← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36402

تحقيق الوصال بين القلب والقرآن

مجدي الهلالي

Полный текст (100 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحرص على التلاوة اليومية: وكان ﷺ حريصًا على قراءة القرآن كل يوم، وكيف لا وقد أمره الله بذلك ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل:٩١، ٩٢]. ولما جاء وفد ثقيف إلى المدينة أنزلهم رسول الله ﷺ في قبة بين المسجد وبين أهله، فكان يأتيهم ويُحدِّثهم بعد العشاء، وفي ليلة من الليالي تأخر عليهم ثم أتاهم فقالوا له: يا رسول الله لبثت عنا الليلة أكثر مما كنت تلبث؛ فقال: «نعم، طرأ علىَّ حِزْبي من القرآن، فكرهت أن أخرج من المسجد حتى أقضيه» (١). ومع ذلك فلم يُؤثّر عنه ﷺ أنه قرأ القرآن كله في ليلة واحدة. تقول السيدة عائشة ﵂: لا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح (٢). ومما يؤكد هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم أن رجلا جاء إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: إني لأقرأ المُفصَّل (٣) في ركعة. فقال عبد الله: هذًّا (٤) كهذَّ الشعر؟ إن أقواما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم. ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع .. ثم قال: إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، سورتين في كل ركعة .. فسُئل عنها فقال: عشرون سورة من المفصل، وفي رواية: ثمانية عشر، وسورتين من آل حم (٥). قال القاضي عياض .. إن هذا كان قدر قراءته غالبًا، وأن تطويله الوارد إنما كان في التدبر والترتيل، وما ورد من غير ذلك في قراءته البقرة والنساء وآل عمران كان في نادر من الأوقات (٦). دعوته ﷺ للناس بالقرآن: ومن مظاهر تأثر الرسول ﷺ بالقرآن، وإدراكه لأهميته وأثره العظيم في النفوس، أنه كان يدعو الناس به أكثر ما كان يدعوهم بكلامه هو، وقصته مع عتبة بن ربيعة - أحد أئمة الكفر في مكة - مشهورة، وقد مرت علينا. وكان ﷺ يعرض نفسه على الناس في موسم الحج - قبل الهجرة- فيقول لهم: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي» (٧). وكان يقول لأصحابه: «بلِّغوا عني ولو آية» (٨). وكان ﷺ كثيرًا ما يخطب الجمعة بالقرآن (٩)، وهو من هو في البلاغة، ويكفي أنه قد أوتى جوامع الكلم. روى مسلم عن أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس (١٠).

стр. 37

وروى ابن ماجه عن أُبي بن كعب قال: قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء، وأبو ذر يغمزني، فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ فإني لم أسمعها حتى الآن، فأشار إليه أن اسكت (١). صفاء المنبع: لقد كان القرآن هو شغل رسول الله ﷺ الشاغل، ولِمَ لا وهو أكثر الخلق إدراكًا لأهميته وقدرته على التغيير، ألم يقل له ربه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. لذلك كان ﷺ حريصًا على عدم انشغال الصحابة بشيء آخر غير كتاب الله حتى يستطيع ذلك الكتاب أن يقوم بوظيفته كاملة في تغيير قلوبهم وعقولهم ونفوسهم، ومن ثمَّ سلوكهم تغييرًا جذريًا. ويكفيك في تأكيد هذا المعنى ما حدث منه ﷺ مع عمر بن الخطاب ﵁، فقد مر عمر برجل يقرأ كتابا، فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب، ثم أتى النبي ﷺ فجعل يقرأ عليه، وجعل وجه رسول الله ﷺ يتلوَّن، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب، وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أما ترى وجه رسول الله ﷺ منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما بعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، واخْتُصر لي الحديث اختصارا فلا يهلكنكم المتهوِّكون» (٢). يتلوَّن وجهه ﷺ ويغضب عندما يجد أحد أصحابه يقرأ أو يستحسن كتابًا آخر غير القرآن، وكيف لا يتغير وجهه وربه يقول له: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. وعندما طلب منه أصحابه أن يقص عليهم قصصًا، أنزل الله سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣]. فقد أخرج ابن جرير، عن عون بن عبد الله قال: ملَّ أصحاب رسول الله ﷺ ملَّة، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا، فأنزل الله تعالى ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، ثم ملُّوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله، حدثنا فوق الحديث ودون القرآن - يعنون القصص- فأنزل الله ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ - نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣]. فأرادوا الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص (٣).

стр. 38

ترغيبه ﷺ للصحابة في تعلم القرآن: ومع حرصه ﷺ على عدم انشغال الصحابة بشيء آخر غير القرآن كان كذلك يستخدم معهم أساليب التشويق المختلفة ليستثير مشاعرهم ويدفعهم للإقبال على القرآن والانشغال به. روى مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في الصُفَّة، فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بُطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوَيْن (١)، في غير إثم ولا قطيعة رحم» فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك. قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلَم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» (٢). النبي ﷺ بيَّن لأصحاب معاني القرآن: كما كان رسول الله ﷺ حريصًا على تعليم الصحابة ألفاظ القرآن، فإنه كان حريصًا كذلك على تعليمهم معانيه .. يقول د. يوسف القرضاوي: ولقد جعل القرآن من مهام النبي ﷺ : (تعليم الكتاب والحكمة) وهذا في أربع آيات من القرآن. ولا ريب أن هذا التعليم ليس هو (التحفيظ) بدليل أنه معطوف على تلاوة الآيات عليهم: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فالتعليم أخص من التلاوة. إن هذا التعلم والتعليم هو الذي عبرت عنه بعض الأحاديث بـ (التدارس). ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». ومعنى تدارس القرآن: محاولة التعرف على ألفاظه ومبانيه، وعلى مفاهيمه ومعانيه، وما يرشد إليه من العبر، وما يدل عليه من الأحكام والآداب (٣). ويقول الشيخ محمد الغزالي ﵀ ومعنى مدارسة القرآن: القراءة والفهم والتدبر والتبين لسنن الله في النفس والآفاق، ومعرفة الوصايا والأحكام، وأنواع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه (٤) .. ويؤكد على هذا المعنى الإمام ابن تيمية فيقول: يجب أن يُعلم أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلَمى: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة. وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيننا. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]. وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن!. وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وعقل الكلام متضمن لفهمه.

стр. 39

ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه: فهم معانيه دون مجرد ألفاظه .. فالقرآن أولى بذلك، ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدًا (١). ويقول الإمام الزركشي: وقد جاء عن ابن عمر أنهم كانوا يتعلمون ما ينبغي أن يوقف عنده، كما يتعلمون القرآن (٢). فتعلم الوقف والابتداء أحد ثمرات تعلم المعاني. من هنا نقول بأن رسول الله ﷺ كان حريصًا على تعليم أصحابه القرآن .. لفظًا ومعنى. يقول عبد الله بن عمر: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا القرآن، فإذا مر بسجود سجد وسجدنا معه» (٣). (ولاشتهار هذا الأمر عن رسول الله ﷺ صار أصلاً يقاس عليه غيره، ومن هذا القبيل قول جابر بن عبد الله ﵁: «كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن» (٤). فإذا طرأ ما يمنع رسول الله ﷺ من مباشرة ذلك بنفسه وكَّل بعض أصحابه للقيام بهذه المهمة. ومن هذا ما ورد عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يشغل، فإذا قدم مهاجر على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن» (٥). وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فأمرهما أن يعلما الناس القرآن» (٦). لا بديل عن التفهم والتدبر ومع هذا الترغيب في تعلم القرآن إلا أنه ﷺ كان دائم التحذير لصحابته - ولأمته من بعده - من أن يتحول القرآن من وسيلة عظيمة لإحياء القلب وبث الروح فيه إلى قراءة حنجرية فقط طلبًا للأجر والثواب دون الانتفاع الحقيقي به، فعندما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص عن ختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام قال له: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث» (٧). ومع حثه ﷺ لصحابته على كثرة تلاوة القرآن إلا أنه كان يربط ذلك بالقراءة الهادئة المرتلة المتفهمة للخطاب، والتى من خلالها يتعرض القلب لأنوار القرآن، ومنابع الإيمان فيه فيحدث الوصال، وتدب الروح في القلب شيئًا فشيئًا حتى يحيا حياة كاملة. تأمل قوله ﷺ لصحابته: «من قرأ القرآن في سبع ليالٍ كتب من المخبتين». قلنا: فمن قرأه في خمس يا رسول الله؟ قال: «إني أخاف أن يُعجلكم عن التفهم، إلا أن تصبروا على مباكرة الليل، فمن فعل كُتب من المقربين». قلنا: ففي ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا أراكم تطيقون ذلك، إلا أن يبدأ أحدكم بالسورة وأكبر همه أن يبلغ آخرها». قلنا: فإن أطقناه على تَفَهُّم وترتيل؟! قال: «فذلك الجهد من عبادة النبيين». قلنا: ففي أقل من ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا تقرأوه في أقل من ثلاث». وفي رواية: قالوا: يا رسول الله! وفي أقل من ثلاث. قال: «لا، ومن وجد منكم نشاطًا فليجعله في حسن تلاوتها» (٨).

стр. 40

وكان ﷺ يدل الصحابة على الوسائل المعينة على تفُّهم القرآن والتأثر به ومن ذلك قوله ﷺ في بيان أهمية القراءة بصوت حزين: «أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله» (١). - وقوله ﷺ عن فضل التسوك قبل القراءة: «إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك، فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك» (٢). - ولبيان ضرورة الفهم مع القراءة قال ﷺ : «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فلينصرف، فليضطجع» (٣). * وللتذكير بأهمية القراءة في المصحف قال ﷺ : «من سرَّه أن يحب الله ورسوله، فليقرأ في المصحف» (٤). وكان ﷺ دائم التذكير للصحابة على ضرورة تهيئة الأجواء المناسبة المعينة على التركيز والفهم، ومن ذلك ما رواه أبو داود عن أبي سعيد ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة» (٥). - وكان ﷺ دائم النصح لأصحابه - ولأمته من بعده - بدوام قراءة القرآن وتعاهده حتى يستمر إمداد القلب بالمعاني الإيمانية فتتم التذكرة والتبصرة، ويزداد القرب والوصال، وكان يحفزهم على الإقبال على القرآن بتذكيرهم بالأجر العظيم المترتب على تلاوته، وفي نفس الوقت كان يحذرهم من تركه وعدم المداومة على قراءته حتى لا تتفلت معانيه من العقل والقلب .. ومن ذلك قوله ﷺ : «اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلو فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» (٦). وقوله: «اقرؤوا القرآن؛ فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول (آلم، حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون» (٧). «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عُقلها» (٨). متابعته ﷺ لأصحابه: كان ﷺ يتابع أصحابه في أمر القرآن ومدى تعاهدهم له، وكان حريصا على ألا يمر عليهم يوم دون أن يقرأوا القرآن، تأمل معي قوله ﷺ : «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل» (٩). وذكر عنده أحد أصحابه فقال: «ذلك رجل لا يتوسد القرآن» (١٠) ومعنى لا يتوسد القرآن أي يقوم به الليل ولا ينام عنه. وقال يوما لأصحابه: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (١١).

стр. 41

ومع هذه المتابعة والحث على تعاهد القرآن فإنه ﷺ كان كذلك يتابع أثر القرآن على الصحابة ومدى تمثل ثمرته الحقيقية فيهم، ويكفيك في تأكيد هذا المعنى ذلك الحديث الذي يرويه جبير بن نفير عن أبي الدرداء أنه قال: كنا مع النبي ﷺ فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء». فقال أحد الحاضرين وهو زياد بن لبيد الأنصارى: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه، ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا. فقال ﷺ : «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فما تغنى عنهم». قال جبير بن نفير: فلقيت عُبادة بن الصامت فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته الذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء. إن شئت حدثتك بأول علم يُرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه خاشعًا (١). وخرج ﷺ يوما على أصحابه فوجدهم في حلقة يقرؤون القرآن ويتدارسونه بينهم، ففرح بهم وقال: «الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، اقرأوا القرآن، اقرأوا قبل أن يأتي أقوام يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه» (٢). لقد كان ﷺ شديد الحرص على ألا تكون قراءة القرآن بالألسنة والحناجر فقط، فلكي يتم الوصال بين القلب والقرآن وينعكس ذلك على السلوك؛ لا بد من التفهم والتأثر والتجاوب مع الآيات، فإن لم يحدث ذلك، واكتفى المرء بالقراءة التي لا تتجاوز حنجرته فإن هذه القراءة ستكون في واد، بينما يكون عمله وسلوكه في واد آخر، وليس أدل على ذلك من هذ الواقعة: بينما كان رسول الله ﷺ يقسم مغانم حنين إذ قام رجل فقال: اعدل، فقال: «لقد شقيت إن لم أعدل» .. ثم قال رسول الله ﷺ : «إن ناسا يجيئون، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .. » (٣). إن أعظم أثر لقراءة القرآن هو انضباط السلوك، واقتراب الفعل من القول .. فإن لم يحدث دَلَّ ذلك على عدم الوصال القلبي بالقرآن، ولقد كان ﷺ دائم التحذير من ذلك، وعندما أخبر بالفتن التي ستمر بها الأمة، ربط ذلك بعدم الانتفاع بالقرآن، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القول ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم .. » (٤). وعن أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ وذكر شيئًا فقال: «ذلك أوان ينُسخ القرآن»، فقال رجل كالأعرابي: «يا رسول الله ما ينسخ القرآن؟، أو كيف ينسخ القرآن؟»، قال رسول الله ﷺ : «ويحك يذهب أصحابه، ويبقى رجال كأنهم النعام»، فضرب رسول الله ﷺ إحدى يديه على الأخرى، فمدهما يشير بهما، فقال الناس، يا رسول الله أو لا نتعلمه ونعلمه أبناءنا، ونساءنا»، فقال رسول الله ﷺ : «قد قرأت اليهود والنصارى، قد قرأت اليهود والنصارى» (٥).

