وكلما نما الإيمان أكثر نقص التعلق بالناس، والطمع فيهم حتى يصل المرء لدرجة الاستغناء القلبي عنهم، أو بمعنى آخر: ينقطع تعلق القلب بهم من حيث النفع والضر.
نعم هو قد يطلب مساعدتهم في بعض الأعمال، لكنه يتعامل معهم باعتبار أنهم من جملة الأسباب التي قد يأخذ بها، أما الذي يُحرك الأحداث ويُنشئ النتائج فهو الله ، وما البشر إلا ستار لإظهار قدرته وربوبيته.
وكذلك فهو قد يأخذ منهم ما يُعطونه إياه بطيب نفس، ولكن يأخذه بمشاعر من يأخذ من الله عن طريقهم، وأنهم مجرد أدوات لتوصيل رزق ربه - سبحانه - إليه.
وهكذا تظهر بالتدريج ثمار الاستغناء عن الناس تبعًا لنمو الإيمان الحقيقي في القلب.
النمو الإيماني والتعامل مع أحداث الحياة:
الحياة الدنيوية ما هي إلا مشهد عظيم تتجلى فيه مظاهر صفات الله ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].
والهدف العظيم من وجود المخلوقات بهذه الكثرة على اختلاف أشكالها وألوانها وأوصافها هو الدلالة على الله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
والهدف كذلك من تقلبات أحداث الحياة من سرَّاء وضرَّاء، وعطاء ومنع، وصحة ومرض، إلخ؛ هو إظهار قدرته سبحانه وقيُّوميته، وعزته، ورحمته، وحكمته ... وسائر صفاته.
والإنسان هو المخاطب بهذا كله، وعليه أن يتعرف على ربه من خلال هذه المشاهد والأحداث التي تحدث أمامه، ويُشاهدها دومًا ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥].
لكن ظلمات الهوى والانكفاء نحو طين الأرض قد تحُول بينه وبين الرؤية الصحيحة والتحليل الحقيقي لهذه المشاهد والأحداث ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
فإذا ما استيقظ الإيمان؛ فإنه في البداية يكون بمثابة بصيص من النور يظهر في القلب يجعله ينتبه - بعض الشيء - لِما يجري حوله، وبخاصة في الآيات الكبيرة التي يرسلها الله .
فإذا ما نما الإيمان أكثر، قوي نور البصيرة أكثر لتزداد الرؤية العامة وضوحًا، ويزداد ربط الأحداث والمشاهد بالله .
نعم، من المتوقع ألا تكون هذه الرؤية حاضرة في كل الأوقات، بل ستكون نسبتها محدودة، ولكنها ستزداد مساحتها - بإذن الله - بمرور الوقت وازدياد النمو الإيماني، لتسيطر على فكر العبد ومشاعره، فتجعله يعيش بكيانه في حقيقة التوحيد، فيَعْبُر من المشاهدة إلى شهود صفات الله وهي تعمل، فيربط كل ما يحدث أمامه وكل ما يشاهده بالله ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤].
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
стр. 37
وكان ﷺ يعيش بكيانه كله في هذه الحقيقة .. انظر إليه وهو يقول لأصحابه: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، يخوِّف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلُّوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» (١).
وكان يقول: «إنما أنا مبلغ والله يهدي، وإنما أنا قاسم، والله يُعطي» (٢).
وعندما مات ابن لزينب ابنته قال: «قولوا لها: لله ما أخذ ولله ما أعطى ... » (٣).
ولقد كان الصحابة كذلك يعيشون في ظلال هذه الحقيقة، فهذا عبد الله بن عتيك بعد أن قتل أبا رافع اليهودي في حصن خيبر يعود مسرعًا إلى أصحابه يُبشرهم بقتله ويستحثهم على سرعة مغادرة المكان، ومع هذا الوضع المتوتر إلا أنه لم ينس تلك الحقيقة فقال لهم: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع (٤).
وهذا الطفيل بن عمرو الدوسي يقُصّ على من حوله قصة إسلامه فيقول: وأبى الله إلا أن يُسمعني بعض قوله (٥) ..
وهذا سعد بن أبي وقاص يُرسل رسالة إلى عمر بن الخطاب يُبشره فيها بنصر القادسية فيقول فيها: ولقد استشهد «الله» فلانًا وفلانًا (٦).
مع المنع والعطاء:
ومع انعكاس النمو الإيماني على وضوح الرؤية لآيات الله المختلفة، فإنه أيضًا ينعكس على طريقة استقبال العبد لها، وتعامله معها، فتجده يربط النعم التي تَرِد عليه بالله المنعم، ويفرح بفضله - سبحانه - ويستكثر على نفسه هذا الفضل، ومن ثَمَّ تهيج مشاعر الامتنان لله في قلبه ليعيش حالة القلب الشاكر.
وفي أوقات المحن والبلايا تجده - وإن تضايق قليلًا في البداية - إلَّا أنه سرعان ما يعود به إيمانه إلى الصبر وعدم الجزع أو التَسخُّط، بل ومن المتوقع - مع استمرار النمو الإيماني - أن يعيش المرء في حالة الرضا عن الله، فيسكن قلبه مهما تقلَّبت به الأحداث.
وباستمرار النمو الإيماني يزداد فهم العبد لأحداث الحياة وتقلباتها وبخاصة المؤلمة منها لتتحول كلها في نظره إلى عطاء من الله ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١].
ومما يلزم التنويه إليه أنه مهما ارتقى الإيمان في قلب العبد إلا أن بشريته - وما فيها من ضعف - لن تُفارقه، لذلك فمن المتوقع أن تَزِلّ الأقدام في بعض الأمور القليلة والنادرة، لكن داعي الإيمان سُرعان ما يدفع صاحبه للعودة السريعة والتوبة النصوح، واستئناف السير إلى الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
стр. 38
النمو الإيماني والحالة القلبية:
كلما نما الإيمان وازداد نوره في القلب كلما أحس المرء بانشراح في صدره، وتضاءلت أوقات شعوره بالضيق، فإذا ما استمر النور في دخول القلب ازدادت مساحة الحياة فيه، وشيئًا فشيئًا تُصبح مساحة الحياة في القلب أكبر وأكثر اتساعًا من غيرها، فيحدث حدث هام ومادي يشعر به المرء في لحظة سعيدة من لحظات عمره، ألا وهو شعوره بتحرك قلبه في صدره حركة سريعة ومضطربة، وهذا ما يُسمى بولادة القلب الحي، أو «الولادة الثانية»، والتي يصفها أحد السلف بقوله: كنت ساجدًا في صلاة فجر يوم من الأيام، وقُمت من السجود لكني شعُرت بأن قلبي لم يقُم من سجدته .. أي: حدث له خشوع وهبوط وشدة انجذاب إلى الأسفل، وعندما قام البدن من السجود ظلَّ القلب كما هو، ثم يعود بعد ذلك إلى حالته الطبيعية إلى أن تأتي لحظات أخرى في الصلاة أو الذكر أو الدعاء أو التفكر، يتكرر فيها هذا الأمر بصورة لا إرادية.
وتفسير هذا الأمر أن القلب قبل ذلك يكون متعلقًا بأشياء تَحول بينه وبين العبودية الحقَّة لله ، كالتعلق بالمال، أو الناس أو المنصب، أو العقار .. هذه الأشياء تكون بمثابة السجن الذي يعيش فيه العبد، والوثاق الذي يُقيِّده، فإذا ما نما الإيمان في قلبه ضعُفت تلك العلائق والأغلال، حتى تأتي اللحظة السعيدة عندما تنقطع وتنفصل عن القلب، فيصير حُرًّا منها، مُتعلقًا بربه، لذلك تجده يخشع ويهبط ويضطرب عند ذكر الله، ودعائه، والتضرع إليه ...
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: فللروح في هذا العالم نشأتان، إحداهما: النشأة الطبيعية المشتركة، والثانية: نشأة قلبية روحانية، يُولد بها قلبه، وينفصل عن مشيمة طبعه، كما وُلد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن.
وفي كتاب «الزهد» للإمام أحمد أن المسيح ﵇ قال للحواريين: إنكم لن تلِجوا ملكوت السماوات والأرض حتى تُولدوا مرتين.
ويستطرد ابن القيم قائلًا: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان، وخروجها من عالم الطبيعة، كما وُلدت الأبدان من البدن، وخرجت منه (١).
وعندما تحدث - بإذن الله وفضله - تلك الولادة للقلب، فإنه ينتقل إلى مرحلة جديدة من مراحل حياته، وتظهر آثارها بوضوح في تفاعله مع الأحداث فيصبح قلبًا رقيقًا سريع التأثر بالمواعظ، سريع الوجل والاضطراب عند ذكر الله ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] .. سريع الحضور والاستدعاء في الدعاء والذكر والفكر والصلاة وبخاصة عند تكبيرة الإحرام.
يشعر صاحبه بهبوطه وخشوعه كحالة من حالات التأثر والتجاوب مع قراءة القرآن أو الدعاء أو الذكر أو المناجاة ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]. وتزداد سرعة وقوة هذا التفاعل كلما زاد نور الإيمان فيه.
النمو الإيماني والعلاقة مع الله :
لكل واحد منَّا علاقات مع الآخرين .. هذه العلاقات تتفاوت ما بين القوَّة والضعف، فهناك من يحتل المرتبة الأولى، وهناك من يحتل المرتبة العاشرة، وهناك من يحتل المرتبة الخمسين، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه المراتب لا يتم ترتيبها بقرارات من الشخص، بل هي نتيجة ممارسات، ورصيد، وثقة، ومشاعر.
ولكل مرتبة مظاهر تميزها عن غيرها، فصاحب المرتبة الأولى له مكانة خاصة عند المرء تجعله يُسِرُّ له بأسراره، ويستشيره في خصوصياته ... يفرح بقربه، ويشتاق إلى رؤيته، ويَتَحيَّن أي فرصة للقائه، ويسعد بصحبته، ولا يمل من هذه الصحبة مهما طالت المدة.
أما صاحب المرتبة الخامسة - مثلًا - فالأمر يختلف .. نعم، هو يفرح برؤيته ويسعد بصحبته، ولكن ليس كالأول.
стр. 39
أما صاحب المرتبة العاشرة فالعلاقة أقل بكثير ممن سبقه.
فإذا ما سأل الواحد منَّا نفسه عن علاقته بربِّه، وأي مرتبة تحتل؟
فإننا سنُفاجأ بأنها ليست في المراتب الأولى، وذلك من خلال رصد مظاهر هذه العلاقة .. فلا شوق إلى لقائه، ولا أُنس بمناجاته، ولا سعادة في قربه، ولا فرح بالخلوة به، ولا تنعُّم بذكره، وكل هذا بسبب ضعف الإيمان، وضعف الثقة به سبحانه.
فإذا ما حدثت اليقظة الإيمانية الحقيقية، ونما الإيمان في القلب، فإن هذه العلاقة تتحسن تدريجيًّا، وتنتقل من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها، وتستمر في الصعود كلما زاد الإيمان حتى تحتل المرتبة الأولى، حيث تزداد الرغبة في الله، والرضا به، والسعادة في ذكره، والبهجة في تلاوة كلامه، والأنس في الخلوة به ومناجاته.
يزداد الحضور القلبي الدائم معه ليُثمر سؤاله وطلب مساعدته في أموره كلها، وإشهاده على ما يحدث له من تكذيب المكذبين، أو إعراض المُعرضين.
ينتظر الفرصة التي يخلو فيها المكان، وتهدأ الأصوات ليخلو بربه، ويبُثُّ إليه أشواقه، ويعرض عليه شكايته، ويطلب منه حاجته ..
يُسارع في استرضائه إذا ما وقع منه تقصير أو تجاوُز ..
يزداد بذله للجهد في خدمة دينه، ودعوة خلقه إليه ..
يشعر بالغنى به، ويعيش قلبه في حالة من الامتنان نحوه سبحانه.
يزداد ويزداد تعلقه به، واستغنائه عن غيره.
هذا هو معنى الوصول إلى الله في الدنيا، فكما يقول ابن رجب: الوصول إلى الله نوعان: أحدهما في الدنيا، والثاني في الآخرة.
فأما الوصول الدنيوي فالمراد به: أن القلوب تصل إلى معرفته، فإذا عرِفته أحبَّته وأنِست به، فوجدته منها قريبًا، ولدعائها مجيبًا، كما في بعض الآثار: ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء.
وأما الوصول الأخروي: فدخول الجنة التي هي دار كرامة الله لأوليائه، ولكنهم في درجاتها متفاوتون في القرب بحسب تفاوت قلوبهم في القرب: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١] (١).
أهداف التربية الإيمانية
تم بفضل الله الحديث في الصفحات السابقة عن مراحل النمو الإيماني والتي من المفترض أن يشعر بآثارها الفرد في تعامله مع ربه، ومع الدنيا، ومع الناس، ومع أحداث الحياة، ويشعر بآثارها كذلك في أحوال قلبه.
ويمكننا أن نُصيغ هذه المراحل في أهداف ثلاثة؛ نضعها أمامنا ونسعى للوصول إليها .. هذه الأهداف هي:
أولًا: الهدف القريب: وهو تمكُّن واستحكام اليقظة من القلب، فلا نريد يقظة لحظية، بل نريدها يقظة حقيقية دائمة تتمكن من القلب لتبدأ معها الحياة تدب في جنباته، ولقد أجمل آثارها رسول الله ﷺ عندما سُئل عن علامات دخول النور القلب فقال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» (٢).
ثانيًا: ولادة القلب الحي: هذا الهدف لا يمكن الوصول إليه إلا باستمرار تزويد القلب بالإيمان بعد تمكُّن اليقظة منه، والمقصود بولادة القلب الحي: أي تحرره من أَسر الهوى وانفصاله عنه. أو بمعنى آخر: انقطاع الحبل الذي يجمع العلائق التي كان القلب مُتعلقًا بها من دون الله كالمال والجاه والناس، التي تحول بينه وبين التعلق التام بالله ، والالتزام به، والتوجه الدائم نحوه.
стр. 40
هذه الولادة تتم عندما يعلو النور في القلب على الظلمة بصورة كبيرة، ومن علامات حدوثها: رقة القلب وسرعة تأثره بالمواعظ، وهبوطه وخشوعه وسجوده لله، وسهولة استدعائه إذا أراد صاحبه استحضاره، ومن آثارها كذلك: تحسن ملحوظ في علاقات المرء المختلفة، فيزداد قربه من ربه، وتعلقه به، وتنقص رغبته في الدنيا بصورة ملحوظة، ويقل طمعه في الناس، ويزداد تشميره نحو الجنة ...
ومن آثارها كذلك: راحة البال والشعور بالسكينة والطمأنينة والسلام الداخلي.
