← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36402

تحقيق الوصال بين القلب والقرآن

مجدي الهلالي

Полный текст (100 стр.). Показаны 71–100 · переход к 76.

стр. 71

إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ولم يأتوا الأمر من قِبَل أوله، قال الله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. وما تدبر آياته إلا اتباعه لعلمه، والله يعلمه. أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أُسقط منه حرفا، وقد أسقطه كله، ما بدا له القرآن في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس واحد. والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، ومتى كانت القراء تقول مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هذا (١). ويقول أبو شامة المقدسي: لم يبق لمعظم من طلب القرآن العزيز هِمَّةً إلا في قوة حفظه، وسرعة سرده، وتحرير النطق بألفاظه، والبحث عن مخارج حروفه، والرغبة في حسن الصوت به. وكل ذلك- وإن كان حسنا - ولكن فوقه ما هو أهم منه وأتم، وأولى، وأحرى، وهو فهم معانيه، والتفكر فيه، والعمل بمقتضاه، والوقوف عند حدوده، وثمرة خشية الله تعالى من حسن تلاوته (٢). ابن تيمية يؤكد على هدف نزول القرآن: يقول ابن تيمية ﵀: ولا يخفى على أولى الألباب أن المقصود بنزوله اتباعه، والعمل بما فيه، إذ العاملون به هم الذين جُعلوا من أهله، وأن المطلوب من تلاوته تدبره، وفهم معانيه، لذلك أمر الله بترتيله والترسل فيه ليتجلى أنوار البيان من مشارق تبصرته، ويتحلى بآثار الإيمان من حقائق تذكرته (٣). البنا يُذكِّر بالهدف: ومن أقوال الإمام حسن البنا ﵀: لم ينزل القرآن من علياء السماء على قلب محمد ﷺ ليكون تميمة يحُتجب بها، أو أورادًا تُقرأ على المقابر وفي المآتم، أو ليُكتب في السطور، ويحفظ في الصدور، أو ليحُمل أوراقًا ويُهمل أخلاقًا، أو ليحفظ كلامًا ويهُجر أحكامًا .. وإنما نزل ليهدي البشرية إلى السعادة والخير ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] (٤). ويقول في نفس المعنى: فليس المقصود من القرآن: مجرد التلاوة، أو التماس البركة، وهو مبارك حقًا، ولكن بركته الكبرى في تدبره، وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على السواء، ومن لم يفعل ذلك، واكتفى بمجرد التلاوة بغير تدبر ولا عمل، فإنه يُخشى أن يحق عليه الوعيد الذي يرويه البخاري عن حذيفة ﵁: «يا معشر القراء: استقيموا فقد سبقتم سبقًا عظيمًا وإن أخذتم يمينًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا» (٥). هل نقرأ لنفهم أم نقرأ لنقرأ؟!

стр. 72

وللشيخ محمد الغزالي ﵀ كلام دقيق يؤكد هذا المعنى، فيقول في كتاب «كيف نتعامل مع القرآن؟»: «حال المسلمين مع القرآن الكريم تستدعى الدراسة المتعمقة، ذلك أن المسلمين بعد القرون الأولى، انصرف اهتمامهم بكتابهم إلى ناحية التلاوة، وضبط مخارج الحروف، واتقان الغُنن والمُدود، وما إلى ذلك مما يتصل بلفظ القرآن والحفاظ على تواتره كما جاءنا، أداءً وأحكامًا -أقصد أحكام التلاوة- لكنهم بالنسبة لتعاملهم مع كتابهم، صنعوا شيئًا ربما لم تصنعه الأمم الأخرى .. فإن كلمة «قرأت» عندما يسمعها الإنسان العادي أو يقولها، تعني: أن رسالة جاءته أو كتابًا وقع بين يديه فنظر فيه، وفهم المقصود منه .. فمن حيث الدلالة لا أجد فكاكًا بين الفهم والقراءة، أو بين السماع والوعي. أما الأمة الإسلامية، فلا أدري بأية طريقة فصلت بين التلاوة، وبين التدبر، فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة، كما يقولون، وكأن ترديد الألفاظ دون حس بمعانيها، ووعي لمغازيها، يفيد أو هو المقصود. وعندما أحاول أن أتبين الموقف في هذا التصرف، أجد أنه مرفوض من الناحية الشرعية، ذلك أن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] يعني: الوعي والإدراك والتذكر والتدبر .. فأين التدبر؟ وأين التذكر مع تلك التلاوة السطحية التي ليس فيها أي إحساس بالمعنى، أو إدراك للمقصد» (١) .. * * * رابعًا: الانشغال بفروع العلم والتبحر فيها كان ﷺ يحرص على عدم انشغال الصحابة بغير القرآن حتى يتمكن القرآن في القيام بعمله على أكمل وجه .. وتوفى الرسول ﷺ بعد أن ترك جيلاً عظيمًا تفخر به البشرية حتى الآن .. ولقد كان أبناء هذا الجيل حريصون على تبليغ نفس الرسالة لمن بعدهم، ولقد مر علينا سابقًا الكثير من المواقف التي تؤكد هذا المعنى .. ولكن بعد أن اتسعت الفتوحات، واختلط المسلمون بالأجناس الأخرى وبما كانوا يحملونه من ثقافات حدث الانبهار بها والتفكير في نقلها وأسلمتها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الانشغال بتدوين الحديث، وتتبع رجاله استنفذ جهدا عظيمًا من الأجيال التالية لجيل الصحابة. هذا العمل العظيم الذي قام به هؤلاء العلماء الصالحون كان ضروريًا لحفظ سنة رسول الله ﷺ ، ولكن كان من الأولى ألا يكون هذا العمل على حساب القرآن، بمعنى أن يسير الاهتمام بالحديث وتدوينه جنبًا إلى جنب مع الاهتمام بالقرآن كمصدر متفرد للهداية والتغيير، ولكن لم يحدث هذا على الوجه المطلوب، وبدأ دور القرآن يتراجع قليلاً في النفوس، ولقد تعالت صيحات من بينهم تنبههم لضرورة التوازن، حتى لا يكون الاهتمام بالحديث على حساب القرآن، ومن ذلك ما قاله الإمام الشعبي لأصحاب الحديث: يا قوم! إنكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن (٢). وليت الأمر قد اقتصر على الاهتمام بالسنة، فالسنة هي صنو القرآن، وشارحة لما أجمل فيه، والذي يهتم بها اهتمامًا صحيحًا فسيجدها تدعوه دومًا إلى الانتفاع الحقيقي بالقرآن. وليت الأمر قد اقتصر كذلك على العلوم التي استقاها العلماء من الكتاب والسنة والتي تُعرف الناس بربهم وبالطريق الموصل لبلوغ رضاه وجنته، وبأحكامه التي افترضها عليهم، وبما ينفعهم وبما يضرهم في الدارين.

стр. 73

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل بدأ التوسع في فروع العلم المختلفة كعلوم الآلة (النحو -البلاغة- الصرف .. ) والتي من المفترض أنها وسائل مُعينة لخدمة العلم الأساسي النافع ألا وهو معرفة الله وما يحبه ويرضاه، ومعرفة أحكامه، ومعرفة ما ينفع وما يضر. (١) كل ذلك كان على حساب الاهتمام بالقرآن. ومما ساعد على الانجراف في هذا الأمر النسيان التدريجي للهدف من نزول القرآن، وعدم أخذ تحذيرات الصحابة مأخذ الجد، واجتهاد البعض في تأويلها على أنها تعني فقط عدم خلط القرآن بغيره وهو لا يزال غضا طريًا. النبع لم يعد واحدًا: إذن فتطور الفكر الإسلامي بهذا الشكل كان له مردود سلبي على الاهتمام بالقرآن، والدليل على ذلك أن المساحة اتسعت بين الجيل الأول والأجيال المتتالية .. وفي هذا المعنى يقول سيد قطب: كان هناك مقصد من رسول الله ﷺ أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل - جيل الصحابة في فترة التكوين الأولى - على كتاب الله وحده، لتخلص نفوسهم له وحده، ويستقيم عودهم على منهجه وحده .. ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب ﵁ يستقي من نبع آخر. كان رسول الله ﷺ يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي الذي يتضمنه القرآن الكريم. ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده، فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد. ثم ما الذي حدث، اختلطت الينابيع! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم وأساطير الفرس وتصوراتهم، وإسرائيليات اليهود، ولاهوت النصارى، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات. واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم، وعلم الكلام، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا. وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا. وما من شك أن اختلاط النبع الأول كان عاملاً أساسيًا من عوامل الاختلاف البيَّن بين الأجيال كلها، وذلك الجيل المتميز الفريد (٢). ليست دعوة لترك العلوم الأخرى: وليس المقصد من هذا الكلام هو الدعوة لترك العلوم الأخرى، والتراث الضخم الذي خلفته تلك الأجيال في شتى فروع الثقافة، والذي أفاد البشرية كلها، والذي استطاعت أوروبا أن تستثمره خير استثمار في بناء نهضتها الحديثة. ليس هذا هو المقصد يقينًا. بل المقصد من طرح هذا الموضوع دراسة الأسباب والعوامل التي أدت إلى انزواء دور القرآن في أذهاننا إلى هذا الحد الذي أصبحت فيه الصورة الذهنية المستدعاه عند الحديث عنه هي كيفية استكمال حفظه؟ .. كيفية التبرك به وتحصيل الأجر والثواب من خلاله؟!

стр. 74

والمقصد كذلك من طرح هذا الموضوع هو الدعوة لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع الانتفاع الحقيقي بالقرآن على رأس قائمة الرعاية والاهتمام، ثم تأتي السُّنَّة بعده، ثم سائر العلوم الأخرى التي تخدم الإنسان وتنفعه في الدارين. غيرة على القرآن .. ولكن!! عندما انشغلت الأمة بالعلوم الأخرى وتوسع العلماء في فروع العلم، اشتدت غيرة بعض الصالحين على القرآن ففعلوا أمورًا عجيبة ظنًا منهم أنهم بذلك يُرغِّبون المسلمين في الانكباب مرة أخرى على القرآن، فجاءت للأسف بنتيجة عكسية. ومن أبرز هذه الأمور هي: وضع أحاديث في فضائل القرآن، وفضائل سوره ليس لها أي أصل. ذكر الإمام الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن): أنه قيل لنوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟! فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة (١). يقول د. مصطفى السباعي ﵀ إن من أسباب وضع الأحاديث: الجهل بالدين مع الرغبة في الخير. وهو صنيع كثير من الزهاد والعباد والصالحين. فقد كانوا يحتسبون وضعهم للأحاديث في الترغيب والترهيب، ظنًا منهم أنهم يتقربون إلى الله، ويخدمون دين الإسلام؛ ويحببون الناس في العبادات والطاعات، ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وذكَّروهم بقوله ﷺ : «من كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٢). قالوا: نحن نكذب له ﷺ لا عليه. وهذا كله من الجهل بالدين وغلبة الهوى والغفلة، ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل حديث فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم، واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق (٣). في كم يُختم القرآن؟! ومن الأخبار التي دُست كذلك لتحفيز الناس لكثرة قراءة القرآن تلك التي تتناول هَدْى بعض السلف في ختم القرآن .. فمن المعلوم أن رسول الله ﷺ لم يُجز لأحد من الصحابة أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. فهذا عبد الله بن عمرو يقول: جمعت القرآن فقرأت به في كل ليلة، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال لي: «اقرأ به في كل شهر» فقلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأ به في كل عشرين»، قلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فقال: «اقرأ به في كل عشر»، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأ به في كل سبع»، قلت: أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى» (٤). وفي رواية: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث» (٥). فالأمر واضح، فالعقل والقلب لا يتحملان استيعاب القرآن كله - فهما وتجاوبا - في أقل من ثلاث، على الغالب. يقول أبو الطيب محمد شمس الحق آبادي في تعليقه على هذا الحديث: وهذا نص صريح في أنه لا يختم القرآن في أقل من ثلاث (٦). وعن ابن مسعود قال: اقرأوا القرآن في سبع ولا تقرأوه في أقل من ثلاث (٧). وكان معاذ بن جبل يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث (٨).

