وحين تنبنى العلاقة الصحيحة بهذه الأمور يزول الكثير من أسباب الخلاف بين أبناء الأمة.
فعلى سبيل المثال: عندما يقرأ المرء قوله تعالى مخاطبًا رسوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] , ويجد أن المعنى الذي تحمله الآية يتكرر في عشرات الآيات، ومن ثمَّ يتحول ذلك إلى يقين في عقله، وإيمان في قلبه، فإن هذا يدفعه إلى أن ينظر إلى البشر جميعًا بنفس منظار الآية ... ليس لهم من الأمر شيء مهما كان صلاحهم.
هذا المعنى لو استقر في عقولنا وقلوبنا فإنه سيؤدي إلى حسم الكثير والكثير من نقاط الخلاف، وأسباب التشرذم والفرقة الناتجة عن تقديس البشر.
* * *
стр. 37
سابعًا: القرآن عبادة متجددة لا تُمل
القرآن لا يبلى من كثرة الرد، ففيه الجديد دائمًا لقرائه، ولو نهل البشر جميعًا من نبعه لما انقطع أبدًا عن التدفق، ولما شعر أحدهم بالملل أو التكرار أو عدم وجود جديد، بل العجب أننا سنفاجأ يوم القيامة بأننا ما أخذنا إلا رشفات وقطرات يسيره من نهر القرآن العظيم الفياض بالخير، وصدق من قال بأن القرآن لا يزال بكرًا.
وفي هذا المعنى يقول د. محمد عبد الله دراز ﵀:
تقرأ القطعة من القرآن فتجد في ألفاظها من الشفوف، والملاسة، والإحكام، والخلو من كل غريب عن الغرض، ما يتسابق به مغزاها إلى نفسك دون كدّ خاطر ولا استعادة حديث, كأنك لا تسمع كلامًا ولغات بل ترى صورًا وحقائق ماثلة.
وهكذا يخيل لك أنك قد أحطت به خُبرا ووقفت على معناه محدودًا ...
هذا ولو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد، غير الذي سبق إلى فهمك أول مرة. وكذلك حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوهًا عدة، كلها صحيح أو محتمل للصحة، كأنما هي فصّ من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعًا فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها، فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع.
ولعلك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك لرأى منها أكثر مما رأيت. وهكذا تجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ كل منه ما يُيسَّر له، بل ترى محيطًا مترامي الأطراف لا تَحدّه عقول الأفراد ولا الأجيال.
ثم يضرب الشيخ دراز مثلاً فيقول:
اقرأ قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢] , وانظر هل ترى كلامًا أبيين من هذا في عقول الناس. ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة، فإنك لو قلت في معناها:
١ - إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء، أصبت.
٢ - ولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاذ، أصبت.
٣ - ولو قلت: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب، أصبت.
٤ - ولو قلت: أنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله، أصبت.
٥ - ولو قلت: يرزقه رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر وحساب، أصبت. (١)
تقرأ فتؤجر:
وفوق هذا كله فالقرآن عبادة يُتعبد من خلالها ويُتقرب إلى الله بها، مما يدفع بالمسلم إليه ويحببه دومًا في التعامل معه كباب للأجر والثواب، وقربة إلى الله، وهذا لا يتوافر في أي كتاب آخر.
تأمل هذا القول لرسول الله ﷺ وما يمكن أن يثيره من رغبة لقراءة القرآن:
«أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله، أن يجد ثلاثَ خِلفاتٍ عظامٍ سمانٍ؟ فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خلفاتٍ عظامٍ سمان» (٢).
* * *
стр. 38
ثامنًا: القرآن وسيلة ودواء مُجرب
ومما يؤهل القرآن ليكون بداية صحيحة لنهضة الأمة، أنه قد جُرِّب من قبل ... استعمله الجيل الأول على حقيقته فصاروا من خلاله - بإذن الله - خير أمة، وتبدل ترتيبهم بين الأمم من الذيل إلى المقدمة في سنوات معدودة.
لقد كان حال أمة العرب قبل الإسلام أسوأ بكثير من حالنا الآن، ومع ذلك فقد نفع معهم القرآن وأثر فيهم، وغيَّرهم، وأصلح حالهم، وأعاد صياغتهم من جديد، وهذا - بلا شك - يعطينا الأمل بأن القرآن يصلح معنا - بإذن الله - ويقدر أن يفعل بنا مثل ما فعل بهم.
ويكفيك في هذا أن حزنهم الشديد على وفاة محمد ﷺ لم يكن فقط على فراقه، بل كان على انقطاع نزول القرآن، وانفصال الأرض عن السماء، كيف لا وقد ذاقوا حلاوة الإيمان من خلاله، وأدركوا قيمته وقدرته التغييرية الفذة، وأنه كان يرفعهم ويرقيهم في مدارج الإيمان، ويزيدهم معرفة بالله،
وارتباطًا به ...
تأمل معي هذه الواقعة التي تؤكد هذا المعنى:
«قال أبو بكر، ﵁، بعد وفاة رسول الله ﷺ ، لعمر، ﵁: انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها ... فما انتهينا إليها بكت، فقال لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله ﷺ , فقالت: ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكني أبكي أن الوحي انقطع من السماء!
فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها». (١)
فالنص - كما يقول د. فريد الأنصاري - دال بوضوح على أن ارتباط الصحابة، إنما كان بالقرآن، الذي هو ربط مباشر بالله، ولم يكن بشخص الرسول ﷺ إلا من حيث هو مبلغ عن الله (٢).
(ومن ثمّ صح أن نقول: إن القرآن الكريم كان هو الباب المفتوح والمباشر الذي ولجه الصحابة الكرام إلى ملكوت الله، حيث صُنعوا على عين الله ... إنه السبب الوثيق الذي تعلقت به قلوبهم، فأوصلهم إلى مقام التوحيد (الفعلي والحقيقي). (٣)
ولقد دأب رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى ترسيخ الارتباط بالقرآن، باعتباره المصدر الأساسي للتربية، والمتتبع لأحاديث الرسول ﷺ يجدها شارحة للقرآن مبينة لما أُجمل فيه، مؤكدة لمعانيه، وهذا ما دفع الشافعي ﵀ لأن يقول بأن السُّنة هي: فهم النبي للقرآن، أو نضح فهمه للقرآن (٤).
أولا يكفينا القرآن؟!
جاء بعض المسلمين إلى رسول الله ﷺ بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما سمعوه من اليهود. فقال رسول الله ﷺ «كفى بقوم حمقا -أو ضلالة- أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إليهم». فنزلت: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] (٥).
стр. 39
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب ﵁ مر برجل يقرأ كتابًا، فاستمعه ساعة، فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب، فقال: نعم، فاشترى أديمًا فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه، ثم أتى النبي ﷺ فجعل يقرأه عليه، وجعل وجه رسول الله ﷺ يتلون، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب، قال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أما ترى وجه رسول الله ﷺ منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب، فقال النبي ﷺ عند ذلك: «إنما بعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصر لي الحديث اختصارًا، فلا يهلكنكم المتهوكون» (١).
وأخرج ابن الضريس عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا، وقد هممنا أن نكتبها فقال: «يا ابن الخطاب أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولكني أعطيت جوامع الكلم، واختُصر لي الحديث اختصارًا» (٢).
من هذه النصوص وغيرها يتبين لنا أن رسول الله ﷺ لم يكن يعتمد شيئًا في تربية الصحابة غير القرآن، وسنته المطهرة، باعتبارها شارحة له.
ومن هنا توثق ارتباط الناس بالقرآن في العهد النبوي، ارتباطًا عمق صلة القلوب بربها، إلى درجة أن الصحابة، رضوان الله عليهم، كانوا يتتبعون الوحي، تتبع الملهوف، الحريص على الترقي في مدارج المعرفة بالله والسلوك إليه سبحانه (٣).
تأمل معي أخي القارئ هذا الخبر الذي يبين كيف كان حال الصحابة مع القرآن، وكيف كانوا يستقبلون توجيهاته وإشاراته:
نزل رجل من العرب على عامر بن ربيعة، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ ، فجاء الرجل فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ واديًا ما في العرب أفضل منه، ولقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].
بل انظر إلى مدى تقدير اليهود للقرآن, بل لآية واحدة فيه وهم الذين ينكرونه ويكذبونه ويكذبون رسول الله ﷺ ، فقالوا حسدًا من عند أنفسهم: «نزلت عليكم آية لو نزلت علينا معشر يهود لجعلنا يوم نزولها عيدًا يقصدون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] , لما فيها من فضل وتكريم، فهل شعرنا نحن بهذا التكريم من الله، وقدرناه حق قدره، وقمنا بحقه؟
الجيل الفريد:
كان من نتاج ارتباط الصحابة الوثيق بالقرآن، والانصياع التام له، والسماح لمعجزته أن تعمل داخلهم، أن تكونت أمة جديدة وجيلاً فريدًا لم تر البشرية مثله حتى الآن.
يقول محمد الغزالي ﵀: الأمة التي نزل عليها القرآن فأعاد صياغتها هي المعجزة التي تشهد للنبي ﵇ بأنه أحسن بناء الأجيال، وأحسن تربية الأمم، وأحسن صياغة جيل قدم الحضارة القرآنية للخلق .. فنحن نرى أن العرب عندما قرأوا القرآن، تحولوا إلى أمة تعرف الشورى وتكره الاستبداد، إلى أمة يسودها العدل الاجتماعي ولا يُعرف فيها نظام الطبقات، إلى أمة تكره التفرقة العنصرية، وتكره أخلاق الكبرياء والترفع على الشعوب.
стр. 40
ووجدنا بدويًا كربعي بن عامر ﵁ يقول لقائد الفرس: جئنا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
إنهم فتح جديد للعالم وحضارة جديدة أنعشت الإنسانية ورفعت مكانتها، لأن الأمة الإسلامية كانت في مستوى القرآن الكريم، والحضارة الإسلامية إنما جاءت ثمرة لبناء القرآن للإنسان (١).
من ثمارهم تعرفونهم:
لقد أدركت البشرية، وسجَّل التاريخ حجم التغيير الذي حدث للصحابة وذلك من خلال رصد أعمالهم, التي لا يمكن أن تحدث من أُناس عاديين، فهي أعمال فوق طاقة البشر، ومما يدعو للدهشة أن هذه الأعمال لم تكن قاصرة على عدد محدود من الصحابة, بل كانت سمتًا عامًا لهم جميعًا: رجالاً ونساء ... شبابًا وشيبًا.
فهذه امرأة تدفع إلى ابنها يوم أحد السيف، فلم يُطق حمله، فماذا فعلت؟!
هل فرحت وحمدت الله على السلامة وعادت به إلى دارها؟!
لا، لم تفعل ذلك، بل أحضرت نسعة (سير مضفور) فشدت به السيف على ساعد ابنها، ثم أتت به النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا ابني يقاتل عنك، فقال النبي ﷺ : أي بني احمل ههنا، أي بني احمل ههنا، فأصابته جراحة، فصُرع فأُتي به النبي ﷺ ، فقال: أي بني لعلك جزعت؟ قال: لا يا رسول الله. (٢)
وعندما أراد النبي ﷺ الخروج إلى تبوك دعا الناس للإنفاق وتجهيز الجيش، فتسابق الصحابة إلى إخراج الكثير والكثير من الأموال وكل ما يحتاجه الجيش، فوجد رجلاً من الأنصار اسمه الحجاب ويكنى أبو عقيل أنه لا يملك شيئًا ينفقه، فماذا يفعل وهو يريد أن يساهم في هذا الجهاد، ويُري الله من نفسه خيرًا؟
فكر وفكر فهداه الله إلى شي عجيب: لقد ذهب وأجَّر نفسه (عمل بالأجرة) عند البعض, وكان العمل هو جر الجرير (الحبل) على ظهره, أما الأُجرة فكانت صاعين من تمر، فترك صاعًا لأهله، وذهب بالآخر لرسول الله ﷺ يقول له: يا رسول الله ما لي من مال غير أني أجرت نفسي من بني فلان، أجُرُ الجرير في عنقي على صاعين من تمر، فتركت صاعًا لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى .. (٣)
فكان وأمثاله ممن قال الله فيهم ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة:٧٩].
ولما نزلت ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال أبو الدحداح: يا رسول الله، إن الله يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك، فناوله يده، قال: قد أقرضت ربي حائطي (بستان) - وحائطه فيه ستمائة نخلة - فجاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعيالها، فنادى: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي» (٤).
وفي رواية: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة؟
فماذا قالت زوجته؟ هل لامته وعاتبته على فعله؟ هل قالت له: وأين سنذهب، لقد أفقرتنا وأفقرت عيالنا؟!!
لا، لم تقل له ذلك، بل قالت: ربح البيع (٥).
وإن تعجب فاعجب من هذا الموقف:
أخرج ابن سعد في طبقاته عن جعفر بن عبد الله أنه لما كان يوم اليمامة واصطف الناس للقتال كان أول الناس جُرح أبو عقيل الأنيفي، رُمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده فَشَطب في غير مقتل، فأخرج السهم ووهن له شقّه الأيسر لما كان فيه، وهذا أول النهار، وجُرَّ إلى الرّحل، فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجازوا رحالهم وأبو عقيل واهن من جُرحه سمع معن بن عدي يصيح بالأنصار: الله الله والكَرَّة على عدوكم.
стр. 41
قال عبد الله بن عمر: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عقيل؟ ما فيك قتال، قال: قد نوّه المنادي باسمي، قال ابن عمر: فقلت: إنما يقول يا للأنصار لا يعني الجرحى، قال أبو عقيل: أنا رجل من الأنصار وأنا أجيبه ولو حبوا.
قال ابن عمر: فتحزّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى مجرّدًا ثم جعل ينادي: يا للأنصار كرَّة كيوم حنين. فاجتمعوا ﵏ جميعًا- يقدمون المسلمين دُرْبة من دون عدوهم, حتى أقحموا عدوهم الحديقة فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم.
قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قُطعت يده المجروحة من المنكب فوقعت الأرض، وبه من الجراح أربعة عشر جُرحًا كلها قد خلصت إلى مقتل، وقتل عدو الله مسيلمة.
قال ابن عمر: فوقعت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقلت: أبا عقيل، فقال لبيك بلسان مُلْتَاث: لمن الدّبْرة؟ قال: قلت أبشر، ورفعت صوتي، قد قُتل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله (١).
. فماذا تقول بعد ذلك؟!
* * *
стр. 42
تاسعًا: القرآن هو المنقذ - بإذن الله-
والمُخرج من الفتن الذي دلنا عليه رسول الله ﷺ
أخبرنا رسول الله ﷺ بأنه ستكون هناك فترات انكسار وهزيمة وفتن ستمر بها الأمة الإسلامية، وأن الأمم الأخرى ستتكالب عليها وتهزمها، وأخبرنا ﷺ بأن السبب وراء ذلك هو حب الدنيا وكراهية الموت، أو بمعنى آخر ضعف الإيمان وسطوة الهوى على القلب.
عن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: وقلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن» فقال قائل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (١).
