← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36399

إنه القرآن سر نهضتنا - كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟

مجدي الهلالي

Полный текст (84 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

إنه القرآن سر نهضتنا كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟ تأليف مجدي الهلالي

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٧هـ - ٢٠٠٦م رقم الإيداع: ٧٩٢٥/ ٢٠٠٦م بطاقة الفهرسة فهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة المصرية العامة لدار الكتب والوثائق القومية إدارة الشئون الفنية الهلالي، مجدي أنه القرآن/ سر نهضتنا، كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟ تأليف مجدي الهلالي. ط١ - القاهرة مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، ٢٠٠٦ ١٦٠ ص، ٢٣ سم ... تدمك: ٩ - ٨٥ - ٦١١٩ - ٩٧٧ ١ - القرآن والمجتمع ... ٢ - العنوان ٢٢٩.٤٣ مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة ١٠ ش أحمد عمارة - بجوار حديقة الفسطاط القاهرة ت: ٥٣٢٦٦١٠ ... محمول:٠١٠٢٣٢٧٣٠٢ - ٠١٠١١٧٥٤٤٧ www.iqraakotob.com E-mail:info@iqraakotob.com

стр. 3

المقدمة الحمد لله الرحيم الودود، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فلا يخفى على أحد الواقع المرير الذي تعيشه أمتنا الإسلامية في هذا العصر، فلقد أصبحت بلا قيمة ولا اعتبار، تكالب عليها الجميع، وصارت عبرة بين الأمم في الذل والهوان والتخلف والظلام. هذا الواقع الأليم دفع المخلصين من أبنائها إلى البحث عن سبل لنهضتها وخروجها من النفق المظلم الذي تسير فيه، وتعالت الأصوات من هنا وهناك تنادي بضرورة وجود مشروع للنهضة تلتف الأمة كلها حوله وتتبناه. تعددت الطروحات والمقترحات حول نقطة البداية لمشروع النهضة، فمن قائل: نأخذ بأسباب التقدم العلمي كما أخذ بها الغرب فنصير مثلهم، ومن قائل: بل وجودنا كقوة اقتصادية تفرض نفسها على الجميع هو الحل الأمثل لعودة مجدنا مرة أخرى .. هذه وغيرها أمثلة للرؤى التي تُطرح اليوم، بيد أن أصحاب تلك الأطروحات -على أهميتها- قد غفلوا عن حقيقة مهمة, وهي أن الأمة الإسلامية ليست كبقية الأمم عند الله ، لذا فإن سبيل نهضتها لابد أن يختلف عن سبيل نهضة الأمم الأخرى، فما يصلح لغيرنا ليس بالضرورة يصلح لنا أو يصل بنا إلى ما وصلوا إليه. ومما يؤكد هذا المعنى أن الله قد ربط بين تقدمنا وعلونا كأمة إسلامية وبين إيماننا ومدى ارتباطنا به. ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] وليس معنى هذا أن نترك الاجتهاد في تحصيل الأسباب المادية، بل المقصد هو إعادة ترتيب الأولويات وعدم مقارنتنا بالأمم الأخرى في كل شيء. فمشروع النهضة الذي ينبغي أن نتبناه جميعًا لابد أن يكون هدفه الأول إعادة الأمة إلى مكانتها عند الله، ليعيد لها سبحانه دورها القيادي بين الأمم، وكيف لا، ومفاتيح التمكين بيده وحده سبحانه ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧]. وبيده وحده مقاليد النصر والسيادة ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥]. مع الأخذ في الاعتبار أن الاجتهاد في تحصيل الأسباب المادية له دور كبير في نهضة أي أمة، ومع أهميته الكبرى إلا أنه لا يأتي في المقدمة بالنسبة لنا. ولأن كيان الأمة يتشكل من مجموع الأفراد، فإن نقطة البداية وحجر الزاوية في النهضة لابد أن ينطلق من صلاح الفرد لتنصلح بذلك الأمة, فيرضى الله عنها ويعيد لها مجدها السليب. فإن قلت: وما الوسيلة التي يمكنها أن تقوم بذلك فتسع جميع أفراد الأمة من شرقها إلى غربها، وبكل مستوياتها، ولا تكون في الوقت نفسه - موضع اختلاف - بل موضع إجماع من الجميع، سلفهم وخلفهم؟!

стр. 4

من أجل الإجابة عن هذا السؤال كانت تلكم الصفحات, التي نسأل الله أن يلهمنا فيها الرشد والسداد، ويجنبنا الزلل، وأن تصحبنا فيها رعايته وفضله وتوفيقه وأن يتقبلها منا ومن كل من ساهم فيها، إنه نعم المولى ونعم النصير ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. الفقير إلى عفو ربه مجدي الهلالي www.alemanawalan.com

стр. 5

الفصل الأول الأسباب والنتائج - الأسباب المادية والمعنوية. - النتائج من الله لا من الأسباب. - ستار الأسباب. - هل الأسباب متاحة للجميع؟

стр. 6

الأسباب والنتائج الأسباب المادية والمعنوية: خلق الله الأرض، وجعل القانون الذي يحكمها وينظم الحياة عليها هو قانون السببية، فلكي نحصل على نتيجة ما، لابد من اتخاذ أسباب بعينها تؤدي إليها، والأسباب التي من شأنها أن تؤدي إلى حدوث النتائج تنقسم إلى قسمين: قسم مادي، وقسم معنوي. القسم المادي هو القسم الذي يتعامل مع المادة المتعلقة بحدوث النتيجة المطلوبة، فالعطشان الذي يريد أن يرتوي عليه أن يشرب الماء، والجائع عليه أن يأكل ليشبع، والذي يريد الوصول إلى مكان ما عليه أن يسير إليه أو يتخذ وسيلة مواصلات مناسبة تقوم بتوصيله للمكان الذي يريد ... وهكذا. وكما نرى فالقوانين المادية نتائجها في الغالب معروفة ومحددة. أما القسم المعنوي للقوانين فهو يتعلق بتنفيذ أمور غير مادية تؤدي إلى تحقيق نتائج مادية ملموسة، أو تنفيذ أمور مادية ليس لها علاقة ظاهرية بالنتائج التي تُحدثها ... وإليك أخي القارئ أمثلة لهذا القسم: الاستغفار شيء معنوي، لكن الله أخبرنا في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ بأن للاستغفار نتائج مادية كقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا - وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠: ١٢]. وفي الحديث: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» (١) - الدعاء أمر معنوي لكنه من شأنه أن يؤدي إلى نتائج مادية محسوسة مثل ما حدث للثلاثة نفر الذين دخلوا إلى مغارة، وجاءت صخرة عظيمة فسدت عليهم باب الخروج، وحاولوا زحزحتها فلم يستطيعوا، فما كان منهم إلا أن دعوا الله بإخلاص أن يفرج عنهم كربهم, فاستجاب الله لهم وأزيحت الصخرة، وخرجوا جميعًا (٢). - المرض له أسباب، وعندما يتناول المريض الدواء المعالج لسبب المرض فغالبًا ما يُشفى - بإذن الله- ولكن هناك أمور أخرى ليس لها علاقة بأسباب المرض من شأنها أن تؤدي إلى الشفاء؛ كماء زمزم، والصدقة ... قال ﷺ : «داووا مرضاكم بالصدقة» (٣). - ومن أمثلة الأسباب المعنوية كذلك صلاة الاستسقاء، فالجو قد يكون صحوا، والسماء صافية ويحتاج المسلمون إلى الماء فيخرجون للصلاة متذللين متخشعين منكسرين لله ، فترى السماء الصافية وقد تلبدت بالغيوم وتجمعت فيها السحب، ونزل المطر، كما حدث في عهد الرسول ﷺ ، وكما تكرر كثيرًا عبر تاريخنا الإسلامي. النتائج من الله لا من الأسباب: قد يقول قائل: إذن نركز على الأسباب المعنوية باعتبار أن نتائجها كبيرة ولا تكلفنا شيئًا، ونترك الأسباب المادية .. نترك التداوي .. نترك الطعام .. نترك ... . ونتجه إلى الدعاء والصدقة والاستغفار

стр. 7

لو فعلنا ذلك ما تحققت نتائج، فالله هو الذي خلق الأسباب المادية والمعنوية، وهو الذي طالبنا باتخاذ كليهما، على أن يكون التعامل معها باعتبار أنها لا تملك قوة، ولا فاعلية ذاتية تمكنها من تحقيق النتيجة، فالأمر كله مع الله، والأسباب هي الستار الذي يتنزل من خلاله قَدَرُه سبحانه فالله هو الذي يروي ويشعرنا بالإرواء، لكنه جعل هذا الأمر يتحقق من خلال سبب مادي وهو شرب الماء، وهو سبحانه الذي يشفي، وجعل ذلك من خلال بث الفاعلية في الدواء أو في الصدقة، وهكذا ولعل عدم ملازمة النتائج للأسباب في بعض الأحيان دليل يؤكد للناس هذه العقيدة، فالنوم سبب للراحة وفي بعض الأحيان ينام الإنسان طويلاً ويستيقظ وهو يشعر بالتعب، بل لقد نصَّ الحديث النبوي على أن من ينام عن صلاة الفجر, ولو كان نومه طويلاً, إلا أنه يُصبح «خبيث النفس كسلان» (١)، وكذلك الدواء قد لا يكون سببًا للشفاء، ويظل المريض ينتقل من دواء لدواء دون نتيجة. خطورة التعلق بالأسباب: عندما يتعامل المرء مع الأسباب على أنها هي التي تستجلب له النتائج فإنه بذلك يقع في منزلق خطير يؤدي به إلى الوقوع في دائرة الشرك بالله، وتتحول الأسباب إلى جدار يحجبه عن الله، مع أنها ما خُلقت إلا لتكون ستارًا يرى العبد من ورائه حكمة الله، ولطفه، ورحمته، وقهره, و ومن مخاطر التعلق بالأسباب كذلك أن الفزع سيتملك القلب كلما نقصت الأسباب، والفرح سيملؤه عندما تزداد، ويتحول الاعتماد عليها في تحقيق النتائج لا على الله، وقد نص القرآن على حال المشركين الذين إذا ذكر من هم دون الله من شركائهم يفرحون ويستبشرون ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]. سِتار الأسباب: إذن فالأسباب ستار لابد من إقامته ليتنزل عليه القدر ... هذا الستار يبدأ بالأسباب المادية المتاحة أولاً، ثم بالمعنوية ثانيًا, كما قال ﷺ للرجل الذي ترك دابته دون عقال: «اعقلها وتوكل». (٢) فإن اقتصر الستار على الأسباب المادية كان حجمه محدودًا ونتائجه محدودة. وإن حاول الإنسان إقامته من الأسباب المعنوية فقط دون استخدام الأسباب المادية المتاحة أمامه فهذا سوء أدب مع الله، ولن يتحقق له ما يريد لأنه خالف بذلك القوانين التي وضعها الله لإقامة الحياة والوصول إلى النتائج. وإن جمع بين الاثنين فهو بذلك يزيد من حجم الستار فيتنزل القدر بنتائج لا حدود لها ... تأمل قوله ﷺ : «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا». (٣) مع ملاحظة أن تغدو وتروح هي الأسباب المطلوب من الطير أن تفعلها وتأخذ بها فقط.