стр. 75

وفي يوم من الأيام قال النبي ﷺ لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة»، فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن» (سورة الإخلاص) (١). فإجابة الصحابة تدل على استصعابهم قراءة ثلث القرآن في ليلة، لأنهم يعلمون حقوق القراءة. إن جملة الأحاديث الصحيحة التي وردت عن النبي ﷺ في مسألة الحد الأدنى لختم القرآن تؤكد على أنه ﷺ لم يُرخِّص لأحد ختمه في أقل من ثلاثة أيام. فإن قلت بأن عثمان بن عفان ﵁ كان يقرأ القرآن في ركعة. لجاءك الجواب بأن هذا الأثر قد ضعَّفه الترمذي، وأقر الألباني ذلك التضعيف فقال: ولقد أحسن الإمام الترمذي برواية هذا الخبر والذي بعده (خبر عثمان بن عفان، وخبر سعيد بن جبير) بصيغة التضعيف، لأن الركعة مهما طالت لا يمكن أن يقرأ فيها القرآن الكريم كاملا، فضلا عما في ذلك من مخالفته لسنة رسول الله ﷺ في الركوع والسجود والقيام، وحاشا لسيدنا عثمان أن يفعل مثل ذلك (٢). وقال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط: أقول: هذا هو الصواب الموافق للسنة (٣). وقد يحُمل خبر عثمان بن عفان ﵁ وأمثاله كما يقول ابن كثير: إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفقهون ويتفكرون فيما يقرأونه مع هذه السرعة والله أعلم (٤). فإذا ما نظرنا إلى كتب فضائل القرآن نجد في أغلبها أخبارًا عجيبة عن بعض السلف بأن فلانًا كان يختم في رمضان ستين ختمة، وآخر كان يختم ختمة فيما بين الظهر والعصر، ويختم ختمة أخرى فيما بين المغرب والعشاء، وآخر كان يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات (٥). وأكثر من هذا وأكثر، ومن لا يصدق هذا الكلام فعليه بالنظر في كتب فضائل القرآن ليتأكد بنفسه. فهل هذا كلام يُعقل؟! هل يمكن لأحد أن يختم القرآن بين صلاتي المغرب والعشاء؟! إن متوسط المسافة الزمنية بين انتهاء صلاة المغرب حتى صلاة العشاء تقرب من ساعة من الزمن، أي أنه كان يقرأ كل جزء من القرآن في دقيقتين!!! هذه الأخبار وغيرها، مهما قيل في صحتها أو عدم صحتها، فهي أولاً: تخالف الهدى النبوي، ثانيًا: تصطدم مع قوله تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]: ثالثًا: لا يمكن تصديقها مهما ادعى البعض وجود بركة في الوقت عندهم (٦) .. ولعل السبب وراء تناقل هذه الآثار -دون التثبت من صحتها- هو استثارة همم المسلمين في الانكباب على القراءة، والانشغال بها. وللأسف جاءت هذه الأخبار بنتيجة عكسية، وازداد الحرص على القراءة لمجرد القراءة، وخمدت الدعوة لتفهم القرآن وتدبره والتأثر به، وقد ظهر هذا الحرص بصورة واضحة في شهر رمضان، وجميعنا يعرف ما يحدث في هذا الشهر من تسارع وتنافس بين الناس في عدد الختمات، دون أي التفات إلى تدبر أو تأثر. * * *

стр. 76

خامسًا: غياب أثر القرآن ومن العوامل التي أدت إلى ضعف الإيمان بالقرآن غياب أثره في حياة الكثير من المنشغلين به. نعم، هناك نماذج قرآنية تظهر بين الحين والآخر، ولكن نسبتها قليلة بالمقارنة بالمجموع. وعندما يرى عموم الناس أن أخلاق غالبية أهل القرآن لا تختلف عن أخلاق غيرهم، بل على العكس فقد يروا من البسطاء أخلاقًا وسلوكيات قد لا يجدوها من المنشغلين بالقرآن .. فإن هذا من شأنه أن يؤثر على نظرتهم للقرآن تأثيرًا سلبيًا، لتزداد مكانته انحصارًا في النفس، ويدخل في نطاق التقديس الشكلي المحض. فإذا ما حدثتهم عن ضرورة الانتفاع بالقرآن كما انتفع به الجيل الأول، قفزت إلى أذهانهم الأمثلة التي يعرفونها ويحتكون بها من المنشغلين بالقرآن، و التي لا يرون فيها النماذج الصحيحة، لذلك فإن كلماتك - في الغالب - لن تجد لها صدىً إيجابيًا في نفوسهم. والأمثلة على هذا الكلام موجودة في كل مكان - إلا من رحم الله - وسنكتفي في هذه الصفحات بعرض رسالة نُشرت في مجلة «الزهور» المصرية، وهي تُعبر عن وضع مؤلم نعيشه، فيه الكثير من المتناقضات بين القول والفعل، والواجب والواقع .. وعنوان الرسالة هو: النصف الهارب! كادت الفتاة أن تطير فرحًا عندما اختارها هي من بين كل الفتيات، وتقدم لخطبتها .. تخيلت حياتها معه فرقص قلبها. وشعرت بأنها امتلكت الدنيا، والآخرة معًا، فالشاب يحفظ القرآن كاملاً، ويخطب الجمعة في مسجد الحي. ولا يفوته فرض في جماعة، ولن تكون حياتها معه إلا جنة على الأرض ترفرف عليها ملائكة الطاعة والسعادة، ولا يعرف الشقاق لها طريقًا. وعندما طلبت أم الفتاة من زوجها أن يسأل عن الشاب أجابها بابتسامة عريضة: يا حاجَّة أسأل على من؟! توكلي على الله فالرجل تسبقه سيرته، وعلامة الصلاة التي تزين جبهته! وتم الزواج سريعًا بعد خطبة قصيرة، وعقد لم يتجاوز أيامًا، ودخلت الفتاة جنتها، أو ما كانت تظنه جنة! ففي البيت المشترك .. وفي ظل ستر الجدران والأسقف سقطت الأقنعة، وظهر الوجه الحقيقي المخيف للزوج، ووجدت الفتاة نفسها في كنف من لا يرعى فيها إلاًّ ولا ذمة، فالجبين المزدان بسيمة السجود مقطب دائمًا، واللسان الرطب بالذكر لا يخاطبها إلا بسوء، والوجه الذي شدها نوره يشيح عنها كلما تحدثت إليه أو سألته شيئًا، وتطور الأمر أكثر؛ فإذا باليدين اللتين طالما ارتفعتا بتكبيرة الإحرام توجهان إليها اللكمات إذا احتد الخلاف بينهما، والقدمين اللتين كم مشتا إلى المساجد تركلان أي شيء في طريقهما عندما يغضب! انسحبت الفرحة وحلاوة التوقع من نفس الفتاة؛ لتخليا مكانهما للصدمة ومرارة الواقع، والإحساس القاسي بالخديعة .. كانت تسترجع كلماته عن البيت المسلم، وتقارنها بأفعاله، فتهز رأسها غير مصدقة .. تتذكر ما قاله عن صلة الرحم، وكيف يكون البيت قبلة، وتقيسها إلى فظاظته مع ذوى قرباه، وسوء استقباله لأقاربها، فتكاد أن تجن! تتأمله وهو يطيل صلاة النوافل فتشعر أنها أمام ملاك، فإذا خرج من صلاته شعرت بأنه يخلع ثوبه ليرتدي ثوب إنسان لا يظن من يتعامل معه أنه ركع مرة في حياته! عاتبته .. فتذرع بالقوامة، حاجَّته بالقرآن والسنة فاتهمها بالتفلسف وسوء الأدب، سألته التحكيم فرفض بإباء، وأكد أنه غير مخطئ .. شكته إلى أبيها فاتهمها بالمبالغة، والإساءة إلى الرجل الطيب «السُّكرة» على حد تعبيره! فضفضت مع أمها، فقالت بانزعاج: صحيح .. «حسبناه موسى فكان فرعون»، ثم أردفت بأسى: ولكن اصبري يا ابنتي، وأجرك على الله. وعندما تيقن الأب من صدق ابنته، لم يستطع أن يواجه نظرات زوجته اللائمة، وهي تقول له: قلت لك: اسأل عنه يا حاج! وتمر الشهور والسنوات والزوج لا يستجيب لنصح، ولا يقبل مراجعة، ولا ينحني للحق! أعيت الأب الحيل .. ونفض الوسطاء أيديهم بعدما فقدوا الأمل .. ولم تملك الأم إلا البكاء ومحاولة التصبر إكرامًا للصغير الذي رزقت به ابنتها.

стр. 77

وبقيت الابنة تتجرع مرارة حياة كريهة، والأب يأكله الندم، والأم تعشش في قلبها الفرحة المكسورة، والرجل كما هو، يتلو القرآن بصوت رخيم جميل، بينما تنزوى هي في ركن قصى لائذة بإذاعة القرآن الكريم يتداخل في سمعها صوت تلاوة زوجها وصوت مذيع يتحدث عن أسس اختيار الزوج، مستشهدًا بحديثه ﷺ : «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». تنهمر دموعها وتضم كفيها بأسى، قابضة على الفراغ، متسائلة عن نصف معادلة الاختيار الذي يسكن بيتها، والنصف الآخر الذي فر، ولا تدري إلى أين؟! (١) * * * سادسًا: كيد الشيطان إن إبليس - الذي أقسم بعزة الله بأن يعمل على غواية البشر وسوقهم معه إلى النار - ما كان ليترك هذه الأمة ليلتقي أبناؤها بالقرآن فيتزودوا منه بالإيمان، وبالتالي يتحصنون من كيده، ويلتزمون صراط الله المستقيم، فيدخلون الجنة. وكيف يتركهم وقد رأى التأثير العظيم الفذ للقرآن على جيل الصحابة، ومن ثَّم فإن استمرار وجود القرآن بين المسلمين من شأنه أن يُفسد مخططاته، ويغلق الأبواب أمامه. وفي الوقت ذاته فإن الشيطان لا يمكنه تحريف القرآن لأن الله قد تكفل بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ولا يمكنه كذلك دعوة المسلمين لنبذ كتابهم وإبعاده من بينهم لأنه رسالة نبيهم. فماذا فعل الشيطان مع القرآن؟! استطاع الشيطان أن يستدرج المسلمين، ويبعدهم شيئًا فشيئًا عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن، وفي الوقت ذاته تركهم يتصلون بالقرآن، ويتعاملون معه ولكن من الناحية الشكلية. فيجتمع له بذلك أمران: الأول: أن يصبح القرآن موجودًا بين المسلمين من الناحية الشكلية اللفظية. الثاني: أن يكون غائبًا من الناحية الحقيقية الجوهرية. فيخمد باجتماع هذين الأمرين أي تأنيب للضمير في نفوس المسلمين بهجر كتابهم، ومن ثمَّ لا يمكن لأحد أن يفكر بأن القرآن بات غائبًا مهجورًا. فعندما تنتشر المصاحف في كل مكان، وتبث الإذاعات آياته ليل نهار، وتُخرِّج المدارس والحلقات والكليات عشرات الآلاف من حفاظه. وينكَبُّ المسلمون على قراءته في رمضان، ويتنافسون على ختمه مرات ومرات بُغية تحصيل أكبر قدر من الحسنات .. عندما يكون هذا وغيره من مظاهر الاهتمام الشكلي بالقرآن هو السائد بيننا، فإن الدعوة إلى العودة الحقيقية إليه، والانتفاع بمعجزته، وقدرته الفذة على إنشاء الإيمان والتغيير لن تجد آذانا مصغية بين المسلمين، بل سيصبح من المتوقع أن يقال لصاحب هذه الدعوة: وماذا عسانا أن نفعل مع القرآن أكثر مما نفعل؟! ألا يكفي هذا الجهد المبذول معه؟! تلبيس إبليس: لقد نجح الشيطان نجاحًا كبيرًا في استدراج الأمة وإبعادها عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن، وهذا لم يتم في يوم وليلة، بل كان استدراجًا هادئًا بطيئًا عبر القرون المتعاقبة حتى وصل إلى الحال الذي وصل إليه الآن. وكانت أبوابه الرئيسة التي يدخل منها على المسلمين هي باب الجهل، وباب الهوى، ومن كل منهما تتفرع أبواب كثيرة تناسب كل الحالات، وتؤدي في النهاية إلى تحقيق هدفه. والجدير بالذكر أن الشيطان ليس له سلطان مباشر على أحد من الناس، ولكن عندما تصادف وسوسته هوى في النفس، أو جهلا بالأمر فمن المتوقع أن تتم الاستجابة لها. فالجهل بقيمة القرآن الحقيقية، والهدف من نزوله، كان له دور كبير في الاستجابة لوساوس الشيطان في هذا الباب.

