← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36399

إنه القرآن سر نهضتنا - كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟

مجدي الهلالي

Полный текст (84 стр.). Показаны 71–84 · переход к 76.

стр. 71

فإن فعلنا ذلك فقد يدفعنا هذا الأمر إلى سرعة قراءة القرآن للانتهاء من ختمة في المدة المحددة، ومن ثمَّ فلن نردد الآية التي تؤثر فينا، ولن نتوقف عند المعاني العظيمة التي يولدها التدبر والتأثر ... فكيف نوفِّق بين الأمرين؟ الجواب: من الضروري - إن أردنا الانتفاع بالقرآن - أن ننشغل بتلاوته، وألا يمر يوم لا نقرأه فيه مهما كانت الظروف، بل إننا نطمع أن نصل لمرحلة تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وألا نستطيع الصبر عنه، وألا نشبع منه كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم. ومع هذا الانشغال فلا ينبغي علينا أن نشغل أذهاننا بمدة ختمه، فلا يوجد دليل صريح يبين الحد الأقصى لختم القرآن. فإن قلت: ولكنه ﷺ لما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص: في كم يقرأ القرآن؟ قال: «في أربعين يومًا» (١). يقول محمد أبو شهبة ﵀ في رده على هذه المسألة: وليس في الحديث ما يدل على كراهة الختم في أكثر من أربعين، والعبارة ليست حاصرة حتى يكون ما عداها ليس من سنته (٢). ومما يؤكد ذلك هو فعل الصحابة رضوان الله عليهم. أخرج ابن أبي داود عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرءون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك (٣). وليس معنى هذا هو التراخي في ختم القرآن، بل إننا نطمع في أن يكون الغالب علينا ختمة في سبع أو عشر كما كان حال الكثير من الصحابة، ولكن دون وجود سيف على رقابنا يدفعنا لسرعة القراءة من أجل الانتهاء في الوقت المحدد. أخي القارئ: هب أنك قد تأثرت تأثرًا شديدًا بآية من الآيات، وعشت معها، وأردت أن تكررها مرات ومرات كي تستفيد من الإيمان الذي يزداد في هذه الفترة ... ماذا تفعل حينئذ وأنت تشعر أنك مطالب بالانتهاء من كم محدد من القرآن .. أليس من المتوقع أن تترك ترديد الآية وتكرارها من أجل الانتهاء من السورة أو الجزء؟ إنك إن فعلت ذلك تكون قد فوّت على نفسك فرصة عظيمة لزيادة الإيمان وتنوير القلب، وطرد الهوى، ومن ثمَّ التغيير والاستقامة على أمر الله. تأمل معي هذا الخبر الذي يحدثنا عن حال أحد الصحابة وهو تميم الداري ﵁ مع القرآن وكيف كان يفعل مع الآية التي تؤثر فيه. عن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، يركع ويسجد ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] (٤). السؤال الرابع ما المقصود بـ «اقرأ وارق» ؟ - قال رسول الله ﷺ : «يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتِّل، كما كنت تُرتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها» (٥). هل المقصد بذلك القارئ من المصحف، أم الحافظ الذي يقرأ عن ظهر قلب؟!! الجواب:

стр. 72

أولاً: حفظ ألفاظ القرآن لا يدل على ما في القلب من إيمان، والدليل على ذلك أن هناك الآلاف من حفاظ القرآن، ممن حفظوه إجباريًا في المدارس أو الجامعات أو الكتاتيب، تجد أن سلوكهم يبتعد كثيرًا عما يرضي الله ... فهل هؤلاء الذين يجهلون على الناس، ويرتكبون ما يغضب الله، ويتركون بعض أوامره .. هل سيقال للواحد منهم اقرأ وارق ورتل ... ؟!! إن هذا الفهم يتنافى مع أصول التفاضل بين الناس التي أخبرنا الله عنها أنها مرتبطة بالإيمان والتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. ثانيًا: الأحاديث الواردة في فضل حفظ القرآن - كله أو بعضه - مرتبطة بالعمل به، وفي المقابل نجد الوعيد الشديد لمن يحمل القرآن ولا يعمل به. روى البخاري من حديث سمرة بن جندب رؤيا النبي ﷺ وفيها: « .. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، يشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: انطلق ... » وفي آخر الحديث: «والذي رأيته يُشدخ في رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة ... » (١). إن الفضل العظيم لحفظ القرآن مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمل به، فإن لم يُعمل به كان وبالاً على صاحبه، كيف لا وهو يتلو على الناس آيات لا يعمل بها، فيصير ما يقوله في واد، وما يفعله في واد آخر، فيصدق عليه قوله ﷺ : «أكثر منافقي أمتي قراؤها» (٢). من هنا ندرك تأنِّي الصحابة رضوان الله عليهم في حفظ القرآن لدرجة أن عمر بن الخطاب ظل اثنتي عشرة سنة يحفظ سورة البقرة، أما ابنه عبد الله فقد حفظها في ثماني سنوات. وهذا أبو عبد الرحمن السلمي - وهو من كبار التابعين - وكان ممن تتلمذ على يد كبار الصحابة كعبد الله بن مسعود يقول: إنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيهن من العمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعًا، وإنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز هذا وأشار إلى حنكه (٣). وجمع أبو موسى الأشعري الذين قرأوا القرآن وهم قريب من ثلاثمائة، فعظّم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم ذخرًا وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زجّ به في قفاه فقذفه في النار. (٤) ثالثًا: لو كان هذا الأمر الوارد في الحديث مرتبطًا بحفظ الألفاظ ... أتظن أن الصحابة سيفوِّتون هذه الفرصة لعلو المنزلة، وهم الذين عايشوا القرآن، وصاحبوا رسول الله ﷺ ، ومن ثمَّ فهم أكثر الناس فهمًا لمراد أقواله ﷺ . لو تأملنا سيرتهم سنجد أمرًا عجيبًا ... سنجد أنهم كانوا يتسابقون على كثرة قراءة القرآن أكثر من تسابقهم في حفظه، بل إن الحفاظ بينهم كانوا قلة. يقول عبد الله بن عمر: كنا صدر هذه الأمة، وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ما معه إلا السورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلاً عليهم، ورزقوا العمل به، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم حفظ القرآن حتى يقرأه الصبي والأعجمي فلا يعملون به (٥).