стр. 8

ومن الأمثلة التي تؤكد هذا المعنى: شكوى الصحابة من قلة الماء واحتياجهم للشرب والوضوء، فماذا فعل ﷺ ؟ أقام الستار بالأسباب المادية أولاً: طلب الماء القليل الموجود، ثم وضع يده الشريفة فيه ودعا الله بعد ذلك، فنبع الماء من بين أصابعه، وشرب الجميع وتوضأوا ... (١) وكذلك ما حدث لمريم الصدِّيقة حين جاءها المخاض وهي تستند بظهرها على جذع نخلة لا ثمر فيها، فطلب الله منها أن تهز الجذع بيدها كستار مادي، مع توكلها المطلق على الله كستار معنوي ليتنزل القدر ويسقط الرطب ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]. وعندما أمر الله إبراهيم ﵇ أن ينادي على الناس، داعيًا إياهم إلى الحج ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج:٢٧]. قال ﵇: يارب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال تعالى: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه، فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب .. (٢) فإن قلت ولماذا يُبدأ بالأسباب المادية لتكوين الستار؟ لأن الأسباب المادية جعلها الله متاحة للجميع .. المؤمن والكافر، وبالتالي يمكن لأي إنسان أن يحصل على النتائج من خلالها، ولو كانت البداية بالأسباب المعنوية لحُرم الكافر من النتائج التي تكفل له العيش وتوفر له الاحتياجات الأساسية، ومن ثمَّ فإنه لن يأخذ فرصته الكاملة في التعرف على الله وتوحيده وعبادته. هل الأسباب متاحة للجميع ؟! الله خلق الأرض وقدَّر فيها الأقوات والأرزاق والأسباب التي تيسر للناس معاشهم فيها، وجعل التعامل مع أسبابها متاحًا للجميع ... سواء للسائلين، فعلى قدر اجتهاد الإنسان وسعيه في الوصول إلى مكنوناتها واستخدام أسبابها، يصل إلى مبتغاه ويحصل على نتيجة جهده وسعيه .. يستوي في ذلك المؤمن والكافر ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠] , ﴿كُلاً نُّمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠]. هذا بالنسبة للأسباب المادية، أما الأسباب المعنوية التي تجلب الزيادة المضاعفة في النتائج فاستخدامها مشروط بالإيمان بالله، وعدم الشرك به، وإخلاص التوجه إليه ... وعلى قدر ذلك يكون الستار، ومن ثمَّ المدد الإلهي .. فالمشركون إذا ما عادوا إلى الله في أي وقت وطلبوا منه بصدق وإخلاص أن ينجيهم من كرب أصابهم فإنه سبحانه سينجيهم ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].

стр. 9

إذن فحصول النتائج من خلال اتخاذ الأسباب المعنوية مرتبط بحال صاحبها وقت استخدامه لها، فعلى قدر إيمانه بالله، وتعلقه به، وإخلاص التوجه والاستعانة به -سبحانه- يكون المدد، فالأسباب المعنوية بمثابة القوس في يد الضارب، وعلى قدر قوته في استخدامه تكون سرعة السهم ومكان وصوله ... تأمل معي مدى استغاثة المسلمين بربهم في بدر, ثم انظر إلى حجم المدد الإلهي بعد ذلك ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]. فالإمداد ليس مرتبطًا بأشخاص بعينهم مهما كانت سابقتهم أو نَسَبهم، بل مرتبط بالحالة الإيمانية التي هم عليها ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]، فعهد الله ووعده بإمداد عباده بما يكفيهم وينصرهم ويحفظهم لن يتحقق إلا إذا أوفوا هم بعهدهم معه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة:٤٠] , فإن لم يفعلوا فالنتيجة معروفة ﴿ ... لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]. وخلاصة القول أن الأسباب ضرورية لحصول النتائج، وأنها بذاتها لا تُحدث القدَر، بل تهيئ لنزوله. والأسباب نوعان مادي ومعنوي ... المادي متاح للجميع، والمعنوي قاصر على المؤمنين بالله، وعلى قدر الإيمان والإخلاص تكون النتائج المتحققة. * * *

стр. 10

الفصل الثاني لسنا كبقية الأمم - الوضع الخاص بأمة الإسلام. - هل نترك الأسباب المادية؟! - المسلم الصحيح أولاً. - هل هي دعوة للتخلف؟

стр. 11

لسنا كبقية الأمم تمهيد: نهض الغرب في القرون الأخيرة نهضة واسعة، وتسابق أبناؤه في كشف مكنونات الأرض وحسن الانتفاع بها، فاستجابت الأرض لهم، وأعطتهم بعض أسرارها، فتفوقوا على غيرهم وامتلكوا مفاتيح التقدم والثروة وفي المقابل نجد أن أمة الإسلام قد خيم عليها الجهل والظلام والتخلف, وانتقلت تدريجيًا من مصاف الأمم المتقدمة إلى مؤخرتها. أصبحت أمتنا أضعف الأمم، وباتت مطمعًا للجميع, حتى اليهود الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة قد استأسدوا علينا وسامونا سوء العذاب. هذا الوضع المرير حدا بالكثير من أبناء الأمة بالمناداة بضرورة التركيز على الأسباب المادية، والسعي في نفس الاتجاه الذي سلكه الغرب كي نصل إلى ما وصلوا إليه، فهل هذا التصور فقط يصلح لكي يكون سبيلاً لنهضة الأمة الإسلامية؟ الوضع الخاص بأمة الإسلام: إن كان الغرب بسعيه في الأرض واستفادته من خيراتها المتاحة للجميع قد نجح في امتلاك زمام التقدم والحضارة, فإن هذا لا يعني أن نسير مثلهم في نفس الطريق، ونعطي ذلك الأولوية المطلقة، وذلك لجملة من الأسباب: أولاً: إن الله تعالى قد اختص الأمة الإسلامية بنعمة عظيمة, لم يختص بها أمة معها على وجه الأرض ألا وهي رسالة الإسلام التي تُعد بمثابة رسالة هداية للبشرية جمعاء ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]. هذه المزية العظيمة التي تجعل من أمتنا خير أمة أخرجت للناس، وتضعها على رأس الأمم الأخرى، مرتبطة بمدى تمثل الرسالة في الأمة، وبمدى تبليغها إياها لسائر الناس، فإن لم تفعل ذلك عاقبها الله بعقوبات كثيرة كي تفيق من سباتها وتقوم بواجبها، وسيستمر العقاب طالما استمر الإعراض عن القيام بذلك الواجب، وهذا هو التشخيص الحقيقي لواقعنا المرير.

стр. 12

فنحن الآن في مظان الغضب والعقوبة الإلهية بسبب خيانتنا للأمانة .. ومهما اجتهدنا في تحصيل الأسباب المادية فلن يُرفع عنا العقاب أو الذل والهوان إلا إذا عدنا إلى ديننا أولاً ... ألم يقل ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١). ولقد كان ثمة أمة في الماضي خانت الأمانة ولم تبلغ الرسالة, فحدث لها مثل ما يحدث لنا الآن من عقوبات حتى يرجعوا, فلما أصروا على غيهم سلب الله منهم الأمانة وحمَّلها لنا ... تلكم هي أمة بني إسرائيل ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:٢١١]. ثانيًا: إن مصدر رفعة وعزة الأمة الإسلامية مرتبط بمدى علاقتها بربها، ومدى دخولها في دائرة معيته وكفايته ﴿وَأَنتُمُ الأَعلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]. ويتمثل ذلك جليًا في قول عمر بن الخطاب ﵁: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام, فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. وفي المقابل فإن مصدر رفعة الأمم الأخرى في الدنيا يكون على قدر امتلاكها للأسباب المادية «فقط» لأنها لم تُكلَّف بما كلفنا به، ومن الخطأ بمكان أن نسعى للرفعة من خلال تقليدهم والسير وراءهم ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]. ثالثًا: إن باب الأسباب المعنوية نملكه دون غيرنا من الأمم الكافرة بالله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]. فكيف نترك سر تفوقنا؟! كيف نترك ما اختصنا الله به ونبحث عما في أيدي الآخرين؟ كيف نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ونعطيه الأولوية؟! ألم يقل سبحانه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣]. رابعًا: لو أُغلق أمامنا باب الأسباب المعنوية، وتساوينا مع الكفار في السباق نحو امتلاك الأسباب المادية، فستكون النتيجة لصالحهم لا محالة، فكما قال الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: إنما تنصرون على عدوكم بطاعتكم لله ومعصيتهم له، فإذا عصيتموه تساويتم. هذا من ناحية .. ومن ناحية أخرى فنحن حين نترك الأسباب المعنوية ونعتمد على الأسباب المادية فقط, فإننا نتعرض للعقوبة من الله بالخذلان وتعسير الأمور, بينما هم لن يعاقبوا مثلنا وإن كانوا أكثر منا معصية، ولمَ لا وقد خنا أمانة عظيمة ائتمننا الله عليها دون غيرنا. وهذا ما أكده عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص ﵄ قبل تحرك جيش المسلمين لملاقاة الفرس في القادسية بقوله: ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يُسلط علينا، فرب قوم سلط الله عليهم من هو شر منهم، كما سلط على بني اسرائيل لما عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار (٢).

стр. 13

خامسًا: نحن مطالبون بالأخذ بالأسباب المادية بالقدر المتاح أمامنا لإقامة الستار الذي يتنزل من خلاله قدر الله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] , ولسنا مطالبين أمام الله بأكثر مما نقدر على تحصيله من تلك الأسباب. وفي الوقت نفسه فقد طالبنا الله بالأخذ بالأسباب المعنوية كلها, من توبة وتذلل وانكسار إليه، واستعانة به، وتوكل مطلق عليه، وليس لنا عذر في تركها، وكيفَ لا وهي متاحة أمامنا جميعًا، ولا يوجد ما يحول بيننا وبين الأخذ بها، وهذا هو ترتيب دعاء المجاهدين ﴿وََمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧]. تأمل معي قوله تعالى وهو يخاطب نبيه ويرشده إلى الاهتمام بالأسباب المعنوية، وأنها هي السبب الرئيسي لاستجلاب النصر: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ - إِن يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٩، ١٦٠]. سادسًا: لو افترضنا أن الأسباب المادية هي التي تحسم الصراع، وتعيد لنا مجدنا السليب، فالوضع القائم يؤكد أن أعداءنا لن يسمحوا لنا بامتلاكها بالقدر الذي يجعلنا نتكافأ معهم أو حتى نقترب منهم، فلقد أحكموا قبضتهم علينا من كل جانب، وظهر استعلاؤهم واستكبارهم وطغيانهم بصورة لم يسبق لها مثيل، ولا أمل لنا إلا في الله بأن يكون معنا فيحسم الصراع لصالحنا ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد:١١]. فالله وحده هو القادر على أن يهزمهم رغم تفوقهم علينا ماديًا، وهو القادر على قلب ميزان القوة تمامًا، ولعل ما حدث في غزوتي بدر والأحزاب أكبر دليل على ذلك. ولكن الله لن يكون معنا إلا إذا فعلنا ما يرضيه من إخلاص له في التوجه والاستعانة، ومن طاعة لأوامره، ومن جهاد في سبيله وتضحية من أجله، ومن تقديم حبه على كل المحابّ الأخرى، ومن بذل الجهد والأخذ بالأسباب المادية المتاحة أمامنا ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. سابعًا: تاريخ أمتنا يؤكد هذه الحقيقة .. فأمة العرب التي كانت قبل الإسلام في مؤخرة الأمم لم تنتقل إلى مقدمتها بفضل امتلاكها للأسباب المادية وتفوقها بها على غيرها، بل لأنها دخلت في دائرة المعية والرضا الإلهي، فأوفى الله بعهده معها، وملَّكها الأرض ودحر الممالك الأخرى من فرس وروم, والذين كانوا يمتلكون من الأسباب المادية ما يفوق ما عند الأمة الإسلامية بأضعاف الأضعاف ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة:١١١]. ويزداد هذا الأمر تأكيدًا عندما ننظر إلى المعارك الإسلامية خاصة في العصور الأولى التي كانت الأمة فيها قريبة من الله ... تتمتع بحمايته ونصرته وكفايته. ففي هذه المعارك –كبدر واليرموك والقادسية – كانت الأسباب المادية عند الكفار تفوق أضعاف أضعاف ما عند المسلمين، ومع ذلك انتصر المسلمون انتصارات باهرة. لماذا؟!

