← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ﷺ (وعليه حواشٍ لجماعة من العلماء منهم الأمير الصّنعاني) تصنيف الإمام المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير (٧٧٥ - ٨٤٠) ﵀ تقديم فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد إعتنى به علي بن محمد العمران الجزء الأول دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

стр. 2

- أ - تقديم فضيلة الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وصحبه, ومن اهتدى بهديه. أما بعد: فهذا صوت من صنعاء اليمن, ينصر السنة, ويدافع عن حملتها, ويذبّ عنهم وعنها, يدونه يراع العلامة ابن الوزير اليماني المُحلّى عند عامة من ترجمه بالإمام المجتهد: محمد بن إبراهيم بن علي القاسمي الصنعاني مدفناً. المتوفى سنة (٨٤٠) -رحمه الله تعالى- يرقم سطوره في مُجالدةٍ مع شيخه العلامة ابن أبي القاسم اليماني, المنعوت عند علماء الزيدية بمجتهد المذهب في زمانه: علي ابن محمد الهادي. المتوفى سنة (٨٣٧) -رحمه الله تعالى- إذ كتب ابن أبي القاسم إلى تلميذه ابن الوزير رسالة ينصحه فيها عن ميله إلى التخلي عن مذهب الزيدية من خلال نصرته للسنة وأهلها. وقد حوت هذه الرسالة إرجافاً في الخصام, بنفثات اعتزالية, ومحاجات عقلية, وتعسفات وعصبية, وقدحاً في الرجوع إلى الآيات القرآنية, والمرويات الأثرية, والقواعد الشرعية, في سَوْرة انفعال؛ إذ بهت برجل من قطره, ومن بني جلدته, وقد تتلمذ على يده, فما هي إلا لحظات, وعينه تنفتح على تلميذه وهو ينابذه في مشربه, معتصماً بالله, ديدنه الوحيان الشريفان, جاعلاً مقالات الرجال دبر أذنيه, فاستوحش الشيخ من التلميذ, وتحامق عليه, واستعلى برسالته هذه, فتسلمها التلميذ ابن الوزير, وهش لها وبش, وكرّ وفرّ, وأقبل عليها إقبال الدهر, وأبداها صرخة حق في ضجة باطل, حتى قبضها الله,

стр. 3

- ب - ونفض التلميذ ما حثاه شيخه عليه من التحامق, ونقضها هذا التلميذ بكتاب مطول أسماه: ((العواصم والقواصم)) وهو مطبوع, ثم اعتصره مع زيادة إفادات, وإضافة مهمات في هذا الكتاب الذي بين يديك باسم ((الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم)) ﷺ عنوان يلفت الأنظار, ويجذب القلوب, كيف وقد طابق اسمه مسماه لما احتواه من الذَّبِّ عن السنة, والذود عنها وعن حملتها, وكشف الشبه عنها, سنداً ومتناً, في أبحاث حديثية مسهبة, يبين فيها وجه الصواب, ويرد الشبه والاعتراض في مسائل طالما كثر فيها الجدل وطال, ومنها: عدالة الراوي والرد على دعوى تعسر أو تعذر معرفتها, وإبطال تقديم طرق الاحتجاج العقلي على النقل المعصوم. ومبحث اتصال الراوية بكتب الجرح والتعديل, والمبحث الممتع إقامة حجج الله القاهرة على عدالة من عدّلهم الله -سبحانه- ورسوله ﷺ وهم صحابته ﵃ ونثر الحصرم في وجوه المشككة. ومبحث في التنديد بمن حصر الصحيح في الصحيحين. وآخر في النقض على من ادعى صحة مافي الكتب الستة. وتحرير طرق التصحيح والتضعيف, ومعرفة الناسخ والمنسوخ, والبحث موعباً في معترك الأقران, حول مسألة الاجتهاد والتقليد, والذب عن الأئمة الأربعة وأهل الحديث, وتقرير شرفهم, وفضيحة من تحَطَّطَ عليهم. والتعريج على مباحث عقدية في قضايا: الجبر, والتجسيم, والتأويل ... وتأصيل القول في الاعتقاد على رسم الشرع المطهر لاغير, ومنابذة علم الكلام ونصيحة أهل الإسلام بالاهتمام بالقرآن, والنهي عن الابتداع. إلى غير ذلك من أبحاث فائقة, يتخللها من النكات, والفوائد, الخير الكثير, والروض النمير, في فنون شتى.