стр. 73

والعجيب أنه قد مات الكثير من الصحابة - بل من العشرة المبشرين بالجنة - دون أن يتموا حفظ القرآن. أخرج ابن سعد في طبقاته عن محمد بن سيرين قال: قُتِل عمر ولم يجمع القرآن (١). ويقول الحسن البصري: إن رسول الله ﷺ توفي وما استكمل حفظ القرآن من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم إلا النفر القليل، استعظامًا له، ومتابعة لأنفسهم بحفظ تأويله والعمل بمحكمه (٢). وليس معنى هذا هو إهمال الحفظ، بل معناه الاجتهاد في العمل بما تدل عليه الآيات المحفوظة، وعدم الاستعجال في الحفظ حتى لا يتم إهمال الفهم والعمل. رابعًا: الحديث يؤكد على أهمية التأثر بقراءة القرآن، فدرجات الجنة مرتبطة بالإيمان، ولأن كل آية في القرآن تحمل نورًا يزيد الإيمان في القلب حين يدخله لذلك كلما تأثر القارئ بآية وحصَّل ما فيها من إيمان ارتقى في الجنة درجة، وهذا هو أهم ما يرمي إليه الحديث، فيقال له يوم القيامة اقرأ كما كنت تقرأ في الدنيا بترتيل وتفهم وتأثر, فيزداد إيمانك, وترتفع به في الجنة بحسب ما حصلت من إيمان في الدنيا. ولو قرأ المرء القرآن سواء كان عن ظهر قلب أو من المصحف دون تأثر وكان همه نهاية السورة أو الورد، ومن ثمّ لم يزدد بقراءته إيمانًا فهيهات أن يكون داخلاً في دائرة هذا الحديث. من المخاطب؟: وخلاصة القول أن المخاطب بهذا الحديث هو من يقرأ القرآن سواء عن ظهر قلب، أو من المصحف شريطة تفهمه وتأثر بآياته، وبهذا ندرك سر انشغال الصحابة بكثرة التلاوة بتفهم وترتيل، وندرك أيضًا سر حثه ومتابعته ﷺ للصحابة في قراءة القرآن، أكثر من متابعته لحفظهم، ويكفيك أن الله طالب نبيه في أكثر من موضع بأن يتلو القرآن ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل:٩٢،٩١] وقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤]. وليس ذلك فحسب بل نجد القرآن في مواضع أخرى يحدد مهمات الرسول ﷺ والتي تبدأ بتلاوة الآيات على من حوله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]. فإذا ما انتقلنا إلى أحاديثه ﷺ نجده يستثير الهمم لكثرة قراءة القرآن تأمل قوله «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه ... » (٣). وقوله: «اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلو فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» (٤). هذه الأحاديث وغيرها، وتعامل الصحابة مع القرآن على حقيقته ككتاب هداية، وتغيير، ومنبع للإيمان يرفع صاحبه عند الله كلما تزود منه ... هذا كله جعلهم يتسابقون لقراءته أكثر من حفظه، لأن الحفظ يتطلب العمل بكل ما تحمله الآيات، وهذا يحتاج إلى جهد ضخم، ويحتاج كذلك إلى قوة إيمانية متدفقة باستمرار تدفعهم إلى هذا العمل، وهذا هو المقصد من قول ابن عمر وجندب ابن عبد الله أنهم قد تعلموا الإيمان قبل القرآن ... فتعلم الإيمان إنما يكون بكثرة التلاوة، وتعلم القرآن يكون بحفظ آياته وتعلم ما فيها من علم، والقيام بما تدل عليه من عمل. وعندما تعلموا الإيمان بكثرة التلاوة الصحيحة ساعدهم ذلك على تطبيق ما تدل عليه الآيات التي يحفظونها، فزادهم هذا التطبيق إيمانًا ..

