أخي القارئ
لو أن رجلًا يعمل في مكان بعيد عن أهله، وعلِم أن ابنه قد مرِض مرضًا عضالًا، وأنه يحتاج إلى دواء (ما) وصفه له الأطباء، وأن هذا الدواء غير متوافر ببلد الابن، فبحث عنه حتى وجده، ووضعه في صندوق محكم غاية الإحكام، وبالغ في وضع الأغلفة على الصندوق وأرسله إلى ابنه، وعندما وصلت العلبة إليه وعلم أن فيها دواءه حاول فتحها هو ومن حوله فلم يستطيعوا، فماذا تظن أنهم سيفعلون؟
هل سييأسون من فتحها وينصرفون عنها، أم سيحاولون فتحها مرات ومرات ومرات حتى ينجحوا؟
لقد أصبح بيننا وبين القرآن حجابًا كثيفًا، يحول بيننا وبين الانتفاع به، فلا ينبغي علينا أن نيأس إن أقبلنا على القرآن فلم نجد أي تجاوب، فالأمر يحتاج إلى محاولات متكررة، وإلحاح شديد على الله ، وتَبؤُّس وانكسار حتى يفتح لنا سبحانه أبواب القرآن، وتصل أنواره إلى عقولنا وقلوبنا.
يقول المحاسبي:
فإن طلبت الفهم بصدق أقبل عليك بالمعونة ..
لا يَثقُل فهم كلامه إلا على من تعطل قلبه ألا يسمع ..
فإن علم - سبحانه - من التالي لكتابه صدق ضمير، وعناية حتى يجمع همه للفهم، أفهمه .. ألا تسمعه يقول: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال: ٧٠].
فإذا أقبلت على الله بصدق نية، ورغبة لفهم كتابه بإجماع همٍّ، متوكلًا عليه أنه هو الذي يفتح لك الفهم: لم يخيبك من الفهم والعقل عنه إن شاء الله (١).
ويقول الزركشي:
إذا كان العبد مصغيًا إلى كلام ربه، مفتقرًا إلى التفهم، بدعاء وتضرع، وابتئاس وتمسكن، ومنتظرًا للفتح عليه عند الفتاح العليم، وأن تكون تلاوته على معاني الكلام؛ فهذا القارئ أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وفي مثله يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] .. وهذا هو الراسخ في العلم (٢).
فمن هنا نقول - بيقين - بأننا إن استطعنا أن ندخل على القرآن دخول التلميذ المُتشوق للمعرفة حينما يُقابل أعظم أستاذ، وداومنا على ذلك، فإن القرآن سيفتح لنا أبوابه، وسيغزو نوره قلوبنا، لنكون من بعد ملاقاته قومًا صالحين بإذن الله، وأكثر إيمانًا وبهجة وسكينة.
التحدي الكبير:
لا يُمكن للتربية الإيمانية أن تتم بمراحلها المختلفة دون التعامل الصحيح مع القرآن، وهذا لن يحدث إلا إذا زادت الثقة فيه، كمصدر متفرد لتنوير العقول والقلوب، وتزكية النفوس ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨].
هذا هو التحدي الكبير الذي يواجهنا ..
فالحل بين أيدينا، ومع ذلك لن نقدر على الانتفاع به طالما ضعف إيماننا به وثقتنا فيه.
من هنا نقول أن نقطة البداية في طريق الانتفاع بالقرآن بعد الاستعانة الصادقة والمستمرة بالله هي تنمية الثقة فيه لتزداد رغبتنا فيه، وإقبالنا الصحيح عليه.
وتنمية هذه الثقة تحتاج منَّا إلى القيام ببعض الأمور هي:
أولها: التعرف على أوصاف القرآن من القرآن:
فكلما تعَّف المرء على فاعلية الدواء الذي سيستخدمه؛ كلما ازداد ثقة فيه، فكما يقول الحارث المحاسبي:
«لقد عظم الله القرآن وسمَّاه: برهانًا، ونورًا، ورحمة، وموعظة، ومجيدًا، وبصائر وهدى، وفرقانًا، وشفاء لما في الصدور، وذلك ليعظم قدره عند المؤمنين، فيقبلوا عليه منبهرين ومقِّدرين، ومتدبرين، فينالوا به شفاء قلوبهم».
стр. 72
وأخبرنا أنه أحسن من كل حديث ومن كل قصص وقال نحن نقص عليك أحسن القصص ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣].
وأخبرنا أنه لا يفنى ولا ينفد ﴿لْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] (١).
ثانيها: التعرف على النماذج القرآنية التي صنعها القرآن على مر العصور:
ولعل أهم قدوة في ذلك: رسولنا محمد ﷺ ، ثم صحابته الكرام الذي قال عنهم الإمام القرافي:
لو لم يكن لرسول الله ﷺ معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته (٢).
فعلينا أن نتعرف على علاقة الرسول ﷺ بالقرآن، وكيفية تعامله معه، ووصاياه نحوه.
وعلينا كذلك أن نتعرف على أثر القرآن على الصحابة، وكيفية تناولهم له، وتوجيهاتهم لمن بعده.
وهناك نماذج قرآنية في العصر الحديث تُعطينا الأمل في إمكانية تكرارها بيننا، فعلينا أن نتعرف عليها وعلى أثر القرآن فيها.
ومن هذه النماذج: محمد إقبال، وبديع الزمان النورسي، وحسن البنا، وعبد الحميد بن باديس، وسيد قطب، وأبو الحسن الندوي، وأبو الأعلى المودودي، وفريد الأنصاري.
ثالثها: التعرف على أهم العوائق التي تحول بيننا وبين الانتفاع بالقرآن، وهي - بإجمال -:
الصورة الموروثة عنه، وطول إلف سماعه، ونسيان الهدف الذي من أجله نزل، والانشغال بفروع العلم والتبحر فيها، وغياب أثره في واقع الحياة، ورسوخ مفاهيم ساهمت في عدم الانتفاع به كالخوف من تدبره، وأهمية الإسراع في حفظه، والسعي وراء تحصيل الثواب فقط من تلاوته مما يؤدي إلى الإسراع في تلاوته دون تفهُّم ولا تدبر، وغير ذلك من المفاهيم والممارسات التي تُشكل حاجزًا نفسيًّا يمنعنا من الانتفاع الحقيقي بالقرآن.
وقبل ذلك كله، فإن كيد الشيطان واجتهاده في الحيلولة بين وصول القرآن للعقل والقلب من أهم عوائق الانتفاع بالقرآن (٣).
ولعلك تجد - أخي القارئ - بعض التفصيل حول هذه العوائق في كتاب «تحقيق الوصال بين القلب والقرآن» (٤)، وفيه كذلك العديد من النماذج العملية للأثر الإيجابي للقرآن العظيم، فاقرأه - إن شئت - على أن تكون قراءة متأنية من بدايته حتى نهايته، لعل هذه القراءة تُسهم - بإذن الله - في تحقيق الهدف الذي ترمي إليه هذه الصفحات.
التواص والتعاهد:
من أخطر العوائق التي تحول بيننا وبين الممارسة العملية المستمرة لقراءة القرآن وتدبر معانيه والتأثر بها، هو تعودنا على طريقة شكلية لتلاوته؛ تلك التي تُركز على قراءة أكبر قدر من آياته دون التفكر في معانيها، وبخاصة في شهر رمضان، بحثًا عن الثواب المترتب على قراءتها.
стр. 73
لذلك من المتوقع ان يجد المرء صعوبة بالغة في الانتقال إلى الطريقة الصحيحة في قراءة القرآن، والتي تُحقق قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
نعم، قد ينجح يومًا او بضعة أيام ولكنه سرعان ما يعود إلى الطريقة القديمة ..
إن الذي تعوَّد أن يأكل بيده اليسرى ثلاثين عامًا يصعب عليه الأكل بيده اليمنى بمجرد أنه قد عرف أهمية ذلك، فالأمر يحتاج منه إلى عزم أكيد، وتوكل عظيم على الله ، وممارسة طويلة، ومع ذلك فمن المتوقع أنه سيجد معاناة شديدة حتى يعتاد الأكل باليمنى.
ونفس الأمر بخصوص القرآن، فلقد اعتدنا قراءته والتعامل معه بشكل غير صحيح، ولكي يتم تعديل ذلك لابد من استعانة صادقة بالله، وعزم أكيد، وممارسة، ومتابعة، وتعاهد ممن سبقونا في هذا الأمر حتى نتعود على القراءة اليومية للقرآن، بتدبر وترتيل وصوت حزين، وتفاعل مع الآيات التي نتأثر بها.
وسائل عملية للانتفاع بالقرآن:
ولتمام الفائدة نضع بين يديك أخي القارئ بعض الوسائل العملية التي من شأنها أن تُدخلنا - بإذن الله - إلى عالم القرآن، وتفتح لنا أبواب الانتفاع به، فعلينا أن نستخدمها عند تلاوتنا اليومية للقرآن، وأن تسير جنبًا إلى جنب مع وسائل تنمية الثقة في القرآن والتي ذُكرت آنفًا.
أولًا: قبل أن نبدأ بقراءة القرآن علينا بالإلحاح على الله أن يفتح قلوبنا لأنوار كتابه، وأن يكرمنا ويعيننا على التدبر والتأثر، ولنتذكر جميعًا بأن الإلحاح الشديد على الله هو أهم مفتاح يفتح القلوب للقرآن، فليكن - إذن - إلحاح ودعاء وتضرع كتضرع المضطر الذي يخرج دعاؤه من أعماق قلبه.