стр. 4

- جـ - وإلى هذا المشمول العجاب, ترجع أهمية هذا الكتاب, وإلى أن محاورة مؤلّفه ليست نظرية, وإنما هي ميدانية في مواجهة مذهب عرفه, وارتوى منه ثم نزع إلى السنة, ثم ثاقفه المتعصبة, فأبرزت لنا هذه المنازلة: هذا الكتاب ((الروض الباسم)) وأصله: ((العواصم والقواصم)) والظاهر أن جلّ مؤلفات هذا الحبر هي في هذا الميدان, مثل: ((إيثار الحق على الخلق)) -وهو مطبوع- وغيره. لا جرم إذاً أن يسارع المصلحون إلى طبعه, وقد كان فضل السبق للشيخ محمد منير الدمشقي المتوفى سنة (١٣٦٧) -رحمه الله تعالى-؛ إذ طبعه عام (١٣٣٢١) , فحصلت الاستفادة منه, ورجوع أهل العلم إليه, ونقلهم منه, على مدى ما يقرب من مائة عام من تاريخ طبعه, ثم تتابعت طبعاته بعد -فجزا الله الجميع خير الجزاء وأوفاه-. هذه إضاآت عن هذا الكتاب, وعن مؤلّفه, وعن نزوعه إلى السنة, وعن تعويل العلماء على كتابه. وإن كتاباً بهذه المثابة لابد أن يكون أمام اهتمامات البصراء من أهل العلم وطلابه؛ لمتابعة طباعته وإخراجه. وقد سمت همّة الشيخ الفاضل/ علي بن محمد عمران, إلى الإمساك بناصيته, والاعتناء بإخراجه على مجموعة نسخ خطية, فلما أحضره إليّ -تقبل الله منا ومنه- مطبوعاً في تجربته الأخيرة في نحو: (٦٠٠) صفحة, ومقدمة التحقيق في نحو: (١٠٠) صفحة, وكشافاته في نحو: (١٥٠) صفحة, الجميع نحو: (٨٥٠) صفحة, قرأت مقدمة التحقيق, وجملة من التعاليق, وفي مواضع من المتن, وفي فهارسه الكاشفة عن مخبآته, فتذكرت قول من مضى: ((دلّ على عاقل حسن اختياره)) وأضيف إليه: ((ودلّ على عاقل حسن عمله وإتقانه)) فقد جمع هذا الفاضل بين الحسنيين, وحاز الدّلالتين؛ إذ قد مشى في تحقيقه

стр. 5

- د - على أصول علمية نيرة, يعرف التزامه بها من كان له فضل عناية بالتحقيق, ولا أريد أن أطيل, فالعمل أمام فَوَقَةِ القراء, ومنصفيهم. وقد عافاه الله من حشر الحواشي الطوال بلا طائل -تلك الظاهرة التي تمكن غير المختصين من استباحة حمى العلوم الشرعية-. وله -أثابه الله- لفتات نفيسة في المقدمة, والحواشي, وقد أحسن كل الإحسان في كشافات الكتاب المصنفة على مجموعتين: ((الفهارس النظرية)) التي في وسع كل أحد عملها, و ((الفهارس العلمية)) التي لا يستطيع عملها بصفة دقيقة موعبة إلا طالب علم متمكن, ولا أحسب المحقق إلا ذلك. وكم لإخواننا في الله علماء اليمن وطلابه من أياد بيضاء على العلم وأهله أحيوا فيها مآثر الأجداد, ووطؤا منهم على الأعقاب, فاتصل الأحفاد بالآباء والأجداد. غفر الله لابن الوزير, ونفع الله بكتابه المسلمين, وجزى الله أخانا الشيخ علي بن محمد عمران خيراً على هذا العمل المبارك. والحمد لله رب العالمين. بكر بن عبد الله أبو زيد في مصيف عام ١٤١٩ الطائف

стр. 6

مقدمة التحقيق إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, من يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيكُم رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً, يُصْلِحْ لَكُم أَعْمَالَكُم وَيَغْفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد؛ فإنّ أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشرّ الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة, وكل ضلالة في النار. فلا زال حرّاس الشريعة, وأمناء الملة في جلاد وجدال دائبين, مع كل ظالم لنفسه ومعتد على غيره, من مبتدع ضالّ مستدرك على الدين, أو جائر باغ معطل لأحكام الشرع القويم, تارة بالحجة والبرهان, وأخرى بالقوة والسلطان, بحسب وجود المقتضي وزوال المانع, فكم لهم في هذا السبيل من فضائل منشورة ومواقف مشهورة!!.