стр. 78

أما الهوى فله أفرع كثيرة يمكن أن تُغذَّيه من خلال التعامل الشكلي مع القرآن منها: التقدم على الناس بحفظه، وتَصَدُّر المجالس لتعليم حروفه، والمباهاة بإتقانه، واتخاذه حِرفة و .... فالأبواب المتفرعة من بابَيْ الجهل والهوى كثيرة ومتعددة وكلها تؤدي إلى عدم الانتفاع الحقيقي بالقرآن. ليس وحده: ومما تجدر الإشارة إليه أن العوامل والأسباب - السابق ذكرها - قد ساعدت الشيطان في الوصول لهدفه، وإبعاد غالبية الأمة عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن. فالصورة الموروثة، وطول الإلف، ونسيان الهدف من نزول القرآن، والانشغال بفروع العلم على حساب القرآن، وعدم ظهور آثار سلوكية إيجابية للكثير من المشتغلين بالقرآن .. كل هذا سهل على الشيطان مهمته .. الشيطان ملحاح بطئ اليأس: إن هدف الشيطان هو إبعاد كل فرد في الأمة عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن، لذلك فهو في البداية يجتهد في الحيلولة دون قراءة المسلم للقرآن، إما بالتسويف، أو بإشغاله بأمر آخر. فإن قرأ بالفعل دخل عليه من مداخل متعددة: مدخل التعب والنعاس. مدخل تحصيل أكبر قدر من الحسنات ليدفع القارئ للقراءة السريعة غير المتدبرة. مدخل شرود الذهن مع بعض الكلمات. مدخل تذكيره بأمر من أمور الدنيا التي ينبغي عليه القيام بها ليترك القراءة. مدخل الاهتمام الشديد بمخارج الحروف وإتقان التلاوة. مدخل تخويفه من تدبر القرآن .. يقول ابن هبيرة: ومن مكايد الشيطان تنفير عباد الله عن تدبر القرآن لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعًا (١). ويقول أبو حامد الغزالي في حديثه عن موانع فهم القرآن: أن يكون الهم منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله ، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يُخَّيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأملهم مقصورا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس (٢). (ومن تأمل هدى رسول الله ﷺ ، وإقراره كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع، والتشدق، والوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته (٣). المعركة الحاسمة: بهذه المداخل السابقة وغيرها، استطاع الشيطان أن يحقق مراده، ويُبعد الأمة عن جوهر القرآن، وعن وظيفته المتفردة في إحداث التغيير المتكامل للشخصية المسلمة. فمنذ أن نزل القرآن من السماء، أصبحت أهم معركة للشيطان مع المسلمين هي إبعادهم عن دائرة تأثير هذا الكتاب ليسهل عليه إضلالهم وإبعادهم عن الصراط المستقيم. ومن العجيب أن العبادة الوحيدة التي أمرنا الله أن نستعيذ به، ونطلب حمايته لنا من الشيطان، قبل القيام بها: هي قراءة القرآن ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. فمن المعلوم أنه قبل أن يشرع المرء في الذكر أو الصيام أو إخراج الصدقة، فإنه غير مأمور بأن يستعيذ بالله من الشيطان. فلماذا قراءة القرآن دون غيرها من العبادات؟! أليس في هذا الأمر دلالة على أن الشيطان يجتهد ويجتهد في إبعاد الناس عنه، والحيلولة دون انتفاعهم به، وذلك لأنه يعلم بقيمة القرآن، وقدرته الفذة على التغيير والشفاء!! من هنا يتبين لنا حكمة الاستعاذة بالله وطلب حمايته قبل بدء القراءة، فالشيطان لن يترك أحدًا ينتفع بالقرآن، ولا أمل أمامنا إلا بالاستعانة بالله عليه.

стр. 79

ويؤكد على هذا المعنى ابن القيم بقوله: إن الشيطان يُجْلِب على قارئه بخيله ورَجْله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد به المتكلم -سبحانه- فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأُمر عند الشروع أن يستعيذ بالله منه (١). ولعلنا بذلك نُدرك سر شكوى الكثيرين من أنهم حين يشرعون في قراءة القرآن يفاجأون بخواطر وأفكار لم تكن تأتيهم من قبل، فيشرد ذهنهم معها، ويستَغرقون فيها استغراقًا تامًا. ونُدرك كذلك سر شكوى البعض من أن الرغبة في النوم تسيطر عليه، بل ويغلبه النعاس كلما شرع في قراءة القرآن. * * * سابعًا: مفاهيم وممارسات ساهمت في عدم الانتفاع بالقرآن كان للأسباب السابق ذكرها دور كبير في انزواء قيمة القرآن في الأذهان، وضعف الثقة فيه، وقصر دوره على التبرك وافتتاح الحفلات والمناسبات، والقراءة في المآتم، وغير ذلك من صور الاهتمام الشكلي بالقرآن. فعندما يغيب الهدف من نزول القرآن .. وعندما تتوارث الأجيال المتتابعة التقديس الشكلي للقرآن .. وعندما لا يرى الناس أثرًا إيجابيًا في سلوك غالبية المنشغلين بالقرآن. وعندما تكون معركة الشيطان الأولى مع المسلمين هي إبعادهم عن الانتفاع بالقرآن .. فماذا ننتظر أن تكون ثمرة هذا كله؟! للأسف ثمار كثيرة ولكنها مريرة .. فقد غاب القرآن عن قيادة الحياة .. ولم تقر الأعين بظهور الجيل القرآني الرباني .. وأصبحت الأمة في الأذلين .. هذا بصفة عامة. أما على مستوى الأفراد فقد أثمرت هذه الأمور العديد من المفاهيم والممارسات التي أدت إلى إضعاف قيمة القرآن الحقيقية في النفوس أكثر وأكثر. هذه المفاهيم والممارسات - التي تحتاج إلى تصحيح - ما كانت لتظهر بهذا الشكل لو تم التعامل مع القرآن على أنه قد نزل من السماء لمهمة عظيمة ألا وهي هدايتنا إلى الله، والأخذ بنا إلى صراطه المستقيم. فعندما نُسى الهدف، تم التعامل مع الوسائل المعينة على الوصول إليه على أنها أهداف في ذاتها. ولقد تم الحديث - بفضل الله - عن بعض هذه المفاهيم والممارسات في كتاب (العودة إلى القرآن لماذا وكيف؟) فصل: عقبات في طريق العودة، وكتاب (إنه القرآن سر نهضتنا) فصل: تساؤلات وردود. وفي هذه الأسطر نستكمل - بعون الله - طرح تلك المفاهيم والممارسات. الخوف من تدبر القرآن واللقاء المباشر به: الله أنزل القرآن لهدايتنا جميعًا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. أنزله سبحانه لهدايتنا وهو يعلم حالنا وكل صور الضعف لدينا ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]. ولقد طالبنا سبحانه بتدبر القرآن لنصل إلى هدايته ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. نعم، التدبر المطلوب على حسب الطاقة، والحد الأدنى لطاقة أي عاقل يُمكِّنه من بلوغ الهداية. ولكن البعض تخوف من التدبر، وألزم نفسه بأنه إذا أراد أن يفهم ما يقرأ فلا بد وأن يكون بينه وبين القرآن كتاب تفسير لتوضيح معنى كل كلمة يقرؤها، وكل آية يتلوها. ويعتبر الإمام ابن تيمية أن هذا التخوف من أهم الأسباب التي حالت بين الناس وبين فهم القرآن (٢).

стр. 80

وعندما عدد الإمام أبو حامد الغزالي موانع فهم القرآن ذكر منها: أن يكون قد قرأ تفسيرًا ظاهرًا واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما (١). ويصحح الإمام محمد عبده ﵀ هذا المفهوم فيقول: خاطب الله بالقرآن من كان في زمن التنزيل، ولم يوجه الخطاب إليهم لخصوصية في أشخاصهم، بل لأنهم من أفراد النوع الإنساني الذي أنزل القرآن لهدايته .. يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ فهل يُعقل أنه يرضى منا بأن لا نفهم قوله هذا، ونكتفي بالنظر في قول ناظر نظر فيه لم يأتنا من الله وحي بوجوب اتباعه لا جملة ولا تفصيلا؟ كلا، إنه يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته لا فرق بين عالم وجاهل (٢). وليس معنى هذا هو ترك النظر في كتب التفسير، بل المقصد هو اللقاء المباشر مع القرآن وإعمال العقل في فهم الآيات - فهما إجماليا بحسب الطاقة - والرجوع إلى التفاسير لإزالة شبهة أو معرفة معنى التبس علينا فهمه. تحصيل الأجر والثواب فقط: ومن المفاهيم التي ينبغي أن تُصحح عند المسلمين قصر وظيفة القرآن على تحصيل الأجر والثواب والتبرك ... فالمفهوم السائد أنه إن كان لكل حرف يقرؤه المرء من القرآن له به عشر حسنات فليقرأ إذن أكبر قدر ممكن من الحروف ليزداد رصيده من الحسنات، وفي الوقت نفسه فإن تدبر القرآن والوقوف عند معانيه سيعطل مسيرته عن قراءة أكبر قدر ممكن من الآيات، ومن ثمَّ يفوته الكثير من الحسنات ... إذن فلنترك التدبر جانبًا لتحقيق هدف الثواب والأجر!! بمثل هذا الفهم ابتعد الكثير عن تدبر القرآن وتسابقوا فيما بينهم على ختمه في أقل وقت ممكن خاصة في شهر رمضان. وبالرغم من أن آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ تحث على التدبر والتأثر، وتذم من يقرأ القرآن ولا يجاوز حنجرته، إلا أن حب النفس للراحة والشعور بالرضا بعد كل إنجاز (كَمِّي) ينجزه المرء مع القرآن، جعلها تستريح لمفهوم أن الهدف من قراءة القرآن هو تحصيل الأجر والثواب، وأن هذا الهدف يتحقق بمجرد قراءة الألفاظ دون تفهم ولا تأثر. فمما لا شك فيه أن الأسهل على الإنسان القراءة السريعة للقرآن، والتي قد يشرد معها العقل في أودية الدنيا، فيشعر المرء بعد القراءة براحة نفسية لمجرد إنجازه كمًا كبيرًا من الأرباع والأجزاء دون مجهود يُذكر، فيصبح هذا الشعور دافعًا له للإكثار من القراءة خاصة في شهر رمضان. فتحول بذلك مسار التعامل مع القرآن، وبدلاً من أن تكون قراءته وسيلة لفهم المقصود منه، أصبحت غاية يتنافس فيها المتنافسون. الإسراع في حفظ القرآن: ومن المفاهيم التي كان لها دور كبير في إبعاد البعض عن الانتفاع بالقرآن: قناعتهم بأن أهل القرآن هم حفاظ حروفه، بغض النظر عن ربط ذلك بالعمل بما فيه، والتخلق بأخلاقه، لينكبَّ كل من يحب القرآن ويطمع في الدخول في زمرة أهله على حفظ ألفاظه في أسرع وقت ممكن، فإذا ما تم له ذلك تمكنت من عقله ومشاعره عقيدة بأنه قد أصبح من أهل القرآن، فينتج عن ذلك شعوره بالاكتفاء تجاهه، وتخبو داخله أي رغبة أو شعور بالاحتياج إلى الجوانب الأخرى النافعة في القرآن .. فيكفيه ما فعله، والجهد الذي بذله. ولقد مر علينا من أحوال الصحابة مع القرآن، وتمهلهم في حفظه، حتى يحملوه لفظًا ومعنى، وإيمانًا، ويترجموه عملاً. يقول الإمام أبو بكر الطرطوشي: ومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه دون التفقه فيه.