يقول ابن رجب: على قدر الحُرقة والفاقة تكون إجابة الدعاء (١).
ثانيًا: القراءة في مكان هادئ، بعيدًا عن الضوضاء حتى يتسنَّى جمع العقل والقلب ومع القرآن، وكذلك اختيار الوقت المناسب الذي يكون فيه المرء بعيدًا عن الإجهاد البدني أو الذهني، ولا ننسى الوضوء والسواك.
ثالثًا: تخصيص وقت معتبر للقراءة لا يقل في البداية عما يُقارب الساعة المتصلة وحبذا لو كان أكثر من ذلك، مع مراعاة ضرورة - عدم قطع القراءة بأي أمر من الأمور ما أمكن ذلك - حتى لا نخرج من جو القرآن، وسلطان الاستعاذة.
رابعًا: القراءة من المصحف وبصوت مسموع وبترتيل، على أن تكون القراءة هادئة حزينة لاستجلاب التأثر بإذن الله.
خامسًا: الفهم الإجمالي للآيات من خلال إعمال العقل في تفهُّم الخطاب، وهذا يستلزم منَّا التركيز التام مع القراءة.
وليس معنى إعمال العقل في تفهم الخطاب أن نقف عند كل كلمة ونتكلف في معرفة معناها وما وراءها، بل يكفي المعنى الإجمالي الذي تدل عليه الآية حتى يتسنَّى لنا الاسترسال في القراءة، ومن ثَمَّ التصاعد التدريجي لحركة المشاعر فتصل إلى التأثر والانفعال في أسرع وقت *.
سادسًا: الاجتهاد في التعامل مع القرآن كأنه أُنزل عليك وكأنك المُخاطَب به، والتفاعل مع هذا الخطاب من خلال الرد على الأسئلة التي تطرحها الآيات، والتأمين عند مواضع الدعاء، والاستغفار في مواضع طلب الاستغفار ... وهكذا.
سابعًا: تكرار وترديد الآية أو الآيات التي يحدث معها تجاوب وتأثر مشاعري حتى يتسنى للقلب الاستزادة من النور الذي يدخل عن طريقها، والإيمان الذي ينشأ في هذه اللحظات.
ويستمر ترديد الآية أو الآيات حتى يزول التأثر والانفعال.
стр. 74
ثامنًا: إعادة قراءة الآيات التي يشرد عنها العقل، ويتركها ويسبح في أودية الدنيا، وفي نفس الوقت لا نعيد قراءة الآيات التي لم نتأثر بها، لأن التأثر حالة قلبية لا نملك استدعاءها، وهي في الغالب تأتي - بإذن الله - بعد الاسترسال في القراءة بترتيل وصوت حزين وفهم إجمالي، والله الموفق.
ملاحظة:
في حالة تولد الرغبة لمعرفة تفسير بعض الآيات المقروءة أو أسباب النزول، فمن الأفضل الرجوع للتفسير بعد إنتهاء القراءة حتى لا نخرج من جو القرآن والانفعالات الوجدانية التي نعيش في رحابها.
وأخيرًا: علينا ألَّا نيأس إن تأخر تجاوب القلب مع القرآن، فلا بديل عنه في تحقيق أهداف التربية الإيمانية، ولا حل أمامنا سوى الاستمرار في قراءته - كل يوم - بترتيل وتدبر وصوت حزين حتى ياتي الفتح من الفتاح العليم.
ولنعلم جميعًا بأن التحدي الأكبر الذي يواجهنا في طريقنا نحو تحقيق التربية الإيمانية الصحيحة هو كيفية اكتساب مهارة تدبر القرآن والتأثر بمعانيه، والمداومة اليومية على تلاوته بهذه الطريقة مهما كانت الشواغل.
فإن نجحنا في ذلك فلنبشر بقرب ظهور الجيل القرآني - الجيل الموعود بالنصر والتمكين -
فهل قَبِلنا التحدي؟!
هيا هيا، فلنبدأ من الآن بأهم خطوة: العزم الأكيد والإلحاح الشديد على الله بأن يفتح لنا أبواب القرآن، ويجعل عقولنا تفهم معانيه، وقلوبنا تتأثر بها.
стр. 75
الفصل السادس
العمل الصالح
وكيف ننتفع به في زيادة الإيمان ؟!
стр. 76
الهدف الذي ترمي هذه الصفحات إلى تحقيقه - بإذن الله - هو كيفية الانتفاع الحقيقي بالعمل الصالح في زيادة الإيمان وتحسين السلوك، وذلك من خلال التعرف على الوسائل التي من شأنها تحفيز المشاعر قبل القيام به.
ولكي نكتسب مهارة التحفيز قبل القيام بالعمل علينا أن نتدرب طويلًا على استخدام الوسائل المختلفة المذكورة في تلك الصفحات وغيرها، والله الموفق.
стр. 77
الفصل السادس
العمل الصالح
وكيف ننتفع به في زيادة الإيمان؟!
لا يكفي ونحن نسير في طريقنا لبناء صرح الإيمان في القلب التركيز على أعمال القلوب فقط، بل لابد من القيام بأعمال صالحة بالجوارح تُثبِّت الإيمان وترفع بنيانه.
فلو اكتفينا بعمل القلب ولم نهتم بالعمل الصالح فإن الإيمان سيظل محدودًا في القلب، ولن يظهر أثره الواضح على صاحبه، وبمرور الوقت قد ينزوي وينزوي في القلب.
يقول الإمام الغزالي:
«والعمل يؤثر في نماء الإيمان وزيادته كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار» (١).
فلابد من الاثنين معًا حتى يتم البناء الصحيح لصرح الإيمان ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١].
الانتفاع بالعمل الصالح:
ولكي يتم الانتفاع بالعمل الصالح لابد من استجاشة المشاعر قبل القيام به، ليحدث الاتصال بين المشاعر والجوارح، فيُثمر أداء العمل - بعد ذلك - زيادة الإيمان في هذه المشاعر.
فإن لم يحدث هذا الاتصال قبل العمل، فلن يكون لأداء هذا العمل أثر على المشاعر، ومن ثَمَّ السلوك.
وكلما قوي الاتصال بين المشاعر والجوارح قبل وأثناء العمل، كان الأثر أشد وأقوى، وكما قيل سلفًا فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل حركة القلب والمشاعر معها، وأكبر مثال لذلك الصلاة:
يقول ﷺ : «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» (٢).
أهمية التذكرة قبل العمل:
من هنا تبرز أهمية التذكرة قبل القيام بأداء العمل الصالح حتى يتم الانتفاع الحقيقي به،
стр. 78
ومثال ذلك ما قاله ﷺ : «اذكر الموت في صلاتك فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحرِّي أن يحسن صلاته» (١).
والتذكرة النافعة هي التي تستجيش وتستثير المشاعر.
ومن الضرورة بمكان وجود إيمان في القلب - ولو كان ضعيفًا - ولابد من استثارة هذا الإيمان بالتذكرة حتى يحدث الوصال بن المشاعر والجوارح ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥].
وكلما كانت مساحة الإيمان في القلب كبيرة كان حجم التذكرة المطلوبة لاستثارته قليلة، أما إذا كان الإيمان محدودًا ومنزويًا في القلب، فإن التذكرة المطلوبة لابد وأن تكون شديدة حتى تتمكن من إحداث هزة في المشاعر القاسية ..
وكذلك فإن التذكرة المطلوبة للأعمال الكبيرة الشاقة على النفوس أعظم من غيرها، فالقتال على سبيل المثال من الأعمال التي تشق على النفوس لذلك كان التوجيه القرآني للرسول عليه الصلاة السلام ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ومعنى «حرض»: أي بالغ في حثهم وتحفيزهم.
وهدف التحفيز والتذكير هو استجاشة المشاعر .. مشاعر الرغبة أو الطمع أو الرهبة أو الغيرة .. إلخ
وكلما قويت تلك الاستجاشة واستمرت أثناء القيام بالعمل كان الأثر عظيمًا في زيادة الإيمان ومن ثَم تحسين السلوك.
والمتأمل للخطاب القرآني والخطاب النبوي يجد أنهما يستخدمان هذه الطريقة قبل التوجيه المطلوب القيام به، ومن النادر أن يخلو توجيه من تحفيز يسبقه.
من فقه التحفيز:
لئن كان الجناح الثاني للتربية الإيمانية هو العمل الصالح، فإن الانتفاع به انتفاعًا حقيقيًا في زيادة الإيمان يحتاج إلى تحفيز واستجاشة المشاعر قبل القيام به.
ولكي تكون هذه الطريقة ملازمة للعمل بصورة دائمة فإنها تحتاج إلى ممارسة ومكابدة مرات ومرات حتى يتعود المرء عليها، ويقوم بتنفيذها بصورة تلقائية ..
ومفهوم التحفيز والتذكير قبل القيام بالعمل يشترك - إلى حد كبير - مع مفهوم استحضار النية قبل العمل، فالنية: هي القصد والتوجه، وكلما كان التوجه إلى الله بالعمل كبيرًا وعميقًا كان العمل أنفع ..
فإن قلت: وكيف أقوم بتحفيز نفسي وتحفيز الآخرين قبل القيام بالعمل؟!
هناك وسائل كثيرة للتحفيز والتذكير يمكن للمرء أن يستخدمها مع نفسه ومع الآخرين، وسنذكر العديد منها - بعون الله تعالى - في الأسطر القادمة، مع العلم بأنه ليس من المطلوب استخدامها كلها قبل القيام بالعمل، بل علينا أن نأخذ منها ما يناسب العمل المراد القيام به، والوقت المتاح أمامنا لممارسة هذا التحفيز.
