← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36402

تحقيق الوصال بين القلب والقرآن

مجدي الهلالي

Полный текст (100 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تحقيق الوصال بين القلب والقرآن مجدي الهلالي

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٩هـ - ٢٠٠٨م رقم الإيداع: ٢٥١٠٧/ ٢٠٠٧ الترقيم الدولي: I-S-B-N ٩٧٧-٤٤١-٠٤٦-٧ مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة ١٠ ش أحمد عمارة - بجوار حديقة الفسطاط القاهرة ت: ٢٥٣٢٦٦١٠ محمول:٠١٠٢٣٢٧٣٠٢ - ٠١٢٦٣٤٤٠٤٣ www.iqraakotob.com Email:iqraakotob@yahoo.com

стр. 3

رب يسر وأعن يا كريم المقدمة الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذه الصفحات التي بين يديك - أخي القارئ- تتحدث عن القرآن وقيمته العظيمة، وكيفية الانتفاع به ليحدث الوصال الحقيقي بين القلب والقرآن فيتغير تبعًا لذلك الفرد ومن ثمَّ الأمة كما حدث مع الجيل الأول. ولعلك - أخي القارئ - تتساءل عن السبب الذي يدفع كاتب هذه السطور لكثرة الحديث عن القرآن في عدة كتابات سابقة حتى أصبح هذا الحديث هو القاسم المشترك في كُتبه الأخيرة!! بالفعل هناك دوافع تسوقني إلى كثرة الحديث عن القرآن وعدم الملل من ذلك، وأعترف بأنني قد أكرر بعض المعاني والأفكار في هذه الكتابات. ومن أهم هذه الدوافع هو ذلك الواقع المرير الذي تحياه أمتنا، واحتياجها الماس إلى مشروع ينهض بها، ويعيدها إلى سيرتها الأولى. ولقد أكرمنا الله وتفضل علينا بما لا نستحقه، وأرانا كيف يمكن أن يكون القرآن هو ذلك المشروع. فالقرآن كنز عظيم فيه كل ما يحتاجه الفرد ليصبح كما يحب الله ويرضى، وفيه كل ما تحتاجه الأمة للخروج من النفق المظلم الذي تسير فيه، والنهوض من كَبْوتها التي طالت وطالت .. إن القرآن يصلح تمامًا لأن يكون بمثابة مشروع لنهضة الأمة جمعاء، فهو كالشمس يسع الجميع، مع الأخذ في الاعتبار أن الشمس لا تؤثر إلا فيمن يتعرض لها، كذلك القرآن لا ينتفع به إلا من يحسن التعرض له، بل ويزيد القرآن على شمس الدنيا، بأن نوره لا يأفل وشمسه لا تغيب عن أي زمان أو مكان ... ومع تيسُّر القرآن للجميع إلا أن غالبية الأمة - إلا من رحم ربي - قد أعرضت عنه كمصدر متفرد لتوليد الإيمان وتقويم السلوك، واكتفت منه بتحصيل الأجر والثواب المترتب على تلاوته وحفظه. من هنا برزت أهمية التنبيه على الجانب العظيم المهجور في القرآن، والذي قد لا ينتبه إليه الكثيرون ممن يتعاملون معه، لذلك أكثرت -بفضل الله وعونه- من الكتابات التي تتحدث عن أهمية القرآن وكيفية الانتفاع الحقيقي به، لعل كتابا من هذه الكتب يقع بين يديْ من يبحث عن الصلاح الحقيقي لقلبه، والعلو والرفعة لأمته. فإن كنت - أخي القارئ- من هؤلاء، ولا أشك في ذلك، فأوصيك بالدعاء لكاتب هذه السطور بالمغفرة والرحمة وحسن الخاتمة، والدعاء كذلك للأمة بعودة أبنائها إلى القرآن، وحُسن الانتفاع به. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. كتبه العبد العاجز الفقير إلى عفو ربه ورحمته وتوفيقه مجدي الهلالي www.Alemanawalan.com * * *

стр. 4

قبل أن تقرأ هذه الصفحات أخي القارئ: إن الهدف التي تنشده هذه الصفحات هو: (تحقيق الوصال بين القلب والقرآن)، أو بمعنى آخر: السماح لنور القرآن بدخول القلب فينوره ويغيَّره، وهذا بلا شك سيستدعي التعامل مع القرآن بالطريقة التي تحقق هذا الهدف، والتي أرشدنا إليها الله في كتابه، ورسوله ﷺ في سنته، وطبقها الصحابة - رضوان الله عليهم - فكانوا بحق «جيلاً قرآنيًا فريدًا». وليس معنى هذا هو تسفيه أو تخطئة من لا يتعامل مع القرآن بهذه الطريقة، أو القول بحرمان من يقرؤه بدون فهم أو تأثر من الأجر والثواب، فنحن لا نقول بهذا، بل نقول بأن الذي يقرأ القرآن بلا فهم ولا تدبر ولا تأثر لن ينتفع بالقرآن بالشكل الصحيح، وإن كان هذا لن يحرمه الأجر بإذن الله. فعليك أخي القارئ أن تستصحب هذا المعنى وأنت تقرأ هذه الصفحات وغيرها. * * *

стр. 5

الفصل الأول الصخرة أغلقت الغار فهل إلى خروج من سبيل ؟!

стр. 6

الصخرة أغلقت الغار فهل إلى خروج من سبيل؟! لو تأملنا المرحلة التي تعيشها أمتنا لوجدناها تتشابه إلى حد كبير مع مرحلة التية التي مرت بها بنو إسرائيل عندما رفضوا دخول الأرض المقدسة، فكان العقاب الإلهي ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]. والجدير بالذكر أن بني إسرائيل ظلوا خلال هذه المدة يبحثون عن مخرج من التية، وكلما توهموا مخرجا اندفعوا إليه، وبذلوا فيه جهدهم، ليفاجأوا بعد ذلك أنه سراب، وأنهم لم يبرحوا مكانهم. وكذلك نحن، فمنذ عقود طويلة والمخلصون من أبناء أمتنا يبحثون عن مخرج يُنقذها من تيهها، إلا أن هذا البحث - مع ما فيه من جهد وإخلاص- تنقصه حلقة مهمة لكي تكتمل السلسلة وتظهر النتيجة المرجوة، وتنفرج الصخرة إنفراجًا يتيح للأمة الخروج من مأزقها الراهن. هذه الحلقة المفقودة تُعني بتشخيص السبب الرئيسي لمرض أمتنا وكيفية علاجه، وتنطلق من مفهوم يقول بأن أمتنا ليست كبقية الأمم، وأن لها وضعا خاصا عند الله ، فهي الأمة المكلفة منه سبحانه بحمل رسالته الأخيرة للبشرية وتبليغها للعالمين: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. فصيلة دم الأمة: فإن كانت أمتنا مكلفة من الله بحمل رسالته للناس أجمعين، فإنها لن تستطيع أن تقوم بهذه المهمة إلا إذا تقوَّت بالإيمان. فالإيمان هو الذي يعين أبناءها على ترجمة هذه الرسالة إلى واقع حي يراه الناس، ويولد داخلهم القوة الدافعة للقيام بمهمة البلاغ. لذلك نجد أن الله قد ربط بين علونا وقيادتنا للبشرية وبين الإيمان الذي تحمله صدورنا .. ألم يقل سبحانه: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. فالحماية والولاية والكفاية والنصرة على قدر الإيمان: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]. ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١]. والإيمان هو أهم شرط للتمكين: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].

стр. 7

إن فصيلة دم أمتنا هي الإيمان، ويوم أن يضعف الإيمان، ويتمكن الهوى وحب الدنيا من قلوب أبنائها، فإنها بذلك تفقد مصدر قوتها وتميزها على سائر الأمم، وليس ذلك فحسب؛ بل إن ضعف الإيمان وغلبة الهوى من شأنه أن يستدعى غضب الله عليها لأنها بهذا الضعف لن تستطيع أن تبلغ رسالته، ومن ثَّم فإن العقوبات ستتوالى عليها حتى تفيق من غفلتها، وتعود للإيمان فتتقوى به، وليس أدل على ذلك من قوله ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١). وعن أنس بن مالك مرفوعًا: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل للعامة، فيقول الله: ادع لخاصتك أستجب، وأما العامة فلا، فإني عليهم غضبان» (٢). مشكلتنا إيمانية: من هنا نقول بأن مشكلة أمتنا إيمانية بالدرجة الأولى، ولن ينصلح حالها، ولن تستعيد عافيتها إلا بالإيمان، فتستبدل بذلك غضب الله برضاه، ومن ثمَّ تستدعى نصره وتمكينه ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. وليس معنى القول بأن مشكلة أمتنا مشكلة إيمانية هو ترك الأخذ بأسباب التقدم المادية التي أخذت بها سائر الأمم، أو ترك الجهاد لتبليغ الدعوة وإقامة المشروع الإسلامي، بل المقصد هو إعادة ترتيب الأولويات، فالإيمان أولاً ثم يلي ذلك توجيه وتصريف الطاقة التي يولدها ذلك الإيمان في المجالات المختلفة، والسعي الدؤوب لاستكمال المشروع الإسلامي الذي يبدأ بإصلاح الفرد، فالبيت، فالمجتمع، وينتهي بأستاذية العالم ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. مع الأخذ في الاعتبار أن أهم عامل لنجاح هذا المشروع هو وجود المسلم الصحيح الذي ممكَّن لله في قلبه، وفانعكس ذلك على سائر حياته ليتحقق فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. ولا يمكن أن يظهر هذا النموذج إلا بالإيمان، فالإيمان هو الوقود الذي يولِّد الطاقة الدافعة للقيام بالواجبات المختلفة في أي زمان ومكان ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ - إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٤، ٤٥]. العمود الفقري للإيمان: فإن كانت فصيلة دم أمتنا هي الإيمان، وأننا الآن نعاني من نقص شديد فيه، فإن أعظم مقوٍ للإيمان هو القرآن (٣). فالقرآن هو المنبع العظيم للإيمان والذي لا يوجد له مثيل، ويكفي أنه ينادي على الجميع أن هلموا إلىَّ واستكملوا نقص إيمانكم، فمنابعي ممتلئة وجاهزة لإمدادكم جميعًا بما تحتاجونه من إيمان ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]. يقول محمد بن كعب القرظي: «المنادي هو القرآن، ليس كلهم رأي النبي ﷺ » (٤).