стр. 74

يقول جندب بن عبد الله: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاير، فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا (١). ويؤكد على هذا المعنى عبد الله بن عمر بقوله: لقد عشنا برهة من دهرنا، وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن نقف عليه منها، ثم رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان, فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده، فينثره نثر الدقل؟ (٢). نعم، استطاع البعض منهم أن يستكمل الحفظ، ولكن كانوا جميعًا يكثرون من التلاوة بآدابها الصحيحة التي من شأنها أن تزيد الإيمان، وترفع صاحبها عند الله. عن أبي الدراء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن في سبع ليال كُتب من المخبتين» قلنا: فمن قرأه في خمس يا رسول الله؟ قال: «إني أخاف أن يعجلكم عن التّفهم، إلا أن تصبروا على مباكرة الليل، فمن فعل كُتب من المقربين» قلنا: ففي ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا أراكم تطيقون ذلك، إلا أن يبدأ أحدكم بالسورة وأكبر همه أن لا يبلغ آخرها» قلنا: فإن أطقناه على تَفَهُّم وترتيل. قال: «فذلك الجهد من عباده النبيين» قلنا: ففي أقل من ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا تقرؤوه في أقل من ثلاث». (٣) السؤال الخامس الشيطان والقرآن - كلما هممت بقراءة القرآن، وفتحت المصحف أجد النعاس يغلبني، فإذا ما قاومته وقرأت أجد نفسي وقد شردت بفكري في أودية الدنيا، وتذكرت أمورًا لم تخطر على بالي منذ فترة طويلة ... فماذا أفعل لأجمع عقلي ومشاعري مع القراءة؟!! الجواب: السبب الرئيسي وراء هذا كله هو الشيطان، فهو لن يتركنا نتعامل تعاملاً صحيحًا مع القرآن وننتفع به، فهو يوقن بأن الهدى والإيمان والتغيير يتحقق من خلال فهم القرآن والتأثر به، فالشيطان هو العدو المبين للبشر، وهدفه الدائم هو إضلال الناس جميعًا .. ولعلمه بقدر القرآن، ومدى قوة تأثير معجزته لمن يتعرض لها باستمرار، فإنه يعمل جاهدًا على صرف الناس عن قراءة القرآن حتي يسهل عليه إضلالهم، وقد قالها قديمًا بكل وضوح ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] , والقرآن خير ما يدل على الصراط المستقيم ويأخذ بيد من يتمسك به إلى هذا الصراط حتى يصل به إلى منتهاه ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. فإن جاهد البعض الشيطان وبدأ في القراءة، فإنه لا يتركه ليفلت منه ويمسك بحبل القرآن، بل يعمل جاهدًا على أن يصرف ذهنه عن فهم ما تضمنته الآيات من معان هادية، ومدخله لذلك هو تزيينه فوائد القراءة السريعة وما سيجني من ورائها من حسنات كثيرة. فإن جاهده القارئ، واجتهد أن يُعمل عقله فيما يقرأ، حاول أن يجعل عقله يشرد مع كلمة من كلمات القرآن الذي يقرؤه، فيذكِّره من خلالها بموقف من مواقفه السابقة، فينشغل لسانه بالقراءة، أما عقله ففي واد آخر. فإن جاهده القارئ، ولم يسمح بشرود ذهنه مع القراءة، فإنه يدخل عليه من باب التعمق في فهم كل كلمة يقرؤها، ليصبح القرآن بذلك مخاطبًا لعقله فقط، دون أن يؤثر في قلبه، ومن ثمَّ تصبح ثمرة قراءته زيادة معارفه العقلية دون زيادة للإيمان في قلبه. وهكذا يجتهد الشيطان في صد الناس عن الانتفاع بالقرآن ..

стр. 75

والعجيب أن العبادة الوحيدة التي أمرنا الله أن نستعيذ به من الشيطان قبل القيام بها هي تلاوة القرآن ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]. فقبل أن يشرع الواحد منا في الذكر أو الصيام أو أداء العمرة، أو إخراج الصدقة، فإنه غير مطالب بأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. إنه أمر يلفت الانتباه .. لماذا القرآن دون غيره من العبادات؟! أليس في هذا الأمر دلالة على قيمة القرآن ودوره الخطير في الهداية والتغيير، ومن ثمَّ فالشيطان يجتهد في إبعاد الناس عنه؟! يقول ابن هبيرة: ومن مكايد الشيطان تنفير عباد الله عن تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر (١). من هنا تتضح لنا أهمية الاستعاذة بالله من الشيطان قبل التلاوة، فجوهر الاستعاذة هو طلب حماية الله لنا من الشيطان، واستدعاء معونته سبحانه في صرف هذا العدو. لذلك علينا - كي نتغلب على هذه العقبة - أن نهرع إلى الله، ونلح عليه في الدعاء بأن يصرف عنا الشيطان وذلك قبل الشروع في قراءة القرآن، وكذلك كلما شردت أذهاننا خلال القراءة. أيضًا فإن الالتزام بالوسائل النبوية في قراءة القرآن لها دور كبير في جمع العقل والمشاعر مع القراءة؛ ومن ذلك الانشغال بالقرآن، والتهيئة الذهنية من خلال الوضوء والسواك والقراءة في مكان هادئ قدر المستطاع، والتهيئة القلبية بالتباكي مع القراءة، وأيضًا القراءة من المصحف، وبترتيل، وبصوت مسموع، وأيضًا الفهم الإجمالي للآيات، والتجاوب مع الخطاب القرآني بالرد على الأسئلة, وسؤال الله الجنة والاستعاذه من النار، وأخيرًا ترديد الآية التي تؤثر في القلب .. وقبل هذا كله علينا ألا نستجيب لوساوس الشيطان بترك القراءة، بل نقاوم ونقاوم ونستعين بالله عليه. السؤال السادس «الذي يتعتع له أجران» - هناك بعض الأحاديث التي يظن البعض أنها تدعو لقراءة القرآن لمجرد القراءة - دون تدبر - كقوله ﷺ : «لماهر بالقرآن مع السَّفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٢). الجواب: المتأمل للحديث السابق لا يجد فيه ما يدل على ما فهمه صاحب السؤال، بل العكس. فالحديث يبين أهمية تعلم أحكام التلاوة, والتي تعتبر مفتاحًا ضروريًا للانتفاع بالقرآن ... فتلاوة القرآن حق تلاوته - كما يقول أبو حامد الغزالي - هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزعاج والائتمار ... فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ. (٣) ولأن الترتيل علم يحتاج إلى ممارسة لفترة ليست بالقصيرة كي يتقنه الانسان، فإن من المتوقع ألا يصبر عليه الكثيرون حتى يتعلموه ويتقنوه، لذلك كان التشجيع النبوي للمبتدئ بأنّ له أجرين حتى يستمر في التعلم ولا يتركه، ومن ثمّ تحسن استفادته بالقرآن. أما الفهم والتأثر فليس له علاقة بالتعتعة، أي أن الماهر بالقرآن، والذي يتعتع فيه عليهما أن يفهما ما يقرآنه ويجتهدا في التأثر به .. فالحديث يقول: «والذي يقرؤه ويتعتع فيه» والمتبادر للذهن عند سماع كلمة «يقرأ» هو: إعمال العقل في الألفاظ لإدراك ما ترمي إليه من معانٍ، ولقد مر علينا ذلك في الفصل الخامس بشيء من التفصيل.