стр. 7

وهذا من حفظ الدين وتبليغه, قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((فالمرصدُونَ للعلم, عليهم للأمة حفظ الدين وتبليغه, فإذا لم يبلغوهم علم الدين, أو ضيعوا حفظه كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين, ولهذا قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] , فإن ضرر كتمانهم تعدى إلى البهائم وغيرها, فلعنهم اللاعنون حتى البهائم)) (١) اهـ. وكتابنا هذا كتاب ((الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم)) ﷺ أحد ثمرات تلك المهمة الجهادية, فقد تصدى المؤلف -رحمه الله تعالى- لتلك الهجمة الشرسة التي شنّها أعداء السنن, وأنصار البدع, ودعاة التقليد, اللذين فضلوا منطق اليونان على آيات القرآن, وذمّوا صحابة الرسول الفضلاء, ومن بعدهم من أكابر العلماء. فتصدّى ابن الوزير لذلك كله؛ فرفع السنن, ونصر الحديث وأهله, ودعا إلى الاجتهاد, وحث على طلب العلوم الشرعية ورغّب فيها وجعل عمادها الكتاب, والسنة النبوية, والآثار الصحابية, وذبّ عن هداة الأنام, وليوث الصّدام: صحابة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام, ومن بعدهم من علماء الإسلام. وجهاد المؤلف ﵀ هو من أفضل الجهاد, لأنّ من أفضله قول الحق مع شدة المعارض, كالذي يتكلم عند من يخاف سطوته وأذاه (٢) , وهكذا كان المؤلف-﵀ في تلك البلاد وفي ذلك

стр. 8

الزمان متفرداً بالدعوة إلى الطريقة السنيّة, فخالف أهله وأهل بلده ومذهبه (١) , فتناولته الألسنة البذيّة من أعداء السنة النبوية, ورموه عن قوس واحدة, فصاولهم وصاولوه, وجالدهم وجالدوه, إلا أنه احتسب ذلك كله جهاداً في الله, ((فلم تفزعه فيه ظلل الوشيج, ولم يجزعه فيه ارتفاع النشيج؛ مواقف حروب باشرها, وطوائف ضروب عاشرها, وأصناف خصوم لدّ اقتحم معها الغمرات, وواكلها مختلف الثمرات, وقطع جدالها قويّ لسانه, وجلادها شبا سنانه, قام بها وصابرها, بُلي بأصاغرها, وقاسا أكابرها, وأهل بدع قام في دفاعها, وجاهد في حطّ يفاعها, ومخالفة ملل بيّن لها خطأ التأويل, وسقم التعليل, وأسكت طنين الذباب في خياشم رؤوسهم بالأضاليل حتّى ناموا في مراقد الخضوع, وقاموا وأرجلهم تتساقط للوقوع, بأدلة أقطع من السيوف, وأجمع من السجوف, وأجلى من فلق الصّباح, وأجلب من فلق الرّماح: إذا وثبت في وجه خطب تمزّقت على كتفيه الدّرع وانتثر السّرد)) (٢). وقد كان المؤلف ابتدأ جوابه بكتابه الموسوعي العظيم ((العواصم والقواصم)) , ثم اختصره واعتصره في هذا الكتاب, فرتّب

