كيف نحب الله
ونشتاق إليه؟
مجدي الهلالي
www.alemanawalan.com
стр. 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٨هـ - ٢٠٠٧م
رقم الإيداع: ٢٥١٢١/ ٢٠٠٦
الترقيم الدولي: I.S.B.N
٩٧٧ - ٤٤١ - ٠٠٩ - ٢
مؤسسة اقرأ
للنشر والتوزيع والترجمة
١٠ ش أحمد عمارة - بجوار حديقة الفسطاط
القاهرة ت: ٥٣٢٦٦١٠ ... محمول:٠١٠٢٣٢٧٣٠٢ - ٠١٠١١٧٥٤٤٧
www.iqraakotob.com
Email:info@iqraakotob.com
стр. 3
المقدمة
بالله أستعين
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد ..
الحب - كما نعلم - جزء أصيل من مشاعر الإنسان، وهو معاملة قلبية يشعر من خلالها المرء بميله وانجذابه إلى الآخر.
والواقع المشاهد يخبرنا بأنه عندما يتمكن الحب في القلب بين شخصين فإننا نجد آثار هذا الحب بادية في تعامل أحدهما مع الآخر، فتجد كلاً منهما يكثر من ذكر محبوبه، ويشتاق دومًا إلى رؤيته، ويرغب في الخلوة به، ويأنس بقربه، ويغضب من أجله، ويغار عليه .. يُقرَّب من يحبه محبوبه، ويُبعد من يبعده, يطيع أوامره بسعادة وحبور، ويضحي من أجله، ويفرح بهداياه مهما صغرت.
فهذه وغيرها بعض آثار الحب عندما يتمكن من قلوب البشر تجاه بعضهم البعض.
فكيف ينبغي أن تكون هذه الآثار عندما يصبح المحبوب هو المحبوب الأعظم؟!
كيف يكون حال من يتمكن حب الله من قلبه؟!
بلا شك أن آثارًا عظيمة ستظهر على هذا المحب الصادق لمولاه , ستراه دومًا يكثر من ذكره ويأنس بقربه، ويستوحش مما سواه، ويحب الخلوة به ومناجاته, يسارع في طاعته ويعمل دومًا على رضاه, يغار على محارمه، ويغضب من أجله, يفرح بعطاياه ويشكره دومًا عليها, يضحي بالغالي والرخيص من أجله، يرضى بكل ما يقضيه له، ويبذل غاية جهده في خدمته، ويشتاق دومًا إلى رؤيته.
ولكننا نحب الله !
فإن قال قائل: ولكننا نحب الله ومع ذلك لا نشعر بكل هذه العلامات.
نعم، في القلوب حب لله ، ولكنه في الغالب لم يصل للدرجة التي تهمين وتسيطر على المشاعر وتحتل الجزء الأكبر منها، فمع وجود قدر من حب الله في القلب إلا أن هناك محاب أخرى تشوش عليه، وتنازعه المكان مثل حب المال والزوجة والأولاد والنفس و ...
وليس معنى هذا أن المطلوب هو تجريد مشاعر الحب من هذه الأمور، بل المطلوب أن يكون حب الله أكبر منها جميعًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] فإن لم يحدث هذا فلن تظهر تلك العلامات، وهذا ما أكده ﷺ بقوله: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» (١) .. الحديث.
فلكي يجد المؤمن حلاوة الإيمان لا بد أن تكون مساحة حب الله في قلبه أكبر من مساحة حبه لما سواه من المحاب الأخرى مجتمعة.
المعرفة طريق المحبة
المحبة ما هي إلا صورة من صور المعاملة التي ينبغي أن يعامل بها العبد ربه، وأكبر عامل يؤثر ويحدد درجة المعاملة هو المعرفة.
فكلما ازدادت المعرفة بالله تحسنت درجة معاملة العبد له، وازداد له حبًا وإجلالا وهيبة وخشية، وفي المقابل عندما يجهل الإنسان ربه، ولا يعرف قدره فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى أن يعامله معاملة لا تليق بجلاله وكماله، فيخشى الناس أكثر مما يخشاه، ويحب نفسه وماله وعقاراته أكثر مما يحب ربه، ويجتهد في التزيُّن للآخرين دون أن يبالي بربه.
стр. 4
فالسبب الأول لإعراض الناس عن الله، واستهانتهم بأوامره هو جهلهم بقدره سبحانه .. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢،٢٣].
ويؤكد الحافظ ابن رجب على أن المعاملة على قدر المعرفة بقوله:
لا قوت للقلب والروح، ولا غذاء لهما سوى معرفة الله تعالى، ومعرفة عظمته وجلاله وكبريائه. فيترتب على هذه المعرفة: خشيته، وتعظيمه، وإجلاله، والأنس به، والمحبة له، والشوق إلى لقائه، والرضا بقضائه (١).
المعرفة النافعة
المعرفة المؤثرة النافعة ليست تلك التي تخاطب العقل فقط، فالكثير من الناس يتحدث عن الله حديثًا جميلا ومبهرًا، فإذا ما نظرت لواقعه وجدت فعله بعيدًا عن قوله فلا خشية ولا تقوى ولا مهابة ولا إجلال لله ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].
فإن أردنا معرفة تؤثر في المعاملة فلا بد أن يتم مخاطبة العقل والقلب معًا، وأن تستمر تلك المخاطبة حتى يستقر مدلولها في قلب ومشاعر الإنسان فتُشكل مقامًا إيمانيًا مستقرًا في القلب يظهر أثره في سلوك العبد وأعماله ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤].
معنى ذلك أن الطريق الأساسي لرحلة المحبة يبدأ من بوابة المعرفة الحقة بالله ، على أن تخاطب تلك المعرفة: الفكر والوجدان.
يقول ابن تيمية: وأصل المحبة هو معرفة الله (٢).
ومع هذه المعرفة، لا بد من القيام بأعمال تؤكد وترسخ مدلول الحب في قلوبنا فيزداد استقرارًا وهيمنةً على مشاعرنا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦].
وفي الصفحات القادمة سيكون الحديث بمشيئة الله عن أهمية المحبة وثمارها ونقطة البداية لرحلة المحبة مع ذكر بعض الوسائل العملية التي من شأنها أن تسير بنا قُدمًا في طريق حب الله ، لعلنا نستنشق نسيم الأنس به في الدنيا، فتزداد قلوبنا شوقًا إليه سبحانه، لتكون أسعد لحظاتنا تلك اللحظات التي تقُبض فيها أرواحنا ونبشر من الملائكة بلقاء الحبيب جل وعلا وهو راض عنا.
* * *
стр. 5
تمهيد لابد منه
حول علاقة المحبة بالعبودية
والتحذير من التركيز عليها
دون غيرها من ألوان العبودية
стр. 6
تكامل العبودية
العبودية الحقة لله تعني في حقيقتها اتجاه الجزء الأكبر من مشاعر العبد نحوه سبحانه، حتى ينعكس ذلك على معاملته له بمقتضى الحال التي يعيشها والأحداث التي يمر بها، ليتمثل فيه قوله ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (١).
هذه هي العبودية الحقة من المؤمن لله , أن يعبده سبحانه، وتتجه مشاعره نحوه حسب الحالة التي يمر بها، فتجده يتقلب بين الخوف والرجاء والرضا والفرح والانكسار و ...
أما العبودية الناقصة فهي تتمثل في التركيز على جانب أو جوانب بعينها وترك أخرى، فهذا الأمر له أضرار كثيرة، ومنزلقات خطيرة.
يقول ابن رجب: وقد عُلم أن العبادة إنما تنبني على ثلاثة أصول: الخوف والرجاء والمحبة، وكل منها فرض لازم، والجمع بين الثلاثة حتم واجب، فلهذا كان السلف يذمون من تعبد بواحد منها وأهمل الآخرَين.
فإن بدع الخوارج ومن أشبههم إنما حدثت من التشديد في الخوف والإعراض عن المحبة والرجاء.
وبدع المرجئة نشأت من التعلق بالرجاء وحده، والإعراض عن الخوف. وبدع كثير من أهل الإباحة والحلول - ممن ينسب إلى التعبد - نشأت من إفراد المحبة والإعراض عن الخوف والرجاء (٢).
سياج المحبة
معنى ذلك أن عبادة الله بالمحبة فقط لها مخاطرها ومنزلقاتها.
يقول ابن تيمية: الحب المجرد تتبسط النفوس به حتى تتسع في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله، حتى قالت اليهود والنصاري ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] (٣).
لذلك كان مقياس المحبة الصادقة لله هو ظهور علاماتها التي بينها الله في كتابه، وبينها رسوله في سنته والتي سيأتي بيانها بشيء من التفصيل في الصفحات القادمة.
يقول ابن تيمية:
فاتباع سنة الرسول ﷺ واتباع شريعته هي موجب محبة الله، كما أن الجهاد في سبيله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه هو حقيقتها، كما في الحديث «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (٤).
وكثير ممن يدَّعي المحبة هو أبعد من غيره عن اتباع السنة، وعن الأمر بالمعروف، وعن النهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ويدَّعي مع هذا أن ذلك أكمل لطريق المحبة من غيره، لزعمه أن طريق المحبة لله ليس فيه غيرة، ولا غضب لله، وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة، ولهذا في الحديث المأثور: «يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٥).
فقوله: أين المتحابون بجلال الله، تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه والتحاب فيه، وبذلك يكونون حافظين لحدود الله، دون الذين لا يحفظون حدوده لضعف الإيمان في قلوبهم (٦).
ضرورة التوازن
لا بد إذن من التوازن بين ألوان العبودية، وأن نقرأ الأحاديث والأخبار الواردة في كل باب من أبواب العبودية لله فنضعه في حجمه المناسب، وألا نجعل جانبًا يطغى على الآخر.
قال ﷺ : «لو تعلمون قدر رحمة الله لاتكلتم وما عملتم من عمل، ولو علمتم قدر غضبه ما نفعكم شيء» (٧).
فكما أنه ينبغي للمسلم أن يفتح لقلبه بابًا لحب الله والرجاء فيه، فعليه كذلك أن يفتح بابًا للخوف منه سبحانه وخشيته.
لا بد من فتح هذين البابين لكي نحقق مراد الله في قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ [الذاريات:٥٠].
فمن رجا شيئًا طلبه، ومن خاف شيئًا هرب منه, فعلينا أن نطلب رضا الله ومحبته والقرب منه، ونفر من كل ما يغضبه فنحقق بذلك حقيقة الفرار إلى الله.
أما إذا فتحنا باب الخوف فقط فسيكون الفرار من الله لا إليه، وفي المقابل فإن العكس يخدع النفس ويدفعها للغرور.
قال أبو سليمان: من حَسُن ظنه بالله ثم لا يخاف الله فهو مخدوع (٨).
стр. 7
وهذا أحد السلف وهو عبد الواحد بن زيد يسأل زياد النميري: ما منتهى الخوف؟
قال: إجلال الله عن مقام السيئات.
فقال: ما منتهى الرجاء؟
قال: تأمل الله على كل الحالات (١).
رحلة المحبة
ولأننا في هذه الصفحات نتناول عبودية المحبة، وكيف ننميَّها في قلوبنا، فإن الحديث سيكون بمشيئة الله وعونه منصبًا على كل ما يستثير مشاعر الحب لله والرجاء فيه، لذلك أطلب منك ومن نفسي - أخي القارئ - ألا تنسى هذه الكلمات التي تم ذكرها في هذا التمهيد وأنت تقرأ الصفحات القادمة، ونفس الأمر سنطلبه منك بمشيئة الله عندما نتحدث عن عبودية الخوف والخشية لله في موضع آخر.
كيف نفتح باب المحبة ؟!
يقول ابن عطاء في حكمه:
إذا أردت أن ينفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك، وإذا أردت أن ينفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه.
ونحن هنا في هذه الصفحات نريد - بعون الله وكرمه - أن ينفتح لنا باب الحب والرجاء في الله، لذلك سيكون غالب الحديث في التعرف على الله الودود، ومظاهر معاملته الحانية لنا.
* * *
стр. 8
الفصل الأول
أهمية المحبة الصادقة
من العبد لربه
стр. 9
الثمار الحلوة
كلما تعرف العبد على مظاهر حب ربه له، وسيطرت هذه المعرفة على مشاعره انعكس ذلك على علاقته به سبحانه فيزداد له حبًا وشوقًا.
وعندما يملأ هذا الحب القلب ستكون له بلا شك ثمار عظيمة تظهر في سلوك العبد وأعماله، هذه الثمار من الصعب الحصول عليها من أي شجرة أخرى غير شجرة الحب، فالحب يُخرج من القلب معانٍ للعبودية لا يخرجها غيره.
يقول ابن تيمية: فمن لا يحب الشيء لا يمكن أن يحب التقرب إليه، إذ التقرب إليه وسيلة، ومحبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود (١).
وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني، فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من المخوف لينال المحبة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] (٢).