الهدف الثالث: الحضور القلبي الدائم مع الله، والتعلق الشديد به - سبحانه - أو بمعنى آخر: تحقيق قوله ﷺ عندما سُئل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه» (١)، وهذا يحدث إذا ما استمر الإمداد الإيماني للقلب، فيزداد فيه النور، حتى يصير قلبًا سليمًا أبيضًا، ومن آثار ذلك: خضوع المشاعر والسلوك في مجمله لله كما قال ﷺ : «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٢).
وقال: «لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ... » (٣).
ومن آثارها كذلك: التعامل مع أحداث الحياة وتقلباتها المختلفة تعاملًا إيمانيًّا كما قال ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ولا يكون هذا إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (٤).
والقلب في هذه المرحلة العظيمة يعيش في سعادة عظيمة وعلاقة متينة مع ربه .. فهو شاكرٌ لأنعمه، صابرٌ على بلائه، راضٍ بقضائه، مطمئنٌ بذكره، في شوق دائم إليه وتوجه مستمر نحوه.
نسأل الله أن يشملنا بعظيم فضله، وأن يجعلنا من أصحاب القلوب السليمة المطمئنة، وأن ينورها بنور الإيمان به، ويخرجها من ظلمات الجهل والغفلة والهوى.
стр. 41
الفصل الرابع
حقيقة الإيمان
стр. 42
الهدف الذي ترمي إليه صفحات هذا الفصل هو وضوح الرؤية حول حقيقة الإيمان، والفارق بين الإيمان والعمل الصالح (عبادات القلوب، وعبادات الجوارح)، وكيف نعرف أن إيماننا قد ازداد مع الطاعة أم لم يزدد؟
وتُجيب هذه الصفحات عن السؤال الذي يشغل بال الكثيرين:
لماذا لا نرى آثارًا سلوكية إيجابية للأعمال الصالحة التي نؤديها؟!
وإن كان الحديث في هذا الفصل يغلب عليه الجانب العقلي إلا أن له أهمية كبيرة في الفهم المتكامل لحقيقة الإيمان .. هذا الفهم سيكون له - بإذن الله - انعكاسًا إيجابيًّا على طريقة التعامل مع العبادات والأعمال الصالحة.
لذلك أطلب من نفسي ومنك - أخي القارئ - أن نقرأ هذه الصفحات بهدوء وتركيز شديدين، وأن تكون قراءة متصلة غير منقطعة لأنها تتضمن أفكارًا وعناصر متسلسلة ينبني كل واحد منها على الآخر، والله المستعان.
стр. 43
الفصل الرابع
حقيقة الإيمان
رأينا فيما سبق كيف أن للإيمان آثارًا عظيمة تنال الفرد والأمة، كما تم - بفضل الله - الحديث عن مراحل النمو الإيماني، وأهداف التربية الإيمانية ليبقى السؤال:
وكيف لنا أن نُحقق هذه الأهداف ونرى هذه الآثار؟
هل المطلوب لكي نتمتع بثمار الإيمان أن نؤدي الصلاة على وقتها، وأن نُطيل المكث في المسجد، ونُكثر من القيام بالأعمال الصالحة المختلفة؟
مع الأهمية القصوى لهذه الأعمال إلا أننا نُشاهد من يقوم بها أو ببعضها، ولا نرى آثارًا مثل التي ذُكرت سابقًا أو حتى قريبة منها، بل قد نجد العكس .. قد نجد شخصًا يحافظ على أداء الصلوات في المسجد، ويُصلي النوافل، ويُكثر من ذكر الله بلسانه، ومع ذلك تجده شديد الحرص على ماله، يحسب كل شيء بأدق تفاصيله .. يُفكر دومًا في تحصيل حقِّه أولًا قبل حقوق الآخرين، شديد التركيز مع الدنيا، إذا ذهب لشراء شيء ما تجده - في الغالب - ينتقل بين الحوانيت للبحث عن الأرخص ثمنًا، فإذا ما استقر على حانوت ما، تجده يدخل في صراع مع البائع لتخفيض الثمن إلى أقصى ما يُمكن تخفيضه.
وإذا ما كان صاحب عقار تجده يتعامل مع المستأجرين معاملة جافة غليظة، ويجتهد في التنصل من حقوقهم عليه.
قد يُعامل زوجته وأولاده معاملة حادَّة وجافة، فيُحاسبهم على كل شيء، ويُدقق معهم في كل صغيرة وكبيرة.
يُصاب بالفزع والهلع إذا ما أُصيب ماله بخسارة ولو طفيفة، أو ضاعت من بين يديه صفقة رابحة .. يحسد الآخرين على فضل الله عليهم، وفي المقابل تجده يخاف من الحسد خوفًا شديدًا، فلا يكاد يُظهر فضل ربه عليه وإن اضطره ذلك للكذب.
وليس هذا خاصًّا بالأغنياء فقط، فالفقراء ومتوسطوا الحال كذلك قد تجد فيهم بعض التناقض بين عباداتهم الظاهرة وبين سلوكياتهم ومعاملاتهم، ومن ذلك: شدة حرصهم على الدنيا، والحزن على فوات شيء يسير منها، والتلهُّف عليها، وكثرة التفكير في المستقبل.
وينكشف حجم الإيمان الضعيف أكثر وأكثر عند المساس بمصالحهم الدنيوية، فلا غضاضة من الكذب، وعدم الوفاء بالعهود والوعود إذا كان هذا سيحقق لهم نفعًا أو يصرف عنهم ضرًّا.
الدنيا والمال:
مما لا شك فيه أن المحافظة على أداء الصلوات من مظاهر الإيمان، ولكن عندما لا تتواكب هذه المظاهر مع هوان الدنيا في عين صاحبها، وضآلة حجمها في قلبه، فإن ذلك يُعد بمثابة مؤشر خطير لعدم تمكُّن الإيمان من قلبه، وعدم وصوله لمرحلة «استحكام اليقظة».
فإن قلت: أليس الإيمان هو الذي دفعه للصلاة؟!
نعم، الذي دفعه لأداء الصلاة - بجوارحه - هو القدر المحدود من الإيمان في قلبه، وفي المقابل فإن الذي يمنعه من التفاعل معها والتأثر بها هو محدودية هذا الإيمان وعدم يقظته، والدليل على ذلك هو عدم ظهور آثار أدائه للصلاة على سلوكه بصورة ملحوظة.
ونفس الكلام ينطبق على الأخلاق والمعاملات، فإن لم يحدث تحسن فيها فإن ذلك يعني أن الإيمان لم يتحسن وإن قام المرء بأداء الكثير من صور العبادات والأعمال الصالحة.
فأين تكمن المشكلة؟ .. أين أثر العبادة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تدعونا لأن نتعرف أكثر على القلب وعلى الإيمان وحقيقته ...
القلب والمشاعر:
الإيمان مكانه القلب وليس العقل ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
والقلب هو مركز الإرادة داخل الإنسان، وهو الملك على الجسد كله وما من فعل أو سلوك إرادي نقوم به إلا ويأخذ الأمر بالتنفيذ من القلب: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله .. ألا وهي القلب» (١).
стр. 44
ومن أهم خصائص القلب أنه مَجمع المشاعر داخل الإنسان .. مشاعر الحب والشوق، والرغبة والرهبة، والطمأنينة، والاشمئزاز، والجزع والهلع، والرعب، والغيظ، والرأفة والرحمة، والوجل والسكينة ... .
﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢].
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥].
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤].
﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧].
﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦].
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥].
معنى ذلك أن الدافع والمُحرك للسلوك الإرادي هي المشاعر.
الإيمان والمشاعر:
ولأن الإيمان محله القلب، والقلب هو مجمع المشاعر داخل الإنسان، فالإيمان - إذن - محله المشاعر:
- ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
- ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤].
- ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧].
ومن أحاديث الرسول ﷺ التي تؤكد هذا المعنى:
«ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يُحب المرء لا يُحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُلقى في النار» (١).
وقوله: «أوثق عُرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله» (٢).
فالإيمان - إذن - هو الذي يوجه المشاعر، ومن ثَمَّ السلوك، مع الأخذ في الاعتبار أن الهوى أيضًا له دور بارز في توجيه المشاعر، ولكن ما هو الهوى؟
الهوى والمشاعر:
من تعريفات النفس أنها مَجمع الشهوات والغرائز داخل الإنسان، والهوى هو ما تميل إليه النفس. والنفس تهوى الراحة وتكره التكليف، تُحب الظهور والمدح، وتكره النقد والذم، تُحب الاستمتاع بالشهوات، وتضيق بمنعها، ترغب في الانتصار لرأيها، وتنفر ممن يُخالفها.
هذه الأهواء لا يُمكن التعبير عنها على أرض الواقع إلا من خلال القلب، لأنه هو مركز الإرادة، لذلك فهي تعمل على السيطرة عليه، والتمكُّن من المشاعر لتستطيع من خلالها تنفيذ ما تُريده وتهواه.
الصراع بين الإيمان والهوى:
الإيمان محله المشاعر، والهوى كذلك. والمشاعر هي الدافع الأساسي للسلوك الإرادي، فلمن تكون الغلبة على المشاعر؟ ومن الذي يستطيع الاستئثار بها: الإيمان أم الهوى؟
الإجابة عن هذا السؤال يُحددها قوة أحدهما عند القيام بالأعمال المختلفة، فعلى سبيل المثال:
стр. 45
عندما يستيقظ المرء وقت آذان الفجر يحدث صراع داخلي بين إيمانه بالله الذي يُملي عليه الامتثال لأوامره بالقيام للصلاة، وبين هوى نفسه وحبها للراحة والنوم، فإن كان الإيمان وقتها أقوى من الهوى فمن المتوقع أن يقوم المرء من فراشه، وينطلق للصلاة، وإن كان الهوى هو الأقوى كان الإخلاد إلى النوم هو القرار النهائي، ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠].
هل الإيمان هو المعرفة ؟:
يُعرِّف البعض الإيمان بأنه هو المعرفة، معرفة أن الله هو رب كل شيء، وأنه هو الخالق، القدير، الرزاق ... .
ولكننا نرى أُناسا يُقرُّون بربوبية الله ولكنَّهم لا يتوجهون إليه بالعبادة، فلو كان الإيمان هو مجرد المعرفة لدفعتهم تلك المعرفة إلى التوجه بالعبادة نحوه، وخشيته وتقواه والتوكل عليه.
ولقد قصَّ القرآن علينا نماذج لهؤلاء: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٧].
فالمشركون يعرفون أن الله هو ربُّ كل شيء، ويُقرُّون بألسنتهم بهذه الحقيقة لكنهم - مع ذلك - لا يعبدونه .. لماذا؟!
لأن هذه المعرفة لم يصل مدلولها إلى القلب فتصبح إيمانًا، والدليل على ذلك هو عدم تنفيذهم لمقتضيات هذه المعرفة، فلو كانت معرفة إيمانية لدفعتهم إلى التوجه إلى الله بالعبادة، أما المعرفة العقلية البحتة فلن تكون دافعًا للسلوك إلا إذا انتقل مدلولها إلى القلب، وامتزجت بالمشاعر، وأصبحت إيمانًا راسخًا فيها.
فإن كان الأمر كذلك، ف ما هو الإيمان ؟
الإيمان بالشيء هو التصديق به ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: ٢٦].
والإيمان محله القلب ... فكيف يكون تصديق القلب للشيء؟
تصديق القلب للشيء هو اطمئنانه له، وثقته فيه، وعدم الارتياب أو الشك فيه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥].
انظر إلى قول اليهود كما أخبرنا القرآن ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]. أي: لا تثقوا ولا تطمئنوا ولا تُصدِّقوا إلا من تبِع دينكم.
وعدم الإيمان بالشيء هو رفضه وإنكاره والتشكيك فيه ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢].
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥].
فأول وأهم مرحلة للانقياد للشيء هي الإيمان به (أو الاطمئنان له، والثقة فيه)، فالذي يأخذ دواء ما لابد وأن يكون قد اطمأن له بقلبه، وألَّا يكون شاكًّا ولا مُرتابًا فيه.
стр. 46
والذي يجد أمامه عدة طرق، ولا يدري أيهم يوصله إلى مقصوده فإنه يظل يسأل ويتقصى حتى تزول حيرته، ويطمئن إلى الطريق الصحيح، فيتوجه إليه، فإن لم يترجح لديه طريق، وسار في أحدهم من باب التجربة، تجده شاكًّا مرتابًا متحيرًا أثناء سيره، ويظل كذلك حتى يجد علامة أو آية تُذهب حيرته، وتبعث الإيمان والاطمئنان إلى قلبه بأن ما يسير فيه هو الطريق الصحيح .. تأمل قول الحواريين وهم يطلبون من عيسى بن مريم ﵇ نزول مائدة من السماء عليهم ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣].
من هنا نقول بأن الإيمان هو تصديق القلب واطمئنانه وثقته في الفكرة التي تُطرح على العقل.
هذه الثقة تبدأ صغيرة وتنمو إذا ما تم تغذيتها حتى تصل إلى ثقة مطلقة بلا أدنى ريب أو شك.
الفارق بين القناعة العقلية بالفكرة وبين الإيمان بها:
قد تُناقش شخصًا ما في أمر من الأمور فيقتنع أمامك بما تقول لكنه لا يفعل مقتضيات هذا الاقتناع، كأن تُناقشه - مثلًا - في ضرورة وأهمية مقاطعة منتجات الدول التي أساءت إلى الرسول ﷺ ، وتعرفه كيف يُمكن لهذه المقاطعة أن تؤثر على هذه الدول، فيُبدي أمامك اقتناعه بما تقول بعد سلسلة من الاعتراضات والمناقشات، وبعد ذلك تجده لا يُقاطع تلك المنتجات، فما السبب في ذلك؟
السبب أنه وإن كان قد اقتنع بعقله إلَّا أن قلبه لم يطمئن اطمئنانًا كاملًا لما تقول، أي أنه لم يؤمن بما تقول ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
ومما لا شك فيه أن بداية الإيمان بالشيء هو الإقرار العقلي به، ولكن إن توقف هذا الإقرار عند حدود العقل، ولم يمتزج بالمشاعر، ولم تحدث الطمأنينة والثقة فيه، فقد ابتعد عن مفهوم الإيمان، ومن ثَمَّ فلن تظهر له ثمرة في السلوك، وهناك أمثلة كثيرة تؤكد هذا المعنى:
فدراسة أبحاث القضاء والقدر من كتب العقيدة وعلم الكلام، قد تصل بالمرء إلى الاقتناع بحقيقة القضاء والقدر، إلا أنها - في الغالب - لا تُنشئ إيمانًا حقيقيًّا به بحيث تظهر آثاره عند مواجهة الأقدار المؤلمة، وسبب ذلك أن أغلب هذه الكتب تُخاطب الفكر فقط، ولا تؤثر في المشاعر، وفي المقابل لك أن تقرأ القرآن وتنظر إلى طريقته في إقناع العقل وإلهاب المشاعر فيمتزج الفكر بالعاطفة وينشأ الإيمان - إن انتفت الموانع (١)، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
стр. 47
فهذا خطاب يُناقش العقل بالحجة ويتحدَّاه حتى يُقر بالعجز فيقتنع بصدق الرسالة وأنها من عند الله، لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل نجد الآيات التي تتلوها تُخاطب المشاعر حتى يحدث المزج بين الفكر والعاطفة ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وخلاصة القول في هذه المسألة بأنه ليست العبرة فقط بتصديق العقل واقتناعه بالشيء الذي يراه أو يسمع عنه، بل لابد من أن يُصاحب ذلك تصديق قلبي، أي: اطمئنان وثقة ورضا بهذه المعلومة.