стр. 42

الوصية بالقرآن: لا عجب إذًا -أخي القارئ- أن تكون الوصية التي أوصى بها رسول الله ﷺ أمته من بعده هي القرآن. ففي صحيح البخاري عن طلحة قال: سألت عبد الله بن أبي أوفي: أأوصي النبي ﷺ ؟ فقال: لا، فقلت: كيف كتب على الناس الوصية؟، أُمروا بها ولم يُوص؟ قال: أوصى بكتاب الله» (١). وعندما أخبر ﷺ حذيفة بن اليمان بالاختلاف والفرقة التي ستحدث بعده، فقال له حذيفة: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟! قال: «تعلَّم كتاب الله واعمل به فهو المخرج من ذلك». قال حذيفة: فأعدت عليه ثلاثا. فقال ﷺ : «تعلم كتاب الله واعمل به فهو النجاة» (٢). وقال يوما لأصحابه: «ستكون فتن» فسألوه: وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله .. » (٣). فالقرآن كان خُلُقه ﷺ ، ووصيته، وميراثه .. مر أعرابي بعبد الله بن مسعود وعنده قوم يتعلمون القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد ﷺ (٤). * * *

стр. 43

الفصل الخامس النموذج العملي والدفعة الأولى لمدرسة القرآن

стр. 44

النموذج العملي والدفعة الأولى لمدرسة القرآن الدفعة الأولى: ذاق صحابة رسول الله ﷺ حلاوة الإيمان من خلال القرآن، وأدركوا قيمته وقدرته الفذة على التغيير وبث الروح، فأقبلوا عليه، وانشغلوا به، وأعطوه الكثير من أوقاتهم، وانجذبت مشاعرهم نحوه عند لقائهم به لدرجة الاستغراق والهيمنة، حتى أصبحوا لا يملكون دمعهم حين يبدأون التلاوة، بل إن بعضهم كان يمرض من شدة أثر القرآن عليه، والبعض الآخر كانت الأنوار تشاهد في داره عند قراءته، والكثير منهم كان يعيش مع آية من الآيات ساعات طوالاً يقرؤها ويكررها ويبكي، ولا يملُّ من ذلك. وإليك أخي بعضًا من الأخبار التي وردت عن مظاهر تأثر الصحابة رضوان الله عليهم بالقرآن: * في أثناء مرض الرسول ﷺ قال لمن حوله: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس». فقالت عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه (١). * وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء - بنت أبي بكر - كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله (٢). * وكان عمر بن الخطاب يمر بالآية فتخنقه، فيبقى في بيته أيامًا يُعاد، يحسبونه مريضًا (٣). * وفي يوم من الأيام قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ : ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح؟! قال: «فلعله قرأ بسورة البقرة»، فسُئل ثابت، فقال: قرأت سورة البقرة (٤). * وقال رجل من أهل مكة لمسروق - أحد التابعين-: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، يركع ويسجد ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ فلم يزل يرددها حتى أصبح (٥).

стр. 45

* وهذا أسيد بن حضير يقول: لو أني أكون كما أكون محل حال من أحوال ثلاث لكنت من أهل الجنة وما شككت في ذلك: حين أقرأ القرآن أو أسمعه يُقرأ، وإذا سمعت خطبة رسول الله ﷺ ، وإذا شهدت جنازة (١). * وكان عباد بن بشر يقوم بحراسة المسلمين بعد أن عسكروا في مكان، وأخلدوا للنوم وهم في طريق عودتهم من غزوة ذات الرقاع، ولما وجد الجو هادئًا بدأ في الصلاة وقراءة القرآن، وفي أثناء ذلك لمحه أحد المشركين فأصابه بسهم فلم يتحرك من مكانه، بل نزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بسهم ثان فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بثالث فنزعه وركع وسجد وسلَّم وأيقظ صاحبه عمار بن ياسر، ولما سأله عمار لماذا لم توقظني منذ أول سهم؟ قال له: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع عليَّ الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أُضيَّع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (٢). لقد كان شعوره ﵁ بلذة القراءة، أشد بكثير من شعوره بالألم!! وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما نزلت +إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا" وأبو بكر الصديق قاعد فبكى حين أنزلت، فقال له رسول الله ﷺ : ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: يبكيني هذه السورة (٣). وهذا أسيد بن حضير بينما كان يقرأ في الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت. فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه في السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ ، فقال له: «اقرأ يا ابن الحضير، اقرأ يا ابن الحضير» قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُلَّة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: «وتدري ما ذاك؟ «قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم» (٤). وعن البراء قال: قرأ رجل الكهف، وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «اقرأ فلان! فإنها السكينة تنزلت عند القرآن، أو تنزلت للقرآن» (٥). وعن أبي غزية الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار قائمًا يقرأ، فجاءت كهيئة القبة السوداء، فيها كهيئة الصلاصل، حتى أظلته، ففزع، ونفر فرسه، فانصرفت على فرسه فارتفعت، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : «تلك السكينة أَذِنَتْ القرآن حين سمعته، أما إنك لو ثبت رأيت منها عجبا» (٦). وروى الزهري أن عبد الله بن عباس كان يُقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب .. قال عبد الله بن عباس: لم أر أحدًا يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة (٧). ولما قدم أهل اليمن المدينة في زمن أبي بكر ﵁ فسمعوا القرآن، فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر الصديق: هكذا كنا ثم قست القلوب (٨).

стр. 46

عن عبيد بن عمير قال: صلى بنا عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الفجر فافتتح سورة يوسف فقرأها حتى إذا بلغ ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] بكى حتى انقطع فركع (١). وهذا عبد الله بن مسعود يقول: إذا وقعت في (سور) آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن (٢). ومعنى أتأنق فيهن: أي أعُجب بهن وأستلذ بقراءتهن، وأتتبع محاسنهن (٣). وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يصلي ركعتين، فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفا حرفا، ويكثر في ذلك من التسبيح والنحيب (٤). الأثر المباشر للقرآن في سلوك الصحابة: إذا أردت - أخي - أن تعرف قدر تأثير القرآن على قلوب الصحابة، وكيف أن معانيه قد استحوذت على مشاعرهم، وأصبحت تواجههم وتوجههم حيثما اتجهوا فانظر إلى آثار ذلك من الناحية العملية لترى كيف كان ذلك الأثر سريعا في إذعانهم للحق، ومبادرتهم لفعل الخير، وعدم التلكؤ أو التباطؤ تحت أي دعوى. ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟! فهذا أبو بكر الصديق ﵁ كان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، فلما قال مسطح ما قال في السيدة عائشة في حادثة الإفك، قال أبو بكر: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال في عائشة، ما قال. فأنزل الله: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها أبدًا (٥). أعرض عن الجاهلين: وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يأتيه الحُر بن قيس وعمه عيينة بن حصن فيقول عيينة للخليفة عمر: هيَّ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين. يقول ابن عباس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله (٦). أقرضت ربي حائطي: لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. قال أبو الدحداح: يا رسول الله!، وإن الله يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك يا رسول الله! فناوله يده. قال: إني قد أقرضت ربي حائطي (بستان) فيه ستمائة نخلة. وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح. قالت لبيك. قال: أخرجي فقد أقرضته ربي قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح! ونقلت منه متاعها وصبيانها (٧).

стр. 47

ثابت بن قيس من أهل الجنة: عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. كان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت، فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ ، وأنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في بيته حزينا ففقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ ، مالك؟! قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي، وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال. فقال النبي ﷺ : «لا بل هو من أهل الجنة». قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قُتل ﵁ (١). سمعًا لربي وطاعة: عن معقل بن يسار قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]. فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجها إياه (٢). وفي رواية: فسمع ذلك معقل بن يسار فقال: سمعا لربي وطاعة، فدعا زوجها فزوجها إياه (٣). والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت: عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أملى عليه: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. فجاء ابن أم مكتوم وهو يُملِّها علىَّ، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسوله ﷺ (غير أولى الضرر) (٤) أي: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [النساء: ١٩٥]. لا حاجة لي في أرضك: نزل رجل من العرب على عامر بن ربيعة، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ ، فجاء الرجل إليه بعد ذلك، فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ واديا ما في العرب أفضل منه، ولقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] (٥). قرأت البارحة سورة براءة: خرج عبد الرحمن بن يزيد مرة، وهو يريد أن يجاعل في بعث خرج عليه (الجُعل هو ما يُجعل للغازي إذا وجب على الإنسان غزو فجعل مكانه رجلاً آخر بجُعل يشترطه)، ثم أصبح فتجهز، فقيل له: ألم تكن أردت أن تجاعل؟ فقال: بلى، و لكن قرأت البارحة سورة براءة فسمعتها تحث على الجهاد (٦).

стр. 48

وهذا أبو طلحة يقرأ سورة (براءة) فأتى على هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٤١] فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبابًا جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه فيها (١). زينوا القرآن بالفعال: ولشحذ همم المسلمين قبل القتال كان الصحابة يقرؤون القرآن، ويذكِّرون بعضهم البعض بأخلاق القرآن. قال هشام بن عروة كان شعار أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم يوم اليمامة: «يا أصحاب سورة البقرة» (٢). وقال أبو حذيفة يشحذ الهمم في ذلك اليوم المشهود: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال. وكان الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم (٣). ولما أخذ سالم مولى أبي حذيفة الراية بعد مقتل زيد بن الخطاب قال له المهاجرون: أتخشى أن نؤتي من قبلك؟ فقال: (بئس حامل القرآن أنا إذًا) (٤). وفي القادسية وقبل بدء المعركة: صلى سعد بن أبي وقاص بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وقرأ القرَّاء على الناس: آيات الجهاد وسوره (٥). وبعد انتهاء المعركة وانتصار المسلمين كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب كتابا يخبره فيه بالفتح، فكان مما فيه: .. وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم .. كانوا يُدووّن بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود (٦) .. هذه الأجواء القرآنية جعلتهم يترفعون عن الدنيا وما فيها، وشمخت نفوسهم إلى الرضوان الأكبر لذلك كانوا آسادًا بالنهار لا تشبههم الأسود .. يقول جابر بن عبد الله: والله الذي لا إله إلا هو، ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة (٧). انشغال الصحابة بالقرآن ومحافظتهم على وردهم اليومي: هذه الأمثلة الرائعة لأثر القرآن على سلوك الصحابة ما كانت لتظهر لولا حرص الصحابة على كثرة قراءة القرآن بتفهم وترتيل، فقد كان للواحد منهم حزب يومي من القرآن - قل أو كثر - لا يتكاسل عن القيام به. فعن الحسن قال: «قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علىَّ يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان ﵁ حتى خرَّق مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه (٨). وعندما دخل عليه المعتدون ليقتلوه كان المصحف في حجره يقرأ فيه، فمدَّ يده فضُربت، فسال الدم، فقطرت قطرة على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] (٩). وعن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا دخل البيت نشر المصحف فقرأ فيه (١٠).

стр. 49

وقيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر ﵄ في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف بينهما (١). وعن خيثمة قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو يقرأ في المصحف فقلت له، فقال: هذا حزبي الذي أقرأ به الليلة (٢). وكان الحسن بن على يقرأ ورده من أول الليل، وحسينا كان يقرأه من آخر الليل (٣). وقالت عائشة: إني لأقرأ حزبي، أو قالت: سُبعي، وأنا جالسة على فراشي أو سريري (٤). وكان أبو موسى يقول: إني لأستحي أن أنظر كل يوم في عهد ربي مرة (٥). وذات يوم قام عبد الرحمن بن عبد القارئ بزيارة عمر بن الخطاب في داره، فتركه عمر وحيدا لمدة طويلة، ثم أذن له بالدخول عليه، وقال له معللا ما فعل: إني كنت في قضاء وردي (٦). لقد كانت هناك مساحة معتبرة للقرآن في يومهم، لدرجة أن بعضهم كان يختمه في ثلاثة أيام والبعض في سبع، والبعض في عشر، مع التدبر والترتيل والتجاوب مع الآيات كما مر علينا، والذي ساعدهم على المداومة على ذلك هو استشعارهم لقيمة القرآن من ناحية، ولتحذيرات الرسول ﷺ المتكررة لهم بعدم الانشغال بغيره من ناحية أخرى .. لذلك كان القرآن يصحبهم في كل وقت، حتى في المعارك لم يتركوا قراءة القرآن كما مر علينا في معركة القادسية .. والذي كان يسير في طرقات المدينة ليلا فلن تخطئ أذناه آيات القرآن وهي تنساب من كل بيت، فالجميع يقرأ ويترنم ويبكي، ويستشعر حلاوة الإيمان، ولذة الوصال، فيدفعه ذلك إلى مزيد من القراءة بتدبر وترتيل .. يستوي في ذلك الرجال والنساء، ولقد مر علينا قوله ﷺ : «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (٧). وكان ﷺ يسير فمر على امرأة تقرأ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فقام يستمع ويقول: «نعم قد جاءني» (٨). لقد كان القرآن هو محور حياتهم، ومادة حياة قلوبهم .. يحرصون على تحصيلها أكثر من حرصهم على تحصيل الطعام والشراب والراحة، ولم لا وهم يدركون بأن الحياة الحقيقية هي حياة القلب .. انظر إليهم بعد دخولهم مكة فاتحين مع رسول الله ﷺ بعد أيام حافلة بالمجهود العظيم والسفر الطويل .. أليس من الطبيعي أن يخلدوا للراحة في الليل بعد انتهاء مهمتهم؟! ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل ظلوا حول الكعبة يصلون ويقرأون القرآن ويركعون ويسجدون ويتضرعون إلى الله يحمدونه ويشكرونه على عظيم فضله. جاءت هند بنت عتبة زوجها أبي سفيان بن حرب صبيحة فتح مكة، فقالت له: أريد أن أبايع محمدًا. قال أبو سفيان: قد رأيتك تكفرين. قالت أي والله، والله ما رأيت الله تعالى عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، والله إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا (٩). فلا عجب إذن - أخي القارئ- أن تظهر هذه النماذج الفريدة، وبهذه الأعداد الكبيرة، فالمدرسة واحدة، والمنهج واحد، والنبع صافٍ فياض لا ينضب.