ولهذا اتفقت الأُمتان من قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن موسى وعيسى أن أعظم الوصايا: أن تحب الله بقلبك وعقلك وقصدك، وهذه هي حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم التي هي أصل شريعة التوراة والإنجيل والقرآن (٣).
لذلك أدعو نفسي، وأدعوك أخي القارئ إلى الاهتمام بغرس بذور محبة الله في القلب، وتعهدها بالأعمال الصالحة حتى يصير الله أحب إلينا من كل شيء ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. عند ذلك سنجد الثمار الحلوة أمامنا دون عناء أو مشقة.
ومن هذه الثمار المتوقعة:
أولاً: الرضا بالقضاء
عندما يتعرف الواحد منا على مدى حب ربه له وحرصه عليه فإن هذا من شأنه أن يدفعه دومًا للرضى بقضائه، وكيف لا وقد أيقن أن ربه لا يريد له إلاّ الخير, وأنه ما خلقه ليعذبه، بل خلقه بيده، وكرمه على سائر خلقه ليدخله الجنة، دار النعيم الأبدي، ومن ثمَّ فإن كل قضاء يقضيه له ما هو إلا خطوة يمهد له من خلالها طريقه إلى تلك الدار، فالأقدار المؤلمة والبلايا ما هي إلا أدوات تذكير يُذكِّر الله بها عباده بحقيقة وجودهم في الدنيا وأنها ليست دار مقام بل دار امتحان، وأن عليهم الرجوع إليه قبل فوات الأوان ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨]، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١].
стр. 10
وهي كذلك أدوات تطهير من أثر الذنوب والغفلات التي يقع فيها العبد «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» (١).
فجميع الأقدار التي يُقدَّرها الله لعباده تحمل في طياتها الخير الحقيقي لهم وإن بدت غير ذلك.
فعلى سبيل المثال: الرزق، فالله يبسط الرزق للبعض ويضيقه على البعض لعلمه سبحانه بما يصلح عباده, ألم يقل سبحانه ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
فمنعه الرزق الوفير عن بعض الناس ما هو إلا صورة من صور رحمته، وشفقته بهم. قال ﷺ : «إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه» (٢).
هذه المعاني العظيمة لا يمكن تذكرها واستحضارها بصورة دائمة، وممارسة مقتضاها في الحياة العملية إلا إذا تمكن حب الله من القلب وهيمن عليه، فمفتاح: ﴿رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ هو: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
جاء في الأثر أن الله تعالى يقول: «معشر المتوجهين إليَّ بحبي، ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظًا، وما ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلمًا» (٣).
وكان عامر بن عبد قيس يقول: أحببت الله حبًا سهل عليَّ كل مصيبة، ورضاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت (٤).
نعم، أخي فإننا إن أحببنا الله حبًا صادقًا أحببنا كل ما يرد علينا منه سبحانه.
لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وقد كان كُفَّ بصره، جاءه الناس يهرعون إليه, كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة، فأتاه عبد الله بن أبي السائب فقال له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فرد الله عليك بصرك؟ فتبسم وقال: يا بنيَّ، قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري.
وكان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه، فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد، قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته، فدخل عليه مطّرف وأخوه العلاء، فجعل يبكي لما يراه من حاله، فقال: لم تبكي؟ قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة قال: لا تبك، فإن أحَبَّه إلى الله أحبه إليّ (٥).
ثانيًا: التلذذ بالعبادة وسرعة المبادرة إليها
كلما ازداد حب العبد لربه ازدادت مبادرته لطاعته واستمتاعه بذكره، وكان هذا الحب سببًا في استخراج معاني الأنس والشوق إلى محبوبه الأعظم، والتعبير عنها من خلال ذكره ومناجاته.
هذه المعاني ما كانت لتخرج إلا إذا فُتح لها باب الحب، فالمحب يقبل على محبوبه بسعادة، ويطيع أوامره برضى، لا تحركه لتلك الطاعة سياط الخوف من عقوبة عدم أدائه للعمل، بل يحركه ما حرك موسى ﵇ عندما قال لربه ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] وكذلك ما جعل رسولنا ﷺ يقول لبلال: «أرحنا بها يا بلال».
إن هناك بالفعل سعادة حقيقية ومتعة وشعور باللذة والنعيم يجدها المحب في مناجاته وذكره وخلوته بربه، وهذا ما يُطلق عليه: «جنة الدنيا» , هذه الجنة من الصعب علينا أن ندخلها من غير باب المحبة.
стр. 11
قال أحد الصالحين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره.
وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب (١).
ثالثًا: الشوق إلى الله
عندما يتمكن حب الله من قلب العبد، فإن هذا من شانه أن يجعله دومًا حريصًا على اغتنام أية فرصة تتاح له فيها الخلوة به سبحانه وبذكره ومناجاته، وجمع قلبه معه، وشيئًا فشيئًا تستثار كوامن الشوق إليه سبحانه، وتستبد بالقلب، وتلح عليه في طلب رؤيته، ليأتي العِلم فيخبره بأنه لا رؤية ولا لقاء لله في الحياة الدنيا، بل بعد الموت، فيزداد الشوق إلى هذا اللقاء، وأي لقاء:
لقاء المحبوب الأعظم الذي ناجاه لسنوات طويلة، وسكب الدمع في محرابه.
لقاء من دعاه في أوقات عصيبة فوجده منه قريبًا، ولدعائه مجيبًا.
لقاء من كفاه وحماه وأعانه على نفسه وعدوه.
لقاء من أعطاه وأكرمه وحفظه ورعاه وبكل بلاء حسن أبلاه.
يقول الحسن البصري: إن أحباء الله هم الذين ورثوا الحياة الطيبة وذاقوا نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم، وبما وجدوا من حلاوة في قلوبهم، لاسيما إذا خطر على بالهم ذكر مشافهته وكشف ستور الحجب عنه في المقام الأمين والسرور، وأراهم جلاله وأسمعهم لذة كلامه ورد عليهم جواب ما ناجوه به أيام حياتهم (٢).
فالشوق إلى الله - إذن - ثمرة من ثمار تمكن حبه في قلب العبد، ويؤكد ابن رجب على ذلك بقوله:
الشوق إلى الله درجة عالية رفيعة تنشأ من قوة محبة الله ، وقد كان ﷺ يسأل الله هذه الدرجة (٣).
ففي دعائه ﷺ «اللهم إني أسألك الرضى بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة» (٤) فهو ﷺ يسأل ربه الشوق إلى لقائه دون وجود أسباب ضاغطة عليه تدعوه لذلك مثل: ضراء الدنيا وأقدارها المؤلمة، أو الفتن في الدين المضلة، أو بمعنى آخر أن يكون الشوق إلى الله ناشئًا عن محض المحبة.
جاء في الأثر أن الله ﵎ يقول:
ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وإني إليهم لأشد شوقًا، وما شوق المشتاقين إليَّ إلا بفضل شوقي إليهم. ألا من طلبني وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، من ذا الذي أقبل عليَّ فلم أقبل عليه؟ ومن ذا الذي دعاني فلم أجبه؟ ومن ذا الذي سألني فلم أعطه (٥).
رابعًا: التضحية من أجله والجهاد في سبيله
المحبة الصادقة لله تدفع صاحبها لبذل كل ما يملكه من أجل نيل رضا محبوبه، وليس ذلك فحسب بل إنه يفعل ذلك بسعادة، وكل ما يتمناه أن تحوز هذه التضحية على رضاه.
تأمل معي ما حدث من عبد الله بن جحش ليلة غزوة أحد عندما قال لسعد بن أبي وقاص: ألا تأتي ندعو الله تعالى، فَخَلَوا في ناحية، فدعا سعد، فقال: يا رب إذا لقينا العدو غدًا فَلَقِّني رجلاً شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله فآخذ سلبه فأمَّن عبد الله، ثم قال: اللهم ارزقني غدًا رجلاً شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت لي: يا عبد الله فيم جُدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.
قال سعد: كانت دعوته خيرًا من دعوتي، فلقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط (٦).
стр. 12
وفي يوم من الأيام رأى رسول الله ﷺ مصعب بن عمير يمشي وعليه إهاب كبش قد تمنطق به، فقال النبي ﷺ : «انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نور الله قلبه، ولقد رأيته بين أبوين يغذيانه بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون» (١).
فالتضحية والجهاد من أعظم دلائل المحبة.
خامسًا: الرجاء والطمع فيما عند الله
فكلما اشتد الحب اشتد الرجاء في الله وحسن الظن فيه ألا يلقي حبيبه في النار، فالمحب لا يعذب حبيبه كما جاء الرد الإلهي على اليهود عندما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ [المائدة: ١٨].
وفي الحديث أنه ﷺ قال: «والله، لا يلقي الله حبيبه في النار» (٢).
مرض أعرابي فقيل له: إنك تموت. قال: وأين أذهب؟ قالوا: إلى الله. قال: فما كراهتى أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه (٣).
وكان سفيان الثوري يقول: ما أُحب أن حسابي جعل إلى والديَّ، ربي خير لي من والدي (٤).
وقال ابن المبارك: أتيت سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبته وعيناه تهملان فبكيت، فالتفت إلى فقال: ما شأنك؟ فقلت: من أسوأ أهل الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له (٥).
سادسًا: الحياء من الله
فالمحب الصادق في حبه لله يستحي أن يراه حبيبه في وضع مشين، أو مكان لا يحب أن يراه فيه، فإذا ما وقع في معصية أو تقصير سارع بالاعتذار إليه واسترضائه بشتى الطرق.
بل إن أي بلاء يتعرض إليه يجعله قلقًا بأن يكون هذا البلاء مظهر من مظاهر لوم الله له وغضبه عليه، لذلك تجده حينئذٍ يهرع إلى مولاه يسترضيه ويتذلل إليه ويستغفره، ويطلب منه العفو والصفح.
ويتجلى هذا الأمر جيدًا في دعاء رسولنا ﷺ بعد أحداث الطائف وما تعرض فيها من استهزاء وتضيق وإيذاء، فكان مما قاله لربه « ... إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، لكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة: أن ينزل بي غضبك أو يحل علىّ سخطك، لك العتبي (٦) حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».
وفي هذا المعنى يقول ابن رجب: إن محبة الله إذا صدقت أوجبت محبة طاعته وامتثالها، وبغض معصيته واجتنابها، وقد يقع المحب أحيانًا في تفريط في بعض المأمورات، وارتكاب بعض المحظورات، ثم يرجع إلى نفسه بالملامة، وينزع عن ذلك، ويتداركه بالتوبة (٧).
سابعًا: الشفقة على الخلق
من الثمار العظيمة للحب الصادق تلك الشفقة التي يجدها المحب في قلبه تجاه الناس جميعًا بخاصة العصاة منهم، وكيف لا وقد علم أنه ما من أحد من البشر إلا وفيه نفخة علوية كرَّمه الله بها على سائر خلقه، وأن الذي يرضيه - سبحانه - هو عودة الجميع إليه ودخولهم الجنة، لذلك تجد هذا المحب شفيقًا على الخلق، حريصًا على دعوتهم لسان حاله يقول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩].
يستخدم في ذلك كل الطرق والوسائل الممكنة، ولا يرتاح له بال حتى يُعيد الشاردين إلى حظيرة العبودية لربهم.
стр. 13
ومن الأمثلة العظيمة التي تبين تلك الشفقة على العصاة ما فعله مؤمن آل فرعون مع قومه, تأمل أقواله الذي جاء ذكرها في سورة غافر ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨]. ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠] , ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١]. ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤٢].
هذه الثمرة العظيمة من ثمار المحبة من شأنها أن تجعلنا نقوم بتعديل خطابنا الدعوي، فنستوعب الجميع ونبشرهم ونطمئنهم تجاه ربهم قبل تخويفهم وترهيبهم.
ثامنًا: الغيرة لله
عندما يستبد حب الله في قلب العبد فإن هذا من شأنه أن يجعله يغار لمولاه، وعلى محارمه أن تنتهك، وحدوده أن تُتجاوز، وأوامره أن تخالف.
فمع شفقته على العصاة، إلاّ أن هذا لا يمنعه من بغضه لتصرفاتهم التي تغضب ربه، ولو كانت من أقرب الناس إليه ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
لقد علم المحب الصادق أن محبوبه الأعظم يحب عباده، ويحب من يحببهم فيه، ويعيدهم إليه، وفي نفس الوقت فإنه سبحانه لا يحب تصرفاتهم المخالفة لأوامره، المنافية لصفة العبودية التي ينبغي أن يتصفوا بها ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] فهو لا يحب الكفر، ولا يحب الظلم، ولا الطغيان، ولا الكبر، ولا الفسق، لذلك ترى المحب لله يجمع بين الأمرين: الشفقة على الخلق، وحب الخير لهم من جانب، وبغضه لتصرفاتهم التي لا ترضى مولاه، ونهيهم عنها، بل ومحاربتهم عليها إن تطلب الأمر من جانب آخر.