ولقد أخبرنا ﷺ بأن المخرج من هذه الفتن وهذا الوهن هو القرآن, لأنه سيعالج السبب الذي من أجله ضعفت الأمة وهانت على الله.
عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت عَلَى عليَّ ﵁ فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أوَ قد فعلوها؟ قلت: نعم.
قال أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟
قال: كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى تقول: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١، ٢] من قال به صَدَق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عَدَل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم» (٢)
стр. 43
ولقد أكد رسول الله ﷺ على هذا المعنى في حديثه لحذيفة بن اليمان حين أخبره بالاختلاف والفرقة بعده، فقد قال حذيفة للرسول ﵊ عندما سمع ذلك: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: «تعلم كتاب الله ، واعمل به فهو المخرج من ذلك» قال حذيفة: فأعدت عليه ثلاثًا، فقال ﷺ ثلاثًا: «تَعَلَّم كلام الله واعمل به فهو النجاة» (١)
* * *
стр. 44
الفصل الخامس
كيف يُمكن للقرآن
أن ينهض بالأمة ؟
- هجر القرآن.
- الكتاب الوحيد.
- الحاضر الغائب.
- إعادة الثقة في القرآن.
- التأثر هو الغاية.
- خطوات عملية مقترحة.
стр. 45
كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟
تأكد لدينا أن الأمة بحاجة إلى روح جديدة تُبث في جسدها فتنهض بها وتدفعها للعمل والسعي في مرضاة الله، وتأكد كذلك أن المصدر
الجامع المتفرد لهذه الروح هو القرآن بما يملكه من مواصفات وخصائص لا تتوافر في غيره.
هجر القرآن:
ومع كون القرآن قادر بإذن الله على إصلاحنا، وسد الفجوة القائمة بين العلم والعمل، وبث الروح في جسد الأمة إلا أننا لا نرى هذا الأثر في واقعنا، رغم مما نراه من اهتمام كبير به من خلال المطابع الكثيرة التي تقوم بطباعته، والإذاعات التي تبثه ليل نهار، وحلقات التحفيظ والتعليم المنتشرة في المساجد والمدارس, إلا أن هذا كله لم يصاحبه تعامل مع القرآن على حقيقته، ولم يصاحبه استشعار لخطورة الدور الذي يستطيع أن يقوم به في قيادة الأمة وتوجيه الحياة، فلقد هُجرت معجزته، وابتعد الناس عن دائرة تأثيره ..
وهذا بلا شك لم يكن وليد اليوم، بل هو حصاد موروثات قديمة من التعامل الخاطئ مع القرآن امتدت لعدة قرون سابقة، ابتعد فيها المسلمون شيئًا فشيئًا عنه وعن دوره في التوجيه والتأثير وقيادة الحياة، فحُصر دوره في كونه مصدرًا للتبرك، والأجر والثواب فقط، وأطلق مصطلح «أهل القرآن» على حفاظ حروفه فقط، وأصبح المقصد من تعلم القرآن وتعليمه هو تعلم أحكام تلاوته ومخارج حروفه والاقتصار على ذلك.
الصورة الموروثة عن القرآن:
إن أكبر عقبة تواجه الأمة نحو الانتفاع بالقرآن هي تلك الصورة الموروثة عنه، فكما يقول عمر عبيد حسنة في مقدمة كتاب كيف نتعامل مع القرآن:
إن الصورة التي طُبعت في أذهاننا في مراحل الطفولة للقرآن أنه: لا يُستدعى للحضور إلا في حالات الاحتضار والنزع والوفاة، أو عند زيارة المقابر، أو نلجأ لقراءته عند أصحاب الأمراض المستعصية، وهي قراءات لا تتجاوز الشفاة.
فإذا انتقلنا إلى مراكز ودروس تعليم القرآن الكريم، رأينا أن الطريقة التي يُعلَّم بها يصعب معها استحضار واصطحاب التدبر والتذكر والنظر، إن لم يكن مستحيلاً ..
فالجهد كله ينصب إلى ضوابط الشكل من أحكام التجويد ومخارج الحروف، وكأننا نعيش المنهج التربوي والتعليمي المعكوس ... فالإنسان في الدنيا كلها يقرأ ليتعلم، أما نحن فنتعلم لنقرأ! لأن الهم كله ينصرف إلى حسن الأداء ... وقد لا يجد الإنسان أثناء القراءة فرصة للانصراف إلى التدبر والتأمل، وغاية جهده إتقان الشكل، وقد لا يعيب الناس عليه عدم إدراك المعنى قدر عيبهم عدم إتقان اللفظ.
ونحن هنا لا نهوّن من أهمية ضبط الشكل، وحُسن الإخراج، وسلامة المشافهة، ولكننا ندعو إلى إعادة النظر بالطريقة حتى نصل إلى مرحلة التأمل والتفكر والتدبر التي تترافق مع القراءة (١).
стр. 46
الكتاب الوحيد:
من الأمور البديهية التي لا يختلف عليها اثنان أن الدافع للقراءة هو المعرفة، فالذي يتناول بيده كتابًا أو جريدة ليقرأ فيها, فإن الذي يدفعه لذلك هو المعرفة ... معرفة ما وراء الخبر وما يحتويه من معارف ومعلومات.
وفي المقابل فلا يمكن لعاقل أن يقرأ - أي شيء - بلسانه أو بعينه دون أن يُعمل عقله فيما يقرؤه، أو يفكر في معانيه!!
تخيل لو أن شخصًا يفعل ذلك ... ماذا تقول عنه؟ وكيف يكون تقييمك له؟!
ألا توافقني في أنك ستعتبره إنسانًا غير سوي.
هذا المفهوم البدهي للقراءة قد تعارف عليه الناس في جميع الأزمان والأمصار على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، فالذي يقرأ إنما يقرأ لأنه يريد أن يتعلم شيئًا من خلال هذه القراءة, والذي يطلب من غيره قراءة شيء ما، فإنه يقينًا يريد من وراء هذا المطلب أن يفهم المقصود من الكلام المقروء.
هذه -القاعدة التي لا تحتاج إلى برهان - تنطبق على جميع الكتب والصحف والمجلات الموجودة على ظهر الأرض الآن ... فقط كتاب واحد لا يتم التعامل معه بنفس الكيفية .. كتاب واحد يتعامل معه عدد كبير من الناس بطريقة عجيبة ... إنهم يقرؤونه لمجرد القراءة!! ودون إعمال عقولهم لفهم معانيه ولو بصورة إجمالية، بل ويتنافسون على ذلك ولا يجدون أي غضاضة في نفوسهم من قيامهم بهذا الفعل، ولا يجدون حرجًا في إظهار ذلك أيضًا.
أتدري أخي القارئ ما هو هذا الكتاب؟!
إنه- للأسف الشديد - أعظم كتاب على ظهر الأرض ... الكتاب الوحيد الذي ليس فيه أي خطأ أو ريب أو باطل ... إنه القرآن الكريم.
نعم، أخي القارئ, القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يقرؤه غالبية المسلمين بألفاظه فقط دون أن يفكروا في معاني تلك الألفاظ، ودون أن يُعملوا عقولهم في فهمها، والعجيب أنهم بذلك يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا.
لقد أنزل الله القرآن ليقرأه الناس ويتدبروا معانيه، ويفهموا المراد منه ثم يجتهدوا في العمل به ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
فهل فعل المسلمون ما أمرهم الله به؟!!
للأسف لا، بل فعلوا شيئًا عجيبًا لم تفعله أمة من قبل ... جعلوا عملهم مع القرآن هو القراءة، ولم يجعلوا القراءة وسيلة لفهم المراد من الآيات والعمل بها، وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن مسعود ﵁: «لقد أنزل الله القرآن ليُعمل به، فاتَخَذوا تلاوته عملا»، وقال الفضيل بن عياض: إنما نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملاً.
ولقد أدى انشغال المسلمين بألفاظ القرآن عن معانيه إلى حرمان الأمة من مصدر عزها ومجدها، وكيف لا وهم قد اطفأوا بهذا الفعل مصباحهم الذي ينير لهم الطريق فتخبطوا في الظلمات، وسقطوا في الهاوية، وأصبحوا في ذيل الأمم ... لا قيمة لهم، ولا اعتبار لوجودهم ..
أمة صارت في المؤخرة، بينما لديها ما يعيدها إلى الصدارة والرفعة ... بين يديها مفتاح سعادتها، إلا أنها تُعرض عنه، وتتعامل معه تعاملاً شاذًا لم يحدث مع أي كتاب من صنع البشر ... لم يحدث مع أي صحيفة من الصحف، أو حتى مع قصاصة ورقية شاردة.
أين شرفنا ؟
القرآن هو شرفنا ومصدر عزنا ... هذا هو دوره، وهذا هو قدره، ألم يقل سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠] , قال ابن عباس في هذه الآية: فيه شرفكم (١).
فماذا فعلت الأمة بشرفها؟
للأسف أضاعته وهجرته وفي نفس الوقت تدّعي أنها تهتم به اهتمامًا بالغًا، ولعل أصدق ما ينطبق على حالنا مع القرآن هو أننا اتخذناه مهجورًا.
стр. 47
فإن قلت: كيف يكون اتخاذ شيء ما بهجره؟ فكلمة «اتخذ» توحي بالإيجابية، و «الهجر» كلمة توحي بالسلبية؟
لقد اجتمع الضدان بالفعل مع القرآن، فمن الناحية الشكلية اهتم المسلمون بالقرآن اهتمامًا كبيرًا فالإذاعات تبث آياته ليل نهار، والمصاحف في كل بيت، وآيات القرآن تزين الجدران ..
أما من الناحية الموضوعية، فلقد هجر المسلمون القرآن هجرًا كاملاً ... هجر يشمل رسالته الهادية، ومعجزته التغييرية، وانصب اهتمامهم على شكله ولفظه فقط، والدليل على ذلك الهجر هو الواقع، فكما تذكرنا حجم التغيير الذي حدث للصحابة والذي ظهر في أعمالهم وآثارهم «تعرفهم بسيماهم»، ثم قارنا حالهم بحالنا رأينا أن واقعنا وأعمالنا وما فيها من سلبيات كثيرة تكشف لنا أن القرآن لم يفعل معنا كما فعل معهم!!
فهل المشكلة في القرآن؟
هل توقفت معجزته عن العمل بعد الجيل الأول؟!
حاشاه أن يكون كذلك والله قد تكفل بحفظه من كل جوانبه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
المشكلة إذن فينا نحن، عندما اتخذناه ترانيمًا، وبابًا للأجر والثواب فقط، وتعاملنا معه بحناجرنا دون عقولنا وقلوبنا ... أحسنا التعامل مع لفظه وهجرنا معجزته، فاجتمع فينا الضدان «اتخذنا القرآن وهجرناه»، وهذا ما ينطبق مع شكوى الرسول ﷺ لربه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي
اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠].
هذا الوضع الشاذ الذي أحدثته الأمة مع كتابها ومصدر عزها، وتوارثته أجيالها المتتابعة وكأنهم تواصوا به ... هذا الوضع يحتاج إلى وقفة حاسمة ومراجعة شديدة مع أنفسنا لنغير الطريقة التي نتعامل بها مع القرآن ليعود إلينا شرفنا وعزنا.
يقول محمد الغزالي ﵀: لابد من جعل القرآن يتحول في حياتنا إلى طاقة متحركة ... أما أن يوضع في المتاحف أو المكاتب للبركة، أو أن نفتح المصحف ونقرأ آية أو آيات وينتهي الأمر، هذا لا يجوز. (١)
بل من العجيب أن تعلم أن لفظ يتلو القرآن يتضمن السير وراءه واتباعه، وليس قراءته فقط، ففي اللغة تقول: جاء فلان يتلوه فلان، أي جاء بعده وسار على أثره.
الحاضر الغائب:
إن القرآن أصبح اليوم بين المسلمين حاضرًا وغائبًا .. موجودًا ومفقودًا في نفس الوقت ... فهو حاضر وموجود بلفظه ومصاحفه وقرائه وحفاظه .. غائب ومفقود بروحه ومعجزته وقيادته للحياة.
فلا هو حاضر معنا حضورًا حقيقيًا، ولا هو غائب عنا غيابًا تامًا، وهذه أهم عقبة تواجه الأمة وتمنعها من الانتفاع به انتفاعًا حقيقيًا، لأن الكثيرين لا يرون أن هناك مشكلة مع القرآن وذلك بسبب حضوره بيننا -كما أسلفنا-.
يقول حسن البنا ﵀: لم ينزل القرآن من علياء السماء على قلب محمد ﷺ ليكون تميمة يُحتجب بها، أو أورادًا تُقرأ على المقابر وفي المآتم أو ليُكتب في السطور، ويُحفظ في الصدور، أو ليحمل أوراقًا ويُهمل أخلاقًا، أو ليحفظ كلامًا ويُهجر أحكامًا ... وإنما نزل ليهدي البشرية إلى السعادة والخير ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦،١٥] (٢).
стр. 48
ويقول: (عرف سلفنا الصالح رضوان الله عليهم فضل القرآن وتلاوته، فجعلوه مصدر تشريعهم، ودستور أحكامهم، وربيع قلوبهم، وورد عبادتهم، وفتحوا له قلوبهم وتدبروه بأفئدتهم، وتشربت معانيه السامية أرواحهم، فأثابهم الله في الدنيا سيادة العالم، ولهم في الآخرة عظيم الدرجات، وأهملنا القرآن فوصلنا إلى ما وصلنا إليه من ضعف في الدنيا ورقة في الدين) (١).
إعادة الثقة في القرآن:
إن كان الأمر كذلك فلكي يتم إعادة الثقة مرة أخرى في القرآن من حيث هو المصدر الجامع للتغيير وتوليد الطاقة الروحية, فإن هذا بلا شك يحتاج إلى جهد ضخم وإلى اعتناق المصلحين في الأمة لهذا المشروع، فمع سهولة الحل وبساطته وتيسُّره للجميع؛ إلا أن الموروثات الخاطئة التي توارثتها الأجيال عن القرآن تجعل من الصعب على المرء أن يتجاوزها، وأن تتغير نظرته للقرآن وطريقة تعامله معه، بل إنه من المتوقع أن تجد الكثير من المسلمين غير مقتنع أو متحمس لمبدأ أن القرآن هو الحل، وبأن مجد الإسلام سيعود من جديد على يديه، فهم يظنون أن اهتمامهم بحفظه، وكثرة قراءاته، وانشاء المدارس لتحفيظه، والتعمق قي قراءة تفسيره، وافتتاح الحفلات به، هو أقصى ما ينبغي عليهم فعله معه.
من هنا اشتدت الحاجة لبذل الجهد الضخم لإزالة تلك الموروثات القاصرة، ولتغيير تلك الأساليب السائدة لنشره وخدمته، ولبناء الثقة عند الناس في قيمته الحقيقية.