стр. 14

لأن الله كان معهم ﴿فََلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. فعندما يكون الله مع الفئة المؤمنة فلا قيمة أبدًا لكثرة الكافرين عددًا أو عدة ﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩]. وفي المقابل فإن التاريخ ينبئنا بأنه عندما يُخل المسلمون بالشروط التي يريدها الله منهم ليُنزل عليهم نصره, فإن الهزيمة ستكون حليفهم وإن كانوا أكثر عددًا وعدة من أعدائهم، ولنا في غزوة حنين -عند بدايتها- أكبر مثال على ذلك ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]. بل إنه في إحدى المعارك -معركة العِقَاب (١) - وكانت بين المسلمين في الأندلس في عهد دولة الموحدين، وبين النصارى، فقد بلغ فيها عدد جيش المسلمين - كما تقول بعض الروايات - خمسمائة ألف مقاتل، ومع ذلك فقد هُزموا هزيمة منكرة وذبح منهم عشرات الآلاف، وذلك بسبب اتكالهم على قوتهم، وكثرة خلافاتهم فيما بينهم. هل نترك الأسباب المادية ؟ قد يقول قائل: ولكن هل معنى هذا أن نترك الأسباب المادية، ونتجه للأسباب المعنوية التي نعرفها ولا يعرفها غيرنا؟! لو تركنا الأسباب المادية المتاحة أمامنا لظللنا في أماكننا كما نحن ولن نتقدم قيد أنملة، فكما قيل سابقًا بأن الأسباب المادية المتاحة هي التي تُقيم الستار وتهيئ التربة لنزول القدر الإلهي، أما الأسباب المعنوية فهي التي تستكمل إقامة الستار وتمنحنا مزية التأييد الإلهي دون غيرنا، فالإعداد المادي ضروري - وبالقدر المتاح أمامنا- والإعداد المعنوي لا غنى لنا عنه إن أردنا أن تعود لنا عزتنا ومجدنا السليب، ولم لا وهو الذي يُرجِّح كفتنا على غيرنا، فضلاً عن أنه قبل ذلك هو مهمة وجودنا لتحقيق عبوديتنا لله . إذن فالمقصد من هذا كله هو إعادة ترتيب الأولويات، وعدم مقارنتنا بالغرب، وأن نوقن بأن علاقتنا بالله هي سر تقدمنا، فإن انقطعت، وتخلى الله عنا، صار أعداؤنا أفضل منا وإن فقناهم عددًا وعدة, لأننا حينئذ نكون: مغضوبًا علينا ... ألم يقل سبحانه لبني إسرائيل من قبل ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:٨١]. ولقد هوينا إلى القاع بالفعل, وصرنا تحت أقدام الكفار بسبب غضب الله علينا لأننا خُنَّا أمانته. العودة إلى الله هي البداية: إذن فنقطة البداية التي ينبغي ألا نتخطاها هي العودة إلى الله. الصلح مع الله، والدخول في دائرة الرضا والمعية والولاية والنصرة الإلهية. نقطة البداية هي الارتقاء بقيمة الفرد عند الله وهذا لن يأتي إلا من خلال صلاحه على منهاج ربه ومولاه. صلاح الفرد هو الذي سيؤدي إلى صلاح المجتمع، فصلاح الأمة، ليستبدل الله بغضبه عليها رضاه ويولي عليها خيارها. عن قتادة قال: قال موسى ﵇ لربه: يارب أنت في السماء، ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو علامة رضاي، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة غضبي عليكم (٢).

стр. 15

معنى ذلك أن عزنا وتقدمنا ورفعتنا مرتبطة برضا الله عنا، فإن رضي عنا تضاعفت النتائج المترتبة على الأخذ بالأسباب المادية, وظهرت البركة في القليل المتاح ... فعشرة آلاف على سبيل المثال يهزمون مائة ألف وأكثر، وكيف لا والله يؤيد بنصره من يشاء ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. وتتدرج نسبة التفوق تصاعديًا وتنازليًا ﴿الآَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦]. المسلم الصحيح أولاً: فصلاح الفرد أولاً ثم امتلاك الأسباب المادية ثانيًا. المسلم الصحيح قبل الطبيب .. قبل المهندس .. قبل عالم الذرة .. المسلم العابد لله أولاً, ثم ليكن بعد ذلك في المكان الذي أقامه الله فيه، ليتخذ الأسباب المادية المتاحة أمامه، فيبارك الله فيها ويضاعف نتائجها .. إذن فنهضة أمتنا تنطلق من صلاح الفرد على أساس الإسلام، ثم التحرك بهذا الفرد الصالح في الميادين المختلفة والمتاحة ليكون بعد ذلك: مسلم طبيب ... مسلم مهندس .. مسلم مدرس .. مسلم نجار ... مسلم فلاح. ويؤكد الإمام حسن البنا على هذا المعنى فيقول: إذا وجد المؤمن الصحيح وجدت معه أسباب النجاح جميعًا. المقصود بصلاح الفرد: وليس المقصد بصلاح الفرد هو التركيز على أدائه العبادات بشكلها الظاهري فقط، بل المقصد هو أن يكون في القالب الذي يريده الله منه، فعلى قدر «العبودية» تكون قيمة الفرد عند الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. صلاح الفرد يبدأ من الداخل، فيكون باطنه أفضل من ظاهره. صلاح الفرد يعني أن يكون الله أعز عليه وأحب إليه من كل شيء. صلاح الفرد يعني أن يَعظُم قدر الله لديه، وتصغر نفسه عنده. صلاح الفرد يعني زهده في الدنيا ورغبته في الآخرة. صلاح الفرد يعني أن تكون معاملته مع الله هي الأساس الذي يحرص عليه، فيخشاه ويتقيه ويطيعه ويرجوه ويتوكل عليه ويستعين به في كل أموره، لينعكس ذلك على تصرفاته ومعاملاته مع غيره وفي جميع الدوائر التي يتعامل فيها .. مع أهله وزوجته وأولاده .. مع جيرانه وزملائه .. مع الناس أجمعين, فيكون نعم الزوج لزوجه، والابن لأبويه، والأب لأبنائه، والجار لجيرانه، والعامل في متجره، والداعي دومًا إلى الله، و يحب في الله ويبغض في الله ... يسارع دومًا في الخيرات، ويجتنب كل المنكرات .. فإن زلت قدمه يومًا تراه مسرعًا مهرولاً إلى مولاه يسترضيه ويطلب منه العفو والصفح، وبصلاحه هذا يمن الله عليه وعلى من حوله بما ورد في الأثر: «إن الله يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل كويرته، ودويرات حوله».

стр. 16

هل هي دعوة للتخلف ؟! فإن قلت: ولكن هذا معناه إضعاف الحافز داخل النفس للتقدم والتفوق، فتقل تبعًا لذلك الكفاءات بيننا ويزداد اعتمادنا على الحضارة الغربية والتبعية المهينة لهم. المتأمل لما قيل سابقًا سيجد أن العكس هو الذي سيحدث - بمشيئة الله -، وإليك -أخي القارئ- مزيد من وضوح الرؤية حول هذه النقطة: أولاً: الذي يبدأ طريقه بالصلح مع الله والتربية على إيثار محابه ومراضيه على ما تحبه نفسه وتهواه, فإنه لن يألو جهدًا في ارتياد كل الأماكن التي من شأنها أن ترفع شأن الإسلام؛ لأنه سيحمل همَّه دائمًا، وفي المقابل فإن من يبدأ طريقه بالتركيز على التفوق المادي فقط فإنه بالفعل سيتفوق - بإذن الله - طبقًا لقانون السببية، ولكن في كثير من الأحيان يصبح هذا التفوق خادمًا لنفسه، محققًا لمجده الشخصي، ورفعته على من حوله، من ثم لا يدخل صاحبه في دائرة الرضا الإلهي لإخلاله بشروطها، فتكون النتيجة استمرار الوضع على ما هو حادث الآن. ثانيًا: البدء بالأسباب المادية يمهد الطريق لظهور مظاهر العزة الزائفة بالألقاب والشهادات، والمناصب، والأموال وغير ذلك من أمور الدنيا، مما يجعل تفاضل المسلمين فيما بينهم ونظرتهم لبعضهم البعض طبقًا لوجود تلك المظاهر، وهذا من شأنه أن يبعدنا أكثر وأكثر عن دائرة الرضا الإلهي التي هي سر كل سعادة ورفعة. وفي المقابل فإن من يبدأ طريقه بإصلاح نفسه من كل الجوانب فإنه سيعيش دومًا في حقيقة فقره إلى الله، وشدة احتياجه دومًا إليه، وأنه به سبحانه لا بنفسه، فينعكس ذلك على تعامله مع الآخرين؛ فيخفض لهم جناحه، بل ويستشعر دومًا أنهم جميعًا أفضل منه مهما كانت ألقابه ومناصبه. ثالثًا: الذي يبدأ بإصلاح نفسه فإنه يتحرر من أسر الناس، وأعرافهم الخاطئة، ويتحرر كذلك من أسر الاهتمامات الأرضية الدنيوية، فتسمو اهتماماته، وتجده يبحث عما يرضي الله ليفعله, بغض النظر عن تقييم الناس لفعله. ومن فوائد البدء بصلاح الفرد وإيجاد المسلم الصحيح أولاً: - أن أساليب تربية الوالدين لأبنائهما ستختلف، فعندما يصبح الهدف هو تعبيد الأبناء لله أولاً ثم التفوق ثانيًا، فإن هذا من شأنه أن يجعل محور اهتمام البيت هو الله ونيل رضاه، وتعظيم قدره في النفس، فيؤدي ذلك إلى حرص الأب على التواجد داخل بيته أطول فترة ممكنة لممارسة دوره في قيادة أهل بيته إلى الله، وربط حياتهم به سبحانه، ومن ثمَّ فإنه لن يحرص على العمل الإضافي, أو السفر للخارج وترك الأولاد مع أمهم بدعوى توفير وسائل الحياة المرفهة لهم, وتحصيل متطلبات تعليمهم الباهظة، بل سيوضع التعليم في حجمه الحقيقي، كخادم للهدف الأساسي وليس غاية في حد ذاته. - ومن مظاهر الاهتمام بهدف إيجاد المسلم الصحيح أولاً أن الأبوين سيحرصان على عدم إلحاق أبنائهما بمدارس اللغات التي من شأنها أن تجعل ولاء الدارسين فيها للغة أخرى غير لغة القرآن، وتجعلهم يعظمون شأن الحضارة الغربية ويوالونها ويرضون بغثها وسمينها، ومن ثمَّ يحتقرون الحضارة العربية الإسلامية، وهذا واقع مشاهد للكثير من خريجي تلك المدارس. نعم، إنّ حرص الآباء على إلحاق أبنائهم في تلك المدارس ينبع من انبهارهم بالغرب وحضارته، وحرصهم على سير أبنائهم في هذا الطريق ليضمنوا لهم النجاح في حياتهم.