ومن لوازم هذه الغيرة: الغيرة على رسوله، وكيف لا وهو أحب الخلق إلى الله, فلو كانت المحبة لله صادقة لتبعتها ولازمتها محبة رسوله والغيرة عليه، ولقد تمثل هذا الأمر في الصحابة جيدًا، ولعل ما حدث لخبيب بن عدي ما يؤكد ذلك، فقد تم أسره في يوم الرجيع، وصُلب لكي يُقتل، وقبل قتله قال المشركون له: أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال: لا والله العظيم. ما أحب أن يفديني بشوكة يُشاكها في قدمه (١).
تاسعًا: الغنى بالله
ومع كل الثمار السابقة تأتي أهم ثمرة للمحبة ألا وهي الاستغناء بالله ، والاكتفاء به ﴿وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣].
فينعكس ذلك على تعاملات العبد مع الأحداث التي تمر به، فإن ادلهمت الخطوب استشعر معية الله له ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وإن تشابكت أمامه الأمور تذكر فردد فى نفسه ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].
شعاره الدائم ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ [النساء: ١٣٢].
يتغنى بمثل قول الشاعر:
فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبين وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
стр. 14
قال الجنيد: قد أوجب الله لأهل محبته الصنع والتوفيق في جميع أحوالهم، فأورثهم الغنى، وسدّ عنهم طلب الحاجات إلى الخلق، تأتيهم ألطاف من الله من حيث لا يحتسبون، وقام لهم بما يكتفون، ونزَّه أنفسهم عما سوى ذلك، إكرامًا لهم عن فضول الدنيا، وطهارة لقلوبهم من كل دنس، وأمشاهم في طرقات الدنيا طيبين، وقد رفع أبصار قلوبهم إليه، فهم ينظرون إليه بتلك القلوب غير محجوبة عنه (١).
* * *
стр. 15
الفصل الثاني
لماذا يحب الله عباده ؟
стр. 16
النفخة العلوية
العلاقة بين الله وبين عباده من بنى آدم تختلف عن علاقته سبحانه بجميع خلقه، وكيف لا وما من مخلوق من البشر إلاَّ وفيه نفخة علوية من روح الله ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ - فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢].
نعم، هذه النفخة ليست جزءًا من ذات الله - كما ادعت النصارى - بل هي من ملكه (١) وأمره، اختص بها سبحانه الإنسان وميزه عن سائر مخلوقاته، وجعلها مرحلة هامة وأساسية ومميزة في خلقه ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر:٢٩] بينما لم يُذكر ذلك في حق أي مخلوق آخر.
ومما يؤكد هذا الأمر قوله تعالى لإبليس ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].
وفي هذا المعنى يقول سيد قطب: ولأن الله خالق كل شيء، فلا بد أن تكون هناك خصوصية في خلق هذا الإنسان تستحق هذا التنويه، هي خصوصية العناية الربانية بهذا الكائن، وإيداعه نفخة من روح الله دلالة على هذه العناية (٢).
ويقول ﵀: وما كان هذا الكائن الصغير الحجم، المحدود القوة، القصير الأجل، المحدود المعرفة، ما كان له أن ينال شيئًا من هذه الكرامة لولا تلك اللطيفة الربانية الكريمة, وإلا فماذا يبلغ هذا الإنسان لتسجد له ملائكة الرحمن، إلا بهذا السر اللطيف العظيم؟! (٣).
تكريم الإنسان
وليس أدل على خصوصية العناية الربانية بالإنسان من هذا التكريم الذي شمله منذ بدء خلق أبيه آدم وسجود الملائكة له ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤]. مرورًا بالصورة الحسنة التي خُلق عليها ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
وتميزه بنعمة العقل الذي يُعد بمثابة وعاء للعلم والإدراك والتمييز بين الخير والشر والنافع والضار.
قال الحسن البصري: لما خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، وقال: ما خلقت خلقًا هو أحب إلىَّ منك، إني بك أُعبد، وبك أُعرف، وبك آخذ، وبك أُعطي (٤).
ومن مظاهر هذا التكريم كذلك: تسخير الكون كله لخدمته ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
стр. 17
هذا التكريم يشمل جميع بني آدم دون تفرقة بين لون أو جنس أو عرق ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠].
أليست نفسًا ؟!
إن النفخة العلوية التي يحملها الإنسان تجعله دومًا موضعًا للتكريم ولو كان من الكافرين.
وإليك - أخي القارئ- هذا الخبر الصحيح الذي يؤكد لنا جميعًا هذا المعنى:
كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد ﵄ قاعدين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا: «إن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفسًا؟» (١).
وليس هذا فحسب بل إننا نجد الشريعة الإسلامية توجه المسلمين إلى حُسن التعامل مع جميع الناس في السلم والحرب، ومن ذلك النهي عن التمثيل بالقتلى في الحرب، وكان ﵊ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية يوصيه، فكان مما يقول له: «لا تمثلون» (٢) وفي الحديث القدسي: «لا تمثلوا بعبادي» (٣).
وكذلك حصر القتل فيمن يقاتل دون غيره ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. فلا قتل لامرأة أو صبي أو أجير أو راهب في صومعته، فإن انتهت الحرب وكان هناك أسرى فلا إهانة ولا إذلال بل احترام لإنسانيتهم ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
وعندما أسر المسلمون من المشركين يوم بدر، كانت وصية الرسول ﷺ بهم كبيرة، فقال لأصحابه: «استوصوا بهم خيرًا» (٤).
تقرب الملائكة إلى الله بالدعاء للبشر
لقد اختص الله الإنسان لنفسه من بين سائر مخلوقات كما جاء في الأثر: يا ابن آدم خلقت كل شيء لك وخلقتك لنفسي، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له.
اختصه ليقوم بمهمة عظيمة ألا وهي عبادته سبحانه بالغيب في ظل تمتعه بخاصية حرية الاختيار، ووجود نفس أمارة بالسوء، وشيطان يوسوس، ودنيا تتزين.
وإن كانت العلاقة بين الأب وأبنائه تتسم بالحب والحنان والرحمة والحرص الدائم على مصلحتهم، فإن علاقته سبحانه بالبشر أسمى وأسمى, إنها علاقة الرب بعباده الذين أوجدهم من العدم ونفخ فيهم من روحه.
علاقة الخالق بالمخلوق الذي اختصه لنفسه فهو يحبه ويريد له الخير، والنجاح في مهمته العظيمة.
ومن عجب أن الملائكة الأطهار الكرام لما علمت بمنزلة البشر عند الله جعلت جزءًا من عبادتها دعاءها لهم وهي بذلك تريد التقرب إليه سبحانه وتطمع في نيل رضاه ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥].
стр. 18
ويزداد تقربهم وتوددهم إليه سبحانه بكثرة الدعاء لمن لهم حب خاص وولاية خاصة عنده ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ - رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩].
ويزداد ويزداد لأحب الخلق إليه ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
مباهاته بعباده
ومما يؤكد علاقته - سبحانه - الخاصة بعباده البشر الموحدين له: مباهاته بهم الملائكة عند قيامهم بطاعته.
خرج ﷺ يومًا على حلقة من أصحابه فقال: «ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنَّ به علينا. قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟» قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» (١).
وانظر إليه ﷺ وهو يحدث أصحابه عن صورة أخرى من صور هذه المباهاة فيقول: «إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا» (٢).
مع أنه سبحانه -يقينًا- لا تنفعه طاعة الطائعين مهما بلغت، ولا تضره معصية العاصين مهما عظمت، وما مباهاته وفرحه بطاعات عباده إلا لأنه يحبهم ويريد لهم الخير.
وما إخبارهم بتلك المباهاة في أكثر من موضع على لسان رسول الله ﷺ إلا رسالة حب منه لهم لعلها تزيدهم إقبالا عليه وحبًا له وشوقًا إلى لقائه.
ضحكه سبحانه
ومن مظاهر العلاقة المميَّزة بين الله تعالى وعباده وبخاصة الطائعين منهم: ضحكه سبحانه عندما يرى عباده يخلصون أعمالهم له، ويضحون من أجله.
عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم، ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله ، فإما أن يُقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟ , والذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن، فيقوم من الليل، فيقول: يذر شهوته ويذكرني، ولو شاء رقد، والذي كان في سفر، وكان معه ركب، فسهروا، ثم هجعوا، فقام من السحر في ضراء وسراء» (٣).
ومما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ : «يعجب ربك من راعي غنم، في رأس شظية بجبل، يؤذن للصلاة، ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة» (٤).
قدر المؤمن عند الله
إن الجسد الذي خلقه الله ونفخ فيه نفخة علوية له حرمة عظيمة عنده سبحانه ويكفيك في ذلك قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
стр. 19
وهذا يؤكد مكانة الإنسان الخاصة عند الله ، وتزداد هذه المكانة كلما كان الإنسان أطوع لله , قال ﷺ : «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق» (١).
يكره سبحانه مساءة عبده المؤمن
تأمل معي أخي القارئ قول الله في الحديث القدسي:
«وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه» (٢).
يعلق ابن تيمية على ذلك فيقول: فبيَّن سبحانه أنه يتردد (عن قبض نفس عبده المؤمن) لأن التردد تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ما يحبه عبده، ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال (وأنا أكره مساءته) وهو سبحانه قد قضى بالموت، فهو يريد له أن يموت، فسمى ذلك ترددًا، ثم بين أنه لابد من وقوع ذلك (٣).
فرحه - سبحانه - بتوبة العاصين
أرأيت لو أن ابنًا قد شرد بعيدًا عن أبيه، وسار في طريق الفساد، ثم عاد إلى رشده وارتمى في حضن أبيه, أي فرحة يكون عليها الأب في هذا الوقت؟!
هذه الفرحة لا تساوي شيئًا بجوار فرحته سبحانه بتوبة عبد من عباده مهما أسرف في ذنبه ولجَّ في طغيانه.
تأمل معي الحديث الذي يؤكد فيه ﷺ هذا المعنى بقوله:
«والله، لله أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل كان في سفر، في فلاة من الأرض فأوى إلى ظل شجرة فنام تحتها، واستيقظ فلم يجد راحلته، فأتى شرفًا فصعد عليه، فلم ير شيئًا، ثم أتى آخر، فأشرف فلم ير شيئًا، فقال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأكون فيه حتى أموت، فذهب، فإذا براحلته تجر خطامها، فالله أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته» (٤).
مراده أن تدخل الجنة
عندما يقرأ المرء الأخبار السابقة، وبخاصة ما يتعلق بفرح الله العظيم بتوبة عبد من عباده فمن المتوقع أن تقفز إلى الذهن بعض التساؤلات عن أسباب هذا الفرح فالله لا تنفعه هذه التوبة بشيء، فهو الغنى الحميد, فلماذا هذه الفرحة إذن؟
من السهل علينا أن ندرك سر هذا الفرح عندما نتذكر أن الله اختص الإنسان لنفسه دون خلقه جميعًا، وأنه يريد منه أن ينجح في امتحان العبودية ليُدخله الجنة, فمراده سبحانه من جميع البشر دخول جنته ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
مراده أن يعود الجميع إليه ليكرمهم وينعمهم في دار أعدها خصيصًا لهم، وجعل لكل منهم فيها جزءًا مقسومًا، وهو سبحانه يريد لكل منهم أن ينال نصيبه في تلك الدار، ويتبوأ منزله فيها ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ [يونس: ٢٥] وفي نفس الوقت فهو لا يريد أن يُدخل أحدًا من عباده النار ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ
الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
هذا الأمر ينطبق على جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها، وفي كل العصور والأزمان .. عباد الصليب .. عباد البقر .. الملحدين والوثنيين .. كل هؤلاء يريد الله منهم أن يدخلوا الجنة، ويكفيك في هذا أنه يمهل هؤلاء وغيرهم من الكافرين، ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة, مع قدرته المطلقة عليهم وإحاطته التامة بهم، فلو شاء أن يهلكم لأي ذنب يفعلونه لأهلكهم، لكنه لا يفعل، بل يحلم ويصبر ويمهل لعلهم ينتبهون من غفلتهم.
معنى ذلك أنه ما من واحد يدخل النار إلا لأنه يأبى ويصر على ألا يدخل الجنة كما قال ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّة إلاَّ مَنْ أَبَى» (٥).
стр. 20
نعم، هذه هي الحقيقة التي يغفل عنها البشر «كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله» (١).
ومثال ذلك ما حدث لأصحاب القرية التي كذبت الرسل فأصابهم العذاب بعد طول إمهال ليأتي التعقيب القرآني ليؤكد أنهم هم الذين أبوا إلا العذاب ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس:٣٠].
أحب العباد إلى الله
وأهم صور الإباء والإصرار على عدم دخول الجنة عدم الاعتراف بالله، ربًا وخالقُا ورازقًا، وإلهًا معبودًا، أو إشراك أحد معه في ذلك.