انظر إلى هذا التسلسل الواضح للسلوك الإرادي (إصغاء من العقل للمعلومة، ثم تصديق واقتناع بها ثم طمأنينة ورضى قلبي يدفع للسلوك) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢، ١١٣].
شمول معنى الإيمان:
والجدير بالذكر أن الإيمان كلمة عامة تشمل كل تصديق واطمئنان وثقة قلبية بأي شيء يقتنع به العقل وإن كان باطلًا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢].
لذلك نجد تضحيات عظيمة من بعض أصحاب الأفكار الباطلة في سبيل نشر دعوتهم وإعلاء رايتهم، فهم يفعلون ذلك بدافع إيمانهم القوي بهذه الأفكار.
بل إن هذا الأمر يشمل أمور الدنيا كذلك، فالذي يذهب لطبيب ما ويُفضّله على غيره، فإنه يفعل ذلك بدافع ثقته فيه أو بمعنى آخر: إيمانه به، وكذلك الذي يقوم بإصلاح سيارته عند شخص ما دونًا عن غيره، و ... إلخ.
مفهوم الإيمان بالله:
فإن أردنا أن نُخصص مفهوم الإيمان العام على «الإيمان بالله »، فيكون الإيمان بالله هو الثقة والطمأنينة فيه سبحانه .. في قدرته المطلقة، وقيُّوميِّته الدائمة، وقوته غير المُتناهية، وعلمه الذي أحاط بكل شيء، وحكمته العظيمة، وسعة حلمه، وكرمه، و ... .
وكلما ازداد الإيمان بصفاته سبحانه، أو بمعنى آخر: كلما ازدادت الثقة في هذه الأسماء والصفات؛ كُلَّما انعكس ذلك على تعامل العبد معه، بمعنى أنه كلَّما ازدادت الثقة في الله «الحكيم» ازدادت حالة الرضا عند العبد، وكلَّما ازدادت الثقة في قيُّوميِّة الله وإحاطته بكل شيء ازدادت حالة التقوى والتوكل على الله.
وهكذا يكون انعكاس زيادة الثقة (الإيمان) بالله وبأسمائه وصفاته على القلب هو مزيد من العبودية له من تقوى، وحب، وتوكل، ورغبة ورهبة، وإنابة، وتعظيم، ومهابة.
ونفس المعنى ينطبق على جميع أركان الإيمان، فكلَّما ازداد الإيمان بالبعث (الثقة في حدوثه) كلما زاد تشمير العبد في الاستعداد له ... وهكذا.
стр. 48
الإيمان محض فضل من الله :
مع كل ما قيل وسيقال - بإذن الله - في هذه الصفحات عن الإيمان وحقيقته وموانعه إلا أنه لابد من التذكير والإقرار بالأمر الأساسي في هذه القضية ألا وهو: أن الإيمان محض فضل من الله ، حتى لا تُنسى هذه الحقيقة في خضم هذا الحديث.
فإن كانت البداية هي اقتناع العقل بالحق، فإن انتقال هذه القناعة إلى المشاعر واطمئنانها بها، وثقتها فيها محض فضل من الله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
ومع ذلك فإن هذا الفضل يمنحه الله لمن يجد لديه رغبة، واستعدادًا لذلك، تأمل قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧، ٨]. فالآية الأولى تنتهي بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أي: الذين استخدموا عقولهم استخدامًا صحيحًا في البحث عن الحق، والآية الثانية تنتهي بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: يعلم - سبحانه - من يستحق هذا الفضل، وحكيم في منحه إياه عندما يجده مهيأ له: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١].
فالإيمان محض فضل من الله لا يمكن لأحد أن يصل إليه بنفسه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠].
ومع ذلك فلقد جعل الله أهم شرط لاستجلابه هو: وجود الرغبة والاستعداد لتلقيه، ففي الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديتُه فاستهدوني أهدكم» (١)، أي: ارغبوا في الهداية، واطلبوها مني أمنحكم إياها.
ونجد آيات كثيرة في القرآن تؤكد هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].
فالقلب «المتواضع» الذي من عادته استقبال العطايا بالامتنان والشكر هو القلب المؤهل لتلقي فضل الله عليه بالهداية عندما يُعرَض الحق على عقله ويقتنع به، على العكس تمامًا من القلب الجاحد المتكبر: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦].
الحالة الإيمانية (متى يزداد الإيمان) ؟
تسمع في خطب الجمعة ودروس العلم في المساجد ومن خلال وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية إلى كلام كثير يتناول جوانب الدين المختلفة من عقيدة وأخلاق وعبادات ومعاملات من علماء ودعاة أفاضل، فهل يزداد إيماننا باستماعنا لحديثهم؟!
الإجابة عن هذا السؤال تستدعي تذكُّر ما قيل في الصفحات السابقة حول الفارق بين القناعة العقلية - فقط - بالفكرة، وبين الإيمان بها، فالإيمان بالفكرة يعني: قناعة عقلية يُصاحبها انفعال وجداني.
فعندما أستمع إلى خطيب الجمعة وهو يطرح قضية هامة، فأنتبه إلى كلامه، وأقتنع به، ثم لا أجد مشاعري تتجاوب معه فإن هذا معناه أن كلامه وقف عند حدود العقل، ولم يصل إلى القلب ومن ثَمَّ لم يُنشئ إيمانًا ..
стр. 49
فإن انفعلت معه وتأثرت بحديثه عندما قصَّ قصة مؤثرة تؤكد المعنى الذي يطرحه كان وقت التأثر هو الوقت الذي زاد فيه الإيمان.
والمقصود بالانفعال والتأثر هو حركة المشاعر بأنواعها المختلفة من فرح واستبشار ورغبة ورهبة وشوق وإجلال وسكينة.
أي أن الخوف تأثر، والفرح تأثر، والشوق تأثر، و ... ، فالتأثر هو عنوان لتفاعل المشاعر مع ما يُطرح على العقل من أفكار.
معنى ذلك أننا يُمكننا معرفة الوقت الذي يزداد فيه الإيمان في قلوبنا وذلك حين تتجاوب مشاعرنا مع ما نسمعه من معانٍ دينية، أو مع العمل الذي نقوم به.
فحين يدخل المرء إلى الصلاة ولا تتجاوب مشاعره فيها (مشاعر الخضوع والخشوع) لله فهذا معناه أن صلاته لم تقم بزيادة الإيمان في قلبه، أما إذا تأثر وانفعل مع دعائه في سجود الركعة الثانية - مثلًا - فإن هذا هو القدر الذي زاد فيه الإيمان - بإذن الله - .. وهكذا.
من هنا نقول بأنه ليست العبرة بكثرة الأعمال التي يقوم بها المرء، بل العبرة بمقدار تجاوب القلب معها وتأثره بها، وانفعال مشاعره معها ..
فوجود القلب مع العمل، أو حضوره، أو جمعه، أو تجاوبه، أو مواطأته للسان في الذكر .. كلها معان مترادفة «للتأثر» بصوره المختلفة.
الإيمان والطاعة:
الإيمان يزداد بالطاعة .. نعم، ولكن شريطة أن يتحرك القلب معها - أي يتأثر - فإن لم تتحرك المشاعر لن يزداد الإيمان، ومن ثَمَّ لن يظهر أثر الطاعة على السلوك، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر عندما يتحرك القلب، وتنفعل المشاعر معها، فيؤدي ذلك إلى زيادة الإيمان لينتج عنه زيادة الورع والدافع الداخلي لفعل الخيرات وترك المنكرات.
فإن لم يتحرك القلب ويخشع في الصلاة، أصبحت تلك الصلاة حركة بالعضلات فقط، ومن ثَمَّ لا يظهر لها أثر إيجابي في السلوك، وهذا يُفسر لنا ظاهرة عدم وجود أثر للعبادات الكثيرة التي نؤديها على سلوكنا ومعاملاتنا.
لذلك كان من دعائه ﷺ : «وأعوذ بك من صلاة لا تنفع» (١).
وقال ابن عباس: «ركعتان مقتصدتان في تفكُّر خير من قيام ليلة والقلب ساه».
فإحسان العمل - إذن - مقدم على الإكثار منه بالجوارح فقط.
وإحسان العمل يعني الاجتهاد في حضور القلب وتوجه مشاعره نحو الله ، وتستدعي كذلك موافقته للسنة.
فالعمل القليل مع حضور المشاعر أفضل من العمل الكثير بدون حضورها، أو حضورها بصورة قليلة محدودة.
بل إن الثواب المترتب على العمل يختلف من شخص لآخر حسب حركة مشاعره مع العمل؛ فلو أن رجلين يسيران في الطريق سويًّا وعُرض عليهما عمل خيري يستوجب منهما بذل ما يُمكنهما بذله من مال، وكان الأول فقيرًا، وكل ما يملكه عشرة دراهم وعليه أعباء معيشية لا تغطيها هذه الدراهم المعدودة، لكنه تجاوب مع العمل الخيري وشعر بأهميته، فدفعه حبه لله وطمعه في مثوبته إلى إخراج ثمانية دراهم من العشرة .. بَذَلها وهو يُدرك قدر العنت الذي قد يواجهه لتدبير نفقاته ونفقات عياله، وأما الرجل الآخر فهو موسر، عنده بضعة آلاف من الدراهم، فأخرج ألف درهم طمعًا في المثوبة، وحبًّا لله، لكنه لم يشعر بما شعر به الأول لأن الألف درهم لا يُشكل إخراجها عنده مشكلة كبيرة، فهل يستوي الاثنان في درجتهما عند الله؟
стр. 50
لو كانت العبرة بالعدد والكم، لكان الثاني أفضل، لأن ما أخرجه أكثر بكثير من الأول، ولكن لأن العبرة بحركة المشاعر، وحضور القلب مع العمل كان الأول هو الأفضل عند الله، كما قال ﷺ : «سبق درهم مائة ألف درهم: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عُرضه مائة ألف درهم فتصدق بها» (١)، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
فالذي أنفق قبل الفتح - في أوقات الضيق والحصار والمستقبل المجهول وقلة الموارد - أعظم درجة من الذي أنفق بعد الفتح في أوقات الرخاء والأمان والسعة، فحركة المشاعر مع الإنفاق قبل الفتح أشد منها بعد الفتح.
ونفس الأمر ينطبق على الصلاة وقراءة القرآن وغيرهما من الأعمال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وفي هذا المعنى يقول ابن رجب: كان السلف يوصون بإتقان العمل وتحسينه دون الإكثار منه، فإن العمل القليل مع التحسين والإتقان، أفضل بكثير من الغفلة وعدم الاتقان.
قال بعض السلف: إن الرجلين ليقومان في الصف، وما بين صلاتهما كما بين السماء والأرض (٢).
ابن القيم يؤكد:
ويؤكد ابن القيم على هذا المعنى فيقول:
العمل اليسير الموافق لمرضاة الرب وسنة رسوله ﷺ أحب إلى الله تعالى من العمل الكثير إذا خلا عن ذلك أو عن بعضه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
فهو إنما خلق السماوات والأرض، والموت والحياة، وزيَّن الأرض بما عليها، ليبلو عباده أيهم أحسن عملًا، لا أكثر عملًا.
والأحسن: هو الأخلص والأصوب، وهو الموافق لمرضاته ومحبته، دون الأكثر الخالي من ذلك، فهو يحب أن يُتعبد له بالأرضَى له، وإن كان قليلًا، دون الأكثر الذي لا يُرضيه، والأكثر الذي غيره أرضى له منه.
ولهذا يكون العملان في الصورة واحدًا، وبينهما في الفضل - بل بين قليل أحدهما وكثير الآخر - أعظم مما بين السماء والأرض.
وهذا الفضل يكون بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل، وقبوله له، ومحبته له، وفرحه به ، كما يفرح بتوبة التائب أعظم فرح، ولا ريب أن تلك التوبة الصادقة أفضل وأحب إلى الله تعالى من أعمال كثيرة من التطوعات وإن زادت في الكثرة عن التوبة.
ولهذا كان القبول يختلف ويتفاوت بحسب رضا الرب بالعمل، فقبول يُوجِب رضا الله بالعمل، ومباهاة الملائكة به، وتقريب عبده منه، وقبول يترتب عليه كثرة الثواب والعطاء فقط.
كمن تصدق بألف دينار من جملة ماله - مثلًا - بحيث لا يكترث بها .. ، وآخر عنده رغيف واحد هو قوته، لا يملك غيره، فآثر به على نفسه من هو أحوج إليه منه، محبة لله، وتقربًا إليه وتوددًا، ورغبة في مرضاته، وإيثارًا على نفسه.
فيالله كم بعد ما بين الصدقتين في الفضل ومحبة الله وقبوله ورضاه!!
стр. 51
والأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة، والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، حتى تكون صورة العملين واحدة، وبينهما في الفضل ما لا يُحصيه إلا الله تعالى.
وتتفاضل أيضًا بتجريد المتابعة، فبين العملين من الفضل بحسب ما يتفاضلان به في المتابعة، فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلًا لا يحصيه إلا الله تعالى (١).
إنما الأعمال بالنيات:
فالعبرة بما في القلوب من معاني العبودية لله، والعبرة كذلك باستحضارها مع العمل، وكلما كان توجه المشاعر لله - قَبل العمل وفي أثنائه - أشد، كانت درجته ومثوبته عند الله أكبر، لذلك قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (٢).
فالنية: هي القصد والتوجه، وعلى قدر توجه القلب نحو العمل حبًا لله، وابتغاء مرضاته، وطمعًا في مثوبته يكون الفضل والأجر منه سبحانه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. فالوابل: هو المطر الشديد، والطَّل: هو الرذاذ الخفيف والفارق بينهما في الأثر كبير على الزرع، كالفارق بين من يشتد إخلاصه وتوجهه لله وابتغاء مرضاته عند الإنفاق وبين من لم يشتد ذلك عنده ..
فالعبرة - إذن - بالنيات لا بصور الأعمال.
لذلك نجده ﷺ يحث أصحابه على إخلاص الدعاء عند صلاة الجنازة حتى يكون هذا أنفع لصاحبه في الفضل والمثوبة: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» (٢).
وإليك - أخي القارئ - التحديز النبوي الشديد من حضور البدن للعمل مع عدم حضور القلب فيه .. قال ﷺ : «ما بال أقوام، يُتلى عليهم كتاب الله فلا يدرون ما يُتلى منه مما تُرِك، هكذا خرجت عظمة الله من قلوب بني إسرائيل، فشهدت أبدانهم وغابت قلوبهم، ولا يقبل الله من عبد عملًا حتى يشهد بقلبه مع بدنه» (٣).