стр. 50

كيف كانوا يحفظون آيات القرآن ؟ ومع اهتمام الصحابة الشديد بالقرآن، والحرص على تلاوته كل يوم، والإكثار من مدة المكث معه، إلا أن هذا لم يدفعهم للإسراع في حفظ الآيات، باعتبار أن من أهم أهداف التلاوة هو الزيادة المستمرة للإيمان، وتوليد الطاقة الدافعة للعمل، وفي نفس الوقت فإن هدف الحفظ يختلف، فالذي يحفظ ألفاظه لابد وأن يدرك معانيها، ويعمل بما تدل عليه حتى يُصبح حاملاً حملاً صحيحًا لهذه الألفاظ ولا يكون ممن عناهم الله بقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. لذلك نجد التمهل وعدم الإسراع هو سمة الصحابة في حفظ القرآن، وليس أدل على ذلك من قول أبي عبد الرحمن السُّلمى: حدثنا الذين كانوا يُقرؤننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود ﵄، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا العلم والعمل جميعًا (١)، وزاد في رواية الفريابي: وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا، وأشار بيده إلى حنكه (٢). لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم- يدركون قيمة القرآن وأنه ﴿قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥]. يقول عبد الله بن عمر: كنا صدر هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ما معه إلا السورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلاً عليهم، ورزقوا العمل به، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن، حتى يقرأه الصبي والأعجمي فلا يعملون به (٣). ولقد أخبرهم الرسول ﷺ بذلك حين قال: «يخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن» (٤). لذلك لما بدأ المسلمون في عصر التابعين يقبلون على حفظ القرآن بشكل مختلف عما كان يفعله الصحابة، ازداد تحذير الصحابة لهم وتخويفهم من خطورة حمل ألفاظ القرآن دون إدراك معانيه ومعرفة أحكامه، والعمل بما تدل عليه آياته. فقد جمع أبو موسى الأشعري الذين حفظوا القرآن في الكوفة، وكان عددهم يبلغ قرابة الثلاثمائة، فعظَّم القرآن، وقال: «إن هذا القرآن كائن لكم ذخرًا، وكائن عليكم وزرًا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زجَّ به في قفاه فقذفه في النار» (٥). وعندما جاء رجل إلى أبي الدرداء وقال له: إن ابني قد جمع القرآن، فانزعج أبو الدرداء وقال له: اللهم اغفر. إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع (٦). وكيف لا يقول هذا، وهو القائل: أخاف أن يقال لي يوم القيامة علمت أم جهلت؟ فأقول: علمت. فلا تبقى آية في كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا و تسألني فريضتها. تسألني الآمرة: هل ائتمرت؟ وتسألني الزاجرة: هل ازدجرت؟! فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع (٧). وكان يقول: لو أعيتني آية من كتاب الله فلم أجد أحدًا يفتحها عليَّ إلا رجلاً بِبَرْك الغماد لرحلت إليه (٨).

стр. 51

وفي المقابل كانوا يجتهدون في تعليم من بعدهم القرآن بطريقة تربط بين اللفظ والمعنى، وتحقق مفهوم «التعليم، وكانوا يقتصرون في الجلسة الواحدة على آية أو بضع آيات حتى يتم الانتفاع الصحيح بها. فهذا عبد الله بن مسعود كان إذا أصبح فخرج أتاه الناس إلى داره، فيقول: على مكانكم، ثم يمر بالذين يقرئهم القرآن، فيقول: أبا فلان، بأي سورة أنت؟ فيخبره، فيقول: في أي آية؟ فيخبره؟ فيفتح عليه الآية التي تليها، ثم يقول: تعلمها، فإنها خير لك مما بين السماء والأرض، فيظن الرجل أنه ليس في القرآن آية لعلها خير منها، ثم يمر بالآخر فيقول له مثل ذلك، حتى يقول ذلك لكلهم (١). وقال أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، إنه أحفظ لكم، وإن جبريل صلوات الله عليه كان ينزل بخمس آيات متواليات (٢). وقال أبو رجاء العطاردي: كان أبو موسى يعلمنا القرآن خمس آيات خمس آيات (٣). خوف الصحابة على القرآن: بعد أن ذاق الصحابة - رضوان الله عليهم - حلاوة القرآن، وأدركوا قيمته الحقيقية، والسر الأعظم لمعجزته، ووظيفته المتفردة في إنشاء الإيمان، وبناء اليقين الصحيح، ومن ثمَّ التقويم والتغيير .. بعد أن تأكدوا من هذا كله، ورأوا بأعينهم ثمار التعامل الصحيح مع هذا الكتاب في شتى الدوائر والمجالات، كان من أهم ما يشغل بالهم هو توصيل هذه الرسالة لمن بعدهم من الأجيال حتى لا يتحول القرآن من وسيلة عظيمة للتغيير إلى مجرد كتاب مقدس يُقرأ للتبرك والثواب فقط .. لذلك كانوا حريصين على متابعة من بعدهم في كيفية تعاملهم مع القرآن، فالسيدة عائشة تسمع رجلا يقرأ القرآن قراءة سريعة، فقالت: ما قرأ هذا وما سكت (٤). * وجاء رجل يقال له: نُهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود فقال له: يا أبا عبد الرحمن: كيف تقرأ هذا الحرف، ألفا تجده أم ياء «من ماء غير آسن» أو «من ماء غير ياسن» فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال نُهيك: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذًّا كهذِّ الشعر؟ إن أقواما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع (٥) .. * وقيل لعبد الله بن عمرو بن العاص: الرجل يقرأ في ليلة؟ فقال: أقد فعلتموها؟ لو شاء الله أنزله جملة واحدة، إنما فُصل ليعطي كل سورة حظها من الركوع والسجود (٦). * ورأى عبد الله بن مسعود مصحفًا مزينًا بالذهب فقال: إن أحسن ما زُينت به المصحف تلاوته ليلاً ونهارًا في الخلوة (٧). وكان أبو الدرداء يقول: إذا حليتم مصاحفكم، وزوقتم مساجدكم، فالدمار عليكم (٨). توجيهات ووصايا الصحابة نحو القرآن: عن الحسن قال: كان رجل يكثر غشيان باب عمر ﵁، فقال له: اذهب فتعلم كتاب الله، فذهب الرجل، ففقده عمر ثم لقيه فكأنه عاتبه، فقال: وجدت في كتاب الله ما أغناني عن باب عمر (٩). أوصى جُندب بن عبد الله أهل البصرة بوصية فقال فيها: وعليكم بالقرآن، فإنه هدى النهار، ونور الليل المظلم، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة (١٠). أما الحسن بن على فيوصى وصية مهمة وضابطة لقراءة القرآن فيقول: اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرؤه (١١).

стр. 52

وقال على بن أبي طالب: ألا أنبئكم بالفقيه حق الفقيه، من لم يُقَنِّط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معصية الله، ولم يُؤَمَّنهم مكر الله، ولم يترك القرآن إلى غيره .. ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا خير في فقه ليس فيه تفهم، ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر (١). وكان عبد الله بن مسعود يقول: أُنزل القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا، إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يُسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به (٢). وقال أبو الدرداء: إياكم والهذاذين، الذين يهذون القرآن، يسرعون بقراءته، فإنما مثل أولئك كمثل الكُنة: لا أمسكت ماء، ولا أنبتت كلأ (٣). والكنة هي الظلة التي تكون فوق الدار. وهذا خباب بن الأرت يقول لجار له: يا هناه! تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه (٤). وجاء رجل إلى أبي الدرداء فقال له: إن إخوانًا لك من أهل الكوفة يقرئونك السلام، ويأمرونك أن توصيهم. فقال: أقرئهم السلام ومُرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه يحملهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة (٥). والخزائم جمع خزامة وهي حلقة توضع في أنف البعير ليشد بها الزمام، والمراد: استسلم للقرآن، وأعطه زمامك، واتركه يقودك، وسر وراءه تابعًا مطيعًا. ومن وصايا عبد الله بن عمرو بن العاص: عليكم بالقرآن فتعلموه وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه تُسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظًا لمن عقل (٦). وكان أبو أمامة الباهلي يقول: اقرأوا القرآن، ولا يغرنكم هذه المصاحف المعلقة، فإن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن (٧). ومن أقوال عبد الله بن مسعود: من قرأ في ليلة أكثر من ثلث القرآن فهو راجز، ومن قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز (٨). وعن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة، فأدبرها وأرتلها، أحب إلىَّ من أن أقرأ كما تقول (٩). وقال أبو موسى الأشعري لقراء البصرة: اتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم، كما قست قلوب من كان قبلكم. (١٠) تحذيرات الصحابة من رفع القرآن: كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يحذرون من بعدهم، ويخوفونهم من زمن يُرفع فيه القرآن، فعن شدَّاد بن معقل عن عبد الله بن مسعود قال: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وإن آخر ما يبقى منها الصلاة، وليصلين أقوام لا دين لهم، و إن هذا القرآن الذي بين ظهرانيكم سينُتزع منكم، قال: قلت: كيف ينتزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ فقال: يسرى عليه في ليلة واحدة، فينتزع ما في القلوب، ويذهب ما في المصاحف، ثم قرأ عبد الله ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] (١١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوىٌّ كدوى النحل، فيقول الرب: مالك؟ فيقول: يا رب أُتلى ولا يعمل بي، أُتلى ولا يُعمل بي، ثلاث مرات.

стр. 53

قال الليث بن سعد: إنما يُرفع القرآن حين يقبل الناس على الكتب، ويكبون عليها، ويتركون القرآن (١). وعن عبد الله بن مسعود قال: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع، فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع، قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الناس؟ قال: يسرى عليه ليلا، فيرفع من صدورهم، فيصبحون فيقولون: كأنا لم نعلم شيئًا، ثم يفيضون في الشعر (٢). وعن معاذ بن جبل قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فَيَتَهافت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قَصَّروا قالوا: سنبلغ، وإن أساؤا قالوا: سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئًا (٣). وكان الإمام المقرئ خلف بن هشام البزار يعتب على أهل زمانه عدم العناية بفهم القرآن والعمل به، فيقول ﵀: ما أظن القرآن إلا عارية في أيدينا، وذلك أنا روينا أن عمر بن الخطاب ﵁ حفظ البقرة في بضع عشرة سنة، فلما حفظها نحر جزورا شكرًا لله، وإن الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ ثلث القرآن لا يُسقط منه حرفا، فما أحسب القرآن إلا عارية في أيدينا (٤). خوف الصحابة من انشغال الناس بغير القرآن: أراد عمر بن الخطاب ﵁ أن يكتب السنن، فاستشار أصحابه، فأشاروا عليه بذلك، ثم استخار الله شهرًا، ثم قال: إني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا (٥). وخطب على بن أبي طالب ﵁ في الناس وقال: أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم (٦). وبلغ عبد الله بن مسعود أن عند ناس كتابًا يعجبون به، فلم يزل بهم حتى أتوه فمحاه، ثم قال: إنما هلك أهل الكتاب قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا كتاب ربهم (٧). وعن ابن سيرين أن زيد بن ثابت قال: أرادني مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة أن أكَتُبَه شيئًا، قال: فلم أفعل، قال: فجعل سترًا بين مجلسه وبين بقية داره، وكان أصحابه يدخلون عليه ويتحدثون في ذلك الموضع، فأقبل مروان على أصحابه فقال: ما أرانا إلا قد خُنَّاه، ثم أقبل علىَّ، قلت: وما ذاك؟ ما أرانا إلا قد خناك، قلت: وما ذاك؟ قال: إنا أمرنا رجلا يقعد خلف هذا الستر فيكتب ما تفتى هؤلاء وما تقول (٨). وقال عمرو بن قيس: وفدت مع أبي إلى يزيد بن معاوية (بحوارين) حين توفى معاوية نُعزَّيِّه، ونُهنيه بالخلافة فإذا رجل في مسجدها يقول: ألا إن من أشراط الساعة أن تُرفع الأشرار وتوضع الأخيار، ألا إن من أشراط الساعة أن يظهر القول، ويُخزن العمل، ألا إن من أشراط الساعة أن تُتلى المثُناة فلا يوجد من يغيرها. قيل له: وما المثناه؟ قال: ما استُكتب من كتاب غير القرآن، فعليكم بالقرآن فبه هُديتم، وبه تجزون وعنه تسألون. فحدثت بهذا الحديث بعد ذلك بحمص، فقال لي رجل من القوم: أو ما تعرفه؟ قلت: لا. قال: ذاك عبد الله بن عمرو (٩). وقال عبد الله بن مسعود: إن ناسا يسمعون كلامي ثم ينطلقون فيكتبونه، وإني لا أُحِل لأحد أن يكتب إلا كتاب الله (١٠).

стр. 54

وأراد عمر بن الخطاب أن يكتب السُّنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: «من كان عنده شيء فليمحه» (١). وعن الأسود بن حلال قال: أُتى عبد الله (ابن مسعود) بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فمحاها، ثم أمر بها فأخرجت، ثم قال: أُذكِّر بالله رجلا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدار الهند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (٢). وعن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد الخدري: ألا نكتب ما نسمع منك؟ قال: «أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟ إن نبيكم ﷺ كان يُحدَّثنا فنحفظ، فاحفظوا كما كنا نحفظ (٣). هذه الأخبار وغيرها تعكس تخوف الصحابة الشديد من انشغال الناس بغير القرآن، فيحرموا أنفسهم من نوره العظيم، وأثره المبارك والذي لا يوجد له مثيل ولا بديل. هذا التخوف جعلهم يتشددون في موضوع كتابة العلم و تقييده. وهنا أمران لا بد من التنويه عليهما في هذا المقام: الأول خاص بالسنة ومكانتها، والثاني خاص بتقييد العلم وكتابته. منزلة السنة النبوية: يقول عبد الفتاح أبو غده ﵀: فالسنَّة والكتاب توأمان لا ينفكان، ولا يتم التشريع إلا بهما جميعًا. والسنة مبيَّنة للكتاب وشارحة له، وموضَّحة لمعانيه، ومفسَّرة لمبهمه، فهي من الكتاب بمنزلة الشرح له، يُفصّل مقاصده ويُتَّم أحكامه (٤). وقد أتى رجل إلى عمران بن حصين ﵁ فسأله عن شيء، فحدثه، فقال الرجل: حدثوا عن كتاب الله ولا تُحدَّثوا عن غيره. فقال - عمران بن حصين - إنك امرؤ أحمق! أتجد في كتاب الله تعالى صلاة الظهر أربعا لا يُجهر فيها؟ ثم عدَّد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟! إن كتاب الله قد أبهم هذا، وإن السنة تفسر ذلك (٥). فالسنة من الكتاب بمنزلة الجزء من الكل، ولقد تعهد الله سبحانه بحفظ كتابه الكريم فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وحفظ السنة من حفظ الكتاب ولا ريب، فهي محفوظة بحفظ الله تعالى لها (٦). لماذا لم تدوَّن السنة في عهد الرسول ﷺ : يقول د. مصطفى السباعي ﵀: لا يختلف اثنان من كتاب السيرة وعلماء السنة وجماهير المسلمين في أن القرآن الكريم قد لقى من عناية الرسول ﷺ والصحابة ما جعله محفوظا في الصدور، ومكتوبا في الرقاع، والسعف، والحجارة، وغيرها، حتى إذا توفى رسول الله ﷺ كان القرآن محفوظا مرتبا لا ينقصه إلا جمعه في مصحف واحد. أما السنة فلم يكن شأنها كذلك، رغم أنها مصدر مهم من مصادر التشريع في عهد الرسول ﷺ ولا يختلف أحد في أنها لم تدون تدوينا رسميا كما دُون القرآن، ولعل مرجع ذلك إلى أن الرسول ﷺ عاش بين الصحابة ثلاثًا وعشرين سنة، فكان تدوين كلماته وأعماله ومعاملاته تدوينا محفوظا في الصحف والرقاع من العسر بمكان، لما يحتاج ذلك إلى تفرغ أناس كثيرين من الصحابة لهذا العمل الشاق.