فالشرك أو الكفر ظلم عظيم يظلم فيه العبد الحقيقة العظيمة، حقيقة التوحيد التي قامت عليها السماوات والأرض، ومن ثَّم يهون على الله هوانًا عظيمًا، فيرتد إلى أسفل السافلين، ومع ذلك يظل الباب مفتوحًا للجميع للتوبة والعودة إليه سبحانه قبل فوات الأوان، بل إنه جعل أحب خلقه إليه من يُحبب الناس فيه، ويدعوهم للعودة إليه وإلى طاعته كي يدخلهم الجنة.
قال ﷺ : «إني لأعرف ناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنزلتهم عند الله سبحانه يوم القيامة، الذين يحبون الله ويحببونه إلى خلقه، يأمرونهم بطاعة الله فإذا أطاعوا الله أحبهم الله» (٢).
فالله يبغض الشرك والكفر الذي تلبَّس بالمشركين الكفار، ولكنه سبحانه يريد أن يتوب عليهم، ويدخلهم الجنة بينما هم يأبون، لذلك فإنه سبحانه رغَّب عباده المؤمنين بدعوة هؤلاء وتحبيبهم فيه علَّهم يفيقون من غفلتهم، ويعودون إلى ربهم.
تأمل قوله تعالى الذي يتفجر إشفاقًا ورحمة: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وتأمل كذلك قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
أشد ما يغضبه:
ومع فرحه سبحانه بتوبة عبد من عباده الضالين، ومع حبه الخاص لمن يحبب الناس فيه، فإنه سبحانه يغضب أشد الغضب لمن يُيئس الناس من بلوغ رحمته ويُنذرهم بانقطاع الأمل، وبأنه لا مآل لهم إلا النار.
وما إمهال الله لعباده المقصرين والمسرفين على أنفسهم، بل والكفار والمشركين - كما أسلفنا- إلا لأنه سبحانه يهيئ لهم من الأمور، ويرسل لهم من الرسائل ما قد يوقظهم من سباتهم، ويذكرهم بربهم.
فإذا ما جاء شخص ما وأشعر هؤلاء بأن الله لن يغفر لهم، وأنهم مغضوب عليهم، ولا أمل أمامهم، فسيؤدي ذلك إلى قنوطهم ويأسهم من رحمة الله، ومن ثمّ زيادة تماديهم في الطغيان، وانحرافهم، وابتعادهم عن طريق الهدى، لتكون نهايتهم النار.
فإن كنت- أخي القارئ- في شك من هذا فاقرأ هذا الحديث:
عن أبى قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﵎ للملائكة: ألا أخبركم عن عبدين من بني إسرائيل أما أحدهما فيرى بنو إسرائيل أنه أفضلهما في الدين والعلم والخلق، والآخر يَرى أنه مسرف، فذُكر عند صاحبه، فقال: لن يغفر الله له، فقال: ألم يعلم بأني أرحم الراحمين؟ ألم يعلم أن رحمتي سبقت غضبي؟ وإني قد أوجبت لهذا الرحمة وأوجبت لهذا العذاب، فقال رسول الله ﷺ : فلا تألوا على الله » (٣).
стр. 21
وعن ضمضم بن جَوْس قال: دخلت مسجد رسول الله ﷺ في طلب صاحب لي فإذا رجل أدعج العين، براق الثنايا، فقال لي: يا تهامي لا تقولن لأحد لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة، قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أبو هريرة. قلت: قد نهيتني عن شيء كنت أقوله إذا غضبت على أهل بيتي وحشمي، قال: فلا تفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كان رجلان من بني إسرائيل فكان أحدهما به رهق، والآخر عابدًا، فكان لا يزال يقول له: ألا تكف، ألا تقصر، فيقول: ما لي ولك دعني وربي. قال: فهجم عليه يومًا فإذا هو على كبيرة، فقال: والله لا يغفر الله لك، والله لا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، فلما قدما بهما على الله قال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للعابد: حظرت على عبدي رحمتي، أكنت قادرًا على ما تحت يدي؟ انطلقوا به إلى النار».
قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد تكلم كلمة أوبقت دنياه وآخرته (١).
المرحلة الأخيرة
ولأنه سبحانه يريد من عباده دخول الجنة، فقد أتاح لهم فرصًا عظيمة للتوبة والرجوع إليه وذلك طيلة حياتهم في الدنيا، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل وعند مماتهم كذلك طالما أنهم لم يهتكوا الستر بالكفر أو الشرك، فقد أعطى عباده الموحدين أشياء تساعدهم على محو السيئات وزيادة الحسنات.
ومن ذلك أنه تصدق عليهم بثلث أموالهم التي يتركونها كوصية يتصرفون فيها كيفما شاءوا، فإن كان المال الذي بحوزتهم سيئول إلى ورثتهم، إلا أن لهم أن يوصوا بثلثه فيما يريدونه من أبواب الخير.
قال ﷺ : «إن الله تعالى تصدق عليكم عند وفاتكم بثُلث أموالكم، وجعل ذلك زيادة لكم في أعمالكم» (٢).
وحث سبحانه عباده المسلمين - على لسان رسوله ﷺ الصلاة على الميت ليكون دعاؤهم سببًا من أسباب تكفير سيئاته، ورفع درجاته وإنزال الرحمة عليه.
قال ﷺ : «من تبع الجنازة وصلى عليها، فله قيراط، ومن تبعها حتى يُفرغ منها فله قيراطان, أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد» (٣).
وحثهم على الدعاء له بالتثبيت عند دفنه «ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل» (٤).
وليس هذا فحسب، بل جعل هناك أعمالا يجري على المسلم ثوابها بعد موته كدعاء الولد الصالح، وكالعلم النافع، وكالصدقة الجارية.
قال ﷺ : «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته، بعد موته، علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته» (٥).
стр. 22
أهل المظالم:
وإن أردت أن تتأكد - أخي القارئ - أكثر وأكثر بأن مراد الله هو دخول جميع عباده الموحدين الجنة فاقرأ هذا الحديث:
عن أنس بن مالك قال: بينما النبي ﷺ جالسًا إذ رأيناه ضحك حتى بدت نواجذه فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟
قال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، قال الله: أعط أخاك مظلمته، فيقول: يا رب لم يبق من حسناتي، قال: يا رب فليحمل عني من أوزاري، ففاضت عين رسول الله ﷺ بالبكاء ثم قال: إن ذلك اليوم عظيم يوم يحتاج الناس فيه إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم، فيقول الله للمطالب: ارفع رأسك فانظر إلى الجنان فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورًا من ذهب مكلل باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صدِّيق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال الله : هذا لمن أعطاني الثمن. قال: يا رب فمن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. قال: بماذا يا رب؟ قال بعفوك عن أخيك. قال: يا رب قد عفوت عنه. قال: خذ أخاك فأدخله الجنة، ثم قال رسول الله ﷺ : اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة (١).
فهذا يا أخي هو ربنا الذي يحبنا ويفرح بتوبتنا ويريد أن يدخلنا الجنة.
هذا هو ربنا الذي عرَّفنا بنفسه فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
* * *
стр. 23
الفصل الثالث
مظاهر حب الله تعالى لعباده
стр. 24
تمهيد:
كأني بك أخي القارئ تتساءل عن الدليل العملي لهذه العلاقة المميزة بين الله وبين عباده البشر، بل وبينك أنت على وجه الخصوص.
لا أريدك أخي الحبيب أن تطلب دليلا واحدًا، بل اطلب ما شئت من الأدلة فهي - بفضل الله - أكثر من أن تحصى، فمظاهر حب الله لعباده كثيرة كثيرة، تنتظر منا أن ننتبه إليها لنستدل من خلالها على الرب الودود .
كل ما هو مطلوب أن نُعطي عقولنا الفرصة لكي تقوم بالمهمة التي خُلقت من أجلها .. مهمة التعرف على الله.
فبالتفكير في مظاهر حب الله لعباده، مع الاجتهاد في تجاوب المشاعر مع هذا التفكر ستزداد المعرفة بالله الودود، وستستولي هذه المعرفة - بإذن الله - على الجزء الأكبر من مشاعر الحب في القلب، لتظهر الثمار الطيبة لهذا الحب بصورة تلقائية ودون تكلف.
جوانب المعرفة
وفي الصفحات القادمة سيتم الحديث بعون الله عن بعض مظاهر حب الله لعباده، والمطلوب منا أن نتفكر فيها جيدًا، ونعيش معها بعقولنا ومشاعرنا، لعلها تساهم في إشعال جذوة حب المولى في قلوبنا.
وستلحظ أخي القارئ أننا في أغلبها نتوجه إليك بالخطاب ليكون ذلك أدعى لاستشعار معانيها بصورة أقرب إلى الحقيقة والواقع.
* * *
стр. 25
أولًا: من مظاهر حبه:
سَبْق فضله عليك قبل وجودك
والمقصد من سبق الفضل: أن فضل الله علينا، وحبه لنا سبق وجودنا على الأرض.
هذا الجانب من أهم الجوانب التي من شأنها أن تؤجج مشاعر الحب داخل القلب، وكيف لا ومن خلاله يكتشف الواحد منا مدى حب ربه له دون أي سبب منه.
فهيا بنا أخي القارئ نعيش في أجواء هذ المظهر:
سبق الفضل في التكريم
شاء الله أن يخلق مخلوقات من العدم, كنت أنت من مخلوقاته.
واختار من هذه المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى مخلوقًا ليختصه بنعمة العقل، وينفخ فيه من روحه, نلت أنت هذا الشرف, شرف التكريم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠].
كان من الممكن أن تكون مخلوقًا آخر غير الإنسان كأن تكون حجرًا، أو عصفورًا، أو شجرة، أو حبة رمل، أو ...
ولكنه الفضل العظيم من الله الذي اجتباك على كثير من مخلوقاته، وكرَّمك عليهم.
المشهد العظيم
قدَّر الله لأبينا آدم ﵇ عددًا محددًا من الذرية تهبط إلى الأرض لتؤدي اختبار العبودية, كنت أنت واحدًا منهم، وشهدت المشهد العظيم الذي أخذ الله فيه العهد من جميع ذرية آدم على عبادته ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢].
هذا العدد الكبير الذي قدَّره الله لذرية آدم ﵇ لم يشأ سبحانه أن يُهبطه إلى الأرض دفعة واحدة، بل مجموعة تلو الأخرى, كل مجموعة تؤدي الامتحان ثم تترك الأرض بعد نزع أرواحها، وتبقى في القبور انتظارًا لنهاية امتحان الجميع، ليتم بعدها الحساب والجزاء.
لم يختر أحد من البشر المكان، أو الزمان، أو البيئة، أو الأبوين، أو الشكل الذي ستحل روحه فيه، ويؤدي من خلاله الامتحان، مع الأخذ في الاعتبار بأن الله لم يظلم أحدًا من الناس، فبالعقل والفطرة يستطيع المرء في أي زمان ومكان الاستدلال على وحدانية الله، وكذلك فإن الرسل والكتب السماوية التي أنزلها الله تبين للناس المطلوب منهم، ولكن بلا شك أن نزولك إلى الأرض في هذا الزمان وهذا المكان الذي نحيا فيه له مميزات ضخمة تدل على سبق فضلٍ واجتباء عظيم من الله لك.
سبق فضل الزمان
هيا بنا نُطلق لخيالنا العنان، وليتخيل كل منا أنه قد ولد في زمان آخر غير الزمان الذي وُلد فيه.
تخيل أنك قد وُلدت في زمان قوم لوط، لتجد نفسك - عافاك الله - من أبناء أسرة تقترف أسوأ أنواع الفاحشة والعياذ بالله .. ماذا كنت ستفعل؟!
ألا توافقني أنه اختبار قاسٍ كان عليك اجتيازه، وأن نسبة نجاحك فيه لا شك ضعيفة؟!
تخيل لو أنك وجدت نفسك ابنًا من أبناء قوم فرعون أو عاد أو ثمود، أو من أبناء القرامطة أو أحد الفرق الضالة التي ظهرت في فترة من فترات التاريخ الإسلامي.
تخيل أنك قد ولدت في زمن التتار، أو محاكم التفتيش ماذا كنت ستفعل؟!
ألا ترى في تجنيبك كل ذلك عظيم حب ربك لك، وسبق فضله عليك أن أوجدك في هذا الزمان.
تيسر الحياة
ومما يلحق بنعم سبق الفضل في الزمان: تيسُّر الحياة، فلو كنت قد وُلدت منذ بضع قرون في نفس المكان الذي تحيا فيه الآن .. تخيل مدى صعوبة الحياة في ذلك الوقت .. لا كهرباء .. لا دورات مياه .. لا سيارات .. أو طائرات .. لا وسائل اتصال .. لا عمليات جراحية.