стр. 8

فالقرآن له قوة تأثير ضخمة على القلوب لا يناظره فيها مصدر آخر وكيف لا، وهو كلام رب العالمين الذي إذا استقبلته الجبال الرواسي لتصدعت واندكت من قوة تأثيره عليها ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر: ٢١]. فإن كان الإيمان للقلب كالروح للبدن، فإن القرآن يمثل العمود الفقري لهذا الإيمان؛ لذلك ليس عجبا أن يُسمى القرآن بالروح: +وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا" [الشورى: ٥٢]. يقول مونتاي: إن مثل الفكر العربي الإسلامي المبعد عن التأثير القرآني كمثل رجل أفرغ من دمه (١). إن القرآن - كما يقول محمد إقبال- ليس بكتاب فحسب .. إنه أكثر من ذلك، إذا دخل القلب تغير الإنسان وإذا تغير الإنسان تغير العالم (٢). ويكفيك لتأكيد هذا المعنى ما حدث مع الجيل الأول حينما أحسنوا التعامل مع القرآن، وحين استقبلته قلوبهم الاستقبال الصحيح فكانت النتيجة السريعة المذهلة ... سيادة الأرض في سنوات قليلة. إنهم صُنعوا ها هنا: فإن كان التحقق بالإيمان والربانية هو أهم صفات جيل التمكين، فليس عجبًا أن يكون الصحابة رضوان الله عليهم قد تحققت فيهم هذه الصفة على خير ما يكون، وكان السبب الرئيس في هذا هو القرآن، ولقد تحدث الأستاذ سيد قطب ﵀ في هذا الأمر كثيرًا في كتاباته، ومن ذلك ما قاله في آخر كتبه - مقومات التصور الإسلامي: «لقد كنت وأنا أراجع سيرة الجماعة المسلمة الأولى أقف أمام شعور هذه الجماعة بوجود الله - سبحانه - وحضوره في قلوبهم وفي حياتهم، فلا أكاد أدرك كيف تم هذا؟! كنت أدرك طبيعة وجود هذه الحقيقة وحضورها في قلوبهم وفي حياتهم، ولكني لم أكن أدرك كيف تم هذا حتى عدت إلى القرآن أقرؤه على ضوء موضوعه الأصيل: تجليه حقيقة الألوهية وتعبيد الناس لها وحدها بعد أن يعرفوها. وهنا فقط أدركت كيف تم هذا كله! أدركت - ولا أقول أحطت - سر الصناعة! عرفت أين صُنع ذلك الجيل المتفرد في تاريخ البشرية وكيف صنع! إنهم صُنعوا ها هنا! صنعوا بهذا القرآن! بهذا المنهج المتجلى فيه! بهذه الحقيقة المتجلية في هذا المنهج! حيث تحيط هذه الحقيقة بكل شيء، وتغمر كل شيء، ويصدر عنها كل شيء، ويتصل بها كل شيء! وتكيف بها كل شيء .. بهذا كله وجدت - في الأرض وفي دنيا الناس .. حقيقة «الربانية» متمثلة في أناس من البشر. وُجد «الربانيون» الموصولون بالله، العائشون بالله، ولله، والذين ليس في قلوبهم وليس في حياتهم إلا الله. وحينما وجدت حقيقة «الربانية» هذه في دنيا الناس، ووجد الربانيون الذين هم الترجمة الحية لهذه الحقيقة .. حينئذ انساحت الحواجز الأرضية، والمقررات الأرضية، والمألوفات الأرضية .. ودبت هذه الحقيقة على الأرض .. وصنع الله ما صنع في الأرض وفي حياة الناس بتلك الحفنة من العباد. وبطلت الحواجز التي اعتاد الناس أن يروها تقف في وجه الجهد البشري وتحدد مداه، وبطلت المألوفات التي يقيس بها الناس الأحداث والأشياء .. ووجد الواقع الإسلامي الجديد، وولد معه الإنسان الحقيقي الجديد» (٣) ..

стр. 9

القرآن مخرجنا: فإذا كان القرآن قد صنع الجيل الأول، فإنه قادر بإذن الله أن يصنع أجيالاً ربانية جديدة، وأن يخرج الأمة - بإذن الله- من أزمتها، ويعيد لها مكانتها. وليس هذا الكلام من قبيل الأماني والأحلام بل هو حقيقة أكدها التاريخ، وأخبرنا بها رسول الله ﷺ ، ففي حديث حذيفة بن اليمان حين أخبره رسول الله ﷺ بما سيحدث من اختلاف وفرقة بعده. قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك، قال: «تعلَّم كتاب الله ، واعمل به فهو المخرج من ذلك». قال حذيفة: فأعدت عليه ثلاثًا، فقال ﷺ ثلاثًا: «تعلَّم كتاب الله واعمل به فهو النجاة» (١). وخطب ﷺ في مرجعه من حجة الوداع فقال: «إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأُجيبه، وإني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدين ومن أخطأه ضل» (٢) وعندما حدثت فتنة مقتل عثمان بن عفان ﵁ ذهب عبد الرحمن بن أبزى إلى أُبي بن كعب ﵁ ليسأله: أبا المنذر ما المخرج؟ قال: كتاب الله، ما استبان لك فاعمل به وانتفع، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه (٣). وفي الحديث الذي رواه الحارث الأعور قال: دخلت المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على على ﵁ فقلت: يا أمير المؤمنين، أما ترى الناس يخوضون في الأحاديث؟ فقال: فقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون فتن» قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله تعالى، فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل .. الحديث» (٤). أين السنة ؟! وليس معنى القول بأن القرآن هو المخرج التقليل من شأن السنة النبوية، بل العكس فالقرب الحقيقي من القرآن سيزيدنا حبًا للسنة، ويعيننا على العمل بما تدل عليه. فالسنة تشرح القرآن وتبين ما أُجمل فيه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وليس أدل على أهمية التمسك بالسنة مع القرآن من قوله ﷺ : «تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علىَّ الحوض» (٥). مع الأخذ في الاعتبار أن القرآن ينفرد بإعجازه ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. فالقرآن الكريم أعظم معجزة نزلت من السماء، والسر الأعظم لإعجازه يكمن في قوة تأثيره على القلوب، فإن كانت المعجزات السابقة حِسِّية تشاهد بالأبصار، فإن معجزة القرآن تشاهد بالبصائر، ويشعر بها كل من يتعرض لها. نعم، هناك أوجه إعجاز متعددة للقرآن (الإعجاز البياني والإعجاز التشريعي والإعجاز الغيبي والعلمي) إلا أن سر إعجازه الأعظم - كما يقول الإمام الخطابي - هو: «صنيعه بالقلوب، وتأثيره في النفوس. فإنك لا تسمع كلاما - غير القرآن - منظورًا أو منثورًا إذا قرع السمع خلص منه إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه. ويستطرد الخطابي قائلاً:

стр. 10

تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق، وتَغَشَّاها من الخوف والفَرَق .. ما تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب .. يحول بين النفس وبين مُضمراتها وعقائدها الراسخة فيها. فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتَّاكها، أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانًا (١) .. إن تأثير القرآن على القلوب لا يوجد له نظير، ومن ثمَ فإن من يُحسن التعرض له سيكون من أكثر الناس حبا للسُّنة، وحرصا على تطبيقها، وكيف لا والطاقة المتولدة من كثرة التأثر بآيات القرآن ستدفعه لتطبيق كل ما يستطيع تطبيقه مما يُحبه الله ورسوله. القرآن والأعمال الصالحة الأخرى: وليس المقصد كذلك من كلامنا عن القرآن التقليل من شأن بقية الأعمال الصالحة الأخرى، فكل طاعة، وكل عمل صالح له وظيفة في تشييد بنيان الإيمان في قلب المسلم، ولكن المقصد هو وضع القرآن في حجمه الصحيح بالنسبة لتلك الأعمال. فكما أن للحج أعمالاً كثيرة كالسعي والطواف ورمي الجمار، إلا أن أهم عمل في الحج هو الوقوف بعرفة، فبه يتحقق أهم مقصود للحج من إظهار الذل والانكسار والتَبَؤُّس والافتقار لله ، لذلك قال ﷺ : «الحج عرفة» (٢). وكما أن للتوبة أعمالاً كثيرة كالإقلاع عن الذنب، ورد المظالم، والاستغفار، إلا أن أهم عمل للتوبة هو الندم، وبدونه لن تتحقق التوبة .. قال ﷺ : «الندم توبة» (٣). كذلك القرآن بالنسبة للإيمان، فكما أن كل طاعة، وكل عمل صالح من شأنه أن يزيد الإيمان كالصيام والصدقة وغيرهما إلا أن القرآن يُمثل العمود الفقري للإيمان، وبدونه لا يمكن للقلب أن يستعيد عافيته بصورة كاملة، وتُبث الروح في جنباته .. إنه كالماء فيه حياة لكل من شرب منه. وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: وكل من القلب والبدن محتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح .. وكما أن البدن محتاج أن يرقى بالأغذية المصلحة له، والحمية عما يضره، فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه ومنعه مما يضره، فكذلك القلب: لا يزكو، ولا ينمو، ولا يتم صلاحه إلا بذلك .. ولا سبيل له إلى الوصول لذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شيء منه من غيره .. فهو شيء يسير لا يحصل له به تمام المقصود (٤) .. من هنا ندرك مغزى قول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: لو بات رجل ينفق دينارًا دينارًا، ودرهمًا درهمًا، ويحملُ على الجياد في سبيل الله، حتى يصبح متقبلاً منه، وبت أتلو كتاب الله حتى أصبح متقبلا مني لم أحب أن لي عمله بعملي (٥). وكان عبد الله بن مسعود ﵁ ضعيف البنية، وكان يُقل من صيام التطوع، فسئل عن سبب إقلاله من الصوم. فقال: إنه يضعفني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلىَّ منه (٦). وإن تعجب فعجبٌ قول الضحاك بن مزاحم: لولا تلاوة القرآن لسرني أن أكون مريضا. فقيل له: لِمَ؟ قال: لأن المرض يرفع عني الحرج ويُكفر عني الذنوب، ويجرى لي مثل صالح ما كنت أعمل (٧).

стр. 11

فهو يعلم أن أثر التلاوة لا يعدله شيء من إيمان وأمان وسكينة كما قال عبد الله بن مسعود: إن هذا القرآن مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن (١). هل أدرك المسلمون قيمة القرآن ؟! فإن كان القرآن كذلك فهل أدرك المسلمون قيمته، وهل أحسنوا الانتفاع به؟! هل تعاملوا معه على حقيقته كمصدر متفرد لزيادة الإيمان ومن ثمَّ التغيير؟! للأسف لم يحدث هذا، بل حدث العكس، فلقد انصب اهتمام الغالبية منهم - إلا من رحم ربي - على الناحية الشكلية للقرآن، ولم يواكب ذلك اهتمام بتدبره والتأثر به، والاغتراف من منابع الإيمان التي تتفجر من كل آية من آياته، لتستمر الأمة في ضعفها وعجزها عن النهوض من كبوتها، وكيف لا وقد هُجر أهم وأعظم مصدر للإمداد الإيماني. ومما يزيد الأمر صعوبة أن الكثيرين لا يعترفون بذلك، بل يعتبرون أن الاهتمام بالقرآن يعني الإكثار من قراءته بفهم أو بدون فهم، ويعني كذلك تخريج أكبر قدر من حُفَّاظ ألفاظه في أقل وقت ممكن .. فازداد القرآن يُتما، وأصبح حاضرًا وغائبًا .. موجودًا ومهجورًا. صار حاضرًا بلفظه على ألسنة الُقَّراء والحفاظ، لكنه غائب بروحه وأنواره عن القلوب، وأثره الإيجابي في السلوك. صار موجودا بشكله من خلال المطابع والإذاعات والمدارس والكليات والمسابقات، لكنه مهجور في حقيقته وتأثيره على القلوب، وتغييره للأخلاق والسلوك. فإن قلت هلموا إلى القرآن ننتفع به، قيل لك: وماذا علينا أن نفعل مع القرآن أكثر مما نفعل، فأغلب بيوت المسلمين - إن لم تكن كلها - تحتوي على نسخة أو عدة نسخ من المصحف، والكثير من الأسر تجد فيها من يحفظ قدرًا من القرآن، والإذاعات التي تبث آياته ليل نهار في ازدياد مستمر!!. من هنا تكمن صعوبة الأمر، فمع تَيسُّر القرآن للجميع إلا أن الشعور بالاحتياج إليه كمصدر لا غنى عنه لتوليد الإيمان وبث الروح إلى القلب يكاد يكون غير موجود. إن حالنا ينطبق مع حال من يحتاج احتياجًا ماسًا إلى الماء ليروى ظمأه، فيبحث عنه لاهثًا في كل مكان على الرغم من كونه موجودًا بين أمتعته وفي متناول يده، لكنه لا يصدق ذلك. وانطبق حالنا مع قول الشاعر: ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الدليل وما إليه وصول كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول الرسول ﷺ يشكونا: ومما يلفت الانتباه أن رسولنا ﷺ قد اشتكانا لله بخصوص هذا الوضع الشاذ الذي نفعله مع القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. ولو تأملنا هذه الشكوى لوجدنا أمرًا عجيبًا: فلو كانت الآية لم تتضمن كلمة «اتخذوا» أي كانت بمعنى: يا رب إن قومي هجروا القرآن لكان المراد بها أناسًا أبعدوا القرآن تمامًا عن حياتهم، فلا تجد فيها أي مساحة لقراءته أوسماعه أو إذاعته. لكن وجود كلمة «اتخذوا» مع كلمة «مهجورا» أعطت لمفهوم الهجر بُعدًا آخر، ودلت على أن الشكوى تخص أناسًا تعاملوا مع القرآن، وبذلوا فيه مجهودا؛ فكلمة اتخذوا تدل على ذلك، إلا أنهم في نفس الوقت - رغم هذا المجهود - قد هجروا القرآن، وذلك حين اهتموا بشكله ولفظه، وهجروا أهم جانب فيه ألا وهو تأثيره المتفرد على القلوب ليحول ما فيها من ظلمات الهوى إلى نور الإيمان ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].