فالذي يجد أمامه في الطريق غصنًا أو حجرًا فإنه يحتاج إلى تحفيز نفسه سريعًا بوسيلة أو وسيلتين قبل أن يرفعه من الطريق، والذي يجد أمامه عجوزًا يريد عبور الطريق فإنه يحتاج إلى تحفيز سريع كذلك.
أما الذي يذهب للمسجد لأداء الصلاة فعنده من الوقت ما يجعله يستخدم عدة وسائل في التحفيز، وكذلك الذي يذهب لمساعدة محتاج أو زيارة مريض أو صلة رحم .. وهكذا.
المهم أن نجتهد غاية الإمكان في تحفيز أنفسنا وتذكيرها قبل القيام بالعمل، وأن نستخدم من الوسائل ما يتناسب مع الوقت والعمل، وإن كانت هناك وسائل تكاد تكون مشتركة في كل الأعمال: كالتذكير بالله وابتغاء مرضاته، وبأهمية العمل وفضله، ولذلك أنصح نفسي وأنصحك - أخي القارئ - باقتناء كتاب عن فضائل الأعمال (٢).
стр. 79
وسائل التحفيز
أولًا: السؤال
السؤال يستثير مشاعر الرغبة داخل الإنسان لمعرفة الإجابة، والسؤال كذلك يشغل الذهن بطلب الإجابة، ومن ثمَّ فهو من الوسائل المهمة لتنبيه العقل، فإذا ما انتبه العقل كان من السهل استثارة المشاعر بالوسائل الأخرى.
لذلك علينا أن نسأل أنفسنا قبل أداء العمل:
لماذا أقوم بهذا العمل؟!
ثم نبحث عن الإجابة من خلال استعراض الوسائل الأخرى التي ستأتي لاحقًا - بإذن الله - وأهمها: تذكُّر أن الله يحب هذا العمل، وتذكر فضله وأهميته ..
تأمل قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧]
فالله يعلم أن ما بيمينه عصا، ولكن المطلوب هو تركيز انتباه موسى ﵇ لأقصى درجة.
والقرآن مليء بالتوجيهات والمعاني الإيمانية التي تسبقها أسئلة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣].
وقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١، ٢].
والسنة كذلك مليئة بتوجيهات ومعانٍ إيمانية تسبقها أسئلة:
قال ﷺ : «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى عنه ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (١).
وقوله: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة» (٢).
وقوله: «ألا أدلك على سيد الاستغفار؟! اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء إليك بنعمتك علي، وأعترف بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لا يقولها أحدكم حين يُمسي فيأتي عليه قدر قبل أن يُصبح إلا وجبت له الجنة، ولا يقولها حين يُصبح فيأتي عليه قدر قبل أن يُمسي إلا وجبت له الجنة» (٣).
فعندما نذهب للوضوء نسأل أنفسنا: لماذا نتوضأ؟.
وعندما نذهب للصلاة في المسجد نسأل أنفسنا: لماذا نصلي في المسجد؟.
وعندما نذهب لصلة أرحامنا نسأل أنفسنا: لماذا نذهب إليهم؟ ...
وهكذا في كل أعمالنا ...
ثانيًا: تذكُّر الله
من الوسائل المهمة التي تحفز للعمل، وتوجه النية توجيهًا صحيحًا: تذكُّر الله في هذا العمل، وكيف أنه يحب من عبده القيام بهذا العمل، وأنه - سبحانه - يباهي بنا الملائكة عندما نقوم به، وأن هذا العمل وسيلة لنيل مرضاته، وأن العبودية له سبحانه تستدعي القرب منه بالأعمال الصالحة، فتستثير هذه المعاني - عندما نتذكرها - مشاعر الشوق والرغبة في الله .
والآيات التي تؤكد هذا المعنى كثيرة.
منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 80
وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
ونجد في السنة كذلك أحاديث تبدأ بالتذكير بالله وأنه يحب من عبده القيام بهذا العمل كقوله ﷺ : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (١).
وقوله: «إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء» (٢).
وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (٣).
فإذا قمنا إلي الصلاة في الليل نتذكر أن الله يحب أن يسمع صوتنا ومناجاتنا ودعاءنا له، وأن هذا العمل وسيلة من وسائل نيل مرضاته.
وإذا وجدنا أذىً في الطريق نُذكِّر أنفسنا بأن الله يحب من عباده الرحماء الذين يشفقون على خلقه، ويحرصون على دفع الضر عنهم ...
ثالثًا: التذكير بفضل العمل
النفس البشرية جُبلت على الرغبة في تحصيل أي نفع يُتاح أمامها، لذلك فمن أيسر وسائل استثارة المشاعر تجاه القيام بعمل ما: التذكير بالعائد الذي سيعود على المرء نظير أدائه له، ولقد حفلت نصوص القرآن والسنة بذكر الثواب المترتب على الأعمال لتكون حافزًا قويًّا للقيام بها.
فعلى سبيل المثال:
من الآيات القرآنية قوله تعالى في فضل الإنفاق: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وفي فضل الجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢].
ومن الأحاديث النبوية في فضل ذكر الله قوله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق في سبيل الله وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم .. ذكر الله» (٤).
وقوله ﷺ في فضل الإنفاق: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل» (٥).
стр. 81
وفي فضل قيام الليل يقول ﷺ : «عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد» (١).
فعلينا إذن الاجتهاد بتذكير أنفسنا بفضل العمل قبل القيام به، وهذا يستدعي منا النظر في كتب فضائل الأعمال كالمتجر الرابح للحافظ الدمياطي وغيره.
رابعًا: التذكير بأهمية العمل
مشاعر الرغبة داخل القلب تستثار كلما أدرك المرء أهمية العمل الذي ينوي القيام به، فعلى سبيل المثال: إذا ما قام العبد بتذكير نفسه قبل قراءة القرآن بأنه سيقرأ كلام الله وما فيه من روعة وجلال، وأنه سيتناول الدواء الرباني الذي فيه شفاؤه، وأنه سيتعرض للنور المبين الذي يبدد الظلمات في عقله وقلبه، وأن الملائكة تقترب منه لتسمع قراءته و ... ، فإن ذلك من شأنه أن يستثير مشاعر الرغبة والشوق نحوه، فيقبل عليه إقبال الظمآن على الماء.
وإذا ما قام المرء بتذكير نفسه قبل زيارته لمريض أن هذه الزيارة سترفع معنويات المريض - بإذن الله - وتُسرّي عنه، وأنه سوف يجني منها رقة في قلبه، وامتنانًا لربه لأنها ستذكره بنعمة العافية التي يتقلب فيها، و ... ، فمن المتوقع أن يُقبل عليها بمشاعر متأججة.
وعند الإنفاق في سبيل الله يُذكِّر المرء نفسه بأن هذا الإنفاق قد يكون سببًا في إنقاذ مريض من الموت، وسد حاجة فقير معسر، وشكر لنعمة اليسار والغنى ..
وعند قيام الليل يُذكِّر المرء نفسه بأن هذا القيام هو شرفه وعزه، وأنه من أفضل أوقات استجابة الدعاء، وأنه يعطي قوة في البدن وانشراحًا في الصدر، وبركة في اليوم.
خامسًا: الترهيب من ترك العمل
من طبيعة النفس أنها إذا ما خُوفت خافت، فإذا ما نجحنا في تذكير أنفسنا بخطورة ترك العمل الصالح أو التهاون في أدائه وما قد يترتب على ذلك من أضرار في الدنيا والآخرة؛ فإنها ستدفعنا للقيام به.
يقول أحد الأصدقاء: توجد لوحة إرشادية على أحد الجدران الخارجية لمسجد يقع على طريق سريع، مكتوب عليها: نظرًا لكثرة حوادث العبور من الطريق السريع عليك باستخدام نفق المشاة ..
ويستطرد قائلًا: كلما قرأت هذه اللوحة أجد نفسي تدفعني للعبور من النفق.
من هنا نقول: بأن من الوسائل المهمة لاستثارة مشاعر الرهبة والشعور بالخطر الدافعة للعمل: التذكير بخطورة ترك العمل الصالح، أو بخطورة الإقدام على فعل المعاصي.
وهنا الكثير من الآيات والأحاديث التي تتحدث في هذا الشأن.
ومن ذلك قوله تعالى في الترهيب من ترك الإنفاق: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
وقوله ﷺ في الترهيب من عدم إتمام الصلاة: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته»، قالوا: كيف يسرق من صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها» (٢).
стр. 82
وقوله ﷺ في الترهيب من الظلم: «اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنها تُحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأَنْصَرَنَّك ولو بعد حين» (١).
سادسًا: التشجيع
من الحوافز ذات الأثر البالغ على النفس: استشعار المرء تقدير الآخرين له، فيؤدي ذلك إلى فتح منافذ الاستماع لهم، وزيادة الرغبة في القيام بما يطلبونه منه.
هذه الوسيلة ينبغي أن نستخدمها مع أنفسنا أو مع الآخرين في حدود ضيقة حتى لا تأتي بنتيجة عكسية وتتحول إلى صورة من صور المدح الذي يؤدي إلى استعظام المرء لنفسه، وشعوره بالأفضلية الذاتية على غيره.
والمتأمل في القرآن والسنة يجد مواقف عديدة استُخدمت فيها هذه الوسيلة في التحفيز للقيام بالعمل.
فعلى سبيل المثال: كثيرًا ما يتكرر في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قبل التوجيه إلى العمل المطلوب .. هذا النداء فيه من التقدير والتشجيع ما يحفز النفس للقيام بالعمل.