شرط لابد منه:
وقبل الحديث عن التصورات المقترحة لتفعيل مشروع العودة إلى القرآن والانتفاع بقوة تأثيره الفريدة، والتعامل معه على أنه بداية حقيقية لمشروع النهضة، فإن هناك شرطًا لابد منه لكل من يريد اعتناق وتبني هذا المشروع ألا وهو ضرورة الانتفاع والتأثر به أولاً، وتذوق حلاوة الإيمان من خلاله، وأن يصبح بالفعل مصدرًا متفردًا للقوة الروحية والدافع الذاتي عند من يريد نشره وإيصاله إلى غيره.
لابد لكل من يريد أن يدل الناس عليه أن يبدأ بنفسه أولاً، وأن يشاهد المعجزة القرآنية وهي تعمل داخله، وأن يشرق على قلبه نور القرآن وتظهر علاماته عليه، والتي أخبر عنها رسول الله ﷺ عندما سأله أصحابه عن علامات دخول النور القلب وانشراحه له فقال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» (٢).
لا يُعقل أن ندل الناس على شيء لا نعرفه، ولم نتذوقه، ولم نر أثره، فهذا إن تم فإنه يعرضنا للمقت من الله كما أخبرنا سبحانه بذلك: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣].
ومن شأنه أن يجعل الكلام لا يخرج من القلب، فلا يتعرض للتوفيق الإلهي، ولا يُشعر مستمعه بحرارته فكما قيل: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.
انتبه:
مهما كنت أخي الحبيب .. مهما كنت حافظًا للقرآن، أو عالمًا من العلماء أو داعية أو كاتبًا أو مربيًا ... مهما كان سنك، ومهما كانت مكانتك بين الناس ... لابد لك أولاً من الدخول إلى دائرة تأثير القرآن والانتفاع به ومشاهدة معجزته في نفسك، ورؤية أنواره، وهذا لا يحتاج منك إلى كبير عناء ... فقط أن تستشعر حاجتك إلى القرآن ثم تقبل عليه بشغف باحثًا عن التأثر من خلال تلاوة آياته، وهذا ما أوصي به نفسي وإياك، فعلى قدر ما سنُعطي القرآن من أوقاتنا وعقولنا ومشاعرنا سيعطينا ويعطينا، وعلى قدر ما سنتواضع أمامه، وندخل عليه دخول الملهوف المتشوق لرؤية معجزته، الباحث عن حياة قلبه ستكون النتيجة المبهرة بمشيئة الله ..
أما إذا دخلنا عليه دخول المتردد الذي لا يستشعر احتياجه إليه فسنبتعد كثيرًا عن دائرة معجزته.
стр. 49
ولنعلم جميعًا أن الإمداد على قدر الاستعداد، وأن التفاوت الحقيقي بين الناس ليس بالدرجة الأولى في الإمكانات، بل في الرغبات، فمن لديه رغبة أكيدة في الوصول لشيء ما فإنه - بعون الله - يبلغه ... ويؤكد هذا المعنى ابن الجوزي بقوله: لو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد لرأيت المقصر في تحصيلها في حضيض (١).
فيقينًا لو قويت رغبتنا في الانتفاع بالقرآن، والدخول في دائرة تأثير معجزته ... لو قويت رغبتنا واشتدت حاجتنا للقلب الحي ... للسعادة الحقيقية ... لمعرفة الله ... لجنة الدنيا ... فيقينًا سنصل إلى مقصودنا في وقت قياسي، وكيف لا والله ينتظر منا التفاتة صادقة ليُقبل علينا ... أتراه يمنعنا من جريان معجزة القرآن علينا وهو يحبنا ويريد لنا الخير؟ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
كل ما هو مطلوب منا أن نحرك قدم العزم، ونشمر عن ساعد الجد، وأن نلح على الله في الدعاء بأن يجعلنا من أهل المعجزة القرآنية، ثم نقبل على القرآن باجتهاد وصدق ننتظر الفتح منه سبحانه ... قال ﷺ : « ... ومن يتحر الخير يُعطه» (٢)
أمامك عقبة:
من الأمور التي قد تمنع الواحد منا من استشعار حاجته إلى المعجزة القرآنية أنه قد تعود على تدبر القرآن واستخراجه لمعانٍ عظيمة منه، فهذا من شأنه أن يُشعره بأنه قد أدى حق القرآن، وانتفع به، ومن ثمَّ لا يقع الحديث عن المعجزة القرآنية موقعه الصحيح في نفسه، ولا يتفاعل معها، بل وقد يعتبر أن هذا الكلام موجهًا إلى غيره، لذلك فإن من المهم أن يتأكد لدينا بأن المقصد من التعامل الصحيح مع القرآن ليس التدبر فقط، بل أن يصبح القرآن مصدرًا رئيسًا لتوليد القوة الروحية، وهذا يستلزم حصول التأثر وتجاوب المشاعر مع المعاني التي تفهمها عقولنا، فهذا الذي يزيد الإيمان ويولد الطاقة، ويسير بالقلب قُدمًا نحو التحرر من أسر الهوى، ومن ثمَّ تتم يقظته وحياته الدائمة.
إن العلم وحده لا يكفي ليكون دافعًا للعمل، بل لابد أن يمتزج بالعاطفة، ويؤثر في المشاعر والقرآن يفعل ذلك بكل سهولة ويسر -إذا ما أحسن المرء التعامل معه-، وقراءته بالطريقة التي تخاطب الفكر والعاطفة معًا، والتي دلنا عليها الله عندما أمرنا بتدبره وترتيله.
فمخاطبة الفكر تحتاج إلى إعمال العقل عند قراءة الآيات ... وهذا هو جوهر التدبر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
ومخاطبة العاطفة تحتاج إلى وسائل تستثيرها، فبالإضافة إلى أساليب القرآن المؤثرة، إلا أن هناك أمرًا بالغ الأهمية يقوم بالطرق على المشاعر طرقًا شديدًا ألا وهو الترتيل ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] , وتحسين الصوت بالقراءة «زينوا أصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا» (٣)
فإذا ما قام المرء بقراءة القرآن قراءة هادئة بطيئة مرتلة مع إعمال العقل فيما يقرأ, فسيكون لذلك أبلغ الأثر في مزج الفكر بالعاطفة والوصول لدرجة التأثر والتفاعل مع القراءة، ومن ثمَّ تكون الطاقة والروح الدافعة للعمل ..
стр. 50
خصوصية الترتيل:
ولأن القرآن هو الوحيد في الكتب السماوية الذي يجمع بين الرسالة والمعجزة، فقد ميَّزه الله بأن يُقرأ مرتلاً، فالتوراة والإنجيل لم يؤمر الناس بترتيلهما، وكذلك فإن القرآن كان ينزل على مراحل، ولم ينزل جملة واحدة مثل التوراة، وذلك للقيام بدوره العظيم في إنشاء الإيمان وتثبيته في القلب ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢].
ولقد كانت قراءته ﷺ للقرآن قراءة هادئة بطيئة مترسلة مرتلة، فقد كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح، وكان ﷺ يقف عند المعاني متأملاً ومعتبرًا ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء:١٠٦].
التأثر هو الغاية:
إذن فلتكن غايتنا من قراءة القرآن الوصول لدرجة التأثر، فمهما فهمنا وتدبرنا الآيات دون أن يصاحب ذلك تأثر، فلن يفعل القرآن ما نريده منه، ولن نشعر بمعجزته وهي تعمل داخلنا وتقوم بتوصيل تيار الحياة إلى قلوبنا.
ولقد تمت الإشارة إلى الوسائل المعينة على الوصول إلى درجة التأثر في غير هذه الصفحات (١) وهي باختصار:
أن يكون هدفنا من قراءة القرآن التأثر القلبي وليس التدبر العقلي فقط، وهذا يستدعي منا القراءة اليومية للقرآن، وأن تكون متصلة وبمدة معتبرة، وأن يكون وردنا اليومي زمنًا وليس كمًا محددًا وذلك بأن يكون ساعة أو ساعتين، وأن نقرأه في مكان هادئ قدر المستطاع، وبصوت مسموع وبترتيل، وأن نتباكى عند القراءة لنهيئ مشاعرنا لسرعة الاستثارة، ولا يكن همنا هو سرعة الانتهاء من السورة أو الجزء ...
وعلينا أن نقرأه ببساطة ودون تعمق وتوقف عند كل لفظ فيه، بل نأخذ المعنى الإجمالي الذي تدل عليه الآيات، وأن نمرر ما لا نفهمه، على أن نعود للتفسير في وقت آخر غير وقت التلاوة, حتى لا يحدث برود أو فتور في المشاعر، ومن ثمَّ يصبح من الصعب استثارتها بعد ذلك.
وعندما يحدث التأثر مع آية أو آيات فعلينا بتكرارها مرات ومرات طالما وُجد التجاوب والتأثر, لنستفيد قدر الإمكان من الإيمان الذي يزيد في هذه اللحظات، والطاقة المتولدة الناتجة من هذه الحالة.
هذه الوسائل لو داومنا عليها لدخلنا إلى دائرة تأثير القرآن - بإذن الله - في مدة وجيزة، ولشعرنا بالتغيير، وبروح جديدة تسري داخلنا، ولعدنا إلى مرحلة الانتباه التي كنا عليها عند بداية تديننا، ولوجدنا قلوبنا تتحرك معنا حين نريدها، ولعظم قدر الله في نفوسنا ولصغرت الدنيا في أعيننا و ... كل ذلك وغيره سيحدث بمشيئة الله لو ثابرنا على اتباع هذه الوسائل، وانشغلنا بالقرآن أكثر مما ننشغل بأي شيء آخر خاصة في البداية.
стр. 51
أتأثر ولكن !!
فإن قلت إنني بالفعل أتأثر بالقرآن ولكني لا أشعر بآثار المعجزة ولا بعلامات دخول النور إلى القلب؟!
نعم، يحدث هذا لنا لأن تأثرنا تأثر وقتي ومحدود وغير متواصل، لذلك، ولكي تصل المعجزة القرآنية إلى قلوبنا فتمدها بتيار الحياة لابد وأن يستمر التأثر ويزداد وقته ويطول أمده يومًا بعد يوم، فتنتقل المشاعر تدريجيًا من كفة الهوى إلى كفة الإيمان، وهكذا حتى نصل لمرحلة غلبة الإيمان على الهوى، وتمكن النور من القلب, ومن ثمَّ تظهر علامات ذلك بسهولة ويسر، وهذا يستدعي منا أن نعطي القرآن الكثير من الأوقات خاصة في البداية، وألا نسمح بمرور يوم دون اللقاء معه، وألا نتعجل قطف الثمرة قبل نضجها. ولنتذكر أن هذا هو فعل الصحابة، وأن رسول الله ﷺ لم يسمح لهم بالانشغال بقراءة شيء آخر غير القرآن حتى يصفو النتاج وتطيب الثمار.
وقد كان .. فعندما أعطوا القرآن الكثير من أوقاتهم وانشغلوا بتلاوته، وتعاملوا معه على حقيقته ككتاب هداية، وكمعجزة تحيي القلوب أحسن القرآن وفادتهم ورفعهم إلى السماء فكانوا بحق الجيل القرآني الفريد
التربة مهيأة لاستقبال المشروع:
وبعد أن نتذوق حلاوة الإيمان من خلال القرآن، ونشعر بقيمته، ونرى آثار معجزته في أنفسنا، علينا أن نقوم ببث هذه الروح، والتبشير بهذا المشروع في الأمة، ومما يثلج الصدر أن هناك بالفعل جهود مخلصة يتبناها الكثيرون من أبناء المسلمين المخلصين في خدمة القرآن، فالمراكز القرآنية وحلقات التعليم والحفظ، منتشرة في كل مكان.
كل هذه الوسائل وغيرها تجعل التربة مهيأة أكثر من أي وقت مضى لتفعيل مشروع القرآن، فالوعاء موجود، وحب القرآن يملأ القلوب، كل ما في الأمر هو تحويل الوجهة، والتعامل الصحيح مع هذا الكتاب، وهذا بلا شك سيقَابل في البداية باعتراض من البعض الذين تعودوا على خدمة حروف القرآن وألفاظه فقط، ولكن مع إلحاح المخلصين الذين ذاقوا حلاوة الإيمان نتيجة تعاملهم مع القرآن، وعرفوا قيمته الحقيقية من خلال تأثرهم الدائم به، فسيكون هناك حتمًا من يستجيب لهذه الدعوة، وستبدأ المراكز القرآنية في تبني المشروع، ومن ثمَّ تبدأ الثمار اليانعة في الظهور لتكون أكبر دليل على صحة هذا التوجه.
خطوات عملية مقترحة:
بعد أن نرى المعجزة القرآنية، ونشعر بروحها وعلاماتها من انتباه ويقظة، ومن قلة رغبة في الدنيا، ومن تعلق بالآخرة ... ومع استمرار هذا الشعور معنا، فمن المقترح أن نقوم بهذه الأعمال:
أولاً: أن نقوم بنشر هذا المفهوم الجديد للتعامل مع القرآن لمن حولنا ... للزوجة والأولاد والأهل والمعارف والأصدقاء، وأن نأخذ بأيديهم حتى يصلوا إلى ما وصلنا إليه، ليقوموا هم بعد ذلك بنشره إلى من حولهم.
ثانيًا: ومن الوسائل المهمة كذلك والتي من شأنها أن تُسرع الخطى نحو انتشار روح القرآن في الأمة: اهتمام المربين بهذا الأمر، ووضعه في برامجهم التربوية، وبخاصة أن القرآن تلاوة وحفظًا وتفسيرًا يحتل مساحة معتبرة في هذه البرامج ...
стр. 52
كل ما هو مطلوب هو زيادة الاهتمام به، وأن يكون الهدف الذي يسعى الجميع إليه هو السعي وراء التأثر, مع القراءة اليومية الطويلة ليتم من خلالها توليد القوة الروحية الدافعة للقيام بالواجبات المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار أنه ينبغي على المربين أن يبدأوا بأنفسهم أولاً، فهذا أمر لا يصلح له إلا من عايشه، وعاين المعجزة بنفسه.
ولو قام المربون بذلك، وانتشر مفهوم التعامل الصحيح مع القرآن في المحاضن التربوية فلا تسل عن النتائج المبهرة التي ستحدث، ولا عن الذاتية والإيجابية التي سيثمرها في الأفراد، وسينعكس ذلك على العمل فيزداد النتاج، وتزداد خطوات البناء في مشروع الإصلاح الشامل المتكامل الذي تتبناه الحركة الإسلامية، ويقترب تحقيق الوعد الإلهي ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ - وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٥، ٦]
ولقد كان الإمام حسن البنا ﵀ شديد العناية بالقرآن وبضرورة الانتفاع به كروح ودستور للحياة ... تأمل معي قوله:
فليس المقصود من القرآن: مجرد التلاوة، أو التماس البركة، وهو مبارك حقًا، ولكن بركته الكبرى في تدبره، وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على السواء، ومن لم يفعل ذلك، أو اكتفى بمجرد التلاوة بغير تدبر ولا عمل، فإنه يُخشى أن يحق عليه الوعيد الذي يرويه البخاري عن حذيفة رضي الله: «يا معشر القراء: استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخذتم يمينًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا» (١)، وتحذير رسول الله ﷺ الخطير عندما نزلت عليه خواتيم سورة آل عمران فقال: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتدبرها».