стр. 12

فحين اكتفينا بالتعامل مع القرآن بالألسنة والحناجر، ولم نجتهد في الوصول بالقرآن إلى العقول والقلوب فإننا بذلك قد حرمنا أنفسنا من أهم جانب فيه، ومن سر إعجازه الأعظم .. فكانت المحصلة أننا اتخذنا القرآن مهجورا؛ لينتج عن ذلك الهجر هبوطنا لهذا الدرك، ليصدق فينا قول رسول الله ﷺ : «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (١). فما الحل في هذه الإشكالية ؟! مشكلتنا إيمانية، وحلها غاية في السهولة وهو حُسن الإقبال على القرآن .. والقرآن بين أيدينا، جاهز لتغييرنا، وإمدادنا بإيمان متدفق ليس له حدود، ومن ثم القضاء على الوهن والضعف الذي أصابنا وجعلنا معرة الأمم. ومع ذلك الحل المُيسَّر لجميع أفراد الأمة إلا أن الكثير من أبنائها غير مصدق لهذه الحقيقة، ويرى أن هذا الكلام فيه مبالغة، وأن غاية الجهد والخدمة للقرآن هو الإكثار من الكتاتيب والمدارس والكليات لتخريج أكبر قدر من حُفَّاظ حروفه في أقل وقت ممكن، وحث الناس على كثرة قراءته والاجتهاد في ختمه مرات ومرات - وبخاصة في شهر رمضان - لنيل أكبر قدر من الحسنات فقط. فإن ذكرتهم بأهمية التدبر والتأثر بالقرآن قال بعضهم: نريد أكبر قدر من الحسنات .. نريد دخول الجنة؛ والتدبر يعطلنا عن كثرة القراءة. وقال البعض الآخر: فلتكن هناك ختمة للقراءة السريعة التي تهتم بتحصيل أكبر قدر من الحسنات دون فهم أو تأثر، وختمة للفهم والتأثر، ولا بأس - على حد قولهم - من أن نمكث مع ختمة التدبر سنوات وسنوات. كل هذا وغيره يتردد بين الكثير من المسلمين، مما جعل أمر العودة الحقيقية إلى القرآن، والانتفاع به لحل مشكلتنا الإيمانية من الصعوبة بمكان. ولكن حيث أنه لا بديل للأمة عن هذا الحل، فلا بد أن يستمر ويستمر التذكير بقيمة القرآن، وبالهدف الأسمى لنزوله، والذي لو اتضح أمامنا بصورة جلية، وأصبح إيمانًا مستقرًا في قلوبنا، فإنه - بلا شك - سيولد داخلنا الدافع القوي للإقبال على القرآن بصورة صحيحة لنلتمس منه الهدى والنور، أو بمعنى آخر، سيتحول اهتمامنا نحو تحقيق الهدف الذي من أجله نزل القرآن، وسنطوع الوسائل المختلفة - من قراءة وسماع وحفظ - لتحقيق هذا الهدف، فالإيمان بالقرآن والثقة الكبيرة فيه كمصدر متفرد للهداية والإيمان والتغيير هو نقطة البداية الصحيحة نحو العودة الحقيقية إليه، والانتفاع به. فكما يقول الإمام البخاري: لا يجد طعمه إلا من آمن به (٢). ويقول مالك بن دينار: أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه (٣). فالذي يؤمن بالقرآن لا يسعه إ أن يتعامل معه تعاملا صحيحًا ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. فإن قلت: ولكننا نؤمن بالقرآن ومع ذلك لا نجد طعمه ولا تأثيره. ليس المقصد من الإيمان بالقرآن هو مجرد الإيمان بأنه «كلام الله، المنزل على محمد ﷺ ، المتعبد بتلاوته» (٤). بل المقصد بالإضافة لهذا الإيمان: الإيمان بقيمته وعظيم شأنه، وأنه نزل من السماء ليهدي الناس إلى الله، ويأخذ بأيديهم إليه ..

стр. 13

بهذا الإيمان تعامل الصحابة مع القرآن، يقول عبد الله بن عمر ﵁: لقد عشنا برهة من الدهر وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ ، فيُتَعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ من بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده، وينثره نثر الدقل (١) - وفي رواية: (وكل حرف منه ينادي: أنا رسول الله إليك لتعمل بي وتتعظ بمواعظي) (٢). ويؤكد على هذا المعنى الصحابي جُندب بن عبد الله ﵁ بقوله: كنا مع النبي ﷺ ونحن غلمان حَزاورة (٣) فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا (٤). فإن قلت بأن هؤلاء قد أدركوا قيمة القرآن لأنهم سمعوا شيئًا لم يكونوا يألفونه .. سمعوه غضًا طريًا، فأنصتوا إليه مشدوهين، فامتلك عليهم مشاعرهم، وأحدث فيهم أثره البالغ. نعم، هذا كلام صحيح كسبب من الأسباب التي أوصلتنا لهذا الوضع الغريب، فلقد ورثنا القرآن فيما ورثناه عن آبائنا، وورثنا نفس طريقة التعامل معه، كما ألفنا سماع نغمته منذ نعومة أظافرنا، فتعودنا عليه، فلم يعد يؤثر فينا كما أثر في الأجيال الأولى .. هذا بالإضافة إلى أسباب أخرى سيأتي بيانها - أدت مجتمعة إلى انزواء القرآن في ركن بعيد من عقولنا، وبيوتنا، وحياتنا. وكأني بالقرآن ينادي علىَّ وعليك ويقول: «هل أستحق منك هذه المعاملة مع أن هدفي إسعادك، وإدخال السرور والبهجة على قلبك ومساعدتك على مواجهة الحياة بحلوها ومرها؟! أأكون في بيتك وتهجرني كل هذا الهجر؟! أحين أكون بين يديك لا يصير نصيبي منك إلا حنجرتك؟! أتسمع آياتي تتلى ولا تنصت لها؟! أتدري ماذا سأقول لربك يوم القيامة؟! هيا بادر قبل فوات الأوان، واجعلني حجة لك لا عليك». الإيمان بالقرآن هو البداية: من هنا نقول بأن نقطة البداية الصحيحة في طريق الانتفاع بالقرآن هي زيادة الإيمان والثقة فيه كمصدر متفرد للهداية والشفاء والتغيير، ويمكن بعون الله أن يتم هذا من خلال التعرف على السبب الأسمى لنزول القرآن، وبالأثر الذي يُحدثه في القلوب، والتعرف على نماذج واقعية أحدث فيها القرآن أثره، وبث فيها روحه، والتعرف كذلك على الأسباب التي أدت بنا إلى ضعف الإيمان بالقرآن، فصرنا كما قال ابن عمر ﵁: «ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده، وينثره نثر الدقل». وبعد التعرف على الأسباب المختلفة التي أوصلتنا لهذه الحالة، علينا أن نتعرف على الوسائل المعينة على الانتفاع بالقرآن، لنبدأ بها مهمة تحقيق الوصال بين القلب والقرآن. وفي الصفحات القادمة تبدأ بعون الله وفضله رحلة تعميق الإيمان بالقرآن، والتي تنطلق من التعرف على السبب الرئيس لنزول القرآن، والذي إن اتضح في الأذهان، واستقر مدلولة في القلوب، فسيكون له أعظم الأثر في تغيير نظرتنا للقرآن، وطريقة تعاملنا معه، ومن ثم الانتفاع الحقيقي به. * * *

стр. 14

الفصل الثاني حبل الودّ

стр. 15

حبل الود خلق الله مخلوقات كثيرة، لكنه - سبحانه - قد اختص منها مخلوقًا واحدًا خلقه لنفسه، ونفخ فيه من روحه، وكرمه، وأحسن خلقه، وأسجد لأبيه الملائكة، وأعد له الجنة لتكون دارًا للنعيم الأبدي، وذلك بعد أن يجتاز اختبارًا يسيرًا على الأرض، جوهره هو عبادته - سبحانه - بالغيب. جاء في الأثر: يا ابن آدم خلقت كل شيء لك، وخلقتك لنفسي، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له (١). ومما لا شك فيه أن الله يريد لعباده جميعًا الخير، فما من مولود يولد إلا ويريد الله له الفلاح والنجاح في امتحان الدنيا، ومن ثمَّ دخول الجنة والتنعم فيها ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١]. أما من يدخل النار فهو الذي يأبى ويُصر على عدم دخول الجنة، وإلا فماذا تقول عن موقف هؤلاء المشركين من دعوة الإسلام؟! ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ومع هذا الإصرار في طلب العقوبة إلا أن الله لم يستجب لطلبهم، ولم يَعْجل بعجلتهم، لأنه سبحانه يريد لهم الخير، لذلك فهو يحلم عليهم، ويصبر على كفرهم وظلمهم لأنفسهم، ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة لعلهم ينتبهون قبل فوات الأوان ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩]. عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» (٢). ويكفي في تأكيد هذا المعنى ما حدث لأصحاب القرية المذكورة في سورة «يس» الذين شردوا عن الله فأرسل سبحانه لهم رسولين يذكرانهم بحقيقة وجودهم في الدنيا، وضرورة العودة إلى الله قبل فوات الأوان. فكيف كان استقبال أصحاب القرية لهما؟! كذبوا الرسولين واستهزؤوا بهما، وسخروا منهما. فماذا فعل الله بهم بعد هذا التكذيب؟! أرسل إليهم رسولاً ثالثًا .. ففعلوا معه مثل ما فعلوا بأخويه ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ - إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ - قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٣ - ١٥]. فجاءهم رجل من بينهم يعرفونه ويعرفهم .. جاءهم من أقصى المدينة ليؤكد لهم صدق الرسل الثلاثة، فقتلوه ليستدعوا بذلك غضب الله وعقوبته، بعد حلمه وصبره العظيم عليهم، وجاء الأمر بعقابهم لأنهم مجرمون لا يريدون الإيمان، ويصرون على ذلك إصرارًا شديدًا رغم كل الآيات البينات التي أرسلها الله لهم، فكانت العقوبة ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]. وبعد بيان القرآن الوافي لحال هؤلاء المكذبين وكيف أنهم هم الذين استدعوا العقوبة بإجرامهم إلا أننا نفاجأ بالتعقيب الإلهي على نهاية هؤلاء بقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠].

стр. 16

فالله يتأسف عليهم، وعلى المصير الذي آلوا إليه، مع أنهم هم الذين فعلوا ذلك بأنفسهم، وأصروا واستكبروا استكبارًا، إلا أن هذا لم يمنع من أن يتأسف الله -سبحانه - عليهم .. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾. نعم - أخي - هذا هو ربك الرحيم الودود الذي لا يرضى لعبد من عباده الضلال والكفر ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]. لكنه - سبحانه - كتب على نفسه أن يترك للبشر حرية الاختيار، وأن يعبدوه بإرادتهم، فلا يجبرهم على فعل طاعة، أو ترك معصية، وإلا صاروا مثل بقية المخلوقات، وفي نفس الوقت فإنه سبحانه يريد لهم جميعًا الخير ودخول الجنة لذلك فهو لا يُعَجِّل بعقوبتهم إذا ما عصوه، بل يحلم ويحلم لعلهم يرجعون إليه في يوم من الأيام ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]. ألا يكفيك في تأكيد هذا المعنى أن الله يرى الناس تكفر به، وتجعل له ندًا، وولدًا وهو مع ذلك يرزقهم ويعطيهم؟! قال عبد الله بن قيس: قال رسول الله ﷺ : «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندًا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم» (١). وعن شهر بن حوشب ﵁: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك (٢). الرحمة الواسعة: في يوم من الأيام شاهد رسول الله ﷺ والصحابة الكرام امرأة تسعى ملهوفة تبحث عن ابنها الذي ضل عنها، فلما وجدته أَخَذته فألزقته بطنها، ثم أرضعته، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه بعد رؤيتهم لهذا المشهد المؤثر: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قالوا: لا والله. فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (٣). نعم، الله أرحم بعباده من هذه بولدها، ومن كل والد بولده. أرأيت كيف يتعامل الأب مع أبنائه، وكيف يحبهم ويتعب من أجل راحتهم .. أرأيت كيف يفرح بنجاحهم، ويحزن على إخفاقهم، ولا ينقطع رباط الود والشفقة بينه وبينهم مهما طال الزمن، حتى وإن شرد بعضهم، وانحرف عن جادة الطريق، فإنه لا يتخلى عنه، بل يعمل جاهدًا على إعادته لصوابه مستخدمًا أساليب الترغيب والترهيب. فإن أبي إلا السير في طريق الظلام، فإن الأب - وإن بدا غاضبًا عليه - إلا أن حبل الود لا ينقطع أبدًا، فهو يدعو له، ويتمنى لحظة توبته، وينتظر منه أي بادرة خير يُقبل بها عليه حتى يُبادره بأضعافها. فإن كان هذا هو حب الأب لأبنائه، فإن حب الله لعباده أشد وأشد، ومما يؤكد هذه الحقيقة: فرحه سبحانه بتوبة العاصين والشاردين، بل و الكافرين. تأمل معي قوله ﷺ : «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فَأَيِس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أَيِس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» (٤). وقال ﷺ : «لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد» (٥).