стр. 9

وهذّب, وقدّم وأخّر, وأتى من الحجج بأقواها, ومن اللوازم بما يلزم, ومن الاعتراض بما يُفحم, وزاد مع ذلك كله فوائد وقواعد وفرائد لا وجود لها في ((الأصل)) فأضحى كتاباً برأسه (١). وقد سبق لهذا الكتاب أن طبع طبعات عدة -يأتي التعريف بها- وقد مضى على طبعته الأولى قرابة المئة عام, غير أن تلك الطبعات قد امتلأت بالتحريفات والسقط, مع عدم الوفاء بما تتطلبه مهمة التحقيق من أمور علمية وفنية, فانعقد العزم على تحقيق هذا الكتاب والعناية به, والله أسأل أن يكتب لي أجره إنه خير مسئول. وقدّمت أموراً قبل تحقيقه هي: ١ - ترجمة المؤلف: ((لحفيد أخيه: محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة (٨٩٧هـ))). وصدّرت هذه الترجمة بمقدمة المحت فيها إلى أهمية دراسة شخصية ابن الوزير دراسة موعبة, وما حصل من تقصير في ترجمته من المتقدمين والمتأخرين والمحدّثين. ثم عرّفت بالمؤلّف «صاحب ترجمة ابن الوزير)) وبكتابه. ٢ - دراسة الكتاب, وفيها: -اسم الكتاب. -إثبات نسبته للمؤلّف. -تاريخ تأليفه. -سبب تأليفه.

стр. 10

-موارده. -الثناء على الكتاب, وعكسه. -علاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة والامتياز بينهما. -غرضه منه, ومنهجه فيه. -تنبيهات على أمور لها تعلّق بالمنهج. -طبعات الكتاب. -مخطوطات الكتاب, ونماذج منها. -عملي في الكتاب. ثمّ ألحقت الكتاب بفهارس نظرية وعلمية, وهي: ١ - كشاف الآيات القرآنية. ٢ - كشاف الأحاديث والآثار. ٣ - كشاف الشعر. ٤ - كشاف الكتب الواردة في المتن. ٥ - كشاف الأعلام. ٦ - كشاف موضوعات الكتاب على الفنون. ٧ - كشاف الفوائد واللطائف. ٨ - كشاف المصادر والمراجع. ٩ - كشاف الموضوعات. كتب/ عليّ بن محمد العمران ١٩/ ٣/١٤١٩ في مكة المكرمة -حرسها الله-

стр. 11

أولاً: ترجمة المؤلّف تمهيد إن علماً كإبن الوزير ﵀ لم يستوف حقّه من الدراسة الواعية الشاملة لجوانب حياته وآثاره!! تلك الدراسة القائمة على السّبر والاستقصاء والتتبّع. هذا رغم مالهذا الإمام من أهمية عظمى في التغيّرات الفكرية والعقدية في اليمن, فإنه وقف بقوّة وصلابة أمام الامتداد الزّيدي المعتزليّ, ناقضاً لمبانيه, داحضاً لشبهاته ومباغيه. وتكمن أهميّة دراسة هذه الشخصيّة في جانبين: أولهما: في تلك الثروة العلمية التي خلّفها , حيث جمع بين العلوم النقلية, والعلوم العقلية -وقلّما يجتمعان-!! أما العلوم النقليّة؛ فهذا الفنّ هو الذي أعجز الخصوم, إذ لا عناية بهم به, بل هم من أبعد الفرق عن الاعتناء بعلوم الحديث تدريساً وتصنيفاً (١) , وقد اعترفوا له بذلك. فقد ((حُكي عن السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد الأزرقي أنّه قال: لا يبلغ أحد في زماننا هذا من الاجتهاد ما بلغ إليه السيّد عز الدين محمد بن إبراهيم, وقد أحسنّا كل شيء إلا ما بلغ إليه, فلم نقدر عليه, لتمكّنه من معرفة

стр. 12

الحديث ورجاله, وتبحّره في السمعيات)) (١). وهو كما قال, فقد وصفه بالحفظ جماعة من العلماء واعترفوا له بذلك؛ كالنفيس العلوي (شيخه) , والهادي الوزير, والصنعاني, والشوكاني. والناظر في كتبه (٢) يجده واسع الحفظ (٣) , غزير الإطلاع, فهو يسرد في المسألة الواحدة أزيد من مئتي حديث مستحضراً لتراجم الرواة, وما قيل فيهم, وله اختيارات وترجيحات وعبارات تدلّ على تمكنه من هذا الفنّ, وله كلام على دقائق علوم الاصطلاح, والجرح والتعديل (٤) , وهو بكتب الحافظ الذهبي أشدّ عناية, بل يكاد يستظهرها خصوصاً ((النبلاء)) و ((الميزان)) (٥). أما العلوم العقليّة (٦)؛ فقد بلغ منها الذروة العليا, بل هو جذيلها المحكّك, وعذيقها المرجّب, ((شهد له بذلك جميع أهل الزّمان, من الأقارب والأباعد, والمخالف له في الاعتقاد والمساعد)) (٧). ولا عجب -أيضاً-؛ لأن هذه الفنون هي التي أفنى فيها ابن