السباق سباق قلوب:
عندما نقرأ في سيرة التابعين وتابعيهم من سلف هذه الأمة نجد أن منهم من كان يُصلي الفجر بوضوء العشاء سنوات وسنوات، ويظل طيلة الليل في صلاة، ومنهم من كان يصوم صيام داود ﵇، ومنهم، ومنهم .. ، فإذا ما نظرنا لسيرة السابقين الأولين من جيل الصحابة رضوان الله عليهم نجد أنهم من الناحية الكَمِّية أقل منهم عبادة، ومع ذلك فقد فاقوهم في الرتبة والمنزلة.
قال ابن مسعود لأصحابه: أنتم أكثر صومًا وصلاة من أصحاب محمد ﷺ ، وهم كانوا خيرًا منكم، قالوا: وبم ذاك؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب في الآخرة (٤).
بل إن أبا بكر الصديق لم يسبق الصحابة بكثرة العمل، بل بما في قلبه من إيمان.
قال بعض السلف: ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره.
стр. 52
ولأن العبرة بحال القلب قبل وأثناء العمل، فإن المتأمل لتوجيهات الشرع يجد أنها تحُثُّنا على تهيئة الأجواء المناسبة لاستجاشة المشاعر وحضور القلب قبل العمل.
فعلى سبيل المثال: الصلاة:
نجد أن الشرع يحثنا على تفريغ الذهن من الشواغل، وعدم تعلق القلب بشيء من شأنه أن يمنعنا من التركيز فيها، فإذا حضر الطعام مع دخول وقت الصلاة يُفضَّل البدء بالطعام حتى يدخل المرء إلى الصلاة وذهنه غير مشغول به.
وكذلك عند مدافعة الأخبثين .. قال ﷺ : «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» (١).
ولا ينبغي للمرء أن يُسرع في خطواته إلى المسجد ليدرك الصلاة، بل عليه أن يمشي في سكينة وهدوء، فالإسراع من شأنه أن يجعله يدخل إلى الصلاة وهو مضطرب فيصعُب عليه جمع قلبه.
قال ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (٢).
والحث على التبكير في الذهاب إلى المسجد قبل إقامة الصلاة له وظيفة مهمة في صرف شواغل الدنيا عن الذهن.
وكذلك فإن الحث على تذكُّر الموت قبل الصلاة من شأنه أن يستجيش المشاعر نحو الرجاء والطمع في عفو الله، والخوف والرهبة من عقوبته، فيزداد الحضور القلبي والخشوع فيها.
قال ﷺ : «اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحَرِي أن يُحسن صلاته، وصلِّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها .. » (٣).
الإيمان ما وقر في القلب
كان (عمرو) يسير في الطريق فرأى أمامه حادث سيارة، وشاهد دماء المصابين متناثرة على الطريق، والكل يتسابق لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه فتأثر تأثرًا بالغًا، وذهب إلى عمله وهو واجم، مذهول، فلا حديث مع الزملاء كسابق عهده، ولا ضحك، ولا غيبة، أو سخرية من الآخرين .. وظل طيلة يومه على هذا الحال، وبعد بضعة أيام بدأ يعود تدريجيًّا إلى سيرته الأولى.
فما الذي حدث حتى يتغير هذا التغيير، وما الذي حدث حتى يعود ثانية لسابق حاله؟!
الذي حدث أنه عندما شاهد ما شاهده في الطريق تأثر بما رآه، وطَفَتْ حقيقة الموت وإمكانية وقوعه في أي وقت على ساحة فكره، واستثيرت معها مشاعر الرهبة والخشية، فانتعش داخله الإيمان بحتمية الموت، فأثمر هذا الإيمان: يقظة جعلته ينتبه لأحواله، ويُفكر في أموره، ويُدقق في كلامه وأفعاله .. وشيئًا فشيئًا ذهبت تلك الحالة، وهدأت المشاعر، فعاد مرة ثانية إلى غفلته، ليُمارس حياته كما كان يُمارسها من قبل.
ويتكرر الأمر مع آخَر سمع خطبة حارَّة تحُث على الإنفاق في سبيل الله، أو شاهد مناظر مؤثرة في التلفاز تُبيِّن حال الُمشَرَّدين والبائسين والمنكوبين في بلدان المسلمين، فإذا به يُبادر بإخراج جزء من ماله في سبيل الله، بل ويدعو مَن حوله من أهله وجيرانه لذلك، وبعد بضعة أيام يعود إلى سابق عهده، وتفتُر همته عن الإنفاق وعن دعوة الناس إليه.
وسبب ذلك أنه قد حدث استثارة واستجاشة قوية ومؤثرة للمشاعر أثمرت هذا الإنفاق، وبعد ذلك هدأت المشاعر فتوقف الإنفاق.
فإن قلت: وما الحل لكي نستمر في اليقظة والقيام بالأعمال الصالحة بدوافع إيمانية؟
الحل يكمُن في القيام بالتربية الإيمانية الصحيحة التي تجعل القلب في حالة دائمة من اليقظة.
стр. 53
أو بمعنى آخر: لا ينبغي علينا أن نجعل أعمالنا الإيمانية رهن المؤثرات القوية التي تستثير المشاعر بصورة مؤقتة، ثم يختفي أثرها بمرور الوقت، وهذا لن يكون إلا إذا أصبح الإيمان مستقرًا في القلب، وأصبحت المشاعر في حالة من التأهب للتأثر بأدنى مؤثر وبأقل تذكرة.
فكلما قوي الإيمان في القلب واستقر فيه كانت استثارته أسرع وأدوَم، بعكس الإيمان الضعيف الذي يحتاج - لكي يُعبر عن نفسه - لمؤثر قوي، يدفع صاحبه للعمل الصالح بصورة مؤقتة.
ولأن الحياة كثيرة الأحداث والتقلبات، فإنها تحتاج منَّا إلى إيمان قوي مستقر في القلب يدفعنا دومًا إلى فعل الخيرات وترك المنكرات في كل وقت وتحت أي ظرف، وليس إيمانًا ضعيفًا يحتاج لكي يظهر إلى مؤثر ضخم وحدث جلل؛ وفي الوقت نفسه، فإن هذا الإيمان الضعيف سرعان ما يزول أثره الإيجابي على السلوك بزوال المؤثر الذي استثاره، ومثال ذلك: البيت الذي لا سقف له فإن أهله يتعرضون بصورة دائمة لحر الشمس ولهيبها، لذلك فأسعد أوقاتهم تلك التي تأتي فيها سحابة فتظللهم، وتحُول بينهم وبين الشمس، ولكن - من المعتاد - ألا يستمر ظل السحابة طويلًا، فسرعان ما يزول بتحركها وابتعادها عنهم، لتعود الشمس بحرارتها ولهيبها إليهم .. ومن البدهي أنهم إذا رغبوا في ظل دائم، ووقاية مستمرة من الشمس، فعليهم أن يُشيِّدوا سقفًا للبيت بدلًا من أن ينتظروا ظهور السُحب، فظل السحاب عارض سرعان ما يزول أثره، أما ظل السقف فهو دائم لأنه مستقر فوقهم.
كذلك حال الإيمان الناشئ عن أمور عارضة، وحاله الناشئ عن استقراره في القلب.
لماذا لا يظهر أثر الإيمان في كل الأوقات والأحوال ؟
كان (زيد) في المسجد يستمع إلى موعظة، وكانت الموعظة مؤثرة، وَجِلَت منها القلوب، وذرفت منها العيون، وتلا الموعظة صلاة العشاء وفيها قرأ الإمام بآيات من سورة (ق) تتحدث عن الموت وما بعده من أحداث، فعلا نحيب المصلين، واشتد بكاؤهم، وانتهت الصلاة، وانطلق (زيد) خارجًا من المسجد، وذهب ليأخذ نعله فلم يجده .. بحث عنه في كل مكان فلم يعثر له على أثر، انتابته حالة من الجزع والضيق، وتلفَّظ بألفاظ غير لائقة، وغادر المسجد حانقًا متذمرًا ..
لقد كان زيد منذ دقائق يبكي من خشية الله، فما الذي تغير حتى يظهر بهذه الحالة البعيدة عن الإيمان؟ لماذا لم تدفعه الحالة الإيمانية التي كان يعيشها إلى التعامل الهادئ مع المصيبة التي أصابته؟
فإن قلت: لأن الإيمان غير مستقر في قلبه وأن بكاءه وتأثره بالموعظة والصلاة كان عارضًا، فلما زال أثره انكشف إيمانه ..
هذا التعليل قد يكون صحيحًا لو كانت المدة الزمنية بين الصلاة وبين سرقة نعله طويلة، أمَا والأمر لم يتعد بضع دقائق لا تسمح بزوال حالته الإيمانية، فإن السبب غير ذلك.
ولعل ما يكشف لنا سبب هذا التعارض هو تذكُّر ما قيل في الصفحات السابقة بأن الإيمان يتناول جميع المشاعر، بمعنى أن الحالة الإيمانية التي كان يعيشها (زيد) في الموعظة والصلاة كانت تُعبِّر عن بعض مشاعر القلب وليس عن كل مشاعره.
لقد كانت تُعبِّر عن مشاعر الخوف والرهبة، في حين ظلَّت باقي المشاعر كما هي دون استثارة، ومن ثَمَّ عندما تعرض لموقف السرقة، لم يتعامل معه تعاملًا إيمانيًّا مناسبًا لأن الإيمان في اتجاه مشاعر الطمأنينة والسكينة ضعيف، ولم يتم استثارته، وهذا يُفسِّر لنا - إلى حد بعيد - هذا التناقض بين حالته الباكية، ورد فعله الجَزِع.
стр. 54
فالإيمان يتناول جميع المشاعر؛ ولكي نتعامل مع أحداث الحياة المختلفة وتقلباتها تعاملًا إيمانيًّا يتناسب مع كل حدث؛ لابد من أن يكون هناك إيمان مستقر في كل شعور من مشاعره، كالحب والبغض، والرغبة والرهبة، والسكينة والطمأنينة، والفرح والاستبشار، والندم، و ... .
فالإيمان المتكامل هو الذي يدفع صاحبه لحسن التعامل مع الأحداث المختلفة كما قال ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر وكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (١).
والحد الأدنى المطلوب وجوده من الإيمان في جميع المشاعر - ومن ثَمَّ الانتصار في معركة ردود الأفعال مع الأحداث - هو أن تكون نسبة وجوده أعلى من نسبة وجود الهوى حتى تكون له الغلبة عليه.
فعلى سبيل المثال: لو تكلمنا عن شعور الحب كأحد المشاعر الرئيسة، فمن المتوقع أن يحتوي على حُب النفس، والوالدين، والزوجة والأولاد، والمال، و ... .
كل ذلك لا بأس من وجوده إذا كان حُب الله أكبر من حُبِّهم مجتمعين ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
وفي الحديث: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ... » (٢).
فإذا تعارض حب الله مع أي منهم تغلَّب حب الله ، ومن ثَمَّ يكون القرار لصالحه وليس العكس: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
جناحا التربية الإيمانية
الفارق بين الحالة الإيمانية وبين الاستقرار الإيماني هو أن الحالة أمر عارض يحدث للقلب عند تعرضه لمؤثر قوي يُثمر انفعالًا وقتيًّا قد يُصاحبه سلوك يُعبر عنه.
أما الاستقرار الإيماني فهو استقرار الإيمان (بالشيء) في القلب، وتمكنه منه، ومن ثَمَّ التعبير الدائم عنه بالسلوك المناسب له.
مع الأخذ في الاعتبار بأن الإيمان ليس مكانه مشعرًا واحدًا فقط، بل يتناول جميع المشاعر، ولكي نتعامل مع أحداث الحياة وتقلباتها وأقدارها المفرحة والمؤلمة بتعامل إيماني يُناسبها لابد من وجود إيمان مستقر في جميع المشاعر ويُشكل جزءًا معتبرًا فيها تتجاوز نسبته كل ما تحتويه المشاعر من هوى ..
ليبقى السؤال: وكيف نبني الإيمان في كل المشاعر بناء مستقرًا يغلب الهوى؟
هل نُكثر من النوافل؟ هل نطيل المُكث في المسجد؟ هل نُكثر من أداء العُمرات؟
كل هذا طيب وحسن، ولكننا - كما أسلفنا - نرى أُناسًا يفعلون ذلك، ونجد سلوكياتهم تتناقض - إلى حد كبير - مع عباداتهم، فقد نجدهم جّزِعين عند المصائب، حرصين على تحصيل أكبر قدر من الدنيا، و ... إلخ.
وليس معنى هذا هو التقليل من شأن هذه الأعمال، فالعبادات كلها أنوار ووسائل قُرب من الله ، ولكن المقصد هو البحث عن الحلقة المفقودة في منظومة العبادات والسلوك، والتعرف على السبب الذي يُقلل من أثرها في الواقع، وهذا يستدعي التعرف على عبادات القلوب وعبادات الجوارح.
الإيمان والعمل الصالح:
التربية الإيمانية لها جناحان لا تكتمل إلا بهما، وهما: أعمال القلوب وأعمال الجوارح، أو بعبارة أخرى: الإيمان والعمل الصالح.
стр. 55
ولئن كان الإيمان محله القلب (المشاعر)، فإن العمل الصالح محله الجوارح.
ولكي يُثمر العمل الصالح زيادة في الإيمان لابد وأن ينطلق من حالة إيمانية (استثارة واستجاشة لمشاعر الرغبة تجاه القيام بالعمل)، فالإيمان يُمثِّل البذرة، والعمل الصالح يُمثل الماء، وكما هو معروف أننا إذا سقينا الأرض بالماء دون وجود بذور في تربتها فلن يُثمر هذا الماء - مهما كَثُر - أي إنبات، وفي المقابل لو وضعنا البذور في باطن الأرض ثم لم نسقها ونتعاهدها فلن تُنبت أيضًا.
كذلك الإيمان والعمل الصالح؛ فهما جناحا التربية الإيمانية .. الإيمان هو البذرة، والعمل الصالح هو الماء .. الإيمان هو الأساس والعمل الصالح هو البناء.
فلو انصب اهتمامنا على أعمال القلوب، ولم نهتم بالعمل الصالح سيكون الإيمان محدودًا، ولن نستفيد بوجوده الاستفادة الحقيقية ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
وفي المقابل، لو قفزنا على العمل الصالح دون وجود الإيمان في المشاعر، ودون استثارة هذا الإيمان قبل العمل فسيكون الناتج ضعيفًا، إن لم يكُن معدومًا.