وفي الخطاب الموجه لليهود نجد أن القرآن يناديهم بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: يا أبناء النبي إسرائيل، فيكون هذا النداء بمثابة استدراج لهم لكي يستمعوا لما سيُتلى عليهم.
وتأمل قول الملائكة لمريم الصديقة: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] فهذا لون من ألوان التقدير الخاص، ليأتي التوجيه في الآية التالية: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].
وعندما أراد موسى ﵇ أن يدخل ببني إسرائيل الأرض المقدسة ظل يحفزهم بهذه الطريقة قبل أن يطلب منهم هذا الطلب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٠، ٢١].
وانظر إليه ﷺ وهو يقول لمعاذ بن جبل: «يا معاذ: والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تَدعَنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك» (٢).
ولك أن تتخيل وقْع كلمة: «يا معاذ: والله إني لأحبك» على نفس معاذ، وكيف سيستقبل الكلام بعدها؟!
سابعًا: التذكير بالمواقف الإيجابية السابقة
فمن الوسائل التي تثير الهمة، وتدفع للقيام بالعمل: تذكر المواقف الإيجابية التي مرت بالمرء في حياته ولها علاقة بالعمل المراد القيام به في الحاضر، فعندما يجد المرء في نفسه تكاسلًا عن قيام الليل يُذَكِّر نفسه بيوم كذا وكذا عندما قام نصف الليل وكيف كان ذلك ممتعًا وسهلًا على نفسه، وعندما يستشعر عدم جدوى القيام بعمل ما نتيجة ضيق الوقت وقلة الإمكانات فعليه أن يُذَكِّر نفسه بمواقف إيجابية تعرض لها من قبل وكانت الظروف أشد، ومع ذلك أكرمه الله بالتوفيق والنجاح ..
стр. 83
تأمل قول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣].
في هذه الآيات تم التذكير بمواقف سابقة تجلت فيها قدرة الله وتأييده ليأتي التوجيه بعد هذا التذكير ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٤، ٦٥].
ثامنًا: المحاورة والإقناع والموازنة العقلية (تخيير النفس):
عندما يقتنع المرء بأهمية وقيمة العمل المطلوب قيامه به ومدى نفعه له، فإن ذلك من شأنه أن يدفعه لأدائه بمشاعر الرغبة والاحتياج، وكذلك عندما يقتنع بخطورة وضرر العمل الذي يود فعله فإنه سيتركه بإرادته ..
من هنا تبرز أهمية الحوار والإقناع سواء كان بين المرء ونفسه، أو بينه وبين الآخرين.
ومن الضروري أن ينطلق الحوار من قاعدة مفادها أن «صلاحك لمصلحتك»، وأنك المستفيد الأول من قيامك بالعمل الصالح، وأنك - أيضًا - الخاسر من عدم قيامك به.
فالنفس لا تحب أو ترضى بفوات مصلحة تنفعها، أو الوقوع في ضرر يؤذيها، لذلك نجد القرآن يستخدم هذه الطريقة في الإقناع:
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟! ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥].
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٦، ١٠٧].
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤].
فهذه الآيات وغيرها تضع المرء في مواجهة مع نفسه، وتُشعره بالاحتياج الشخصي للعمل، وأنه الفائز إن عمله، والخاسر إن تركه ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].
وعندما طلبت زوجات النبي ﷺ التوسعة في النفقة نزل القرآن يحاورهن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩].
وتأمل الحوار الذي دار بين الرسول ﷺ وبين الشاب الذي أتاه يطلب منه أن يأذن له بالزنا:
стр. 84
فعن أبي أمامة قال: إن فتى شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه، مه! فقال: «أدنه». فدنا منه قريبًا. قال: فجلس. قال: «أتحبه لأمك؟»، قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبه لابنتك؟»، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أتحبه لأختك؟»، قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أتحبه لعمتك؟»، قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال «أتحبه لخالتك؟»، قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه». فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (١).
فالرسول ﷺ لم ينهره أو يُوَبخه عندما طلب منه هذا الطلب المحرم، بل حاوره، ووصل به إلى القناعة التامة بأن هذا لا يصلح.
وهذا عبد الله بن رواحة عندما وجد في نفسه بعض التردد عند في معركة مؤتة، ظل يُحاورها، ويقول لها:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طالما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنه
يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
وإن تأخرت فقد شقيت
فعلينا أن نستخدم هذه الطريقة في التحفيز، وبخاصة عندما نجد في أنفسنا تكاسلًا عن أداء الأعمال .. فعلى سبيل المثال: عندما نسمع آذان الفجر، ونجد في أنفسنا خمولًا وتكاسلًا عن القيام، علينا أن نُحاورها ونتحدث معها بمثل هذه الكلمات:
لا بأس من النوم والراحة .. ولكن من سيدفع الثمن؟ من المتضرر؟
من الذي سيفقد بركة هذا اليوم؟
من الذي سيبتعد عن ذمة الله في هذا اليوم؟
وعندما نجد في أنفسنا شُحًّا بالمال، وعدم رغبة في الإنفاق، علينا أن نُحاورها ونُبيِّن لها حجم الخسارة التي ستعود عليها من ترك الإنفاق، وحجم المكاسب المترتبة على الإنفاق.
وعندما نجد أولادنا يتكاسلون عن أداء الصلاة أو أي عمل آخر علينا أن نستخدم معهم هذه الطريقة.
تاسعًا: التحفيز من خلال إبراز قدوة:
من طبيعة النفس أنها لا تُحب أن يسبقها أو يتميز عليها أحد، لذلك علينا أن نستثير مشاعر الغيرة، ونوجهها التوجيه الصحيح نحو القيام بالعمل المطلوب من خلال التذكير بأناس قاموا به وبغيره على أحسن وجه.
فتقول لنفسك قبل الإنفاق: تذكري فلان الذي كان يُنفق كذا وكذا، ولم يترك لنفسه إلا القليل ..
تذكري الصحابي عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى الذي لم يترك الصلاة في المسجد.
تذكري أبا بكر الصديق الذي أتى بماله كله لتجهيز جيش العسرة ..
والقرآن مليء بالآيات التي تُحفِّز المسلمين للقيام بالعمل الصالح من خلال ذكر نماذج بشرية قامت به خير قيام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١].
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
والقدوة الحاضرة أقوى في التأثير في النفس من غيرها، فكما قيل: «عمل رجل في ألف رجل، أفضل من قول ألف رجل لرجل».
стр. 85
وأيضًا: «إذا أردت أن تكون إمامي، فكن أمامي»، و «القدوة إمامة بلا إمارة».
عاشرًا: القصة:
(للقصة دور بارز في تحريك المشاعر، وإبراز العواطف، وتثبيت الأفكار في الأذهان، فهي لا تحتاج إلى جهد كبير لنقل أفكارها إلى النفس .. لأن من شان النفس الإنسانية إذا مرَّت بحدث من الأحداث أن تتفاعل معه.
كما لا يخفى ما للقصة من دور في التأثير على نفوس المخاطبين بها، إذ لا تنتهي القصة إلا ويكون المستمع أو القارئ أو المشاهد قد عاش في تجربة نفسية، وقطع رحلة طويلة بحسب طول القصة، تترك في النفس آثارًا وجدانية وروحية) (١)، وأصبح مهيئًا أكثر وأكثر للقيام بما تدل علي القصة.
فعلى سبيل المثال:
عندما نقرأ حديث «إنما الأعمال بالنيات»، فهو بلا شك يُذكرنا بأهمية الإخلاص لله ، لكننا نجد أنفسنا أكثر تأثرًا ورغبة في الإخلاص عندما نقرأ القصة التي ذكرها الرسول ﵊ عن الثلاثة الذين كانوا في سفر فدخلو غارًا يستريحون فيه، فانطبقت عليه صخرة، فدعوا الله بإخلاص، وتذكروا أعمالًا يظنون أنهم كانوا فيها من المخلصين حتى تزحزحت الصخرة فخرجوا من الغار سالمين.
لذلك من المناسب تذكير أنفسنا بقصة مؤثرة لها علاقة بالعمل الصالح الذي نود القيام به، وبخاصة مع تلك الأعمال التي ألِفْنا القيام بها فأصبحت تؤدى بلا روح.
حادي عشر: ضرب المثل:
يقول بديع الزمان النورسي في فائدة ضرب الأمثال: أنها تُظهر الحقائق البعيدة جدًّا أنها قريبة جدًا، وتوصل إلى أسمى الحقائق وأعلاها بسهولة ويسر (٢).
ومن فوائد المثل (إبراز صورة معنوية في صورة حسية فيتقبلها العقل؛ لأن المعاني المعقولة لا تستقر في الأذهان إلا إذا صِيغت في صورة حسية قريبة الفهم .. فيكون وقعها التأثيري أقوى وأومض في النفوس والعقول.
والأمثال تخاطب عقول الناس بما يعرفونه، وتجعل ما هو غائب ماثلًا أمامهم فتُقرب إليهم البعيد) (٣).
ولضرب المثل وظيفة مهمة في تحفيز الإنسان للقيام بالعمل من خلال تقريب المعنى والتأثير في المشاعر، يقول الإمام محمد عبده: واختير للمثل لفظ الضرب لأنه يأتي عند إرادة التأثير، كأن ضارب المثل يقرع به أُذن السامع قرعًا ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهي إلى أعماق نفسه (٤).
لذلك قيل بأن: المعلم الناجح هو الذي يُكثر من ضرب الأمثال.
فعلينا استخدام هذه الوسيلة للتأثير على المشاعر قبل القيام بالعمل وبخاصة عند مخاطبة الآخرين.