стр. 76

السؤال السابع التعمق في التدبر - تدبر القرآن يجعلني أقف كثيرًا عند كل كلمة وكل آية، مما يجعلني لا أتجاوز بضع آيات في لقائي بالقرآن، وهذا الأمر يسبب لي ضيقًا في نفسي، وشعورًا بصعوبة الأمر. فماذا أفعل؟! الجواب: غاية التدبر هو إدراك المعنى الذي ترمي إليه الآية، والتدبر وحده لا يكفي لإنشاء وإنبات وزيادة الإيمان في القلب، وإلا لقرأنا القرآن بدون ترتيل، وبأعيننا فقط مثلما نقرأ في أي كتاب، ولكن لأن غاية التلاوة هي الفهم والتأثر، كانت الوسيلة هي التدبر والترتيل، مع الأخذ في الاعتبار بأن التأثر الذي يولِّد الإيمان لابد وأن يمر من بوابة الفهم كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٩٨، ١٩٩]. ولكن الوصول لدرجة التأثر يستدعي استمرارية القراءة، والسماح للآيات بأن تنساب داخل القلب، ويتصاعد تأثيرها شيئًا فشيئًا، فيستمر الطرق على المشاعر حتى تصل لدرجة التجاوب والتأثر، وهذا يستلزم عدم التوقف عند كل كلمة وإلا لما حدث التأثر. علينا - إذًا- أن نقرأ الآيات ونفهم ما تدل عليه بصورة إجمالية، وأن نمرر ما لا نفهمه من آيات حتى يتسنى لنا بلوغ مرحلة التأثر, التي يحتاج الوصول إليها كثرة مرور الآيات على المشاعر، ودوام الطرق عليها .. وهذا ما أوصى به ﷺ عندما رأى بعض الصحابة يختلفون فيما بينهم في معنى آية من الآيات فقال لهم: «إن القرآن لم ينزل يُكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه» (١). وقال عبد الله بن مسعود: إن للقرآن منارًا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما يشبه - أو قال شُبّه عليكم - فكلوه إلى عالمه (٢). انتبه: وفي المقابل فإننا حين نقف عند كل كلمة ونحاول سبر أغوارها، والغوص في معانيها فإننا بلا شك سنفهم فهمًا عميقًا، ولكن دون تأثر، ولن نتجاوز في القراءة بضع آيات ولن نشعر من خلال القراءة بحلاوة الإيمان، ومن ثمَّ يؤدي ذلك بنا إلى الفتور والضيق بل والاستجابة لإلحاح النفس - ومن ورائها الشيطان - بالعودة إلى الطريقة القديمة التي تبحث عن الانتهاء من قراءة أكبر قدر ممكن دون تدبر ولا تأثر. إذًا فالمطلوب تدبر عام وإجمالي للآيات، وألا نقف عند كل كلمة لا نعرف معناها، بل نعمل على إدراك المعنى العام من السياق حتى يستمر انسياب الآيات داخلنا ويتصاعد تأثيرها شيئًا فشيئًا على المشاعر فيحدث التأثر. ماذا أفعل إن لم أتأثر؟: فإن قلت: ولكني قد أقوم بذلك ولا أتأثر بالآيات، فهل أقوم بإعادة الآيات التي لم أتأثر بها؟! التأثر هو رقة القلب، وانفعال المشاعر مع القراءة، وهو نادر الحدوث في البداية لابتعاد القلوب مدة طويلة عن القرآن، لذلك علينا أن نصبر ولا نمل، ولا نقوم بإعادة ما لم نتأثر به، بل نسترسل في القراءة، ونلتزم بالوسائل النبوية المشار إليها سلفًا مع دعاء الله بأن يفتح قلوبنا لغيث القرآن.

стр. 77

فإن فعلنا ذلك فستأتي تلك اللحظات السعيدة ... إنها لحظات التأثر معلنة فتح قلوبنا لنور القرآن، فإذا داومنا، وأكثرنا من التلاوة ازدادت أوقات التأثر ورقة القلب حتى تصل إلى ما وصل إليه أبو بكر الصديق ... فقد كان إذا بدأ قراءة القرآن لا يملك دمعه. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله ﷺ بيتي قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس, قالت: فقلت يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه ... فلنصبر ولنصبر حتى يأتي التأثر، ومن المعينات التي تستجلبه وتستدعيه: دعاء الله بإلحاح أن يرزقنا فهم الآيات والتأثر بها، وكذلك التباكي له دور كبير في استجلاب التأثر, وتحسين الصوت بالقراءة قدر المستطاع، والاستفادة من أي وقت نجد فيه تأججًا للمشاعر مثل سماع خبر أو رؤية منظر مؤثر .. ففي هذا الوقت تكون المشاعر مهيأة لاستقبال القرآن والتأثر به أكثر من أي وقت آخر ... ومع هذا كله يبقى الانشغال بالقرآن وطول المكث معه أكبر عامل يستدعي التأثر ويطيل زمنه. السؤال الثامن التلقي المباشر من القرآن - هناك خطورة شديدة من التلقي المباشر من القرآن, وما حدث للخوارج يشهد بذلك ... فماذا نفعل؟!! هل نترك التدبر؟!! الجواب: نعم، هناك خطورة شديدة لمن يستنبط الأحكام الشرعية من القرآن بمفرده دون أن يكون مؤهلاً لذلك .. فاستنباط الأحكام من القرآن وظيفة العلماء المختصين والمؤهلين، أما من هم دونهم فعليهم أن يرجعوا إلى كتب التفسير والفقه لمعرفة ما تدل عليه الآيات من أحكام شرعية. أما التدبر .. أما الروح .. أما الطاقة الروحية فلن تتولد إلا باللقاء المباشر مع القرآن من قِبَل العامة والخاصة. إذن فلا تعارض بين الأمرين .. ومما يؤكد هذا المعنى أن الله أمر الجميع بتدبر القرآن - كل حسب مستواه - فكيف نؤمر بشيء لا نستطيعه؟! إن الجانب التشريعي في القرآن لا يتجاوز جزءًا من عشرة أجزاء من آيات القرآن، ونحن نُسلِّم بأن هذا الجزء من اختصاص العلماء وفيه ورد النهي الشديد «ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (١). أما بقية الأجزاء التسعة فالمجال مفتوح للجميع. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يبقى أهم ضابط للتلقي المباشر من القرآن, وهو معرفة معاني الألفاظ الغريبة حتى يستقيم الفهم، ولعل في عصرنا هذا قد تيسر وجود المصاحف التي كتب على هامشها معاني الكلمات الغريبة, فيتمكن القارئ من فهم معناها وهو يقرأ دون أن يقطع القراءة، ومن ثمَّ لا ينقطع حبل تأثره.