стр. 17

وكيف لا وهو سبحانه (يحب من عباده أن يطيعوه، ويكره أن يعصوه، ويفرح بتوبة عبده مع غناه المطلق عن طاعته، وأن نفعها إنما يعود إليه، لكن هذا من كمال رأفته بهم وحبه لنفعهم) (١). نعم يا أخي، فالله يريد الخير لجميع البشر حتى اليهود والنصارى .. حتى المنافقين وقطاع الطرق .. حتى الذين يعذبون الناس .. يريد لهم جميعًا أن يستغفروه فيغفر لهم، ويتوبوا إليه فيقبلهم .. ألم يقل سبحانه لعباده العاصين المسرفين على أنفسهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. ألم يقل سبحانه للنصارى بعد أن ادَّعوا أن له صاحبة وولدًا: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]. ألم يقل سبحانه عن قطاع الطرق: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]. ألم يخاطب الناس جميعًا ويقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُم﴾ [النساء: ١٧٠]. فماذا تقول بعد ذلك لرب ودود يريد لعباده جميعًا الخير والسعادة في الدنيا والآخرة «يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو إنك أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة» (٢). جحود الإنسان: هذه المعاملة الودودة من الله للإنسان لم يقابلها نفس المعاملة من الإنسان لربه سبحانه، بل ولا عُشر معشارها، والعجيب أننا لو نظرنا لجوانب رعاية الله، ودوام إمداده، وتربيته، ولطفه، ووده لأي إنسان، واستمرار ذلك، وعدم توقفه ولو للحظة واحدة لشعرنا وكأن هذا الإنسان هو العبد الوحيد لله!! .. وإذا ما نظرنا إلى رد فعل هذا الإنسان تجاه تلك المعاملة، ومدى تفاعل مشاعره وسلوكه معها لظننا أن لهذا الإنسان ربًا آخر غير الله لما نرى من جحوده وإعراضه عنه سبحانه، ويُجَسِّد هذا الحال الشاذ ما جاء في الأثر عن رب العزة: «إني والجن والإنس في نبأ عظيم؛ أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلىَّ صاعد. أتحبب إليهم بنعمى وأنا الغنى عنهم، ويتبغضون إلىَّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلىَّ ... من أقبل إلىَّ تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد. ومن أراد رضاي أردت ما يريد. ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد. أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنَّطهم من رحمتي، فإن تابوا فأنا حبيبهم، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من المعايب. من آثرني على سواي آثرته على سواه. الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والسيئة عندي بواحدة، فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له. أشكر اليسير من العمل، وأغفر الكثير من الزلل. رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي .. أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها (٣).

стр. 18

غواية الشيطان: ومما ساعد الإنسان على جحوده لربه وبعده عنه: عدو الله إبليس. فإبليس كان يعبد الله مع الملائكة، وعندما خلق الله آدم واختصه لنفسه ونفخ فيه من روحه طلب سبحانه من الملائكة السجود له، فرفض إبليس السجود متعللا بأنه كيف يسجد لمن هو أقل منه؟! ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وبدلا من أن يعترف إبليس بخطئه، نجده يصر على ادعائه، فكان ذلك سببًا في طرده من رحمة الله، والحكم عليه بالحبس في النار: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]. ولأن إبليس يرى أن سبب هذه العقوبة هو آدم، ويرى كذلك أنه مُحق في رفضه السجود، لذلك فقد طلب من الله مهلة قبل تنفيذ العقوبة، لا ليرتاح، بل لينتقم لنفسه من آدم وبنيه جميعًا، ويثُبت أنه أفضل منهم. ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ - قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ - إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٩ - ٨١]. وبعد أن أعطاه الله المهلة التي طلبها، أقسم بعزة الله سبحانه أن يجتهد في غواية الناس أجمعين وسوقهم معه إلى النار فيحقق مراده، ويُرضى نفسه، ويُنفس عن حقده وحسده، ويُظهر للجميع أن هذا المخلوق الذي اختصه الله لنفسه وكرمه، وأسجد له الملائكة لا يستحق هذا كله بدليل أنه وقع فريسة سهلة في حبائله، وانخدع بغوايته: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢]. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ - ثُمَّ لآَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧] معنى ذلك أن كل من يعصى إبليس ويخالفه من أبناء آدم، ويعبد الله بالغيب، وينجح في امتحان العبودية فيدخل الجنة؛ يعد بمثابة مصيبة، وكارثة على إبليس، لأن ذلك معناه إثبات عكس ما يدعيه، ومن ثمَّ يتأكد خطؤه برفضه السجود لآدم، ويتأكد كذلك استحقاق آدم لكل مظاهر التكريم والعناية التي نالها. طبيعة المعركة: من هنا ندرك طبيعة المعركة بين إبليس وبين البشر، وندرك أيضًا بأن مستهدف إبليس هو إضلال الجميع بلا استثناء. فكل رجل أو امرأة في أي زمان أو مكان يُشكل هدفًا خاصًا له، فهو لا يكتفي بمن أضلهم، بل يريد ألا يفلت منه أحد من البشر. ومما يؤكد هذا المعنى ما يحدث له يوم عرفة عندما يجد الرحمات والمغفرة تتنزل على العباد، فيتحسر على مجهوده الضائع في إغواء هؤلاء .. يقول ﷺ : «ما رُئى الشيطان يومًا هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة» (١). إن هدف إبليس واضح ومحدد ألا وهو غواية البشر جميعًا وسوقهم معه إلى النار ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. فإن كان هذا هو هدف إبليس فماذا تظن أن يفعل بالناس؟! بلا شك أنه سيستخدم معهم كل الوسائل والأساليب التي من شأنها أن تشغلهم عن أداء المهمة التي خلقوا من أجلها فيكون مصيرهم النار كما يريد.

стр. 19

وبالفعل نجح إبليس نجاحا كبيرا في تحقيق هدفه، فقد سار وراءه أغلب البشر .. ساروا وراءه بإرادتهم، ولو استخدم أحدهم عقله؛ لتبين له كذب الأماني التي يمنيه الشيطان بها ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ - وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ - وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. أبواب الشيطان ومن أعظم الأبواب التي يلج منها الشيطان على الإنسان باب الشبهات، وباب الشهوات. فمن باب الشبهات يُشككه في وجود إله لهذا الكون، أو يشككه في أن إله الكون هو (الله)، أو يشككه في وجود حياة وبعث وحساب بعد الموت ... كل ذلك لكي يبعده عن التوحيد ولزوم الصراط. أما باب الشهوات؛ فهو يدخل من خلال النفس وهواها وحبها لنيل الشهوات واستيفاء الحظوظ، فيزين لها المحرمات، والفجور، والعصيان، ويستغل جهلها، وحبها لهذه الأمور ليحقق مراده بترك صاحبها لفعل المأمورات، وارتكابه المحظورات، ومن ثمَّ يبتعد عن الصراط ... الرحيم الودود ومع أن الشيطان لم يجبر أحدًا على السير وراءه ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلا أن الله لم يترك عباده فريسة لوساوسه وإغراءاته، وكيف يتركهم وهو الإله الودود الذي يحب عباده ويريد لهم دخول جنته ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة: ٢٦٨]. فكانت رسالاته المتتالية لهم والتي تذكرهم بحقيقة وجودهم في الدنيا، وأنها دار امتحان، وأن هناك ربًّا واحدًا لهذا الكون .. هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم ويحفظهم ويمدهم بكل مقومات الحياة، وأن هذا الرب هو وحده المستحق للعبادة، وهو الذي إليه سيرجعون بعد الموت ليسألهم عن المهمة التي طالبهم بأدائها، ألا وهي عبادته - سبحانه - بالغيب، فمن نجح في القيام بها فإن له جائزة عظيمة، ونعيمًا أبديًا في دار تسمى «الجنة»، ومن فشل فيها فسيعاقب بالحبس في سجن اسمه «النار». وترسم هذه الرسالات للناس الطريق الموصل لرضا الله ، وكيفية النجاح في اختبار الدنيا، وتستفيض في الحديث عن ربهم، وتطمئنهم من ناحيته، وأنه رب رحيم ودود لا يريد لهم إلا الخير، وأكبر دليل عملي على ذلك هو حلمه عليهم، وعدم محاسبتهم الفورية على ذنوبهم أو أخذهم بها .. ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠]. وتقوم هذه الرسالات بتنبيه الناس وتحذيرهم من عدوهم الذي يريد لهم الشر ودخول النار، وتكشف لهم أساليبه في الغواية ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]. باختصار إنها رسالات تخاطب الناس جميعًا، وتقول لكل واحد منهم: أقبل ولا تخف فربك ينتظرك. وكانت آخر هذه الرسالات التي أرسلها الله لبني البشر هي «القرآن»، فقد جعلها - سبحانه - بمثابة الرسالة الخاتمة للبشرية جمعاء، وأرسلها مع خير رسله محمد بن عبد الله ﵊.

стр. 20

لماذا أنزل الله القرآن ؟! إذن فقد أنزل الله القرآن ليكون وسيلة يهتدي الناس من خلالها إلى طريقه، وإلى جنته ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤، ١٧٥]. فمن يقرأ القرآن يتأكد لديه بالأدلة العقلية أن للكون إلهًا واحدًا، وأن هذا الإله هو الله سبحانه، وأنه خلقنا وأسكننا الأرض ليختبرنا، وأن هناك حياة بعد الموت ثم حسابًا، فنعيمًا أو عذابًا. ولا يكتفي القرآن بذلك بل يرسم للناس الطريق المستقيم الموصل للنجاح في هذا الاختبار، ونيل رضا الله، ويعرَّفهم بالعقبات التي قد تعترضهم، وبالمنحنيات التي قد تُبعدهم، وبعَدُوَّهم الذي يتربص بهم .. كل هذا من خلال خطاب ودود يقطر رحمة وشفقة وحنانا .. خطاب يستحث الجميع إلى سرعة العودة إلى الله قبل فوات الأوان: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ [الشورى: ٤٧]. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. إنه الحبل المتين الذي أنزله الله من السماء لينتشل به الناس من الضلال .. إنه حبل الودّ الذي يظهر مدى حب الله لعباده، وأنه يريد لهم جميعًا الخير. ألم يقل ﷺ : «أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفهُ بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا، ولن تضلوا بعده أبدًا» (١). المعرفة وحدها لا تكفى: فإن قلت إن معرفة طريق الهدى وحدها لا تكفي للسير فيه، فقيود الشهوات تقيد القلب، وتجذبه إلى الأرض، ووساوس الشيطان وإغراءاته تثبط الإنسان كلما همَّ بفعل الخير. نعم، هذا صحيح فمعرفة طريق الهدى وحدها لا تكفي بل لابد من وسيلة تعين الناس على السير فيه .. لابد من دواء يشفي صدورهم، ويُخلِّص قلوبهم من سيطرة الهوى وحب الدنيا والتثاقل إلى الأرض، لابد من وجود مادة تفجر الطاقات وتولد القوة الدافعة داخل الإنسان للسير في طرق الهداية .. وهنا يظهر أعظم جانب لمعجزة القرآن ألا وهو قدرته الفذة على التغيير والتقويم لكل من يُقبل عليه، ويدخل في دائرة تأثير معجزته وذلك من خلال قوة تأثيره على المشاعر، فيمتزج بها مدلول القناعات العقلية التي تقدمها الآيات فتصبح إيمانا يستقر في القلب، ليتم ترجمة هذا الإيمان بعد ذلك في صورة عمل وسلوك. فالقرآن ليس وسيلة للهداية فقط بل هو ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. يدل الناس على الطريق إلى الله، ويأخذ بأيديهم إليه، ويكون لهم في ذلك الطريق نعم الصاحب الأمين ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. أرأيت ماوصف الله به القرآن وأنه ليس بكتاب هداية فقط بل إنه أيضًا يقوم بإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله؟!