والقرآن والسنة بها الكثير من الأمثال التي تُقرب المعاني البعيدة في صور قريبة محسوسة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].
وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
ومما جاء في السنة قوله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٥).
стр. 86
وقوله: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيَك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة» (١).
ثاني عشر: الصورة المؤثرة
المشاهد التي تراها العين يصل مدلولها إلي العقل والقلب بصورة سريعة وتكون أشد تأثيرًا على المشاعر مما يُنقل عن طريق السمع .. انظر إلى موسى ﵇ وقد تأثر وغضب عندما أعلمه الله بما فعله قومه من عبادة العجل، لكنه لم يلق الألواح التي في يديه، ولكن عندما ذهب لقومه ورآهم بعينيه اشتد غضبه واشتد، وألقى الألواح، وفي هذا المعنى يقول ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة إن الله أخبر موسى بما صنع قومه فى العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت» (٢).
لذلك من الوسائل العظيمة للتحفيز: استخدام الصورة الحية، والمشاهدة المؤثرة التي تعلق في الذهن وتستثير المشاعر في اتجاه ما ترمي إليه الصورة ..
عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ بالسوق والناس كنفتيه - أي: عن جانبيه - فمر بجدي أسك (٣) ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟» فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ ثم قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا، إنه أسك، فكيف وهو ميت! فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (٤).
تخيل معي - أخي القارئ - مدى تأثير هذا المشهد على الحاضرين، وكيف ستكون علاقتهم بالدنيا بعد ذلك؟!
ولقد أصبح من السهل استخدام هذه الوسيلة في عصرنا هذا من خلال انتقاء المشاهد المرئية وعرضها على النفس وعلى الآخرين المراد توجيههم.
وإليك - أخي - مثالًا تطبيقيًا لاستخدام هذه الوسيلة في المحيط الدعوي:
كان على أحد الدعاة أن يقوم بإلقاء محاضرة عن الأخوة والحب في الله وأهميتهما الشديدة بالنسبة لأصحاب الدعوات، وقبل حلول موعد المحاضرة بدأ هذا الداعية في التفكير في محتوى المحاضرة، هل سيفعل مثلما فعل في المرات السابقة فيقوم بجمع الآيات والأحاديث الدالة على فضل الأخوة في الله وحقوقها وواجباتها مع مزجها ببعض القصص والنماذج المأثورة عن تاريخ السلف وماضي رجال الدعوة؟!
في هذه المرة لم يجد في نفسه أي رغبة في تكرار ما فعله سابقًا، وبخاصة أن المحاضرة ستلقى على أناس يعرفون هذا الكلام بل يحفظونه جيدًا، ورغم هذه المعرفة فإن العلاقات الأخوية بينهم ضعيفة يكسوها الجفاء والفتور.
ظل الداعية يفكر ويفكر، ويستعين بالله حتى هُدي إلي فكرة جديدة، فأسرَّها في نفسه ولم يُبدها لأحد، وقام بتجهيز ما يتطلبه لتنفيذها، وانطلق إلى المحاضرة.
جلس هذا الداعية في المكان المخصص له، وبدأ حديثه بالثناء على الله، والصلاة على رسول الله، ثم أخرج من جيبه (مسبحة) طويلة، وسأل الحاضرين عن اسمها، فأجابوه، وظل يحركها يمينًا ويسارًا أمام أعينهم طالبًا منهم تركيز أنظارهم إليها جيدًا.
وظل صامتًا للحظات، ثم أخرج من جيبه (مقصًّا)، وعند منتصف المسبحة قام بقص الخيط الذي يجمع حباتها، فانفرطت الحبات وتناثرت في أرجاء المكان وتحت أقدام الحاضرين، والجميع في ذهول من ذلك المنظر المثير.
стр. 87
في هذه اللحظات قطع الداعية صمته قائلًا لجلسائه: إن صمام الأمان لهذه الدعوة - بعد قوة الصلة بالله -: هو رابطة الأخوة، فالأخوة هي الحبل الذي ينتظم قلوب أبناء الدعوة، ويربط بعضها ببعض، فإذا ما وهن ذلك الحبل أو انقطع تفرقت القلوب وابتعدت، فيكون لذلك أسوأ الأثر على الدعوة.
ساد الصمت المكان، واستشعر الحاضرون الخطر، وفهموا الرسالة جيدًا، ثم انكبوا يجمعون حبات المسبحة ليعيدوا وصلها من جديد بخيط متين، وانطلقوا يعانق بعضهم بعضًا ويتصافحون في حب وود، العيون دامعة، والقلوب خافقة، والصدور سليمة صافية.
ثالث عشر: الاستفادة من الأحداث غير المألوفة
يزداد إرهاف الحس، وتأجج المشاعر، ويقظة العقل عندما تحدث أمام المرء أحداث غير مألوفة، ويصبح على درجة عالية من الاستعداد للتلقي، لذلك نجد القرآن الكريم بعد الأحداث الكبيرة التي مرت بالصحابة رضوان الله عليهم ينزل ليعلمهم ويوجههم ويربيهم حتى يستفيدوا من هذه الأحداث في مزيد من الاستقامة لله ، وبخاصة أن النفوس تظل مدة من الزمن متعلقة بتلك الأحداث، وتكون فيها على استعداد لتلقي التوجيهات المتعلقة بها، ومثال ذلك: تعقيب القرآن الطويل على حادثة الإفك وكيف يستفيدون منها بعد ذلك: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]، ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧]، وتعقيبه على ما فعله حاطب بن أبي بلتعة ﵁ في محاولته -غير الناجحة - لإخبار أهل مكة بعزم الرسول ﷺ على السير إليهم ودخول مكة فاتحًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١].
وكذلك التعقيب القرآني بعد غزوة بدر، وأحد، وبني النضير، والأحزاب، وما فيها من دروس وعبر وتوجيهات نحو مزيد من الاستقامة.
ولقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك مع الصحابة رضوان الله عليهم ويربط دومًا بين الحدث غير المألوف والمعاني الإيمانية الدالة عليه.
ففي يوم من الأيام وبينما كان الرسول ﷺ بين صحابته إذ جاءه سَبْي، وفي هذا السبي امرأة تسعى ملهوفة مضطربة قد ضاع منها رضيعها، واستمرت على هذا الحال الشديد حتى وجدته، فأخذته وضمته إلي صدرها بشدة ثم أرضعته.
هذا المنظر شاهده الصحابة فأثر فيهم غاية التأثير، فلم يتركه ﷺ يذهب سُدى، بل وجهه توجيهًا إيمانيًا، فقال لهم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟!» قالوا: لا والله. قال: «الله أرحم بعباده من هذه على ولدها» (١).
إذن علينا أن نستفيد من الأحداث غير المألوفة التي تمر بنا في توجيه أنفسنا والآخرين نحو مزيد من الاستقامة لله .
هل هناك مزيد من الوسائل؟
стр. 88
ليست الوسائل السابقة هي فقط التي تستثير المشاعر وتحفزها للقيام بالعمل الصالح، فهناك وسائل أخري كالصوت المؤثر، والإشارة باليد، والقَسَم، والمسابقات التنافسية، ولكننا - بفضل الله - اخترنا في هذه الصفحات أكثرها تأثيرًا وأيسرها استخدامًا.
كلمة أخيرة عن وسائل التحفيز
كما ذكرنا من قبل بأن علينا الاجتهاد في استثارة مشاعرنا وتحفيز أنفسنا قبل القيام بالعمل حتى يزداد نفعه في زيادة الإيمان وتحسين السلوك، ولقد تم ذِكر العديد من وسائل التحفيز ..
نعم، هناك بعض الصعوبة في استخدام كل هذه الوسائل للمرء مع نفسه، فبعضها يكون أكثر نفعًا عند توجيه الآخرين وتحفيزهم للقيام بعمل ما، ومع ذلك فمن الممكن استخدام الكثير منها مع أنفسنا.
فقبل القيام بالعمل أسأل نفسي: لماذا أقوم بهذا العمل؟ وأبدأ بالجواب من خلال:
- تذكير النفس بأن هذا العمل قربة إلى الله وابتغاء مرضاته.
- وتذكير النفس بفضل هذا العمل.
- وأذكرها كذلك بأهمية القيام به.
- وأخوفها من عاقبة تركه.
- وأحاورها وأعرض عليها منافع القيام به، وأضرار تركه التي قد تصيبني.
- وأذكرها بالمواقف الإيجابية السابقة التي قمت فيها - بفضل الله - بأداء هذا العمل وغيره رغم الصعوبات التي واجهتني.
- وأشجع نفسي بمثل: هيا يا بطل .. هيا قم إلى العمل لعل الله يختارك لنفع الأمة وتكون من السابقين في الدنيا والمقربين في الآخرة ..
- وأحاول تذكيرها ببعض القدوات التي تعرفها والتي تقوم بهذا العمل وغيره.
- وأقرأ قصة لها ارتباط بالعمل.
أما في حالة توجيه الآخرين فعلينا إضافة بقية الوسائل الأخرى.
الوصول للهدف هو الغاية
الهدف الذي نريده من طرح هذا الموضوع هو الاجتهاد في استثارة مشاعر الرغبة للقيام بالعمل، فإن تحققت هذه الاستثارة بوسيلة أو اثنتين فبها ونعمت، وإن لم تحدث فعلينا استخدام المزيد من الوسائل حتى نصل للهدف ..
وكما قيل سابقًا بأنه كلما كان العمل المراد القيام به كبيرًا، وشاقًا على النفس كان من المناسب استخدام العديد من الوسائل.