ولقد كان حريصًا ﵀ على أن يدل الناس ويرشدهم للوسائل المعينة على فهم القرآن والتأثر به، وفي ذلك يقول:
واجتهد أن تقرأ القرآن في الصلاة وغيرها على مُكث وتمهل وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتُعطي التلاوة حقها من التجويد والنغمات، من غير تكلف ولا تطريب، أو اشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية أو الصلاة الجهرية، فإن ذلك يُعين على الفهم، ويُثير ما غاص من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبر وخشوع (٢).
ثالثًا: ومن الوسائل المهمة كذلك في تفعيل هذا المشروع: إقامة مراكز قرآنية نموذجية تهتم بتحقيق المعجزة وتخريج نماذج قرآنية تمشي على الأرض، وإليك أخي القارئ المزيد من التفاصيل حول طبيعة ودور هذه المراكز ...
стр. 53
الفصل السادس
تصور مقترح
للمراكز
القرآنية النموذجية
- التوعية وإنشاء الرغبة.
- برنامج إعداد المعلمين.
стр. 54
تصور مقترح للمراكز القرآنية النموذجية
مما لا شك فيه أن أهم عامل يضمن نجاح المراكز القرآنية النموذجية في أداء رسالتها المرتقبة, هو أن يكون القائمون عليها أناسًا عرفوا معنى المعجزة القرآنية، وتذوقوا ثمرتها، وشاهدوا آثارها في أنفسهم حتى يتسنى لهم إقامة تلك المراكز على أسس صحيحة، والحفاظ على هويتها، ووضوح الرؤية الدائم حول الهدف من وجودها، وطبيعة الثمار المتوقعة منها.
ويمكن أن تكون نواة المركز القرآني النموذجي شخص واحد على الأقل, شريطة أن يكون ممن دخل إلى عالم القرآن الحقيقي، ورأى آثار معجزته في نفسه، وأصبح مداومًا على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار بفهم وتأثر، ولديه الإمكانية لتعليم غيره وشحذ همته، وبث روح القرآن في قلبه بإذن الله، وأن يكون وقته يسمح بذلك.
التوعية وإنشاء الرغبة:
أول عمل ينبغي أن يقوم به هذا الشخص -إذا ما أراد تكوين مركز قرآني نموذجي - هو القيام بحملات توعية للناس من حوله وتوجيههم حول طريقة الانتفاع الحقيقي بالقرآن، ولماذا أنزله الله وكيفية الدخول إلى دائرة تأثير معجزته، وكيف يمكن جعله قائدًا موجهًا للحياة، مع الإجابة عن التساؤلات التي يطرحها الناس في هذا المضمار.
ويمكن القيام بهذه المهمة من خلال المحاضرات والندوات والمنتديات .. ومن خلال توفير الكتب والمطويات والمواد السمعية التي تخدم هذا الموضوع، ومن الكتب المفيدة في التوعية وإنشاء الرغبة للانتفاع الحقيقي بالقرآن:
أخلاق حملة القرآن للآجري - فضائل القرآن لأبي عبيد الهروي - التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي - تدبر القرآن للسنيدي - كيف نتعامل مع القرآن لمحمد الغزالي - مقدمة تفسير في ظلال القرآن لسيد قطب - منهج السلف في العناية بالقرآن الكريم لبدر ناصر البدر.
ولقد يسر الله لنا بفضله وكرمه طرح هذا الموضوع في بعض الكتب مثل: العودة إلى القرآن - كيف نغير ما بأنفسنا؟ - الطوفان قادم - كيف ننتفع بالقرآن - الكنز المهجور - القرآن وقيادة الحياة.
ومن خلال حملات التوعية ستظهر-بمشيئة الله - نوعيات تريد أن تكون من أهل القرآن بمفهومه الصحيح.
стр. 55
إعداد المعلمين:
أول خطوة حقيقية ينبغي القيام بها في المركز القرآني النموذجي - بعد التوعية - هو تأهيل الأفراد الذين سيقومون بمهمة التدريس والتوجيه والتحفيظ للطلاب الملتحقين بالمركز، وإلا فكيف يقوم المعلم بدلالة طلابه على شيء لم يعرفه ولم يتذوقه ... ؟!
من هنا تظهر أهمية التأني وعدم الاستعجال في تخريج المعلمين المؤهلين لهذه المهمة العظيمة.
شروط الالتحاق بدورة إعداد معلمي القرآن:
١ - أن تكون لدى المتقدم الرغبة في الانتفاع الحقيقي بالقرآن، وأن يكون مستشعرًا عظيم حاجته إليه.
٢ - أن يكون ماهرًا في قراءة القرآن من حيث النطق السليم وأحكام التلاوة.
٣ - أن يكون حافظًا لقدر مناسب من القرآن.
برنامج إعداد المعلمين:
مدة البرنامج المقترحة: سنتان.
ويشمل البرنامج عدة نقاط من الضروري أن يتم السير بها على التوازي - جنبًا إلى جنب -، وهي:
أولاً: وضوح الرؤية حول القرآن ودوره كرسالة ومعجزة وكيفية الانتفاع به .
وتشمل هذه النقطة العناصر التالية:
١ - التعرف على الهدف الأسمى من نزول القرآن.
٢ - التعرف على جوانب الهداية في القرآن (القرآن كرسالة).
- الجانب الأول: التعرف على الخالق وواجبنا نحوه (من هو الله؟!).
- الجانب الثاني: التعرف على الرسول والرسالة (من هو الرسول؟!).
- الجانب الثالث: التعرف على الإنسان (من أنا؟).
- الجانب الرابع: التعرف على الشيطان (من هو الشيطان؟!).
- الجانب الخامس: قصة الوجود ويوم الحساب.
- الجانب السادس: معرفة السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة.
- الجانب السابع: التعرف على الكون المحيط بنا.
- الجانب الثامن: حقوق العباد بعضهم على بعض.
- الجانب التاسع: فقه الدعوة إلى الله.
- الجانب العاشر: العبرة من قصص السابقين.
٣ - التعرف على القرآن كمعجزة: كيفية التغيير القرآني:
- القرآن وإعادة تشكيل العقل وبناء اليقين الصحيح.
- القرآن والقلب وتعبيده لله.
- القرآن وترويض النفس.
٤ - النموذج القرآني في الجيل الأول:
- الرسول والقرآن.
- تحذير الرسول ﷺ للصحابة من عدم الانتفاع بالقرآن كرسالة ومعجزة.
- صفاء المنبع الذي نهل من الصحابة
- وفاء الله بعهده للصحابة وتمكينهم في الأرض.
- وصايا الصحابة لمن بعدهم.
٥ - تاريخ هجر القرآن.
٦ - حاجتنا إلى القرآن.
٧ - عقبات في طريق العودة إلى القرآن:
- العقبة الأولى: الاهتمام بالشكل فقط.
- العقبة الثانية: ختمتان للقرآن.
- العقبة الثالثة: الخوف من تدبر القرآن.
- العقبة الرابعة: مفهوم التدبر.
- العقبة الخامسة: ضرورة ختم القرآن في مدة محددة.
- العقبة السادسة: أمراض القلوب.
- العقبة السابعة: مفهوم حامل القرآن.
٨ - كيف نعود إلى القرآن؟!
٩ - معينات على الفهم والتأثر.
стр. 56
هذه العناصر يمكن دراستها من خلال كتاب العودة إلى القرآن، مع إضافة كل ما يخدمها من الكتب الأخرى، والتي تم التنويه إلى بعضها في الصفحات السابقة عند الحديث عن التوعية.
ثانيًا: مداومة تلاوة القرآن:
والنقطة الثانية من نقاط برنامج إعداد معلمي القرآن, هي مداومة تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار.
فأهم عامل يؤهل الفرد لكي يكون من أهل القرآن الحقيقيين هو لقاؤه المباشر والطويل مع القرآن بصفة دائمة، وبالطريقة التي طالبنا الله بها (تدبرًا وترتيلاً) وباتباع هدي محمد ﷺ في قراءته.
لابد أن يتعود الفرد في خلال هذه الدورة على كثرة قراءة القرآن حتى يصل لمرحلة عدم الصبر عنه، وأن يصبح وقت لقائه به أحب الأوقات إليه، وهذا لن يتم إلا إذا ذاق حلاوته، ودخل إلى دائرة تأثير معجزته، وشاهد آثارها في ذاته بانشراح في صدره، وشعور بالسلام الداخلي والطمأنينة، وبتولد الطاقة والقوة الروحية التي تدفعه دومًا إلى التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله.
وهذا بلا شك يحتاج إلى دوام متابعة وتعاهد من القائم على الدورة، وأن يتأكد من قيام الأفراد بالأخذ بالوسائل المعينة على الفهم والتأثر.
ولنعلم جميعًا أن محور دورة معلمي القرآن، بل والنجاح في إقامة المركز القرآني النموذجي متوقف - بإذن الله - على النجاح في هذه النقطة، فعلى سبيل المثال: حفظ الآيات (النقطة الرابعة التي ستأتي لاحقًا) , والعمل بما تدل عليه, يتوقف على وجود قوة دافعة تتولد داخل الفرد وتدفعه للعمل بتلقائية، فإن لم توجد تلك القوة تحول الأمر إلى حفظ باللسان فقط.
والمصدر الذي لا بديل عنه لتوليد تلك القوة هو المداومة على قراءة القرآن ليلاً ونهارًا.
ثالثًا: بناء الإيمان من خلال القرآن:
القرآن أفضل وسيلة لبناء الإيمان، وهو خير كتاب يؤسس العقيدة الصحيحة الصافية في النفس والتي تثمر بدورها سلوكًا في واقع الحياة، لذلك فمن الضروري أن تقوم هذه المراكز بتعليم الإيمان وذلك من خلال القرآن, كما كان يقول الصحابة رضوان الله عليهم: «فتعلمنا العلم والإيمان معًا».
فالإيمان ليس شيئًا نظريًا، أو قواعد تُحشى بها العقول، بل هو حقائق تشكل جزءًا من يقين الإنسان، وتتشابك مع مشاعره، فالمعرفة وحدها لا تكفي لإقامة صرح الإيمان وتأسيس قاعدته في القلب، بل لابد من التأثر والانفعال مع هذه المعرفة بصورة مستمرة، وهذا ما يقوم القرآن بفعله بسهولة ويسر.
لقد كان القرآن في السابق ومع الأجيال الأولى هو الوسيلة الأساسية لبناء العقيدة الصحيحة الصافية عند المسلم، ولكن بمرور الوقت، وابتعاد الأجيال اللاحقة عن القيمة الحقيقية للقرآن، وهجر الانتفاع به، تحولت العقيدة إلى كلام نظري تمتلئ به الكتب ما بين قواعد وأصول وشروح وحواش ومختصرات، مما أدى إلى تضخيم الجانب المعرفي دون أن يصاحب ذلك إيمان حي في القلب، فكانت النتيجة ابتعاد الواقع عن الواجب والعمل عن العلم.
وكما ورد في الأثر ... العلم علمان: علم في القلب؛ فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان؛ فذاك حجة الله على ابن آدم.
من هنا اشتدت الحاجة إلى العودة مرة أخرى إلى القرآن, لتعلم الإيمان وبناء العقيدة التي تجمع بين اليقين العقلي والإيمان القلبي، ويظهر أثرها في السلوك العملي بالاستقامة على أمر الله.
ومن الوسائل المعينة على ذلك تتبع معنى من المعاني الإيمانية خلال رحلتنا مع تلاوة القرآن كوسيلة سهلة ومتدرجة لبناء العقيدة الصحيحة ..
стр. 57
فعلى سبيل المثال ندرس في كتب العقيدة: الإيمان بالغيب كموضوع محدد، فلماذا لا نفعل ذلك مع القرآن، ونستقي منه حقيقة هذا المعنى الإيماني ونمزج الفكر بالعاطفة، ونجتهد في تجاوب المشاعر معه ليصبح إيمانًا راسخًا في قلوبنا, فينعكس على تصرفاتنا بمزيد من الاستقامة على أمر الله؟
وحبذا لو أعطينا كل معنى من المعاني الإيمانية التي تشكل أسس العقيدة عند المسلم مساحة كبيرة من الوقت, بأن نخصص له ختمة أو أكثر من ختماتنا، ولا ننتقل إلى غيره حتى نتشبع منه تمامًا.
أما وظيفة دورة معلمي القرآن في ذلك فهي تستعرض المعنى من الناحية النظرية, وطريقة عرض القرآن له، ثم تطبيقات عملية على بعض الآيات يستخرج من خلالها الدارسون ما يدل على المعنى الإيماني، ويطلب منهم أن يركزوا في وردهم اليومي على التجاوب بصفة خاصة مع هذا المعنى، وأن يدوِّنوا الآيات التي أثرت فيهم تأثيرًا كبيرًا ليتم طرحها خلال الوقت المخصص في الدورة والتعليق عليها.
ولكي تحسن استفادتنا أكثر وأكثر بهذه النقطة, علينا أن نربط هذا المعنى الإيماني الذي نعيشه في رحلتنا المباركة مع القرآن بأعمال مصاحبة لها ارتباطًا وثيقًا به، فعندما نبحث في القرآن ونتعرف على الله الوهاب المنعم يمكننا أن نستصحب في هذه الفترة بعض الوسائل لترسيخ التفاعل مع هذا المعنى ككثرة الحمد، وسجود الشكر، وإحصاء النعم ... وهكذا.
ولقد تم شرح هذا النقطة بشيء من التفصيل في كتاب «بناء الإيمان من خلال القرآن» مع عرض عدة نماذج مقترحة يبني بها الفرد إيمانه من خلال القرآن ... وإليك أخي القارئ نموذجًا منها ننقله من الكتاب:
«الإيمان باليوم الآخر»
الإيمان بالله واليوم والآخر له دور كبير في استقامة العبد، فالذي يعلم أن هناك حسابًا على ما يفعله من أخطاء، وأن هناك سجن يُودع فيه المجرمون، فإن هذا من شأنه أن يدفعه لاجتناب الوقوع في المعاصي، فإن زلت قدمه يومًا سارع بالاعتذار والندم وطلب العفو والصفح
إذن فالإيمان باليوم الآخر ركن ركين من أركان الإيمان، لذلك كان ولازال المشركون ومن سار على نهجهم يحاولون التشكيك في قضية البعث والحساب ليستمروا في غيهم وظلمهم ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ - يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:٦،٥].
ولأهمية هذا الموضوع وضرورة الإيمان الراسخ به، فلقد أفرد له القرآن مساحة كبيرة وتناوله من عدة جهات:
تناوله من جهة إثباته بالأدلة العقلية الدامغة.
وتناوله من جهة كشف أسباب تكذيب الناس به.
وتناوله من جهة وصف أحداثه بكثير من التفصيل مع التركيز على مخاطبة المشاعر؛ لتزداد بذلك خشية الله والخوف منه, مما يدفع العبد للاستقامة والمسارعة إلى الخيرات ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ - وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧: ٦١].
ومما لاشك فيه أن حجر الزاوية ونقطة البداية في هذا الموضوع هو إثبات البعث والمعاد, وهذا ما سيفرد له الحديث في الأسطر القادمة بعون الله وفضله.
إثبات المعاد:
أثبت القرآن أن هناك حياة بعد الموت, وأن هناك بعثًا، وحشرًا، وحسابًا، وجنة يتنعم فيها الطائعون، ونارًا يُعاقب فيها العاصون.
ومن هذه الأدلة:
١ - إثبات صحة القرآن وصحة نسبه إلى الله ومن ثمَّ تثبت صحة كل ما أخبر به من غيبيات وأحداث مستقبلية.
٢ - قياس الغيبي على المشهود:
стр. 58
فلقد دعا القرآن الناس إلى قياس الغيب على ما يشاهدونه، ومن ذلك إحياء الأرض البور.
فنحن نشاهد الأرض البور الجرداء والتي لا أثر للزرع فيها، نجدها وقد أصبحت مخضرة بالزرع بعد نزول المطر عليها ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩].
- وكذلك الاستدلال على إمكانية ومعقولية البعث بخلق الإنسان من العدم ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨،٧٩].
- والاستدلال بالنوم - كموتة صغرى- على الموتة الكبرى، وبالاستيقاظ على البعث ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢].
٣ - إثبات القدرة المطلقة لله :
ولقد أفاض القرآن في إثبات القدرة المطلقة لله ، ومن ثمَّ تصبح إعادته للحياة بعد الموت شيئًا يسيرًا عليه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِّنْهُ تُوقِدُونَ - أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ - إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٠ - ٨٣].
٤ - حدوث آيات تشبه البعث، أخبر عنها القرآن وأثبتها التاريخ:
ومن ذلك قصة أهل الكهف الذين ظلوا نائمين ثلاثمائة عام ثم بعثهم الله، وقد تغير كل ما حولهم، بينما بقيت أجسادهم كما هي لتشهد على قدرة الله سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١].
٥ - الوعد الحق:
أخبرنا القرآن في مواضع كثيرة بوعود وعدها الله في الماضي وحدثت بالفعل، وأخبر كذلك بوعده سبحانه بيوم الحساب ومجازاة المحسنين بالجنة، والمسيئين بالنار .. فإن كان كل ما وعد به قد تحقق في وقته وكما وعد، فمن المؤكد أيضًا أن وعده بالجزاء سيتحقق ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة:١١١].
فعلى سبيل المثال: أوحى الله إلى أم موسى أن تلقي موسى ﵇ في اليم، ووعدها بأنه سيرده إليها ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧].
وأوفى الله بوعده ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣].
ووعد بنصر الروم على الفرس فانتصروا، ووعد رسوله ﷺ بالعودة إلى مكة مرة أخرى بعد أن أخرجه منها قومه، فوفى بوعده، ووعد سبحانه بحفظ القرآن من التحريف فوفى بوعده، ووعد سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن بالبعث ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٩٧] , وسيوفي الله بوعده.
стр. 59
ووعد المؤمنين بالنعيم في الجنة ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
ووعد الكافرين بالنار ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٧٢]. وسيوفي بوعده سبحانه.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤].
ولعلك تلحظ - أخي القارئ- أن الأفعال بصيغة الماضي لتأكيد وقوعها.
٦ - النظام الحق العادل:
أفاض القرآن في الحديث عن النظام الذي يحكم السماوات والأرض، وبيَّن أنه نظام حق عادل يجري وفق سنن وقوانين ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٢].
هذا النظام الحق الذي ينظم حركة الحياة والموجودات .. من الطبيعي أن يطبق على البشر كذلك باعتبار أنهم جزء من هذا الكون، ولكن الواقع يخبرنا بأن هناك بعض البشر يظلم والبعض يُظلم، وكلهم في النهاية يموتون ... البعض يرتكب أخطاء فاحشة ولا تتم معاقبته، وهذا بالطبع ينافي النظام الحق العادل الذي قامت عليه السماوات والأرض إلا إذا كان هناك ملحق آخر للحياة يتم فيه مجازاة الظالمين، والانتصار للمظلومين، ومحاسبة المخطئين.
أعمال يُفضل القيام بها وبمثلها لتثبيت هذه العقيدة في النفس:
١ - لكي تصبح عقيدة الجزاء راسخة في يقين العبد وتشكل جزءًا أصيلاً من إيمانه, لابد من تكرار عرضها على العقل ليتفكر دومًا فيها، فترسخ في يقينه، وأن يتكرر كذلك عرضها على المشاعر لتستحوذ على جزء معتبر منها فتنشئ إيمانًا .. وهذا ما يفعله القرآن بكثرة عرضه لمسألة البعث والجزاء، ومخاطبته للعقل، وإقناعه بها، وإلهابه للمشاعر من خلال عرضه المتكرر لأهوال يوم القيامة.
من هنا كان من الضروري أن نستفيد من القرآن في البناء الصحيح لعقيدة الجزاء، ولا نكتفي بما عندنا من تصور عقلي محدود، بل لابد أن تصبح هذه العقيدة راسخة في عقولنا وقلوبنا، لتُثمر تقوى واستقامة على أمر الله، وهذا يستدعي منا التركيز على المحاور الستة السابقة وغيرها مما أثبت به القرآن البعث والجزاء, وذلك من خلال رحلتنا المباركة مع القرآن وحبذا لو أفردنا ختمة أو أكثر لهذا الموضوع المهم، مع الاجتهاد في تجاوب المشاعر قدر الإمكان مع الحقائق التي تظهرها الآيات.
٢ - تخصيص وقت للتفكر في آيات الله المبثوثة في الكون والاستدلال من خلالها على قدرة الله المطلقة، وعلى أن هناك نظام عادل ودقيق يحكم حركة الأشياء والمخلوقات، وأنه من اللازم أن يُطبق هذا النظام على البشر وهذا يستدعي وجود ملحق للحياة بعد الموت ... تأمل معي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠، ١٩١] فهؤلاء الصالحون قد قادهم التفكير في ملكوت السماوات والأرض إلى الوصول إلى حقيقة ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾، وأن هناك حسابًا ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
стр. 60
٣ - الالتزام بدعاء الاستفتاح عند قيام الليل والذي كان رسول الله ﷺ يقوله إذا قام الليل يتهجد: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيّوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك مُلك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت مَلك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق ... » (١).
رابعًا: ومن النقاط الأساسية في برنامج دورة إعداد المعلمين:
مدارسة وحفظ الأجزاء الثلاثة الأخيرة:
حفظ آيات القرآن وسوره له دور كبير في تيسير الانتفاع بالقرآن، وكيف لا والحافظ يمكن أن يتلو القرآن في أي مكان لا يتيسر فيه وجود المصحف، وكذلك يقوم به في الصلاة.
ومع هذه الأهمية فإن حفظ الآيات لابد أن يكون بالطريقة التي كان يفعلها الصحابة, فهم يمثلون الجيل القرآني الذي تربى على يد رسول الله ﷺ ، ومن ثمَّ فهم النموذج الصحيح الذي ينبغي أن يُحتذى به.
يقول أبو عبد الرحمن السُّلمي التابعي والذي تتلمذ على يد كبار الصحابة:
إنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيهن من العمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعًا، وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز هذا، وأشار إلى حنكه (٢).
وفي رواية أخرى يقول أبو عبد الرحمن: «حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا» (٣).
وغير ذلك من الأخبار الكثيرة التي وصلت إلينا, والتي تؤكد عدم حرص الصحابة على كمِّ الحفظ الذي يحفظونه بقدر حرصهم على فهم الآيات وتطبيق ما فيها من عمل تدل عليه، ويكفي أن عمر بن الخطاب ﵁ ظل يحفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة, أما ابنه عبد الله فحفظها في ثماني سنوات (٤) ...
علينا إذن أن نتبنى هذه الطريقة، وألا يكون همنا من الحفظ عدد الأجزاء التي سنحفظها، بل ما تحمله الآيات من معان إيمانية، وحقائق عقدية، وأحكام شرعية، وواجبات عملية، وهذا - بلا شك - سيثمر حفظًا قد يكون قليلاً، ولكن سيكون معه خير كثير ونفع عظيم، فمع الإيمان الذي سيزيد دومًا من خلال القرآن، ومع الطاقة والقوة الروحية المتولدة من القراءة اليومية، سيصبح من السهل علينا تعلم الآيات وتطبيق ما فيها من عمل.
ويُقترح لدورة إعداد المعلمين حفظ ومدارسة الأجزاء الثلاثة الأخيرة من القرآن مع التركيز على هذه الجوانب:
١ - تعلم النطق السليم للآيات، وأحكام الترتيل.
٢ - الحقائق الإيمانية التي تدل عليها الآيات.
٣ - معنى ما أُشكل فهمه منها.
٤ - معايشة الأجواء التي نزلت فيها ومعرفة سبب النزول.
٥ - معرفة الأحكام الشرعية التي تتضمنها.
٦ - استخلاص واجبات عملية تدل عليها، وحبذا لو كانت الواجبات قليلة حتى يتسنى القيام بها والتعود عليها، مع التأكيد بأننا ينبغي ألا ننتقل إلى آيات أخرى حتى نطبق تلك الواجبات, ولو استغرق ذلك بضعة أيام أو أسبوع.
стр. 61
ومما يجدر الإشارة إليه أن معرفة غريب القرآن، وسبب نزول الآيات، والأحكام التي تدل عليها موجود -بفضل الله - في الكثير من كتب التفاسير حيث يمكن للقائمين على الدورة اعتماد بعضها في مجال الحفظ.
يبقى تعلُّم الحقائق الإيمانية التي تدل عليها الآيات - وهو أهم جانب - ... هذه الحقائق تدور أغلبها حول جوانب الهداية في القرآن وهي:
١ - التعرف على الله ، والتعرف كذلك على واجبات العبودية نحوه سبحانه.
٢ - التعرف على الرسول ﷺ والرسالة.
٣ - التعرف على الإنسان (عقله - قلبه - نفسه).
٤ - التعرف على الدنيا وكيف أنها دار امتحان، والتعرف على يوم الحساب والجنة والنار (قصة الوجود).
٥ - التعرف على الشيطان وأساليب خداعه ووسوسته للإنسان.
٦ - التعرف على السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة.
٧ - التعرف على الكون المحيط بنا (عبوديته - علاقته بالبشر .... ).
٨ - التعرف على حقوق العباد بعضهم على بعض.
٩ - التعرف على فقه الدعوة، ولماذا لا يتبع الناس الحق ..
١٠ - التعرف على قصص السابقين وأخذ العبرة منها.
على أن يكون تناول هذه الجوانب تناولاً يمزج الفكر بالعاطفة من خلال عرض الحقيقة الإيمانية, ومزجها بوسائل التأثير المختلفة كالقصة والمثل والموعظة.
نموذج لاستخراج الجوانب الإيمانية من الآيات، وكذلك الواجبات العملية ..
سورة الليل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿واللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى - وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى - إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى - فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى - وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى - إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى - وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى - فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى - وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لأحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى - إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.
هذه السورة تركز بشكل كبير على التعرف على الله ، وأنه يملك كل شيء في هذا الكون ويقوم عليه بنفسه ... يدير حركة الحياة فيه، ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ..
وتركز كذلك على السنة الاجتماعية والقاعدة العريضة التي نصَّها: «البداية من العبد» ...
والسنن الاجتماعية تشبه المعادلات الرياضية أي أنها نتائج تترتب على بدايات ... كمثال قوله تعالى: ﴿إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩].
كذلك تركز السورة وتحث على الإنفاق وصنائع المعروف دون انتظار المقابل، ولكن ابتغاء وجه الله.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى - وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾
من هو الله؟!: الخالق المبدع الذي خلق الذكر والأنثى بهذا الإتقان والجمال والحكمة، خلق في الذكر ما يُعينه على ممارسة مهامه في الحياة، وفي الأنثى ما يؤهلها للقيام بدورها كزوجة وأم.
الكون المحيط: كون مطيع لربه .. ففي كل يوم يغشى الليل الكون بظلمته .. لم يعترض يومًا أو يتأخر، وفي كل يوم يتجلى النهار بنوره وضيائه على الأرض.
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾
من هو الإنسان؟: الناس يتفاوتون في أعمالهم واتجاهاتهم، فمن عامل للدنيا، ومن عامل للآخرة.
стр. 62
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
من هو الإنسان؟!: لديه قابلية للعطاء والتقوى والتصديق بالمعاد ... التقوى هي اللجام الذي يلجم به نفسه، وهي الدافع الذي يدفعه للإنفاق.
السنن الاجتماعية: هنا سنة مكتملة: فالعطاء والتقوى والتصديق أسباب ومقدمات لتيسير الأمور، وأنه سبحانه ينتظر من عباده قيامهم بهذه الأشياء لييسر لهم أمورهم، فهو الحي القيوم سريع الحساب.
﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
من هو الإنسان؟!: الإنسان عندما يترك نفسه بدون تزكية، فإن لديه القابلية للبخل والاستغناء عن الله والتكذيب بالمعاد.
السنن الاجتماعية: هذا الإنسان بأفعاله ينطبق عليه قوانين المنع والتعسير، والله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ... فالإنسان هو الإنسان, يمكنه أن يعيش في سعادة وتيسير إذا ما ألجم نفسه بالتقوى وأنفق من ماله، ويمكنه أن يعيش في ضنك وتعسير إذا ما أطلق الزمام لنفسه وسار وراء هواها وظن أن بمقدوره الاستغناء عن الله.
من هو الله؟: هو مدبر الأمور، بيده مقاليد كل شيء، وبيده تيسير الأمور -أي أمور- إن شاء جعل الحَزن (المكان المرتفع)، سهلاً منبسطًا هينًا.
وتيسير العسير لديه يسير، وهو العدل يجازي بالإحسان إحسانًا، ويزيد عليه منة وغفرانًا وتيسيرًا وإكرامًا.
وكذلك بيده أن يعاقب البخلاء فيُعسِّر أمورهم ويضيق عليهم، حتى يعودوا إليه ويطرقوا بابه ... وهو سبحانه إذ يبين لنا حال الفريقين ينبهنا – رحمة بنا وحبًا لنا – إلى ما فيه الخير والصلاح لنا ... فالآيات تحمل لنا رسالة تقول: أنفقوا وتصدقوا – من رزقي ومالي – أُيسِّر لكم أموركم وأسهلها لكم وأوسع عليكم، ولا تبخلوا فأعاقبكم بالتضييق والتعسير، فالبداية منكم.
- من المناسب هنا أن يتم عرض نماذج قصصية للتيسير الإلهي للمنفق، وكذلك التعسير للبخيل: كقصة الرجل الذي سمع صوتًا في سحابة يأمرها بالإمطار على أرض فلان، وتتحرك السحابة إلى مكان ما وتمطر فيه .. وكان ذلك بسبب دوام وكثرة إنفاق صاحب الأرض.
- وكذلك ضرب نماذج لإنفاق الرسول ﷺ والصحابة وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ...