стр. 78

السؤال التاسع المحافظة على الحفظ - بفضل الله حفظت القرآن، ولخوفي من نسيانه أصبح كل همي هو كيفية المحافظة على هذا الحفظ، مما يضطرني للقراءة السريعة بغية المراجعة وتثبيت الحفظ، مع العلم بأنني لا أراعي التدبر أو التأثر في هذه القراءة ... فماذا أفعل؟!! الجواب: حفظ القرآن وسيلة لتيسير الانتفاع به، وليس غاية في حد ذاته، وإلا لاندفع الصحابة للحفظ - كما أسلفنا - ومع ذلك فله أهميته العظيمة في القيام بالقرآن في الصلاة، وفي الإمامة بالناس، ومن الخطورة بمكان أن تصبح الوسيلة غاية، ويكون همّ الحافظ منصبًا على كيفية المحافظة على حفظه، مع الأخذ في الاعتبار بأن الذي يزيد الإيمان، ويرفع الدرجات عند الله، ويغير في سلوك الفرد هو تدبر القرآن والتأثر به سواء كانت القراءة من المصحف أو عن ظهر قلب، فإن لم يصاحب القراءة ذلك .. كانت الخطورة بأن يصبح القرآن حجة علينا لا لنا. من هنا كان من الضروري اللقاء المباشر مع القرآن، وحبذا لو كانت القراءة من المصحف حيث التركيز أشد، والتأثر أسرع استجلابًا .... وعندما ننشغل بكثرة تلاوة القرآن فإن هذا يؤدي إلى تثبيت الحفظ، وكيف لا والتدبر وهيمنة الآيات على العقل والمشاعر، وكثرة تكرارها من شأنه أن يجعل المرء في حالة من الانتباه والتركيز, ومن ثمَّ يثبت حفظه أكثر وأكثر. ولا بأس من تخصيص وقت للمراجعة - غير وقت القراءة المباشرة من المصحف- على أن يكون الحد الأدنى للقراءة هو فهم ما نقرأ كما قال ابن عباس لأبي جمرة .. إن كنت فاعلاً (للقراءة السريعة) فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويعيها قلبك. (١) ولكن أحذِّر نفسي وإياك أن يطغى ذلك على وقت القراءة اليومية من المصحف, والتي تهدف إلى التدبر والتأثر ومن ثمَّ زيادة الإيمان وتوليد القوة الروحية. السؤال العاشر تأثر غير العرب بالقرآن - إن كان الفهم ضروريًا للتأثر ومن ثمَّ زيادة الإيمان، فكيف نفسر تأثر غير الناطقين بالعربية بالقرآن؟!! الجواب: أولاً: الإيمان محله القلب، ومن تعريفات القلب أنه مجمع المشاعر داخل الإنسان، والإيمان ينشأ في القلب ويستحوذ على جزء من المشاعر عندما يتم التجاوب بين الفكر (الفهم) والعاطفة (التأثر) ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤]. فلا بديل عن الفهم، ولا بديل عن تجاوب المشاعر مع هذا الفهم إن أردنا زيادة الإيمان في القلب، والذي يؤكد هذا المعنى قوله تعالى ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٩٨، ١٩٩]. فالآيات تدل دلالة واضحة أن السبب الأساسي لعدم إيمان هؤلاء هو عدم فهمهم للخطاب القرآني لأنهم أعاجم. ثانيًا: أما بخصوص تأثر غير الناطقين بالعربية بسماع القرآن، فهذا أمر حقيقي ومتكرر، ومنشأ هذا التأثر ليس ناتجًا عن فهمهم لمعاني القرآن وتجاوب مشاعرهم معها, لأنهم لا يعرفون اللغة العربية، وإنما ينشأ هذا التأثر من وقع نظم القرآن وجرسه في نفوسهم، والذي سماه الشيخ محمد عبد الله دراز بالقشرة الخارجية للقرآن، أو الجمال التوقيعي في لغة القرآن - كما مر علينا في الفصل الرابع - ... هذا التأثر له دور كبير في استجلاب السكينة اللحظية التي يشعر بها هؤلاء، لكنه كما -أسلفنا - لا ينشئ الإيمان.