أهمية التدريب على تحفيز المشاعر قبل القيام بالعمل
لكي نكتسب هذه المهارة بإذن الله، ولكي يتم تحفيز واستثارة المشاعر قبل القيام بالعمل بصورة تلقائية فإن الأمر يحتاج إلى تدريب طويل، بأن يتخيل المرء أنه سيبدأ عمل ما فكيف يُحفِّز نفسه للقيام به؟! وحبذا لو تم القيام بجزء من هذا التدريب أمام الآخرين - كالزوجة أو الأصدقاء - حتى يقوموا بتقييم طريقتنا في التحفيز.
ومن أمثلة الأعمال التي يمكن للفرد التدريب عليها:
التبكير للصلاة - قراءة القرآن بتدبر - صلاة الفجر - قيام الليل - الإنفاق - الدعوة إلى الله - صلة الأرحام - العفو والصفح - الإصلاح بين متخاصمين، مساعدة محتاج.
وإليك - أخي القارئ - مثالًا عمليًا لتحفيز المشاعر لأحد هذه الأعمال وهو قراءة القرآن بتدبر، فقبل شروعي في القراءة عليَّ أن أسأل نفسي: لماذا تريد قراءة القرآن؟
وأجيب عليها بأن القرآن كلام الله، وأنه من أعظم السبل لنيل مرضاته، وأن هذا القرآن فيه شفاء لأمراض قلبي، وهو من أهم أسباب زيادة الإيمان، والقرب من الله ، وهو أيضًا له مثوبة عظيمة.
وأن هذا القرآن هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، مَن تمسَّك به نجا - بإذن الله - من الفتن، وعاش سعيدًا في الدارين ..
وأخوفها من هجر القرآن، وأن من أهم صور هجره: ترك تدبره وتفهّم آياته ..
وأذكرها بأوقات سابقة ترنمت بالقرآن واستخرجت منه معانٍ عظيمة كان لها بالغ الأثر في التغيير الإيجابي لسلوكي ..
وأقول لنفسي مشجعًا: إن جيل التمكين جيلٌ قرآنيٌّ، فهيا لنكون من أبنائه.
стр. 89
وأعمل على تذكيرها ببعض أحوال الصحابة مع القرآن وكيف كانت قراءتهم بتدبر، وكيف كانوا يعيشون بالقرآن ..
وأذكر نفسي بأنني المستفيد من قراءة القرآن، وأنا الخاسر من عدم قراءته ... وهكذا.
تدريبات عملية من القرآن والسنة:
وبالإضافة إلى هذه التدريبات علينا كذلك أن نتدرب على استخراج وسائل التحفيز من القرآن والسنة حتى نُحسن ممارستها في حياتنا العملية .. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٤].
فالتوجيه الذي تحمله الآيات: الإيمان بالله والجهاد في سبيله بالمال والنفس، ووسائل التحفيز التي استُخدمت في تلك الآيات لاستثارة المشاعر ودفعها للقيام بهذا التوجيه كثيرة نذكر منها:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: تشجيع واستدراج لفتح منافذ الاستماع.
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ؟﴾: سؤال للفت الانتباه والتركيز فيما يُقال.
﴿عَلَى تِجَارَةٍ﴾: ضرب المثل بالتجارة وتقريب معنى الربح من خلالها.
﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ترغيب وترهيب، ترغيب في النجاة بالعمل، وترهيب من العذاب بتركه.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: موازنة عقلية، وإشعارك بأنك المستفيد من ذلك.
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ﴾: استثارة مشاعر الطمع في الأجر (فضل العمل).
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾: فضل العمل.
﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: قصة.
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: قدوة.
﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾: تخيير: مع أي الفريقين تُريد أن تكون؟
﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾: فضل العمل وأهميته.
ومن السنة: قوله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان للرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (١).
فقبل التوجيه بالذكر كان التحفيز من خلال التذكير بالله ، وأنه يُحب هذا الذكر، والتذكير بالثواب العظيم المترتب عليه، وإشعار المستمع بأنه يتم بأقل مجهود، فكيف يتركه؟!
وإليك أخي القارئ أمثلة من القرآن والسنة، عليك باستخراج ما تحمله من توجيه، ووسائل التحفيز التي استُخدمت فيها:
وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد: ٧ - ١٢].
ومن السنة قوله ﷺ : «أوليس قد جعل الله لكم ما تَصدَّقون، إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وفى بُضع أحدكم صدقة»، قال: قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته يكون له فيها أجر؟! قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه فيها وزر؟ وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له فيها أجر» (١).
وقوله ﷺ : «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها» (٢).
стр. 93
الفصل السابع
الهزة الإيمانية
وبداية الارتقاء الإيماني
стр. 94
هدف هذه الصفحات هو التعرف على طريق إحداث الشرارة الأولى - بإذن الله - لانطلاق رحلة الإيمان، وسير القلب إلى الله، والاجتهاد في تحقيق ذلك من خلال استثارة وإلهاب مشاعر المحبة والشوق إلى الله
стр. 95
الفصل السابع
الهزَّة الإيمانية وبداية الارتقاء الإيماني
الحلقة المفقودة:
بعد الحديث عن أهمية الإيمان وثماره، ومراتب الارتقاء الإيماني، وجناحي التربية الإيمانية، يبقى السؤال: هل ما قيل يكفي لبدء الرحلة الإيمانية والسير إلى الله؟
بلا شك أن حُسن التعامل مع القرآن والتفكر فيه، ومداومة قراءته بتدبر وترتيل وصوت حزين، مع العمل - قدر المستطاع - على الاستفادة من القرآن في التفكر في الكون وأحداث الحياة وربطها بالله .. بلا شك أن هذه الأعمال القلبية ستقوم - بإذن الله - بزيادة عظيمة وملحوظة للإيمان، فإن صَاحَبها أعمال صالحة فإن الأثر سيكون أشد وأشد شريطة أن يسبق تلك الأعمال تحفيز للمشاعر كما أسلفنا.
ولكن تبقى حلقة مفقودة في هذه المنظومة، ألا وهي الشرارة الأولى والشحنة القوية التي تهز القلب، وتوقظ الإيمان لتأتي بعد ذلك تلك الوسائل فتعمل عملها.
والشحنة القوية التي نحتاجها في البداية لكي توقظنا من سُباتنا وتجعلنا - بإذن الله - نبدأ رحلة الارتقاء الإيماني والسير إلى الله لها طريقتان: إما شُحنة تخويف وترهيب، وإما شُحنة تشويق وترغيب، كما قال بعض السلف: «لا يُخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق».
هيا بنا نزداد حُبًّا لله وشوقًا إليه:
بفضل الله تم الحديث في موضع سابق عن الخوف من الله وكيف نستخدمه ونجلب به الشرارة الأولى والشحنة القوية الدافعة للعمل (١)، ومع ذلك فهناك عدة أسباب تدفعنا لتفضيل طريق التشويق والترغيب في الله .
ومن هذه الأسباب أن الحديث عن الخوف من الله وأسباب استجلابه من تذَكُّر الموت، وعذاب القبر والقيامة والنار، قد احتل مساحات كبيرة في كتابات وأحاديث العلماء والدعاة وغيرهم، ومن ثَمَّ فإن تأثيره - بسبب هذا التكرار - قد لا يأتي بالأثر المطلوب كالطبيب الذي يعتاد رؤية الإصابات والدماء والكسور فيفقد بمرور الوقت تأثره بها.
وعكس ذلك بخصوص طريق المحبة والتشويق إلى الله ، فالحديث عنها قليل، ولا يتوازن مع الحديث عن الخوف من الله .
ومن هذه الأسباب: أن الشحنة الإيمانية والشرارة الأولى الناتجة عن طريق التشويق والترغيب لها صدى طيب في النفس، فمن شأنها أن تجعل المرء يستيقظ من سُباته وهو باسم .. يهرع إلى الله وهو فرِح .. يُسارع في القيام بالعبادات المختلفة، وهو في حالة من الرضا عن الله والشوق إليه والحب له ... .
ومنها كذلك أن الغافل يحتاج إلى مَن يُوقظه بحنان ورفق حتى يستوعب تلك اليقظة، أما المُستيقظ فهو يحتاج إلى بعض التخويف حتى لا يُعجب بنفسه، ويغتر بعلمه، فالترغيب يُفضل البدء به مع أمثالي من الغافلين، أما الترهيب فيكون مع العابدين والصالحين.
وليس معنى هذا هو ترك التخويف والترهيب، بل المقصد هو التوازن بينهما والبدء منهما بما يُناسب حالة القلب.
فإن اتفقت معي - أخي القارئ - على البدء بشحنة التشويق والترغيب في الله ، فلتكن إذن شُحنة قوية حتى تظهر الثمرة وتؤدي إلى اليقظة بإذن الله.
مع ملاحظة ضرورة الاستمرار - بعد حدوث اليقظة - في القيام بأعمال القلوب (التفكر في القرآن وتدبره والاجتهاد في التأثر به، والتفكر في الكون وأحداث الحياة والاعتبار بها وربطها بالله وكذلك الأعمال الصالحة المؤثرة التي يسبقها تذكير وتحفيز حتى يستمر الارتقاء الإيماني.
أما إذا حدثت اليقظة، ورضي المرء بها واطمأن لها ولم يُتبعها بأعمال الإيمان فسيعود - في الغالب - كما كان قبل اليقظة.
