حفظها، لم يتغير أي شيء من أخلاقه أوتعاملاته. - ندير مؤشر المذياع على صوت القارئ ثم نتركه ليملأ جنبات المكان وننشغل عنه بأمورنا الخاصة وكأننا لسنا المخاطبين بهذا القرآن.

стр. 73

لقد نبذنا كتابنا وراء ظهورنا وجعلناه أماني، كما نقل ابن تيمية ﵀ عن ابن عباس وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: غير عارفين بمعاني الكتاب، يعلمونها حفظا وقراءة بلا فهم، لا يدرون ما فيها. فماذا جنينا من وراء هذا التعامل؟ واقع الأمة الإسلامية: القاصي والداني يدرك ما وصل إليه حال الأمة الإسلامية من ضياع وتفكك، وذل نتجرع مرارته ليل نهار. أصبحنا تحت أقدام الكفار يفعلون بنا ما يشاءون .. صرنا في ذيل الأمم .. أذل أهل الأرض .. لا قيمة لنا، ولا اعتبار لوجودنا. تخلينا عن مصدر عزتنا فاطمأن أعداؤنا لذلك، وبلغ استهزاؤهم بنا إلى درجة أن بعض إذاعاتهم تبدأ برامجها بالقرآن لعلمهم بأننا قد نبذناه وراء ظهورنا. وعندما ظهر شعاع الضوء وبصيص الأمل في تلك الظلمة الحالكة والذي تمثل في ظهور الصحوة الإسلامية، لم تعط هذه الأجيال الشابة الواعدة القرآن حقه في الفهم والعمل، ولم نتعامل معه كمصدر للهداية والتوجيه، بل تركته وبحثت عن غيره، فاختلفت المنابع، وتنوعت المشارب، فحدث ما حدث من خلاف في التصور حول القضايا المختلفة والأمور الجوهرية، ولم نعد على قلب رجل واحد .. فأبى الله أن يوفي بوعده ويطبق سننه معنا حين أسأنا، كما أوفى بوعده مع الجيل الأول حين احسنوا التعامل معه .. فبعد أن كانوا أذلاء فقراء، جهالا، في مؤخرة الشعوب قبل الإسلام، إذا بهم - بعد أن أحسنوا استقبال القرآن - في المقدمة، سادة الأرض ومحط الأنظار: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]. أما نحن فعندما تخلينا عن المصباح، وأهرقنا الدواء، والتمسنا الهدى في غير القرآن، تركنا الله وجعلنا أذلة بعد أن كنا أعزة، وسلط علينا من كَتَب عليهم الذلة والمسكنة .. إخوان القردة والخنازير، وجعل منهم سياطا يؤدبنا بها لعلنا نعود إليه وإلى كتابه. قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨]. فهل نحن راجعون؟!!

стр. 74

الفصل الخامس حاجتنا إلى القرآن

стр. 75

الناظر المتفحص لأحوال الأمة الإسلامية يجد أنها تمر بأخطر مرحلة في تاريخها فبعد أن كان أعداؤها يُخْفون عداوتهم ومخططاتهم ضدها أصبحوا اليوم يجاهرون بذلك بعد أن استطاعوا هزيمة المسلمين في الميادين المختلفة، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، تقودهم في ذلك الصهيونية العالمية التي تسعى سعيا حثيثا نحو إقامة مشروعها (إسرائيل الكبرى) والسيطرة على العالم كله بعد ذلك. أما أبناء أمة الإسلام الذين انخدعوا في السابق بشعارات الغرب البراقة، وكانوا يعترضون على من يطلق عليه «نظرية المؤامرة» أو مصطلح «أعداء الإسلام»، أصبح هؤلاء يعيشون اليوم مع غيرهم من المسلمين في واقعية المؤامرة، وما أفغانستان وفلسطين والعراق منا ببعيد .. فجراحات المسلمين في كل مكان، ولا ندري أنبكي على هؤلاء أم على هؤلاء أم نبكي على أنفسنا، وعلى المجد الذي أضعناه أو الذل الذي نتجرعه بالليل والنهار. لقد انطبق حالنا مع ما أخبر به المعصوم ﷺ : «يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كم اتتداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: وقلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن». فقال قائل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (١).
следующие страницы →