стр. 55

(ومن الأسباب كذلك) خوف اختلاط بعض أقوال النبي الموجزة الحكيمة بالقرآن، سهوا من غير عمد، وذلك خطرٌ على كتاب الله يفتح باب الشك فيه لأعداء الإسلام، مما يتخذونه ثغرة ينفذون منها إلى المسلمين لحملهم على التحلل من أحكامه، والتفلت من سلطانه .. كل ذلك وغيره- مما توسع العلماء في بيانه - من أسرار عدم تدوين السنة في عهد الرسول ﷺ (١)، وبهذا نفهم سر النهي عن كتابتها الواردة في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ : «لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه». موقف الصحابة من الحديث بعد وفاة الرسول ﷺ : أوصى رسول الله ﷺ صحابته بتبليغ السنة إلى من وراءهم «نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فحفظها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (٢). وشدد عليهم في التثبت فيما يرون «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (٣). فلم يكن بدٌ من أن يصدع الصحابة بالأمر ويبلغوا أمانة الرسول ﷺ إلى المسلمين، وخصوصا وقد تفرقوا في الأمصار، وأصبحوا محل عناية التابعين والرحلة إليهم، فكان التابعون يتتبعون أخبارهم ومواطنهم فيرحل إليهم من يرحل على بُعد المشقة وعناء الأسفار. هذا كله كان عاملا في انتشار الحديث وانتقاله بين المسلمين (٤). (ومهما يكن من إكثار بعض الصحابة التحديث عن رسول الله، فقد كان ذلك قليلا في عصري الشيخين أبي بكر وعمر، إذ كانت خطتها حمل المسلمين على التثبت من الحديث من جهة، وحمل المسلمين على العناية بالقرآن أولاً (٥) .. فقد كانت رغبة عمر ﵁ ألا يكثروا من التحديث عن الرسول ﵊ كي لا ينشغل الناس بالحديث عن القرآن، والقرآن غض طرى. فما أحوج المسلمين إلى حفظه وتناقله، والتثبت فيه، والوقوف على دراسته!! روى الشعبي عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى (صرار)، فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لِمَ مشيت معكم؟ قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا. فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوىٌّ بالقرآن كدوى النحل، فلا تصدوهم بالحديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقِلُّوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، وامضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حَدَّثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب (٦). ويعلق الشيخ محمد الغزالي ﵀ على هذا الأمر فيقول: فعمر وغيره من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القرآن حظه الأوفر من الحفاوة والإقبال، وذلك هو الترتيب الطبيعي، فلا بد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه (٧). تقييد العلم وكتابته: أما بخصوص تقييد العلم وكتابته وتخوف الصحابة من ذلك - كما مر علينا - فيقول الخطيب البغدادي: فقد ثبت أن كراهة من كره الكتابة من الصدر الأول، إنما هي لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ، لأنه لا يعرف حقها من باطلها، وصحيحها من فاسدها، مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمنا عليها.

стр. 56

ويقول: إنما اتسع الناس في كَتْب العلم، وعوَّلوا على تدوينه في الصحف، بعد الكراهة لذلك، لأن الروايات قد انتشرت، والأسانيد طالت، والعبارات بالألفاظ اختلفت، فعجزت القلوب عن حفظ ما ذكرنا .. وقال النووي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف (١). وقال ابن حجر العسقلاني: السلف اختلفوا في ذلك عملا وتركا، وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يَبعُد وجوبه على من خشى النسيان ممن يتبين عليه تبليغ العلم (٢). ولكن هل من كلمة سواء في هذا الموضوع؟! بلا شك أنه لا يمكن الاستغناء بالقرآن عن السنة، وكيف يكون هذا والله يقول لرسول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. ويقول للمسلمين جميعًا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. (فالحديث هو الذي تولى بيان ما أُجمل من القرآن، وتفصيل أحكامه، ولولاه لم نستطع أن نعرف الصلاة والصيام، وغيرهما من الأركان والعبادات على الوجه الذي أراده الله ﵎، وما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب) (٣). ونؤكد أيضًا على ضرورة تقييد العلم بالكتابة حتى لا تختلط الروايات، وتتداخل العبارات وغير ذلك من المفاسد الكثيرة .. فلا بد من كتابة الحديث والعناية به، متنا، وسندا، وشرحا. ولكن أليس من الطبيعي أن يكون الاهتمام بالقرآن أولاً ثم بالسنة ثانيًا؟! ولا بد كذلك من كتابة العلم، والانتفاع بآراء العلماء وجهودهم الفكرية، ولكن أليس الاهتمام بالقرآن - لفظا ومعنى - يسبق ذلك. فمع كل ما قيل عن أسباب عدم تقييد العلم في البداية - وهي أسباب صحيحة - إلا أن أحد أهم الحِكم من ذلك هو خوف الرسول ﵊ وصحابته من بعده على انشغال المسلمين بغير القرآن كمصدر متفرد للتغيير والتقويم، فالرسول ﵊ كان أعلم الناس بقدر القرآن، وبأنه لا يقوم مقامه شيء آخر في عمله داخل الإنسان، وكان يخشى من الانشغال بغيره حتى لا يفقد القلب أهم مصدر لإنشاء الإيمان وإحداث التغيير. وكذلك كان الصحابة يدركون أهمية القرآن، ويخشون من الاهتمام بغيره، مع حرصهم على تبليغ سنة رسول الله ﷺ والأخذ بها. ومما يدعو للأسف أنه قد حدث ما كان يخشاه الرسول ﵊، وصحابته من بعده، فكان انجذاب الأجيال اللاحقة نحو العلم وفروعه على حساب الاهتمام بالقرآن من حيث كونه مصدرا للهداية والشفاء. يقول الشيخ محمد الغزالي ﵀: هجر المسلمون القرآن إلى الأحاديث .. ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة .. ثم هجروا أقوال الأئمة إلى أسلوب المقلدين. وكان تطور الفكر الإسلامي على هذا النحو وبال على الإسلام وأهله .. روى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم: يأتي على الناس زمان يُعلق فيه المصحف حتى يعشش عليه العنكبوت، لا ينتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث (٤) .. وعن بشر الحافي قال: سمعت أبا خالد الأحمر يقول: يأتي زمان، تُعطَّل فيه المصاحف، يطلبون الحديث والرأي، فإياكم وذلك فإنه يُصفِّقُ الوجه، ويَشغل القلب، ويُكثر الكلام (٥).

стр. 57

من آثار هجر القرآن: اهتم أكثرية الصحابة رضوان الله عليهم بتبليغ ما يحفظونه من أحاديث رسول الله ﷺ لمن بعدهم، وبدأ بعد ذلك الاهتمام الشديد بتدوين الأحاديث خوفًا من النسيان أو موت من يحفظها، وقد بذلوا في ذلك مجهودًا كبيرًا، ثم تفرع العلم إلى فروع كثيرة كالفقه والسير، وظهر علم الكلام والفرق المختلفة كالمعتزلة والمرجئة وما صاحبها من خلافات فكرية ضخمة، ومواجهات كثيرة شغلت الأمة وأضاعت الكثير من جهود العلماء في الرد على بعضهم البعض. وبدأ الكلام عن أسماء الله وصفاته، وعن القَدَر، وعن مفهوم الإيمان والإسلام وعن مرتكب الكبيرة، وغير ذلك من الأمور .. والذي يقرأ في هذه الخلافات - بعد أن يعيش مع القرآن ويقرؤه مرات ومرات بتدبر وترتيل وتأثر - فإنه سيخرج بنتيجة مفادها أن هذه الخلافات ما هي إلا ثمرة من ثمار هجر القرآن، وأن صيحات التحذير التي أُطلقت من الجيل الأول والتي تحذر من الانشغال بغير القرآن، أو قراءته بدون فهم ولا تأثر لم تأخذها الأجيال المتلاحقة مأخذ الجد، بل وبدأ الانبهار بالموروثات الثقافية للحضارات المختلفة، وكان ما كان من خلافات شغلت الأمة كثيرًا عن وظيفتها الأساسية. بناء الإيمان من خلال القرآن: إن الذي يقرأ القرآن ويتدبره ويرتله، وينشغل به كما انشغل الصحابة، سيجد معانيه قد انطبعت في عقله، وتحولت إلى يقين، وامتزجت بعاطفته فصارت إيمانًا راسخًا رسوخ الجبال الرواسي، فالقرآن يُشرب في القلب محبة الله، وتعظيمه، ومهابته، وتقديسه .. فالإيمان بالله، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا دون تعطيل أو تشبيه أو تأويل يصل لقارئ القرآن بسهولة ويسر، وإن لم يستطع التعبير عنه، والدليل على هذا أن إيمانه لا يهتز إذا ما استمع أو قرأ عن شبهة من شبهات الفلاسفة وأهل المنطق، وكيف لا، والقرآن قد أفرد مساحات كبيرة للحديث عن ألوهية الله سبحانه وربوبيته وقيوميته على خلقه، وقدرته المطلقة، وعلمه المحيط، وعزته، وجلاله، وكماله .. وليس ذلك فحسب فقد أَوْلى قضية الإيمان باليوم الآخر اهتمامًا كبيرًا، وكذلك سائر أركان الإيمان. كل ذلك من خلال خطاب سهل ميسر يجمع بين القناعة العقلية، والتفاعل القلبي، لينشأ الإيمان كنتيجة لتعانق الفكر مع العاطفة. وعندما انشغل الجيل الأول بالقرآن لم تظهر تلك التساؤلات والشبهات والخلافات التي ظهرت بعد ذلك. يقول الشيخ محمد الغزالي- يرحمه الله-: .. إن دراسة هذا القرآن الكريم، أورثتنى إحساسًا بعظمة الله، لم أحسه في قراءة كتاب آخر (١). أحسست أن الكتاب الذي بين يدي، يبدئ ويعيد في قيادة الناس إلى الله، واستثارة مشاعرهم من الأعماق، كي يرتبطوا به، ويتوجهوا إليه، ويستعدوا للقائه .. الحديث دائم متصل عن الله، وما ينبغي له! وعن جَعْل هذه الحياة مهادا لما بعدها (٢) .. ويقول: ليت المسلمين استقوا عقائدهم من القرآن وحده! إذن لأراحوا واستراحوا، إن بعض هواة الجدل لم يتورعوا عن كثرة اللغط في قضايا العقيدة، فضلوا وأضلوا، ويشبه هؤلاء في الانحراف قوم غرتهم فلسفة اليونان وخيالاتهم النظرية .. تحدثوا في أصل الإيمان، فزادوا الطين بلة .. ولا عاصم من هذه المزالق كلها، إلا التزام المنهج، والسير في معالمه (٣) .. إنني أتلو القرآن وأترك معانيه تنطبع في فؤادي دون تقعر ولا تجرؤ (٤) ..

стр. 58

ويقول: هذا الكتاب يعرف الناس بربهم، على أساس من إثارة العقل، وتعميق النظر، ثم يحول هذه المعرفة إلى مهابة لله، ويقظة في الضمير، ووجل من التقصير، واستعداد للحساب (١). إعادة ترتيب الأولويات: من هنا نقول بأننا لا نريد الاستغناء بالقرآن عن السنة، أو عن كتب العلم المختلفة، ولا نريد الانشغال بغير القرآن على حساب القرآن، بل نريد الأمرين معًا، على أن يُعطي القرآن الأولوية في الاهتمام والرعاية، ليتحقق الهدف الذي من أجله أنزله الله ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. كلمة أخيرة عن الصحابة والقرآن: إن أكثر أجيال الأمة إدراكًا لقيمة القرآن هم جيل الصحابة، فقد عاشوا الحياة قبله، وعاشوها بعده، لذا فقد أدركوا - أكثر من غيرهم - معنى السعادة الحقيقية، والربانية، والتغيير .. ويكفيك في ذلك حزنهم على انقطاع الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ . فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر ﵁: انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها .. فلما انتهيا إليها، بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، فقالت: ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكني أبكى أن الوحي قد انقطع من السماء! فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (٢). من هنا ندرك أهمية صيحات التحذير التي أطلقوها، والوصايا التي كانوا يوصون بها من بعدهم حول القرآن. فهذه الوصايا كانت تنطلق من استشعارهم للقيمة العظيمة للقرآن، وكانت تنطلق كذلك من خوفهم من عدم إدراك الأجيال اللاحقة لتلك القيمة، فينزوى القرآن جانبا ولا يأخذ دوره المرسوم له في قيادة الحياة، وتشكيل الشخصية المسلمة الصحيحة من جميع جوانبها، وإمدادها الدائم بالإيمان، ومن ثمَّ تفقد الأمة مكانتها العالية بين الأمم، فتتراجع إلى الوراء .. إلى الذلة والمهانة، وكيف لا وقد ربط الله علو هذه الأمة بالإيمان ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. فهل أخذت الأجيال المتتابعة هذه الوصايا مأخذ الجد؟! للأسف لم يحدث ذلك، بل حدث العكس، وابتعد الكثيرون من المسلمين عن الانتفاع الحقيقي بكتابهم. فكانت النتيجة هي الحال البائس والوضع المرير الذي نحياه، فالقرآن رفع قدر الجيل الأول وأعلى من شأنه وجعل الأمة الإسلامية في مقدمة الأمم، بينما أوصلنا هجر الانتفاع بالقرآن إلى هذا المستوى الذي لا يخفى وصفه على أحد .. فإن كنت في شك من هذا فتأمل قوله ﷺ : «إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضع به آخرين» (٣). * * *

стр. 59

الفصل السادس لماذا لم ننتفع بالقرآن ؟!