стр. 17

هذا التصور بلا شك سيحل محله التصور الصحيح عندما يتأكد الجميع أننا لسنا كبقية الأمم، ولن نتقدم بمثل ما تقدموا به، بل بالعودة إلى الله أولاً, ثم بالأخذ بالأسباب المادية المتاحة أمامنا ثانيًا. - ومن فوائد البدء بالتربية الإيمانية والتركيز على صلاح الفرد, أنها ستعرِّضنا للتوفيق والتأييد الإلهي, فيتضاعف أثر الأسباب المادية بعد ذلك، كما حدث مع المسلمين الأوائل الذين برعوا في شتى فروع العلوم، وأقاموا صرح الحضارة الإسلامية العريقة، وما كان ذلك ليحدث لولا توفيق الله لهم، ومباركته لجهودهم. ومن فوائدها كذلك: عدم التعلق بالأسباب، بل الاجتهاد في تحصيلها، ثم التعلق بالله وحده في تحصيل النتائج، وهذا من شأنه أن يسكب في الفرد السكينة والطمأنينة فلا يبدو فزعًا منزعجًا كلما قلَّ حجم الأسباب المتاحة أمامه ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا - إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا - وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا - إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٢]. وخلاصة القول: إن سر تقدمنا مرتبط بمدى علاقتنا بالله، وأننا لابد أن نجتهد في الأخذ بالأسباب المادية بالمفهوم الذي يسود بيننا الآن, ولكن بعد أن نجتهد في الأخذ بالأسباب المعنوية التي تُعني بصلاح الفرد كأساس للنجاح في كل الميادين. فالأمة بحاجة إلى الربانيين أولاً ليكونوا بعد ذلك في المكان الذي يقيمهم الله فيه .. أما بدون رهبان الليل ... البكائين بالأسحار .. فلا أمل في تقدم ولا رفعة بل سيستمر الوضع القائم وسيزداد سوءًا. ألم يقل سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ - إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥، ١٠٦]. وبهذا المفهوم انتصر المسلمون الأوائل على أعدائهم ... تأمل معي ما قاله سعد بن أبي وقاص لعمر بن الخطاب ﵄ وهو يصف له المجاهدين في معركة القادسية: « ... كانوا يُدَوُّون بالقرآن إذا جنَّ عليهم الليل كدويِّ النحل وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، ولا يفضل من مضى منهم من بقى إلا بفضل الشهادة» (١). وفي فتح أفريقية يصف عبد الله بن الزبير أحوال المقاتلين فيها فيقول: واستشهد الله ﷻ رجالاً من المسلمين، فبتنا وباتوا، وللمسلمين دوي كدوي النحل، وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم، فلما أصبحنا زحف بعضنا على بعض، فأفرغ الله علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر الليل. (٢) * * *

стр. 18

الفصل الثالث المعجزة التي نحتاجها - الحلقة المفقودة. - الدافع الذاتي. - ما المقصود بالقوة الروحية؟ - نحتاج إلى معجزة. - إنه القرآن العظيم. - مظاهر قوة تأثير القرآن.

стр. 19

المعجزة التي نحتاجها الحلقة المفقودة: كان الجهل بحقائق الدين يضرب بأطنابه في جنبات الأمة، وكان من المستغرب أن يتم الحديث عن شمول الإسلام، وأنه صالح لكل زمان ومكان، وأنه يتناول مظاهر الحياة جميعًا ... ثم ظهرت الصحوة الإسلامية وانتشرت الأفكار الصحيحة حول الإسلام، وتناقلتها الكتب والمحاضرات، وبدأت أفهام الناس تتغير حول طبيعة الدين ... كل هذا قد تم خلال القرن الرابع عشر الهجري (القرن العشرين) خاصة في نصفه الأخير ... إلا أنه في السنوات القليلة الماضية، ومع انتشار الفضائيات والشبكة العنكبوتية ازداد الأمر وضوحًا، وتصححت مفاهيم كثيرة في أذهان الناس، وإن أردت دليلاً على ذلك فاجلس مع أي مجموعة تقابلك من جيرانك أو أقاربك أو زملائك, وافتح باب النقاش حول موضوع من الموضوعات المطروحة على الساحة مثل سبب تخلف الأمة، أو خطورة دور اليهود، أو الأمراض الاجتماعية المنتشرة في مجتمعنا، ستسمع بلا شك كلامًا رائعًا، وحلولاً جيدة ... إذن فما هي مشكلتنا؟ المشكلة أن هذا الفهم الجيد لقضايا الأمة لا يتفق في الغالب مع سلوك هؤلاء الأفراد الذين يتحدثون ويشخصون مكامن الداء، فالقول في وادٍ والعمل في وادٍ آخر، والفجوة واضحة بين العلم والعمل، والفكر والسلوك، والفهم والتطبيق ... ولا يُخطئ من يقول بأن الكم الهائل من برامج الإصلاح التي تُقدَّم للأمة عبر الفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام المختلفة تكفي لصلاح الأجيال حتى قيام الساعة .. إذن فالمشكلة الآن ليست في التوجيهات أو النصائح ... المشكلة في التطبيق لهذه الأمور ... الكثير يعلم مواصفات الزوج الناجح، أو الأب الناجح، أو الجار الناجح، لكنه لا يستطيع أن يكون كذلك، وصدق من قال: غاض الوفاء وفاض الغدر واتسعت ... مسافة الخُلف بين القول والعمل فما السبب؟! السبب أن الفرد يسمع التوجيهات ويتمنى تنفيذها لكنه لا يجد قوة تدفعه لتطبيقها .. هو مقتنع تمام الاقتناع بما يسمع، لكنه لا ينفذ، وكأن شيئًا داخليًا يثبطه ويقعده ... وإذا ما وجد همة وعزيمة في لحظة ما للتطبيق، فإنه قد يفتقد تلك العزيمة والهمة في لحظات أخرى كثيرة، بل في سائر حياته.

стр. 20

معنى ذلك أن المشكلة في هذا العصر ليست في العلم والفهم بقدر ما هي في العمل والتطبيق، فصلاح الفرد الذي ينطلق من خلاله مشروع نهضة الأمة لن يتم إلا بالعمل، وفي نفس الوقت هناك تثاقل شديد تجاه العمل ... فما الحل؟ محاولات: ومع اتجاه العلماء والمصلحين إلى مخاطبة أفراد الأمة بضرورة العمل، وكثرة حديثهم بصيغة: علينا أن نفعل كذا ... لابد أن نقوم بكذا وكذا ... ، إلا أن الحديث في الغالب لا يتطرق إلى كيفية استنهاض الهمم وتقوية العزائم للقيام بهذه الأعمال بصورة دائمة. نعم، هناك محاولات تُبذل في هذا الاتجاه، ولكنها في الغالب تعمل على شحذ همة الأفراد بصورة وقتية من خلال الحديث المؤثر الذي يخاطب المشاعر، ويدفع للسلوك فتتحسن أحوال وأفعال الفرد بعد سماعه لهذا الحديث المؤثر، لكنه يعود لسابق عهده بعد انتهاء تأثيره. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد ازداد في الآونة الأخيرة الحديث عن المهارات الإدارية والمتابعة كعنصر فعال وضامن قوي لتنفيذ الواجبات، وبالفعل فكلما قويت المتابعة وكانت لصيقة بالفرد ازدادت درجة تنفيذه للأعمال التي تطلب منه، ولكن لأن الدافع للعمل في الغالب لا ينبع من داخله فقد أصبحت الأعمال تُؤَدى بلا روح أو بصورة آلية, مما أدى إلى تحسن الشكل دون المضمون، والدليل على ذلك هو الواقع، والمعاملات، والتي تدل على أن هناك حلقة مفقودة، وأن الجهد الكبير الذي يُبذل في التعليم والتوجيه والمتابعة لا يقابله أثر إيجابي ملحوظ في السلوك، كل ذلك يحدث لأن الدافع الذي يدفع المرء للقيام بالعمل دافع خارجي وليس داخليًا. ضامن التنفيذ: إن المعاني الإصلاحية الجيدة والفهم الصحيح لكثير من مسائل الدين التي أصبحت شائعة الآن بين المسلمين - مع أهميتها - إلا أنها لا تكفي وحدها لإحداث التغيير داخل الفرد ومن ثمَّ عودة الأمة إلى الله، بل لابد أن يواكبها وجود ضامن وطريقة تتكفل بتنفيذها. هذا الضامن إما خارجي أو داخلي. الضامن الخارجي يكون من خلال التوجيه وشحذ الهمم، وكذلك من خلال قوة المتابعة، وهذا وحده لا يكفي لاستمرارية الفرد في التنفيذ لأنها مرتبطة باستمرار التوجيه والمتابعة في كل وقت، وهذا من المستحيل تحقيقه، ناهيك عن الأداء الشكلي الذي سيصاحب التنفيذ، ومن ثمَّ تظل الفجوة قائمة بين الواجب والواقع ... معنى ذلك أنه لابد أن يكون الضامن الذي يضمن تنفيذ التوجيهات والتوصيات نابعًا من داخل الفرد، دافعًا له دومًا إلى التنفيذ طمعًا في نيل رضا الله ومثوبته. وصدق من قال:

стр. 21

لا تنتهي الأنفس عن غيها ... ما لم يكن لها من نفسها دافع الدافع الذاتي: إذن فلكي يصبح السر أفضل من العلانية، والأعمال خير من الأقوال .. لكي نصل إلى مرحلة الانتباه والإيجابية والتلهف للقيام بأي عمل يرضي الله , لابد من وجود دافع داخلي وليس خارجيًا .. دافع يدفعنا باستمرار لفعل الصالحات وترك المنكرات .. لابد من وجود قوة روحية تتولد باستمرار داخلنا، تضبط تصرفاتنا، وتحثنا على فعل الخيرات وتطبيق التوصيات التي تُلقى على مسامعنا .. ومما لاشك فيه أن هذه القوة الروحية التي تحول الواجب إلى واقع، وتزيل الفجوة بين العلم والعمل، وتدفع الفرد إلى الفعل من تلقاء نفسه تحتاج إلى مصدر يقوم بتوليدها باستمرار داخل كيانه. معنى ذلك أننا لو استطعنا الوصول لمصدر ومنبع متجدد لتلك القوة, فإن هذا من شأنه أن يقلل من الجهد المبذول، وفي نفس الوقت يزيد من الإنتاج كمًّا وكيفًا، وهذا ما فعله محمد ﷺ بنجاح باهر مع الجيل الأول كما سنبين بمشيئة الله. فما هو هذا المصدر وأين نجده؟! لنتفق أولاً على معنى القوة الروحية، والمطلوب منها ثم ننتقل بفضل الله وعونه للتعرف على مصدر توليدها. ما المقصود بالقوة الروحية ؟ المقصود بالقوة الروحية هي العزيمة التي تتولد داخل الفرد, والحالة التي تسيطر عليه عندما تتجاوب مشاعره مع أمر من الأمور, فيشعر وكأن شيئًا من داخله يدفعه للقيام بفعل ما. فعندما يستمع المرء إلى موعظة بليغة تتحدث عن ضرورة الإنفاق في سبيل الله، وعن الخير والثواب الذي يعود على المنفق في الدنيا والآخرة, تجده وقد تجاوبت مشاعره مع ما يسمعه، وتولدت داخله عزيمة تقوده ربما لإخراج كل ما في جيبه في تلك اللحظة. وعندما يرى الواحد منا وهو يسير في طريقه رجلاً يقوم بضرب ولد صغير، والولد يجهش بالبكاء ويسترحم المارة ليكفوا بأس الرجل عنه, فإنه من المتوقع أن تستثار المشاعر وتتولد تلك القوة والعزيمة داخل النفس لتنتج تحركًا تجاه الحدث، ومحاولة لدفع الظلم عن الولد. فالقوة الروحية إذن هي تلك الطاقة والعزيمة المتولدة من التأثير على مشاعر الإنسان, والتي من شأنها أن تدفعه للعمل. هذه القوة تتولد بالفعل داخلنا وتدفعنا للعمل، ولكن ليس بصورة دائمة، فمشاهدة مناظر مأساوية، أو رؤية فقير يتلوى من الجوع، أو قراءة في كتاب من كتب الرقائق ... كل ذلك من شأنه أن يهز مشاعرنا، وقد يدفعنا للبكاء والعمل ولكن بصورة وقتية، يعود المرء بعد انتهاء تأثيرها إلى سابق عهده. المطلوب من القوة الروحية: إذن لكي نستمر في حالة التوهج والانتباه ومن ثمَّ القيام بالأعمال المطلوبة منا بذاتية وتلقائية, لابد أن تتولد داخلنا تلك القوة الروحية بصورة دائمة ومستمرة ... فكيف يتم ذلك؟! كيف يتم ذلك وقد خلصنا مما سبق بيانه أنه لابد من أن يكون الدافع الذي يدفع المرء للقيام بالعمل المطلوب منه دافعًا ذاتيًا ينبع من داخله بصورة أساسية؟! أي أن القوة الروحية المطلوبة ينبغي أن توفر باستمرار هذا الدافع الذاتي .. معنى ذلك أننا بحاجة إلى نبع متجدد، ومصدر دائم لتوليد تلك القوة والدافع الذاتي لدى الأفراد. المواصفات المطلوبة: ولأننا نتحدث عن أمر يخص نهضة الأمة جمعاء, والذي ينطلق من صلاح الفرد، فلابد أن يكون مصدر تحصيل تلك القوة الروحية متاح للجميع ... الرجل والمرأة، العالم وغير العالم، العربي والأعجمي، ... ولابد أن يكون هذا المصدر مجمع عليه من سائر أفراد الأمة وليس محل خلاف بينها، وأن يكون من مواصفاته كذلك ألا يمل منه أحد، وأن يكون لديه القدرة - بإذن الله - على التعامل مع المستويات المختلفة لأفراد الأمة في كل زمان ومكان ...