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾
من هو الإنسان؟: ضعيف، مسكين، قليل الحيلة، ضيق الأفق، فهو يظن أن أمواله تنفعه، أو تصرف عنه الأذى والهم، فتراه يهلك نفسه في جمع المال وكنزه، بينما يكتشف الحقيقة المرة يوم القيامة وأنها لا تغني عنه شيئًا إذا ما وقع في النار وتردى فيها، فهيهات أن ينجيه ماله ..
ونموذج طغيان المال يتمثل في صاحب الجنتين، وقارون، فهل نفعهما المال؟!
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾
من هو الله؟!: الله سبحانه هو الهادي، هو الذي يبين لعباده – بفضله وكرمه – طريق الخير والهدى الذي يوصل إلى جنته ورضوانه.
والآية تؤكد وتجزم بأن الهداية من عند الله وحده، ومع ذلك فلابد أن نوقن بأن الله يهدي مَن عنده رغبة في الهداية، ويريدها ويبحث عنها (البداية من العبد).
أما من لا يريدها ولا يبحث عنها فما أبعد الهداية عنه ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾.
- وحبذا لو تم عرض قصة فرعون والسحرة؛ فقد رأوا جميعًا الآيات وانقلاب العصا إلى حية عظيمة، فكانت النتيجة إيمان السحرة، وكفر فرعون، فالسحرة رأوا آية تدل على الله، فرغبوا في الله فهداهم، وفرعون رأى آية تدل على الله فخاف على ملكه وسلطانه واستغنى عن الله، فتركه الله لضلاله وكفره.
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآَخِرَةَ وَالأُولَى﴾
стр. 63
من هو الله؟: هو مالك الملك، يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء ... نعم، لا ينزعه من أحد ظلمًا – حاشاه – فالبداية دومًا تكون من العبد ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣].
يملك سبحانه الدنيا، ويملك الآخرة ... يدبر الأمر، وبيده مقاليد الأمور.
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾
من هو الله؟!: يحب عباده ويشفق عليهم من أن يدخلوا النار، لذلك فهو يحذرهم منها، ويهول لهم شأنها فهي «تلظى» , وهذا يدل على استمرارية استعارها والتهابها ... كل ذلك ليجتنبوا كل ما يوقعهم فيها.
﴿َلا يَصْلاَهَا إِلاَّ الأشْقَى﴾
من هو الإنسان؟!: قد يصل في شقاقه وعصيانه لله ورسوله إلى درجة الشقاء – نسأل الله العافية-.
من هو الله؟!: الله الودود الذي يطمئن عباده بأن النار لن تكون إلا للأشقياء المكذبين.
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾
من هو الإنسان؟: كما أنه قد يكون- بأفعاله شقيًا أو أشقى- فقد يكون تقيًا أو أتقى (أي شديد التقوى) , وهنا تعطيه الآية الأمان من النار (سيجنبها) , ثم تعرف الآية بأهم سمة للأتقى بأنه الذي يسعى دومًا في تزكية نفسه من خلال دوام إنفاقه، فالأفعال في الآية بصيغة المضارع (يؤتي – يتزكى) وهي تدل على استمرارية الإنفاق لحاجة النفس دومًا إلى التزكية.
وفي الآية دلالة واضحة على أن ثمرة التقوى الحقيقية هي دوام الإنفاق، ودلالة كذلك على أن من أهم وسائل تزكية النفس دوام الإنفاق.
- من المناسب أن يُذكر هنا حديث مثل المنفق والمتصدق وجُبَّتا الحديد (القصة).
السنن الاجتماعية: في الآيات الأربع السابقة تتحقق السنة الاجتماعية (البداية من العبد):
- نارًا تلظى .. من يصلاها؟ الأشقى الذي كذب وتولى.
- سيجنبها؟ الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى.
قصة الوجود: الدنيا مكان للاختبار والامتحان، والآخرة دار للجزاء، وأن النجاح في مادة العطاء (المال) يتحقق بإنفاقه في أوجه الخير، والرسوب في هذه المادة يتحقق بالبخل وعدم الإنفاق.
وكذلك من كذب وتولى عن الله وعن الإنفاق فالنار مصيره.
ومن يتقى الله ويزكي نفسه ويداوم على الإنفاق فسيجنبه الله دخول النار ويكرمه بالجنة فضلاً منه وكرمًا ﴿وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى - إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.
واجبات العبودية: من حق الله على عباده أن تكون أعمالهم ابتغاء وجهه الأعلى، فعليهم أن ينفقوا أموالهم ولا ينتظروا أي مقابل ممن يعطونهم، بل يكون هدفهم أن يراهم الله وهم ينفقون فيرضى عنهم.
من هو الله؟: الكريم المعطي الذي يُرضي عباده ... فالذي ينفق من ماله ابتغاء رضاه سبحانه عنه، فهذا لا يرضيه المال، فلو جازاه الله بزيادة أمواله لأنفقها أيضًا ... هذا العبد الصالح سيرضيه الله بما يرضيه ... سيرضيه بالسعادة والطمأنينة والرضى عن الله ومعرفته والأنس به في الدنيا، والقرب في الآخرة.
دروس مستفادة:
١ - الإنفاق في سبيل الله وسيلة أكيدة لتيسير الأمور وفتح المغاليق وتفريج الكروب.
٢ - الإنفاق وسيلة عظيمة لتزكية النفس.
٣ - البخل والشح سبب لضيق الصدر والمعيشة الضنك وتعسير الأمور.
٤ - البداية دومًا تكون من العبد في تحصيل الهداية أو السعادة أو الشقاء في الدنيا، والجنة والنار في الآخرة.
واجبات عملية:
стр. 64
١ - التعود على الإنفاق بصفة مستمرة، وحبذا لو كانت الصدقة يومية، وكلما بكرنا بها كانت الفائدة أعم وأوسع, فما من يوم ينشق فجره إلا وملكان يناديان يُسمعان جميع الخلائق إلا الثقلين ويقول أحدهما: «اللهم أعط منفقًا خلفًا» ويقول الآخر: «اللهم أعط ممسكًا تلفًا».
وحبذا لو خصصنا صندوقًا للصدقة نضع فيه ما نتصدق به كل يوم، ثم نعطي ما فيه للمحتاجين كل عدة أيام.
٢ - الإنفاق قبل أي أمر نريد إنجازه وتَيَسّره مثل: إنهاء معاملة رسمية - إصلاح بين الناس - قبل الاختبارات ...
٣ - الإنفاق أيضًا عند الوقوع في أي ذنب أو تقصير، لأن الذنب يوقع العبد في دائرة الغضب الإلهي ويجعله عرضة للعقوبة، أما الصدقة فهي تطفئ غضب الرب وبالتالي تتوقف العقوبة «صدقة السَّر تطفئ غضب الرب» كما ورد في الحديث (١).
كلمة أخيرة: عاش الصحابة مع سورة الليل وتعلموا منها أهمية الإنفاق فكان من سماتهم الأساسية كثرة الإنفاق بلا حساب ... إنفاق من لا يخشى الفقر (٢).
مسابقات واختبارات:
ومما يساعد على ترسيخ هذه الطريقة والتعود عليها أن نربط التشجيع والجوائز لمن يتفوق في استخراج ما في الآيات من معان إيمانية، وأعمال سلوكية، بجوار الحفظ.
فعلى سبيل المثال:
لو أجرينا مسابقة حول سورة النبأ فيمكن تضمينها الآتي:
١ - تناولت السورة إثبات حقيقة حدوث البعث واليوم الآخر بأدلة عقلية منظورة ... اذكرها.
٢ - تناولت السورة مظاهر عديدة للقدرة المطلقة لله ... ما هي؟!
٣ - تناولت السورة مظاهر كثيرة تبين مدى حب الله لعباده ... اذكر خمسًا منها.
٤ - اذكر معاني الكلمات الآتية: المعصرات - مرصادًا - دهاقًا - ثجاجًا.
٥ - أشارت السورة إلى حقيقة إيمانية عظيمة وهي أن الدنيا دار امتحان ... اذكر الآيات التي تدل على ذلك، مع التعليق عليها.
٦ - أكمل حتى نهاية السورة: إن للمتقين مفازًا .....
٧ - اذكر بعضًا من الأعمال التي يمكننا أن نقوم بها من خلال دراستك للسورة.
التقييم:
خلال مدة الدورة وما سيتم فيها من معايشة لأفرادها، والتعامل معهم في النقاط الأربع: (وضوح الرؤية حول القرآن - المداومة والإكثار من تلاوة القرآن - بناء الإيمان من خلال القرآن - مدارسة وحفظ الأجزاء الثلاثة الأخيرة)، ومع الاختبارات والتقويم المستمر لهذه النقاط ستظهر بوضوح مستويات الأفراد ومدى تفاعلهم مع القرآن، والتغيير الذي سيطرأ عليهم، والذي سيظهر بوضوح في التعامل مع الدنيا (تجاف)، والآخرة (إنابة)، والموت (استعداد).
وسيظهر كذلك التفاعل والتغيير من خلال الأسئلة التي يطرحونها، والخواطر الإيمانية التي تسيطر عليهم، ويتحدثون بها.
وبعد نهاية مدة الدورة من المتوقع أن نجد أمامنا هذه الأصناف:
الصنف الأول: أفراد تأثروا وانتفعوا بالقرآن، إلا أنه لم يهيمن عليهم هيمنة تامة ولم يصلوا لمرحلة مداومة تلاوته وعدم إمكانية الصبر عن تلاوته بفهم وتأثر، ومن ثمَّ لم يُحدث تغييرات جوهرية فيهم.
هؤلاء من الصعب أن يقوموا بمهمة التدريس للأفراد الجدد. ويكفي ما وصلوا إليه من حبهم للقرآن.
الصنف الثاني: أفراد تأثروا وانفعلوا وهيمن عليهم القرآن هيمنة صحيحة، وأحدث فيهم التغيير المطلوب، لكن ليست لديهم الإمكانية لنقل المعلومة، والتدريس، والتأثير في الناس.
هؤلاء يمكن الاستفادة بهم في الأعمال الإدارية الخاصة بالمراكز القرآنية.
الصنف الثالث: مثل الصنف الثاني، ولكن لديهم الإمكانية لتعليم الآخرين.
هؤلاء يتم تقسيمهم لقسمين حسب المستوى:
стр. 65
قسم منهم (الأكفأ والأكثر تأثرًا وتغيُّرًا) يقوم بمهمة إعداد المدرسين الجدد، والإشراف الكامل على دورة جديدة لإعداد المعلمين.
والقسم الآخر يتولى الإشراف والتدريس على الحلقات القرآنية .
الحلقات القرآنية:
يقوم بالإشراف عليها وإدارتها أحد الذين تخرجوا من دورة إعداد المعلمين وتمت إجازتهم لإدارة حلقة قرآنية.
مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الحلقة ينبغي ألا تكتفي بالتحفيظ فقط، بل هي نموذج مصغر لدورة إعداد المعلمين.
فيتم فيها توضيح الرؤيا حول طبيعة القرآن كرسالة ومعجزة وكيفية الانتفاع به بصورة مبسطة.
ويتم فيها متابعة القراءة اليومية للقرآن بفهم وتأثر.
ويتم فيها طرح المواضيع الإيمانية ليتم بناء الإيمان من خلال القرآن - كما أسلفنا - ويتم فيها كذلك مدارسة آيات القرآن وحفظها بطريقة «الإيمان قبل القرآن» والتي تمت الإشارة إليها سابقًا.
وحبذا لو كانت البداية من الجزء الثلاثين. (١)
صغار السن والقرآن:
بالنسبة للصغار فالتجارب تقول بأنهم يمكنهم أن يدركوا المعنى العام للآيات بصورة مبسطة, وذلك من سن الخامسة أو السادسة، مثلما لديهم المقدرة على التعلم في المدرسة والحضانة، وكذلك فهم الأفلام الكرتونية وغيرها.
نعم، علينا أن نخاطبهم على قدر عقولهم ومستوى فهمهم، فإدراكهم محدود، ولكن مع هذا الإدراك المحدود فإن فطرتهم السليمة تؤهلهم لقبول الحقائق الإيمانية بسهولة ويسر، فلنستفد من ذلك في غرس المعاني التي نريدها ليتعلموا الإيمان قبل القرآن، وعلينا ألاّ نسرف في كم الحفظ الذي يأخذونه، فيكفي بضع آيات كل عدة أيام تُشرح لهم بطريقة مبسطة، وتُعرِّفهم بربهم وبنبيهم، وبأنفسهم، وبعدوهم، وبدنياهم، وآخرتهم ... ، وليأخذوا منها الجانب العملي البسيط ثم يُتابعوا بعد ذلك في أدائه.
وشيئًا فشيئًا، وبتكرار المعاني في الآيات، سيزداد كم الحفظ المصاحب للمعنى ليتخرجوا بعد ذلك حفاظًا للقرآن كله أو بعضه، حاملين له حملاً حقيقيًا.
معنى ذلك أننا إذا ما بدأنا مع الأولاد من سن الخامسة أو السادسة في الجزء الثلاثين فقد نستمر معهم فيه سنتين أو أكثر، نُعلِّمهم فيه الإيمان، ونربطهم بالله ، فإذا ما حفظوا الآيات رسخت المعاني داخلهم أكثر وأكثر فيزداد إيمانهم، ويعظم قدر الله في نفوسهم.
ولقد كانت هذه الطريقة السائدة في عهد النبي ﷺ يقول جندب بن عبد الله: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاير فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا (٢)، وهذا ما جعلهم يمكثون مدة طويلة في حفظ السورة كما قال ابن تيمية.
ومن المناسب استخدام أساليب التشويق والإثارة في تعليمهم الإيمان ليزداد حبهم لله ولكتابه مثل: القصة - ضرب الأمثال - الأناشيد - التشجيع - المسابقات - الرحلات - المواد الإعلامية خاصة المرئية.
وحبذا لو تم اختيار المدرسين - الذين اجتازوا الدورة - ممن لديهم الإمكانات والمواهب التي تؤهلهم للتعامل مع هذا السن دون تذمر أو تضجر.
* * *
стр. 66
الفصل السابع
تساؤلات وردود
- قراءتين للقرآن.
- أيهما أفضل؟
- الحد الأقصى لختم القرآن.
- المقصود بـ (اقرأ وارق).
- الشيطان والقرآن.
- الذي يتعتع له أجران.
- التعمق في التدبر.
- التلقي المباشر من القرآن.
- المحافظة على الحفظ.
- تأثر غير العرب بالقرآن.
- الذنوب وأمراض القلوب.
- لا أجد أثرًا!!
- مكانة السنة.
стр. 67
تساؤلات وردود
تمهيد:
وإتمامًا للفائدة، فقد تم إلحاق هذا الفصل بالكتاب والذي يحوي ردودًا على بعض التساؤلات, التي من المتوقع أن تقفز إلى أذهان البعض حول طريقة التعامل مع القرآن, وكيفية تحويل الوجهة نحو الانتفاع الحقيقي به، خاصة أن تاريخ هجر القرآن كرسالة هادية ومعجزة تغييرية يمتد إلى عدة قرون سابقة، ومن ثمّ فليس من السهل على النفس الانتقال مما ألفته وتعودت عليه من القراءة السريعة, أو العابرة إلى القراءة الهادئة المترسلة المتباكية التي تراعي الفهم والتأثر.