стр. 21

ومما يؤكد هذا المعنى المثال الذي ضربه الله للناس وبيَّن فيه قدرة القرآن على التأثير والتغيير: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. فالقرآن هو الرحمة العظمى التي أرسلها الله للبشرية لتكون بمثابة الوسيلة السهلة والدواء الناجع لشفائها من أمراضها وهدايتها إليه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. نعم - أخي - هذه هي أهم وأخطر وظيفة للقرآن، وهذا هو السر الأعظم لمعجزته، فكل آية من آياته، وكل سورة من سوره، تحمل منابع غزيرة للإيمان .. هذه المنابع جاهزة للتفجر والتدفق في قلب أي شخص يتعرض لها مهما بلغت قسوته، ومهما كانت عِلَّته. فالقرآن لا يستعصى عليه - بإذن الله - مرض من الأمراض إلا ويشفيه ولا شبهة أو ظلمة من الظلمات إلا وينيرها بنور الله الذي يفيض ويشع من كل آياته وكلماته، فيتبدل حال كل من يتعرض له تعرضا مستمرا ليصبح شخصا آخر تتمثل فيه معاني العبودية الحقة، والتعامل الصحيح المتوازن مع كل متغيرات حياته. القرآن وإغلاق مداخل الشيطان: فإن قلت: وماذا يفعل القرآن في معركة العبد مع الشيطان؟! جاءك الجواب بأن القرآن الذي يعد بمثابة الحبل المتين يُبعد مَنْ يتمسك به عن دائرة تأثير الشيطان من خلال أمور كثيرة لعل من أبرزها هو إغلاقه لبابَي الشبهات والشهوات اللذين يدخل منهما الشيطان على الإنسان. فكل شبهة يثيرها الشيطان تجد الرد المقنع الحاسم عليها في القرآن بسهولة ويسر، مهما كانت الشبهة مثل: هل للكون إله، وهل اسمه الله، .. هل له ولد؟! .. هل له زوجة؟! هل له شريك؟! .. هل هناك حساب بعد الموت؟ .... فالقرآن يفيض بعشرات الآيات التي ترد ردا مقنعًا قاطعًا على مثل هذه الشبهات .. كقوله تعالى في الرد على شبهة عدم وجود خالق لهذا الكون: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. ورده على من أثار شبهة أن القرآن من عند محمد ﷺ وليس من عند الله ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣، ١٤]. أما فعله لإغلاق باب الشهوات فيأتي من خلال تقوية الإيمان، وزيادته باستمرار .. وكلما ازداد الإيمان نقص الهوى، ومن ثم ضعف داعي الهوى في قلب الإنسان وقوي داعي الإيمان، ليصبح السلطان على القلب لمصلحة الإيمان، فيدخل العبد بذلك في دائرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] أي ليس لك على قلوبهم سلطان بسبب تمكن الإيمان منها، ولا يوجد مثل القرآن في قدرته الفذة على زيادة الإيمان ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وكيف لا يكون القرآن كذلك، والذي أنزله هو الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، ومن ثمَّ فهو يعرف داءه ودواءه ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]. إنه الدواء الرباني ﴿قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧].

стр. 22

يقول عبد الله بن مسعود: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين، يقولون: هَلُمَّ يا عبد الله، ليصدوا عن سبيل الله، فعليكم بكتاب الله فإنه حبل الله (١). ابن القيم وتجربته مع القرآن: وللإمام ابن القيم كلام نفيس يؤكد قدرة القرآن الفذة - بإذن الله - على إغلاق بابي الشبهات والشهوات أمام الشيطان فيقول: جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات، والقرآن شفاء للنوعين. ففيه من البينات والبراهين القاطعة ما يبين الحق من الباطل، فتزول أمراض الشبهات المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه ... وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين على التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النِّحَل الباطلة، والآراء الفاسدة مثل القرآن. فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتمّ الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول، وأفصحها بيانا ... وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريرًا، وأحسن تفسيرًا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد. ولقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروى غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن .. ومن جرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. إصلاح الإرادة: أما شفاؤه لمرض الشهوات، فذلك لما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم فيما ينفعه، ويرغب عما يضره، فيصير القلب محبًا للرشد، مبغضًا للغي ... فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فُطر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية .. فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن (٢). لذلك فإن القرآن للقلوب، كالغيث للأرض، فهو ينبت فيها الإيمان كما ينبت الماء الزرع. وباستمرار تعرض القلوب للقرآن يزداد الإيمان، وتقوى الإرادة، ويصلح القلب حتى يصير كما قال ﷺ : «أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض» (٣). هذا القلب هو القلب السليم الذي ليس للشيطان سلطان عليه لتحرره من سيطرة الهوى. نعم، سيكون للشيطان بعض اللَّمات ولكن سرعان ما يفيق منها القلب، وتعود إليه بصيرته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. * * *

стр. 23

الفصل الثالث روح القلوب وقوتها

стр. 24

روح القلوب وقوتها من عجائب القرآن أنه ميسر للجميع، لا يحتاج إلى عقلية خاصة، أو طقوس معينة، أو أماكن محددة، أو أزمنة بعينها للتعامل معه. فهو متاح في كل الظروف والأحوال .. يخاطب العامة والخاصة، والعلماء والأميين، والرجل والمرأة، فيُحدث في الجميع أثره العظيم، ويمد القلوب بالروح، ويفجر منابع إيمانه فيها، فيخرجها من الظلمات إلى النور، ومن غلبة الهوى إلى غلبة الإيمان. إنه كالشمس تسع الجميع بضيائها وأثرها ودفئها، ويزيد عن شمس الدنيا بأن شمسه لا تغرب، ونوره لا يأفل. وكما أن شمس الدنيا لا تؤثر إلا فيمن يتعرض لها؛ كذلك القرآن لا يؤثر إلا فيمن يتعرض له ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ - لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٧، ٢٨]. ولا يعني أبدًا عدم رؤية البعض للشمس بسبب الغيوم والسُّحب .. أنها غير موجودة، أو أن تأثير وجودها لا يعدو ذلك الضوء الخافت المختلط بالضباب، والذي تصعب معه الرؤية .. كذلك القرآن، فمعجزته موجودة ومحفوظة بحفظ الله لها، ويظل تأثيرها الفذ يعمل ويعمل حتى قيام الساعة، فإن حالت الحُجب بيننا وبينها، وإن أصبحت تلك الحُجب بعضها فوق بعض، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون مدعاة للاستسلام للأمر الواقع، والظن بأن هذا هو الوضع الطبيعي للقرآن، بل علينا أن نجتهد ونجتهد في الوصول إلى دائرة التأثير المباشر لتلك المعجزة. ومما يدعو للأسف أن طول أمد بعدنا عنها، مع إلفنا لذلك الوضع، جعلنا نكاد لا نصدق بكونها مصدرًا متفردًا فذًا للتأثير الدائم، والتغيير الحقيقي. من هنا تظهر الحاجة للتذكير بأهمية هذه المعجزة والسر الأعظم فيها، ومظاهر تأثيرها ليكون ذلك دافعًا يدفعنا للبحث الجاد عن كيفية الوصول إليها والانتفاع بها. روح تسرى في القلوب: من أهم الأوصاف التي وصف بها القرآن أنه: «روح» ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فأهمية وجوده في القلب وتأثيره عليه، كأهمية الروح بالنسبة للجسد .. بل يزيد باعتبار أن الأجساد إلى زوال، وأن القلب هو محل نظر الله ، وعلى قدر سلامته وصحته تكون الاستقامة في الدنيا، والنجاة يوم القيامة ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ - إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. لذلك لا يخطئ من يقول بأن من يقرأ القرآن ويُحسن التعرض لتأثير آياته يجد نفسه وكأنه يتعامل مع «كائن حي يتحرك وينطق .. له مشاعر، يفرح ويحزن، يرضى ويغضب .. ينتقل بين سور القرآن فتتحرك بها مشاعره .. هذه سورة تثير فيه مشاعر الثقة والاعتزاز، وتلك سورة تثير فيه مشاعر الغيرة، وأخرى تثير فيه مشاعر الغضب لله، وتلك سورة تثير فيه مشاعر الأحزان، وهكذا .... » (١) إنه ليس كتابًا فحسب، وليس دواء فحسب. إنه شيء متفرد لا يمكن إدراك كنهه وقدرته الفذة على العمل في ذات الإنسان .. إنه -كما يقول سيد قطب-: يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، ويستجيش القلوب، ويخلص الضمير، وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير (٢) .. من دخل فيه فهو آمن: إن القرآن كما يقول عبد الله بن مسعود ﵁: مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن (٣) وكيف لا، والذي يتلوه حق تلاوته يشعر بأنه (يعيش حياة نابضة في عالم آخر غير الذي يعيش فيه .. يدرك أن روحا تسرى فيه. يحس من يقرأ في القرآن متنقلاً بين آياته وسوره أنه يعيش في قرية صغيرة، يجمعها مكان واحد، هي هذه المعمورة رغم اتساعها .. ويكتنفها زمان واحد من لدن آدم حتى قيام الساعة. نصوص مفتوحة أمامها الطريق، لا يحدها زمان، ولا يقيدها مكان، تلقى تعاليمها لهذا الإنسان الذي لا تتغير مشاعره وجوانبه النفسية وميوله على اختلاف الزمان. هكذا يجد كل إنسان فيه بغيته .. يُقبل عليه المهموم ليجد فيه بلسمه، ويقبل عليه المحزون ليجد فيه سلوته، ويقبل عليه العالم ليجد فيه طلبه، ويقبل عليه الهارب من قيود الحياة الرتيبة ليجد فيه خلوته .. يُقبل عليه الضال التائه ليجد ضالته، فهو - كما ورد في وصفه - مأدبة الله، كل إنسان يأخذ منه حاجته، ويجد فيه قناعته ومتعته وسلوته) (٤) ..