стр. 22

فما هو هذا المصدر الفريد الذي يجمع بين هذا كله؟! نحتاج إلى معجزة: لو نظرنا إلى المواصفات التي ينبغي أن تتوافر في المصدر المطلوب لتوليد القوة الروحية لوجدناها مواصفات غير عادية، وقد يتجه التفكير إلى أن هذا المصدر شيء خارق لا يمكن وجوده، فهو أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع ... نعم، لا يوجد مصدر لديه القدرة على القيام بهذا الدور الخطير إلا إذا كان شيئًا معجزًا، خارقًا للعادة، ذا قوة تأثيرية جبارة ومستمرة .. نعم، أخي القارئ نحتاج إلى معجزة تقوم بهذا الدور، فأين تلك المعجزة؟ لنفكر سويًا في الأمر ... فالأمة لن ينصلح حالها إلا بصلاح أفرادها وعودتهم إلى الله، وصلاح الأفراد مرتبط بوجود دافع ذاتي يدفعهم لفعل ما يكلفون به من توجيهات وتوصيات ليصبح العمل قرينًا للعلم، والدافع الذاتي يحتاج إلى مصدر لتوليده باستمرار، ذلك المصدر ينبغي أن يسع الجميع وألا يختلف عليه اثنان و ... فهل سيتركنا الله هكذا دون هذا المصدر أو تلك المعجزة؟ هل سيتركنا الله هكذا وهو الودود الرحيم الذي يريد لنا الخير؟ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]. يقينًا أنه سبحانه ما كان ليترك عباده هكذا يتخبطون ويدورون بلا فائدة حول أنفسهم، وقد كتب على نفسه الرحمة، وأعلمنا أنه رءوف، رحيم، ودود، كريم ... من المؤكد أنه لن يحرمنا من تلك المعجزة التي ستؤدي هذا العمل المطلوب وتتوافر فيها المواصفات المشار إليها آنفًا وغيرها وغيرها ... فأين هي هذه المعجزة؟ وهل هي موجودة بالفعل أم علينا أن نتحرق شوقًا لقدومها؟ إنه القرآن العظيم: لو فكرنا سويًا في هذا الأمر، وتذكرنا فضل الله الدائم على عباده، لوجدنا أنفسنا أمام حقيقة واضحة وهي أنه لابد وأن تكون هذه المعجزة موجودة بيننا بالفعل. نعم ... قد تكون كذلك لكننا لا نعرفها أو لا ندرك قيمتها, ولا نتعامل معها على حقيقتها ولكنها بالتأكيد موجودة ... فما هي تلك المعجزة؟! لو تفكرنا في المعجزات السابقة لوجدناها مرتبطة بزمان محدد، أو بحالة محددة، أو بشخص محدد كعصا موسى، وناقة صالح، وإحياء عيسى للموتى بإذن الله. كل هذه المعجزات مرتبطة بأصحابها من الرسل، إلا معجزة واحدة اختص الله بها أمتنا الإسلامية، فلم يجعلها تخص زمانًا بعينه أو ترتبط بشخص الرسول ثم تنتهي بوفاته، بل جعلها صالحة لكل زمان ومكان حتى قيام الساعة ... ألا وهي القرآن العظيم ... وقد تكفل -سبحانه- بحفظه من التحريف والتبديل لتستمر معجزته في القيام بدورها الخطير في تغيير الأفراد، وبث الروح فيهم، وتوليد القوة الروحية والدافع الذاتي داخلهم باستمرار في أي زمان ومكان ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]. تعرف بنفسك على المعجزة: لعلك أخي القارئ متعجب بأن ما نبحث عنه موجود بيننا ... لعل الأفكار تراودك من بساطة هذا الحل وسهولته وقربه منا .. نعم، لك بعض العذر في ذلك، كيف لا وقد هجرنا هذه المعجزة، وورثنا تعاملاً خاطئًا معها جعلنا نحصرها في أذهاننا داخل نطاق التقديس الشكلي فقط، مما حرمنا الانتفاع بها، لذلك أدعوك - أخي - إلى أن تبحث في القرآن عن الآيات التي تتحدث عن القرآن وتسجلها بقلمك ثم تنظر إليها بعد ذلك، وتُخرج منها مواصفات وقوة تأثير ومجالات عمل هذا الكتاب ...

стр. 23

افعل ذلك بنفسك لتدرك بعضًا من حجم هذه المعجزة، وأنها هي التي نبحث عنها، وهي التي نريدها تمامًا. مظاهر قوة تأثير القرآن: لقد أنزل الله القرآن من السماء ليكون كتاب هداية وشفاء وتقويم وتغيير لكل من يُحسن الإقبال عليه، ويدخل في دائرة تأثير معجزته ... تأمل معي تلك الآية التي تصف لنا صورة من صور تأثير القرآن ومخاطبته للمشاعر وتوليده للقوة الروحية ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. هذا القرآن الذي بين أيدينا له قوة تأثير هائلة لا يمكن للعقل أن يدرك أبعادها أو يحيط بها، ولقد ضرب الله لنا بعض الأمثلة التي تبين ذلك لندرك قيمة المعجزة التي بين أيدينا ... انظر إلى قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد:٣١]. (١) وجواب الشرط محذوف وتقديره: لكان هذا القرآن ... فالآية تخبرنا بأن القرآن قادر - بإذن الله - على أن يُحرك الجبال من مكانها، ويُقطِّع الأرض، ويُكلم الموتى ... فأي قوة هذه التي تستطيع أن تحرك جبلاً من مكانه، أو تقطع الأرض فتجعلها منفصلة عن بعضها، بل وتكلم الموتى فيستجيبون؟! إنها بلا شك قوة لا يمكن للعقل البشري أن يحيط بها أو يدرك أبعادها. فإن كانت تستطيع أن تفعل ذلك كله - بإذن الله - فماذا عساها أن تفعل بي وبك إن دخلنا إلى دائرة تأثيرها؟! لقد بلغ من قوة تأثير القرآن أنه شيَّب شعر رسول الله ﷺ ، فهذا أبو بكر ﵁ يقول لرسول الله ﷺ : يا رسول الله قد شبت, فقال ﷺ : «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت». (٢) هذا القرآن: هذا القرآن جعل قلب الجبير بن مطعم كاد يطير عندما استمع إلى بعض آياته ... ففي البخاري عن محمد بن جبير عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي (٣) .. وفي رواية: فلم بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير (٤). هذا القرآن وقوة تأثيره واستحواذه على المشاعر وسيطرته عليها هو الذي جعل رسولنا ﷺ يردد في قيامه طيلة الليل قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].

стр. 24

قوة تأثير هذه المعجزة الجبارة هي التي جعلت عبَّاد بن بشر يتحمل ألم إصابته بالسهام الثلاثة, التي أطلقها عليه أحد المشركين وهو قائم يصلي ويتلو آيات القرآن، فلم يقطع قراءته إلا خشية تعرض المسلمين للخطر وذلك في غزوة ذات الرقاع .. هذا القرآن استمع إليه نفر من النصارى الذين يبحثون عن الهُدى فماذا حدث لهم؟ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣]. وليس هذا في عالم الإنس فقط، فحين استمع إليه نفر من الجن كان قولهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ... ﴾ [الجن: ١ - ٢]. إنه شيء لا يمكن للعقل للبشري القاصر أن يدرك أبعاده ومدى قوة تأثيره ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. إذن فالقرآن الذي بين أيدينا هو الذي تحتاج إليه الأمة جمعاء، ليكون بمثابة المصدر والمولد للطاقة والقوة الروحية بقدرته الفذة على التأثير في المشاعر. القرآن وحقائقه التي بينها رسول الله ﷺ هو الذي يصلح لكي يكون بداية قوية لنهضة الأمة .. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩]. أخي .. يقول لنا ربنا: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١]. فبماذا نجيبه؟! نعم يا رب يكفينا، يكفينا «سمعنا وأطعنا». ولقد أدرك الإمام المجدد حسن البنا ﵀ هذه الحقيقة تمامًا، وجعلها غاية في حركة هذه الجماعة ... تأمل قوله: أنتم روح جديد يسري في جسد هذه الأمة ليحييها بالقرآن. * * *

стр. 25

الفصل الرابع لماذا القرآن هو سر نهضتنا ؟ - أولاً: القرآن اختيار الله لعباده أجمعين. - ثانيًا: القرآن يجمع بين الرسالة والمعجزة. - ثالثًا: القرآن يخاطب الفكر والعاطفة. - رابعًا: القرآن يولد باستمرار القوة الروحية. - خامسًا: القرآن ميسر للذكر والفهم. - سادسًا: القرآن هو الكلمة السواء التي لا يختلف عليها اثنان. - سابعًا: القرآن عبادة متجددة لا تُمل. - ثامنًا: القرآن وسيلة مجربة. - تاسعًا: القرآن هو وصية الرسول ﷺ بأنه المخرج من الفتن.