стр. 26
تخيل أنك في هذا الزمان أصبت بضعف في النظر ماذا كنت ستفعل؟ أتدري حجم الصعوبات التي كنت ستواجهها بنظرك الضعيف؟
تخيل أماكن قضاء الحاجة التي كانت تبعد عن مساكن الناس .. وتخيل حجم الجهد والوقت والمخاطر التي تواجه من يريد قضاء حاجته بخاصة في ليالي الشتاء الباردة والأجواء المتقلبة.
تخيل نفسك تريد السفر إلى مكة أو المدينة .. كم من الأيام كنت ستقضيها على ظهر بعيرك لتصل إلى مقصودك؟! تخيل .. تخيل.
سبق فضل المكان
هذا بالنسبة لنعم سبق الفضل في الزمان، ولكن هب أنك قد ولدت في هذا الزمان بالفعل، ولكن في مكان آخر غيرالذي تحيا فيه الآن، تخيل أنك وُلدت في أدغال أفريقيا، أو في الإسكيمو، أو في أماكن الفيضانات أو الزلازل، أو الأعاصير، أو البراكين.
تخيل أنك قد ولدت في أماكن الفتن والاضطهاد للمسلمين كتركستان وكشمير والفلبين وبورما .. ماذا عساك أن تفعل؟!
إن هؤلاء المضطهدين شاء الله لهم أن يكونوا في هذه الأماكن ليؤدوا امتحان عبوديتهم لله بخاصة في مادة الصبر، وجزاؤهم عظيم إذا اجتازوا هذا الامتحان ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ولكنه بلا شك امتحان قاسٍ عصمك الله منه.
الوالدان
تخيل أنك ولدت في هذا الزمان، ولكن لأبوين نصرانيين أو يهوديين أو بوذيين أو ملحدين أو شيوعيين أو هندوسيين .. ماذا كنت ستفعل؟!
ماذا كنت ستفعل عندما ترى أبويك يسجدان للبقرة، أو للصليب؟! أكنت ستُعمل عقلك وتستنفر سليم فطرتك كما أمرك الله، وكما حدث من القليل منهم، أم كنت ستسير على خطى الأغلبية؟!
امتحان رهيب عصمك الله منه، بأن خلقك لأبوين مسلمين .. أليس كذلك؟!
ثم تخيل أنك كما أنت وُلدت في هذا الزمان والمكان والديانة ولكنك وجدت أباك يعمل في مهنة مخلة بالشرف .. أو وجدته جبارًا من الجبابرة؟!
تخيل أنك وُلدت في بيئة فجور أو أسرة مترفة .. ماذا كنت ستفعل؟!
إنها امتحانات صعبة عصمك الله منها دون سبب منك أو اجتهاد.
اللسان العربي
ولكن هب أنك قد خُلقت من أبوين مسلمين لكنهما يتحدثان غير العربية كاللغة الفارسية أو الأردية أو الهندية أو الصينية أو الإنجليزية .. ماذا كنت ستفعل لكي تفهم القرآن وتتأثر بآياته وهو أمر واجب عليك وليس اختياريًا؟!
نعم، هؤلاء عليهم تعلم العربية ليفهموا القرآن ويتأثروا به، ولكن ألا ترى في ذلك عظيم فضل الله عليك أن أوجدك في بيئة تتحدث العربية، فلا تحتاج إلى جهد عظيم لكي تفهم كتابه وسنة نبيه؟! (١).
سبق الفضل في العافية:
تفكر ثم تفكر في مدى حب ربك لك، وسبق فضله عليك قبل أن تولد وذلك فيما سبق من جوانب، ثم تفكر في جانب عظيم من جوانب سبق الفضل الإلهي لك, ألا وهو سبق الفضل في العافية.
فلقد قدَّر الله أن يولد عدد من الناس وبهم عيوب خلقية في القلب، أو قصور في المخ، أو خلل في الأطراف كامتحان لهم من ناحية، ولإظهار نعمته على المعافين من ناحية أخرى، ومع ذلك, لم تكن أنت - بفضل الله - منهم.
بلا شك أن هذا النقص الذي ابتُلى به هؤلاء يحتاج منهم إلى صبر واحتساب لينجحوا في اختبارهم، ولكن ألا ترى عظيم فضل ربك عليك أن اختارك فألبسك ثوب العافية ترفل فيه؟!
كلمة لا بد منها:
ليس معنى وجود نقص عند إنسان في أحد الأمور التي ذكرت أو غيرها دليل على عدم حب الله له، بل هو عين الحب ولكن من جانب آخر، ولنعلم جميعًا أن الدنيا ليست دارًا للجزاء والنعيم كي يظن البعض هذا الظن، ولو يدري أهل العافية ما أعده الله لأهل البلاء الصابرين في الآخرة لتمنوا أنهم كانوا مثلهم.
إن النقص والبلاء الذي يصيب المرء ليس إهانة بل امتحان على صاحبه أن يجتازه، وكذلك فإن العطاء والفضل ليس كرامة بل امتحان أيضًا، فإن ظن المرء أن العطاء تفضيل ذاتي لشخصه دون مقابل فإن هذا العطاء يصبح وبالا عليه كما حدث مع فرعون وقارون وصاحب الجنتين.
والحقيقة التي لا مرية فيها أن الله يحب عباده جميعًا ويريد لهم الخير، فإن اختص أحدًا منهم بشيء فهو سبحانه يريد من وراء ذلك أن يشكره عليها، وأن ينفع عباده به كما جاء في الحديث: «إن لله تعالى أقوامًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم» (٢).
* * *
стр. 27
ثانيًا: من مظاهر حب الله لك:
هدايته وعصمته ودوام عافيته
خلصنا مما سبق أنه قبل أن تولد وتخرج إلى الدنيا اختارك الله لتكون من مخلوقاته، وأكرمك أكثر وأكثر فجعلك واحدًا من بني آدم، واختارك لهذا الزمان ابنًا لأبوين مسلمين ناطقين بالعربية.
أحلَّ روحك في شكل مناسب، وعافاك من كثير من الأمراض الخِلقية قبل أن تبدأ رحلتك على الأرض.
واستمر فضله عليك حتى يومك هذا ...
استمر فضله في نعمة العافية، فقد حفظك طيلة سنوات عمرك الماضية من الإصابة بأمراض كثيرة، وإذا ما أردت أن تعرف حجم هذا الحفظ، فتأمل كل صاحب مرض قد عافاك الله منه.
مئات بل آلاف الأمراض التي تصيب أجهزة الجسم وأعضاءه المختلفة قد عافاك الله منها.
لو علمت عدد الفيروسات والكائنات الدقيقة ومسببات الأمراض التي تحيط بنا، وتسبب أمراضًا خطيرة، والتي لا يمنعها من مهاجمتنا إلا الله ، لهرعت إلى السجود الطويل شاكرًا لله على حفظه لك طيلة هذه السنين، ولسألته دوام وتمام العافية.
هدايته لك
أخي القارئ, يا من أكرمك الله بالإيمان.
أتدري ما الذي حدث معك لتكون من أهل المساجد، بل من أهل الصلاة أصلا، ومن أهل الصيام والذكر والصدقة وفعل الخير؟!
لقد حبب الله إلى قلبك الإيمان، وشرح له صدرك، وكره إليك طريق الضلال والغي، ولو أردت أن تدرك حجم هذه النعمة العظيمة فتأمل أقرانك وجيرانك، وزملاء دراستك.
كم واحد منهم مثلك في تدينك والتزامك؟!
أتظن أن لك يدًا في ذلك؟! لا والله، بل هو محض الفضل الإلهي الذي منَّ الله به عليك ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١].
إن كل صلاة صليتها كان الله سبحانه سببًا في أدائك إياها.
فقد كان من الممكن ألا تجد في نفسك همة ولا عزيمة للقيام بها، بل فتور وتكاسل.
كان من الممكن أن يصيبك شيء يقعدك، ويعيقك عن أدائها.
كان من الممكن أن يأتيك من يشغلك عنها, يأتيك اتصال هاتفي طويل، أو تحدث مشكلة تتدخل لحلها أو ...
كان من الممكن أن تذهب إلى أدائها فلا يطاوعك لسانك على الذكر، ولا أعضاؤك على الحركة.
هذه هي الحقيقة، فالذي مكنك من هذا كله وأزال عنك العوائق وشرح صدرك لأدائها هو ربك الودود، فليس بينك وبين ترك الصلاة إلا أن يتركك الله لنفسك وحبها الدائم للراحة وكرهها المعهود للتكليف.
وكن على يقين بأن الفضل الإلهي يحدث مع كل صلاة تصليها، وكل صوم تصومه، وكل صدقة تتصدق بها، وكل تسبيحة تسبحها ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠].
العصمة
أما عن مظاهر حب ربك لك في جانب العصمة من الفجور والكفر فمن الصعب إدراك أبعادها، ويكفيك في ذلك أن كل معصية تحدث على وجه الأرض من كفر واستهزاء بالدين، وإلحاد، وسرقة، وزنا، و تعامل بالربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وغش، وخداع، ورشوة، وعقوق للوالدين، و ....
كل هذه المعاصي وغيرها لا يمنعك من القيام بها سوى ربك الذي كرَّهك فيها، وصرف ذهنك عنها، وأبعدك عن طريقها، وأبعدها عن طريقك.
فإن قلت: وهل من الممكن أن أفعل ذلك وأنا لم أقترف شيئًا منها طيلة حياتي، ولم أفكر فيها؟
نعم أخي، من الممكن أن يفعلها أي واحد منَّا لو تركه الله ولم يعصمه منها، فلا يوجد في البشر من يستعصي على فعل المعصية - صغيرة أو كبيرة - وذلك لطبيعة النفس البشرية الأمارة بالسوء ووجود الشيطان الذي يوسوس ويزين للنفس فعل المعاصي.
стр. 28
فإن كنت في شك من هذا فتأمل معي دعاء إبراهيم ﵇ لربه ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وكذلك يوسف الصديق ﵇ عندما استجار بربه ليصرف عنه فعل السوء ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].
فماذا تقول لربك بعد ذلك؟!
ماذا تقول لمن عصمك من الكفر والفسوق والعصيان؟!
ماذا تقول لمن اجتباك وهداك إلى صراطه المستقيم؟!
ألا ينبغي لنا أن نردد - بيقين - ما كان يقوله رسولنا ﷺ لربه في صباح كل يوم: وإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف، وعورة، وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك (١). ونقول: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
* * *
ثالثًا: من مظاهر حب الله لك:
قيامه على شئونك
تخيل معي لو أن شخصًا ما يقوم برعايتك باستمرار، ويدير كل شئونك .. يأتيك بالطعام والشراب وسائر ما تحتاج.
تريد الماء فتجده يسارع بإحضاره، وسقايته لك.
تريد الطعام فيشتريه ويطهيه ويناولك إياه، بل يطعمك بنفسه.
يحمل عنك أغراضك، ويقضي لك حوائجك.
تنام فيظل ساهرًا بجوارك، يحرسك ويحميك، ويطمئن عليك.
تخيل لو أن شخصًا يفعل معك ذلك كل يوم وبدون مقابل .. ماذا ستكون مشاعرك نحوه؟!
أليست مشاعر الامتنان والحب هي التي ستغمرك تجاهه؟!
فإن كان من الطبيعي أن تتملكك هذه المشاعر تجاه من يتولى رعايتك في بعض جوانب حياتك، فماذا ينبغي أن تكون مشاعرك تجاه من يتولى القيام على جميع شئونك منذ أن ولدت وحتى يومنا هذا .. وحتى لحظتك هذه؟!
لا حول ولا قوة إلا بالله
لقد خلقنا الله من العدم وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة والأطراف والأجهزة المختلفة كأسباب تتيسر لنا من خلالها الحياة بلا منغصات.
هذه الأسباب لا تملك في نفسها القدرة الذاتية على القيام بوظائفها المختلفة، فالعضلات- مثلا- خلقها الله ولديها القابلية للانقباض والانبساط، لكن الذي يمدها بالفاعلية والقدرة على ذلك هو الله . في كل لحظة وطرفة عين يمدها سبحانه بما يكفل لها القيام بوظيفتها ولو تخلى عنها طرفة عين لما انقبضت، ولا انبسطت، فإذا أردت الضحك لا تطاوعك عضلات فمك فيما تريد لأنها بدون المدد الإلهي تبقي عاجزة ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣].
هذه هي الحقيقة فهو سبحانه الذي أضحك وأبكى، وهو الذي أقام وأقعد، وهو الذي حرَّك وسكَّن.
نعم- أخي القارئ- لا قيمة لأحد منا بدون الله، وكيف لا وكل خلية تعمل في جسمك فإن ربك هو القائم عليها، وعلى تدبير شئونها.
القلب يتعاهده ويحفظه ويتولى ضبط سرعة ضخه للدم.
اللقمة التي تأكلها في فمك يتولى عملية تسييرها وهضمها وامتصاص النافع منها، وإخراج ما ينبغي إخراجه.