ومما يُساعد العبد على الاستمرار في الارتقاء الإيماني - بإذن الله- هو انتقاله بهذه المعاني - بعد استيقاظه - إلى محيط الدعوة، فعمله في إصلاح الإيمان وإيقاظ القلوب - بمثل ما حدث له - له وظيفة كبيرة في تثبيت المعاني في قلبه، وتجديدها، ومن ثَمَّ دفعه أكثر وأكثر للتزود والارتقاء (٢) ... .
стр. 96
مفتاح الدخول لباب المحبة:
كما قيل سابقًا بأن المعاملة على قدر المعرفة، فمعاملة الله بحب واشتياق ستكون - بإذن الله - نتيجة طبيعية لمعرفة وُدِّه وحُبِّه لنا، ونعمه الكثيرة التي يغمرنا بها ..
وأدعوك - أخي القارئ - إلى التعرف على الله الودود - بصورة إجمالية - من خلال قراءة الصفحات القادمة على أن تجعل عقلك بين مشاعرك، ثم سل نفسك بعدها: هل ازددت رغبة في الله وحُبًّا له؟
هذه الأسطر بعنوان:
أقبل ولا تخف فربك ينتظرك
كان في بلد من البلدان في زمن بني إسرائيل رجل يُدعى " الكفل "، وكان يفعل ما يُريد، ولا يُبالي بحلال أو حرام، وكان أهل بلدته يعرفون عنه هذا، وإذا ما جاء اسمه على لسان بعضهم لا تجد أحدًا منهم يذكره بخير أبدًا.
وفي ليلة من الليالي، وبعد أن دخل كل واحد بيته، وأغلق بابه، إذا بالكفل يسمع طرقًا على بابه، فقام ليفتح فإذا به يُفاجأ بامرأة يقطر منها الحياء، ويذوب وجهها خجلًا، فسألها عن سر مجيئها فأخبرته أنها تمُر بضائقة مالية شديدة، ولم تجد أمامها أحد سواه لتقترض منه .. وجد الكفل الفرصة سانحة أمامه .. امرأة جاءت إلى داره بمحض إرادتها، وفي سكون الليل، ولا يراها أحد من الناس، فتلطف معها وأدخلها داره، وأخبرها بأنه لا مانع لديه من إقراضها ولكن لديه شرط .. أن تُمكِّنه من نفسها.
ألحت المرأة عليه ألَّا يفعل، فلم يلتفت إلى إلحاحها وتوسلاتها، فوافقت مرغمة وهي تتقطع من داخلها، وعندما اقترب منها وجد فرائصها ترتعد، فسألها عن السبب، فأخبرته بأنها لم تفعل هذا الفعل من قبل، وأنها تخاف الله وتخشى عقوبته وغضبه .. هنا توقف الكفل، وابتعد عنها، فقد وقعت تلك الكلمات موقعها في نفسه، ولبث هُنيهة، ثم قال لها: أنت تقولين هذا القول مع أنك مضطرة لذلك، فماذا عليَّ إذن أن أقول؟! ألست أنا أحق بالخوف من الله منك؟! ثم تركها تنصرف بعد أن أعطاها ما طلبته من المال.
تركها لتذهب وهو يعيش في لحظات من الذهول .. الألم يعتصره، والندم على ما فعله في حياته يُسيطر عليه، لقد كانت كلمات المرأة عن الله كالزلزال الذي هزَّ كيانه، واستخرج من ذاكرته شريط أحداث ماضيه الأسود، ذكرى أفعال سابقة، نسي فيها الله، ولم يَخَف مقامه سبحانه، وكلما تذكر موقفًا من مواقفه المخزية ازداد ندمه، واشتد ألمه، وعلا بكاؤه.
في هذه الأثناء، وبينما هو في هذه الحالة، حدث أمر لم يكن في الحسبان .. لقد زار الكفل ضيف آخر .. لم يكن ذاك الضيف من بني البشر، لقد زاره ملك الموت ليقبض روحه، وهو في أشد لحظات الندم والتوبة.
جاءه ملك الموت ومعه ملائكة الرحمة يزُفُّون إليه بشرى مغفرة الله له ورضاه عنه.
لقد قبِل الله ندمه وعفا عنه، وفوق هذا الجُود لم يتركه ليعيش بعد ذلك فقد يعود إلى سابق عهده من الظلم والطغيان، فقبض روحه في هذا الوقت لتكون النهاية السعيدة.
نعم - أخي - حدث هذا، فربك رؤوف رحيم، يُريد أن يعفو عنَّا جميعًا ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] .. يُريد أن يُدخل الجميع الجنة ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
لا تتعجب أخي مما حدث مع الكفل، فالله ينتظر من جميع عباده أي التفاتة صادقة إليه ليُقبل عليهم ويعفو عنهم ويُدخلهم الجنة.
ولكن، هل انتهت قصة الكفل عند ذلك؟
لا، فقد حدث أمر عجيب، قد استيقظ الناس في الصباح وخرجوا من بيوتهم كعادتهم يلتمسون معايشهم وأرزاقهم، فمرَّ بعضهم بجوار بيت الكفل، فلفت نظرهم كلامٌ مكتوب بخط واضح على بابه، فاقتربوا منه ليقرأوه، فعقدت الدهشة ألسنتهم، وفغروا أفواههم، ووقفوا مشدوهين لا يكادون يُصدقون ما يرونه ..
لقد وجدوا عبارة تقول: «إن الله قد غفر للكفل».
تجمَّع الناس وقرؤوا العبارة وهم غير مُصدقين .. طرقوا الباب فلم يفتح لهم أحد، ففتحوه عُنوَة ليجدوا الكفل قد مات، فازداد عجبهم وحيرتهم، فهرعوا إلى نبيِّهم ليسألوه عن أمر الكفل، فأوحى الله إليه بما حدث، فاشتد بكاء الناس، وازداد حُبُّهم لله، وتعلقهم برحمته، وسارعوا إلى التوبة إليه.
стр. 97
كان من الممكن أن تمر هذه الحادثة ولا يعلم بها أحد، فالناس يموتون ولا يدري أحد بماذا خُتِم لهم، ولكن الرب الودود الذي يُريد أن يُطمئن الجميع ويدفعهم للفرار إليه أنزل هذه الآية لينتفع بها الناس ويتفكروا في مغزاها، وما تدل عليه من سعة رحمة الله، ومدى حُبِّه لعباده، وأنه سبحانه ينتظر منهم أي بادرة صادقة للتوبة، فيُقبل عليهم ويقبلهم ويمحو كل سيء فعلوه.
نعم - أخي - هذا هو ربنا ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧].
ألم تر إلى ربك كيف يُحبُّك ؟
إننا جميعًا نتمنى محبة الله لنا، ولو تفكَّرنا وتأملنا في طريقة معاملة الله لنا لتأكدنا أنه سبحانه يُريد لنا وللناس جميعًا الخير، وأن محبته لنا سبقت وجودنا، وأن مُراده دخول الجميع جنته ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥].
وكلما تفكَّرنا في جوانب حُب الله لعباده ازددنا حُبًّا له، وحياء منه سبحانه، وأصبحت أُمنيتنا هي: كيف نُحب الله كما يُحبنا، وكيف نتودد إليه كما يتودد إلينا؟
خلقنا في أحسن تقويم:
الله هو الذي خلقنا من العدم، ولم نكن قبل ذلك شيئًا مذكورًا، وقد أوجَدنا سبحانه في أحسن صورة ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤].
كرَّمنا على جميع خلقه، ونفخ فينا من روحه، وأسجد لأبينا ملائكته، وهيأ الكون كله لخدمتنا بلا مقابل، فالأرض تُخرج لنا الطعام، والسماء تُنزل الماء، والشمس تمدنا بالدفء والضياء، والقمر يُعرفنا الأيام والشهور .. الدواب تحملنا، والنحل يمدنا بالعسل، والأنعام تُخرج لنا اللبن، والأزهار تُشعرنا بالبهجة ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١٣].
إلهٌ قيُّوم:
الله يقوم على شؤون عباده جميعًا، يرعانا بالليل والنهار .. يقبض أرواحنا فننام ونرتاح، ثم يُعيدها لنا فنستيقظ ونستأنف حركتنا في الحياة .. هكذا كل يوم ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣].
يمدنا بمقوِّمات الحياة مع كل طرفة عين .. يمد أجهزة الجسم المختلفة بالقدرة على القيام بوظائفها .. يمد اللسان بالقدرة على الكلام، والعين بالقدرة على الرؤية، والأنف بالقدرة على الشم، والأذن بالقدرة على السمع، واليد بالقدرة على الحركة والبطش، والرجل على المشي وحمل الجسم، والقلب بالقدرة على ضخ الدم حوالي سبعين مرة في الدقيقة الواحدة .. يمد كل خلية في الجسم - كل طرفة عين - بأسباب حياتها ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ [يونس: ٢٢].
فنحن جميعًا من الله خَلقًا وإيجادًا، وبالله رعاية وإمدادًا، فلا حول ولا قوة إلا به سبحانه ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
حليم ستير:
ربنا حليم ستير، يرانا نعصيه مرات ومرات فلا يفضحنا، ولا يهتك سترنا، بل يسترنا ويحلم علينا، ويُمهلنا علَّنا نتوب ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].
стр. 98
رب صبور .. يصبر على أذى عباده وكفرهم وجحودهم مع قدرته المطلقة عليهم .. يقول ﷺ «ليس أحد أصبر على أذى سمعه من الله تعالى، إنهم ليدَّعون له ولدًا، ويجعلون له أندادًا، وهو مع ذلك يُعافيهم ويرزقهم» (١).
ربٌ رحيم:
رحمته وسعت كل شيء، حتى العاصين له، المنكرين لوجوده، يُطعمهم ويسقيهم ولا يمنع رزقه عنهم.