стр. 79

السؤال الحادي عشر الذنوب وأمراض القلوب - كيف أدخل إلى القرآن، والذنوب تتلبس بي، والهوى يخنقني، والأمراض تملأ قلبي؟! أليس من الضروري أن أتطهر من هذا كله أولاً قبل الدخول لعالم القرآن؟!! الجواب: أولاً: إن كان الأمر كذلك، فما هو دور القرآن إذن؟!!، ألم يصفه الله بأنه دواء، وأنه ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧]. فمن خصائص المعجزة القرآنية أنها دواء لأمراض القلوب، ومطهرة للذنوب، وطاردة للهوى ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا﴾ [الرعد:١٧]. القرآن غيث للقلب، كما أن الماء غيث للأرض ... ومهما أجدبت الأرض فإن استمرار تعرضها للماء يجعلها تنبت الزرع. نعم، الإنبات يكون في البداية ضعيفًا لكن شيئًا فشيئًا يزداد ويزداد ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٧]. وفي هذا المعنى يقول مالك بن دينار: إن القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض، فقد ينزل الغيث من السماء إلى الأرض فيصيب الحُشَّ، فتكون فيه الحبّة، فلا يمنعها نَتن موضعها أن تهتز وتخضر. (١) ثانيًا: هل هذا ما حدث مع الصحابة؟!! هل طُلب منهم تطهير قلوبهم أولاً قبل التعامل مع القرآن.؟!! أم أنهم تعاملوا معه مباشرة، فقام القرآن بتطهير قلوبهم، وإنبات الإيمان فيها، وطرد الهوى منها شيئًا فشيئًا. ثالثًا: ومتى يظن المرء أنه قد أصلح نفسه وطهَّر قلبه؟! .. إنه إن ظن ذلك فقد خسر خسرانًا عظيمًا، كيف لا وعلى المسلم أن يديم إساءة الظن بنفسه، وأن يجاهد هواه حتى يأتيه الموت .. سُئلت السيدة عائشة: متى يكون الرجل مسيئًا؟ قالت: إذا ظن أنه محسن. معنى ذلك أننا إن سلمنا بما يطرحه السائل فلن نتعامل مع القرآن طيلة حياتنا. أخي القارئ: أقبل على القرآن ولا تخف، واترك زمامك له فسيقوم بأداء دوره الذي يعرفه جيدًا في تطهير قلبك وتنويره، وملئه بالإيمان، شريطة أن تُقبل عليه إقبال الملهوف، الباحث عن النور والإيمان، وأن تعطيه الكثير من وقتك، وألا تستعجل الثمرة، فحتمًا ستظهر لو داومت على تعريض قلبك للقرآن من خلال الفهم والتأثر والتباكي مع القراءة. يقول حذيفة: اقرؤوا القرآن بحُزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلا. (٢) السؤال الثاني عشر لا أجد أثرًا - حاولت أكثر من مرة أن أقرأ القرآن بتدبر وتأثر، ولكني لم أجد ما تتحدثون عنه من تغيير، وحلاوة الإيمان، و ... ، مما دفعني للعودة إلى ما ألفته من قراءة سريعة بغية تحصيل أكبر قدر من الحسنات، وللمحافظة على حفظي للقرآن ... ومع ذلك فإني أشعر بين الفينة والفينة بتأنيب الضمير، والشعور بالتقصير تجاه القرآن، والخوف من أن يكون شيء مهم قد فاتني ... فماذا أفعل؟! الجواب: أولاً: أهم عامل من عوامل النجاح في الانتفاع بالقرآن ككتاب هداية وتغيير، ومنبع دائم للإيمان يتزود منه القلب كلما تعرض له هو وجود الرغبة الجارفة للانتفاع به، واستشعار الحاجة الماسة إليه، وإلى الثمرة الناشئة من دوام الإقبال عليه من: قلب سليم، وإيمان حي، وتعرف حقيقي على الله، ومن ثمَّ السير إليه، والوصول إلى معرفته للدرجة التي تمكِّن صاحبه من أن يعبده - سبحانه - كأنه يراه. فعلى قدر هذه الرغبة، وهذا الاحتياج يكون الإمداد من الله «فالإمداد على قدر الاستعداد» تأمل معي قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ - لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨:٢٧]. فالآيات تخبرنا بوضوح بأن القرآن هو طريق الاستقامة لجميع الناس، ولكن لن ينتفع به إلا من يريد الاستقامة ويبحث عنها، ويرغب فيها ... ويؤكد هذا قوله ﷺ : «ومن يتحرَّ الخير يعطه» (٣). ولقد أكد على هذا المعنى الإمام البخاري في صحيحه عند تعليقه على قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ - لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩] قال: لا يجد طعمه إلا من آمن به. لابد من الاقتناع بأهمية القرآن، ودوره في التغيير، ولابد كذلك من استشعار الحاجة إليه. وبدون القناعة الأكيدة، والرغبة الجارفة، والاحتياج الماس للقرآن، فلن تكون هناك النتيجة المرجوة والثمرة المنتظرة من هذا الكتاب. جاء في الأثر عن أبي الدرداء قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال له: يا آدم أحبني، وحببني إلى خلقي، ولن تستطيع أن تفعل ذلك إلا بي، ولكن إذا رأيتك حريصًا على ذلك أعنتك عليه، فإن فعلت ذلك فخذ به اللذة والنظرة وقرة العين والطمأنينة. (٤)