النَفَس الذي تتنفسه يتولى سبحانه عملية دخوله إلى الرئتين وأخذ مادة الأكسجين منه وإخراجه محملا بثاني أكسيد الكربون.
الكُلية يعمل بها حوالي مليون جهاز ترشيح يقوم عليهم جميعًا ويتولى أمر حفظهم وإمدادهم بالقدرة على تنقية الدم والسوائل مرات ومرات في اليوم الواحد.
يقوم سبحانه على الجهاز العصبي والإحساس, وعلى الجهاز المناعي، وعلى الغدد وما تفرزه من هرمونات تحتاج دومًا إلى ضبط نسبها الدقيقة في الدم.
قائم على الدم، وضبط درجة سيولته في كل لحظة، فلو زادت لحدث النزيف ولو نقصت لكانت الجلطات والعياذ بالله.
стр. 29
يتولى سبحانه أمر إبصارك بالعين، وسماعك بالأذن، ونطقك باللسان.
يمدك بالماء ويمكنك من شربه، ويمده بالقدرة على إروائك ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢].
يتولى أمر إثمار الطعام بأنواعه لتجده أمامك في أي وقت تشاء ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ - أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا - ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا - فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا - وَعِنَبًا وَقَضْبًا - وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً - وَحَدَائِقَ غُلْبًا - وَفَاكِهَةً وَأَبًّا - مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢].
يوحي إليك فعل الخيرات ويحببها إليك، ويصرف عنك فعل المنكرات ويكرهك فيها.
يجعلك تنام لترتاح، ويتولى حفظك وأنت نائم، ثم هو الذي يوقظك ويرد إليك روحك.
قريب منك .. أقرب مما تتخيل، يجيب دعاءك إذا ناديته بصدق وطلبت منه حاجتك.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
يحميك من نفسك ومن عدوك ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].
يحفظ لك أولادك وأهلك «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل».
فماذا تقول لمن يفعل معك كل هذه الأمور وغيرها كل يوم ومنذ أن ولدت؟!
ماذا تقول لمن يطعمك ويسقيك وإذا مرضت فهو الذي يشفيك؟!
فلتردد معي قوله ﷺ : «الحمد لله الذي يطُعمِ ولا يُطعمَ، منَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودّع ربي، ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العُري، وهدى من الضلالة، وبَصَّر من العَمي، وفضّل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين» (١).
* * *
رابعًا: من مظاهر حبه لك:
تسخير الكون لك
الله خلق الإنسان ليكون عبدًا له، وسيدا لما سواه، فلقد جعل الكون المحيط به مسخرًا لخدمته، يعمل من أجل راحته ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].
انظر- مثلا- إلى السماء فستجد الشمس تتحرك حركة دائبة كل يوم من المشرق إلى المغرب، لم تخلد يومًا إلى الراحة، وكيف تفعل ذلك وتغيب عنا وهي مأمورة بإمدادنا بالضياء والطاقة؟
والقمر كذلك يتحرك حركة دائبة من أول يوم في الشهر العربي يكون فيه هلالاً يكبر يوما بعد يوم فيكون بدرًا يضيء السماء ثم يعود كما كان في نهاية الشهر فيساعدنا بذلك على معرفة الأيام والشهور ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ - وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٣].
أنت القائد
أنت قائد هذا الكون أيها الإنسان، فكل ما فيه مسخر لخدمتك ..
انظر إلى جسمك وتأمل ما فيه من جوانب التسخير والخدمة لك أيها المكرم .. فعينك مُسخَّرة لترى بها ما حولك، ولسانك ما هو إلا خادم لك لتعبِّر من خلاله عما تريده، ويدك للبطش والكتابة، والتسبيح، ورجلك للحركة والذهاب إلى
حيث تشاء.
стр. 30
كل هذا يتم دون اعتراض أو تمنُّع، بل استسلام تام وانقياد تام لأوامرك.
هل فكرت يومًا في الطعام الذي تأكله كيف تتم رحلته داخل جسمك فيحدث من خلالها الهضم والامتصاص وإخراج الفضلات.
إن الأجهزة الداخلية تعمل داخلك ليل نهار لتقوم على راحتك، فلا تجهد ذهنك في التفكير عن كيفية عملها وماذا يحدث في داخل الرئتين أو القلب أو الكبد أو ....
لا تفكر في كيفية التئام جرح من الجروح فهناك من يقوم بذلك.
أرح نفسك من هذا كله فهناك خدم كثيرون لا يحصى عددهم يقومون على خدمتك.
أيها المدلل
انظر إلى طعامك وتخيل أن هذه الخضروات والفواكه لن تكون موجودة بهذه السهولة، وأن المطلوب منك هو أن تقوم بنفسك على عملية استخراجها من مكوناتها الأصلية.
كم من الوقت والجهد ستبذله للحصول على بعض ثمار الخيار مثلا، بل على ثمرة واحدة؟!
أيها المدلل ...
أتدري أن هناك مصانع لا تعد ولا تحصى موجودة تحت الأرض وفوقها تعمل ليل نهار- بإذن ربها- من أجل أن توفر لك شتى أنواع الأطعمة وما عليك إلا أن تجمع إنتاجها، وتختار منه ما يروق لك؟!
تخيل ثم تخيل
تخيل- أخي القارئ- أن الدابة التي تستخدمها في تنقلاتك من مكان لآخر، قد أنطقها الله ، فإذا هي تسألك قبل تحركها بك عن وجهتك، ولماذا تذهب إلى هذا المكان، وكم من الوقت ستستغرقه فيه و .....
تخيل أن الماء الذي تريد شربه لا يتحرك في فمك، بل يسألك لماذا تشرب الآن؟ ألم تشرب منذ قليل؟!
تخيل أنك تريد الكتابة فلا تتحرك معك يدك بل توبخك على كثرة استخدامها وعدم إعطائها راحتها.
تخيل ذلك وتخيل أن كل من حولك من المخلوقات يتكلم، ويناقش قبل قيامه بتنفيذ الأوامر .. ثم اسأل نفسك كيف ستكون الحياة بهذا الشكل؟!
لا تستغرب - أخي- هذا الكلام، فبالفعل قد أنطق الله بقرة في عصر من العصور السابقة لتكون آية للناس تشعرهم بحجم نعمة التسخير، ونعمة صمت الكائنات من حولنا.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس، فقال: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنَّا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث، فقال الناس: سبحان الله، بقرة تتكلم؟ فقال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر ... ». (١)
سل نفسك
وبعد أن تخيلت ما تخيلت، سل نفسك:
هل يرفض الماء إرواءك، والطعام إشباعك؟!
هل ترفض الدواب حملك إلى المكان الذي تريد ولو كان لا يرضي الله ؟!
هل امتنعت النار عن الإحراق والماء عن الغليان؟!
هل امتنعت الشمس يومًا عن الإشراق، والليل عن الإظلام؟!
تأمل ثم تأمل هذا اللون العجيب من نعم التسخير والتكريم لك أيها الإنسان واسأل نفسك- مرة أخرى- لماذا ميزك الله عن سائر مخلوقاته؟!
ولماذا هيأ الكون كله لخدمتك، وجعلك قائده وسيده؟!
هل هناك جواب آخر غير أنه يحبك ويريد لك النجاح في المهمة التي خُلقت لأجلها، ومن ثَّم دخول الجنة والتمتع بنعيمها الأبدي؟!
جاء في الأثر: «يا ابن آدم خلقت كل شيء لك، وخلقتك لنفسي، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له».
خامسًا: من مظاهر حبه لك
كرمه البالغ وهداياه المتنوعة إليك
إن ميزان العدل يقول إن من عمل حسنة كان جزاؤه حسنة، ومن عمل سيئة كانت عليه سيئة، ولكن ميزان الكرم والفضل الإلهي له رأي آخر ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣].
فميزان الحسنات يختلف عن ميزان السيئات, كرمًا منه ، وحبًا لعباده، ورغبة في دخولهم الجنة ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
стр. 31
تأمل أخي القارئ قوله ﷺ : «فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة». (١)
فإن كنت في شك من جوده وكرمه فماذا تقول في قوله ﷺ : «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر». (٢)
وماذا تقول في قوله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشرًا، كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل». (٣)
وغير ذلك من الأعمال المتاحة للجميع في أي وقت، والتي رتب الله على أدائها عظيم الثواب.
من الأمير ؟
جعل الله لكل عبد من عباده ملكان يحصيان عليه أعماله, مَلَك على اليمين يكتب الحسنات، وملك على الشمال يكتب السيئات، فمن هو الأمير الذي له الكلمة على الآخر؟!
يقول ﷺ : «صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل عبد حسنة كتبها بعشر أمثالها، فإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين: أمسك، فيمسك ست ساعات، فإن استغفر منها لم يكتب عليه شيئًا، وإن لم يستغفر كُتبت عليه سيئة واحدة». (٤)
أأدركت أخي قدر المعاملة الكريمة التي يعاملنا الله بها؟!
كريم في عطاياه
هذا من ناحية الكرم في الجزاء، أما الكرم في العطاء والرزق فحِّدث ولا حرج .. انظر معي إلى أصناف الفواكه مثلا، ألم يكن يكفينا صنف أو صنفان يدُخلان السرور علينا، ونتمتع بلذيذ طعمها؟! ولكنه الكرم الإلهي الغير محدود الذي أتاح لنا هذه الأنواع الكثيرة كي نتمتع بها، بل إن الصنف الواحد له عدة صور، وقل مثل هذا على الخضروات والطيور والأسماك .. هذا مع العلم بأننا لم نعرف بعد كل أنواع هذه المأكولات.
بل العجيب أن هناك مخلوقات خلقها الله لإشاعة البهجة في نفوسنا عند رؤيتها ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠].
الهدايا المتنوعة
لقد وصانا نبينا ﷺ بالتهادي فيما بيننا ليزداد الحب، فالهدية لها تأثير عجيب في استمالة القلوب تجاه مُعطيها؛ قال ﷺ «تهادوا تحابوا». (٥)
هذه الوسيلة العظيمة ذات الأثر المجرب في تنمية الحب يفعلها معنا ربنا باستمرار، فهداياه لا تنقطع عنا رغم إعراضنا الشديد عنه, يتحبب بها إلينا حتى نزداد له حبًا، وهو من هو .. هو الإله العظيم الذي خضعت له السماوات والأرض والجبال والبحار وكل شيء في هذا الكون .. هو الله الذي له ملكوت كل شيء.
هو الرب الغني الذي لا ينتظر من عباده طاعة تنفعه، ولا يخشى منهم معصية تضره- حاشاه- هذا الإله بجلاله وكماله وملكه العظيم يتودد ويتحبب إلينا بإرسال تحفه وهداياه كل حين, قال ﷺ : «إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها، لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدًا». (٦)
стр. 32
ومن هذه النفحات والهدايا: يوم عرفة .. فإن صمته أخي القارئ غُفر لك ذنوب عامين, عام سابق وعام لاحق، وإن استطعت أن تكون في أرض عرفة في هذا اليوم تستغفر ربك غُفرت كل ذنوبك، وأصبحت كيوم ولدتك أمك .. بلا ذنوب ولا خطايا.
وكذلك يوم عاشوراء فمن صامه غُفرت له ذنوب عام كامل.
والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما إذا ما اجتنبت الكبائر.
وفي شهر رمضان: الفريضة فيه بسبعين فريضة، والعبادة في ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر.
فماذا تقول لمن يهديك كل هذه الهدايا بلا مقابل ينتظره؟!
«يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا».
قال بعضهم: ليس العَجَب من فقير يتودد، وإنما العجب من غني يتحبب.
يرضى بالحمد شكرًا
إن الحقيقة التي لا مرية فيها أن لله هو الذي يطعمنا ويسقينا ويتولى جميع شئوننا بالإمداد والرعاية ولولاه ما كانت حياة.
والمفترض أن يكون المقابل الذي نؤديه لله كشكر له على نعمه وإمداده المتواصل لنا: هو السجود المتواصل، والتسبيح المطلق كحال الكون كله وما فيه من مخلوقات ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠].
ولكنه- لم يطلب منا ذلك، بل طلب أعمالا يسيرة لا تستغرق منا وقتًا معتبرًا، ويكفيك في هذا قولهصلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة، فيحمد الله عليها». (١)
بل إنه يعلي من شأن هذا الحمد كما قال ﷺ «ما أنعم الله على عبد نعمة، فحمد الله عليها، إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة». (٢)
رب شكور
بلا شك أن الله هو الذي يحبب إلينا فعل الخير، ويعيننا على القيام به، ويصرف عنا الشواغل، ويزيل العوائق، فلولاه سبحانه ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
ومع ذلك فإننا نجده سبحانه يُعظِّم أعمالنا ويكبرها، ويشعرنا بأننا قد فعلنا شيئًا عظيمًا .. تأمل قوله لأهل الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
أهذه الأعمال القليلة تستحق هذا الجزاء العظيم لو افترضنا أن أصحابها بالفعل قد قاموا بها دون إعانة من أحد؟ فما بالك والأمر غير ذلك، فالله هو الذي وفقهم وأعانهم للقيام بها, ثم يقول لهم بعد ذلك وهم يتقلبون في صور النعيم في جنات الخلود: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢].