стр. 81

وروى الإمام مالك في الموطأ أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها (١). قراءة الحافظ: ومما أبعد طائفة كبيرة من الحفاظ عن تدبر القرآن والانتفاع الحقيقي به، هو حرصهم على عدم نسيان المحفوظ فقط، لذلك تراهم يقرأون الآيات قراءة سريعة بقصد المراجعة وكل همهم هو عدم النسيان أو الخطأ. لذلك لو سألت الكثير من الحفاظ: كيف تقرأ القرآن؟ سيكون جوابه المتوقع: «أقرؤه بطريقة تحافظ على حفظي له»، وكأن الحفظ هو الغاية، مع أن الحفظ وسيلة مهمة لتيسير الانتفاع به واستدعائه في أي وقت. إن المراجعة التي يراجعها الحافظ ما هي إلا آيات القرآن التي أُمِر بتدبرها، والعمل بما فيها، ولقد مر علينا أن عبد الله بن عباس كان يُقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب، قال: فلم أرَ أحدًا يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة. وللشيخ محمد الغزالي ﵀ تعليق على هذه المسألة من خلال تجربة شخصية مر بها فيقول: حفظت القرآن وعمري عشر سنين .. وبداهةً ما كنت أعى منه شيئًا .. والغريب أن هذه الطريقة في الحفظ لألفاظ القرآن صرفتني عن معانٍ كثيرة كنت أمر بها ولا أعرفها .. وأنا كبير، أقرأ، ولكن لأني حفظت الكلام دون فهم للمعنى أجد نفسي - في كثير من الأحيان - أمضي دون فهم للمعنى، لأن الحفظ كان يغلب على التدبر أو إحسان الوعي .. وما بدأت أفكر حتى أكرهت نفسي على أن أعود فأدقق النظر في كل ما أقرأ، وأحمل نفسي على ترك هذه العادة التي ورثناها مع الحفظ (٢). حول مفهوم النسيان: من أكبر معينات عدم نسيان القرآن: تدبره، والوقوف عند معانيه، مع الأخذ في الاعتبار قول من قال من العلماء بأن مفهوم النسيان هو ترك العمل به. فالإمام أبو شامة حمل الأحاديث الواردة في ذم نسيان القرآن على ترك العمل، لأن النسيان هو الترك لقوله تعالى: +وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ" [طه: ١١٥]. قال: وللقرآن يوم القيامة حالتان: أحدهما: الشفاعة لمن قرأه ولم ينس العمل به. والثانية: الشكاية على من نسية أي تركه تهاونا ولم يعمل به. قال: ولا يبعد أن يكون من تهاون به حتى نسى تلاوته كذلك (٣) .. وأورد القرطبي في التذكار عن سفيان الثوري قوله: وليس من اشتهر بحفظ شيء من القرآن وتفلت منه بناسٍ، إذا كان يحل حلاله ويحرم حرامه. قال القرطبي: وهذا تأويل حسن جدًا وفيه توجيه (٤). فإذا ما تعلم المرء ما تدل عليه الآيات التي يحفظها من علم وعمل ثم ترك التنفيذ فإن هذا يدخل في مفهوم النسيان، بل قد يكون أهم صوره، ومما يؤكد ذلك قول أبي الدرداء: أخاف أن يقال لي يوم القيامة علمت أم جهلت؟ فأقول: علمت. فلا تبقى آية في كتاب الله آمره أو زاجرة إلا وتسألني فريضتها. تسألني الآمرة هل ائتمرت؟ وتسألني الزاجرة هل ازدجرت؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع (٥). أمراض القلوب: ومن المداخل الخطيرة على البعض إيهامهم بأنهم لا يصلحون للتعامل مع القرآن وتدبره بسبب ذنوبهم وأمراض قلوبهم، وإيهامهم بأن عليهم التطهر من ذلك أولاً ثم الإقبال على القرآن، ولأن من الصعب على المرء أن يظن بأنه قد وصل لمرحلة التطهر والشفاء من أمراض قلبه، لذلك ستظل هذه الشبهة تشكل حجابًا، وعائقًا يعوقه عن الانتفاع بالقرآن.

стр. 82

ولو تأملنا حديث القرآن عن القرآن فسنجد أن من أهم صفات هذا الكتاب أنه: شفاء لما في الصدور .. والشفاء إنما يكون للمريض وليس للصحيح، أي أن القرآن هو الدواء الذي يطهر قلوبنا، وأن الذي يظن بعدم صلاحيته للتعامل مع القرآن بسبب مرض قلبه هو أولى الناس بالقرآن .. يقول ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. ثم إننا نجد في السيرة أن صناديد الكفر .. العتاة والمتكبرين أمثال أبي جهل، والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة قد تأثروا بالقرآن، وخافوا أن يبلغ تأثيره الناس فيؤمنوا به، ويضيع ملكهم وسيادتهم، لذلك قالوا: ﴿لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. ولسنا هنا نقلل من شأن تأثير المعاصي وأمراض القلوب على فهم القرآن والتأثر به، فلا شك أن القلب كلما طهر، كان تأثره أسرع، وفي نفس الوقت فإن القلب المريض إذا ما أقبل على القرآن يريد منه الشفاء، فإن استمرار تعرضه له كفيل - بإذن الله- بأن يحدث له التأثر الذي يبدأ في الغالب لحظيًا ويسيرًا، ثم يزداد شيئًا فشيئًا بمداومة القراءة بتفهم وترتيل وتباك. ويكفيك في تأكيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]. يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيى الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل (١). ومع هذا كله يبقى مرض الكبر هو العائق الأكبر أمام الانتفاع بالقرآن لأن المتكبر في الغالب لا يستشعر حاجته إليه، ومن ثم فلن يُقبل عليه طالبًا الشفاء. قراءتان للقرآن: ومن المداخل المبُعدة للبعض عن القرآن تصورهم بأنه يمكنهم الجمع بين القراءة السريعة للقرآن بلا تدبر ولا تأثر بغية تحصيل الأجر والثواب، وبين قراءة القرآن بتدبر وتأثر، وذلك من خلال تخصيص ختمة للقراءة السريعة، وختمة للتدبر، ولا بأس من المكث مع ختمة التدبر وقتًا طويلاً، ولو استمرت سنوات وسنوات. هذا المدخل من أخطر المداخل لأنه يؤدي إلى استمرارية المرء في التعامل مع القرآن بصورة شكلية دون الانتفاع الحقيقي به، مع عدم شعوره بتأنيب الضمير تجاه هذه القراءة السريعة؛ لأنه يعلم أن ختمة التدبر سترفع عنه حرج القراءة بلا فهم. ومن المتوقع لمن يقتنع بهذا أن تكون القراءة السريعة هي الغالبة على قراءته لأنها لا تكلفه وقتًا كبيرًا، ولا جهدًا خاصًا، ولأنها كذلك تُشعره بالرضا عن نفسه، وتحقيق ذاته كلما انتهى من قراءة سورة أو جزء ... أما ختمة التدبر فهي تحتاج إلى قراءة هادئة، مترسلة، مع إعمال العقل لفهم المراد من الخطاب -ولو فهمًا إجماليًا- فهذا بلا شك لا يريح النفس، وربما حاولت التهرب منه، والتسويف في القيام به باعتبار أن هناك بابًا آخر للقراءة السريعة المريحة مفتوحًا أمامها. ولأن خير الهدي هو هدي محمد ﷺ ، وخير النماذج التطبيقية هو نموذج الصحابة رضوان الله عليهم، فاعلم -أخي- أنه لم يَرِد عن رسول الله ﷺ ، ولا عن صحابته الكرام أنهم كانوا يخصصون ختمة للتدبر، وختمة للقراءة السريعة، بل كانت قراءة واحدة تبحث عن الفهم والتأثر.

стр. 83

التعمق في المعنى: ومن المداخل الخطيرة على البعض -وبخاصة من أراد الانتفاع بالقرآن- قناعتهم بضرورة الوقوف عند كل كلمة في القرآن، والاجتهاد في معرفة معناها، والتعمق فيها، ومن ثمَّ لا تتجاوز حصيلة القراءة بضع آيات، ويصبح القرآن وكأنه يخاطب عقله فقط، دون أن يؤثر في قلبه، فتصير ثمرة قراءته مجرد زيادة في معارفه العقلية دون زيادة للإيمان في قلبه، مما يجعله -بعد مدة من الزمن- يمل من هذه الطريقة، ويتسرب إليه الشعور بالندم على فوات الأجر الذي كان سيحصِّله حين يقرأ جزءًا أو جزءين في هذا الوقت، ومن ثمَّ فإن هذا الشعور سيدفعه للعودة إلى القراءة السريعة مرة أخرى. وصايا الصحابة: عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبُّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا هو التكلف يا عمر. وفي رواية: هذا لعمر الله التكلف، اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب (١). ومن أقوال عبد الله بن مسعود: تعلموا قبل ذهاب العلم، فإن من ورائكم قومًا يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فتعلموا قبل ذهاب العلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بأمركم العتيق (٢). فالمطلوب أن نمرر ما لا نفهمه ونكتفي بالفهم الإجمالي -حسب الطاقة- فبه سيتحقق الهداية بمشيئة الله. ولقد مر علينا أنه لما وقع الناس في أمر عثمان ﵁ قال عبد الرحمن بن أبزى لأُبي ابن كعب ﵁: أبا المنذر ما المخرج؟ قال: كتاب الله، ما استبان لك فاعمل به وانتفع، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه (٣). هل يمكننا التأثر بكل آية؟! البعض ممن وضعوا التدبر والتأثر هدفًا لهم لا يرضون بأن تمر عليهم آية بدون تأثر أو انفعال، مع أن هذا غير مطلوب، فالمطلوب هو تدبر إجمالي، وترتيل، وتباك، ثم انتظار للتأثر الذي لا يمكن توقع موضع حدوثه، لأن هذا الأمر ليس بأيدينا، بل هو منحة من الله يمنحها لمن يكثر من الإقبال على القرآن بإنصات وتركيز ملتمسا الهدى، ولا يمكن لأحد أن يتوقع موضع التأثر. ومع ذلك ترى البعض يريد التأثر مع كل آية فتجده يكرر الآية مرات ومرات حتى يحدث التأثر، فينتج عن ذلك مُكثه وقتًا طويلاً مع بضع آيات من القرآن. فيفاجأ أنه بعد مرور أيام كثيرة لم تتجاوز قراءته عدة صفحات، فيدخل عليه الشيطان من باب أنه بذلك قد هجر القرآن لأنه لن يختمه إلا في عدة شهور - إن ختمه - ويستحثه في ضرورة العودة للقراءة السريعة. ويزداد إلحاح الشيطان عليه بترك التدبر عندما تحول الظروف بينه وبين القراءة بضعة أيام، فإذا ما عاد إلى القرآن دخل عليه الشيطان من باب تخويفه من هجر القرآن، فيوهمه بضرورة الإسراع في القراءة بفهم أو بدون فهم لإدراك ما فاته. مدة الختم: ومن المداخل المُبْعدة كذلك اقتناع البعض بضرورة ختم القرآن في مدة أقصاها شهر أو أربعون يوما حتى لا يكون هاجرًا له، فيؤدي ذلك إلى الإفراط في سرعة القراءة في بعض الأيام حتى يتسنى له ختم القرآن خلال المدة المحددة، وبالتالي تقل فرصة التدبر والتأثر ... أخرج ابن أبي داود عن مكحول قوله: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرءون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك (٤). ويقول محمد أبو شهبة في كتابه «المدخل لدراسة القرآن الكريم»:

стр. 84

وليس في الحديث -الذي قال فيه رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: «اقرأ القرآن في أربعين» - ما يدل على كراهة الختم في أكثر من أربعين، والعبارة ليست حاصرة حتى يكون ما عداها ليس من سنته، وغاية ما يدل عليه أن ذلك كان حالة من حالاته، أو أنه كان الغالب منها (١). وليس معنى هذا هو التراخي في قراءة القرآن وختمه، بل العكس هو المطلوب. فالقرآن دواء متكامل يبدأ من سورة الفاتحة وينتهي عند سورة الناس، وكلما تناول المرء هذا الدواء بكثرة وبطريقة صحيحة تسارع شفاؤه وبرؤه. فالمطلوب إذن: هو الانشغال بالقرآن، والإكثار من تلاوته، ولكن دون وجود مدة الختم كسيف مسلط على الرقاب، ليتسنى للقارئ التدبر والتأثر، والاغتراف من منابع القرآن الإيمانية، وتناول دوائه بصورة صحيحة. السماع عندى أفضل !! ومما أبعد البعض عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن ظنه أنه يتأثر بالسماع أكثر من تأثره بالقراءة، ومن ثمَّ فإنه يهمل القراءة، فهو -كما يقول- يجد قلبه عند سماع فلان وفلان من المقرئين .. ولو كان التأثر بالمعنى هو المُسبب لذلك عند السماع، لحسُن هذا الأمر، وكيف لا، والتأثر بالمعنى مع الصوت الحسن ينبت الإيمان في القلب يقول ابن تيمية: كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون ويبكون. وكان أصحاب محمد ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن والباقي يستمعون. ويقول: ولهذا السماع من المواجيد العظيمة، والأذواق الكريمة، ومزيد المعارف والأحوال الجسيمة ما لا يسعه الخطاب، ولا يحويه كتاب، كما أن في تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان ما لا يحيط به بيان (٢). ولقد أعطى لنا القرآن نموذجًا للسماع الصحيح الناتج عن تدبر المعنى ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] فبكاؤهم - كما يقول الطرطوشي - إنما كان لما فهموه من معانيه (٣). أما إذا كان التأثر ناتجًا عن صوت القارئ وتطريبه بالقرآن دون المعنى فهنا تكمن المشكلة. لأن التطريب وإن كان يستثير المشاعر إلا أنه قد يستثيرها في أمور كامنة لديها لا تخدم الإيمان، فالإيمان ينشأ عند استثارة المشاعر مع فهم ما دلت عليه القراءة. يقول بكر أبو زيد: إنما التعبد أن يتحرك (قلب) العبد إلى كلام الله وما فيه من العظة والعبرة، والتذكير بالمصير وبالجنة والنار، وعظيم الحكم والأحكام. أما لو تحرك عند قراءة القرآن طربا لمجرد حسن الصوت، دون ما يحمله من آيات القرآن الكريم، فهذا ليس من التعبد (٤). فالقلب قد يكون فيه محبة لله ومحبة لغيره، وخشية له وخشية لغيره، فإذا ما سمع المرء القرآن وهو يُقرأ بالتطريب والصوت الحسن، فإنه قد يجد تأثرًا بما يسمعه، ويظن أن هذا كله من دواعي محبة الله وخشيته، بل هي مشاعر ممتزجة (وليس كل ما حرك الكامن في النفوس، يكون مباحًا في حكم الله ورسوله) (٥). فإن قلت: ألم يرد في السُّنة استحباب سماع القرآن من أصحاب الأصوات الحسنة؟! نعم، ورد ذلك ليكون أدعى لتفهم القرآن والتأثر بمعانيه. يقول ابن كثير: المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وفهمه، والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة.

стр. 85

فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي، فالقرآن ينزه عن هذا، ويجُل ويُعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك (١). عن عابس الغفاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يتخوف على أمته ست خصال. إمرة الصبيان، وكثرة الشُّرَط، والرشوة في الحكم، وقطيعة الرحم، واستخفاف بالدم، ونشوًا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفضلهم في الدين ولكن يقدمونه ليغنيهم به غناء» (٢). وفي حديث آخر، قال ﷺ : «بادروا بالأعمال ستًا: إمارة السفهاء، وكثرة الشُّرَط، وبيع الحُكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوًا يتخذون القرآن مزامير، يقدَّمون أحدهم ليغنيهم، وإن كان أقلهم فقهًا» (٣). * * *

стр. 86

الفصل السابع كيف يحدث الوصال بين القلب والقرآن ؟!

стр. 87

كيف يحدث الوصال بين القلب والقرآن؟! عندما نتفكر في أسباب عدم انتفاعنا بالقرآن - السابق ذكرها - فإننا سندرك أن عودة الأمة إلى القرآن أمر غاية في الصعوبة، وكيف لا وقد استقر في الأذهان، وفي العقل الباطن، صورة مبتورة عن القرآن، وتكوَّن حاجز نفسي سميك بين العقل وبين الآيات المسموعة والمقروءة، وكأنها بلغة أخرى غير اللغة التي ننطقها، حتى ارتضى العقل ألا يبذل أي محاولة لفهم المراد منها .. هذا الحاجز - كما أسلفنا - يبدأ في التكون داخل المسلم منذ نعومة أظافره .. لقد توارثت الأمة - جيلا بعد جيل- هذا التعامل الخاطئ مع القرآن، ورسخ في الأذهان مفاهيم خاطئة حول الطريقة المثلى لخدمته، وأن غاية المطلوب منه هو إتقان تلاوته، وحفظ حروفه، وكثرة قراءته لتحصيل الأجر والبركة دون ربط هذا كله بمعانيه .. مع أن النصوص القرآنية واضحة الدلالة بأن المقصود من قراءة القرآن: فهمة وتدبره، والفقه فيه والعمل به، وما التلاوة والسماع والحفظ إلا وسائل للانتفاع بكنوزه، كما قال بعض السلف: نزل القرآن ليُعمل به، فاتخذوا تلاوته عملا، ولهذا -كما يقول ابن القيم- كان أهل القرآن هم العالمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب. وأما من حفظه ولم يفهمه، ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم (١). فمع قوة ووضوح وكثرة النصوص الدالة على ذلك إلا أنها لم تقع مواقعها الصحيحة في النفوس. فما الحل إذن وغالبية المسلمين لم يعودوا يدركون قيمة القرآن الحقيقية، ومقصد نزوله ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. إنه أمر غاية في الصعوبة أن يكون دواء أحدنا في يديه، ثم يُعرض عنه، ليترك المرض يفتك بجسده ويهلكه. الكثير منا يشكو مرض قلبه وضعف إيمانه، فإن دللته على القرآن، لا تجد لكلماتك أي وقع إيجابي في نفسه، وكيف لا والصورة الذهنية التي تقفز للأذهان عند الحديث عن القرآن صورة ناقصة مشوهة لا تُعطي لهذا الكتاب إلا قدسية شكلية فقط، ولا تربط بينه وبين وظائفه الحقيقية في التغيير والشفاء.

стр. 88

الإيمان أولاً: إذا ما شخَّصنا حالنا مع القرآن، وبحثنا عن السبب الرئيس لهذا الوضع الشاذ لوجدناه - كما أسلفنا - نابعًا من ضعف الإيمان بقيمة القرآن وقدرته الفذة على إنشاء الإيمان وإحداث التغيير. ومما يؤكد هذا المعنى قول عبد الله بن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتي الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأيت اليوم رجالاً يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره، ولا زاجره، وما ينبغي أن يوقف عنده، وكل حرف ينادي: أنا رسول الله إليك لتعمل بي، وتتعظ بمواعظي. وفي رواية: فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ولا يدري ما آمره، وما زاجره، وما ينبغي أن يوقف عنده ينثر نثر الدقل (١). يقول الدوسري: فالإيمان الذي أشار إليه ابن عمر ﵁ (وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن .. ) هو الإيمان بأن القرآن إنما أُنزل لتدبر آياته والعمل بما فيه. وذلك الإيمان هو الذي دفع الصحابة رضوان الله عليهم لتحقيق النصيحة لكتاب الله على ذلك الوجه، فكانوا فور نزول السورة أو الآية يبادرون لتعلمها والعمل بها، كما قال ابن عمر في حديثه السابق: وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن نقف عنده منها. وأفاد قول ابن عمر أيضًا: أن سبب التقصير في العمل بكتاب الله يرجع إلى عدم تمكن ذلك الإيمان من القلوب (ولقد رأيت رجالاً يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره .. ) (٢) فالصحابة حين أوتوا الإيمان بقيمة القرآن (لم يكونوا يقرؤونه بقصد الثقافة والاطلاع، ولا بقصد التذوق والمتاع .. لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة فحسب .. وإنما كان يتلقى القرآن ليعرف أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته .. يتلقى الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان الأمر اليومي ليعمل به فور تلقيه) (٣). نقطة البداية الصحيحة: إن الإيمان بقيمة الشيء - أي شيء - هو الذي يولد الانبهار به، والاستسلام له، وفتح منافذ الاستماع والتلقي منه، و العكس صحيح فعدم الإيمان بالشيء يدفع لإغلاق منافذ الاستماع له، وعدم الاكتراث به. بمثل هذا تحدث عيسى ﵇ لبني إسرائيل: ﴿ ... قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩]. أرأيت أخي القارئ بماذا ختمت الآية؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فإن لم تكونوا مؤمنين بي كرسول فلن تستقبلوا هذا الآيات استقبالا صحيحًا. ونفس الأمر بالنسبة للقرآن فإن لم يزدد الإيمان بقيمة القرآن، وبالهدف من نزوله، وبأنه قادر - بإذن الله - على انتشالنا من الوحل الذي نغوص فيه. إن لم يحدث هذا فإن أي كلام يقال عن تدبر القرآن، والتمهل في حفظه، وضرورة التخلق بأخلاقه لن يجد الاستجابة الكافية في نفوس مستمعيه ..