стр. 25

وفوق كل هذا ... تلك الطاقة الروحية التي يولدها في نفس من يُقبل عليه .. يقول محمد فريد وجدي: إن في القرآن طاقة روحية هائلة ذات تأثير بالغ الشأن في نفس الإنسان، فهو يهز وجدانه، ويرهف أحاسيسه ومشاعره، ويصقل روحه، ويوقظ إدراكه وتفكيره (١) .. إنه يثير العواطف ويوقظ العقول في وقت واحد، وبعد الاقتناع يطمئن العقل ويهدأ الإحساس، ويشعر الإنسان بنشوة الفرح والارتياح (٢). تأثير يُدرك ولا يمكن وصفه: يقول محمد فريد وجدي: لما كان القرآن روحا من أمر الله فلا جرم كانت له روحانية خاصة هي عندنا جهة إعجازه، والسبب الأكبر في انقطاع الإنس والجن عن محاكاة أقصر سورة من سوره، وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه (٣). (إن في هذا القرآن سرًا خاصًا يشعر به كل من يواجه نصوص القرآن ابتداءًا قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيه، إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن. يشعر أن هنالك شيئًا ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير، وأن هنالك عنصرًا ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن، يدركه بعض الناس واضحًا، ويدركه بعض الناس غامضًا، ولكنه على كل موجود .. هذا العنصر الذي ينسكب في الحس، يصعب تحديد مصدره: أهو العبارة ذاتها؟ أهو المعنى الكامن فيها؟ أهو الصور والظلال التي تشعها؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة؟ أهي هذه العناصر كلها مجتمعة؟ أم أنها تشمل ما تقدم وشيئًا آخر وراءها غير محدود! ذلك سر مودع في كل نص قرآني يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداءً ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبر والنظر والتفكير في بناء القرآن كله) (٤). فالقرآن له سلطان الجلال والمهابة يستولى على قلوب المخاطبين استيلاءً (كالقهر وما هو بالقهر، له فعل في القلوب كالسحر وما هو بالسحر، لا يختص ذلك بالأنصار دون الخصوم، ولا بمحالفيه دون مخالفيه، بل يغزو القلب من حيث لا يمكن لصاحبه رد، ويؤثر فيه من حيث لا يمكن دفع، أثر في الأعداء كما أثر في الأتباع) (٥). من مظاهر تأثير القرآن: ولقد وصف لنا القرآن بعضًا من مظاهر تأثيره في الآخرين، ولم يقصر القرآن هذا التأثير على البشر فقط بل نجده قد تعداهم إلى الجن، بل وإلى الجماد .. ولئن كنا لا نستطيع إدراك سر تأثير القرآن وكيفية عمله في داخل الفرد إلا أننا يمكن أن ندرك بعضا من أبعاده من خلال نتائج ومظاهر هذا التأثير. خشوع الجبال وتصدعها: (لقد بلغ من شأن القرآن وعظمته وشدة تأثيره أنه لو أُنزل على جبل من الجبال، وجُعل له عقل كما جُعل للبشر، لرأيت الجبل - مع كونه في غاية القسوة والصلابة - خاشعًا متصدعًا من خشية الله كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر: ٢١] أي: لاتَّعظ الجبل وتصدَّع صخرُه من شدة تأثره من خشية الله. ففي هذا بيان حقيقة تأثير القرآن وفعاليته في المخلوقات، ولو كانت جبلاً أشمًا، أو حجرًا أصمًا .. وضُرب التصدع مثلاً لشدة الانفعال والتأثير، لأن منتهى تأثر الأجسام الصلبة أن تنشق وتتصدع، ولا يحصل ذلك بسهولة) (٦). ويعلق سيد قطب على هذه الآية فيقول: هي صورة تمثل الحقيقة:

стр. 26

فإن لهذا القرآن لثقلاً وسلطانًا وأثرًا مزلزلاً لا يثبت له شيء يتلقاه بحقيقته والذين أحسوا شيئًا من مس القرآن في كيانهم يتذوقون هذه الحقيقة تذوقا لا يعبر عنه إلا هذا النص القرآني المشع الموحي (١). القشعريرة والسجود: فإن كان الجبل سيندك إذا ما استقبل القرآن، كذلك فإن القلوب المؤمنة تخشع وتهتز هزًا عنيفًا عند استقباله، ولقد وصف لنا القرآن بعضا من مظاهر هذا التأثير: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. فالقلب يتأثر ويلين، والجلد يقشعر ويلين .. وما هذا إلا دلالة على الأثر الذي أحدثه القرآن في القلب، والهزة العنيفة التي حدثت للمشاعر. وليس ذلك فحسب، بل إن المؤمن الذي يتلو الآيات ويعيش معها يجد قلبه وقد استولت عليه مشاعر التعظيم والمهابة والإجلال لله ، ولا يستطيع أن يسيطر على هذه المشاعر فتجده يسجد بتلقائية لربه إجلالاً وخشية ومهابة ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا - وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً - وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٩]. فالحال المتوقع لمن يستقبل القرآن استقبالاً صحيحًا قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. فإن لم يصاحب البدن القلب في سجوده، اكتفى القلب بالسجود وحده من خلال وجله واهتزازه وهبوطه خشوعًا لربه. ومما يلفت الانتباه أن الله قد ذمَّ الكافرين لعدم سجودهم عند سماعهم للقرآن ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ - وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]. وكأن الحال الطبيعي للإنسان عند سماعه للقرآن هو السجود لشدة تأثير القرآن على المشاعر والقلوب .. وليست هذه الانفعالات وما يصاحبها من قشعريرة ووجل وخشوع وسجود افتراضات نظرية أو أحوال مثالية يذكرها لنا القرآن من باب التحفيز، بل لقد تكررت صورها كثيرًا في الجيل الأول، ولا تزال تتكرر وإن كانت أقل بكثير من الماضي لأسباب عديدة ليس منها أبدًا فقدان القرآن لخاصية تأثيره على القلوب، فالمعجزة القرآنية لا زالت وستظل تعمل حتى قيام الساعة، فهي محفوظة بحفظ الله .. فهذه (هوني) التي نشأت في أسرة انجليزية مسيحية، وشغفت بالفلسفة ثم سافرت إلى كندا لإكمال دراستها، وهناك في الجامعة أتيح لها أن تتعرف على الإسلام، وأن تنتهي إليه .. تقول (هوني) واصفة حالها مع لقاءاتها الأولى بالقرآن: لن أستطيع مهما حاولت، أن أصف الأثر الذي تركه القرآن في قلبي، فلم أكد أنتهي من قراءة السورة الثالثة من القرآن حتى وجدتني ساجدة لخالق هذا الكون، فكانت هذه أول صلاة لي في الإسلام ... » (٢). (وهذا الأديب الشاعر (نقولا حنا) يعترف بروعة القرآن، و تأثيره البالغ في القلوب، فيقول في تقدمته لقصيدته الرائعة (من وحي القرآن):

стр. 27

«قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقت فيه ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت .. وكيف لا أؤمن ومعجزة القرآن بين يدي أنظرها وأحسها كل حين، هي معجزة لا كبقية المعجزات .. معجزة إلهية خالدة تدل بنفسها عن نفسها، وليست بحاجة لمن يحدث عنها أو يبشر بها» (١). أجيبوا داعي الله: ومن مظاهر تأثير القرآن، والتي حدثتنا عنها الآيات، ما حدث لمجموعة من الجن حينما استمعوا إلى آيات من القرآن فكان أول رد فعل لهم أن قال بعضهم لبعض: (أنصتوا) ولم يقولوا (اسمعوا) فقد أدهشهم الخطاب، وسيطر عليهم، فتأثروا به تأثرًا بالغًا، وكانت النتيجة السريعة لهذا التأثر هو الرغبة الجارفة بتبليغ ما فهموه من فحوى الخطاب القرآني لقومهم ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ - قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ - يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١]. فالآيات كما يقول -سيد قطب- تصور الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن، فقد استمعوه صامتين منتبهين حتى النهاية. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به. وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعا إلى الحركة والاحتفاء بشأنه وإبلاغه للآخرين بجد واهتمام (٢). تأثير القرآن على مشركي مكة: تروى لنا كتب السيرة: أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل - عمرو بن هشام - والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعرف بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا قائلين: فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا» (٣). فما الذي دفعهم لذلك؟! إنه التأثير القوي للقرآن على قلوبهم، والذي لم يجعلهم يستطيعون (السيطرة على أنفسهم التواقة للاستماع إليه، فعادوا رغم تعاهدهم على عدم العودة إلى سماعه) (٤). ولهذا خشوا من هذا التأثير على عبيدهم وسائر الناس «فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا». الوليد بن المغيرة: سمع الوليد بن المغيرة شيئًا من القرآن فكأنما رق له فقالت قريش: صبأ والله الوليد، ولتصبون قريش كلها. فأوفدوا إليه أبا جهل يثير كبرياءه واعتزازه بنسبه وماله ويطلب منه أن يقول في القرآن قولاً يعلم به قومه أنه له كاره.

стр. 28

قال: «فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم مني بالشعر ولا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من هذا. والله: إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يُعلى». قال أبو جهل: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني أفكر فيه. فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر. أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ومواليه؟ (١). اعترافات عتبة بن ربيعة: (وهذا عتبة بن ربيعة - من سادة قريش - يقوم إلى محمد ﷺ ليفاوضه باسم المشركين من قريش، ويعرض عليه بعض العروض، لعله يقبل بها، ويترك دعوته. فيعرض عليه المُلك، ويعرض عليه المال، ثم يعرض الطب إن كان ما يأتيه من قبيل الوساوس والجنون .. حتى إذا فرغ الرجل من عروضه، وأتم مهمته، قال له رسول الله ﷺ : «أوقد فرغت يا أبا الوليد قال: نعم، قال: «فاسمع مني»، قال: أفعل، فقال رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم - تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ١ - ٥]. ومضى رسول الله ﷺ يقرأ عليه سورة فصلت، وعتبة منصت لها، وقد ألقى يديه خلف ظهره، معتمدًا عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى آية السجدة من السورة، فسجد وسجد معه عتبة، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. وفي بعض الروايات أنه ﷺ لما وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ قال له عتبة: ناشدتك لله والرحم أن تمسك، إذ لم يعد عتبة يتمالك نفسه أمام هذا الذي يسمع مما لا قبل لأهل الأرض به. ثم قام عتبة إلى أصحابه الذين بعثوه عنهم رسولاً ومفاوضًا، إلا أنه كان قد سمع ما سمع، فأثر القرآن في نفسه وجوارحه، حتى بدا ذلك في وجهه، فقال القوم بعضهم لبعض: نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا، والله ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم (٢). السجود الجماعي: في يوم من الأيام كان رسول الله ﷺ يقرأ سورة النجم عند الكعبة، وكان يستمع لقراءته العديد من المشركين، فسكتوا وأنصتوا، وتأثروا لدرجة أنه عندما بلغ نهاية السورة، وسجد عند قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا﴾، لم يتمالك جميع المستمعين السيطرة على أنفسهم وخروا ساجدين. يقول عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قرأ بالنجم فسجد، فلم يبق أحد إلا سجد، إلا أن شيخًا أخذ كفًا من تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا (٣). سجدوا وهم مشركون .. وهم يمارون في الوحي والقرآن .. وهم يجادلون في الله والرسول!

стр. 29

سجدوا تحت هذه المطارق الهائلة التي وقعت على قلوبهم والرسول ﷺ يتلو هذه السورة عليهم، وفيهم المسلمون والمشركون. ويسجد فيسجد الجميع. لا يملكون أن يقاوموا وقع هذا القرآن؛ ولا أن يتماسكوا لهذا السلطان .. ثم أفاقوا بعد فترة فإذا هم في ذهول من سجودهم كذهولهم وهم يسجدون. بهذا تواترت الروايات، ثم افترقت في تعليل هذا الحادث الغريب، وما هو في الحقيقة بغريب، فهو تأثير هذا القرآن العجيب ووقعه الهائل في القلوب (١). خوف المشركين من فتنة نسائهم وأولادهم بسماعهم للقرآن: لما اشتد أذى المشركين بالمسلمين، وهاجر بعض الصحابة إلى الحبشة، رغب أبو بكر ﵁ بالهجرة، فلقيه ابن الدُّغنَّة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج، إنك لتكسب المعدوم، وتصل الرحم .. ، أنا لك جار، ارجع أعبد ربك ببلدك. فرجع معه وطاف على أشراف قريش وأبلغهم بأنه أجار أبا بكر فرضوا بجواره، وقالوا له: مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصلَّ بها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره. فابتنى أبو بكر مسجدًا بفناء داره، فكان كل يوم يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيجتمع عليه نساء المشركين وأبناؤهم يتعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكَّاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، وإنه قد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا بهذا فانْهَه، وإن أبي أن يفعل ذلك فاسأله أن يرد عليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نُخفر ذمتك. فجاء إلى أبي بكر يطلب منه ألا يجهر بتلاوة القرآن الكريم، فقال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك، وأرضي بجوار الله ورسوله (٢). فهذه الأخبار تؤكد إقرار المشركين بقوة تأثير القرآن، ولولا الكبر والعناد والحرص على استمرار نفوذهم ومكاسبهم لأسلموا، ويكفي تواصيهم فيما بينهم بالاجتهاد في الحيلولة بين الناس وبين سماعهم للقرآن حتى لا يتأثروا بسماعه فيؤمنوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. (من هنا ندرك حكمة تكليف المسلم بأن يمكن المشركين من سماع كلام الله ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، ولم يكلف المسلم بما بعد السماع .. فالإسماع هو الأداة الأولى والمباشرة لنقل كلام الله إلى الآخرين، وهو الوسيلة الأنسب لفتح القلوب إلى هدى الله) (٣). القرآن كان السبب الأول لإسلام الأوائل: وفي مقابل تأثر الكافرين بالقرآن مع عدم إسلامهم بسبب كبرهم وعنادهم، وحرصهم على مصالحهم؛ نجد أن العامل المشترك لإسلام من أسلم من المسلمين الأوائل هو سماعهم للقرآن أيضًا. فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول في قصة إسلامه: فلما سمعت القرآن رقَّ له قلبي فبكيت، ودخلني الإسلام (٤).