стр. 60

لماذا لم ننتفع بالقرآن؟! رأينا كيف أثَّر القرآن العظيم على الجيل الأول، ورأينا كيف كان أثر القرآن على مشركي مكة .. ليبقى السؤال: لماذا لا يفعل القرآن معنا مثل ما فعل معهم؟! .. إننا حتى لم نقل عنه ما قاله الوليد بن المغيرة: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه يعلو ولا يعلى عليه .. ». إن القرآن هو القرآن، وأدوات الانتفاع به التي نملكها من أذن وعين ولسان وقلب هي نفس الأدوات التي استخدموها فأوصلتهم لتلك المرتبة العالية في تعاملهم مع القرآن، بل إن فرصتنا في الاستفادة أوسع منهم مع وجود المصاحف في كل مكان. فلماذا لا يحدث معنا مثل ما حدث معهم؟! لماذا لم يحدث معنا مثل ما حدث لمشركي مكة - على الأقل - من تأثرهم بالقرآن؟! قبل الإجابة عن هذه الأسئلة نقرأ سويا هذه الكلمات للإمام حسن البنا ﵀: حين أنزل الله القرآن على نبيه محمد ﷺ وقرأه هذا النبي الكريم على الأمة العربية حينذاك، عمل في نفوسهم عمل السحر، وبلغ أثره أعماق هذه القلوب، وتغلغل في حنايا الضلوع، وتمكن من مكامن الأرواح، وبدل الله به هذه الأمة خلقًا آخر، فكان البون بعيدًا، والفارق عظيمًا بين الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها. ولقد أثر القرآن في نفوس المشركين والمؤمنين على السواء، ولكن أثره في نفوس المشركين كان أثرًا وقتيًا سلبيًا، وكانوا يفرون منه، ويضعون الحوائل فيما بينهم وبينه، ويقول بعضهم لبعض: ﴿لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. أما المؤمنون فكانوا ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. فكان أثر القرآن في نفوسهم دائمًا إيجابيًا .. بدَّلهم وغيَّرهم، وحوَّلهم من حال إلى حال، ودفعهم إلى كرائم الخصال وجلائل الأعمال ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَّشَاءُ﴾ [الزمر: ٢٣]. وها هو القرآن يُتلى علينا، ويُقرأ بين ظهرانينا، فهل تغيرت به نفوسنا، وانطبعت عليه أخلاقنا، وفعل في قلوبنا كما كان يفعل في قلوب أسلافنا؟! لا أيها الإخوان .. لقد صرنا نقرأ القرآن قراءة آلية صرفة .. كلمات تتردد، ونغمات تتعدد، ثم لا شيء إلا هذا، أما فيض القرآن وروحانيته، وهذا السيل الدافق من التأثير القوي الفعال، فمن بيننا وبينه حجاب، ولهذا لم نكن صورة من النسخة الأولى التي تأثرت بالقرآن وتبدَّلت نفوسها به (١). هل اللغة هي السبب ؟! فإن قلت: إن الجيل الأول تأثر هذا التأثر البالغ بالقرآن لأن العرب كانوا يتذوقون اللغة بالسليقة ويدركون معانيها ومراميها، أما نحن فلسنا مثلهم، لذلك يصعب علينا فهم القرآن ومن ثمَّ التأثر والانتفاع الحقيقي به. بلا شك أن (من يتذوق العربية يدرك معاني قد تخفى على غير أهل اللغة) (٢) ولكن هذا الأمر ليس شرطًا للانتفاع بالقرآن كهداية وشفاء. فالذي أنزل القرآن وجعله للعالمين نذيرًا يعلم أن الناس جميعًا ليسوا من أهل اللغة المتذوقين لها ..

стр. 61

وفي نفس الوقت فلأنه لا يمكن لأحد أن يهتدي بهدى القرآن ويتأثر به، ويكون له بمثابة البشير، والنذير، والهادي، والنور، والروح، والتذكرة، والتبصرة .. إلا إذا تعلم اللغة العربية كلغة تخاطب يفهم خطابها وألفاظها فهما عاما؛ كان تعلم هذا القدر من اللغة ضروري للأعجمي لفهم خطاب القرآن المباشر له، ولو فهما إجماليًا .. يقول الإمام ابن تيمية: إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١). ومما لا شك فيه أن عاقل مهما كان مستوى علمه وإدراكه محدودًا يستطيع - إذا ما أعمل عقله فيما يقرأ أو يسمع من آيات - أن يفهم الخطاب القرآني بدرجة ما .. هذه الدرجة تمكنه - بعون الله - من بلوغ الهداية القرآنية، وهذا من صور إعجاز القرآن، أن يسر الله فهمه للجميع، كلٌ على قدره مستواه +وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ" [القمر: ١٧]. لذلك فإن بلوغ الهداية من القرآن، والتأثر بمعانيه، ومن ثم الانتفاع الحقيقي به، في وسع وطاقة أي عاقل مهما كان مستوى إدراكه. يقول الإمام محمد عبده: يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته، لا فرق بين عالم وجاهل. يكفي العامي من فهم قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] ما يعطيه الظاهر من الآيات، وأن الذين جُمعت أوصافهم في الآيات الكريمة لهم الفوز والفلاح عند الله تعالى (٢). ويقول: ومن الممكن أن يتناول كل أحد من القرآن بقدر ما يجذب نفسه إلى الخير، ويصرفها عن الشر، فإن الله تعالى أنزله لهدايتنا وهو يعلم منا كل أنواع الضعف الذي نحن فيه (٣). تفسير لا يعذر أحد بجهالته: ومما يؤكد هذا المعنى ما قاله ابن عباس ﵁: تفسير القرآن على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى (٤). فالوجه الأول: كما يقول د. يوسف القرضاوي، والذي تعرفه العرب من كلامها: أن القرآن نزل بلسان العرب، وهو ما جاء على معهود كلامهم من الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية .. فالعرب تعرف القرآن من خلال معرفتها بأسلوب كلامها وطرائقه. الوجه الثاني: (لا يعذر أحد بجهالته): هو ما كان واضحًا بحيث يتبادر إلى الأذهان معرفته، دون حاجة إلى كد الذهن، وإجهاد العقل. الوجه الثالث: (تفسير يعلمه العلماء): ما لا يعرفه إلا أهل العلم، مما يحتاج إلى استنباط وتدقيق ومعرفة بعلوم أخرى، حتى يحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص .. الوجه الرابع: ما لا يعلمه إلا الله: مثل شؤون الغيب، التي لا يعلم حقائقها إلا الله سبحانه، كأحوال البرزخ، وأمور الآخرة، وموعد قيام الساعة (٥) ... وعلق الإمام الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) على قول ابن عباس في تقسيم التفسير إلى أربعة أنواع فقال: هذا تقسيم صحيح. فأما الذي تعرفه العرب فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك اللغة والإعراب. فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها، ولا يلزم ذلك القارئ. وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى وجب على المفسر والقارئ تعلمه، ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم، ويسلم القارئ من اللحن (٦) ..

стр. 62

وأما ما لا يعذر أحد بجهله، فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدًا جليًا يُعلم أنه مراد الله تعالى. فهذا القسم لا يلتبس تأويله، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد: ١٩]، وأنه لا شريك له في إلهيته، وإن لم يعلم أن (لا) موضوعة في اللغة للنفي، و (إلا) للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر. فما كان من هذا القسم لا يُعذر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه، لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة (١). المرونة في النص القرآني: وهنا تجدر الإشارة إلى أن (العبارة القرآنية فيها من المرونة والسعة بحيث يفهمها العقل العربي في عصر نزول القرآن، كما يفهمها كل قارئ لكتاب الله في كل جيل، ويجد فيها ما يُشبع فكره ووجدانه معًا فهما فطريًا ميسرا) (٢). وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد الغزالي ﵀: العبارة القرآنية فيها مرونة تجعل معاني كثيرة تخرج منها أو تتحملها الآية وكان لا بد أن تكون في الصياغة هذه المرونة لكي تبقى وتكون ممتدة مع الزمن .. ففيها مرونة ظاهرة بحيث أنه إذا تكلم في التاريخ .. أو تكلم في شيء: تنزل العبارة لها نسيج معين بحيث يمكن أن يستقبلها العبقري ويغوص فيها، ويمكن أن يصل إليها العامي ويستقر عند حدودها الأولى .. فهذا من خصائص القرآن (٣). ويضرب مثلاً لذلك فيقول: فكلمة ﴿لاَ رَيْبَ فِيه﴾ وسعتني وأنا صغير: أفهم أن الريبة الشك وعدم الصحة، لكن وسعتني وأنا كبير أعرف الأصول التي يستند إليها الكلام لكي يكون مقبولا (٤). الدليل الواقعي: وهناك دليل واقعي واضح يؤكد على أن السبب لعدم انتفاعنا بالقرآن ليس هو افتقادنا للتذوق اللغوي. هذا الدليل يتمثل في وجود نماذج كثيرة ممتدة عبر التاريخ الإسلامي من غير العرب ممن تعلموا اللغة العربية، فتأثروا بالقرآن تأثرًا بالغًا، وانتفعوا به انتفاعًا عظيمًا. يقول أبو الحسن الندوي: لا تَقِلُّ قصص العلماء والمشايخ الصالحين الذين ولدوا في العجم وكانت لغتهم غير العربية، في تذوقهم لتلاوة القرآن الكريم، وعنايتهم بحفظه، وشغفهم به، وانصرافهم كليا إليه، واستغراقهم فيه، لا تقل هذه القصص إثارة للرغبة وتأثيرًا في النفوس وعظة وعبرة عن غيرهم من الذين كانت لغتهم الأصلية هي العربية، ونجتزئ من مئات هذه القصص - فيما يلي - بعض الحكايات المؤثرة: يذكر في سيرة الإمام المجدد أحمد السرهندي أنه كان يبدو عند تلاوته لكتاب الله تعالى، ويظهر على وجهه أن الحقائق القرآنية تفيض عليه، وأن بركاته تنسكب وفيوضه تنهمر، وكان إذا قرأ آيات العذاب أو الآيات التي جاءت بصيغة التعجب والاستفهام، تجاوب معها، وتكيف بها. كان الشيخ فضل الرحمن الكنج مراد آبادي (م ١٣١٣هـ) يقرأ القرآن ذات يوم إذ غلبه الوجد (التأثر والاستغراق المشاعري الشديد مع الآيات)، فقال للشيخ السيد تجمل حسين: إن اللذة التي نجدها في القرآن، لو وجدتم منها ذرة، لما صبرتم على الجلوس مثلنا، ولخرجتم تمزقون ثيابكم إلى الصحراء، ثم قال: آه، ودخل حجرته ومرض لعدة أيام. وقال ذات مرة: إن الصلة الحقيقية بالقرآن غاية السلوك والإحسان.

стр. 63

ويقول الشيخ الجليل عبد القادر الرائيفوري - أحد كبار المشايخ المعروفين في عصره - وهو يصف حال مربيه وشيخه عبد الرحيم الرائيفوري (م ١٩١٩م - الموافق ١٣٣٧هـ): لقد رأيت الشيخ يقرأ القرآن الكريم، فكان يطيل قراءته في صلاة الليل أيما إطالة، فتارة يبكي، وإذا جاء ذكر العذاب، بكى واستغفر الله تعالى وتضرع إليه تضرعا عجيبًا يتمثل حال من يسأل العفو عن جريمته في ضراعة ولهف، وإذا جاءت آية فيها ذكر رحمة الله استبشر وسرَّ تارة، وهدأ صامتا أخرى (١). محمد إقبال: ومن نماذج الأعاجم الذين تأثروا بالقرآن واستفادوا منه استفادة عظيمة: شاعر الإسلام محمد إقبال. يقول أبو الحسن الندوي: لقد أثَّر (القرآن الكريم) في عقلية إقبال، وفي نفسه ما لم يؤثر فيه كتاب ولا شخصية، ولم يزل محمد إقبال إلى آخر عهده بالدنيا يغوص في بحر القرآن، ويطير في أجوائه، ويجوب في آفاقه، فيخرج بعلم جديد، وإيمان جديد، وإشراق جديد، وقوة جديدة. وكلما تقدمت دراسته، واتسعت آفاق فكره، ازداد إيمانًا بأن القرآن هو الكتاب الخالد، والعلم الأبدي وأساس السعادة، ومفتاح الأقفال المعقدة، وجواب الأسئلة المحيرة، وأنه دستور حياة، ونبراس الظلمات. ولم يزل يدعو المسلمين وغير المسلمين إلى التدبر في هذا الكتاب العجيب، وفهمه، ودراسته، والاهتداء به في مشكلات العصر، واستفتائه في أزمات المدنية، وتحكيمه في الحياة والحكم، ويعتب على المسلمين إعراضهم عن هذا الكتاب، الذي يرفع الله به أقوامًا، ويضع به آخرين. يقول إقبال: إنك أيها المسلم لا تزال أسيرًا للمتزعمين للدين، والمحتكرين للعلم، ولا تستمد حياتك من القرآن رأسًا، إن الكتاب الذي هو مصدر حياتك ومنبع قوتك، لا اتصال لك به إلا إذا حضرتك الوفاة، فتُقرأ عليك سورة «يس» لتموت بسهولة. فواعجبا! قد أصبح الكتاب الذي أُنزل ليمنحك القوة يتُلى الآن لتموت براحة وسهولة (٢). ويقول: أقول لكم ما أؤمن به وأدين: إنه ليس بكتاب فحسب، إنه أكثر من ذلك، إذا دخل القلب تغير الإنسان، وإذا تغير الإنسان تغير العالم (٣) .. بديع الزمان النورسي: وبديع الزمان سعيد النورسي من نماذج الأعاجم الذين تأثروا بالقرآن تأثرًا بالغًا، وفاضت عليه معانيه، وكتب الكثير حولها في «رسائل النور» وحفظ الله به الإسلام في تركيا فترة سقوط الخلافة وتحويل تركيا إلى دولة علمانية .. قبل أن يُقبل النورسي على القرآن إقبالاً صحيحًا كان يشعر بالحيرة، ويبحث عن مرشد روحي يسير وراءه، وأخذ يوازن بين كلام عبد القادر الجيلاني في كتابه «فتوح الغيب» وبين كلام أحمد السرهندي في كتابه «المكتوبات» .. يقول ﵀: احترت كثيرًا، أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة؛ إذ بخاطر رحمانيَّ يخطر على قلبي ويهتف بي: إن بداية هذه الطرق جميعها، ومنبع هذه الجداول كلها .. وشمس هذه الكواكب السيارة .. إنما هو القرآن الكريم، فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلا في القرآن الكريم .. فالقرآن هو أسمى مرشد .. وأقدس أستاذ على الإطلاق .. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن، واعتصمت به، واستمددت منه. صرفت كل همي ووقتي إلى تدبر معاني القرآن الكريم، وبدأت أعيش حياة «سعيد الجديد» .. أخذتني الأقدار نفيًا من مدينة إلى أخرى .. وفي هذه الأثناء تولدت من صميم قلبي معان جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم ..