стр. 89

من هنا نقول بأن نقطة البداية الصحيحة للانتفاع بالقرآن هي العمل على زيادة الإيمان به في القلوب. كما يقول الإمام البخاري: لا يجد طعمه إلا من آمن به. فكلما ازداد الإيمان: ازداد التلهف للإقبال عليه، والاستسلام له، والانجذاب نحوه، والانشغال به. فكيف لنا أن نترجم هذا الكلام النظري إلى واقع عملي، ليحدث الوصال بين القلب والقرآن؟! هناك ثلاثة محاور ينبغي أن نسير فيها مجتمعه حتى يتحقق لنا - بمشيئة الله - الهدف الذي نصبو إليه. هذه المحاور هي: أولاً: تقوية الرغبة والدافع للانتفاع الحقيقي بالقرآن . ثانيًا: صدق اللجوء إلى الله والإلحاح عليه لتيسير انتفاعنا بالقرآن. ثالثًا: الإقبال على القرآن، والإكثار من تلاوته، واتخاذ الأسباب والوسائل المعينة على تدبره والتأثر به. وإليك أخي القارئ بعضًا من التفصيل حول هذه المحاور الثلاثة: أولا: تقوية الرغبة والدافع للانتفاع الحقيقى بالقرآن الخطوة الأولى في طريق العودة إلى القرآن، وتوجيه القلب نحو أنواره -كما أسلفنا- هي زيادة الثقة فيه، والتعرف على قيمته الحقيقية، وكيف أنه قادر -بإذن الله- على إحياء قلوبنا وتغيير ما بأنفسنا، والتعرف كذلك على العقبات التي تواجهنا في طريق العودة إليه وكيفية اجتيازها، مع تصحيح المفاهيم الخاطئة التي رسخت في الأذهان عن كيفية التعامل معه .. وكلما ازدادت الثقة في القرآن قويت الرغبة، واشتدت الحاجة، وتولد الدافع القوي للإقبال الصحيح عليه. يقول سيد قطب: الناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل، وبالهدى والضلال .. إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل .. إنما تنقص الناس الرغبة في الحق (١). ويقول السعدي في قوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]: آيات لكل من سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال، فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات (٢). فالرغبة في الشيء تولد الشعور بالاحتياج إليه، ومن ثمَّ الانتفاع به. وإليك أخي القارئ كلمات لأبي الحسن الندوي ﵀ تؤكد هذا المعنى يقول فيها: إن من الشروط الأولية الأساسية للاستفادة من القرآن الكريم والانتفاع به، هو وجود الرغبة إليه، وطلب الاستفادة منه، فمن لم تتحقق عنده الرغبة والطلب ماذا يكون تأثير القرآن فيه؟ إن من سنة الله - تعالى - ونواميسه أنه لا يعطي إلا بالرغبة والسؤال، وللرغبة والسؤال عنده قيمة كبيرة، فالقلق على الوضع الراهن، وعدم الاقتناع به، والجهد للإصلاح والتغيير، والبحث عن الطريق هو أول خطوة عنده في سبيل السعادة (٣). ولعل ما قيل في الصفحات السابقة يستثير لدينا مشاعر الرغبة والاحتياج إلى جوهر القرآن .. لكن هذه الاستثارة لا تكفي لتوليد الدافع القوي للإقبال الصحيح عليه، ومن ثمَّ فمن المتوقع أن تضعف فينا هذه الاستثارة الوقتية شيئًا فشيئًا، ونعود لسابق عهدنا من التعامل الشكلي مع القرآن. لذلك فإن الخطوة الأولى والأساسية في طريق العودة إلى القرآن هي ترسيخ وتعميق الشعور بالرغبة الأكيدة والاحتياج الحقيقي إليه، وهذا يستلزم منا القراءة في بعض الكتب التي تناولت هذا الموضوع والإكثار منها في البداية؛ لتقوم بتغذية وتقوية مشاعر الرغبة وتأججها لينتج عنها دافع قوي ومستمر للإقبال الصحيح على القرآن. والكتب التي تحدثت عن القرآن كثيرة نرشح لك منها - أخي - تلك التي أبرزت قيمة القرآن، وكيفية التعامل الصحيح معه، فمن هذه الكتب:

стр. 90

- أخلاق حملة القرآن لأبي بكر الآجرى. - كيف نتعامل مع القرآن؟ لمحمد الغزالي. - المدخل إلى الدراسات القرآنية لأبي الحسن الندوي. - تدبر القرآن لسلمان بن عمر السنيدي. - مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي. - النبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز. - التذكار في أفضل الأذكار للإمام القرطبي. - منهج السلف في العناية بالقرآن الكريم لبدر بن ناصر البدر. - صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن الكريم لأنس أحمد كرزون. - نظرات في كتاب الله للإمام الشهيد حسن البنا -جمع عصام تليمة. - جيل قرآني فريد من كتاب معالم في الطريق لسيد قطب. - مقومات التصور الإسلامي لسيد قطب. - مقدمة تفسير في ظلال القرآن لسيد قطب. - روائع إقبال لأبي الحسن الندوي. - ما كتبه ابن القيم عن القرآن في كتب: زاد المعاد - الفوائد - مدارج السالكين - مفتاح دار السعادة ... - فضائل القرآن للفريابي. - فضائل القرآن لأبي عبيد الهروي. ولقد أكرم الله كاتب هذه السطور، وتفضل عليه بما لا يستحقه، بأن يسَّر له الكتابة في هذا الموضوع في عدة كتب هي: - العودة إلى القرآن لماذا وكيف؟ - إنه القرآن سر نهضتنا. - بناء الإيمان من خلال القرآن. - كيف نغير ما بأنفسنا؟ - الطوفان قادم .. الله أو الدمار. - عودة المجد .. وَهْم أم حقيقة؟. - الجيل الموعود بالنصر والتمكين. - حقيقة العبودية. - كيف ننتفع بالقرآن؟ فلك أخي القارئ أن تقرأ من هذه الكتب ما تشاء حتى تقوى رغبتك وتشتد حاجتك إلى القرآن، واعلم أن «الإمداد على قدر الاستعداد»، وأن الاستعداد للتلقي يزيد وينقص تبعًا للشعور بالاحتياج، فمن اشتد شعوره بالاحتياج إلى القرآن وقويت في ذلك رغبته ازداد استعداده لذلك التلقي، ومن ثمَّ الإقبال الدائم عليه، فيتحقق تبعًا لذلك الوصال بين القلب والقرآن. المحور الثاني: الإلحاح على الله لا بد أن نوقن بأن الذي سيفتح لنا قلوبنا ليحدث الوصال بينها وبين القرآن هو الله وحده لا شريك له ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]. فلا بد وأن يصدر أولاً القرار الإلهي بالوصال وإلا سيكون حالنا ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤]. ألم يقل سبحانه: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]؟! ومع ذلك، وحتى لا يدَّعي أحد بأن الأمر ليس بيده، وأنه منتظر لهداية ربه، فقد ربط سبحانه بين إمداده وعطائه للعبد، وبين مدى حرص هذا العبد واستعداده لتلقي هذا العطاء ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]. وفي الحديث القدسي يقول تعالى: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» (١). فالجملة الأولى (كلكم ضال إلا من هديته) تحصر وتقصر الهداية على الله ، والجملة الثانية (فاستهدوني أهدكم) تبين دور العبد في استجلاب تلك الهداية، فإن كانت الهداية من الله، إلا أن البداية من العبد يطلبها بلسان حاله أو مقاله. وكما جاء في الأثر عن أبي الدرداء: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال له: يا آدم أحبني وحببني إلى خلقي، ولا تستطيع ذلك إلا بي، ولكن إذا رأيتك حريصًا على ذلك أعنتك عليه (٢) .. عون الله للعبد على قدر عزمه: يقول ابن رجب: عون الله للعبد على قدر قوة عزيمته وضعفها، فمن صمم على إرادة الخير أعانه الله وثبته. على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم ولهذا سمى الله خواصّ الرسل: أولوا العزم. واعلم أن العزيمة على الرشد مبدأ الخير، فإن الإنسان قد يعلم الرشد وليس له عليه عزم.

стр. 91

فالخير كله منوط بالعزيمة الصادقة على الرشد، وهي الحملة الأولى التي تهزم جيوش الباطل، وتوجب الغلبة لجنود الحق، قال أبو حازم: إذا عزم العبد على ترك الآثام، أتته الفتوح. ويكفيك مثالاً لهذا ما حدث من عمر بن عبد العزيز عندما دُفن سليمان بن عبد الملك قُرَّب إليه موكب الخلافة فتركه وركب بغلته، وصار مستصحبا لتلك العزيمة، فعلم الله صدقه فيها فأعانه عليها (١). فهل تريد - أخي- الانتفاع بالقرآن؟! ما عليك إذن إلا أن تستصحب عزيمة صادقة في ذلك، ثم تترجم هذه الرغبة والعزيمة في صورة دعاء وطلب من الله بأن يبلغك مرادك. ترجمة الرغبة: فإن كانت الخطوة الأولى للانتفاع الحقيقي بالقرآن هي اشتداد الرغبة، فإن الخطوة التي تليها .. بل تصحبها .. هي ترجمة هذه الرغبة بالدعاء والتضرع إلى الله بأن يفتح قلوبنا لنور القرآن، ويُعرَّضها لحُسن التأثر به. علينا أن ندعوه - سبحانه - دعاء المضطر الذي يخرج دعاؤه من أعماق أعماق قلبه، كالذي تتقاذفه الأمواج في البحر، فأخذ يصارع الغرق، وليس لديه شيء يتعلق به إلا أمله في الله بأن يستجيب تضرعه، وينقذه من الموت. واعلم - أخي - أن مفتاح الإجابة هو التضرع والحرقة واستشعار الاحتياج الماس لله . يقول ابن رجب: وعلى قدر الحرقة والفاقة تكون إجابة الدعاء (٢). وتذكر - أخي - قوله ﷺ : «إن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» (٣). وعلينا ألا نكتفي بالدعاء والاستغاثة مرة أو مرتين، بل لا بد من الإلحاح والإلحاح على الله بدعاء المضطر مرات ومرات حتى ينفتح الباب. فالله يسمع دعاءنا، ويقدر على إجابته - وإجابة جميع الخلائق - من أول مرة، ولكنه يريد أن يرى منا الصدق في الطلب، وأننا جادون فيما ندَّعى، لذلك فهو قد يؤخر الإجابة اختبارًا لنا، فإن تركنا الباب، وأوقفنا التضرع والدعاء كان ذلك علامة وبيَّنة على عدم صدقنا في أننا بحاجة ماسة لإجابة ما نطلبه من الله، وأن الأمر لا يعدو أن يكون رد فعل لحالٍ طارئة عشنا معها، وتأثرنا بها تأثرًا لحظيًا، لذلك يقول ﷺ : «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي» (٤). ولنعلم جميعًا بأننا لو وصلنا لحالة الاضطرار والحرقة عند الدعاء مرات ومرات، فإن الباب - يقينًا - سيُفتح، والشيطان سيخنس، وشمس القرآن ستشرق في قلوبنا بنور ربها. ومن أهم أوقات الإلحاح على الله ودعائه دعاء المضطر هو ذلك الوقت الذي يسبق قراءة القرآن، فالإلحاح الحار في هذا الوقت من شأنه أن يهيئ القلب لاستقبال القرآن استقبالاً صحيحًا. فكما يقول تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ - فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٣، ١٤]. ومنها كذلك تلك الأوقات التي تستغلق فيها أبواب فهم الآيات علينا.

стр. 92

يذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في سياق هجرة عمر بن الخطاب مع عياش ابن ربيعة، وهشام بن العاص ﵃ (ولقد حبس الكفار هشامًا عن الهجرة، واستطاع أبو جهل أن يرد عياشًا إلى مكة بعد حيلة ماكرة وخطة غادرة .. وقد كان شائعًا بين المسلمين أن الله لا يقبل ممن افتتن توبة، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأنزل الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذى طوى أصعد بها وأصوب، ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهمنيها، فألقى الله في قلبي أنها إنما أُنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة (١). ويقول الإمام ابن تيمية عن نفسه: ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة وأمرغ وجهي في التراب، وأسأل الله وأقول: يا معلم إبراهيم فهمني (٢). فإذا عزم الأمر: لقد مر علينا في قصة إسلام أسيد بن حضير، قول أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير عندما رأى أُسيدًا يقبل عليهما بوجه غاضبًا: «أصدق الله فيه». فلما صدق مصعب الله في أسيد: انفتح قلبه، وانشرح صدره، وانفرجت أساريره، ودخل في الإسلام. وهذا هو بيت القصيد: أن نصدق الله في طلب الانتفاع الحقيقي بالقرآن. ألم يقل سبحانه: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢١]. فالأمر قد عزم الآن، ولا يبقى إلا الصدق مع الله، ودوام الإلحاح عليه، وأن يكون حالنا معه - سبحانه - كحال الطفل الذي يريد حاجة من أبيه، فلا تجده ييأس أبدًا من طلب حاجته رغم رفض أبيه المتكرر، ويظل الطفل في إلحاحه المستمر ويظل أبوه يرفضه حتى يتحول الرفض إلى استجابة أمام ذلك السيل من الإلحاح .. ولله المثل الأعلى، فلنصدق الله في طلبنا، ولنلح عليه في الطلب، فإن تأخرت الإجابة فعلينا ألا نيأس، فربنا أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، وهو ينتظر منا أي التفاتة نحوه ليقبل علينا، فإن تأخر الإمداد، فلحكمة يعلمها هو، ولخير كبير ينتظرنا شريطة ألا نبرح بابه، وأن نستمر في الإلحاح عليه، مع إظهار عظيم افتقارنا وحاجتنا إلى جوده. أخي: أتظن أنك إن مرَّغت وجهك في التراب، فاختلط به دمعك، واشتد نحيبك وتضرعك إلى الله في طلبك للوصال بين قلبك والقرآن، ... أتظن أن ربك يعرض عنك، ولا يستجيب لطلبك؟! المحور الثالث: الإكثار من تلاوة القرآن بتفهم وترتيل وصوت حزين المحور الثالث الذي ينبغي أن يسير جنبا إلى جنب بجوار المحورين السابقين هو الإكثار من تلاوة القرآن بتفهم وترتيل وصوت حزين. وقبل أن نتحدث عن الوسائل العملية المعينة على الفهم والتأثر بالقراءة ننقل إليك - أخي القارئ- بعض تجارب ونصائح المصلحين في هذا الشأن. محمد إقبال:

стр. 93

يقول أبو الحسن الندوي: لقد كانت قراءة محمد إقبال للقرآن قراءة تختلف عن قراءة الناس، ولهذه القراءة الخاصة فضل كبير في تذوقه للقرآن، واستطعامه إياه. وقد حكى قصته لقراءة القرآن. قال: «قد كنت تعمدت أن أقرأ القرآن بعد صلاة الصبح كل يوم، وكان أبي يراني، فيسألني: ماذا أصنع؟ فأجيبه: أقرأ القرآن، وظل على ذلك ثلاث سنوات متتاليات يسألني سؤاله، فأجيبه جوابي، وذات يوم قلت له: ما بالك يا أبي! تسألني نفس السؤال وأجيبك جوابًا واحدًا، ثم لا يمنعك ذلك عن إعادة السؤال من غدٍ؟ فقال: إنما أردت أن أقول لك: يا ولدي؛ اقرأ القرآن كأنما نُزَّل عليك. ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأقبل عليه، فكان من أنواره ما اقتبست، ومن درره ما نظمت» (١). حسن البنا: من وصايا الإمام حسن البنا في كيفية الانتفاع بالقرآن: «واجتهد أن تقرأ في الصلاة وغيرها على مُكث وتمهُّل، وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد والنغمات، من غير تكلف ولا تطريب، أو اشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية أو الصلاة الجهرية، فإن ذلك يُعين على الفهم، ويثير ما غاص من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبر وخشوع» (٢). وكان يُصدِّر مقاله الأسبوعي التفسيري بجريدة الإخوان الأسبوعية بعبارة موضوعة في برواز يقول فيها: «بين القرآن وبين القلوب المؤمنة صلة قوية، يفتح أمامها خزائن أسراره، فرجاؤنا للقارئ الكريم أن يتلو الآيات مرارا، مستحضرًا قلبه، محاولاً الوصول إلى معناها قبل قراءة التفسير، ثم يقرؤه بعد ذلك، فسيعرف بذلك كيف يتفهم كتاب الله من غير واسطة» (٣). سيد قطب: أما سيد قطب ﵀ فقد تحدث كثيرًا عن القرآن وكيفية الانتفاع به، فمن أقواله: إن هذا القرآن ينبغي أن يقرأ، وأن يُتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعي، وينبغي أن يُتدبر على أنه توجيهات حية، تتنزل اليوم، لتعالج مسائل اليوم، ولتنير الطريق إلى المستقبل. لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل، أو أنه سجل لحقيقة مضت ولن تعود. ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا، كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تتلقاه لتلتمس عنده التوجيه الحاضر في شؤون حياتها الواقعة .. وحين نقرأ القرآن بهذا الوعي سنجد عنده ما نريد. وسنجد فيه عجائب لا تخطر على البال الساهي! سنجد كلماته وعباراته وتوجيهاته حية تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق .. وتقول لنا حديثا طويلاً مفصلاً دقيقًا في كل ما يعرض لنا من الشؤون .. وسنجد عندئذ في القرآن متاعًا وحياة، وسندرك معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (٤). أبو الحسن الندوي: ويتحدث الندوي عن تجربته مع القرآن فيقول: إن للمؤلف تجربة عملية، واقتراحًا مخلصًا، في صدد الصلة الشخصية المباشرة بالقرآن الكريم، والعلاقة القوية معه، وتذوقه والتجاوب معه، والاستفادة منه أكثر وأكثر، والتقرب به إلى الله، والرقي عن طريقه في مدارج التوفيق.

стр. 94

وهو أنه ينبغي أن يشتغل بالقرآن - قدر المستطاع - مباشرة بدون وساطة، ويتلو متنه أكثر ما يمكن، ويستمتع بقراءته، ويتذوق ويتدبر في معانيه، فإذا كان القارئ قد حصَّل من العربية ما يحتاج إليه، وتمكن من فهم القرآن الكريم مباشرة، فعليه بقراءته وفهمه مباشرة، وإلا فليرجع إلى الحواشي والملاحظات التفسيرية المختصرة، ويحاول تلاوة القرآن الكريم، وفهمه وتدبره وتذوقه من دون اعتماد وتعويل دائم على تفسير إنساني ومراجعة كثيرة لكتب التفاسير، ويكتفي بذلك إلى مدةٍ ما من الزمن، ويحمد الله - تعالى - على ما يفتحه عليه من فهم كتابه، وما يوفق إليه من تلاوته، حمدًا كثيرًا (١). وسائل عملية معينة على الانتفاع بالقرآن: وبعد أن نقلنا لك - أخي القارئ - بعض تجارب ووصايا المصلحين في كيفية الانتفاع بالقرآن يبقى الحديث عن الوسائل المعينة لتحقيق الوصال بين القلب والقرآن بصورة عملية، ولقد تم ذكر هذه الوسائل بشيء من التفصيل في كتاب «بناء الإيمان من خلال القرآن»، وكتاب «حقيقة العبودية»، وغيرهما، ولتمام الفائدة، نذكرها هنا باختصار: أولاً: الإلحاح على الله بأن يفتح قلوبنا لأنوار كتابه، وأن يكرمنا ويعيننا على التدبر والتأثر، ولقد تقدم الحديث عن أهمية الإلحاح على الله في المحور الثاني، ونعيد ذكره هنا باعتبار أن القيام به أمر ضروري قبل الشروع في تلاوة القرآن وذلك لأهميته وفائدته العظيمة في استثارة مشاعر الرغبة في الانتفاع بالقرآن، وتهيئة القلب لاستقباله. ثانيًا: الإكثار من تلاوة القرآن، وإطالة فترة المكث معه، وعدم قطع القراءة بأي أمر من الأمور -ما أمكن ذلك- حتى لا نخرج من جو القرآن، وسلطان الاستعاذة، خاصة في البداية، ويُفضل أن يكون اللقاء بالقرآن في مكان هادئ -قدر المستطاع- وبعيدًا عن الضوضاء ليساعد المرء على التركيز وعدم شرود الذهن، ولا ننسى الوضوء والسواك قبل القراءة فهي أيضًا من المعينات. ثالثًا: القراءة من المصحف وبصوت مسموع وبترتيل: فالترتيل له وظيفة كبيرة في الطَّرْق على المشاعر ومن ثمَّ استثارتها وتجاوبها مع الفهم الذي سيولده التدبر، لينشأ بذلك الإيمان حينما يتعانق الفهم مع التأثر. وهنا تبرز أهمية تعلم أحكام التلاوة حتى تتحقق الفائدة من الترتيل. فلا بد وأن يجتهد كل منا في تعلم أحكام التلاوة والنطق الصحيح للآيات في أسرع وقت حتى يتسنى له الانتفاع بالقرآن. رابعًا: القراءة الهادئة الحزينة: علينا ونحن نرتل القرآن، أن نُعطي الحروف والغُنَّات والمدود حقها حتى يتيسر لنا معايشة الآيات وتدبرها والتأثر بها، وعلينا كذلك أن نقرأ القرآن بصوت حزين لاستجلاب التأثر. خامسًا: الفهم الإجمالي للآيات من خلال إعمال العقل في تفهم الخطاب، وهذا يستلزم منا التركيز التام مع القراءة. وليس معنى إعمال العقل في تفهم الخطاب أن نقف عند كل كلمة ونتكلف في معرفة معناها وما وراءها، بل يكفي المعنى الإجمالي الذي تدل عليه الآية حتى يتسنى لنا الاسترسال في القراءة ومن ثمَّ التصاعد التدريجي لحركة المشاعر فتصل إلى التأثر والانفعال في أسرع وقت. سادسًا: الاجتهاد في التعامل مع القرآن كأنه أنزل عليك، وكأنك المخاطب به، والاجتهاد كذلك في التفاعل مع هذا الخطاب من خلال الرد على الأسئلة التي تتضمنها الآيات، والتأمين عند مواضع الدعاء، .. وهكذا.

стр. 95

سابعًا: تكرار وترديد الآية أو الآيات التي حدث معها تجاوب وتأثر قلبي حتى يتسنى للقلب الاستزادة من النور الذي يدخل، والإيمان الذي ينشأ في هذه اللحظات، ويستمر ترديد وتكرار تلك الآية أو الآيات حتى يتوقف التأثر والانفعال، فكما قيل: الآية مثل التمرة كلما مضغتها، استخرجت حلاوتها. ولا بأس من وجود تفسير مختصر بجوارنا لجلاء شبهة أو معرفة معنى دق علينا فهمه، وإن كان من الأفضل الرجوع إليه بعد انتهاء القراءة حتى لا نخرج من جو القرآن والانفعالات الوجدانية التي نعيش في رحابها إلا إذا ألحت علينا كلمة نريد معرفة معناها في الحال. فإن داومنا على هذه الوسائل - أخي القارئ - وثابرنا عليها وسرنا بها جنبا إلى جنب مع المحورين السابقين (تقوية الرغبة والإلحاح على الله)، فلنبشر جميعًا بقرب شروق شمس القرآن على قلوبنا لتبدأ معها حياة جديدة تكسوها السكينة والطمأنينة، وروح جديدة وثابة تواقة لفعل الخير، وأهم من هذا كله التجلبب بجلباب العبودية، والرضا بالله ربا، والاكتفاء به، والاستغناء عن الناس. كل هذا، أخي الحبيب، وغيره من الثمار العظيمة ينتظرنا جميعًا إن نحن أحسَنَّا الإقبال على القرآن وداومنا على ذلك. فكلما أعطينا للقرآن حقه أعطانا من خيره وكنوزه التي لا نهاية لها، فلو كان البحر مدادًا والأشجار أقلامًا، تكتب ما يحمله كلام الله من معانٍ هادية، لنفد البحر قبل أن تنفد أسرار ومعاني هذا الكلام. وأعلم -أخي- بأننا إذا أحسنَّا الإقبال على القرآن، وأكثرنا من تلاوته بالليل والنهار، فسنجد - بعون الله - لذة المناجاة، وسنأنس بكلام الله أكثر من أُنسنا بأي شيء آخر، وستأتينا الفتوحات من حيث لا نحتسب. * * *