وقبل أن نبدأ في سرد تلك التساؤلات والإجابة عنها، نجد أنه من الضروري التذكير بأمر هام وهو أننا في هذه الصفحات نتحدث عن القرآن كنقطة بداية لمشروع نهضة الأمة جمعاء، وكيفية سد الفجوة بين العلم والعمل من خلاله، وإيقاد شعلة الإيمان في القلب، والوصول لحالة الانتباه واليقظة، وتوليد الدافع الذاتي والطاقة الروحية باستمرار.
وهذا بلا شك لا يمكن حدوثه من خلال الطريقة التي نتعامل بها حاليًا مع القرآن والتي تهتم بالشكل فقط.
السؤال الأول
قراءتان للقرآن
- سمعنا وقرأنا أن بعض السلف كان يخصص ختمتين للقرآن ... ختمة للقراءة السريعة من أجل تحصيل الأجر والثواب، وختمة للتدبر فلماذا لا نفعل ذلك فنجمع بين الأمرين سويًا؟!
الجواب:
هذا السؤال من أكثر الأسئلة شيوعًا، والإجابة عليه تتضمن عدة نقاط.
أولاً: نحن هنا نتحدث عن الانطلاقة الحقيقية لمشروع نهضة الأمة, الذي يتمثل في كيفية الاستفادة من القرآن كمصدر دائم ومتفرد لتوليد القوة الروحية في كيان المسلم، ومن البديهي أن الذي يقرأ قراءة سريعة بغية تحصيل أكبر قدر من الحسنات فقط لن يتم له الفهم أو التأثر، ومن ثمَّ لا يتحقق له الانتفاع الحقيقي بالقرآن.
ثانيًا: نحن نحتاج إلى المعجزة القرآنية وقدرتها على التأثير في مشاعر الإنسان وقلبه، وتوليد القوة الروحية فيه، وكل ذلك يستدعي استمرارية تعرُّض القلب للقرآن، أي تكرار القراءة اليومية، فإذا ما جعلنا ختمة التدبر مفتوحة الزمن، لا نلتزم بها كل يوم فإننا بذلك نكون قد فقدنا أهم مزية للقرآن، ومن ثمَّ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصبح القرآن هو المخرج مما نحن فيه، وكيف لا وقد ابتعد المرء عن الاستفادة من دوره الخطير في التغيير.
ثالثًا: إن كان الماء هو مادة الغيث الذي يسقي الأرض فيحييها بعد موتها، وينبت فيها الزرع، فإن القرآن هو مادة الغيث الذي يسقي القلب بأسباب حياته، فينبت فيه الإيمان، كما ورد في الدعاء: «اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا» وربيع: أي غيث.
فإن لم تتعرض الأرض للماء باستمرار فإنها لن تُنبت شيئًا، وكذلك القلب إن لم يتعرض للقرآن باستمرار فلن ينبت فيه الإيمان الحي اليقظ، ولن تظهر ثماره المرجوة.
رابعًا: إن فعلنا - كما يقول السائل -هذا فمن المتوقع أن نكون الختمة السريعة هي الغالبة علينا لأنها لا تكلفنا شيئًا، ولأنها تشعرنا بالرضا عن النفس وتحقيق الذات وذلك كلما انتهينا من قراءة سورة أو جزء من القرآن .. أما ختمة التدبر فهي تحتاج إلى إعداد ذهني وقلبي وقراءة هادئة مترسلة و ..... ، وهذا بلاشك لا يُريح النفس وستحاول التهرب منه، والتسويف في القيام به باعتبار أن هناك بابًا آخر للقراءة السريعة المريحة مفتوح أمامها.
أما إذا أغلق هذا الباب فلن تجد النفس مناصًا من القراءة الهادئة التي تبحث عن الفهم والتأثر.
стр. 68
خامسًا: لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن صحابته الكرام أنهم كانوا يخصصون ختمة للتدبر وختمة للقراءة السريعة، بل هي ختمة واحدة تبحث عن الفهم والتأثر .. ومعلوم أن رسول الله ﷺ قدوتنا، وفعل الصحابة هو النموذج الصحيح الذي أقره رسول الله ﷺ .
قيل للسيدة عائشة ﵂: إن أناسًا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا، فقالت: قرؤوا ولم يقرؤوا، كان رسول الله ﷺ يقوم ليلة التمام فيقرأ سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله تعالى ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ. (١)
وسأل رجل زيد بن ثابت: كيف ترى قراءة القرآن في سبع؟ فقال زيد: حسن، ولئن اقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إليَّ لكي أتدبره وأقف عليه (٢).
وعن ابن جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة وإني اقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدَّبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ كما تقول (٣).
السؤال الثاني
أيهما أفضل ؟!
- من الملاحظ أن الكثير من المسلمين عندما يدخل عليه شهر رمضان تراه وقد شمر عن ساعديه محاولاً تحصيل أكبر قدر من الحسنات من خلال أدائه لعبادات كثيرة، ويأتي على رأسها قراءة القرآن، فتجده وقد حدد لنفسه هدفًا بأن يختم القرآن عدة مرات خلال هذا الشهر دون الاهتمام بفهم ما يقرأ فضلاً عن التأثر به ... فهل الأفضل له أن يفعل ذلك، أم أن القراءة الهادئة المتأنية التي تبحث عن الفهم والتدبر والتأثر دون النظر لعدد الختمات هي الأفضل؟!
الجواب:
يجيب عن هذا التساؤل الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد فيقول ﵀:
وقد اختلف الناس في الأفضل: الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة، أيهما أفضل ... على قولين:
فذهب ابن مسعود وابن عباس ﵄ وغيرهما إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها. واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمه وتدبره والفقه فيه والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: نزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملاً، ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم.
وقالوا: ولأن الإيمان أفضل الأعمال، وفهم القرآن وتدبره هو الذي يُثمر الإيمان، وأمامجرد التلاوة من غير فهم ولا تدبر، فيفعلها البرُّ والفاجر، والمؤمن والمنافق، كما قال النبي ﷺ : «ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر» [رواه البخاري].
والناس في هذا أربع طبقات, الأولى: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس. والثانية: من عَدِم القرآن والإيمان. والثالثة: من أُوتي قرآنا، ولم يُؤت إيمانًا. والرابعة: من أُوتي إيمانًا ولم يؤت قرآنًا.
قالوا: فكما أن من أُوتي إيمانًا بلا قرآن أفضل ممن أُوتي قرآنًا بلا إيمان، فكذلك من أُوتي تدبرا، وفهمًا في التلاوة أفضل ممن أُوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر. وهذا هدي النبي ﷺ ، فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح.
стр. 69
وقال أصحاب الشافعي ﵀: كثرة القراءة أفضل، واحتجوا بحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» [رواه الترمذي].
قالوا ولأن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة (١)، وذكروا آثارًا عن كثير من السلف في كثرة القراءة.
والصواب في المسألة أن يُقال: إن ثواب الترتيل والتدبر أجلّ وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا، فالأول: كمن تصدق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدًا قيمته نفيسة جدًا، والثاني: كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددًا من العبيد قيمتهم رخيصة، وفي صحيح البخاري عن قتادة قال: سألت أنسًا عن قراءة النبي ﷺ ، فقال: كان يمد مدًا.
وقال شعبة: حدثنا أبو جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلاً ولابد، فاقرأ قراءة تُسمع أذنيك ويعيها القلب.
وقال ابن مسعود: لا تَهُذُّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكنُّ هم أحدكم آخر السورة ....
انتهى كلامه ﵀، ولعلك أخي القارئ قد أدركت الفرق بين الطريقتين.
أين الثمرة؟
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد جربنا القراءة السريعة، وكان هم الواحد منا الانتهاء من ختم القرآن، بل وكان بعضنا يتنافس في عدد المرات التي يختمه فيها خاصة في رمضان، فأي استفادة حقيقية استفدناها من ذلك؟ وماذا غيّر فينا القرآن؟!
إن القرآن باللسان فقط دون مشاركة العقل بالفهم، والقلب بالتأثر، كالنخالة كبيرة الحجم قليلة الفائدة.
يقول علي ابن أبي طالب ﵁: لا خير في قراءة ليس فيها تدبر.
وقال الحسن البصري: كيف يرق قلبك وإنما همك آخر السورة؟!
ويؤكد على هذا المعنى الآجري في كتابه «أخلاق حملة القرآن» فيقول:
والقليل من الدرس للقرآن مع التفكر فيه وتدبره أحب إلي من قراءة
الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة، وقول أئمة المسلمين.
ولقد سئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة قراءتهما واحدة وركوعهما, وجلوسهما ... أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء:١٠٦] (٢).
стр. 70
الحافز القوي:
إن كان الهدف من قراءة القرآن هو تحصيل الحسنات فقط لبحثنا عن أعمال أخرى أكثر ثوابًا منه, ولا يستغرق أداؤها وقتًا طويلاً كالتسبيح مثلاً (١). ولكن أمر القرآن غير ذلك, فلقد أنزله الله ليكون وسيلة للهداية والتغيير, وما الأجر والثواب المترتب على قراءته إلا حافز يشحذ همة المسلم لكي يقبل على القرآن, فينتفع من خلال هذا الإقبال بالإيمان المتولد من الفهم والتأثر، فينصلح حاله ويقترب من ربه.
ومثال ذلك: الأب الذي يُحفِّز ابنه على مذاكرة دروسه من خلال رصد الجوائز له ...
يقينًا إن هدفه من خلال رصده لهذه الجوائز هو انتفاع ابنه بالمذاكرة، وليس مقصده مجرد جلوسه أمام الكتاب دون مذاكرة حقيقية.
ولله المثل الأعلى، فلأنه سبحانه يحب عباده ويريد لهم الخير أنزل إليهم هذا الكتاب الذي يجمع بين الرسالة والمعجزة ... ولكي يستمر تعاملهم معه ومن ثمَّ يستمر انتفاعهم بما يُحدثه هذا الكتاب من تغيير في داخلهم يدفعهم لسلوك طريق الهدى, كانت الحوافز الكثيرة التي تُرغّبهم وتحببهم في دوام الإقبال عليه، ومنها أن لهم بكل حرف يقرؤونه عشر حسنات.
أيهما أحب إلى الله؟!
ولنسأل أنفسنا هذا السؤال: أيهما أحب إلى الله: أن نقرأ القرآن كثيرًا، بألسنتنا فقط دون تفهم لخطابه، ولا تجاوب معه، أم القراءة الهادئة المرتلة التي يفهم من خلالها القارئ مراد الله من خطابه ويتأثر به.
أليس الأحب إلى الله هي الصورة الثانية، ومن ثمَّ يكون الأجر والثواب مصاحبًا لها أكثر وأكثر من الصورة الأولى؟!
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن القراءة الهادئة المرتلة بفهم وتأثر تزيد الإيمان، وتولد الطاقة والقوة الدافعة للقيام بالأعمال الصالحة، فيترتب على القيام بهذه الأعمال الأجر والثواب الكبير، وهذا لا يحدث مع القراءة السريعة ... قراءة الحنجرة فقط.
رمضان والقرآن:
فإن قلت: لنجعل القراءة الهادئة المتأنية التي تراعي الفهم والتأثر في غير رمضان، أما خلال هذا الشهر فينبغي أن ننتهز فرصة مضاعفة ثواب الأعمال فيه فنقرأ أكبر قدر ممكن من القرآن ...
نعم، رمضان فرصة عظيمة للانطلاقة القوية، وذوق حلاوة الإيمان من خلال القرآن.
نعم، رمضان يصلح كنقطة بداية لمن يشكو عدم وجود همة ورغبة في التعامل مع القرآن بتدبر وتأثر ..
أما أن يكون التعامل مع القرآن في رمضان بطريقة تبحث عن الأجر فقط، ومن ثمَّ لا تراعي الهدف الذي نرجوه فهذا معناه أن نظل في أماكننا ندور في حلقة مفرغة حول أنفسنا، فقراءة القرآن بفهم وتأثر ينبغي أن تصاحبنا طيلة العام، بل إن الحاجة إليها تشتد أكثر وأكثر في شهر رمضان باعتبار أنه فرصة جيدة ومناخ مناسب لإحياء القلب بالإيمان، ولنعلم جميعًا أننا لو ختمنا القرآن في رمضان ختمة واحدة ... بتفهم وتأثر فإن أثرها، والثواب المترتب عليها سيكون- بمشيئة الله- أفضل من عشرات الختمات بدون فهم وتأثر.
يقول ابن القيم:
لو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فقراءة آية بتفكر خير من ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن ... (٢)
السؤال الثالث
الحد الأقصى لختم القرآن
- بلغنا أنه ينبغي للمسلم أن يختم القرآن على الأكثر مرة كل شهر أو كل أربعين يومًا، ولو تأخر عن ذلك لأصبح هاجرًا للقرآن.
стр. 71
فإن فعلنا ذلك فقد يدفعنا هذا الأمر إلى سرعة قراءة القرآن للانتهاء من ختمة في المدة المحددة، ومن ثمَّ فلن نردد الآية التي تؤثر فينا، ولن نتوقف عند المعاني العظيمة التي يولدها التدبر والتأثر ... فكيف نوفِّق بين الأمرين؟
الجواب:
من الضروري - إن أردنا الانتفاع بالقرآن - أن ننشغل بتلاوته، وألا يمر يوم لا نقرأه فيه مهما كانت الظروف، بل إننا نطمع أن نصل لمرحلة تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وألا نستطيع الصبر عنه، وألا نشبع منه كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم.
ومع هذا الانشغال فلا ينبغي علينا أن نشغل أذهاننا بمدة ختمه، فلا يوجد دليل صريح يبين الحد الأقصى لختم القرآن.
فإن قلت: ولكنه ﷺ لما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص: في كم يقرأ القرآن؟ قال: «في أربعين يومًا» (١).
يقول محمد أبو شهبة ﵀ في رده على هذه المسألة:
وليس في الحديث ما يدل على كراهة الختم في أكثر من أربعين، والعبارة ليست حاصرة حتى يكون ما عداها ليس من سنته (٢).
ومما يؤكد ذلك هو فعل الصحابة رضوان الله عليهم.
أخرج ابن أبي داود عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرءون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك (٣).
وليس معنى هذا هو التراخي في ختم القرآن، بل إننا نطمع في أن يكون الغالب علينا ختمة في سبع أو عشر كما كان حال الكثير من الصحابة، ولكن دون وجود سيف على رقابنا يدفعنا لسرعة القراءة من أجل الانتهاء في الوقت المحدد.
أخي القارئ:
هب أنك قد تأثرت تأثرًا شديدًا بآية من الآيات، وعشت معها، وأردت أن تكررها مرات ومرات كي تستفيد من الإيمان الذي يزداد في هذه الفترة ... ماذا تفعل حينئذ وأنت تشعر أنك مطالب بالانتهاء من كم محدد من القرآن .. أليس من المتوقع أن تترك ترديد الآية وتكرارها من أجل الانتهاء من السورة أو الجزء؟
إنك إن فعلت ذلك تكون قد فوّت على نفسك فرصة عظيمة لزيادة الإيمان وتنوير القلب، وطرد الهوى، ومن ثمَّ التغيير والاستقامة على أمر الله.