стр. 64

أمليتها على من حولي من الأشخاص، تلك الرسائل التي أطلقتم عليها «رسائل النور» إنها انبعثت حقا من نور القرآن الكريم (١) .. النماذج كثيرة: وإليك أخي القارئ بعضا من النماذج في العصر الحديث من الأعاجم الذين أسلموا وتأثروا بالقرآن. فهذه عائشة برجت هوني التي نشأت في أسرة إنجليزية مسيحية، وشغفت بالفلسفة، ثم سافرت إلى كندا لإكمال دراستها، وهناك في الجامعة أتيح لها أن تتعرف على الإسلام، وأن تنتهي إليه .. تقول هوني: .. لن أستطيع مهما حاولت، أن أصف الأثر الذي تركه القرآن في قلبي، فلم أكد انتهى من قراءة السورة الثالثة من القرآن حتى وجدتني ساجدة لخالق هذا الكون، فكانت هذه أول صلاة لي في الإسلام (٢) .. وهذا فنسامي مونتاي الفرنسي: رجل بحث وترحال، اختص بدراسة القضايا الإسلامية والعربية عن كثب، قضى سنوات عديدة في المغرب والمشرق وأفريقيا وآسيا، ونشر عشرات الأبحاث والكتب عن الإسلام والحضارة الإسلامية، وانتهى الأمر به إلى إعلان إسلامه في صيف عام ١٩٧٧. يقول مونتاي: إنني لا أشك لحظة في رسالة محمد ﷺ ، واعتقد أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنه بُعث للناس كافة، وأن رسالته جاءت لختم الوحي الذي نزل في التوراة والإنجيل. وأحسن دليل على ذلك هو القرآن المعجزة .. ويقول: إن مثل الفكر العربي الإسلامي المبعد عن التأثير القرآني كمثل رجل أفرغ من دمه (٣) .. وهذا كات ستيفنز: المغنى البريطاني المشهور في الستينات وأوائل السبعينيات، اعتنق الإسلام عام ١٩٧٦م بعد أن تعرف على القرآن بواسطة شقيقه. يقول ستيفنز: في تلك الفترة من حياتي (فترة الشهرة والنجاح) بدا لي وكأنني فعلت كل شيء، و حققت لنفسي النجاح والشهرة والمال والنساء .. كل شيء، ولكن كنت مثل القرد أقفز من شجرة إلى أخرى، ولم أكن قانعًا أبدًا، ولكن كانت قراءة القرآن بمثابة توكيد لكل شيء بداخلي كنت أراه حقا، وكان الوضع مثل مواجهة شخصيتي الحقيقية (٤). وهذا ايتين دينيه (١٨٦١ - ١٩٢٩): تعلم في فرنسا، وأشهر إسلامه وتسمى بناصر الدين (١٩٢٧) يقول عن القرآن: إن معجزة الأنبياء الذين سبقوا محمدًا ﷺ كانت في الواقع معجزات وقتية، وبالتالي معرضة للنسيان السريع. بينما نستطيع أن نسمى معجزة الآيات القرآنية: (المعجزة الخالدة) وذلك أن تأثيرها دائم ومفعولها مستمر، ومن اليسير على المؤمن في كل زمان وفي كل مكان أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة في كتاب الله. ويقول: أحسًّ المشركون في دخيلة نفوسهم، أنه قد غزا قلوبهم ذلك الكلام العجيب الصادر من أعماق قلب الرسول ﷺ ، وكلهم كثيرًا ما كانوا على وشك الخضوع لتلك الألفاظ الأخاذة التي ألهمها إيمان سماوي، ولم يمنعهم عن الإسلام إلا قوة حبهم لأعراض الدنيا (٥) .. هذه النماذج السابق ذكرها كانت -كما ترى - لأناس ليست اللغة العربية هي لسانهم، بل تعلموها كما يتعلم الواحد منا لغة أخرى غير لغته العربية.

стр. 65

ومما لا شك فيه أن أقصى ما كانوا يطمحون إليه في تعاملهم مع اللغة العربية؛ أن يصلوا إلى المستوى اللغوي لأي شخص يعيش في البلاد العربية، وينطق بها بسلاسة وطلاقة، تمامًا مثلما يطمح من يتعلم منا اللغة الإنجليزية - على سبيل المثال - وبلا ريب أن مستوى تذوقهم للغة العربية وأساليبها وبلاغتها سيكون أقل منا بمراحل، ومع هذا فقد رأينا تأثرهم البالغ بالقرآن والذي عبرَّ بعضهم عنه بالكلمات السابقة (١). عودة إلى العصر الأول لنزول القرآن: فإذا ما عدنا للعصر الأول لنزول القرآن نجد نماذج -لها علم بالعربية لكنها ليست لسانها- قد تأثرت تأثرًا عظيمًا بالقرآن كالنجاشي الذي تأثر بسماعه آيات من سورة مريم، وبكى حتى أخضلت دموعُهُ لحيته، ثم قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ﵇ ليخرج من مشكاة واحدة (٢). وأسلم ﵀. وليس معنى هذا هو التقليل من شأن أهل اللغة العربية أصحاب التذوق الصحيح لها، بل العكس؛ فهم الأئمة الذين ينبغي أن ينتشروا بين المسلمين فيبينوا لهم ما أشكل عليهم فهمه من القرآن فيزدادوا به هداية. كل ما نقصده أن تعلم العربية من كل جوانبها ليس شرطًا أساسيًا للانتفاع بالقرآن. أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن أن الحارث بن قيس قال: كنت رجلاً في لساني لكنة (٣)، فقيل لي: لا تَعَلَّم القرآن حتى تَعَلَّم العربية، فأتيت عبد الله فذكرت ذلك له، فقلت: إنهم يضحكون مني، ويقولون: تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن، فقال: لا تفعل، فإنك في زمان تحفظ فيه حدود القرآن، ولا يبالون حفظ كثير من حروفه، وإن بعدك زمان تحفظ فيه الحروف وتُضيَّع فيه الحدود (٤). من هنا يتضح لنا أن عدم انتفاعنا بالقرآن في تحقيق الهداية والشفاء والربانية ليس بسبب ضعف تذوقنا للغة العربية .. ولكن ما السبب إذن ؟! هب أن شخصًا ما قد أصابه مرض شديد له أعراض كثيرة، وتم تشخيص مرضه ووصف الدواء المناسب له بواسطة طبيب من الأطباء، وعندما سأل عن الدواء اكتشف بأنه (الأسبرين) فقط والذي تمتلئ به الأدراج في بيته. أليس من المفترض أن يبدأ في تناول الدواء؟! ولكن إن لم يفعل ذلك، وأصر على الذهاب، لطبيب آخر .. فبماذا تبرر هذا التصرف؟! أليس هو استخفافه بهذا الدواء، وعدم إيمانه بأن يكون الأسبرين سببًا في التخلص من مرضه الشديد، وذهاب أعراضه المؤلمة. إن أمر القرآن معنا أشد من أمر الأسبرين مع هذا المريض.

стр. 66

فالمرض موجود، وأعراضه بادية لكل ذي عينين، والتشخيص واضح، والدواء موجود .. أنزله رب العالمين ليحدث بإذنه شفاءً تامًا لا يغادر سقما، ولكننا لا نريد تناوله على الرغم من معاناتنا الشديدة من المرض .. لماذا؟! لأننا باختصار لا نثق في أن القرآن الموجود بين أيدينا، وفي بيوتنا يستطيع أن يحل مشكلاتنا، ويعيد لنا مجدنا. نعم أخي، إن السبب الأساسي لعدم انتفاعنا بالقرآن هو: ضعف الثقة والإيمان به كدواء كافٍ شاف وكوسيلة تقويم وتغيير فذة. أما كيف وصلنا لهذا المستوى من ضعف الإيمان والثقة بالقرآن، فبلا شك أن هذا لم يحدث في يوم وليلة، بل حدث عبر قرون طويلة، بسبب عوامل كثيرة ساهمت مجتمعة أو متفرقة في انزواء القرآن في ركن صغير في نفوسنا، ويمكن إجمال هذه العوامل والأسباب في الآتي: أولاً: الصورة الموروثة عن القرآن . ثانيًا: طول الإلف. ثالثًا: نسيان الهدف من نزول القرآن. رابعًا: الانشغال بفروع العلم والتوسع فيها على حساب القرآن. خامسًا: غياب أثر القرآن. سادسًا: كيد الشيطان. سابعًا: مفاهيم وممارسات ساهمت في عدم الانتفاع بالقرآن. ولنبدأ - بعون الله - الصفحات القادمة في تناول كل سبب من هذه الأسباب بشيء من التفصيل. * * * أولاً: الصورة الموروثة عن القرآن بعد أن ينزل الجنين من بطن أمه، ويبدأ في النمو شيئًا فشيئًا، ثم يدخل مرحلة الإدراك، فإنه يرى أمورًا كثيرة تحدث من حوله .. هذه الأمور تقع في ذاكرته، فإذا ما تكرر بعضها أمامه فإنها تنتقل إلى منطقة اللاشعور في عقله لتشكل معتقدًا لديه (١). فعلى سبيل المثال: عندما كان يشعر بالعطش كانوا يحضرون له شيئًا كل مرة، فاستقر في يقينه - مع الوقت - أن هذا الشيء هو الذي يدفع عنه العطش، ثم بعد ذلك يعلم اسم هذا الشيء، فيطلبه بتلقائية عند عطشه. وعندما يجد أبويه يتوقفان عن الكلام عند سماع شيء ما يصل إلى مسامعه عدة مرات في اليوم، فإن ذاكرته تختزن هذه الصورة من الاحترام (للأذان). وهكذا في سائر الأمور التي يجدها في بيئته الأولى، فكل ما يُقَّدس في بيته، يُقَدسَّ عنده، والعكس صحيح، فهو لا يأبه بالأمور التي لا يهتم بها أهل البيت. وفي هذا المعنى يقول جودت سعيد: الأطفال الذين تدفعهم الأرحام إلى الوجود ولا يملكون فكرًا أو كلامًا، أو كتابة، وليس لديهم إلا الاستعداد لأن يكونوا أي شيء تكون عليه بيئتهم، فكل طفل يولد في العالم العربي يصير عربيًا في لسانه وفكره، حين لا يرى غير قومه، والصيني يصير بوذيا، والهندي برهميا، وكذلك كل أطفال أهل الملل والنحل واللغات (٢). وكما قال ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوَّدانه أو يُنصَّرانه، أو يمجِّسانه .. » (٣).

стр. 67

(في المهد وهو ينظر إلى مناغاة أمة وسلوكها معه، ومع من حولها من الكبار والصغار، فكله أذن وعين تصب في (لا وعيه) مفاهيم الحضارة التي احتاجت إلى آلاف السنين، خلال سنتين أو ثلاث. إنه يبدأ بالتمييز بين الأصوات الغاضبة والأصوات الحانية، وبين الوجوه المقطبة الغاضبة، والوجوه الباسمة المطمئنة الراضية. من هنا يتعلم الأشياء المقدسة التي نغضب من أجلها إذا انتهكت، والأشياء والمفاهيم المدنسة التي نغضب، ونرفع أصواتنا، ونقطب وجوهنا منها. لهذا فإن الطفل حين يبدأ في الحبو، والإمساك بالأشياء، واللعب بها، ينظر إلى وجوهنا ليطمئن إلى أن سلوكه يُقابل بعلامات الرضا على وجوهنا، وهكذا يفهم القيم العميقة التي تحكم سلوكنا قبل أن يتكلم، وقبل أن يعرف الكلمات ومعانيها، فتبدو هذه القيم عميقة في شخصيته وكأنها ولدت معه، لأنها تغرس فيه عمليا. يحدث هذا لدى الطفل في السنوات التي تسبق ذهابه إلى المدرسة، وقبل أن يتعلم الكلام، وهذا ما يحكم سلوكه العميق في حياته القادمة، ويصعب عليه أن يخرج على ما تعلمه وغُرس فيه في سنوات عمره الأولى، لأنه تغلغل في اللاشعور (١). وماذا عن الصورة الموروثة عن القرآن؟! فإن كانت أغلب المفاهيم والقيم - سواء كانت صحيحة أم خاطئة - تغرس في يقين الطفل في سنوات عمره الأولى، فماذا يتكون لديه من مفاهيم حول القرآن؟! هو في البداية لا يعرف القرآن لكنه يرى شيئًا موضوعًا في مكان ما بالمنزل، تمر الأيام والأيام ولا يقترب منه أحد، وإذا ما حدث وأمسك به أحد أبويه فإنه يُقبله، وينظر فيه قليلا ثم يتركه في مكانه. يجد أمه تقوم بتشغيل المذياع فيخرج منه صوت له نغمة ليست كسائر النغمات التي يسمعها، ثم يجد أمه تترك مكان المذياع الذي ينبعث منه الصوت وتذهب لمكان آخر .. أو تتحدث مع والده، أو في الهاتف، أو تقرأ في مجلة .. كل هذا في وجود الصوت المنبعث من المذياع!!. يرى والده ووالدته يشاهدان التلفاز باهتمام، فإذا ما جاء الصوت الذي تعود على سماعه مع أمه وبنفس النغمة، يجد أبويه وقد ذهب اهتمامهما فأغلقا الجهاز، أو تركاه يبث الصوت دون أن يستمع إليه أحد. يسير مع أبويه فيجد أناسًا يجلسون في مكان كبير، ويسمع نفس الصوت، ويجد الناس -في الغالب- يتحدثون فيما بينهم، ولا يعبأون بما يسمعون .. يركب مع والده السيارة، فيجده قد أدار زرًا فيها، وانبعث نفس الصوت، ثم يجد أباه يتحدث مع أمه في وجود الصوت الذي تعود على سماعه دون أن يهتم به أحد .. فماذا تظن أن يرسخ في يقين هذا الطفل - الذي ما هو إلا أنا وأنت - عن القرآن؟! هل سيرث من أبويه ومن البيئة المحيطة أهمية القرآن، وأنه للقلب كالروح للجسد، أم سيرث التقديس الشكلي له، وعدم الاهتمام بفهم خطابه؟! وعندما يكبر الأولاد ويكونون في سن المدرسة، فإن بعض الآباء يأخذ بأيديهم إلى مراكز تعليم القرآن، فيزداد الأمر رسوخًا لديه بأن المطلوب مع القرآن هو: ألفاظ تقرأ أو تحفظ بلا وعي ولا إدراك .. الصورة الذهنية: يقول عمر عبيد حسنة: إن الصورة التي طبعت في أذهاننا، في مراحل الطفولة للقرآن أنه لا يُستدعي للحضور إلا في حالات الاحتضار والنزع والوفاة، أو عند زيارة المقابر، أو نلجأ لقراءته عند أصحاب الأمراض المستعصية، وهي قراءات لا تتجاوز الشفاة (٢). ويقول الإمام محمد عبده ﵀: معرفتنا بالقرآن كمعرفتنا بالله تعالى أول ما يُلقن الوليد عندنا من معرفة الله تعالى هو اسم (الله) ﵎، يتعلمه بالأيمان الكاذبة، والصادقة: (والله لقد فعلت كذا وكذا، والله ما فعلت كذا).