стр. 26

لماذا القرآن هو سر نهضتنا؟ تمهيد: عندما نقول - بعون من الله - إن القرآن هو سر نهضة هذه الأمة، وأنه مخرجها الآمن من النفق المظلم الذي تسير فيه، وأنه قادر - بإذن الله- على بث الروح في جسدها، ومعالجة نقاط ضعفها، وإعادة ما سُلب من أمجادها، فإن هذا القول لا يأتي من فراغ، بل تُؤيده شواهد وأسباب كثيرة نذكرها لك -أخي القارئ- لعلها تشحذ الهمم وتقوي العزائم للانطلاق الصحيح نحو هذا الكنز المهجور، وهي على سبيل الإجمال: أولاً: القرآن اختيار الله لعباده أجمعين. ثانيًا: القرآن يجمع بين الرسالة والمعجزة. ثالثًا: القرآن يخاطب الفكر والعاطفة في آن واحد. رابعًا: القرآن لديه القدرة - بإذن الله - على الاستثارة الدائمة للمشاعر والضرب على أوتار القلوب، وتوليد القوة الروحية. خامسًا: القرآن ميسر للذكر والفهم. سادسًا: القرآن هو الكلمة السواء التي لا يختلف عليها اثنان. سابعًا: القرآن عبادة متجددة لا تُمل. ثامنًا: القرآن وسيلة مجربة. تاسعًا: القرآن هو وصية الرسول ﷺ بأنه المخرج من الفتن. ولننتقل بعد هذا الإجمال إلى الحديث عن تلك الأسباب بشيء من التفصيل.

стр. 27

أولاً: القرآن هو اختيار الله لعباده أجمعين الله هو الرب الذي يُربِّي عباده ويتعاهدهم، ويمدهم بما يحتاجون إليه من سائر الإمدادات كالطعام والشراب والهواء والحفظ والرعاية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ - يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٠، ١١]. هذا الرب العظيم يحب عباده جميعًا ويريد لهم الخير والنجاح في الاختبار الذي نزلوا إلى الأرض لتأديته ... يريد لهم جميعًا دخول الجنة ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]. وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد اختص الإنسان لنفسه، وكرمه على سائر خلقه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠]. ولأنه سبحانه هو الذي خلق الإنسان ويعلم عنه أكثر مما يعلم هذا الإنسان عن نفسه ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] , فلقد علم - سبحانه- بحاجة هذا الإنسان إلى دواء يشفيه، ويبصره بطريق الهدى، ويُولد لديه الطاقة والعزيمة للسير في هذا الطريق، فهيأ له دواء فريدًا يصلح له حتى قيام الساعة ... فكان القرآن ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]. والأمر اللافت للانتباه أن هناك العديد من الآيات القرآنية التي تؤكد لنا هذا المعنى وتخبرنا بأن القرآن «تنزيل من رب العالمين». فرب العالمين، المربي للبشر جميعًا هو الذي أنزل لهم القرآن. فالقرآن هو اختيار الله لعباده أجمعين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧]. وفي هذا المعنى يقول سيد قطب ﵀: إن هذه البشرية - وهي من صنع الله -لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ... ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. ولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد الآلة إلى صانعها، ولا أن تذهب بالمريض إلى بارئه، ولا تسلك في أمر نفسها، وفي أمر إنسانيتها وفي أمر سعادتها أو شقوتها، ما تعودت أن تسلكه في أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة ... وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز ... ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه فترده إلى المصنع الذي منه خرج، ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف، الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ - أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ [الملك: ١٣، ١٤] (١). * * *

стр. 28

ثانيًا: القرآن يجمع بين الرسالة والمعجزة: القرآن دون غيره من الكتب السماوية السابقة يجمع بين أمرين عظيمين: الرسالة والمعجزة .. فالرسالة القرآنية شأنها شأن الكتب السابقة تدل الناس على الله، وتهديهم إلى الطريق الموصل إليه، وتبين لهم العقبات والمنعطفات التي قد تقابلهم وكيف يتجاوزونها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. ولقد كانت هذه وظيفة الإنجيل أيضًا ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة:٤٦]. وكذلك التوراة وسائر الكتب ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة:٤٤]. ولكن هل معرفة الطريق وحدها تكفي لسلوك المرء له، أليس هناك عقبات داخل الإنسان تحول بينه وبين السير في طريق الهدى؟ أليس الهوى وسطوته على القلب له دور كبير في تثبيط الإنسان وإقعاده عن السير في طريق الله؟ من هنا تظهر عظمة القرآن وأفضليته على سائر الكتب السابقة، فلقد أودع الله فيه معجزة خارقة، أعظم بكثير من معجزات عيسى وموسى وصالح وسائر الرسل والأنبياء السابقين عليهم أفضل الصلوات والتسليم. إن المعجزة القرآنية الخارقة ليست فقط في بلاغته وخلوده وحفظه من التحريف، وليست فقط في صلاحية القرآن لكل زمان ومكان، بل إنها فوق ذلك بكثير، فسرُّ المعجزة القرآنية يكمن في قدرته الفذة - بإذن الله - على التغيير، وبث الروح والحياة الحقيقية، وتوليد الطاقة فيمن يحسن الإقبال عليه ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]. المعجزة القرآنية تقوم بتوصيل تيار الحياة إلى القلب فيفيق من غفلته، ويحيا بعد موته، وينطلق إلى ربه ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. ولئن كانت الرسالة القرآنية توضح للناس الطريق الموصل إلى الله، فإن المعجزة القرآنية تقوم بأخذ أيديهم إلى هذا الطريق، وتسير بهم، وتقودهم، وتتولى إخراجهم من الظلام الذي يعيشون فيه إلى نور الله المبين في الدنيا، والجنة في الآخرة. وهناك العديد من الآيات التي تبين هاتين الوظيفتين، منها ما جاء في سورة المائدة ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. فهنا توضح الآيات وظيفة القرآن كرسالة هادية، أما وظيفته كمعجزة فتوضحها بقية الآية ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. فالإخراج من الظلام ... من المكان الذي ألفه الإنسان يحتاج إلى قوة دافعة، وطاقة تتولد داخله تُيسِّر له اتخاذ قرار النهوض والخروج مما تعود عليه ... وهذه هي وظيفة المعجزة القرآنية، والتي اختصه الله بها ... قال ﷺ : «مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ, وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ, فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). يعلق الحافظ ابن كثير على هذا الحديث فيقول: معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد .. فإنه ليس ثمَّ حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن, الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله (٢). * * *

стр. 29

ثالثًا: القرآن يخاطب الفكر والعاطفة في آن واحد من عجائب القرآن التي ينفرد بها عن غيره أنه يخاطب الفكر والعاطفة معًا وفي آن واحد، يخاطب العقل فيقنعه بما يريد إقناعه به، وفي نفس الوقت يتسرب هذا الخطاب إلى المشاعر فيستثيرها ويدفعها للتجاوب معه فتتحول القناعة العقلية إلى إيمان قلبي، وهذا لا يمكن حدوثه مع أي خطاب آخر. فأهل الرأي إذا ما أرادوا أن يقنعوا الناس بفكرة ما استخدموا أساليب الإقناع المختلفة، وبالفعل يقتنع العقل، ولكن تظل هذه الفكرة حبيسة فيه، ولا تنتقل إلى القلب لتصبح إيمانًا يدفع للعمل بمقتضاها، والسبب في ذلك أنهم لم يخترقوا القلب بفكرتهم، ولم يؤثروا على المشاعر وهذا أمر بعيد المنال عنهم، فإمكاناتهم وإمكانات البشر جميعًا لا تسمح بذلك. وفي هذا المعنى يقول د. محمد عبد الله دراز ﵀: وفي النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها، فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معًا. فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس؟ لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غُلُوًا في جانب، وقصورًا في جانب ... فالذي يفهمك تتناقص قوة وجدانه، والذي يقع تحت تأثير لذة أو ألم يضعف تفكيره. وهكذا لا تقصد النفس الإنسانية إلى هاتين الغايتين قصدًا واحدًا، وإلا لكانت مقبلة مدبرة معًا. هذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم أي القوتين كان خاضعًا لها حين قال أو كتب: فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية أو وصف طريقة عملية قلت: هذه ثمرة الفكرة. وإذا رأيته يعمد إلى تحريض النفس أو تنفيرها، وقبضها أو بسطها، واستثارة كوامن لذاتها أو ألمها، قلت: هذه ثمرة العاطفة، وإذا رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين إلى الآخر ... عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه .. وأما إن أسلوبًا واحدًا يتجه اتجاهًا واحدًا ويجمع في يديك هذين الطرفين معًا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقًا وأزهارًا وأثمارًا معًا ... فذلك لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية. أما الله رب العالمين فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معًا ﴿الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ - خَلَقَ الإِنْسَانَ - عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. وأن يمزج الحق والجمال معًا يلتقيان، وأن يخرج من بينهما شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهذا ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت. ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟ أوَلا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟ يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها؟

стр. 30

اقرأ مثلاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٨] , وانظر: الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله ﴿أَخِيهِ﴾ وقوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، والامتنان في قوله تعالى: ﴿تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ والتهديد في ختام الآية. ثم انظر في أي شأن يتكلم؟ أليس في فريضة مفصلة وفي مسألة دموية؟ وتتبع هذا المعنى في سائر آيات الأحكام حتى أحكام الإيلاء والظهار. ففي أي كتاب من كتب التشريع تجد مثل هذا الروح؟ بل في أي لسان تجد هذا المزاج العجيب؟ تالله لو أن أحدًا حاول أن يجمع في بيانه بين هذين الطرفين ففرق همه ووزع أجزاء نفسه، لجاء بالأضواء المتنافرة ولخرج بثوب بيانه رقعًا ممزقة (١). ومن نماذج الخطاب المتكامل التي لا يقدر عليه إلا الله والذي يخاطب العقل والوجدان، ويتعرض لقضية غاية في الحساسية دون جرح مشاعر قارئها ذكرًا كان أو أنثى قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٢٣]. * * *

стр. 31

رابعًا: القرآن لديه القدرة - بإذن الله - على الاستثارة الدائمة للمشاعر والضرب على أوتار القلوب وتوليد الطاقة والقوة الروحية أودع الله في القرآن خاصية عجيبة تساعده على تفعيل معجزته، والقيام بدوره الخطير في توليد القوة الروحية الدافعة للعمل بما يدل عليه، هذه الخاصية هي قدرته الفذة - بإذن الله - على الاستثارة الدائمة للمشاعر. ونلحظ هذه الخاصية في لفظه وبيانه. فبالنسبة للفظه وتأليف حروفه وكلماته نجد أن نَظْمه وجرسه - عندما يُقرأ بترتيل صحيح - له وقع مؤثر غاية التأثير على النفس, فله جمال توقيعي يأخذ بمجامع القلوب؛ من توزيع الحركات والسكنات، والمدَّات والغنات، والاتصالات والسكنات، لا يمكن أن تجده في غيره. يقول محمد عبد الله دراز: أول ما يلاقيك ويسترعى انتباهك من أسلوب القرآن الكريم خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره. دع القارئ المجوِّد يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله، ثم انتبذ منه مكانًا قصيًا لا تسمع فيه جرْس حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومدَّاتها وغُنَّاتها، واتصالاتها وسكناتها، ثم الق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية، وقد جُرِّدت تجريدًا أو أرسلت ساذجة في الهواء. فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جُرِّد هذا التجريد، وجوِّد هذا التجويد. ستجد اتساقًا وائتلافًا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر, ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد الأوزان فيها بيتًا بيتًا، وشطرًا شطرًا، فلا يلبث سمعك أن يمجها، وطبعك أن يملها، إذا أعيدت وكررت عليك بتوقيع واحد، بينما أنت من القرآن أبدًا في لحن متنوع متجدد، تنتقل فيه بين أسباب وأوتار وفواصل، على أوضاع مختلفة يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم. بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.