стр. 80

فالدخول والانتفاع بالقرآن لن يكون إلا بالله، والله لن يفتح قلوبنا للقرآن إلا إذا رأى منا رغبة وحرصًا أكيدين على ذلك. لذلك من أقبل على القرآن يقرؤه بتدبر من باب التجربة ففي الغالب لن يجد الثمرة المرجوة. إذًا فبداية الحل تكمن في وجود الرغبة والشعور بالاحتياج، وعلينا أن نترجم هذا الشعور بالإلحاح على الله أن يفتح قلوبنا لتلقي غيث القرآن ... فالدعاء له دور كبير في تيسير هذا الأمر. ثانيًا: القرآن هو غيث القلوب، ولكي يؤتي ثماره لابد من كثرة تعرض القلب له، والاستمرار على ذلك مدة طويلة، حتى يجد القرآن ثغرة يدخل منها إلى القلب فينبت فيه الإيمان، وشيئًا فشيئًا تزداد الثغرات وينفتح القلب وينشرح ... لابد إذن من الاستمرارية وعدم اليأس. ثالثًا: لا ينبغي علينا أن نغفل دور الشيطان، وعمله الدؤوب لصدنا عن الانتفاع بالقرآن، فمن المتوقع أنه سيحشد كل جنوده، ويستخدم كل أساليبه مع كل من يحاول الانتفاع بالقرآن، وستكون الفترة الأولى هي أشد الفترات التي سيحاربنا فيها الشيطان، ومن أبوابه المتوقعة التي سيعمل على أن يدخل منها الوسوسة لنا بمثل هذه الخواطر: «أين الثمرة التي قالوا عنها .. إنه كلام مبالغ فيه». ويكفيك في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران:١٥٥] , فهؤلاء دخل عليهم الشيطان من باب أنهم لا يصلحون للجهاد بسبب ما فعلوه من ذنوب!!! رابعًا: أفي الله شك؟ لقد أخبرنا الله عن دور القرآن المتفرد في التغيير، ولقد رأينا أثره على جيل الصحابة، وبما أن القرآن الذي معنا هو القرآن الذي كان معهم ... فلماذا التردد .. أقبل يا أخي على القرآن ... أقبل ولا تخف ولا تتردد. أعط القرآن الكثير من وقتك .. هيئ قلبك قبل اللقاء به ولو بالتباكي -كحد أدنى- عند القراءة، وكلما وجدت الباب مغلقًا اهرع إلى مولاك وألح عليه في الدعاء حتى يفتح لك ولي أبواب رحمته، ويصل غيث القرآن إلى قلوبنا فيحييها. خامسًا: وأخيرًا اترك نفسك للقرآن ... لا تدخل على القرآن دخول من يريد إثبات صحة آرائه وتصوراته .. دع القرآن ينزل على هواك، ولا تدع هواك ينزل على القرآن. وتذكر وصية أبي الدرداء ونصيحته: اعطوا القرآن خزائمكم فإنه يحمل على القصد والسهولة، ويجنب الجور والحزونة .. والخزامة هي الحلقة التي توضع في أنف البعير، ثم يُربط فيها الحبل لتنقاد من خلاله ... فلنترك أمر قيادتنا للقرآن وسنجد الخير الكثير بإذن الله. السؤال الثالث عشر مكانة السنة - أين السنة في مشروع نهضة الأمة؟ وهل ما قيل عن دور القرآن في نهضة الأمة يعني الاكتفاء به وترك السُنَّة؟! الجواب: أولاً: السنة صنو القرآن، وشارحة له، ومبينة لما أجمل فيه، وهي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]. وقال ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ... » (١) فالحديث يدل دلالة واضحة على أهمية السنة وأنها شارحة للقرآن، وأنه لا يجوز لأحد أن يستخرج الأحكام الشرعية من القرآن دون الرجوع للسنة. ثانيًا: نحن في هذه الصفحات نبحث عن معجزة تجمع الأمة، ويكون من شأنها توليد الدافع الذاتي والقوة الروحية باستمرار، وهذا لا يتوافر إلا في القرآن كما أسلفنا.

стр. 81

نعم، نحتاج للقراءة في السُّنَّة كثيرًا لتأكيد المعاني التي دلت عليها آيات القرآن، وضبط الفهم، وفتح آفاق جديدة للعمل الصالح، وكذلك التعرف على نماذج عملية تطبيقية لآيات القرآن. ومع ذلك يبقى القرآن هو المصدر المتفرد الذي يولد الطاقة باستمرار، ويُرسِّخ الإيمان. ثالثًا: القرآن والسنة يشكلان سويًا منهج حياة ... فالقرآن يضع الدستور والقوانين، والسنة تشرحها، ولكن يقف ضعف الإيمان والعزيمة عائقًا أمام تطبيق القرآن والسنة في واقع الحياة ... وهنا يظهر دور القرآن المتفرد كمعجزة تغييرية. ويؤكد الدكتور يوسف القرضاوي على منزلة السنة فيقول: القرآن الكريم هو الآية العظمى، والمعجزة الكبرى لمحمد ﷺ ، وهو الكتاب المحفوظ الخالد .. وهو المصدر الأول المقطوع بثبوته من أوله إلى آخره، وبه يحتج على كل مصادر الإسلام وأدلته الأخرى، ولا يستدل بها عليه. وتأتي السنة النبوية مصدرًا تاليًا للقرآن، مبينًا له، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] , فالرسول هو المبين للقرآن بقوله وعمله وتقريره. وبهذا نعلم أن السنة هي التفسير العملي للقرآن، والتطبيق الواقعي - والمثالي أيضًا - للإسلام، فقد كان النبي ﷺ هو القرآن مفسرًا، والإسلام مجسمًا. فمن أراد أن يعرف المنهج العملي للإسلام بخصائصه وأركانه، فليعرفه مفصلاً مجسدًا في السنة النبوية القولية والعملية والتقريرية، فكلمة (السنة) تعني: الطريق أو المنهج، وهو تُمثل (الحكمة) النبوية في بيان القرآن، وشرح حقائق الإسلام، وتعليمه للأمة، فقد أنزل الله على رسوله (الكتاب والحكمة) , كما جعل ذلك من شُعب مهمته في تكوين الأمة ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] (١). * * *

стр. 82

وفي النهاية أخي: إن كان القرآن هو سر نهضتنا فهو يحتاج بالضرورة إلى من يحمله ويبلغه للناس. لذلك فإن كل ما قيل في الصفحات السابقة متوقف على من يتبناه، ولكن لا يمكننا أن نحمله ونتبناه إلا إذا بدأنا بأنفسنا، وذقنا حلاوة التغيير من خلال القرآن، وشعرنا بالقوة الروحية والدافع الذاتي الدائم المتولد من لقائنا معه. فلا تتعجل -أخي- دعوة غيرك إلى ذلك إلا بعد أن يتمثل فيك أولاً وترى بنفسك أثر المعجزة القرآنية، وهذا لا يحتاج إلى وقت طويل، شريطة أن تشتد رغبتك، وتواظب على الوسائل المذكورة آنفًا وغيرها مما يفتح الله به عليك للوصول إلى مرحلة التأثر المستمر، وأن تتواصى بذلك مع من معك، وأن تلح دومًا على ربك بأن يكرمك ويكرمني ويكرم جميع المسلمين بالدخول إلى عالم القرآن، والانتفاع الحقيقي بمعجزته.