стр. 68

وكذلك القرآن: يسمع الصبي ممن يعيش معهم أنه كلام الله تعالى، ولا يعقل معنى ذلك، ثم لا يعرف من تعظيم القرآن إلا ما يعظمه به سائر المسلمين الذين تربى بينهم وذلك بأمرين: أحدهما: اعتقاد أن آية كذا إذا كُتبت ومحيت بماء وشربه صاحب مرض كذا يشفى، وأن من حمل القرآن لا يقربه جن ولا شيطان ويبارك له في كذا وكذا إلى غير ذلك مما هو مشهور ومعروف للعامة أكثر مما هو معروف للخاصة. ثانيهما: الهزَّة والحركة المخصوصة والكلمات المعلومة التي تصدر ممن يسمعون القرآن إذا كان القارئ رخيم الصوت، حسن الأداء، عارفًا بالتطريب على أصول النغم. والسبب في هذه اللذة والنشوة هو حسن الصوت والنغم، بل أقوى سبب لذلك هو بُعد السامع عن فهم القرآن .. وأعنى بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها وتملكه مواعظها فتشغله عما بين يديه مما سواه (١) .. ورثنا القرآن: لقد ورثنا القرآن فيما ورثناه عن السابقين .. ورثناه ككتاب مقدس تقديسًا شكليًا: نُقبَّله .. نفتتح به الحفلات والمناسبات .. تكتب آياته في تابلوهات أنيقة تزين الجدران، أو تدق على مصكوكات من الذهب والفضة لتتزين بها النساء. يصف أبو الحسن الندوي هذا الحال عند حديثه عن العوامل التي أثرت في تكوين شخصية محمد إقبال فيقول: أما الأستاذ الآخر الذي يرجع إليه الفضل في تكوين شخصيته وعقليته، فهو أستاذ كريم لا يخلو منه بيت من بيوت المسلمين، ولكن ليس الشأن في وجود الأستاذ، وكونه بمتناول اليد من تلاميذه، إنما الشأن في معرفته، وتقديره، وجلاله، والإفادة منه، وإلا لكان أبناء البيت، ورجال الأسرة، وأهل الحي أسعد بعالمهم، وأكثر انتفاعًا من غيرهم، ولكن بالعكس من ذلك رأينا أن العالِم الكبير والحكيم الشهير، والمؤلف العظيم، ضائع في بيته، مهجور في داره، يزهد فيه أولاده، ويستهين بقيمته أفراد أسرته، ويأتي رجل من أقصى العالم، فيغترف من بحر علومه، ويتضلع من حِكَمه. لا تذهب بكم الظنون، ولا يبعد بكم القياس أيها الإخوان! فذلك الأستاذ العظيم هو «القرآن الكريم» الذي أثر في عقلية إقبال، وفي نفسه ما لم يؤثَّر فيه كتاب ولا شخصية، ولكنه أقبل على قراءة هذا الكتاب إقبال رجل حديث العهد بالإسلام، فيه من الاستطلاع والتشوق ما ليس عند المسلمين الذين ورثوا هذا الكتاب العجيب، فيما ورثوه من مال ومتاع ودار وعقار (٢). * * * ثانيًا: طول الإلف إن وجود الشمس، وشروقها وغروبها كل يوم آيات عظيمة تدل على القدرة المطلقة للخالق وعلى قيوميته على جميع خلقه، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم .. هذه الآيات التي نشاهدها كل يوم: صباحًا ومساءً لماذا لا تؤثر فينا؟! الجواب هو: لأننا ألفنا وجودها منذ الصغر. (فطبيعة النفس البشرية إذا ألِفت الشيء خفى عليها أسراره، وصرفها هذا الإِلف عن التفكر فيه ثم اكتشاف ما فيه) (٣). فإذا ما انتقلنا للقرآن الكريم فإننا نجد أن (طول الإلف) له دور كبير في عدم انتفاعنا به .. فمنذ الصغر ونحن قد ألفنا القرآن يُتلى بنغمة وتراتيل معينة، لا تظهر هذه النغمة في كلام آخرم سواء كان شعرا أو نثرا أو أغانٍ. وباستمرار سماع هذه النغمة تعودت الأُذن عليها، وألِفتها دون محاولة الإصغاء إلى معنى الكلام الذي يصاحبها.

стр. 69

ومما ساعد على عدم الإصغاء للخطاب القرآني أن المستمع في الغالب يكتفي بجو الروحانية، والشعور بالارتياح الذي ينشأ عند سماع أصوات المقرئين ينساب في المكان وكما أسلفنا فإن هذا الارتياح ناشئ عن جرس القرآن وجماله التوقيعي الذي لا نظير له، ولكنه للأسف لا ينُشئ إيمانًا، فالإيمان يحتاج إلى يقظة العقل وإدراكه للمعنى، مع استثارة العاطفة مع هذا المعنى ليستقر مدلوله في القلب فينشأ بذلك الإيمان. القراءة بالألحان المحدثة: ومما ساعد على إلف القرآن، وعدم الانصراف إلى المعنى هو القراءة بالألحان المحدثة التي ابتدعها بعض المقرئين. يقول ابن رجب: هذه الألحان تهيج الطباع، وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع، حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة، والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن. وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن، لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد (١). (فالقارئ يتفنن في النغم والتلحين، ويخرج عن سنن الترتيل، وقواعد التجويد، ويعيد الآية عند استحسان السامعين للنغمة وطلبهم الإعادة، والسامع يستخفه الطرب لا من معاني القرآن، بل من حسن التوقيع، وأفانين الألحان، فيصيح في نهاية الآيات بكلمات الاستحسان، والثناء على القارئ، والدعاء له، وطلب الإعادة منه (٢). ولطالما طرقت أَذاننا ونحن نسير في الشوارع والطرقات أصوات بعض المقرئين وهم يقرؤون بهذه الألحان المحُدثة، والقراءات المختلفة لنفس الآية، ولطالما سمعنا كلمات الاستحسان التي تلقى إليهم والآهات التي تخرج من أفواه السامعين .. سمعنا هذا ولا نزال نسمعه حتى ألفناه، وانصرفت عقولنا عن إدراك المعاني .. * * * ثالثًا: نسيان الهدف الذي من أجله نزل القرآن إن الإنسان هو موضوع القرآن، بمعنى أن الهدف الأسمى لنزول القرآن هو هداية الإنسان وإصلاحه والسير به في الطريق المؤدي إلى رضا الله وجنته .. ومن أجل تحقيق هذا الهدف جعلها الله رسالة موجزة مقارنة بما تحتويه من معان عظيمة، ليسهل حملها وقراءتها وحفظها. ولكونها رسالة موجزة، وفقراتها قليلة الكلمات ثقيلة المعاني، كان من الضروري قراءتها بتأنٍ وتؤدة حتى يتمكن القارئ والسامع من فهم المقصود منها ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٥]. ولأن وظيفتها في الهداية والتغيير تتطلب الزيادة المستمرة للإيمان في القلوب، كان الأمر الإلهي بترتيلها والتغني بها لتستثير بذلك العاطفة ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤]. ولأنها تخاطب الناس جميعًا، فقد يسرها الله للقراءة، فلا تحتاج إلى أماكن محددة، أو أزمنة خاصة لتقرأ فيها: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]. ولأن مستويات الناس وثقافاتهم ومداركهم مختلفة فقد جعل الله عباراتها مرنة تستوعب الزمان والمكان والأشخاص أيًا كان مستواهم .. . ولأن الإنسان من طبيعته النسيان، وكذلك لتعرضه المستمر للمغريات والملهيات خلال يومه وليلته؛ كان من الأهمية بمكان أن يداوم على قراءة القرآن لتحدث له دوام التذكرة والتبصرة، وليُعَوِّض بالقرآن ما فقده من إيمان، وليس ذلك فحسب بل وليمد قلبه بالروح التي تجعله دومًا في إقبال على الله. من هنا كانت التوجيهات النبوية المتعددة بكثرة تلاوة القرآن، وتعاهده كل يوم، وحتى لا تمل النفس كان رصد الجوائز والأجر العظيم لكل من قرأ حرفًا من القرآن ليستمر الحافز والدافع لديها للقراءة .. كل ذلك ليتحقق المقصود من اللقاء بالقرآن ..

стр. 70

تأمل معي هذا الحديث النبوي الذي يربط بين الأمرين .. بين قيمة القرآن، وبين ثواب قراءته. عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم. إن هذا حبل الله ، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوجُّ فيُقوَّم، ولا يزيغ فيُستعتب، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد. فاتلوه، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول الم، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر» (١). ولأن الهداية لن تحدث إلا بفهم المراد من الخطاب كان الأمر بتدبر القرآن لتحقيق المقصود من نزوله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. ولأن البعض قد لا يتيسر له وجود المصحف بجواره في كل الأوقات، ولأن الصلاة تتطلب قراءة القرآن كانت فضيلة حفظه .. كله أو بعضه. إذن فهي منظومة متكاملة من الوسائل التي شُرِعت، وندب إليها لتحقيق الهدف العظيم من نزول القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. فكثرة قراءة القرآن، وتعلم أحكام تلاوته، وترتيله، وحفظ آياته، وتدبره، وقراءته بصوت مسموع وحزين .. كل هذه وسائل لتحقيق الهدف. معنى ذلك أن أهل القرآن هم أهل الانتفاع به، والوصول من خلاله إلى الهدف الذي أنزل من أجله. من هنا ندرك كلام ابن القيم: أهل القرآن هم العالمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه، ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم (٢). ماذا يحدث لو نُسى الهدف؟! فإذا ما نُسى الهدف من نزول القرآن، وبالتالي لم يحدث ربط الوسائل بهذا الهدف، فمن المتوقع أن يتعامل الكثير مع النصوص الواردة في فضل وأهمية «الوسائل» (كفضل القراءة والترتيل والحفظ وقراءة الليل .. ) على أنها «غايات» و «أهداف». فيُصبح هم المرء حفظ القرآن كهدف ومن ثم لا يُعطي اهتمامًا يُذكر للقراءة المتأنية الواعية المدركة لمعاني الآيات فضلاً عن التأثر بها. وينصرف الهم كذلك إلى تحصيل أكبر قدر من الحسنات من خلال القراءة السريعة، وينصرف الهم أيضًا إلى استغراق الأوقات في تعلم أحكام الترتيل والتعمق فيها، والتشديد على المتعلمين في أمور قد لا تكون أساسية في الترتيل. كل ذلك وغيره من المتوقع أن يحدث لو نُسى الهدف من نزول القرآن .. ولقد حدث ذلك بالفعل .. نعم، لم يحدث ذلك بين يوم وليلة، بل بدأ نسيان الهدف من نزول القرآن يحدث بالتدريج بعد الجيل الأول. يقول عبد الله بن مسعود: أُنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذوا دراسته عملا!! إن أحدكم ليقرأ من فاتحته إلى خاتمته ما يُسقط منه حرفا، وقد أسقط العمل به (٣). ويقول الحسن البصري: إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل، وجعلتم الليل جملا، فأنتم تركبونه وتقطعون به مراحله، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار (٤). وخير توصيف للحال مع القرآن حين ينُسى الهدف من نزوله قول الحسن البصري:

стр. 71

إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ولم يأتوا الأمر من قِبَل أوله، قال الله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. وما تدبر آياته إلا اتباعه لعلمه، والله يعلمه. أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أُسقط منه حرفا، وقد أسقطه كله، ما بدا له القرآن في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس واحد. والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، ومتى كانت القراء تقول مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هذا (١). ويقول أبو شامة المقدسي: لم يبق لمعظم من طلب القرآن العزيز هِمَّةً إلا في قوة حفظه، وسرعة سرده، وتحرير النطق بألفاظه، والبحث عن مخارج حروفه، والرغبة في حسن الصوت به. وكل ذلك- وإن كان حسنا - ولكن فوقه ما هو أهم منه وأتم، وأولى، وأحرى، وهو فهم معانيه، والتفكر فيه، والعمل بمقتضاه، والوقوف عند حدوده، وثمرة خشية الله تعالى من حسن تلاوته (٢). ابن تيمية يؤكد على هدف نزول القرآن: يقول ابن تيمية ﵀: ولا يخفى على أولى الألباب أن المقصود بنزوله اتباعه، والعمل بما فيه، إذ العاملون به هم الذين جُعلوا من أهله، وأن المطلوب من تلاوته تدبره، وفهم معانيه، لذلك أمر الله بترتيله والترسل فيه ليتجلى أنوار البيان من مشارق تبصرته، ويتحلى بآثار الإيمان من حقائق تذكرته (٣). البنا يُذكِّر بالهدف: ومن أقوال الإمام حسن البنا ﵀: لم ينزل القرآن من علياء السماء على قلب محمد ﷺ ليكون تميمة يحُتجب بها، أو أورادًا تُقرأ على المقابر وفي المآتم، أو ليُكتب في السطور، ويحفظ في الصدور، أو ليحُمل أوراقًا ويُهمل أخلاقًا، أو ليحفظ كلامًا ويهُجر أحكامًا .. وإنما نزل ليهدي البشرية إلى السعادة والخير ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] (٤). ويقول في نفس المعنى: فليس المقصود من القرآن: مجرد التلاوة، أو التماس البركة، وهو مبارك حقًا، ولكن بركته الكبرى في تدبره، وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على السواء، ومن لم يفعل ذلك، واكتفى بمجرد التلاوة بغير تدبر ولا عمل، فإنه يُخشى أن يحق عليه الوعيد الذي يرويه البخاري عن حذيفة ﵁: «يا معشر القراء: استقيموا فقد سبقتم سبقًا عظيمًا وإن أخذتم يمينًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا» (٥). هل نقرأ لنفهم أم نقرأ لنقرأ؟!