تأمل معي هذا الخبر الذي يحدثنا عن حال أحد الصحابة وهو تميم الداري ﵁ مع القرآن وكيف كان يفعل مع الآية التي تؤثر فيه.
عن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، يركع ويسجد ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] (٤).
السؤال الرابع
ما المقصود بـ «اقرأ وارق» ؟
- قال رسول الله ﷺ : «يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتِّل، كما كنت تُرتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها» (٥).
هل المقصد بذلك القارئ من المصحف، أم الحافظ الذي يقرأ عن ظهر قلب؟!!
الجواب:
стр. 72
أولاً: حفظ ألفاظ القرآن لا يدل على ما في القلب من إيمان، والدليل على ذلك أن هناك الآلاف من حفاظ القرآن، ممن حفظوه إجباريًا في المدارس أو الجامعات أو الكتاتيب، تجد أن سلوكهم يبتعد كثيرًا عما يرضي الله ... فهل هؤلاء الذين يجهلون على الناس، ويرتكبون ما يغضب الله، ويتركون بعض أوامره .. هل سيقال للواحد منهم اقرأ وارق ورتل ... ؟!!
إن هذا الفهم يتنافى مع أصول التفاضل بين الناس التي أخبرنا الله عنها أنها مرتبطة بالإيمان والتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
ثانيًا: الأحاديث الواردة في فضل حفظ القرآن - كله أو بعضه - مرتبطة بالعمل به، وفي المقابل نجد الوعيد الشديد لمن يحمل القرآن ولا يعمل به.
روى البخاري من حديث سمرة بن جندب رؤيا النبي ﷺ وفيها: « .. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، يشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: انطلق ... »
وفي آخر الحديث: «والذي رأيته يُشدخ في رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة ... » (١).
إن الفضل العظيم لحفظ القرآن مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمل به، فإن لم يُعمل به كان وبالاً على صاحبه، كيف لا وهو يتلو على الناس آيات لا يعمل بها، فيصير ما يقوله في واد، وما يفعله في واد آخر، فيصدق عليه قوله ﷺ : «أكثر منافقي أمتي قراؤها» (٢).
من هنا ندرك تأنِّي الصحابة رضوان الله عليهم في حفظ القرآن لدرجة أن عمر بن الخطاب ظل اثنتي عشرة سنة يحفظ سورة البقرة، أما ابنه عبد الله فقد حفظها في ثماني سنوات.
وهذا أبو عبد الرحمن السلمي - وهو من كبار التابعين - وكان ممن تتلمذ على يد كبار الصحابة كعبد الله بن مسعود يقول: إنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيهن من العمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعًا، وإنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز هذا وأشار إلى حنكه (٣).
وجمع أبو موسى الأشعري الذين قرأوا القرآن وهم قريب من ثلاثمائة، فعظّم القرآن وقال:
إن هذا القرآن كائن لكم ذخرًا وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زجّ به في قفاه فقذفه في النار. (٤)
ثالثًا: لو كان هذا الأمر الوارد في الحديث مرتبطًا بحفظ الألفاظ ... أتظن أن الصحابة سيفوِّتون هذه الفرصة لعلو المنزلة، وهم الذين عايشوا القرآن، وصاحبوا رسول الله ﷺ ، ومن ثمَّ فهم أكثر الناس فهمًا لمراد أقواله ﷺ .
لو تأملنا سيرتهم سنجد أمرًا عجيبًا ... سنجد أنهم كانوا يتسابقون على كثرة قراءة القرآن أكثر من تسابقهم في حفظه، بل إن الحفاظ بينهم كانوا قلة.
يقول عبد الله بن عمر: كنا صدر هذه الأمة، وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ما معه إلا السورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلاً عليهم، ورزقوا العمل به، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم حفظ القرآن حتى يقرأه الصبي والأعجمي فلا يعملون به (٥).
стр. 73
والعجيب أنه قد مات الكثير من الصحابة - بل من العشرة المبشرين بالجنة - دون أن يتموا حفظ القرآن.
أخرج ابن سعد في طبقاته عن محمد بن سيرين قال: قُتِل عمر ولم يجمع القرآن (١).
ويقول الحسن البصري: إن رسول الله ﷺ توفي وما استكمل حفظ القرآن من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم إلا النفر القليل، استعظامًا له، ومتابعة لأنفسهم بحفظ تأويله والعمل بمحكمه (٢).
وليس معنى هذا هو إهمال الحفظ، بل معناه الاجتهاد في العمل بما تدل عليه الآيات المحفوظة، وعدم الاستعجال في الحفظ حتى لا يتم إهمال الفهم والعمل.
رابعًا: الحديث يؤكد على أهمية التأثر بقراءة القرآن، فدرجات الجنة مرتبطة بالإيمان، ولأن كل آية في القرآن تحمل نورًا يزيد الإيمان في القلب حين يدخله لذلك كلما تأثر القارئ بآية وحصَّل ما فيها من إيمان ارتقى في الجنة درجة، وهذا هو أهم ما يرمي إليه الحديث، فيقال له يوم القيامة اقرأ كما كنت تقرأ في الدنيا بترتيل وتفهم وتأثر, فيزداد إيمانك, وترتفع به في الجنة بحسب ما حصلت من إيمان في الدنيا.
ولو قرأ المرء القرآن سواء كان عن ظهر قلب أو من المصحف دون تأثر وكان همه نهاية السورة أو الورد، ومن ثمّ لم يزدد بقراءته إيمانًا فهيهات أن يكون داخلاً في دائرة هذا الحديث.
من المخاطب؟:
وخلاصة القول أن المخاطب بهذا الحديث هو من يقرأ القرآن سواء عن ظهر قلب، أو من المصحف شريطة تفهمه وتأثر بآياته، وبهذا ندرك سر انشغال الصحابة بكثرة التلاوة بتفهم وترتيل، وندرك أيضًا سر حثه ومتابعته ﷺ للصحابة في قراءة القرآن، أكثر من متابعته لحفظهم، ويكفيك أن الله طالب نبيه في أكثر من موضع بأن يتلو القرآن ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل:٩٢،٩١] وقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤].
وليس ذلك فحسب بل نجد القرآن في مواضع أخرى يحدد مهمات الرسول ﷺ والتي تبدأ بتلاوة الآيات على من حوله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].
فإذا ما انتقلنا إلى أحاديثه ﷺ نجده يستثير الهمم لكثرة قراءة القرآن تأمل قوله «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه ... » (٣).
وقوله: «اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلو فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» (٤).
هذه الأحاديث وغيرها، وتعامل الصحابة مع القرآن على حقيقته ككتاب هداية، وتغيير، ومنبع للإيمان يرفع صاحبه عند الله كلما تزود منه ... هذا كله جعلهم يتسابقون لقراءته أكثر من حفظه، لأن الحفظ يتطلب العمل بكل ما تحمله الآيات، وهذا يحتاج إلى جهد ضخم، ويحتاج كذلك إلى قوة إيمانية متدفقة باستمرار تدفعهم إلى هذا العمل، وهذا هو المقصد من قول ابن عمر وجندب ابن عبد الله أنهم قد تعلموا الإيمان قبل القرآن ... فتعلم الإيمان إنما يكون بكثرة التلاوة، وتعلم القرآن يكون بحفظ آياته وتعلم ما فيها من علم، والقيام بما تدل عليه من عمل.
وعندما تعلموا الإيمان بكثرة التلاوة الصحيحة ساعدهم ذلك على تطبيق ما تدل عليه الآيات التي يحفظونها، فزادهم هذا التطبيق إيمانًا ..
стр. 74
يقول جندب بن عبد الله: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاير، فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا (١).
ويؤكد على هذا المعنى عبد الله بن عمر بقوله: لقد عشنا برهة من دهرنا، وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن نقف عليه منها، ثم رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان, فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده، فينثره نثر الدقل؟ (٢).
نعم، استطاع البعض منهم أن يستكمل الحفظ، ولكن كانوا جميعًا يكثرون من التلاوة بآدابها الصحيحة التي من شأنها أن تزيد الإيمان، وترفع صاحبها عند الله.
عن أبي الدراء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن في سبع ليال كُتب من المخبتين» قلنا: فمن قرأه في خمس يا رسول الله؟ قال: «إني أخاف أن يعجلكم عن التّفهم، إلا أن تصبروا على مباكرة الليل، فمن فعل كُتب من المقربين» قلنا: ففي ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا أراكم تطيقون ذلك، إلا أن يبدأ أحدكم بالسورة وأكبر همه أن لا يبلغ آخرها» قلنا: فإن أطقناه على تَفَهُّم وترتيل. قال: «فذلك الجهد من عباده النبيين» قلنا: ففي أقل من ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا تقرؤوه في أقل من ثلاث». (٣)
السؤال الخامس
الشيطان والقرآن
- كلما هممت بقراءة القرآن، وفتحت المصحف أجد النعاس يغلبني، فإذا ما قاومته وقرأت أجد نفسي وقد شردت بفكري في أودية الدنيا، وتذكرت أمورًا لم تخطر على بالي منذ فترة طويلة ... فماذا أفعل لأجمع عقلي ومشاعري مع القراءة؟!!
الجواب:
السبب الرئيسي وراء هذا كله هو الشيطان، فهو لن يتركنا نتعامل تعاملاً صحيحًا مع القرآن وننتفع به، فهو يوقن بأن الهدى والإيمان والتغيير يتحقق من خلال فهم القرآن والتأثر به، فالشيطان هو العدو المبين للبشر، وهدفه الدائم هو إضلال الناس جميعًا ..
ولعلمه بقدر القرآن، ومدى قوة تأثير معجزته لمن يتعرض لها باستمرار، فإنه يعمل جاهدًا على صرف الناس عن قراءة القرآن حتي يسهل عليه إضلالهم، وقد قالها قديمًا بكل وضوح ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] , والقرآن خير ما يدل على الصراط المستقيم ويأخذ بيد من يتمسك به إلى هذا الصراط حتى يصل به إلى منتهاه ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].
فإن جاهد البعض الشيطان وبدأ في القراءة، فإنه لا يتركه ليفلت منه ويمسك بحبل القرآن، بل يعمل جاهدًا على أن يصرف ذهنه عن فهم ما تضمنته الآيات من معان هادية، ومدخله لذلك هو تزيينه فوائد القراءة السريعة وما سيجني من ورائها من حسنات كثيرة.
فإن جاهده القارئ، واجتهد أن يُعمل عقله فيما يقرأ، حاول أن يجعل عقله يشرد مع كلمة من كلمات القرآن الذي يقرؤه، فيذكِّره من خلالها بموقف من مواقفه السابقة، فينشغل لسانه بالقراءة، أما عقله ففي واد آخر.
فإن جاهده القارئ، ولم يسمح بشرود ذهنه مع القراءة، فإنه يدخل عليه من باب التعمق في فهم كل كلمة يقرؤها، ليصبح القرآن بذلك مخاطبًا لعقله فقط، دون أن يؤثر في قلبه، ومن ثمَّ تصبح ثمرة قراءته زيادة معارفه العقلية دون زيادة للإيمان في قلبه.
وهكذا يجتهد الشيطان في صد الناس عن الانتفاع بالقرآن ..
стр. 75
والعجيب أن العبادة الوحيدة التي أمرنا الله أن نستعيذ به من الشيطان قبل القيام بها هي تلاوة القرآن ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨].
فقبل أن يشرع الواحد منا في الذكر أو الصيام أو أداء العمرة، أو إخراج الصدقة، فإنه غير مطالب بأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
إنه أمر يلفت الانتباه .. لماذا القرآن دون غيره من العبادات؟!
أليس في هذا الأمر دلالة على قيمة القرآن ودوره الخطير في الهداية والتغيير، ومن ثمَّ فالشيطان يجتهد في إبعاد الناس عنه؟!
يقول ابن هبيرة: ومن مكايد الشيطان تنفير عباد الله عن تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر (١).
من هنا تتضح لنا أهمية الاستعاذة بالله من الشيطان قبل التلاوة، فجوهر الاستعاذة هو طلب حماية الله لنا من الشيطان، واستدعاء معونته سبحانه في صرف هذا العدو.
لذلك علينا - كي نتغلب على هذه العقبة - أن نهرع إلى الله، ونلح عليه في الدعاء بأن يصرف عنا الشيطان وذلك قبل الشروع في قراءة القرآن، وكذلك كلما شردت أذهاننا خلال القراءة.
أيضًا فإن الالتزام بالوسائل النبوية في قراءة القرآن لها دور كبير في جمع العقل والمشاعر مع القراءة؛ ومن ذلك الانشغال بالقرآن، والتهيئة الذهنية من خلال الوضوء والسواك والقراءة في مكان هادئ قدر المستطاع، والتهيئة القلبية بالتباكي مع القراءة، وأيضًا القراءة من المصحف، وبترتيل، وبصوت مسموع، وأيضًا الفهم الإجمالي للآيات، والتجاوب مع الخطاب القرآني بالرد على الأسئلة, وسؤال الله الجنة والاستعاذه من النار، وأخيرًا ترديد الآية التي تؤثر في القلب ..
وقبل هذا كله علينا ألا نستجيب لوساوس الشيطان بترك القراءة، بل نقاوم ونقاوم ونستعين بالله عليه.
السؤال السادس
«الذي يتعتع له أجران»
- هناك بعض الأحاديث التي يظن البعض أنها تدعو لقراءة القرآن لمجرد القراءة - دون تدبر - كقوله ﷺ : «لماهر بالقرآن مع السَّفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٢).
الجواب:
المتأمل للحديث السابق لا يجد فيه ما يدل على ما فهمه صاحب السؤال، بل العكس.
فالحديث يبين أهمية تعلم أحكام التلاوة, والتي تعتبر مفتاحًا ضروريًا للانتفاع بالقرآن ...
فتلاوة القرآن حق تلاوته - كما يقول أبو حامد الغزالي - هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزعاج والائتمار ... فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ. (٣)
ولأن الترتيل علم يحتاج إلى ممارسة لفترة ليست بالقصيرة كي يتقنه الانسان، فإن من المتوقع ألا يصبر عليه الكثيرون حتى يتعلموه ويتقنوه، لذلك كان التشجيع النبوي للمبتدئ بأنّ له أجرين حتى يستمر في التعلم ولا يتركه، ومن ثمّ تحسن استفادته بالقرآن.
أما الفهم والتأثر فليس له علاقة بالتعتعة، أي أن الماهر بالقرآن، والذي يتعتع فيه عليهما أن يفهما ما يقرآنه ويجتهدا في التأثر به .. فالحديث يقول: «والذي يقرؤه ويتعتع فيه» والمتبادر للذهن عند سماع كلمة «يقرأ» هو: إعمال العقل في الألفاظ لإدراك ما ترمي إليه من معانٍ، ولقد مر علينا ذلك في الفصل الخامس بشيء من التفصيل.