стр. 83

مناشدة أخي الحبيب: ناشدتُّك الله .. بأن تأخذ موضوع القرآن مأخذ الجد. ناشدتُّك الله .. أن تخصص له على الأقل ساعة يوميًا تقرؤه بتفهم وترتيل وتباك. ناشدتُّك الله .. أن تفعل ذلك وتصبر عليه فالأمة في انتظارك، والقرآن جاهز لتغييري وتغييرك. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)

стр. 84

أهم المراجع • القرآن الكريم. • الإتقان في علوم القرآن - دار الندوة الجديدة - بيروت. • إحياء علوم الدين - أبو حامد الغزالي - دار الحديث القاهرة - ط١ - ١٤١٢ هـ. • أخلاق حملة القرآن - أبو بكر الآجري - دار الكتاب العربي - لبنان. • آداب الشيخ الحسن بن أبي الحسن البصري - ابن الجوزي - دار المعراج - الرياض - ط١ - ١٤١٤هـ. • استنشاق نسيم الأنس - ابن رجب - المكتب الإسلامي - دار الخاني - ط١ - ١٤١١ هـ • البداية والنهاية - الحافظ ابن كثير- مكتبة العبيكان - السعودية - ط٢ - ١٤١٧ هـ. • تدبر القرآن - سلمان بن عمر السنيدي - المنتدى الإسلامي - ط١ - ١٤٢٢هـ. • تفسير القرآن العظيم -الحافظ ابن كثير - مكتبة العبيكان - المكتبة العصرية - بيروت - ط٢ - ١٤١٧هـ • التوحيد والوساطة في التربية الدعوية - د. فريد الأنصاري - دار الكلمة - المنصورة - مصر. • الجهاد في الإسلام - د. محمد سعيد رمضان البوطي - دار الفكر - دمشق. • حديث القرآن عن القرآن - محمد الراوي - مكتبة العبيكان - الرياض - ط١ - ١٤١٥ هـ • حسن البنا ومنهجه في التفسير - دار التوزيع والنشر الإسلامية - القاهرة. • حياة الصحابة - محمد يوسف الكاندهلوي - شركة الرياض - السعودية - ط١ - ١٩٩٨ هـ • الدر المنثور في التفسير المأثور - جلال الدين السيوطي - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ٢٠٠٠ م. • دموع القراء - محمد شومان الرملي - دار النفائس - الأردن - ط١ - ٢٠٠٣ م. • زاد المعاد في هدى خير العباد - ابن القيم - مؤسسة الرسالة - بيروت. • سلسلة الأحاديث الصحيحة - محمد ناصر الدين الألباني - مكتبة المعارف - الرياض - ١٤١٥هـ. • شعب الإيمان - البيهقي - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ١٤١٠هـ. • صحيح الجامع الصغير وزيادته - محمد ناصر الدين الألباني - المكتب الإسلامي - دمشق - ط٣ - ١٤٠٨هـ. • الطبقات الكبرى - ابن سعد - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ١٤١٠ هـ. • العقوبات ابن أبي الدنيا - دار ابن حزم - بيروت. • فتح الباري شرح صحيح البخاري - الحافظ ابن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ١٤١٠هـ. • فتح الرحمن في بيان هجر القرآن - محمد فتحي، محمود الملاح - دار طيبة الخضراء - مكة. • فضائل القرآن - أبو عبيد بن سلام الهروي - تحقيق مروان العطية - دار ابن كثير - دمشق - ط٢ - ١٤٢٠هـ. • فضائل القرآن - أبي بكر الفريابي - تحقيق د. يوسف عثمان - مكتبة الرشد - الرياض - ط٢ - ١٤٢١هـ. • في ظلال القرآن - سيد قطب - دار الشروق - القاهرة - ط١٥ - ١٤٠٨هـ. • كيف نتعامل مع السنة النبوية - د. يوسف القرضاوي - دار الشروق - القاهرة - ط١ - ٢٠٠٠م. • كيف نتعامل مع القرآن؟ - محمد الغزالي - دار الوفاء - المنصورة - مصر - ط٢ - ١٤١٢هـ. • كيف ننتفع بالقرآن الكريم - أحمد البراء الأميري - مؤسسة الريان بيروت. • لمحات الأنوار ونفحات الأزهار وري الظمآن - الغافقي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ط١ - ١٩٩٧ م. • مختصر قيام الليل - محمد بن نصر المروزي - مؤسسة الرسالة - ط٢ - ١٤١٤هـ. • المدخل لدراسة القرآن الكريم - محمد أبو شهبة - طبعة خاصة بالمؤلف. • مفتاح دار السعادة - ابن القيم - دار ابن عفان - الخُبر - السعودية - ط١ - ١٤١٦هـ. • النبأ العظيم - د. محمد عبد الله دراز - دار طيبة - الرياض - ط٢ - ١٤٢١هـ. • نظرات في كتاب الله للإمام الشهيد حسن البنا- جمع عصام تليمة- دار التوزيع والنشر الإسلامية- القاهرة. * * *