وإليك - أخي القارئ - نسوق بعض الأمثلة التي تؤكد هذا المعنى:
المثال الأول:
* الاستغفار في حقيقته هو طلب العفو من الله ، ويعني أننا قد قصَّرنا وأخطأنا في حقه سبحانه، لذلك فنحن نطلب منه العفو، وأهم ما يُعبر عن هذا الطلب هو شعورنا بالندم على ما فعلنا، فإن حدث وقفزنا على الاستغفار باللسان دون استثارة لمشاعر الندم فإننا مهما استغفرنا باللسان فلن يؤدي هذا إلى زيادة إيماننا بالتقصير نحوه سبحانه، ومن ثَمَّ لن يزداد الإيمان باستغفار اللسان فقط، بل هو في الحقيقة استغفار يحتاج إلى استغفار لأننا حين نفعل ذلك نكون كالولد الذي أخطأ خطأ كبيرًا في حق أبويه، ثم ذهب يعتذر لهما بلسانه وهو يضحك وكأنه لم يفعل شيئًا!! ألا يجعل ذلك أبويه يزدادان ضيقًا منه لأنه لم يعتذر اعتذارًا حقيقيًّا، ولم يستشعر حجم خطئه؟
وإذا بدأنا بتذكر أوجه تقصيرنا في جنب الله، وظللنا نتذكر ونتذكر حتى استُجيشت مشاعر الندم في قلوبنا، وتوقفنا عند ذلك ولم نستغفر باللسان فإن الإيمان سيزداد بهذا الندم، ولكن زيادة محدودة.
أما إذا أتبعنا هذه الاستجاشة بالاستغفار وطلب العفو من الله فإن ذلك من شأنه أن يزيد الإيمان بصورة كبيرة بإذن الله، فالشعور بالندم هو عمل إيماني قلبي، واستغفار اللسان عمل صالح بالجوارح.
المثال الثاني:
* التواضع له جناحان، الأول: شعور ينبغي ترسيخه في القلب بأنك صغير، وأنك لا شيء، ولا قيمة لك بدون الله ، والثاني: القيام بأعمال تؤكد هذه الحقيقة، كالسعي في قضاء حوائج الناس، والجلوس مع المساكين وإعزازهم، والقيام علي خدمة الآخرين، و ... إلخ.
فإن قفزنا على أعمال التواضع دون وجود معناه في القلب فإن هذه الأعمال لن تزيد المرء تواضعًا، بل قد يكون لها تأثير سلبي على الفرد، بأن يرى نفسه أفضل من غيره بتواضعه وخفض جناحه.
وإن اجتهدنا في تنمية الشعور الداخلي بأننا لا شيء بدون الله ، ولم نُتبع ذلك بأعمال المتواضعين؛ فإن الإيمان بهذه الحقيقة سيظل محدودًا في قلوبنا، وقد يضعف أكثر وأكثر لأنه لم يُمارَس عمليًّا على أرض الواقع.
المثال الثالث:
* الحب في الله: له جناحان، الأول: شعور متبادل يجتاح اثنين من المؤمنين، يميل كل منهما نحو الآخر لِما يرى فيه من صفات يُحبها الله ، والثاني: القيام بأعمال تؤكد هذا الأمر، من الطرفين كالتزاور، والتهادي، والسؤال، والسعي في خدمة الآخر.
стр. 56
فإن لم يحدث الميل القلبي والألفة والمودة في القلوب، فإن أعمال الأخوة مهما أُديت فلن تؤدي إلى الزيادة الحقيقية لمنسوب الحب في المشاعر ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
وفي المقابل، فإذا ما أنعم الله على قلبين مؤمنين بالحب بينهما ولم يقوما بأعمال الأخوة، فسيظل هذا الحب محدودًا في القلب، وقد يُصيبه ما يُنقص منه ويُقلله.
فلابد من الأمرين معًا: عمل القلب، وعمل الجوارح .. الإيمان والعمل الصالح.
والقرآن مليء بالآيات التي تربط بين الاثنين لينتبه المسلم إلى أهميتهما معًا، فلا يهتم بأحدهما ويُهمل الآخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١].
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥].
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١].
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦].
الإيمان أولًا:
ومع أهمية ارتباط الإيمان بالعمل الصالح، والعمل الصالح بالإيمان إلا أن الأول مقدم على الثاني، فالإيمان مقدم على العمل الصالح.
(فعمل القلب مقدم على عمل الجارحة، وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب وإن اختلفت مرتبتا الطلب) (١).
والمقصد بأعمال القلوب هي حركة المشاعر تجاه الله كخشيته، وحبه، وتعظيمه، ومهابته، ورجائه، والاستعانة به، والافتقار إليه، والانكسار بين يديه، والحب فيه، والغضب من أجله.
والمقصد بأعمال الجوارح: هي الأعمال التي تُؤدَّى بالجوارح ودلتنا عليها نصوص القرآن والسنة كالصلاة، والذكر، والصدقة، والسعي في قضاء حوائج الناس، كما سيأتي بيانه بإذن الله.
ولقد مرّ علينا سابقًا كيف أن صورة العملين قد تكون واحدة، وما بينهما في الدرجة والفضل ما بين السماء والأرض وذلك لتفاضل ما في القلوب، ومر علينا كذلك كيف أن زيادة أعمال القلب مع قلة أعمال الجوارح أفضل وأفضل من زيادة أعمال الجوارح وقلة أعمال القلب، ومما يؤكد ذلك قوله ﷺ : «سبق درهم مائة ألف درهم: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عُرضه مائة ألف درهم فتصدق بها» (٢)، وقوله: «ما تحاب اثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشدهما حبًّا لصاحبه» (٣).
ونفس الأمر ينطبق على معاصي القلوب ومعاصي الجوارح، فمعاصي القلوب من كِبر وغرور، وإعجاب بالنفس، ورياء، ونفاق، وحسد، والفرح بمصائب المسلمين، واستعظام النفس، واحتقار الآخرين وازدرائهم ... أشد وأشد في العقاب من معاصي الجوارح كالكذب، والسرقة، والغيبة والنميمة و ... .
стр. 57
يقول ابن القيم:
مَن تأمَّل الشريعة في مقاصدها ومواردها عَلِم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميَّز المؤمن من المنافق إلَّا بما في قلب كل واحد منهما؟!
وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت، ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان (١).
الإسلام بدأ مشاعر ثم شعائر ثم شرائع (٢):
من هنا يتضح لنا أهمية الاهتمام ببناء الإيمان الحقيقي الذي يتناول جميع المشاعر، على ألا يُهمل العمل الصالح، بل يُقرن دائمًا بأعمال القلب، ويجتهد المرء في تحسينه وحضور المشاعر معه، فمن فعل ذلك فهو السابق حقًّا.
فالإيمان أولًا والعمل الصالح ثانيًا، لتكون النتيجة: تحسُّن ملحوظ في الخُلق والسلوك، والمتأمل في التربية الربانية للجيل الأول يجد أنها كانت تُركز على أعمال القلوب، وزيادة الإيمان في القلب قبل تشريع العبادة، فكما قيل بأن الإسلام قد بدأ «مشاعر، ثم شعائر، ثم شرائع».
إنه لأمر عجيب أن تُفرض الصلاة في رحلة الإسراء والمعراج، ويُفرض الصيام وسائر التشريعات في المدينة، وتُفرض الحدود في السنوات الأخيرة من حياة الرسول ﷺ .. فما الذي كان يفعله المسلمون الأوائل في مكة إذن؟!
ماذا كان يفعل الواحد منهم عندما يستيقظ من نومه ولم يكن عليه وقتها تكاليف يؤديها أو محظورات يجتنبها؟
تصوَّر وضع امرأة مسلمة في السنوات الأولى للبعثة في شهر «رمضان»، تستيقظ من النوم في الصباح فتشرب بعضًا من الخمر، وتخرج لحاجتها وهي مكشوفة الشعر.
ومع ذلك فلم يكن عليها أي حرج شرعي لأن الصيام والحجاب لم يُفرضا، والخمر لم يُحرَّم.
نعم، كان هذا هو الواقع الذي عاشه المسلمون الأوائل .. فمع عدم وجود تكاليف إلا أنه كان يتم في هذه الفترة أخطر مرحلة من مراحل بناء الفرد المسلم، وهي مرحلة تأسيس القاعدة الإيمانية، وتعبيد المشاعر لله سبحانه، لتأتي الشعائر بعد ذلك فتُحسِن التعبير عن هذه المشاعر.
تقول السيدة عائشة ﵂: أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول الأمر: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، ولو نزل أول الأمر: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نترك الخمر أبدًا .. أُنزل على النبي ﷺ وأنا جارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، وهي من سورة القمر، وما نزلت البقرة والنساء إلا وأنا عنده في المدينة (٣).
وليس معنى هذا أن نترك العبادة، أو نقول: لابد أن نفعل مثل ما فُعل مع الصحابة؛ فلقد اكتمل التشريع كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فنحن مطالبون بأداء كل ما افترضه الله علينا، ومع ذلك فلابد من التركيز على القلب، وعلى زيادة الإيمان وتعبيد المشاعر لله، وأن نُعطي هذا الأمر القدر الكافي من الاهتمام، وبخاصة في بداية تكوين الفرد المسلم لتُصبح العبادة مؤثرة تزيد الإيمان في القلب، ومن ثَمَّ تُقرب صاحبها إلى الله أكثر وأكثر، ويظهر أثرها في السلوك.
стр. 58
ولعلنا من ذلك أيضًا نستخلص طريقة تربوية نسلكها مع أبنائنا قبل سن التكليف، فمع تعويدهم على أداء عبادات الجوارح المختلفة، إلا أن الجهد الأكبر ينبغي أن ينصب على تعريفهم بالله ، وتحبيبهم فيه، وتعظيم قدره في قلوبهم، وتعريفهم بأنفسهم، وأنهم لا شيء بدون ربهم .. انظر إلى رسول الله ﷺ وهو يوجِّه عبد الله بن عباس ﵄ ويغرس فيه هذه المعاني فيقول له:
«يا غلام، إني أُعلمك كلمات؛ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضرُّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفَّت الصحف» (١).
الخلاصة:
وخلاصة القول في هذا الفصل أن التربية الإيمانية الصحيحة التي تُقرب العبد من ربه، وتُثمر سلوكًا صحيحًا في حياة الفرد لها جناحان: أعمال القلوب وأعمال الجوارح .. الإيمان والعمل الصالح.
مع التأكيد على أن أعمال القلوب تسبق أعمال الجوارح في الأهمية والترتيب، شريطة ألا يُهمل العمل الصالح فهو بمثابة الماء للبذرة ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١].
وفي الصفحات القادمة - بإذن الله - سيتم إفراد الحديث عن كيفية بناء القاعدة الإيمانية باتساعها في القلب، وحديث آخر عن كيفية الانتفاع بالعمل الصالح في زيادة الإيمان، والله المُوفق.
стр. 59
الفصل الخامس
تأسيس القاعدة الإيمانية
من خلال القرآن
стр. 60
الهدف الذي ترمي هذه الصفحات إلى تحقيقه - بإذن الله - هو زيادة الثقة في القرآن، وتنمية الشعور بالاحتياج إليه في تأسيس القاعدة الإيمانية وتحقيق الربانية.
وتهدف أيضًا إلى دفع المرء لاكتساب مهارة تدبر القرآن والتأثر بمعانيه والمداومة على ذلك.
стр. 61
الفصل الخامس
تأسيس القاعدة الإيمانية
ما المقصود بالقاعدة الإيمانية ؟
بناء القاعدة الإيمانية يعني تمكين الإيمان بالله في المشاعر المختلفة، ليُصبح المرء رقيق القلب، سريع الاستثارة عند تعرُّضه لأدنى مؤثر، فينعكس ذلك على طريقة تعامله مع أحداث الحياة بتقلباتها المختلفة.
والمقصود بتمكين وبناء الإيمان في المشاعر المختلفة هو بناء الثقة في الله ، وفي أسمائه وصفاته، وفي اليوم الآخر، وبقية أركان الإيمان.
هذه الثقة والطمأنينة عليها أن تكون لها اليد الطولى في المشاعر المختلفة.
فإن تساءلت: وكيف يُمكن للإيمان أن يصل إلى هذه الدرجة؟!
قد يُجيب البعض عن هذا التساؤل إجابة نظرية؛ فيطرح أعمالًا ووسائل من شأنها - في نظره - أن تصل بالمرء لهذا المستوى الإيماني، فمن قائل: بأن علينا الإكثار من صيام النفل وقيام الليل ومكابدة ذلك وتحمله سنوات وسنوات، ومن قائل بالإكثار من الأوراد والأذكار والتسابيح، إلا أن هذه الإجابة تختلف عن إجابة البعض الآخر الذي يتبنى - من الناحية النظرية القيام بأعمال أخرى كالإكثار من الأعمال الاجتماعية ذات النفع المُتعدِّي للآخرين ..
مما لا شك فيه أن كل هذه الأعمال الصالحة وغيرها لها وظيفة عظيمة في زيادة الإيمان شريطة أن تُؤدى بإحسان - كما أسلفنا -، لكننا هنا نتحدث عن القاعدة الإيمانية باتساعها في القلب، والتي تسبق الأعمال الصالحة في الترتيب في الأهمية.
إن طريقة بناء تلك القاعدة في المشاعر المختلفة يحتاج إلى نوعية خاصة من الأعمال التي تُخاطب العقل وتقنعه بكل ما ينبغي الإيمان به، وتستثير في الوقت ذاته المشاعر حتى تتحول القناعة العقلية إلى حالة إيمانية يعيشها القلب .. على أن تستمر هذه المخاطبة حتى تتحول تلك الحالة إلى إيمان مستقر في القلب، وليس ذلك فحسب بل ينبغي أن يتناول ذلك جميع المشاعر المختلفة التي تظهر ثمار الإيمان في كل الأحوال والتقلبات الحياتية التي يتعرض لها المرء.
تعرفهم بسيماهم:
لكي نتفق على الطريقة الصحيحة لتأسيس القاعدة الإيمانية علينا أن نبحث في التاريخ عن نموذج حقيقي من البشر ظهرت عليه آثار وثمار الإيمان المتنوعة والشاملة والتي تُعَدّ بمثابة مرآة تعكس وجود تلك القاعدة في القلب، فإن وجدناه علينا أن نتحرى عن الأسباب التي أدَّت إلى تكوينها بإذن الله.
والباحث المنصف في تاريخ الأمة لن يجد إلَّا جيلًا واحدًا ظهرت عليه تلك الثمار الشاملة ألا وهو جيل الصحابة، ولعل ما قيل في الفصل الثاني (ثمار الإيمان) ما يؤكد هذا الأمر.
ليبقى السؤال عن سبب وصولهم إلى هذا المستوى الإيماني السامق حتى نحذو حذوهم، وبخاصة أنهم كانوا قبل إسلامهم في ذيل الأمم، وكانوا يغرقون في ظلمات الجاهلية، وكان حالهم أسوأ بكثير من حالنا الآن .. كانوا يعبدون الحجارة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، ويئدون البنات، ويأكل القوي منهم الضعيف ..