стр. 13

الوزير عنفوان شبابه, وزهرة أيّامه, إلا أنه لم يقف منها موقف العاجز المسلّم, بل فحص وحقّق, وبحث ودقّق, حتى اتضحت له مناهج الصوب فسلكها, وانكشفت له سبل الباطل فزيّفها وردّها (١) , وذلك بعد رجوعه إلى الكتاب والسنة, فقد وجد فيهما الشّفاء كلّه: دقّه وجلّه. قال ابن الوزير (٢) ﵀: ((فإني ما زلت مشغوفاً بدرك الحقائق, مشغولاً بطلب المعارف, مؤثراً الطلب لملازمة الأكابر, ومطالعة الدفاتر, والبحث عن حقائق مذاهب المخالفين, والتفتيش عن تلخيص أعذار الغالطين, محسّناً في ذلك للنيّة, متحريّاً فيه لطريق السويّة, متضرّعاً إلى الله تضرّع مضطر محتار, غريق في بحار الأنظار, طريح في مهاوي الأفكار, قد وهبت أيام شبابي ولذّاتي, وزمان اكتسابي ونشاطي, لكدورة علم الكلام والجدال, والنظر في مقالات أهل الضلال, حتى عرفت صحّة قول من قال: لقد طفت في تلك المعالم كلها ... وسيّرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كفّ حائر ... على ذقن أو قارعاً سنّ نادم (٣) وسبب (٤) إيثاري لذلك, وسلوكي تلك المسالك: أنّ أول ما

стр. 14

قرع سمعي, ورسخ في طبعي: وجوب النّظر, والقول بأنّ من قلد في الاعتقاد فقد كفر, فاستغرقت في ذلك حدّة نظري, وباكورة عمري, وما زلت أرى كلّ فرقة من المتكلمين تداوي أقوالاً مريضة, وتقوّي أجنحة مهيضة, فلم أحصل على طائل, وتمثلت بقول القائل: كلٌّ يداوي سقيماً من مقالته ... فمن لنا بصحيح ما به سقم فرجعت إلى كتاب الله, وسنة رسول الله ﷺ , وقلت: لا بدّ أن يكون فيها براهين وردود على مخالفي الإسلام, وتعليم وإرشاد لمن اتبع الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. فتدبّرت ذلك, فوجدت الشّفاء كلّه, دقّه وجلّه, وانشرح صدري, وصلح أمري, وزال ما كنت به مبتلى, وأنشدت متمثلاً: فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر)) ا هـ. وثانيهما: تلك المدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحي الذي اختطه ابن الوزير ﵀ في تلك المنطقة, متمثلاً ذلك المنهج في نخبة من العلماء, لهم مواقف مسطورة, على تفاوت بينهم؛ فمن مقلّ ومستكثر, ومنهم: -القاضي محمد بن محمد بن داود النهمي, رفيق ابن الوزير في الطلب. -الحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن صلاح الجلال ... (١٠٨٤هـ). -محمد بن علي بن قيس (١) (١٠٩٦هـ).

стр. 15

-يحيى بن الحسين بن القاسم (١١٠٠هـ). -صالح بن مهدي المقبلي (١١٠٨هـ). -محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (١١٨٢هـ) , وهو وارث علوم ابن الوزير, وشارح كتبه (١). -محمد بن علي الشوكاني (١٢٥٠هـ). -محمد بن عبد الملك الآنسيّ (١٣١٦هـ). -أحمد بن عبد الله الجنداري (١٣٣٧هـ). -عبد الله بن محمد العيزري (١٣٦٤هـ). -حسين بن أحمد بن قاسم الخوثي (١٣٨٦هـ). ((وإذا كان الإصلاح (الذي اختطه الرائد) يسير ببطء؛ فما هو المتسبّب, وإنما ذلك لطبيعة الزمان والمكان, وضعف المقتضيات, وقوة الموانع, وحسبه أن حرّك الخامد, وزعزع الجامد, وأجال اليد المصلحة)) (٢) ومن نافلة القول أن هذه الدراسات الوصفية لهذه المدارس