стр. 30

* وقال الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ وقد حشا في أذنيه كُرسُّفا، لئلا يسمع القرآن: «فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ قال: فعرض علىَّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا علىَّ القرآن، فوالله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه .. فأسلمت (١). * وهذا الجبير بن مطعم يأتي المدينة مع أسارى بدر فيسمع رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور، فلما قرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ قال جبير: «كاد قلبي أن يطير»، وفي رواية «وذلك أول ما وقر من الإيمان في قلبي» (٢). * وحكت أم سلمة ﵂ أن النجاشي استقرأ جعفرًا ﵁ القرآن، قالت: فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص) .. فبكى النجاشي، حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عيهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة (٣) .. * وجاء وفد من نصاري الحبشة إلى الرسول ﷺ ، لما سمعوا به، فتلا عليهم الرسول ﷺ كلام الله «فلما سمعوا القرآن، فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله، وآمنوا به» (٤). كيف أسلم أسيد بن حضير ؟ والسيرة مليئة بالأحداث التي تؤكد هذا المعنى وكيف أن الأثر الذي كان يُحدثه القرآن في نفس مستمعه هو السبب المباشر في إسلام الأنصار، ومن قبلهم المهاجرين. فهذا هو أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وكانا سيدي (الأوس)، قد عزما على إخراج مصعب بن عمير من يثرب بعد أن تزايد عدد من أسلم من أهلها على يديه، و كان مصعب في بستان من بساتين بنى (عبد الأشهل) يدعو الناس إلى الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن. فبدأ أُسيد بأن أخذ حربته، ومضى نحو البستان، فلما رآه أسعد بن زرارة مقبلاً قال لمصعب: ويحك يا مصعب، هذا سيد قومه، وأرجحهم عقلا: أسيد بن حضير، فإن يسلم يتبعه في إسلامه خلق كثير، فاصدق الله فيه .. وقف أسيد بن حضير على الجمع، والتفت إلى مصعب وصاحبه أسعد، وقال: ما جاء بكما إلى ديارنا، وأغراكما بضعفائنا؟! اعتزلا هذا الحي إن كانت لكما بنفسيكما حاجة. فالتفت مصعب إلى أسيد قائلا: يا سيد قومه، هل لك في خير من ذلك؟ قال: وما هو؟! قال: تجلس إلينا، وتسمع منا، فإن رضيت ما قلناه قبلته، وإن لم ترضه تحولنا عنكم ولم نعد إليكم. فقال أسيد: لقد أنصفت، وركز رمحه في الأرض وجلس، فأقبل عليه مصعب فكلمه عن الإسلام، وقرأ عليه شيئا من آيات القرآن، فانبسطت أساريره، وأشرق وجهه، وقال: ما أحسن هذا الذي تقول، ما أجلّ ذلك الذي تتلو!! كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في الإسلام؟ قال مصعب: تغتسل وتطهر ثيابك، وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتصلي ركعتين، ففعل (٥). وهكذا نجد الأثر السريع للقرآن .. (لقد تلقوه مسحورين، يستوى في ذلك المؤمنون والكافرون: هؤلاء يُسحرون فيؤمنون، وهؤلاء يُسحرون فيهربون، ثم يتحدث هؤلاء وهؤلاء عما مسَّهم، فإذا هو حديث غامض لا يعطيك أكثر من صورة المسحور المبهور، الذي لا يعلم موضع السحر فيما يسمع من هذا النظم العجيب، وإن كان ليُحس منه في أعماقه هذا التأثير الغريب) (٦).

стр. 31

الدليل الدامغ: ومع كل مظاهر التأثير القرآني السابق ذكرها، إلا أن أهم مظهر لقوة تأثير المعجزة القرآنية هوالتحول العظيم الذي حدث لجيل الصحابة، والتغيير الجذري الذي حدث لهم بعد إسلامهم ... هذا الجيل الذي يمثل نموذجًا لأمة العرب، والتي كانت قبل الإسلام في ذيل الأمم من حيث التقدم والحضارة وامتلاك أسباب القوة والمنعة، وكان أفرادها يغرقون في الظلام والتخلف والجاهلية، وكان حالهم أسوأ بكثير من حالنا الآن، وكيف لا، وقد كانوا يقومون بأفعال لو حدثت بيننا لقامت الدنيا ولم تقعد، ويكفيك في تأكيد هذا المعنى تلك القصة: فقد لاحظ رسول الله ﷺ أن رجلاً من أصحابه يلازمه الغم فقال له: «ما لك تكون محزونا؟». فقال: يا رسول الله، إني قد أذنبت في الجاهلية ذنبا فأخاف أن لا يُغفر لي وإن أسلمت، فقال ﵊: «أخبرني عن ذنبك؟» فقال: يا رسول الله، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فوُلدت لي بنت فشفعت إلىَّ امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت، فصارت من أجمل النساء فخطبوها فدخلت علىَّ الحمية، ولم يتحمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسُرَّت بذلك وزينتها بالثياب والحُلل، وأخذت علىَّ المواثيق بأن لا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر، ففطنت الجارية بأني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: يا أبي أي شيء تريد أن تفعل بي؟ فرحمتها ثم نظرت في البئر فدخلت علىَّ الحميِّة، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبي لا تضيع أمانة أمي، فجعلت مرة أنظر إلى البئر، ومرة أنظر إليها وأرحمها، وغلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: يا أبي قتلتني، فمكثت هناك حتى انقطع صوتها، فرجعت. فبكى رسول الله ﷺ وقال: «لو أُمرت أن أعاقب أحدًا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك» (١). أمة عجيبة: لقد كان العرب قبل الإسلام يعبدون الحجارة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام ويسيؤون الجوار، ويأكل القوى منهم الضعيف. يقول أبو رجاء العطاردي ﵁: «كنا في الجاهلية نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا أَخْيَر منه، ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد جمعنا جُثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا به» (٢). هذه - أخي- نماذج لما كان عليه الجيل الأول قبل الإسلام .. هذا الجيل بهذه الحالة، حين أحسن أفراده استقبال القرآن، والتعرض الصحيح له؛ أحسن القرآن وفادتهم وقام بعمله خير قيام معهم، وأخرجت مدرسته جيلاً فريدًا وبأعداد كبيرة، فانتقلت أمتهم متوثبة من الساقة إلى المقدمة وذلك في سنوات معدودة .. يقول - محمد الغزلي- ﵀: والأمة التي نزل عليها القرآن فأعاد صياغتها، هي المعجزة التي تشهد للنبي ﵊ بأنه أحسن بناء الأجيال، وأحسن تربية الأمم، وأحسن صياغة جيل قدم الحضارة القرآنية للخلق .. فنحن نرى أن العرب عندما قرأوا القرآن، تحولوا تلقائيًا إلى أمة تعرف الشورى وتكره الاستبداد .. إلى أمة يسودها العدل الاجتماعي ولا يُعرف فيها نظام الطبقات .. إلى أمة تكره التفرقة العنصرية، وتكره أخلاق الكبرياء والترفع على الشعوب.

стр. 32

ووجدنا بدويًا كربعى بن عامر ﵁ يقول لقائد الفرس: جئنا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام (١). لذلك فلقد أصاب الإمام القرافي حين قال: لو لم يكن لرسول الله ﷺ معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته (٢). * * *

стр. 33

الفصل الرابع الرسول ﷺ والقرآن

стр. 34

الرسول ﷺ والقرآن إذا كان للقرآن العظيم ذلك الأثر الواضح السريع على كل من يُحسن التعرض له، إلا أن هذا الأثر سيزداد ويزداد كلما طالت فترات المكث معه، وكيف لا وما من لقاء يتم بين القلب والقرآن إلا والإيمان يزداد، والنور يتوهج، والطاقة تتولد، والدافع للاستقامة يقوى. من هنا ندرك كيف وصل الجيل الأول لهذا المستوى الإيماني غير المسبوق على مستوى البشر العاديين. ذلك الإيمان الذي ظهرت آثاره العظيمة في كل الاتجاهات والأوقات، فمع أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يضحكون، ويلعبون، ويمارسون حياتهم بصورة متوازنة، إلا أن الإيمان في قلوبهم - كما يقول عبد الله بن عمر- أمثال الجبال (١). ولذا كان أثر ذلك الإيمان يظهر سريعًا عند التعرض للمواقف الصعبة .. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ منحرفين أو متماوتين، وكانوا يتناشدون الأشعار في مجالسهم، ويذكرون أمرجاهليتهم، فإذا أُريد أحد منهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون (٢). ولقد كان السبب الرئيس في هذا الإيمان - كما أسلفنا - هو القرآن، فلقد انكبوا على تلاوته، وأعطوه الكثير والكثير من أوقاتهم، وساعدهم على ذلك أستاذهم ومربيهم وقدوتهم، معلم البشرية، محمد ﷺ ، فقد كان دائم التذكير بمكانة القرآن وعظمته، ومن ذلك قوله: «ما من كلام أعظم عند الله من كلامه، وما رَدّ العباد إلى الله كلاما أحب إليه من كلامه» (٣). وقوله: «القرآن أحب إلى الله من السماوات والأرض ومن فيهن» (٤). تأثر الرسول ﷺ بالقرآن: لقد كان حبه ﷺ للقرآن، واهتمامه به لا يُوصف، فقد سيطر القرآن على عقله، واستحوذ على مشاعره، وبلغت قوة تأثيره عليه أن شيَّب شعره، فقد دخل عليه يوما أبو بكر ﵁ فقال له: شبت يا رسول الله قبل المشيب. فقال له مبينًا السبب: «شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب» (٥). وفي يوم من الأيام قال لعبد الله بن مسعود ﵁ «اقرأ علىَّ القرآن»، فقال: أقرأ عليك، وعليك أُنزل؟!، قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] قال: «حسبك»، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (٦). لقد تشبع ﷺ بالقرآن تشبعًا تامًا، وتأثر به تأثرًا بالغًا لدرجة أن الإمام الشافعي ﵀ يعتبر أن كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن (٧).

стр. 35

لقد اختلطت معاني القرآن بشخصية الرسول ﷺ ، وامتزجت بها، فصارت تتمثل واقعًا حيا في شخصه، وكأن القرآن أصبح رسول الله ﷺ ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا - رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [الطلاق: ١٠، ١١] لقد كان بحق: قرآنا يمشي على الأرض، لذلك عندما سئلت السيدة عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ قالت: كان خلقه القرآن، يرضي لرضاه، ويسخط لسخطه (١). التأثير العملي السريع: وكان للقرآن تأثير سريع عليه ﷺ من الناحية العملية، وليس أدل على ذلك من أن جوده وإحسانه كان يزداد أكثر وأكثر بعد أن يدارسه جبريل ﵇ القرآن في رمضان. فعن ابن عباس ﵄ قال: «كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة» (٢). يقول ابن حجر تعليقا على هذا الحديث: وفيه أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير (٣). صفة قراءته: عندما كان ﷺ يقرأ القرآن كان يقرؤه قراءة هادئة، مترسلة، حزينة كما أمره ربه ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤]. فكان يرتل السورة حتى تبدو وكأنها أطول من أطول منها. وكان يمد الحروف في نهاية الآية ليسمح للعقل بتفهم الخطاب الإلهي، وللقلب بالتجاوب معه، والاتعاظ به، فإذا ما مر بآية فيها ذكر الجنة دعا واستبشر، وإذا مر بآية فيها ذكر النار استعاذ منها بالله. ولقد وصفت السيدة أم سلمة ﵂ قراءة رسول الله ﷺ بأنها (قراءة مفسرة حرفًا حرفًا) (٤). ووصفت السيدة عائشة ﵂ ترتيله فقالت: لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها. وفي حديث حفصة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها (٥). وظل ﷺ ليلة كاملة يردد آية واحدة هي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (٦). ويصف لنا أبو ذر ﵁ هذه الليلة فيقول: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة العشاء ثم رجع إلى أهله. فلما تكفأت عنه العيون رجع إلى مقامه فجئت فقمت خلفه قبل أن يركع، فأومأ إليَّ بيده فقمت عن يمينه، ثم جاء عبد الله بن مسعود ﵁ فقام خلفنا فأومأ إليه بيده فقام عن شماله - فقام رسول الله ﷺ حتى أصبح يتلو آية واحدة من كتاب الله بها يركع، وبها يسجد، وبها يدعو حتى أصبح ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فلما أصبح قلت لعبد الله بن مسعود ﵁ إن رسول الله ﷺ فعل كذا وكذا، فلو سألته عن ذلك. فقال عبد الله ﵁: بأبي وأمي يا رسول الله قمت الليلة بآية واحدة بها تركع، وبها تسجد، وبها تدعو، وقد علمك الله القرآن كله. قال: «إني دعوت لأمتي» (٧).