أنزل في الأرض جزءا من مائة جزء من رحمته يتراحم بها خلقه، واختزن لنا عنده تسعة وتسعين جزءًا لوقت سنكون فيه أحوج ما نكون إلى تلك الرحمات.
قال ﷺ : «إن ربكم رحيم؛ من همَّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت عشرًا، إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت واحدة، أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك» (٢).
إلهٌ رؤوف:
ربنا رب رؤوف، حنان .. أحن علينا من آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وأبنائنا .. إذا ابتلانا بمرض فإنه لا يحرمنا معه الأجر .. قال ﷺ : «ما أحد من المسلمين يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه فقال: اكتبوا لعبدي هذا في كل يوم وليلة ما كان يعمله في الصحة من الخير ما دام محبوسًا في وثاقي» (٣).
نعم - أخي - هذا هو ربنا الرؤوف «إن الله يُنزل المعونة على قدر المؤنة، ويُنزل الصبر على قدر البلاء» (٤).
لا يُريدنا أن ندخل النار، فيظل يُخوفنا ويُخوفنا منها، ويُظهرها لنا بصورة بشعة مؤلمة قاسية، حتى نعمل على الهرب منها ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦].
ويعرض - سبحانه - لنا الجنة بصورة جميلة مبهرة تفوق الوصف، حتى نسعى حثيثًا للوصول إليها ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠].
لعلهم يرجعون:
مُراده - سبحانه - دخول الجميع الجنة، لكنه لا يقهر أحدًا على الإيمان به، وإلا انتفت الحكمة من خلق الإنسان وتمتعه بحرية الاختيار، ولصار كسائر المخلوقات.
ولأنه سبحانه يُريد لعباده دخول جنته، وهم في غفلة معرضون لذلك فهو يبتليهم بألوان شتى من الابتلاءات حتى يفيقوا من غفلتهم ويعودوا إليه.
فكل ما يَرِد على الإنسان من أشكال المنع كالمرض والنقص في الرزق والأمن فإن الحكمة الأساسية منه هو إخراجه من حالة الغفلة إلى اليقظة، ورجوعه إلى الله .. تأمل معي هذه الآيات التي تؤكد هذا المعنى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١].
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٤].
стр. 99
﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨].
بل إن الهموم التي تهجم على العبد صورة من صور التنبيه وتكفير الذنوب، يقول ﷺ : «إذا كثرت ذنوب العبد فلم يكن له من العمل ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه» (١).
ربٌ شكور:
ربنا ربٌ شكور .. يشكر عمل عبده - مع قلته - ويعظم له به الأجر ..
يقول ﷺ : «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره فشكر الله له، فغفر له» (٢).
ويقول: «كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» (٣).
ربٌ غفور:
أتدري - أخي - ما هي دعوة الله التي يدعو عباده إليها؟
إنها المغفرة .. يدعوهم لكي يستغفروه فيغفر لهم، ويستسمحوه فيُسامحهم مهما كانت أخطاؤهم ..
وهو مع غناه المطلق عنهم ينتظرهم ليُلبُّوا دعوته ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠].
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨].
أيُ غفلة نحن فيها ؟!
ربنا العظيم، مالك الملك، الغني الحميد، الذي لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضرُّه معصية العاصين، يستحثنا لتلبية دعوته .. للعفو والصفح والمغفرة.
ينادي على العاصين الذين بارزوه بالمعاصي ﴿قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
لا يتعاظم لديه ذنب أن يغفره، بل يغفر ولا يُبالي ..
عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم» (٤).
ومن هذا الذي تملأ خطاياه ما بين السماء والأرض؟!
لكنه خطاب تطمين وتحفيز للمسارعة إلى نيل المغفرة وانتهاز الفرصة قبل فوات الأوان ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١].
بابه مفتوح للجميع:
الله لا يُغلق بابه في وجه سائل .. ينتظر توبة عبده، ويفرح بها أيما فرح، ويُكافئه عليها مكافأة فورية بأن يُبدل سيئاته حسنات، ليبدأ حياته الجديدة برصيد كبير منها ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
ينتظر من عبده أية التفاتة صادقة ليُقبل عليه، وأي شعور بالندم على ما مضى منه من تفريط، ورغبة في التوبة إليه، فيغفر له ولا يُبالي.
يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فإذا تاب عبد من عباده كان - سبحانه - أفرح بتوبته من ذاك الذي تاهت راحلته في الصحراء وعليها كل أسباب حياته.
стр. 100
فقل لي - بربك - لماذا يفرح كل هذا الفرح؟!
هل يُزيد هذا التائب في خزائن ربك أو ملكه شيئًا؟
هل تنقُص خزائن ربك إذا ظل ذلك العبد عاصيًا؟
كلا .. فلماذا إذن؟
هل هناك إجابة غير أنه يُحبنا ويُريد لنا الخير ودخول جنته، ويخاف علينا من دخول النار؟
فأي رب رحيم ودود هو ربنا ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
جاء في الحديث: «ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يُغرق ابن آدم، والملائكة تستأذن أن تُعجله وتهلكه، والرب يقول: دعوا عبدي، فأنا أعلم به إذ أنشأته من الأرض، إن كان عبدكم فشأنكم به، وإن كان عبدي فمني إلى عبدي، وعزتي وجلالي إن أتاني ليلًا قبلته، وإن أتاني نهارًا قبلته، وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت باعًا، وإن مشي إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني أقلته، وإن تاب إليّ تُبت عليه. مَن أعظم مني جودًا وأنا الجواد الكريم؟ عبادي يبيتون يُبارزوني بالعظائم، وأنا أكلؤهم (١) في مضاجعهم، وأحرسهم على فُرُشهم، من أقبَل تَلقَّيته من بعيد، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن تصرَّف بحولي وقوتي ألَنْت له الحديد، ومن أراد مُرادي أردت ما يُريد. أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنطهم من رحمتي، فإن تابوا إليّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأُطهرهم من المعاصي» (٢).
فماذا تقول بعد ذلك ؟
ألا توافقني - أخي - أن باب التشويق والترغيب في الله باب عظيم يُلهب مشاعر من يدخل منه، ويوقظ الإيمان في قلبه، ويدفعه إلى المسارعة إلى الله وطلب مغفرته ومحبته، مع أن ما ذُكر لا يُساوي قطرة في بحر وُدُّه.
فإن كان الأمر كذلك؛ فعلينا أن نُحسن الدخول من هذا الباب، وبخاصة ونحن في بداية رحلتنا الإيمانية وسيرنا نحو الله ، وهذا يحتاج منا إلى تفكُّر في مظاهر أسمائه وصفاته التي لها علاقة بهذا الأمر، كالوهاب، والرزاق، والمُنعم، والودود، والرحيم، والحليم، والصبور، والغفور، واللطيف ..
هذا التفكُّر يشمل القرآن والكون، أما القرآن فالمتفكر فيه يرى مظاهر حب الله لعباده تقطر من آياته، فخطاب الترغيب في الله والتشويق إليه هو الغالب عليه، ويكفيك في هذا أن سُوَرة تبدأ بـ: «بسم الله الرحمن الرحيم» .. ولا تبدأ بأسماء أخرى من أسمائه سبحانه، وكأن هذه البداية تحمل رسالة تطمين للجميع، وتقول له: أقبل ولا تخف، فربك «رحمن رحيم».
من هنا نقول بأن القرآن هو أعظم وسيلة للتعرف على الله وتنمية حبِّه والشوق إليه في القلب، فعلينا لزوم هذا الكتاب والمدوامة على قراءته والبحث من خلاله على هذه المعاني.
وأما الكون فالمتفكر فيه يرى الكثير والكثير من آثار حب الله لعباده كمظاهر حلمه وستره وطول إمهاله لهم، وتوالي نِعَمه عليهم.
ومع التفكر في القرآن والكون تأتي أهمية القيام بأعمال صالحة لها علاقة وثيقة بتثبيت عُرى المحبة لله في القلب كإحصاء النعم، ومُناجاة الله بها، وسجود الشكر عند ورود النعم الكبيرة، والقيام برحلات الاعتبار ورؤية أهل البلاء، والقيام كذلك بتحبيب الناس في الله .
стр. 101
هذه المعاني المُشوِّقة لحُب الله، والأعمال التي تُثبِّتها في القلوب تمَّ الحديث عنها بشيء من التفصيل في كتاب «كيف نُحب الله ونشتاق إليه؟» (١)، فلك أن تقرأه - إن شئت - لعلك تجد فيه ما يستثير مشاعرك، ويُنمي حب الله في قلبك، ويقدح شرارة الانطلاق نحوه سبحانه، على أن تقرأه من بدايته لنهايته، وتقوم بتطبيق ما دل عليه من أعمال حتى تتم الفائدة بإذن الله.
стр. 102
كلمة أخيرة
وبعد:
أخي القارئ: إن كل ما قيل في الصفحات السابقة سيبقى حِبْرًا على ورق إن لم نقرأه بهدف العمل والتنفيذ، ولا ينقصنا لتحقيق ذلك إلا العزم الأكيد، والاستعانة الصادقة بالله .
فهيَّا لنبدأ من الآن قبل فوات الأوان .. قبل أن يأتي الموت ويحول بيننا وبين العمل فنكون من النادمين ..
إن الموت لا يستأذن أحدًا قبل مجيئه، والأيام تُسرع بنا نحوه، والراحة والسعادة بعده طويلة لمن أحسن العمل ..
فلنبادر ولنشمر للِّحاق بركب السائرين إلى الله ..
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كُنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.