فكيف حدث لهم هذا التحول العجيب؟!
كيف استطاعوا أن يصلوا إلى هذا المستوى الإيماني الفذّ؟
فإن قلت: قد يكون وجود الرسول ﷺ بينهم هو السبب في ذلك. أجبتك أنه ما من شك في أن وجود الرسول ﷺ بين الصحابة كان له دور كبير في استقامتهم، فهو المعلم والمُربِّي، ولكن لو كان الأمر يقف عند هذا الحد لأصبح من المستحيل الوصول إلى هذه الدرجة الإيمانية أو الاقتراب منها في ظل غياب شخص الرسول ﷺ .
هذه واحدة، والأخرى أنه ﷺ عندما هاجر إلى المدينة وجد مستويات إيمانية عالية من أُناس لم يسبق له أن رآهم أو تعامل معهم من قبل، فبعد بيعة العقبة أرسل الرسول ﷺ مصعب بن عمير لأهل يثرب - الذين كانوا على شركهم - ليدعوهم إلى الإسلام، وقد كان، وانشرحت الصدور للدين الجديد، وامتلأت القلوب بالإيمان من قبل مجيء المهاجرين إليهم ومن بعدهم رسول الله ﷺ ، ويكفي للاستدلال على قوة إيمانهم ما فعلوه مع المهاجرين من إيثار عجيب مع شدة فقرهم، والذي تم الحديث عنه في مقدمة الكتاب، وذكرته الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
стр. 62
والعجيب أن الكثير من شعائر الإسلام لم تكن فُرِضت في هذه المرحلة حتى نقول بأن التزامهم بالعبادات والأعمال الصالحة كان السبب في هذا الإيمان الفذ ..
فكيف وصلوا لهذا المستوى؟!
ماذا فعل معهم مُصعب بن عمير؟!
كل ما في الأمر أن مصعبًا عندما ذهب إلى يثرب كان معه ما نزل من القرآن، أو بعبارة أخرى كانت معه المعجزة التي نزلت من السماء والتي من شأنها أن تُحدث زلزالًا رهيبًا في القلوب فلا تستقر بعده على حالها السابق، بل تكون في حالة من الانبهار الشديد، والاستسلام لرب هذه المعجزة.
لقد كان مصعب يُدرك أن معه معجزة عظيمة له آثار مزلزلة على من يتعرض لها، لذلك كان إذا أراد أن يدعو أحدًا إلى الإسلام؛ يقرأ عليه آيات من القرآن، فيحدث له الزلزال ومن ثَمَّ التسليم والإذعان الفوري، لدرجة أن أهل يثرب أطلقوا عليه لقب: «المُقرئ»، ولك - أخي القارئ - أن تتأكد من هذا الأمر إذا ما قرأت قصة إسلام أُسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.
فأُسيد بن حضير، وسعد بن معاذ كانا من سيدي (الأوس)، وقد ضاقا ذرعًا بالدعوة الجديدة التي يحمل لوائها مصعب بن عمير، فعزما على إخراجه من يثرب بعد أن تزايد عدد من أسلم من أهلها على يديه، وذات مره كان مصعب في بستان من بساتين بني (عبد الأشهل) يدعو الناس إلى الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن، فإذا بأُسيد يأخذ حربته ويتوجه نحو البستان، فلما رآه أسعد بن زرارة مقبلًا قال لمصعب: ويحك يا مصعب، هذا سيد قومه وأرجحهم عقلًا: أسيد بن حضير، فإن يُسلم يتبعه في إسلامه خلقٌ كثير، فاصدق الله فيه ..
وقف أسيد بن حضير على الجمع، والتفت إلى مصعب وصاحبه أسعد، وقال: ما جاء بكما إلى ديارنا، وأغراكما بضعفائنا؟! اعتزلا هذا الحي إن كانت لكما بنفسيكما حاجة.
فالتفت مصعب إلى أسيد قائلًا: يا سيد قومه، هل لك في خير من ذلك؟
قال: وما هو؟
قال: تجلس إلينا، وتسمع منَّا، فإن رضيت ما قلناه قبِلته، وإن لم ترضه تحولنا عنكم ولم نعد إليكم.
فقال أسيد: لقد أنصفت، وركز رمحه في الأرض وجلس، فأقبل عليه مصعب فكلمه عن الإسلام، وقرأ عليه شيئًا من آيات القرآن، فانبسطتت أساريره، وأشرق وجهه، وقال: ما أحسن هذا الذي تقول، ما أخلَّ ذلك الذي تتلو!! كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في الإسلام؟
قال مصعب: تغتسل وتطهر ثيابك، وتشهد أن إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتصلي ركعتين ففعل، ثم قال: إن ورائي رجلًا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرشده إليكما الآن - سعد بن معاذ - ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه. فقال سعد: أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.
ثم ذهب سعد إلى مصعب فحدث له ما حدث لأسيد .. حدث له الزلزال فأسلم واستسلم لله، وخرج مسرعًا إلى قومه يقول لهم: إن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله (١).
الجيل الرباني:
من هنا نقول بأن القرآن الكريم هو الوسيلة العظيمة والمتفردة التي قامت بتغيير الصحابة .. ويؤكد فريد الأنصاري على هذا المعنى فيقول: إن القرآن الكريم كان هو الباب المفتوح والمباشر الذي ولجه الصحابة الكرام إلى ملكوت الله، حيث صُنعوا على عين الله .. إنه السبب الوثيق الذي تعلقت به قلوبهم، فأوصلهم إلى مقام التوحيد (٢) أو كما قال الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: «كتاب الله، هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض» (٣).
(لقد توثَّق ارتباط الصحابة بالقرآن في العهد النبوي، ارتباطًا عمَّق صلة القلوب بربها، إلى درجة أنهم كانوا يتتبعون الوحي تتبع الملهوف الحريص على الترقِّي في مدارج المعرفة بالله والسلوك إليه سبحانه، فهذا عمر بن الخطاب عندما كان مكلفًا، وصاحبًا له بالمرابطة في ثغر من ثغور المدينة، ترقُّبًا لغزو مُتوقَّع من ملك غسان) (٤) كان يتناوب النزول مع صاحبه إلى الرسول ﷺ لمعرفة خبر الوحي، فيقول في ذلك:
стр. 63
كان لي جار من الأنصار؛ فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ فينزل يومًا، وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيول لتغزونا (١)
لقد كان القرآن هو المنبع الأول والمنهج المؤثر الذي قام بتربية الصحابة، ورفعهم إلى أعلى الآفاق بعد أن كانوا في أسفل السفوح، وكان الرسول ﷺ يقوم بوظيفة المعلم والمربي الذي يتعاهد فعل القرآن فيهم، ويُعمق معانيه في نفوسهم، ويشرح لهم ما أُشكل فهمه عليهم .. كان ﷺ هو المُبلغ عن الله، والمُربي والقدوة العملية لتمام وكمال العبودية لله ..
إنهم صُنِعوا ها هنا:
عندما تحدثنا - بفضل الله - في الفصل الثاني عن ثمار الإيمان؛ كانت الأمثلة من جيل الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا جيلًا من الربانيين العابدين الزاهدين المجاهدين المتواضعين، ليكونوا بمثابة أعظم وأصدق شهادة لقوة تأثير القرآن، وأكبر دليل إثبات لقدرته - بإذن الله - على إعادة صياغة وتشكيل الإنسان على النحو الذي يُحبه الله ويرضاه مهما كان انحرافه وضلاله ..
وفي هذا المعنى يقول سيد قطب ﵀:
لقد كنت وأنا أُراجع سيرة الجماعة المسلمة الأولى أقف أمام شعور هذه الجماعة بوجود الله - سبحانه - وحضوره في قلوبهم وفي حياتهم، فلا أكاد أُدرك كيف تم هذا؟!
كنت أُدرك طبيعة وجود هذه الحقيقة وحضورها في قلوبهم وفي حياتهم، ولكني لم أكن أُدرك كيف تم هذا حتى عُدت إلى القرآن أقرؤه على ضوء موضوعه الأصيل: تجلية حقيقة الألوهية وتعبيد الناس لها وحدها بعد أن يعرفوها.
وهنا فقط أدركت كيف تم هذا كله!
أدركت - ولا أقول أحطت - سر الصنعة عرفت أين صُنع ذلك الجيل المتفرد في تاريخ البشرية وكيف صُنع!
إنهم صُنعوا هاهنا! صُنعوا بهذا القرآن! بهذا المنهج المُتجلي فيه! بهذه الحقيقة المتجلية في هذا المنهج! حيث تُحيط هذه الحقيقة بكل شيء، وتغمر كل شيء، ويصدر عنها كل شيء، ويتصل بها كل شيء، ويتكيف بها كل شيء .. بهذا كله وجدت - في الأرض وفي دنيا الناس - حقيقة «الربانية» متمثلة في أُناس من البشر.
وُجد «الربانيون» الموصولون بالله، العائشون بالله، ولله، الذين ليس في قلوبهم، وليس في حياتهم إلا الله ..
وحينما وُجدت حقيقة «الربانية» هذه في دنيا الناس، ووُجد الربانيون الذين هم الترجمة الحقيقية لهذه الحقيقة .. حينئذ انساحت الحواجز الأرضية، والمقررات الأرضية، والمألوفات الأرضية، ودبَّت هذه الحقيقة على الأرض، وصنع الله ما صنع في الأرض وفي حياة الناس بتلك الحفنة من العباد .. وبطلت الحواجز التي اعتاد الناس أن يروها تقف في وجه الجهد البشري وتَحُدُّ مداه، وبطلت المألوفات التي يقيس بها الناس الأحداث والأشياء .. ووُجد الواقع الإسلامي الجديد، ووُلد معه الإنسان الحقيقي الجديد (٢).
من هنا نُدرك كيف كان حزن الصحابة على انقطاع الوحي، وليس أدل على ذلك مما رواه أنس ﵁ عندما قال:
стр. 64
قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها .. فلما انتهينا إليها، بكت، فقالا لها: ما يُبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ . فقالت: ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء! فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها» (١).
تأثر الصحابة بالقرآن:
ذاق الصحابة رضوان الله عليهم حلاوة الإيمان من خلال القرآن، وأدركوا قيمته، فأقبلوا عليه وانشغلوا به، وانجذبت مشاعرهم نحوه لدرجة الاستغراق والهيمنة:
فهذا عمر بن الخطاب يسمع رجلًا يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧، ٨]، فجعل يبكي حتى اشتد بكاؤه، فقيل له في ذلك، فقال: دعوني، إني قد سمعت قَسَمَ حقٍ من ربي (٢).
وكان عبد الله بن عباس يُقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب .. قال عبد الله بن عباس: لم أر أحدًا يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة (٣).
وفي يوم من الأيام قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ : ألم تر ثابت بن قيس بن الشماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح؟!
قال: «فلعله قرأ بسورة البقرة»، فسُئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة (٤).
نزل رجل من العرب على عامر بن ربيعة، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ ، فجاء الرجل إليه بعد ذلك، فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ واديًا ما في العرب أفضل منه، ولقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك.
فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] (٥).
المصدر المتفرد:
إذن فالقرآن الكريم هو المصدر المتفرد والوسيلة العظيمة التي صنعت الجيل الأول، ومن ثَمَّ فهو المؤهل للقيام بهذه الوظيفة معنا إن أحسنَّا التعامل معه.
هذا من ناحية الواقع العملي، أما من ناحية الشروط التي تم الحديث عنها في الصفحات السابقة والخاصة ببناء القاعدة الإيمانية، فإن جميعها متحقق في القرآن وزيادة وزيادة، وكيف لا والذي أنزله هو رب العالمين، العالم باحتياجاتهم .. الذي يُريد لهم الخير والقرب الدائم منه ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦].
إن طريقة القرآن في زيادة الإيمان، وبناء قاعدته في جميع المشاعر طريقة فريدة لا يُمكن للعقل البشري القاصر أن يُحيط بها، ويكفيك في ذلك أن تتعرف على تأثير آيات القرآن عندما تُتلى على من يُحسن استقبالها ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
стр. 65
فهؤلاء الذين أشارت إليهم الآيات عندما سمعوا القرآن خرُّوا إلى الأذقان سُجدًا من تأثيره عليهم .. اندفعوا نحو الأرض بجباههم دون أن يُطلب منهم ذلك .. دفعهم لهذا السجود قوة تأثير الآيات على قلوبهم، واستثارتها الفائقة لمشاعر الإجلال والتعظيم لله ، فلم يملكوا أنفسهم، ولم يستطيعوا السيطرة على مشاعرهم، فاندفعوا ساجدين خاشعين باكين ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
وكأن هذا هو الحال الذي ينبغي أن يكون عليه كل من يستمع آيات القرآن؛ لِما فيها من قوة تأثير جبارة، لذلك ذم الله من لا يؤمن ولايخشع عند سماعه للقرآن ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١].
فمن لم يتأثر بالقرآن ويزداد به إيمانًا، فبماذا سيتأثر ويؤمن؟! ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠].
المعرفة الشاملة:
القرآن كتاب عظيم به آلاف الآيات التي تتضمن الكثير والكثير من المعلومات عن الله ، وعن أسمائه وصفاته، وآثارها في الكون، ويحتوي كذلك على كل ما ينبغي أن يؤمن به الإنسان لينجح في مهمته على الأرض.
ولئن كان يصعُب على البعض النظر الصحيح، والتفكر في الكون وآياته المشهودة فإن القرآن العظيم يختصر له الكون، بل ويرشده إلى طريقة التفكر فيه ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]، ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣، ٤].
والقرآن العظيم كذلك يحتوي - بإجمال - على أهم الأحداث التي مرَّت بالبشرية ليأخذ منها المسلم العبر والعظات التي تُعينه على القيام بواجبه الصحيح على الأرض.
ولك أن تتأمل آيات سورة القمر، وكيف أنها تذكر العديد من قصص السابقين كقوم نوح وعاد وثمود، ثم نجد كل قصة منها تنتهي بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، أي أنك إن كنت - أيها القارئ - لم تُشاهد ما حدث لهؤلاء، وفاتك أخذ العبرة منهم، فإن القرآن يكفيك، ويُقدم لك خلاصة تلك الأحداث ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
ويؤكد سيد قطب على شمول المعرفة القرآنية فيقول:
إن القرآن الكريم وهو يتناول الحقائق والمقومات التي يقوم على أساسها التصور الإسلامي للوجود، ويُقدم على أساسها التفسير الصحيح لهذا الوجود أيضًا .. لم يدع جانبًا منها يراود الفكر البشري عنه سؤال إلا وقد أجاب على هذا السؤال، ولم يدع انحرافًا في تصورها يخالط الفكر البشري إلا وصحح هذا الانحراف بحيث يستقيم في القلب والعقل وفي الكينونة البشرية بجملتها تصور كامل من وراء هذا البيان الشامل، وتفسير صحيح للوجود كله وللتاريخ الإسلامي (١).