стр. 36

الحرص على التلاوة اليومية: وكان ﷺ حريصًا على قراءة القرآن كل يوم، وكيف لا وقد أمره الله بذلك ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل:٩١، ٩٢]. ولما جاء وفد ثقيف إلى المدينة أنزلهم رسول الله ﷺ في قبة بين المسجد وبين أهله، فكان يأتيهم ويُحدِّثهم بعد العشاء، وفي ليلة من الليالي تأخر عليهم ثم أتاهم فقالوا له: يا رسول الله لبثت عنا الليلة أكثر مما كنت تلبث؛ فقال: «نعم، طرأ علىَّ حِزْبي من القرآن، فكرهت أن أخرج من المسجد حتى أقضيه» (١). ومع ذلك فلم يُؤثّر عنه ﷺ أنه قرأ القرآن كله في ليلة واحدة. تقول السيدة عائشة ﵂: لا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح (٢). ومما يؤكد هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم أن رجلا جاء إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: إني لأقرأ المُفصَّل (٣) في ركعة. فقال عبد الله: هذًّا (٤) كهذَّ الشعر؟ إن أقواما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم. ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع .. ثم قال: إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، سورتين في كل ركعة .. فسُئل عنها فقال: عشرون سورة من المفصل، وفي رواية: ثمانية عشر، وسورتين من آل حم (٥). قال القاضي عياض .. إن هذا كان قدر قراءته غالبًا، وأن تطويله الوارد إنما كان في التدبر والترتيل، وما ورد من غير ذلك في قراءته البقرة والنساء وآل عمران كان في نادر من الأوقات (٦). دعوته ﷺ للناس بالقرآن: ومن مظاهر تأثر الرسول ﷺ بالقرآن، وإدراكه لأهميته وأثره العظيم في النفوس، أنه كان يدعو الناس به أكثر ما كان يدعوهم بكلامه هو، وقصته مع عتبة بن ربيعة - أحد أئمة الكفر في مكة - مشهورة، وقد مرت علينا. وكان ﷺ يعرض نفسه على الناس في موسم الحج - قبل الهجرة- فيقول لهم: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي» (٧). وكان يقول لأصحابه: «بلِّغوا عني ولو آية» (٨). وكان ﷺ كثيرًا ما يخطب الجمعة بالقرآن (٩)، وهو من هو في البلاغة، ويكفي أنه قد أوتى جوامع الكلم. روى مسلم عن أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس (١٠).

стр. 37

وروى ابن ماجه عن أُبي بن كعب قال: قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء، وأبو ذر يغمزني، فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ فإني لم أسمعها حتى الآن، فأشار إليه أن اسكت (١). صفاء المنبع: لقد كان القرآن هو شغل رسول الله ﷺ الشاغل، ولِمَ لا وهو أكثر الخلق إدراكًا لأهميته وقدرته على التغيير، ألم يقل له ربه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. لذلك كان ﷺ حريصًا على عدم انشغال الصحابة بشيء آخر غير كتاب الله حتى يستطيع ذلك الكتاب أن يقوم بوظيفته كاملة في تغيير قلوبهم وعقولهم ونفوسهم، ومن ثمَّ سلوكهم تغييرًا جذريًا. ويكفيك في تأكيد هذا المعنى ما حدث منه ﷺ مع عمر بن الخطاب ﵁، فقد مر عمر برجل يقرأ كتابا، فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب، ثم أتى النبي ﷺ فجعل يقرأ عليه، وجعل وجه رسول الله ﷺ يتلوَّن، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب، وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أما ترى وجه رسول الله ﷺ منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما بعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، واخْتُصر لي الحديث اختصارا فلا يهلكنكم المتهوِّكون» (٢). يتلوَّن وجهه ﷺ ويغضب عندما يجد أحد أصحابه يقرأ أو يستحسن كتابًا آخر غير القرآن، وكيف لا يتغير وجهه وربه يقول له: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. وعندما طلب منه أصحابه أن يقص عليهم قصصًا، أنزل الله سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣]. فقد أخرج ابن جرير، عن عون بن عبد الله قال: ملَّ أصحاب رسول الله ﷺ ملَّة، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا، فأنزل الله تعالى ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، ثم ملُّوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله، حدثنا فوق الحديث ودون القرآن - يعنون القصص- فأنزل الله ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ - نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣]. فأرادوا الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص (٣).

стр. 38

ترغيبه ﷺ للصحابة في تعلم القرآن: ومع حرصه ﷺ على عدم انشغال الصحابة بشيء آخر غير القرآن كان كذلك يستخدم معهم أساليب التشويق المختلفة ليستثير مشاعرهم ويدفعهم للإقبال على القرآن والانشغال به. روى مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في الصُفَّة، فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بُطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوَيْن (١)، في غير إثم ولا قطيعة رحم» فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك. قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلَم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» (٢). النبي ﷺ بيَّن لأصحاب معاني القرآن: كما كان رسول الله ﷺ حريصًا على تعليم الصحابة ألفاظ القرآن، فإنه كان حريصًا كذلك على تعليمهم معانيه .. يقول د. يوسف القرضاوي: ولقد جعل القرآن من مهام النبي ﷺ : (تعليم الكتاب والحكمة) وهذا في أربع آيات من القرآن. ولا ريب أن هذا التعليم ليس هو (التحفيظ) بدليل أنه معطوف على تلاوة الآيات عليهم: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فالتعليم أخص من التلاوة. إن هذا التعلم والتعليم هو الذي عبرت عنه بعض الأحاديث بـ (التدارس). ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». ومعنى تدارس القرآن: محاولة التعرف على ألفاظه ومبانيه، وعلى مفاهيمه ومعانيه، وما يرشد إليه من العبر، وما يدل عليه من الأحكام والآداب (٣). ويقول الشيخ محمد الغزالي ﵀ ومعنى مدارسة القرآن: القراءة والفهم والتدبر والتبين لسنن الله في النفس والآفاق، ومعرفة الوصايا والأحكام، وأنواع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه (٤) .. ويؤكد على هذا المعنى الإمام ابن تيمية فيقول: يجب أن يُعلم أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلَمى: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة. وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيننا. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]. وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن!. وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وعقل الكلام متضمن لفهمه.

стр. 39

ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه: فهم معانيه دون مجرد ألفاظه .. فالقرآن أولى بذلك، ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدًا (١). ويقول الإمام الزركشي: وقد جاء عن ابن عمر أنهم كانوا يتعلمون ما ينبغي أن يوقف عنده، كما يتعلمون القرآن (٢). فتعلم الوقف والابتداء أحد ثمرات تعلم المعاني. من هنا نقول بأن رسول الله ﷺ كان حريصًا على تعليم أصحابه القرآن .. لفظًا ومعنى. يقول عبد الله بن عمر: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا القرآن، فإذا مر بسجود سجد وسجدنا معه» (٣). (ولاشتهار هذا الأمر عن رسول الله ﷺ صار أصلاً يقاس عليه غيره، ومن هذا القبيل قول جابر بن عبد الله ﵁: «كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن» (٤). فإذا طرأ ما يمنع رسول الله ﷺ من مباشرة ذلك بنفسه وكَّل بعض أصحابه للقيام بهذه المهمة. ومن هذا ما ورد عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يشغل، فإذا قدم مهاجر على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن» (٥). وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فأمرهما أن يعلما الناس القرآن» (٦). لا بديل عن التفهم والتدبر ومع هذا الترغيب في تعلم القرآن إلا أنه ﷺ كان دائم التحذير لصحابته - ولأمته من بعده - من أن يتحول القرآن من وسيلة عظيمة لإحياء القلب وبث الروح فيه إلى قراءة حنجرية فقط طلبًا للأجر والثواب دون الانتفاع الحقيقي به، فعندما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص عن ختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام قال له: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث» (٧). ومع حثه ﷺ لصحابته على كثرة تلاوة القرآن إلا أنه كان يربط ذلك بالقراءة الهادئة المرتلة المتفهمة للخطاب، والتى من خلالها يتعرض القلب لأنوار القرآن، ومنابع الإيمان فيه فيحدث الوصال، وتدب الروح في القلب شيئًا فشيئًا حتى يحيا حياة كاملة. تأمل قوله ﷺ لصحابته: «من قرأ القرآن في سبع ليالٍ كتب من المخبتين». قلنا: فمن قرأه في خمس يا رسول الله؟ قال: «إني أخاف أن يُعجلكم عن التفهم، إلا أن تصبروا على مباكرة الليل، فمن فعل كُتب من المقربين». قلنا: ففي ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا أراكم تطيقون ذلك، إلا أن يبدأ أحدكم بالسورة وأكبر همه أن يبلغ آخرها». قلنا: فإن أطقناه على تَفَهُّم وترتيل؟! قال: «فذلك الجهد من عبادة النبيين». قلنا: ففي أقل من ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا تقرأوه في أقل من ثلاث». وفي رواية: قالوا: يا رسول الله! وفي أقل من ثلاث. قال: «لا، ومن وجد منكم نشاطًا فليجعله في حسن تلاوتها» (٨).

стр. 40

وكان ﷺ يدل الصحابة على الوسائل المعينة على تفُّهم القرآن والتأثر به ومن ذلك قوله ﷺ في بيان أهمية القراءة بصوت حزين: «أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله» (١). - وقوله ﷺ عن فضل التسوك قبل القراءة: «إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك، فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك» (٢). - ولبيان ضرورة الفهم مع القراءة قال ﷺ : «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فلينصرف، فليضطجع» (٣). * وللتذكير بأهمية القراءة في المصحف قال ﷺ : «من سرَّه أن يحب الله ورسوله، فليقرأ في المصحف» (٤). وكان ﷺ دائم التذكير للصحابة على ضرورة تهيئة الأجواء المناسبة المعينة على التركيز والفهم، ومن ذلك ما رواه أبو داود عن أبي سعيد ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة» (٥). - وكان ﷺ دائم النصح لأصحابه - ولأمته من بعده - بدوام قراءة القرآن وتعاهده حتى يستمر إمداد القلب بالمعاني الإيمانية فتتم التذكرة والتبصرة، ويزداد القرب والوصال، وكان يحفزهم على الإقبال على القرآن بتذكيرهم بالأجر العظيم المترتب على تلاوته، وفي نفس الوقت كان يحذرهم من تركه وعدم المداومة على قراءته حتى لا تتفلت معانيه من العقل والقلب .. ومن ذلك قوله ﷺ : «اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلو فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» (٦). وقوله: «اقرؤوا القرآن؛ فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول (آلم، حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون» (٧). «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عُقلها» (٨). متابعته ﷺ لأصحابه: كان ﷺ يتابع أصحابه في أمر القرآن ومدى تعاهدهم له، وكان حريصا على ألا يمر عليهم يوم دون أن يقرأوا القرآن، تأمل معي قوله ﷺ : «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل» (٩). وذكر عنده أحد أصحابه فقال: «ذلك رجل لا يتوسد القرآن» (١٠) ومعنى لا يتوسد القرآن أي يقوم به الليل ولا ينام عنه. وقال يوما لأصحابه: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (١١).
следующие страницы →