стр. 72

وللشيخ محمد الغزالي ﵀ كلام دقيق يؤكد هذا المعنى، فيقول في كتاب «كيف نتعامل مع القرآن؟»: «حال المسلمين مع القرآن الكريم تستدعى الدراسة المتعمقة، ذلك أن المسلمين بعد القرون الأولى، انصرف اهتمامهم بكتابهم إلى ناحية التلاوة، وضبط مخارج الحروف، واتقان الغُنن والمُدود، وما إلى ذلك مما يتصل بلفظ القرآن والحفاظ على تواتره كما جاءنا، أداءً وأحكامًا -أقصد أحكام التلاوة- لكنهم بالنسبة لتعاملهم مع كتابهم، صنعوا شيئًا ربما لم تصنعه الأمم الأخرى .. فإن كلمة «قرأت» عندما يسمعها الإنسان العادي أو يقولها، تعني: أن رسالة جاءته أو كتابًا وقع بين يديه فنظر فيه، وفهم المقصود منه .. فمن حيث الدلالة لا أجد فكاكًا بين الفهم والقراءة، أو بين السماع والوعي. أما الأمة الإسلامية، فلا أدري بأية طريقة فصلت بين التلاوة، وبين التدبر، فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة، كما يقولون، وكأن ترديد الألفاظ دون حس بمعانيها، ووعي لمغازيها، يفيد أو هو المقصود. وعندما أحاول أن أتبين الموقف في هذا التصرف، أجد أنه مرفوض من الناحية الشرعية، ذلك أن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] يعني: الوعي والإدراك والتذكر والتدبر .. فأين التدبر؟ وأين التذكر مع تلك التلاوة السطحية التي ليس فيها أي إحساس بالمعنى، أو إدراك للمقصد» (١) .. * * * رابعًا: الانشغال بفروع العلم والتبحر فيها كان ﷺ يحرص على عدم انشغال الصحابة بغير القرآن حتى يتمكن القرآن في القيام بعمله على أكمل وجه .. وتوفى الرسول ﷺ بعد أن ترك جيلاً عظيمًا تفخر به البشرية حتى الآن .. ولقد كان أبناء هذا الجيل حريصون على تبليغ نفس الرسالة لمن بعدهم، ولقد مر علينا سابقًا الكثير من المواقف التي تؤكد هذا المعنى .. ولكن بعد أن اتسعت الفتوحات، واختلط المسلمون بالأجناس الأخرى وبما كانوا يحملونه من ثقافات حدث الانبهار بها والتفكير في نقلها وأسلمتها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الانشغال بتدوين الحديث، وتتبع رجاله استنفذ جهدا عظيمًا من الأجيال التالية لجيل الصحابة. هذا العمل العظيم الذي قام به هؤلاء العلماء الصالحون كان ضروريًا لحفظ سنة رسول الله ﷺ ، ولكن كان من الأولى ألا يكون هذا العمل على حساب القرآن، بمعنى أن يسير الاهتمام بالحديث وتدوينه جنبًا إلى جنب مع الاهتمام بالقرآن كمصدر متفرد للهداية والتغيير، ولكن لم يحدث هذا على الوجه المطلوب، وبدأ دور القرآن يتراجع قليلاً في النفوس، ولقد تعالت صيحات من بينهم تنبههم لضرورة التوازن، حتى لا يكون الاهتمام بالحديث على حساب القرآن، ومن ذلك ما قاله الإمام الشعبي لأصحاب الحديث: يا قوم! إنكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن (٢). وليت الأمر قد اقتصر على الاهتمام بالسنة، فالسنة هي صنو القرآن، وشارحة لما أجمل فيه، والذي يهتم بها اهتمامًا صحيحًا فسيجدها تدعوه دومًا إلى الانتفاع الحقيقي بالقرآن. وليت الأمر قد اقتصر كذلك على العلوم التي استقاها العلماء من الكتاب والسنة والتي تُعرف الناس بربهم وبالطريق الموصل لبلوغ رضاه وجنته، وبأحكامه التي افترضها عليهم، وبما ينفعهم وبما يضرهم في الدارين.

стр. 73

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل بدأ التوسع في فروع العلم المختلفة كعلوم الآلة (النحو -البلاغة- الصرف .. ) والتي من المفترض أنها وسائل مُعينة لخدمة العلم الأساسي النافع ألا وهو معرفة الله وما يحبه ويرضاه، ومعرفة أحكامه، ومعرفة ما ينفع وما يضر. (١) كل ذلك كان على حساب الاهتمام بالقرآن. ومما ساعد على الانجراف في هذا الأمر النسيان التدريجي للهدف من نزول القرآن، وعدم أخذ تحذيرات الصحابة مأخذ الجد، واجتهاد البعض في تأويلها على أنها تعني فقط عدم خلط القرآن بغيره وهو لا يزال غضا طريًا. النبع لم يعد واحدًا: إذن فتطور الفكر الإسلامي بهذا الشكل كان له مردود سلبي على الاهتمام بالقرآن، والدليل على ذلك أن المساحة اتسعت بين الجيل الأول والأجيال المتتالية .. وفي هذا المعنى يقول سيد قطب: كان هناك مقصد من رسول الله ﷺ أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل - جيل الصحابة في فترة التكوين الأولى - على كتاب الله وحده، لتخلص نفوسهم له وحده، ويستقيم عودهم على منهجه وحده .. ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب ﵁ يستقي من نبع آخر. كان رسول الله ﷺ يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي الذي يتضمنه القرآن الكريم. ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده، فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد. ثم ما الذي حدث، اختلطت الينابيع! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم وأساطير الفرس وتصوراتهم، وإسرائيليات اليهود، ولاهوت النصارى، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات. واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم، وعلم الكلام، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا. وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا. وما من شك أن اختلاط النبع الأول كان عاملاً أساسيًا من عوامل الاختلاف البيَّن بين الأجيال كلها، وذلك الجيل المتميز الفريد (٢). ليست دعوة لترك العلوم الأخرى: وليس المقصد من هذا الكلام هو الدعوة لترك العلوم الأخرى، والتراث الضخم الذي خلفته تلك الأجيال في شتى فروع الثقافة، والذي أفاد البشرية كلها، والذي استطاعت أوروبا أن تستثمره خير استثمار في بناء نهضتها الحديثة. ليس هذا هو المقصد يقينًا. بل المقصد من طرح هذا الموضوع دراسة الأسباب والعوامل التي أدت إلى انزواء دور القرآن في أذهاننا إلى هذا الحد الذي أصبحت فيه الصورة الذهنية المستدعاه عند الحديث عنه هي كيفية استكمال حفظه؟ .. كيفية التبرك به وتحصيل الأجر والثواب من خلاله؟!

стр. 74

والمقصد كذلك من طرح هذا الموضوع هو الدعوة لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع الانتفاع الحقيقي بالقرآن على رأس قائمة الرعاية والاهتمام، ثم تأتي السُّنَّة بعده، ثم سائر العلوم الأخرى التي تخدم الإنسان وتنفعه في الدارين. غيرة على القرآن .. ولكن!! عندما انشغلت الأمة بالعلوم الأخرى وتوسع العلماء في فروع العلم، اشتدت غيرة بعض الصالحين على القرآن ففعلوا أمورًا عجيبة ظنًا منهم أنهم بذلك يُرغِّبون المسلمين في الانكباب مرة أخرى على القرآن، فجاءت للأسف بنتيجة عكسية. ومن أبرز هذه الأمور هي: وضع أحاديث في فضائل القرآن، وفضائل سوره ليس لها أي أصل. ذكر الإمام الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن): أنه قيل لنوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟! فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة (١). يقول د. مصطفى السباعي ﵀ إن من أسباب وضع الأحاديث: الجهل بالدين مع الرغبة في الخير. وهو صنيع كثير من الزهاد والعباد والصالحين. فقد كانوا يحتسبون وضعهم للأحاديث في الترغيب والترهيب، ظنًا منهم أنهم يتقربون إلى الله، ويخدمون دين الإسلام؛ ويحببون الناس في العبادات والطاعات، ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وذكَّروهم بقوله ﷺ : «من كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٢). قالوا: نحن نكذب له ﷺ لا عليه. وهذا كله من الجهل بالدين وغلبة الهوى والغفلة، ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل حديث فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم، واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق (٣). في كم يُختم القرآن؟! ومن الأخبار التي دُست كذلك لتحفيز الناس لكثرة قراءة القرآن تلك التي تتناول هَدْى بعض السلف في ختم القرآن .. فمن المعلوم أن رسول الله ﷺ لم يُجز لأحد من الصحابة أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. فهذا عبد الله بن عمرو يقول: جمعت القرآن فقرأت به في كل ليلة، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال لي: «اقرأ به في كل شهر» فقلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأ به في كل عشرين»، قلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فقال: «اقرأ به في كل عشر»، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأ به في كل سبع»، قلت: أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى» (٤). وفي رواية: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث» (٥). فالأمر واضح، فالعقل والقلب لا يتحملان استيعاب القرآن كله - فهما وتجاوبا - في أقل من ثلاث، على الغالب. يقول أبو الطيب محمد شمس الحق آبادي في تعليقه على هذا الحديث: وهذا نص صريح في أنه لا يختم القرآن في أقل من ثلاث (٦). وعن ابن مسعود قال: اقرأوا القرآن في سبع ولا تقرأوه في أقل من ثلاث (٧). وكان معاذ بن جبل يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث (٨).

стр. 75

وفي يوم من الأيام قال النبي ﷺ لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة»، فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن» (سورة الإخلاص) (١). فإجابة الصحابة تدل على استصعابهم قراءة ثلث القرآن في ليلة، لأنهم يعلمون حقوق القراءة. إن جملة الأحاديث الصحيحة التي وردت عن النبي ﷺ في مسألة الحد الأدنى لختم القرآن تؤكد على أنه ﷺ لم يُرخِّص لأحد ختمه في أقل من ثلاثة أيام. فإن قلت بأن عثمان بن عفان ﵁ كان يقرأ القرآن في ركعة. لجاءك الجواب بأن هذا الأثر قد ضعَّفه الترمذي، وأقر الألباني ذلك التضعيف فقال: ولقد أحسن الإمام الترمذي برواية هذا الخبر والذي بعده (خبر عثمان بن عفان، وخبر سعيد بن جبير) بصيغة التضعيف، لأن الركعة مهما طالت لا يمكن أن يقرأ فيها القرآن الكريم كاملا، فضلا عما في ذلك من مخالفته لسنة رسول الله ﷺ في الركوع والسجود والقيام، وحاشا لسيدنا عثمان أن يفعل مثل ذلك (٢). وقال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط: أقول: هذا هو الصواب الموافق للسنة (٣). وقد يحُمل خبر عثمان بن عفان ﵁ وأمثاله كما يقول ابن كثير: إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفقهون ويتفكرون فيما يقرأونه مع هذه السرعة والله أعلم (٤). فإذا ما نظرنا إلى كتب فضائل القرآن نجد في أغلبها أخبارًا عجيبة عن بعض السلف بأن فلانًا كان يختم في رمضان ستين ختمة، وآخر كان يختم ختمة فيما بين الظهر والعصر، ويختم ختمة أخرى فيما بين المغرب والعشاء، وآخر كان يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات (٥). وأكثر من هذا وأكثر، ومن لا يصدق هذا الكلام فعليه بالنظر في كتب فضائل القرآن ليتأكد بنفسه. فهل هذا كلام يُعقل؟! هل يمكن لأحد أن يختم القرآن بين صلاتي المغرب والعشاء؟! إن متوسط المسافة الزمنية بين انتهاء صلاة المغرب حتى صلاة العشاء تقرب من ساعة من الزمن، أي أنه كان يقرأ كل جزء من القرآن في دقيقتين!!! هذه الأخبار وغيرها، مهما قيل في صحتها أو عدم صحتها، فهي أولاً: تخالف الهدى النبوي، ثانيًا: تصطدم مع قوله تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]: ثالثًا: لا يمكن تصديقها مهما ادعى البعض وجود بركة في الوقت عندهم (٦) .. ولعل السبب وراء تناقل هذه الآثار -دون التثبت من صحتها- هو استثارة همم المسلمين في الانكباب على القراءة، والانشغال بها. وللأسف جاءت هذه الأخبار بنتيجة عكسية، وازداد الحرص على القراءة لمجرد القراءة، وخمدت الدعوة لتفهم القرآن وتدبره والتأثر به، وقد ظهر هذا الحرص بصورة واضحة في شهر رمضان، وجميعنا يعرف ما يحدث في هذا الشهر من تسارع وتنافس بين الناس في عدد الختمات، دون أي التفات إلى تدبر أو تأثر. * * *
следующие страницы →