تخيل لو أن رجلا غنيًا- واسع الثراء- له صديق فقير يحبه كثيرًا ويريد أن يساعده دون أن يجرح مشاعره، فهداه تفكيره إلى أن يطلب منه القيام ببعض الأعمال البسيطة الخاصة به، فلما قام بها أعطاه مقابل ذلك عطاء كبيرًا، ولم يكتف بذلك بل أشعره بأن ما قام به من أعمال قد عادت عليه بنفع كبير، وأنه مهما أعطاه فلن يستطيع أن يوفيه حقه، و ...
كل هذا ليقبل صديقه الفقير أعطيته بنفس راضية، على الرغم من أن هذا الفقير يعلم في قرارة نفسه أن هذا المقابل لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع ما قام به من أعمال.
هذا تشبيه- مع الفارق- لما يستشعره أهل الجنة عندما يفاجئون بنعيم لا يمكن تخيله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣].
فماذا يقولون بعد ذلك؟!
стр. 33
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] فإذا بهم يفاجئون بنداء يقول لهم: بل هذا حقكم وجزاء أعمالكم ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
كرم عجيب
تأمل معي أخي القارئ هذا الحديث الشريف الذي يخبرنا عن حوار دار بين آخر رجل يدخل الجنة، وبين الله ، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة. رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى! فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو أن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي، أو تضحك بي وأنت الملك» قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقول: «ذلك أدنى أهل الجنة منزلة». (١)
وفي نهاية الحديث عن مظاهر الكرم الإلهي أتركك- أخي- تتأمل قول رسول الله ﷺ : «إن الله رحيم، حيٌّ، كريم، يستحي من عبده أن يرفع يديه ثم لا يضع فيهما خيرًا» (٢).
* * *
سادسًا: من مظاهر حب الله لك:
رحمته ورأفته بك وشفقته وحنانه عليك
في يوم من الأيام وبينما كان رسول الله ﷺ بين صحابته إذ جاءه سَبْي،
وفي هذا السَبْي امرأة تسعى ملهوفة مضطربة- فقد ضاع منها صبيها- واستمرت على ذلك الحال الشديد حتى وجدته، فأخذته وضمته إلى صدرها بشدة، ثم أرضعته.
منظر مؤثر دفع رسول الله ﷺ لأن يعلق عليه ويقول لأصحابه: «أترون هذه طارحة ولدها في النار»؟! قالوا: لا والله. قال «الله أرحم بعباده من هذه على ولدها». (٣)
وفي بعض مغازيه ﷺ وبينما كان يسير مع أصحابه، إذ أخذ بعضهم فرخ طير، فأقبل أحد أبويه حتى سقط في أيدي الذي أخذه، فقال رسول الله ﷺ : «ألا تعجبون لهذا الطير أُخذ فرخه فأقبل حتى سقط في أيديهم، والله لله أرحم بخلقه من هذا الطير بفرخه». (٤)
نعم، أخي القارئ، الله أرحم بنا من أمهاتنا، ومن آبائنا، وأبنائنا وأزواجنا. يقول عبد الله بن مسعود: لله أرحم بعبده يوم يأتيه، أو يوم يلقاه، من أم واحد فرشت له بأرض قرّ، ثم قالت (نامت) فلمست فراشه بيدها، فإن كان به شوكة كانت قبله، وإن كانت لدغة كانت بها قبله. (٥)
لا وجه للمقارنة
فإن قلت إن والديَّ لا يفتآن يدعوان لي بالصلاح والفلاح حرصًا منهما عليَّ وعلى استقامتي، ذكرناك بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وإن قلت فإن والدي يعتصرهما الألم والشفقة إذا ما أصابني مكروه من مرض ونحوه، بشرناك بأن الله يشملك وقت مرضك- عافاك الله من كل مكروه- برعاية ومعية لا يمكن تصورها، ويكفيك في ذلك هذا الحديث القدسي الذي يخبرنا بأن الله يقول يوم القيامة: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده» ... الحديث (٦).
стр. 34
وليس هذا فحسب بل إنه قد رغَّب عباده في عيادة المريض، ووعدهم على ذلك بعظيم الجزاء لتكون الزيارة سببًا في رفع معنويات المريض، وتخفيفًا عنه، وتسرية له.
قال ﷺ : «ما من مسلم يعود مسلمًا غُدْوَة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشيّة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة». (١)
وليس ذلك للمريض فحسب، بل لكل أصحاب الحالات الخاصة والضعفاء كأهل البلاء والأرامل والأيتام.
فهؤلاء تزداد الرحمة والشفقة الإلهية عليهم، وتزداد تبعًا لذلك وصاياه لنا برعايتهم مع وعده - سبحانه- بعظيم الجزاء الذي يفوق ويفوق ثواب الكثير من العبادات.
ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يَفتُر، وكالصائم الذي لا يُفطر» (٢).
ويخبرنا ﵊ مبلغًا عن ربه بأن «من عال جاريتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضم أصابعه (٣).
أما عن اليتيم فلا تسل عن فضل كفالته .. يكفي أن كافله سيكون جار رسول الله ﷺ في الجنة.
وليس هذا فحسب، بل كان الترهيب الشديد من تضييع أمواله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
ولماذا الابتلاء ؟!
قد يقول قائل: ولماذا هذه الأقدار المؤلمة، والابتلاءات الشديدة التي تتنافى
-ظاهرًا- مع مظاهر الرحمة الإلهية بالناس؟ !
نعم، قد يكون لهذا السؤال وجاهته إن كانت الدنيا هي دار النعيم الأبدي والمستقر النهائي، ولكن الدنيا ليست كذلك، فهي دار اختبار، يؤدي كل من عليها امتحانًا في مدى عبوديته لربه ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧].
هذا الامتحان مكون من تكاليف يقوم بها الفرد، وأدوات عليه أن يُحسن التعامل معها، فالتكاليف هي الأوامر والنواهي، والأدوات هي العطاء والمنع.
أما العطاء فهو كل ما يرد على العبد من النعم، والمطلوب منه أن يشكر الله عليها.
والمنع هو كل ما يمنع الله منه العبد من صحة أو مال أو .... ، والمطلوب أن يصبر على ذلك ابتغاء وجه الله.
فالعطاء ليس دليل كرامة من الله للعبد، والمنع ليس دليل إهانة، بل كلاهما مواد اختبار ﴿فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ - وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ - كَلاَّ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧].
فإن قلت: ولماذا لا يمتحن الناس جميعًا في مادة العطاء؟
لو كان الجميع في صحة وعافية ورزق وفير ما استشعر الناس قيمة هذه النعم، ولما انكشف المتواضع من المتكبر، ولا الشاكر من الجاحد، ولا الصابر من الشاكي ربه .. ألم يقل سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
стр. 35
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الله يبسط الرزق أو يمنعه عن عباده حسب ما يصلحهم، وبحسب حالتهم التي لا يعلمها سواه ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَّشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠].
لذلك جاء في الحديث القدسي يقول الله : «إن من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح حاله إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك ... ». (١)
وما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ : «إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب، تخافون عليه». (٢)
من فوائد الابتلاء
الله يبتلي عباده ليذكِّرهم به، وبضرورة العودة إليه قبل فوات الأوان ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] فهو إذن مظهر عظيم من مظاهر رحمة الله بالعصاة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢].
ويبتلي سبحانه عباده كذلك ليطهرهم من ذنوبهم في الدنيا قبل أن لا يصبح أمامهم طريقة للتخلص منها إلا بالنار.
أيهما أهون علينا- أخي القارئ- التطهير في الدنيا أم التطهير في الآخرة بالنار والعياذ بالله.
ألم يقل ﷺ : «ما يُصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه». (٣)
وقال: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة» (٤).
وهناك طائفة أخرى من العباد الطائعين لربهم، يريد سبحانه أن يكافئهم برفع درجاتهم في الجنة، ولكن أعمالهم لا يمكنها أن ترقى بهم إلى هذه الدرجات فكان الابتلاء وسيلة يستخرج الله من قلوب هؤلاء ألوانًا من العبودية من ذل وانكسار وفقر واضطرار ما كانت لتخرج من قلوبهم إلا من خلال هذا الابتلاء.
ويؤكد على هذا المعنى القاضي عياض في كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ »، فيقول: فإن قيل: فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدّتها عليه صلى الله عليه وسلموعلى غيره من الأنبياء على جميعهم السلام؟ وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء، وامتحانهم بما امتحُنوا به، كأيوب، ويعقوب، ودانيال، ويحيي، وزكريا، وإبراهيم، ويوسف، وغيرهم، صلوات الله عليهم، وهم خيرته من خلقه وأحباؤه وأصفياؤه؟
فاعلم- وفقنا الله وإياك- أن أفعال الله تعالى كلها عدل، وكلماته جميعها صدق، لا مبدل لكلماته، يبتلي عباده كما قال تعالى لهم ﴿لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم، ورفعة في درجاتهم، وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضا، والشكر والتسليم، والتوكل، والتفويض، والدعاء، والتضرع منهم، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين، والشفقة على المبتلين، وتذكرة لغيرهم، وموعظة لسواهم ليتأسَّوا في البلاء بهم، فيتسلوا في المحن بما جرى عليهم، ويقتدوا بهم في الصبر، ومحوٌ لهَنَّاتٍ فرطت منهم، أو غفلات سلفت لهم، ليلقوا الله طيبين مُهذّبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأَجْزل. (٥)
стр. 36
جاء في الأثر: إن الله تعالى ليصيب العبد بالأمر، وإنه ليحبه، لينظر كيف كان تضرُّعه إليه. (١)
* أخي ..
إن بعض الناس لا يرغب في نزول المطر لأنه يراه عائقًا أمام حركة السير، وسببًا لبعض الحوادث.
ولكن المطر- في حقيقته- من أجَلّ صور الرحمة الإلهية بالناس، فيه ينبت الزرع وتحيا الحياة، وترتوي المخلوقات، وليس معنى عدم استشعار البعض لهذه الحقيقة أن يتوقف نزول المطر- رحمة بهم على حد زعمهم- بل إن الرب الرحيم يرى المصلحة العامة لعباده فُيقدِّر الأقدار، ويحرك الأحداث من أجل تحقيقها.
فالابتلاء وإن كان في ظاهره الضيق والعنت إلا أنه يحمل في طياته رحمات كثيرة ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
الشفقة الإلهية
ثم تأمل معي هذا الحديث لتدرك بعضًا من أبعاد الشفقة والرأفة الإلهية بعباده والتي تزداد وتزداد عند ابتلائهم.
عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات ولد العبد قال تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول، قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد». (٢)
أما يوم القيامة فالتكريم الخاص ينتظر أهل البلاء الذين نجحوا في مادة الصبر. يقول ﷺ : «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرِّضت في الدنيا بالمقاريض». (٣)
الابتلاء بالذنب والحرمان من الطاعة
ومن المظاهر العجيبة للرحمة الإلهية ابتلاؤه لعباده بالذنب، والحرمان من الطاعة، بتركهم لأنفسهم وعدم إعانتهم وتوفيقهم للقيام بالطاعة والإقلاع عن الذنب، فيستشعروا وقتها مدة فضل ربهم عليهم، وأنهم به لا بأنفسهم، وأنه لو تخلى عنهم طرفة عين لهلكوا، ولضلوا، ولوقعوا في أشد المعاصي.
وفي المقابل لو استمر إمدادهم بالتوفيق والإعانة اللازمة للقيام بالطاعة، وترك المعصية، فمن المتوقع أن يتسرب إلى نفوسهم داء العُجب، فيعجبوا بأعمالهم، وبصلاحهم، ويغترون بذلك، ويظنون أن لهم مكانة خاصة عند الله بهذا الصلاح وهذه الأعمال، ويحتقرون غيرهم من المقصرين، فتكون هذه الطاعات سببًا لارتدائهم رداء الكبر، ومن ثمَّ استدعائهم لغضب الله وعقابه المُستحق للمتكبرين.
لذلك كان الابتلاء بالذنب، والحرمان من الطاعة من لطف الله الخفي بعبده، بل من دلائل حبه له أحيانًا.
جاء في الحديث: «يقول الله : وإن من عبادي من يطلب بابًا من العبادة فأكفه عنه كيلا يدخله العجب، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني عليم خبير» (٤).