стр. 32

هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن حتى الذين لا يعرفون لغة العرب, فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟ (١). ومع جماله التوقيعي يأتي جماله التنسيقي في رصف حروفه وتأليفها من مجموعات مؤتلفة مختلفة (٢) مما يزيد من قوة تأثيره على المشاعر. بحر لا ساحل له: هذا من ناحية القشرة الخارجية للفظ القرآن، أما ما يخص بيانه ومعانيه وقوة تأثيرها على القلب فلا يمكن لأحد كائنًا من كان أن يدرك أبعادها جميعًا، وإنما هي رشفات نرتشفها من بحر لا ساحل له ... فالبيان القرآني يحمل شتى أنواع الأساليب التي تخاطب العاطفة, وتضرب على أوتار القلوب فتستثيرها وتأخذ بمجامعها وترجها رجًا عنيفًا, فيحدث التفاعل وتتولد الطاقة والقوة الروحية وتقوى العزيمة، وتشتد الإرادة للقيام بما تحمله الآيات من توجيهات ... فتجد القرآن مليئًا بأساليب الترغيب والترهيب، والتشويق، ولفت الانتباه، وضرب الأمثال، والقصة، والتخيير، والاستدراج، والترقيق، والتنفير، والتحذير، والتشجيع، والإشهاد، والاستشهاد، وإثارة مشاعر الغيرة والتنافس .... هذا وغيره تجده بسهولة عند قراءتك لبضع آيات من القرآن، فإذا ما اجتمع في القراءة الترتيل الصحيح حيث التأثر بالنظْم والجرْس، مع التدبر والفهم حيث التأثر بالمعنى .. تولدت القوة الروحية التي ننشدها. فإن أردت مثالاً لتأثير التلاوة الصحيحة في المعنى، وما يحدثه من أثر في القلب، وبعد ذلك البدن في الحركة فاقرأ -إن شئت- قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١:٢]، وكذلك قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]. وقل مثل ذلك على إيحاءات ألفاظ: سارعوا - سابقوا - خروا سجدًا وبكيا، وأثر ذلك على القلب والبدن. * * *

стр. 33

خامسًا: القرآن ميسر للذكر والفهم من المزايا العظيمة للقرآن أنه ميسر للذكر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. ففي أي وقت بالليل أو النهار، وفي أي مكان طاهر يستطيع المرءْ أن يلتقي مع القرآن. كان من الممكن أن تكون قراءة القرآن مقصورة على أزمنة محددة أو أماكن معينة كالمساجد مثلاً، لكن الله جعل تناوله بهذا التيسير لتتاح الفرصة للجميع أن يلتقوا به في الوقت الذي يروق لهم، وهذا - بلا شك - يعطي للقرآن مزية عظيمة في استيعابه لجميع الأفراد باختلاف ظروفهم وأحوالهم. خطاب للعامة وخطاب للخاصة: ومع تيسر القرآن للقراءة في أي وقت وأي مكان فإنه كذلك ميسر للفهم، فخطابه موجه للعامة والخاصة. يقول د. دراز: وهاتان غايتان متباعدتان عند الناس، فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به (العامة) لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب. ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك - إن أردت أن تُعطي كلتا الطائفتين حظها كاملاً من بيانك - أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال. فأما أنَّ جملة واحدة تُلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مُقَدّرة على مقاس عقله، وعلى وفق حاجته, فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم، لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء. ميسر لكل من أراد ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى: من وسائل تيسير القرآن للقراءة أنه كتاب موجز مع أن ما يحتويه من معان عظيمة يحتاج عرضها إلى الكثير من المجلدات الضخمة. تخيل معي - أخي القارئ - أن القرآن يملأ عدة مجلدات ... هل سيقبل عليه الناس؟ هل سيتسنى لهم قراءته من أوله إلى آخره أم سيهابون ذلك ويتكاسلون عن إتمامه؟! هذا الإيجاز المعجز يجمع بين القصد في اللفظ والوفاء بالمعنى، وهذان ضدان لا يمكن أن يجتمعا في أي كلام غير القرآن كما يقول د. دراز: فالذي يعمد إلى ادخار لفظه وعدم الإنفاق منه إلا على حد الضرورة لا ينفك من أن يحيف على المعنى قليلاً أو كثيرًا ... فالحذر يأخذه من الإكثار والإسراف ... يبذل جهده في ضم أطرافه وحذف ما استطاع من أدوات التمهيد والتشويق، ووسائل التقرير والتثبيت، وما إلى ذلك مما تمس إليه حاجة النفس في البيان، حتى يخرجه ثوبًا متقلصًا يقصر عن غايته، أو هيكلاً من العظم لا يكسوه لحم ولا عصب ... ورب حرف ينقص من الكلام يذهب بمائه ورونقة، ويكسف شمس فصاحته. والذي يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى عناصره، وإبراز كل دقائقه لا يجد له بُدًّا من أن يمد في نفسه مدًّا، لأنه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي صدره، ويؤدي عن نفسه رسالتها كاملة، فإذا أعطى نفسه حظه من ذلك لا يلبث أن يباعد ما بين أطراف كلامه، ويبطئ بك في الوصول إلى غايته فتحسُّ بقوة نشاطك وباعثة إقبالك آخذتين في التضاؤل والإضمحلال (١). فإن سرك أن ترى كيف تجتمع هاتان الغايتان على تمامهما بغير فترة ولا انقطاع، فانظر حيث شئت من القرآن الكريم، تجد بيانًا قد قدِّر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحس فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير.

стр. 34

يؤدي إليك من كل معنى صورة نقية وافية: (نقية) لا يشوبها مما هو غريب عنها، (وافية) لا يشذ عنها شيء من عناصرها الأصلية ولواحقها الكمالية ... كل ذلك في أوجز لفظ وأنقاه. ضع يدك حيث شئت من المصحف، وعد ما أحصته كفك من الكلمات عدًا، ثم أحص عدتها من أبلغ كلام تختاره خارجًا عن الدفتين، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك. ثم انظر: كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك؟ فكتاب الله - كما يقول ابن عطية - (لو نُزعت منه لَفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد). بل هو كما وصفه الله ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] (١). القرآن إيجاز كله: القرآن إيجاز كله، سواء مواضع إجماله ومواضع تفصيله، والقرآن يستثمر دائمًا برفق أقل ما يمكن من اللفظ في توليد أكثر ما يمكن من المعاني ... أجل، تلك ظاهرة بارزة فيه كله، يستوي فيها مواضع إجماله التي يسميها الناس مقام الإيجاز، ومواضع تفصيله التي يسمونها مقام الإطناب، ولذلك نسميه إيجاز كله ... فليس فيه كلمة إلا هي مفتاح لفائدة جليلة، وليس فيه حرف إلا جاء لمعنى (٢). * * *

стр. 35

سادسًا: القرآن هو الكلمة السواء التي لا يختلف عليها اثنان من الأمة لا يمكن لعاقل أن يُنكر الخلافات الموجودة بين أبناء الأمة الإسلامية، فمن خلاف بين السنة والشيعة، إلى خلاف بين أبناء السنة أنفسهم. والخلاف بين الناس أمر واقع ما له من دافع, لاختلاف البيئات والأفهام والثقافات ... وهو محمود لو كان اختلاف تنوع بين الطوائف والمذاهب المختلفة حين يسعى الجميع لتكميل بعضهم البعض. وهو محمود لو كان خلافًا في المساحة التي يمكن الخلاف فيها، فالصحابة والسلف اختلفوا فيما بينهم، ولكن لم يختلفوا في الكليات والأصول، بل في الفرعيات. وهو محمود كذلك لو لم يصاحبه تعصب واعتداد بالرأي وتسفيه وانتقاص للمخالفين واحتقار جهودهم أو الحط من شأنهم. ولكن الواقع يقول غير ذلك، فالأمة ليست على قلب رجل واحد، فبعض الخلافات تجاوزت المساحة المسموح بها بكثير. وبعض الخلافات انتقل أصحابها من الناحية الموضوعية إلى الناحية الشخصية، فعمدوا إلى تجريح الأشخاص والهيئات والتشهير بهم ... ومما يدعو للأسف أن الكل يعتقد أنه على صواب، وأن طريقته هي الطريقة المثلى. فما هو الحل لهذا الوضع الذي لا يُرضي الله ، والذي بسببه تتعرض الأمة للخذلان والحرمان ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]. ولقد ذهبت ريحنا بالفعل، وأصبحنا معرَّة الأمم، ومضرب المثل في التخلف والانحطاط. الكلمة السواء: لحل لهذه المشكلة المعقدة لابد أن يكون هناك شيء يجتمع عليه الجميع ... يرضون به حكمًا يحل هذا الخلاف ويصوب للجميع مواقفهم، فما هو هذا الشيء الذي يمكنه أن يجمع حوله أمة تجاوز عددها المليار وثلث المليار؟! لو بحثنا في كل شيء تحت أيدينا فلن نجد إلا شيئًا واحدًا يوافق الجميع على الاحتكام إليه ... ألا وهو القرآن. والعجيب أن الله سماه بالحبل, وكأن قدره ووظيفته أن ينتشل الجميع ويرفعهم ويوحدهم ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]. فحبل الله هو القرآن كما قال ابن مسعود وغيره. ومما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ : «كتاب الله هو حبل الله الممدود بين السماء إلى الأرض» (١). فالقرآن حين يقبل عليه المرء إقبالاً صحيحًا نازلاً به على هواه، وليس نازلاً بهواه إليه، فإنه يزيد الإيمان ويُنقص الهوى في قلبه، وهذا من شأنه أن يُنهي جزءًا كبيرًا في موضوع الخلاف. والقرآن كذلك يوضح ويبين الكثير من الأمور المختلف فيها، ويرسم في الأذهان خريطة الإسلام بنسبها الصحيحة دون تفريط ولا إفراط، فيُعطي كل ذي حق حقه. والقرآن يبني العلاقة الصحيحة مع الله، ومع النفس، ومع الرسل، ومع الملائكة، ومع الصالحين، ومع عالم الغيب وعالم الشهادة، و ...

стр. 36

وحين تنبنى العلاقة الصحيحة بهذه الأمور يزول الكثير من أسباب الخلاف بين أبناء الأمة. فعلى سبيل المثال: عندما يقرأ المرء قوله تعالى مخاطبًا رسوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] , ويجد أن المعنى الذي تحمله الآية يتكرر في عشرات الآيات، ومن ثمَّ يتحول ذلك إلى يقين في عقله، وإيمان في قلبه، فإن هذا يدفعه إلى أن ينظر إلى البشر جميعًا بنفس منظار الآية ... ليس لهم من الأمر شيء مهما كان صلاحهم. هذا المعنى لو استقر في عقولنا وقلوبنا فإنه سيؤدي إلى حسم الكثير والكثير من نقاط الخلاف، وأسباب التشرذم والفرقة الناتجة عن تقديس البشر. * * *