стр. 96

كلمة أخيرة لكل مسلم

стр. 97

كلمة أخيرة لكل مسلم أخي ... هل تبحث مثلي عن السعادة والطمأنينة وراحة البال؟! هل تتوق إلى الربانية والقرب من الله؟! هل تريد لقلبك أن يحيا حياته الحقيقية؟! ها هو القرآن يدعونا جميعًا لذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. إن القرآن ينبت الإيمان في القلوب مهما بلغت قسوتها، ويُشربها محبة الله، وخشيته، ومهابته حتى يصير حبه - سبحانه - أحب الأشياء إليها، وخشيته أخوف الأشياء لديها. إنه روح القلوب وقوتها .. من فقده فقد أضاع على نفسه فرصة عظيمة للحياة الحقيقية، والسعادة، والرضا، ودخول جنة الدنيا. واعلم أخي أن هذا ليس كلاما نظريا إنشائيًا تُسوَّد به الصفحات، بل هو حقيقة لا ينقص ظهورها في عالم الواقع سوى أن نتخذ القرار الآن بالانتفاع الحقيقي بالقرآن. نعم، الآن علينا أن نعزم على ذلك، ثم نتجه إلى الله نتضرع إليه ونستغيث به استغاثة المشرف على الغرق بأن يفتح قلوبنا لأنوار القرآن .. ثم نقبل مباشرة على القرآن نقرؤه قراءة جديدة .. قراءة الباحث عن الهداية والشفاء والتغيير، وأن نداوم على ذلك ما وسعنا الوقت والجهد. فيقينا إن ثابرنا على ذلك فستشرق قلوبنا بنور القرآن، وسَتدبُّ الروح في صدورنا، لتبدأ الحياة الجديدة، والولادة الحقيقية .. ولادة القلب الحي الذي إذا ما وُجد: وُجدت معه أسباب النجاح والفلاح جميعًا. وتذكر أخي أن صلاح الأمة متوقف على صلاحي وصلاحك، وصلاحنا لن يكون إلا بالإيمان أولا، والقرآن هو العمود الفقري لهذا الإيمان. فماذا ننتظر بعد ذلك؟! ماذا ننتظر وقد دخلت الأمة إلى الغار، وقد سقطت صخرة عظيمة فأغلقت بابه، والكل يستصرخ وينادي: هل إلى خروج من سبيل؟ فهل نكتفي بارتداء الأكفان، و انتظار الموت، أم نبحث عن مخرج من هذا الغار؟! إن الدليل الذي سيقودنا إلى الخروج موجود لكنه مهجور. إن القائد الذي نبحث عنه قريب منا، وأهل لإخراجنا من الغار. إنه القرآن .. إي وربي القرآن .. هكذا أخبرنا ربنا وأرشدنا نبينا ﷺ . فهيا يا أخي .. هيا نبدأ بأنفسنا أولاً فنأخذ الدواء، و نزحزح الصخرة لنخرج من الغار ونرى شمس النهار، ونستنشق النسيم النقي، فيحيا القلب، وتسكن النفس، ثم نعود لنأخذ بأيدي إخواننا فنخرجهم من هذه الظلمات بإذن الله. ألا قد بلغت، اللهم فاشهد. وصلَّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. * * *

стр. 98

المراجع - القرآن الكريم. - الإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي - دار الندوة الجديدة - بيروت. - إحياء علوم الدين - أبو حامد الغزالي - دار الحديث - ط ١ - ١٤١٢هـ. - أخلاق حملة القرآن - أبو بكر الآجرى - دار الكتاب العربي - لبنان. - استنشاق نسيم الأنس - ابن رجب الحنبلي - المكتب الإسلامي - ط١ - ١٤١١هـ. - إغاثة اللهفان - ابن قيم الجوزية - المكتب الإسلامي - بيروت - ط٢ - ١٤٠٩هـ. - الانتصار للقرآن - القاضي الباقلاني - دار ابن حزم - بيروت - تحقيق د. محمد عصام القضاه. - آيات الخشوع في القرآن - عبد الله المغربي - بيت الأفكار الدولية - الأردن. -البداية والنهاية - الحافظ ابن كثير - دار الفجر للتراث - القاهرة - ط١ - ٢٠٠٣. - البرهان في علوم القرآن - الزركشي - دار الحديث - القاهرة - ١٤٢٧هـ. - التبيان في أقسام القرآن - ابن قيم الجوزية - دار الإيمان - الاسكندرية. - التحفة العراقية في الأعمال القلبية- ابن تيمية - المطبعة السلفية - القاهرة - ط٣ - ١٤٠٢. - تدبر القرآن - سليمان بن عمر السنيدي - المنتدى الإسلامي - ط١ - ١٤٢٢هـ. - التوحيد والوساطة في التربية الدعوية - فريد الأنصاري - دار الكلمة - المنصورة - مصر. - التذكار في أفضل الأذكار - القرطبي - مكتبة دار البيان - دمشق - ط٣ - ١٤٠٧هـ. - التصوير الفني في القرآن - سيد قطب - دار الشروق - القاهرة. - التعبير القرآني والدلالة النفسية - عبد الله الجيوسي - دار الغوثاني - دمشق - ط٢ - ٢٠٠٧. - تفسير القرآن العظيم - الحافظ ابن كثير - مكتبة العبيكان - بيروت - ط٢ - ١٤١٧هـ. - تفسير سورة الفاتحة وجزء عم - الإمام محمد عبده - الهيئة العامة لقصور الثقافة - مصر. - تلبيس إبليس - ابن الجوزي - المطبعة المنيرية - القاهرة. - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان- عبد الرحمن السعدي - مؤسسة الرسالة - ط١ - ١٤٢٠هـ. - جامع بيان العلم وفضله - ابن عبد البر -دار ابن الجوزي - السعودية ط٣ - ١٩٩٧. - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي - دار الكتب العلمية - بيروت - ط٥ - ١٤١٧هـ. - جامع العلوم والحكم - ابن رجب الحنبلي - دار ابن الجوزي- السعودية - ط٢ - ١٤٢٠هـ. - حديث القرآن عن القرآن - محمد الراوي - مكتبة العبيكان - الرياض - ط١ - ١٤١٥هـ. - حسن البنا ومنهجه في التفسير - دار التوزيع والنشر الإسلامية - القاهرة. - الحوادث والبدع - أبو بكر الطرطوشي - دار المغرب الإسلامي - ط١ - ١٤١٠هـ. - حياة الصحابة - محمد يوسف الكاندهلوي - شركة الرياض - السعودية- ط١ - ١٩٩٨. - الدر المنثور في التفسير بالمأثور - للسيوطي - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ٢٠٠٠م. - الذل والانكسار للعزيز الجبار - ابن رجب - مكتبة التوعية الإسلامية - القاهرة - ط١ - ١٤١٤هـ. - رسائل من السجن لابن تيمية - دار الأرقم - الكويت - ط٣ - ١٤٠٧. - رهبان الليل - سيد العفاني - مكتبة ابن تيمية - القاهرة - ط٤ - ١٤١٨هـ. - روائع إقبال - أبو الحسن الندوي - دار القلم - دمشق - ط١ - ١٤٢٠هـ. - زاد المعاد في هدى خير العباد - ابن القيم - مؤسسة الرسالة - بيروت.

стр. 99

- الزهد - عبد الله بن المبارك - تحقيق أحمد فريد - دار العقيدة - الإسكندرية - ط١٤ - ١٤٢٥. - الزواجر عن اقتراف الكبائر - ابن حجر المكي الهيثمي - دار الشعب - القاهرة - ١٤٠٠هـ. - سلسلة الأحاديث الصحيحة - محمد ناصر الدين الألباني - مكتبة المعارف - الرياض - ١٤١٥هـ. - سلسلة الأحاديث الضعيفة - محمد ناصر الدين الألباني - مكتبة المعارف - الرياض. - سير أعلام النبلاء - الحافظ الذهبي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط١ - ١٤٢٩هـ. - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي - مصطفى السباعي - المكتب الإسلامي - بيروت - ط٤ - ١٤٠٥. - السيرة النبوية - ابن هشام - دار التراث العربي - القاهرة. - سنن الدارمي - دار المعرفة - بيروت - ط١ - ١٤٢١هـ. - صحيح الجامع الصغير وزيادته -الألباني - المكتب الإسلامي - دمشق - ط٣ - ١٤٠٨. - صحيح مسلم بشرح النووي - دار المعرفة - بيروت - ط٣ - ١٤١٧هـ. - صحابة رسول الله ﷺ وجهودهم في تعليم القرآن الكريم- أنس أحمد كرزون - دار ابن حزم - بيروت. - عظمة القرآن الكريم - محمود الدوسري - دار ابن الجوزي - السعودية - ط١ - ١٤٢٦هـ. - عون المعبود شرح سنن أبي داود - شمس الحق آبادي - دار الكتب العلمية - بيروت ط ١ - ١٤١٠هـ. - فتح الباري- ابن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ١٤١٠هـ. - فضائل القرآن - أبو عبيد القاسم الهروي - دار ابن كثير - دمشق - ط٢ - ١٤٢٠هـ. - فضائل القرآن - ابن كثير - دار المعرفة - بيروت - ط٢ - ١٤٠٧هـ. - فضائل القرآن - ابن الضريس - دار الفكر - دمشق. - فضائل سور القرآن الكريم - إبراهيم على السيد عيسى - دار السلام - القاهرة - ط٢ - ٢٠٠٥. - فضائل القرآن - للفريابي - مكتبة الرشد - الرياض - ط٢ - ١٤٢١هـ. - فضائل القرآن - المستغفري - تحقيق أحمد إسلوم- دار ابن حزم - بيروت - ط١ ٢٠٠٦م. - فضل علم السلف على الخلف - ابن رجب الحنبلي - دار الحديث- القاهرة. - في ظلال القرآن - سيد قطب - دار الشروق - القاهرة - ط١٥ - ١٤٠٨ هـ. - فقة السيرة - محمد الغزالي - دار القلم - دمشق - ط٦ - ١٤١٦ هـ. - فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ١٤١٥ هـ. - قاعدة في فضائل القرآن - ابن تيمية - مكتبة الظلال - الإحساء - السعودية. - كليات رسائل النور - إشارات الإعجاز - النورسي - شركة سوزلر- القاهرة- ط١ - ٢٠٠٤م. - كليات رسائل النور - سيرة ذاتية - النورسي - شركة سوزلر - القاهرة - ط٤ - ٢٠٠٤. - كيف نتعامل مع القرآن؟ - محمد الغزالي - دار الوفاء - مصر - ط٢ - ١٤١٢ هـ. - كيف نتعامل مع القرآن العظيم - يوسف القرضاوي - دار الشروق - مصر. - كن كابن آدم - جودت سعيد - دار الفكر - دمشق - ط١ - ١٤١٩. - لمحات الأنوار ونفحات الأزهار - الغافقي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ط١ - ١٩٩٧م. - لمحات من تاريخ السنة - عبد الفتاح أبو غدة - مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب - ط١ -

стр. 100

- مباحث في علوم القرآن - مناع القطان - مؤسسة الرسالة - ط٢١ - ١٤٠٧ هـ. - مجموع رسائل ابن رجب - الفاروق الحديثة - شبرا - القاهرة - ٢٠٠٢م. - المحاور الخمسة في القرآن - محمد الغزالي - دار الوفاء - مصر - ط٢ - ١٩٨٩. - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - الهيثمي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٠٨ هـ. - مدارج السالكين - ابن قيم الجوزية - دار الكتب العلمية - بيروت. - مختصر قيام الليل - محمد بن نصر المروزي - مؤسسة الرسالة - ط٢ - ١٤١٤ هـ. - المدخل لدراسة القرآن الكريم - محمد أبو شهبة. طبعة خاصة بالمؤلف. - المدخل إلى الدراسات القرآنية - أبو الحسن الندوي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط١ - ٢٠٠٤. - المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز - أبو شامة - دار صادر - بيروت - ١٩٧٥م. - مع القرآن وحملته في حياة السلف الصالح - عبيد الشعبي - دار الوطن للنشر - السعودية. - معالم في الطريق - سيد قطب - دار الشروق - القاهرة - ط١٠ - ١٤٠٣ هـ. - المعجزة القرآنية - محمد حسن هيتو - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط٣ - ١٤١٩ هـ. - مقدمة في أصول التفسير - ابن تيمية - دار التراث الإسلامي القاهرة. - مقومات التصور الإسلامي - سيد قطب - دار الشروق - القاهرة. - منهج السلف في العناية بالقرآن الكريم - بدر ناصر البدر - دار الفضيلة - المنصورة- ط١ - ١٤٢٤ هـ. - نظرية الإعجاز القرآني - أحمد سيد عمار - دار الفكر - دمشق - ط١ - ١٩٩٨. - نظرات في كتاب الله للإمام الشهيد حسن البنا - جمع عصام تليمة - دار التوزيع والنشر - القاهرة. - هجر القرآن (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن) - محمد فتحي، محمود الملاح - دار طيبة الخضراء - مكة. - مجلة زهور المصرية - العدد ٧٨ - السنة السابعة - ربيع الآخر ١٤٢٨ - مايو ٢٠٠٧. - مجلة الإخوان المسلمين - العدد (٢١) السنة الأولى -١٨ - رمضان - ١٣٦٢هـ - ١٨ سبتمبر - ١٩٤٣، نقلا من موقع إخوان أون لاين. * * *