ولعلنا بذلك ندرك مغزى قوله ﷺ : «لو لم تكونوا تذنبون، لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العُجب العُجْب». (٥)
ومما يؤكد هذا المعنى ما قاله ﷺ للصحابة «لو أنكم تكونون على كل حال على الحالة التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا، لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم». (٦)
стр. 37
الرحمة الواسعة
إن رحمة الله بعباده ولطفه الخفي بهم ليس له حدود ولا يمكن للعقل البشري أن يدرك أبعاده، ويكفي أنه كتب على نفسه الرحمة، ففي الحديث «إن الله حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه أن رحمتي تغلب غضبي». (١)
وجاء في الأثر أن بني إسرائيل قالت لموسى ﵇: «هل يصلي ربك؟ قال موسى: اتقوا الله يا بني إسرائيل. فقال الله يا موسى: ماذا قالت لك قومك؟ قال: يا رب قد علمت، قالوا: هل يصلي ربك؟ قال: فأخبرهم أن صلاتي على عبادي أن تسبق رحمتي غضبي, لولا ذلك لأهلكتهم». (٢)
ومن أعظم الأدلة التي تؤكد هذا المعنى: رحمته سبحانه بالعصاة له والكافرين به، فهو سبحانه لم يمنع عنهم رزقه رغم عصيانهم وابتعادهم عن طريقه، ولم يُعجل نهايتهم فلعلهم يعودون إليه في لحظة من اللحظات ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
ويكفينا في ذلك ما حدث من فرعون من طغيان فاق الحدود، ومع ذلك أمهله الله وأرسل إليه موسى وهارون ﵉ ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤] فظلا يحاورانه ويثُبتان له بالأدلة الدامغة ألوهية الله وربوبيته على خلقه، ولكنه أبى واستكبر .. وكان ما كان من تتبعه لموسى في البحر إلى أن أغرقه الله .. في هذه اللحظات- لحظات النهاية، وبعد أن أصبح الغيب عنده كالشهادة قال ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
شهادة لا تنفع في هذا الوقت، وقت الغرغرة ونزع الروح، ورؤية الملائكة، ومع ذلك فإن جبريل ﵇ كان له موقف عجيب انطلق من إدراكه لمدى سعة الرحمة الإلهية، وانطلق كذلك من بغضه الشديد لفرعون وأفعاله الطاغية، وكبره وإصراره على الكفر رغم ما رأى من آيات مبصرة.
يقول ﷺ : «لما أغرق الله فرعون، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد! فلو رأيتني وأنا آخذ من ماء البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة». (٣)
رب رءوف:
* أخي القارئ, لعلك قد لمست مدى شفقة أمك عليك وهي ترغِّبك في تناول وجبة الإفطار قبل ذهابك لمدرستك أو عملك خوفًا عليك من أن يداهمك التعب والإرهاق.
وأين هي رحمة أمك وعطفها-مهما بلغا- من رحمة ورأفة الرءوف الرحيم، الذي يعاملك ويعاملنا جميعًا بشفقة تفوق وتفوق شفقة أمك بك.
فمع أنه- يكلفنا بأداء العبادات ليجزينا عليها الجنة، إلا أنه لا يريد لنا أن نقع في مشقة أو حرج من أدائها ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
يطالبنا بالصوم، ثم يرغبنا في التعجيل بالفطر، فيكفي الصيام حتى المغرب، ولا داعي للتأخير أكثر من ذلك حتى لا يزداد الإرهاق، ففي الحديث القدسي: قال الله : «أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا». (٤)
ويحثنا كذلك على السحور، وعلى تأخيره قدر المستطاع لينشط به الصائم ويقوى، ويهون عليه صيام يومه.
قال ﷺ : «تسحروا فإن في السحور بركة». (٥)
стр. 38
ربك- أخي- علمنا على لسان نبيه ﷺ كلمات نقولها حتى لا يصيبنا مكروه، ففي الحديث: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم- ثلاث مرات- فيضره شيء». (١)
وعند الخروج من المنزل ومواجهة أحداث الحياة أوصاك أن تقول: «بسم الله، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيقال لك: كُفيت ووقيت وهُديت، وتنحى عنك الشيطان».؟ (٢)
وتأمل معي هذه الوصية النبوية التي تقطر شفقة ورحمة إلهية:
«من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب». (٣)
ربك أوصاك على لسان نبيه بأن تميط الأذى عن الطريق كيلا يتسبب وجوده في إيذاء الناس؛ شفقة عليهم ورحمة بهم.
ولكي يشجعنا على تنفيذ هذا الأمر أعد مكافأة خاصة لمن يقوم بذلك, قال ﷺ «كان على الطريق غصن شجرة يؤذي الناس فأماطها رجل فأُدخل الجنة» (٤)
فأي شفقة ورحمة تلك التي يغمرنا الله بها؟!
رفع الحرج
ومن مظاهر رحمة الله وشفقته بعباده رفع الحرج عنهم من خلال تخفيف العبادات عند مظنة وقوعهم في مشقة.
فالصلوات الخمس التي لا يستغرق أداؤها وقتا طويلا، والتي نستفيد نحن منها لتسكب داخلنا الطمأنينة، والسلام الداخلي، ومع ذلك، ففي وقت السفر، ومظنة التعب، فإنه سبحانه يخفف عن المسافرين عدد ركعات الصلوات الرباعية ليجعلها ركعتين، ويسمح لهم كذلك بالجمع بين الصلوات تخفيفًا عليهم، ورفعًا للحرج عنهم، مع العلم بأنه ليست كل الأسفار تسبب تعبًا ومشقة ولكنها الرحمة الإلهية التي تغمر الجميع ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ولعلمه سبحانه بأن البعض قد يتحامل على نفسه ولا يأخذ بهذه الرخص فلقد أخبرنا على لسان نبيه بأنه- سبحانه- يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. (٥)
ومن مظاهر رفع الحرج قوله ﷺ : «وُضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». (٦)
ومنها كذلك: عدم محاسبتنا عما نحدث به أنفسنا من مخالفات- وما أكثرها- يقول ﷺ : «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل به». (٧)
ومن مظاهر رفع الحرج أيضًا مراعاته سبحانه للحاجات الفطرية للناس وحالات الضعف البشري التي تعتريهم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ومنها السماح للناس وهم في رحلة الحج أن يبيعوا ويشتروا ويتزودوا بما يريدونه ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
لا تنس أنك عبد
إن العبد- أي عبد- من المفترض عليه أن يقوم بالتكاليف التي يطلبها منه سيده لمجرد أنه عبد، وأن هذا سيده، وليس له أيضًا أن يسأل عن سبب تكليف سيده له بذلك، ولا أن ينتظر أجرًا عليه، لأنه يخدمه بموجب أنه عبد عنده.
стр. 39
أي أننا وإن افترض الله علينا ما شاء من عبادات فهذا ما تقتضيه عبوديتنا له سبحانه، ويقتضيه كونه مستحقًا للعبادة، وعندما نراه- جل شأنه- يخفف عنا بعض التكاليف، ويرفع بعضها في أوقات معينة، مراعاة لظروف البعض، فهذا منتهى الرحمة والرأفة من الرب بعبيده المكلفين في الأصل بطاعته وعبادته.
شريعته كلها رحمة
ومما يؤكد هذا المعنى أن أحكام الشريعة التي أمرنا الله أن نتحاكم إليها ونتعامل بها ما هي إلا مظهر عظيم من مظاهر رحمته بعباده، ألم يقل سبحانه لرسوله محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فالحدود على سبيل المثال لو تأملناها جيدًا لوجدناها بمثابة السور الشائك الذي يحمي بناء المجتمع المسلم، والذي لا بد من وجوده وإلا ضاع الأمن والأمان والثقة والاستقرار ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].
والجهاد في سبيل الله ما هو إلا مظهر عظيم من مظاهر الرحمة بعموم الناس.
فإن قلت: كيف يكون القتل والدماء رحمة بالناس؟!
يكون رحمة بالناس لأن من خلاله يزيل المسلمون العوائق التي تحول بينهم وبين دعوة الناس الذين لا يعلمون شيئًا عن الإسلام، فطغاتهم يشكلون حائلا يحول بينهم وبين وصول الدعوة إليهم ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
تقليل الأعمال في أعيننا
ومن مظاهر رحمة الله بعباده أنه سبحانه يريد منهم أن يؤدوا ما أمرهم به كي يدخلهم الجنة، ولأنه يعلم كراهية نفوسنا للتكليف وحبها للراحة، فإنك تجده يقلل الأعمال المطلوبة في أعيننا ليسهل علينا أداءها، فيقول لنا عن الصيام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤] تأمل عبارة: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ وما فيها من معان الاستدراج وتيسير العبادة.
ونفس الأمر بالنسبة للحج: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
أما بالنسبة للمحرمات فهو سبحانه يخبرنا بأن كل الأطعمة والأشربة مباحة لنا إلا بعض الأصناف اليسيرة، ولو اضطررنا لتناولها فلا إثم علينا ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].
الرحمة المدَّخرة
إن الحديث عن مظاهر الرحمة الإلهية لا ينتهي، وكيف له أن ينتهي وقد أخبرنا سبحانه بأنه ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] فرحمته سبحانه قد شملت كل شيء ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
ولعل أفضل ما نختم به الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله تعالى هذه البشرى التي حملها إلينا رسول الله ﷺ عندما أخبرنا بأن الله قد خلق مائة رحمة جعل جزءًا واحدًا منها للدنيا يتراحم بها الناس فيما بينهم، أما بقية المئة (التسعة وتسعون جزءًا) فقد ادخرها- سبحانه- ليوم أحوج ما نكون فيه إلى الرحمة, ليوم القيامة.
قال ﷺ : «إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة
طباق بين السماء والأرض، فجعل منها في الدنيا رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، وأخَّر تسعًا وتسعين، فإذا كان يوم القيامة أكملها
بهذه الرحمة» (١).
стр. 40
وكذلك قوله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب بشر، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه»؟ (١).
* * *
سابعًا: من مظاهر حب الله لك:
تيسير طريقك إلى التوبة
والرجوع إليه
كان رجل في بني إسرائيل اسمه «الكفل»، وكان معروفًا بين الناس بفحشه وإجرامه، وذات ليلة وبينما هو في منزله إذ سمع طرقًا على بابه، فقام ليفتحه فإذا بامرأة يقطر منها الحياء وقد جاءته لتطلب منه أن يقرضها مبلغًا من المال لحاجتها الضرورية إليه، فيوافق على إقراضها بشرط أن تمكنه من نفسها، فتضطر المرأة للموافقة، وعندما يقترب منها إذ بها ترتعد، فيسألها عن السبب، فتجيبه بأنها لم تفعل هذا من قبل، وإنها تخاف من غضب الله عليها.
هنا توقف الكفل عما كان ينوي فعله، وقال لها: من الذي ينبغي له أن يخاف من غضب الله: أنا أم أنت؟ ثم أعطاها ما تريد من مال، وتركها تنصرف، والندم يعتصر قلبه على آثامه التي اقترفها، وعلى استخفافه بأوامر ربه، ثم توجه إلى الله بهذا القلب المنكسر يسأله العفو والصفح والتوبة.
هل انتهت القصة على هذا الوضع؟!
لا، فقد حدث أن جاءه الموت وهو في هذه الحالة، فلما أشرقت الشمس وجاء الصباح، فوجئ الناس, جيرانه ومعارفه الذين تركوه بالليل, وهم يعلمون عنه ما يعلمون, فوجئوا جميعًا بأن باب داره مكتوب عليه «إن الله قد غفر للكفل».
لم يصدقوا ما قرءوه، فهرعوا إلى نبيهم، فأوحى الله إليه بما حدث، فأخبرهم خبره، فتلقوه فاغرين أفواههم، غير مصدقين ما حدث.
بلا شك- أخي القارئ- أن هناك دروسًا كثيرة تحملها هذه القصة، لعل من أهمها أن الله عندما وجد من الكفل هذه التوبة الصادقة، وهذا الندم، أمر ملك الموت بأن يأخذه على هذا الحال لُينهي حياته نهاية سعيدة، فربما- كما في علم الله- أنه إذا ما استمرت حياته لعاد مرة أخرى لغيه وعصيانه.
ومن هذه الدروس كذلك معرفة مدى حب الله العظيم لعباده فكتابة العبارة على الباب ما هي إلا رسالة للناس جميعًا بأن رحمة الله واسعة .. تسع الجميع، فلا ينبغي لمذنب مهما كان جُرمه أن ييأس أو يقنط من بلوغها، والدليل أن الكفل قد غُفرَ له .. إنها رسالة تقول لكل فرد: أقبل ولا تخف، فربك ينتظرك.
وكيف لا يكون الأمر كذلك، والله يحب عباده جميعًا، ويريد لهم الخير، ودخول الجنة، وينتظر من أي منهم التفاتة صادقة إليه ليقبل عليه، ويعفو عما مضى منه.
ومما يؤكد هذا المعنى ما حدث لقاتل المئة نفس:
قال ﷺ : «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على راهب، فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمَّل به مئَة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قَتل مئة نفس فهل له من توبة؟
فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أُناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يفعل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم- أي حكمًا- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة» (٢).