стр. 37

سابعًا: القرآن عبادة متجددة لا تُمل القرآن لا يبلى من كثرة الرد، ففيه الجديد دائمًا لقرائه، ولو نهل البشر جميعًا من نبعه لما انقطع أبدًا عن التدفق، ولما شعر أحدهم بالملل أو التكرار أو عدم وجود جديد، بل العجب أننا سنفاجأ يوم القيامة بأننا ما أخذنا إلا رشفات وقطرات يسيره من نهر القرآن العظيم الفياض بالخير، وصدق من قال بأن القرآن لا يزال بكرًا. وفي هذا المعنى يقول د. محمد عبد الله دراز ﵀: تقرأ القطعة من القرآن فتجد في ألفاظها من الشفوف، والملاسة، والإحكام، والخلو من كل غريب عن الغرض، ما يتسابق به مغزاها إلى نفسك دون كدّ خاطر ولا استعادة حديث, كأنك لا تسمع كلامًا ولغات بل ترى صورًا وحقائق ماثلة. وهكذا يخيل لك أنك قد أحطت به خُبرا ووقفت على معناه محدودًا ... هذا ولو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد، غير الذي سبق إلى فهمك أول مرة. وكذلك حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوهًا عدة، كلها صحيح أو محتمل للصحة، كأنما هي فصّ من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعًا فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها، فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع. ولعلك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك لرأى منها أكثر مما رأيت. وهكذا تجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ كل منه ما يُيسَّر له، بل ترى محيطًا مترامي الأطراف لا تَحدّه عقول الأفراد ولا الأجيال. ثم يضرب الشيخ دراز مثلاً فيقول: اقرأ قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢] , وانظر هل ترى كلامًا أبيين من هذا في عقول الناس. ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة، فإنك لو قلت في معناها: ١ - إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء، أصبت. ٢ - ولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاذ، أصبت. ٣ - ولو قلت: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب، أصبت. ٤ - ولو قلت: أنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله، أصبت. ٥ - ولو قلت: يرزقه رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر وحساب، أصبت. (١) تقرأ فتؤجر: وفوق هذا كله فالقرآن عبادة يُتعبد من خلالها ويُتقرب إلى الله بها، مما يدفع بالمسلم إليه ويحببه دومًا في التعامل معه كباب للأجر والثواب، وقربة إلى الله، وهذا لا يتوافر في أي كتاب آخر. تأمل هذا القول لرسول الله ﷺ وما يمكن أن يثيره من رغبة لقراءة القرآن: «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله، أن يجد ثلاثَ خِلفاتٍ عظامٍ سمانٍ؟ فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خلفاتٍ عظامٍ سمان» (٢). * * *

стр. 38

ثامنًا: القرآن وسيلة ودواء مُجرب ومما يؤهل القرآن ليكون بداية صحيحة لنهضة الأمة، أنه قد جُرِّب من قبل ... استعمله الجيل الأول على حقيقته فصاروا من خلاله - بإذن الله - خير أمة، وتبدل ترتيبهم بين الأمم من الذيل إلى المقدمة في سنوات معدودة. لقد كان حال أمة العرب قبل الإسلام أسوأ بكثير من حالنا الآن، ومع ذلك فقد نفع معهم القرآن وأثر فيهم، وغيَّرهم، وأصلح حالهم، وأعاد صياغتهم من جديد، وهذا - بلا شك - يعطينا الأمل بأن القرآن يصلح معنا - بإذن الله - ويقدر أن يفعل بنا مثل ما فعل بهم. ويكفيك في هذا أن حزنهم الشديد على وفاة محمد ﷺ لم يكن فقط على فراقه، بل كان على انقطاع نزول القرآن، وانفصال الأرض عن السماء، كيف لا وقد ذاقوا حلاوة الإيمان من خلاله، وأدركوا قيمته وقدرته التغييرية الفذة، وأنه كان يرفعهم ويرقيهم في مدارج الإيمان، ويزيدهم معرفة بالله، وارتباطًا به ... تأمل معي هذه الواقعة التي تؤكد هذا المعنى: «قال أبو بكر، ﵁، بعد وفاة رسول الله ﷺ ، لعمر، ﵁: انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها ... فما انتهينا إليها بكت، فقال لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله ﷺ , فقالت: ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكني أبكي أن الوحي انقطع من السماء! فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها». (١) فالنص - كما يقول د. فريد الأنصاري - دال بوضوح على أن ارتباط الصحابة، إنما كان بالقرآن، الذي هو ربط مباشر بالله، ولم يكن بشخص الرسول ﷺ إلا من حيث هو مبلغ عن الله (٢). (ومن ثمّ صح أن نقول: إن القرآن الكريم كان هو الباب المفتوح والمباشر الذي ولجه الصحابة الكرام إلى ملكوت الله، حيث صُنعوا على عين الله ... إنه السبب الوثيق الذي تعلقت به قلوبهم، فأوصلهم إلى مقام التوحيد (الفعلي والحقيقي). (٣) ولقد دأب رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى ترسيخ الارتباط بالقرآن، باعتباره المصدر الأساسي للتربية، والمتتبع لأحاديث الرسول ﷺ يجدها شارحة للقرآن مبينة لما أُجمل فيه، مؤكدة لمعانيه، وهذا ما دفع الشافعي ﵀ لأن يقول بأن السُّنة هي: فهم النبي للقرآن، أو نضح فهمه للقرآن (٤). أولا يكفينا القرآن؟! جاء بعض المسلمين إلى رسول الله ﷺ بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما سمعوه من اليهود. فقال رسول الله ﷺ «كفى بقوم حمقا -أو ضلالة- أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إليهم». فنزلت: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] (٥).

стр. 39

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب ﵁ مر برجل يقرأ كتابًا، فاستمعه ساعة، فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب، فقال: نعم، فاشترى أديمًا فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه، ثم أتى النبي ﷺ فجعل يقرأه عليه، وجعل وجه رسول الله ﷺ يتلون، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب، قال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أما ترى وجه رسول الله ﷺ منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب، فقال النبي ﷺ عند ذلك: «إنما بعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصر لي الحديث اختصارًا، فلا يهلكنكم المتهوكون» (١). وأخرج ابن الضريس عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا، وقد هممنا أن نكتبها فقال: «يا ابن الخطاب أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولكني أعطيت جوامع الكلم، واختُصر لي الحديث اختصارًا» (٢). من هذه النصوص وغيرها يتبين لنا أن رسول الله ﷺ لم يكن يعتمد شيئًا في تربية الصحابة غير القرآن، وسنته المطهرة، باعتبارها شارحة له. ومن هنا توثق ارتباط الناس بالقرآن في العهد النبوي، ارتباطًا عمق صلة القلوب بربها، إلى درجة أن الصحابة، رضوان الله عليهم، كانوا يتتبعون الوحي، تتبع الملهوف، الحريص على الترقي في مدارج المعرفة بالله والسلوك إليه سبحانه (٣). تأمل معي أخي القارئ هذا الخبر الذي يبين كيف كان حال الصحابة مع القرآن، وكيف كانوا يستقبلون توجيهاته وإشاراته: نزل رجل من العرب على عامر بن ربيعة، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ ، فجاء الرجل فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ واديًا ما في العرب أفضل منه، ولقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]. بل انظر إلى مدى تقدير اليهود للقرآن, بل لآية واحدة فيه وهم الذين ينكرونه ويكذبونه ويكذبون رسول الله ﷺ ، فقالوا حسدًا من عند أنفسهم: «نزلت عليكم آية لو نزلت علينا معشر يهود لجعلنا يوم نزولها عيدًا يقصدون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] , لما فيها من فضل وتكريم، فهل شعرنا نحن بهذا التكريم من الله، وقدرناه حق قدره، وقمنا بحقه؟ الجيل الفريد: كان من نتاج ارتباط الصحابة الوثيق بالقرآن، والانصياع التام له، والسماح لمعجزته أن تعمل داخلهم، أن تكونت أمة جديدة وجيلاً فريدًا لم تر البشرية مثله حتى الآن. يقول محمد الغزالي ﵀: الأمة التي نزل عليها القرآن فأعاد صياغتها هي المعجزة التي تشهد للنبي ﵇ بأنه أحسن بناء الأجيال، وأحسن تربية الأمم، وأحسن صياغة جيل قدم الحضارة القرآنية للخلق .. فنحن نرى أن العرب عندما قرأوا القرآن، تحولوا إلى أمة تعرف الشورى وتكره الاستبداد، إلى أمة يسودها العدل الاجتماعي ولا يُعرف فيها نظام الطبقات، إلى أمة تكره التفرقة العنصرية، وتكره أخلاق الكبرياء والترفع على الشعوب.

стр. 40

ووجدنا بدويًا كربعي بن عامر ﵁ يقول لقائد الفرس: جئنا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. إنهم فتح جديد للعالم وحضارة جديدة أنعشت الإنسانية ورفعت مكانتها، لأن الأمة الإسلامية كانت في مستوى القرآن الكريم، والحضارة الإسلامية إنما جاءت ثمرة لبناء القرآن للإنسان (١). من ثمارهم تعرفونهم: لقد أدركت البشرية، وسجَّل التاريخ حجم التغيير الذي حدث للصحابة وذلك من خلال رصد أعمالهم, التي لا يمكن أن تحدث من أُناس عاديين، فهي أعمال فوق طاقة البشر، ومما يدعو للدهشة أن هذه الأعمال لم تكن قاصرة على عدد محدود من الصحابة, بل كانت سمتًا عامًا لهم جميعًا: رجالاً ونساء ... شبابًا وشيبًا. فهذه امرأة تدفع إلى ابنها يوم أحد السيف، فلم يُطق حمله، فماذا فعلت؟! هل فرحت وحمدت الله على السلامة وعادت به إلى دارها؟! لا، لم تفعل ذلك، بل أحضرت نسعة (سير مضفور) فشدت به السيف على ساعد ابنها، ثم أتت به النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا ابني يقاتل عنك، فقال النبي ﷺ : أي بني احمل ههنا، أي بني احمل ههنا، فأصابته جراحة، فصُرع فأُتي به النبي ﷺ ، فقال: أي بني لعلك جزعت؟ قال: لا يا رسول الله. (٢) وعندما أراد النبي ﷺ الخروج إلى تبوك دعا الناس للإنفاق وتجهيز الجيش، فتسابق الصحابة إلى إخراج الكثير والكثير من الأموال وكل ما يحتاجه الجيش، فوجد رجلاً من الأنصار اسمه الحجاب ويكنى أبو عقيل أنه لا يملك شيئًا ينفقه، فماذا يفعل وهو يريد أن يساهم في هذا الجهاد، ويُري الله من نفسه خيرًا؟ فكر وفكر فهداه الله إلى شي عجيب: لقد ذهب وأجَّر نفسه (عمل بالأجرة) عند البعض, وكان العمل هو جر الجرير (الحبل) على ظهره, أما الأُجرة فكانت صاعين من تمر، فترك صاعًا لأهله، وذهب بالآخر لرسول الله ﷺ يقول له: يا رسول الله ما لي من مال غير أني أجرت نفسي من بني فلان، أجُرُ الجرير في عنقي على صاعين من تمر، فتركت صاعًا لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى .. (٣) فكان وأمثاله ممن قال الله فيهم ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة:٧٩]. ولما نزلت ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال أبو الدحداح: يا رسول الله، إن الله يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك، فناوله يده، قال: قد أقرضت ربي حائطي (بستان) - وحائطه فيه ستمائة نخلة - فجاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعيالها، فنادى: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي» (٤). وفي رواية: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة؟ فماذا قالت زوجته؟ هل لامته وعاتبته على فعله؟ هل قالت له: وأين سنذهب، لقد أفقرتنا وأفقرت عيالنا؟!! لا، لم تقل له ذلك، بل قالت: ربح البيع (٥). وإن تعجب فاعجب من هذا الموقف: أخرج ابن سعد في طبقاته عن جعفر بن عبد الله أنه لما كان يوم اليمامة واصطف الناس للقتال كان أول الناس جُرح أبو عقيل الأنيفي، رُمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده فَشَطب في غير مقتل، فأخرج السهم ووهن له شقّه الأيسر لما كان فيه، وهذا أول النهار، وجُرَّ إلى الرّحل، فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجازوا رحالهم وأبو عقيل واهن من جُرحه سمع معن بن عدي يصيح بالأنصار: الله الله والكَرَّة على عدوكم.
следующие страницы →