المعرفة المؤثرة
والقرآن الكريم لا يُقدم المعلومة فقط، بل يُقدمها بطريقة تُقنع العقل، وتستثير المشاعر في آن واحد، فينشأ الإيمان - بإذن الله -.
وإذا ما داوم المرء على قراءة القرآن - قراءة صحيحة - ازداد إيمانًا .. لماذا؟
стр. 66
لأنه ازداد معرفة نافعة ومؤثرة ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
ويُقارن بديع الزمان النورسي بين المعرفة التي يُقدمها القرآن والمعرفة التي يُقدمها علم الكلام فيقول:
حقًّا، إن معرفة الله المستنبطة من علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة، ولا تورث الاطمئنان القلبي.
في حين أن تلك المعرفة متى ما كانت على نهج القرآن الكريم المعجز، تُصبح معرفة تامة، وتُسكب الاطمئنان الكامل في القلب.
إن المعرفة المُستقاة من القرآن الكريم تمنح الحضور القلبي الدائم مع الله.
ويضرب النورسي مثالًا للفرق بين الأمرين:
لأجل الحصول على الماء، هناك من يأتي به بواسطة أنابيب من مكان بعيد يُحفر في أسفل الجبال، وآخرون يجدون الماء أينما حفروا، ويُفجِّرونه أينما كانوا.
فالأول سير في طريق وَعر وطويل، والماء مُعرَّض فيه للانقطاع والشُّحة، بينما الذين هم أهل لحفر الآبار فإنهم يجدون الماء أينما حلُّو دونما صعوبة ومتاعب.
إن كل آية من آيات القرآن الكريم كعصا موسى تُفجِّر الماء أينما ضربت .. (١).
ويقول: لا حاجة إلى الاستضاءة بنور الشموع مادامت هناك شمس ساطعة (٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
إن اللذة والفرحة والسرور، وطيب الوقت، والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه، إنما هو في معرفة الله ، وتوحيده، والإيمان به، وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية (٣)، وكيف لا (والقرآن يُثير العواطف، ويوقظ العقول في وقت واحد، وبعد الاقتناع يطمئن العقل ويهدأ الإحساس، ويشعر الإنسان بنشوة الفرح والارتياح) (٤).
القرآن يستثير جميع المشاعر:
الذي يُقبل على القرآن إقبالًا صحيحًا فيتدبر معانيه ويتأثر بها يجد أنه يُخاطب جميع مشاعره، فتارة يستثير فيه مشاعر الخوف والرهبة، وتارة الفرح والاستبشار، وتارة الرضا والتفويض، وتارة السكينة والطمأنينة، وتارة الحب والشوق إلى الله .
يقول ابن القيم:
لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرضا والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله (٥).
(يشعر القارئ (المتدبر للقرآن) أنه يعيش حياة نابضة في في عالم آخر غير الذي يعيش، يُدرك أن روحًا تسري فيه.
يحس من يقرأ في القرآن متنقلًا بين آياته وسوره أنه يعيش في قرية صغيرة، يجمعها مكان واحد، هي هذه المعمورة رغم اتساعها، ويكتنفها زمان واحد من لدن آدم حتى قيام الساعة .. نصوص مفتوحة أمامها الطريق، لا يحُدُّها زمان، ولا يُقيدها مكان، تلقي تعاليمها لهذا الإنسان الذي لا تتغير مشاعره وجوانبه النفسية وميوله على اختلاف الزمان.
هكذا يجد كل إنسان فيه بُغيته .. يُقبل عليه المهموم ليجد فيه بلسمه، ويُقبل عليه المحزون ليجد فيه سلوته، ويُقبل عليه العالم ليجد فيه طلبته، ويُقبل عليه الهارب من قيود الحياة الرتيبة ليجد فيه خلوته .. يُقبل عليه الضال التائه الحائر ليجد ضالته.
انظر كيف أن آيات السورة الواحدة تنتقل بك من موضوع إلى آخر، ومن وصف إلى قصص، إلى وعد ووعيد، إلى تشريع، ... .
стр. 67
هذا، وإن في تنوع سور القرآن طولًا وقصرًا، انسجامًا مع هذه النفس الإنسانية التي تل الرتابة، كل سورة من سور القرآن تُضيف لبنة نفسية إلى ذلك الكيان الإنساني، حتى تجده مع آخر سورة قد اكتمل بناؤه النفسي، وتكاملت مشاعره وأحاسيسه ..
من هنا نُدرك الحكمة من كثرة النصوص الواردة في حثِّ المسلم على الإقبال على هذا القرآن، وإشارة النصوص إلى ضرورة أن يكون لهذا الإنسان ورد يومي وزاد يتقوَّت به في يومه، وأهمية قراءة القرآن من أوله إلى آخره لأنها تُمكن المرء من استثارة كامل مشاعره التي تنطوي عليها نفسه) (١).
القرآن وبناء الإيمان:
وإليك أخي القارئ بعض اللمحات اليسيرة عن طريقة القرآن الفريدة في بناء الإيمان:
القرآن الكريم يطرح جميع الحقائق التي ينبغي الإيمان بها طرحًا يُخاطب به العقل فيُقنعه بشتى أساليب الإقناع من خلال الحوار الذي يُشعر قارئ القرآن أنه أحد أطرافه، ويصل معه في النهاية إلى الإجابة المقنعة للقضية المثارة، وخلال هذا الحوار نجد هناك أسئلة تُطرح وأمثلة تُضرب وإجابات تُفحِم وتُدحِض أي شبهة.
فعلى سبيل المثال:
شبهة أن القرآن ليس من عند الله، وأن محمدًا ﷺ قد افتراه من عنده، نجد الرد على هذه الشبهة في أكثر من موضع في القرآن بكلام مُفحم وأدلة دامغة كقوله تعالى في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣، ١٤].
ومع الإقناع العقلي فإن القرآن يستثير المشاعر في نفس الوقت من خلال أساليبه المتنوعة من تشويق وترغيب وترهيب، ومن خلال القصة والموعظة، فعلى سبيل المثال: سورة النبأ تناقش قضية البعث والجزاء، وتُثبتها من الناحية العقلية، من خلال حثّ القارئ على الإجابة على أسئلة بدهية مفادها أن الذي جعل لك النوم سُباتًا، والنهار معاشًا، وأنزل المطر، وبسط الأرض، وثبَّتها بالجبال، و .. ، هو الذي يُخبرك أن هناك يومًا للجزاء ..
ومع هذا الإقناع العقلي يأتي الترهيب بذكر هول يوم القيامة وبشاعة النار، وكذلك ذكر الجنة، وبعض ما فيها من ألوان النعيم، فتُستثار المشاعر مع تلك القناعة العقلية فينشأ الإيمان بإذن الله.
وليس ذلك فحسب ... فمن أهم الوسائل التي يتفرد بها القرآن لاستثارة المشاعر هي الطريقة التي ينبغي أن يُتلى بها؛ ألا وهي الترتيل والتغني به طبقًا لأحكام التجويد ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].
أهمية الترتيل:
إن تحسين الصوت بالقرآن وترتيله له وظيفة عظيمة في الطرق على المشاعر لاستثارتها، فيؤدي ذلك إلى امتزاج القناعة العقلية بالعواطف المنفعلة، لذلك كان الحث على تحسين الصوت عند قراءة القرآن.
قال ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» (٢).
وقال: «ليس منَّا من لم يتغن بالقرآن» (٣).
стр. 68
وقيل لابن أبي مُليكة: «يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع» (١).
ويؤكد ابن حجر العسقلاني على هذا المعنى فيقول:
والذي يتحصل من الأدلة أن حُسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا فليحسنه ما استطاع (٢).
ويقول الجيوسي في كتابه «التعبير القرآني والدلالة النفسية»:
القرآن الكريم كتابٌ لا كأي كتاب، فهو يُتلى بطريقة مرتبة، على أصول منظمة، يجب أن تُراعى فيه قواعد القراءة وأصول الأداء، وهذا مما اختص به القرآن الكريم على سائر الكتب، وورود الأمر بذلك في الآيات الأولى من مرحلة نزول القرآن ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].
ولا شك أن هناك قواعد تتصل بالأداء القرآني لابد من مراعاتها كأحكام التجويد، فالتجويد هو التحسين.
هذه الأحكام التي ينبغي لقارئ القرآن أن يُراعيها هي في حقيقة الأمر أحد أسرار ذلك الإيقاع الذي يشدُّ الأسماع إليه، لا تكاد تخلو آية من حُكم ما بين غُنّة أو مدّ أو إخفاء، أو غير ذلك من الأحكام التي تفرض على السامع لونًا معينًا لا يعهده في الكلام الاعتيادي، وإذا ما علمنا أن قراءة القرآن ينبغي أن تكون بالترتيل وبمراعاة هذه الأحكام، أدركنا أن ذلك سرٌّ كامنٌ في كتاب الله، هذا الذي يجعل النفس تنجذب إليه (٣).
فإذا ما اقترن ذلك بحضور العقل وتفهُّمه للخطاب كان الأثر عظيمًا على القلب كحال وفد نصارى نجران عندما استمعوا للقرآن ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣].
وجدير بالذكر أن (التغني بالقرآن هو تحسين الصوت بقراءة القرآن، بخلاف الغناء المعروف في زماننا، فالقصد من هذا الغناء أن يطرب ويُطرب غيره لا ليتعظ ويعتبر، فالتغني بالقرآن إذًا هو: استماع المتكلم لما يُتَكلم به، مترنمًا بالنطق، مستحبًّا له، مستلمحًا مستطيبًا للكلمات، ذوقًا لها ولمعانيها) (٤).
ويؤكد الحافظ ابن كثير على هذا المعنى فيقول:
والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه، والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان، والأوضاع المُلهية والقانون الموسيقائي، فالقرآن يُنزَّه عن ذلك (٥).
أهمية المداومة على تلاوة القرآن:
القرآن يُخاطب العقل فيُقنعه، ويضغط على المشاعر فيستثيرها، لينشأ بذلك الإيمان - بإذن الله -، فيُثمر ذلك الإيمان مزيدًا من العبودية لله ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧، ٢٨].
والقرآن يعرض جميع الحقائق التي ينبغي الإيمان بها، وعلى رأسها الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته.
والإيمان الذي يحدثه القرآن يتناول جميع المشاعر، فإذا ما داوم المرء على تلاوته، وأعطاه وقتًا معتبرًا من يومه فإن هذا من شأنه أن يزيده إيمانًا، وهكذا تستمر زيادة الإيمان حتى تستقر وترسخ في المشاعر، وتكون له اليد الطولى بها، وباستمرار التلاوة يزداد الترقي الإيماني، ويزداد ظهور ثمار الإيمان.
стр. 69
من هنا كان الحث في القرآن والسنة على ضرورة المداومة على تلاوة القرآن حتى يتحقق مقصوده العظيم بتحصيل العلم والإيمان والترقي في مدارج السائرين إلى الله.
فمن الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
وقوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩١، ٩٢].
وقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
ومن الأحاديث النبوية، قوله ﷺ : «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تَفَصِّيًا من قلوب الرجال من الإبل من عُقلها» (١).
وقوله: «اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستأثروا به» (٢).
ولمّا جاء وفد ثقيف إلى المدينة أنزلهم رسول الله ﷺ في قبة بين المسجد، وبين أهله، فكان يأتيهم ويُحدثهم بعد العشاء، وفي ليلة من الليالي تأخر عليهم ثم أتاهم، فقالوا له: يا رسول الله، لبثت عنَّا الليلة أكثر مما كنت تلبث، فقال: «نعم، طرأ عليّ حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج من المسجد حتى أقضيه» (٣).
ولكي يقع هذا الحث النبوي مواقعه الصحيحة فلا يؤدي إلى إسراع البعض في القراءة دون تفكُّر وتفهُّم وتدبُّر كانت التوجيهات النبوية بضرورة التركيز وجمع العقل مع التلاوة، ومن ذلك قوله ﷺ : «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول، فلينصرف فليضطجع» (٤).
وقوله لعبد الله بن عمرو بن العاص وهو يوضح له سبب نهيه عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث» (٥).
وعندما نزلت آيات سورة آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. قال ﷺ «ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها» (٦).
стр. 70
لا بديل عن القرآن:
من هنا نقول بأننا إذا ما أردنا بناء القاعدة الإيمانية باتساعها في جميع مشاعر القلب فلابد من العودة الصحيحة إلى القرآن، وإعطائه وقتًا معتبرًا من يومنا، وأن نُداوم على ذلك كل يوم .. نقرؤه بتدبر وترتيل وصوت حزين، فإن لم نفعل ذلك فلا نلومن إلا أنفسنا عندما نُفاجأ بعد الموت بهذا الكنز الذي كان بين أيدينا، فهجرناه بمحض إرادتنا، وقد كان بإمكاننا من خلال حُسن التعامل معه أن نقترب أكثر وأكثر من الله ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤].
القرآن والسنة:
وغني عن البيان أن الحديث عن القرآن يشمل الحديث عن السنة بالتبعية، فكما يقول ابن رجب:
فأما السُنة فهي مفسرة للقرآن، ومُبيِّنة، وموضحة، فهي تابعة له، والمقصود الأعظم هو القرآن (١) ..
وليس أدل من أهمية التمسك بالسنة مع القرآن من قوله ﷺ : «تركت فيكم شيئين، لن تضلُّوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يرِدا على الحوض» (٢).
ابتعاد الأمة عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن:
ومما يدعو للأسف أن جيل الصحابة لم يتكرر مرة ثانية في تاريخ الأمة حتى الآن، ومن أهم الأسباب لذلك هو هجر الانتفاع بالقرآن كمصدر متفرد لتحصيل العلم والإيمان.
إن مشكلتنا الرئيسة مع القرآن والتي تمنعنا من الانتفاع الحقيقي به هي ضعف إيماننا به، وثقتنا فيه كمصدر متفرد لتحصيل العلم والإيمان، ومن ثَمَّ التغيير .. ولك - أخي القارئ - أن تتأكد من هذا التشخيص بإجراء اختبار لنفسك وللآخرين، بأن تتخيل بأنك يومًا ما رغبت في قراءة شيء من الرقائق والمواعظ لترقيق قلبك، فاتجهت إلى مكتبتك، ووقع بصرك على كتاب التوهم للمحاسبي، والتبصرة لابن الجوزي، ومدارج السالكين لابن القيم، وإحياء علوم الدين للغزالي، ووقع بصرك - فيما وقع - على المصحف، فأي الكتب ستختار؟! وما هو ترتيب القرآن في هذا الاختيار؟!
ستُفاجأ أخي - كما فوجئت - بأن القرآن هو آخر كتاب ستختاره لهذه المهمة .. هذا إن كنت ستضعه في دائرة الاختيار والتفضيل.
إنه أمر يدعو إلى الحسرة .. كتاب الله أعظم وسيلة للتأثير يُصبح مهجورًا بهذه الطريقة؟!
يا حسرة على العباد:
هل انطفأ نور القرآن؟
لا والله، فهو كما هو النور المبين، وسيظل تأثيره أقوى من تأثير أي نور آخر، ولكننا أدرنا له ظهورنا، ولم نُحسن توجيه نوره لعقولنا وقلوبنا، فلم نشعر بأثره، فهل نقول لأنفسنا: «يا حسرة على العباد؟!»
يقول معاذ بن جبل ﵁: سيبلى (٣) القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت (٤)، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة (٥).
لقد صدق معاذ ﵁، فلقد ضعفت قيمة القرآن في قلوبنا، وأصبحنا لا نجد اشتهاء للإقبال عليه، ولا لذة حينما نتلو آياته.
لقد تضافرت عوامل كثيرة أدَّت إلى هذا الهجر الخطير للقرآن، ولكن حيث أنه لا بديل أمامنا سوى العودة إليه والانتفاع به لتحصيل العلم النافع لعقولنا، والإيمان المتجدد لقلوبنا، والتزكية الصحيحة لنفوسنا، والحركة الدائبة لخدمة ديننا، فلابد من بذل غاية الجهد، واجتياز كافة العقبات التي تحول بيننا وبينه ..
стр. 71
أخي القارئ
لو أن رجلًا يعمل في مكان بعيد عن أهله، وعلِم أن ابنه قد مرِض مرضًا عضالًا، وأنه يحتاج إلى دواء (ما) وصفه له الأطباء، وأن هذا الدواء غير متوافر ببلد الابن، فبحث عنه حتى وجده، ووضعه في صندوق محكم غاية الإحكام، وبالغ في وضع الأغلفة على الصندوق وأرسله إلى ابنه، وعندما وصلت العلبة إليه وعلم أن فيها دواءه حاول فتحها هو ومن حوله فلم يستطيعوا، فماذا تظن أنهم سيفعلون؟
هل سييأسون من فتحها وينصرفون عنها، أم سيحاولون فتحها مرات ومرات ومرات حتى ينجحوا؟
لقد أصبح بيننا وبين القرآن حجابًا كثيفًا، يحول بيننا وبين الانتفاع به، فلا ينبغي علينا أن نيأس إن أقبلنا على القرآن فلم نجد أي تجاوب، فالأمر يحتاج إلى محاولات متكررة، وإلحاح شديد على الله ، وتَبؤُّس وانكسار حتى يفتح لنا سبحانه أبواب القرآن، وتصل أنواره إلى عقولنا وقلوبنا.
يقول المحاسبي:
فإن طلبت الفهم بصدق أقبل عليك بالمعونة ..
لا يَثقُل فهم كلامه إلا على من تعطل قلبه ألا يسمع ..
فإن علم - سبحانه - من التالي لكتابه صدق ضمير، وعناية حتى يجمع همه للفهم، أفهمه .. ألا تسمعه يقول: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال: ٧٠].
فإذا أقبلت على الله بصدق نية، ورغبة لفهم كتابه بإجماع همٍّ، متوكلًا عليه أنه هو الذي يفتح لك الفهم: لم يخيبك من الفهم والعقل عنه إن شاء الله (١).
ويقول الزركشي:
إذا كان العبد مصغيًا إلى كلام ربه، مفتقرًا إلى التفهم، بدعاء وتضرع، وابتئاس وتمسكن، ومنتظرًا للفتح عليه عند الفتاح العليم، وأن تكون تلاوته على معاني الكلام؛ فهذا القارئ أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وفي مثله يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] .. وهذا هو الراسخ في العلم (٢).
فمن هنا نقول - بيقين - بأننا إن استطعنا أن ندخل على القرآن دخول التلميذ المُتشوق للمعرفة حينما يُقابل أعظم أستاذ، وداومنا على ذلك، فإن القرآن سيفتح لنا أبوابه، وسيغزو نوره قلوبنا، لنكون من بعد ملاقاته قومًا صالحين بإذن الله، وأكثر إيمانًا وبهجة وسكينة.
التحدي الكبير:
لا يُمكن للتربية الإيمانية أن تتم بمراحلها المختلفة دون التعامل الصحيح مع القرآن، وهذا لن يحدث إلا إذا زادت الثقة فيه، كمصدر متفرد لتنوير العقول والقلوب، وتزكية النفوس ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨].
هذا هو التحدي الكبير الذي يواجهنا ..
فالحل بين أيدينا، ومع ذلك لن نقدر على الانتفاع به طالما ضعف إيماننا به وثقتنا فيه.
من هنا نقول أن نقطة البداية في طريق الانتفاع بالقرآن بعد الاستعانة الصادقة والمستمرة بالله هي تنمية الثقة فيه لتزداد رغبتنا فيه، وإقبالنا الصحيح عليه.
وتنمية هذه الثقة تحتاج منَّا إلى القيام ببعض الأمور هي:
أولها: التعرف على أوصاف القرآن من القرآن:
فكلما تعَّف المرء على فاعلية الدواء الذي سيستخدمه؛ كلما ازداد ثقة فيه، فكما يقول الحارث المحاسبي:
«لقد عظم الله القرآن وسمَّاه: برهانًا، ونورًا، ورحمة، وموعظة، ومجيدًا، وبصائر وهدى، وفرقانًا، وشفاء لما في الصدور، وذلك ليعظم قدره عند المؤمنين، فيقبلوا عليه منبهرين ومقِّدرين، ومتدبرين، فينالوا به شفاء قلوبهم».
стр. 72
وأخبرنا أنه أحسن من كل حديث ومن كل قصص وقال نحن نقص عليك أحسن القصص ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣].
وأخبرنا أنه لا يفنى ولا ينفد ﴿لْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] (١).
ثانيها: التعرف على النماذج القرآنية التي صنعها القرآن على مر العصور:
ولعل أهم قدوة في ذلك: رسولنا محمد ﷺ ، ثم صحابته الكرام الذي قال عنهم الإمام القرافي:
لو لم يكن لرسول الله ﷺ معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته (٢).
فعلينا أن نتعرف على علاقة الرسول ﷺ بالقرآن، وكيفية تعامله معه، ووصاياه نحوه.
وعلينا كذلك أن نتعرف على أثر القرآن على الصحابة، وكيفية تناولهم له، وتوجيهاتهم لمن بعده.
وهناك نماذج قرآنية في العصر الحديث تُعطينا الأمل في إمكانية تكرارها بيننا، فعلينا أن نتعرف عليها وعلى أثر القرآن فيها.
ومن هذه النماذج: محمد إقبال، وبديع الزمان النورسي، وحسن البنا، وعبد الحميد بن باديس، وسيد قطب، وأبو الحسن الندوي، وأبو الأعلى المودودي، وفريد الأنصاري.
ثالثها: التعرف على أهم العوائق التي تحول بيننا وبين الانتفاع بالقرآن، وهي - بإجمال -:
الصورة الموروثة عنه، وطول إلف سماعه، ونسيان الهدف الذي من أجله نزل، والانشغال بفروع العلم والتبحر فيها، وغياب أثره في واقع الحياة، ورسوخ مفاهيم ساهمت في عدم الانتفاع به كالخوف من تدبره، وأهمية الإسراع في حفظه، والسعي وراء تحصيل الثواب فقط من تلاوته مما يؤدي إلى الإسراع في تلاوته دون تفهُّم ولا تدبر، وغير ذلك من المفاهيم والممارسات التي تُشكل حاجزًا نفسيًّا يمنعنا من الانتفاع الحقيقي بالقرآن.
وقبل ذلك كله، فإن كيد الشيطان واجتهاده في الحيلولة بين وصول القرآن للعقل والقلب من أهم عوائق الانتفاع بالقرآن (٣).
ولعلك تجد - أخي القارئ - بعض التفصيل حول هذه العوائق في كتاب «تحقيق الوصال بين القلب والقرآن» (٤)، وفيه كذلك العديد من النماذج العملية للأثر الإيجابي للقرآن العظيم، فاقرأه - إن شئت - على أن تكون قراءة متأنية من بدايته حتى نهايته، لعل هذه القراءة تُسهم - بإذن الله - في تحقيق الهدف الذي ترمي إليه هذه الصفحات.
التواص والتعاهد:
من أخطر العوائق التي تحول بيننا وبين الممارسة العملية المستمرة لقراءة القرآن وتدبر معانيه والتأثر بها، هو تعودنا على طريقة شكلية لتلاوته؛ تلك التي تُركز على قراءة أكبر قدر من آياته دون التفكر في معانيها، وبخاصة في شهر رمضان، بحثًا عن الثواب المترتب على قراءتها.
стр. 73
لذلك من المتوقع ان يجد المرء صعوبة بالغة في الانتقال إلى الطريقة الصحيحة في قراءة القرآن، والتي تُحقق قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
نعم، قد ينجح يومًا او بضعة أيام ولكنه سرعان ما يعود إلى الطريقة القديمة ..
إن الذي تعوَّد أن يأكل بيده اليسرى ثلاثين عامًا يصعب عليه الأكل بيده اليمنى بمجرد أنه قد عرف أهمية ذلك، فالأمر يحتاج منه إلى عزم أكيد، وتوكل عظيم على الله ، وممارسة طويلة، ومع ذلك فمن المتوقع أنه سيجد معاناة شديدة حتى يعتاد الأكل باليمنى.
ونفس الأمر بخصوص القرآن، فلقد اعتدنا قراءته والتعامل معه بشكل غير صحيح، ولكي يتم تعديل ذلك لابد من استعانة صادقة بالله، وعزم أكيد، وممارسة، ومتابعة، وتعاهد ممن سبقونا في هذا الأمر حتى نتعود على القراءة اليومية للقرآن، بتدبر وترتيل وصوت حزين، وتفاعل مع الآيات التي نتأثر بها.
وسائل عملية للانتفاع بالقرآن:
ولتمام الفائدة نضع بين يديك أخي القارئ بعض الوسائل العملية التي من شأنها أن تُدخلنا - بإذن الله - إلى عالم القرآن، وتفتح لنا أبواب الانتفاع به، فعلينا أن نستخدمها عند تلاوتنا اليومية للقرآن، وأن تسير جنبًا إلى جنب مع وسائل تنمية الثقة في القرآن والتي ذُكرت آنفًا.
أولًا: قبل أن نبدأ بقراءة القرآن علينا بالإلحاح على الله أن يفتح قلوبنا لأنوار كتابه، وأن يكرمنا ويعيننا على التدبر والتأثر، ولنتذكر جميعًا بأن الإلحاح الشديد على الله هو أهم مفتاح يفتح القلوب للقرآن، فليكن - إذن - إلحاح ودعاء وتضرع كتضرع المضطر الذي يخرج دعاؤه من أعماق قلبه.
يقول ابن رجب: على قدر الحُرقة والفاقة تكون إجابة الدعاء (١).
ثانيًا: القراءة في مكان هادئ، بعيدًا عن الضوضاء حتى يتسنَّى جمع العقل والقلب ومع القرآن، وكذلك اختيار الوقت المناسب الذي يكون فيه المرء بعيدًا عن الإجهاد البدني أو الذهني، ولا ننسى الوضوء والسواك.
ثالثًا: تخصيص وقت معتبر للقراءة لا يقل في البداية عما يُقارب الساعة المتصلة وحبذا لو كان أكثر من ذلك، مع مراعاة ضرورة - عدم قطع القراءة بأي أمر من الأمور ما أمكن ذلك - حتى لا نخرج من جو القرآن، وسلطان الاستعاذة.
رابعًا: القراءة من المصحف وبصوت مسموع وبترتيل، على أن تكون القراءة هادئة حزينة لاستجلاب التأثر بإذن الله.
خامسًا: الفهم الإجمالي للآيات من خلال إعمال العقل في تفهُّم الخطاب، وهذا يستلزم منَّا التركيز التام مع القراءة.
وليس معنى إعمال العقل في تفهم الخطاب أن نقف عند كل كلمة ونتكلف في معرفة معناها وما وراءها، بل يكفي المعنى الإجمالي الذي تدل عليه الآية حتى يتسنَّى لنا الاسترسال في القراءة، ومن ثَمَّ التصاعد التدريجي لحركة المشاعر فتصل إلى التأثر والانفعال في أسرع وقت *.
سادسًا: الاجتهاد في التعامل مع القرآن كأنه أُنزل عليك وكأنك المُخاطَب به، والتفاعل مع هذا الخطاب من خلال الرد على الأسئلة التي تطرحها الآيات، والتأمين عند مواضع الدعاء، والاستغفار في مواضع طلب الاستغفار ... وهكذا.
سابعًا: تكرار وترديد الآية أو الآيات التي يحدث معها تجاوب وتأثر مشاعري حتى يتسنى للقلب الاستزادة من النور الذي يدخل عن طريقها، والإيمان الذي ينشأ في هذه اللحظات.
ويستمر ترديد الآية أو الآيات حتى يزول التأثر والانفعال.
стр. 74
ثامنًا: إعادة قراءة الآيات التي يشرد عنها العقل، ويتركها ويسبح في أودية الدنيا، وفي نفس الوقت لا نعيد قراءة الآيات التي لم نتأثر بها، لأن التأثر حالة قلبية لا نملك استدعاءها، وهي في الغالب تأتي - بإذن الله - بعد الاسترسال في القراءة بترتيل وصوت حزين وفهم إجمالي، والله الموفق.
ملاحظة:
في حالة تولد الرغبة لمعرفة تفسير بعض الآيات المقروءة أو أسباب النزول، فمن الأفضل الرجوع للتفسير بعد إنتهاء القراءة حتى لا نخرج من جو القرآن والانفعالات الوجدانية التي نعيش في رحابها.
وأخيرًا: علينا ألَّا نيأس إن تأخر تجاوب القلب مع القرآن، فلا بديل عنه في تحقيق أهداف التربية الإيمانية، ولا حل أمامنا سوى الاستمرار في قراءته - كل يوم - بترتيل وتدبر وصوت حزين حتى ياتي الفتح من الفتاح العليم.
ولنعلم جميعًا بأن التحدي الأكبر الذي يواجهنا في طريقنا نحو تحقيق التربية الإيمانية الصحيحة هو كيفية اكتساب مهارة تدبر القرآن والتأثر بمعانيه، والمداومة اليومية على تلاوته بهذه الطريقة مهما كانت الشواغل.
فإن نجحنا في ذلك فلنبشر بقرب ظهور الجيل القرآني - الجيل الموعود بالنصر والتمكين -
فهل قَبِلنا التحدي؟!
هيا هيا، فلنبدأ من الآن بأهم خطوة: العزم الأكيد والإلحاح الشديد على الله بأن يفتح لنا أبواب القرآن، ويجعل عقولنا تفهم معانيه، وقلوبنا تتأثر بها.
стр. 75
الفصل السادس
العمل الصالح
وكيف ننتفع به في زيادة الإيمان ؟!