стр. 16

الفكرية, لن تؤتي أكلها, ولن تقوم على سوقها, إلا بدراسة مسبقة شاملة عن رائد تلك المدرسة, ولمّا يحصل ذلك -فيما أعلم-. وبعد؛ فلم يحض ابن الوزير ﵀ بالترجمة لا من معاصريه, ولا من بعدهم. أما معاصريه؛ فلم يترجم له أحد منهم في كتبهم المشهورة كالمقريزي (٨٤٥هـ) في ((درر العقود الفريدة)) , فقد ترجم فيه لمعاصريه, ولا الحافظ ابن حجر (٨٥٢هـ) في ((إنباء الغمر)) , وهو على شرطه (١) , ولا العيني في ((عقد الجمان)) , ولا الفاسي (٨٣٢هـ) في ((العقد الثمين)) (٢) , ولا ابن تغري بردي (٨٧٤هـ) في ((المنهل الصافي)). إلا ابن فهد (٨٧١هـ) فقد ترجمه ترجمة موجزة في ((معجمه)) نقل السخاوي في ((الضوء اللامع)): (٦/ ٢٧٢) جلّ ما فيها. ثم ترجم له السخاوي ترجمة موجزة في ((الضوء)) جلّها من ((معجم ابن فهد)) , وهذا يدل على عدم معرفته به, خاصّة أنه وهم فيها عدة أوهام!!. ولذلك قال الشوكاني: ((وكذلك السخاوي لو وقف على (العواصم والقواصم) لرأى فيها ما يملأ عينيه وقلبه, ولطال عنان قلمه في ترجمته, ولكن لعله بلغه الاسم دون المسمّى)). ثم قال: ((ولا ريب أن علماء الطوائف لا يكثرون العناية بأهل هذه الديار لاعتقادهم في الزيدية مالا مقتضى له, إلا مجرد التقليد لمن

стр. 17

لم يطلع على الأحوال, فإن في الديار الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عدداً يجاوز الوصف يتقيدون بالعمل بنصوص الأدلة, ويعتمدون على ما صح في الأمهات الحديثية ... ولا يرفعون إلى التقليد رأساً, لا يشوبون دينهم بشيءٍ من البدع التي لا يخلو أهل مذهب من المذاهب من شيء منها, بل هم على نمط السلف الصالح ... )) (١) ا هـ. أما أهل بلده؛ فقد انتصبوا لعداوته, والطعن فيه, والترسّل عليه, لا لشيء!! إلا لأنه ((ذبّ عن السنة ودفع عن أعراض أكابر العلماء وأفاضل الأمة, وناضل أهل البدع, ونشر علم الحديث, وسائر العلوم الشرعية في أرض لم يألف أهلها ذلك, لا سيما في تلك الأيام)) (٢). وكان قائد تلك الحملة: شيخه جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم (٨٣٧هـ) وهو المردود عليه في هذا الكتاب -كما سيأتي مشروحاً-. قلت: بل بُلي بمن يطعن فيه من أهل بيته (٣)!! ويقول: إنه ممن أضله الله على علم!! وهذا كما قيل: وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً ... على النفس من وقع الحسام المهنّد (٤). ومن أبشع ما وقفت عليه في الكلام على المؤلف ﵀

стр. 18

والتعصب عليه, مافاه به يحيى بن شمس الدين بن أحمد بن يحيى المرتضى (٩٦٥هـ) , فقد ساق القاضي الأكوع في ((هجر العلم)) (١) نقلاً عن هذا الرجل كلاماً شنيعاً مُقذعاً في حق الإمام ابن الوزير ﵀. والشأن ما قاله الشوكاني: ((إن هذه قاعدة مطردة في كلّ عالم يتبحّر في المعارف العلمية, ويفوق أهل عصره, ويدين بالكتاب والسنة, فإنه لا بدّ أن يستنكره المقصّرون, ويقع له معهم محنة بعد محنة, ثمّ يكون أمره الأعلى, وقوله الأوْلى, ويصير له بتك الزلازل لسان صدقٍ في الآخرين, ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره .... )) (٢) اهـ. أمّا من ترجم له من أهل بلده فهم: ١ - تلميذه محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير ... (٨٩٧هـ) في ترجمة مستقلة, وهي التي نشرتها هنا في مقدمة هذا الكتاب. ٢ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الوزير (٩٨٥هـ). في ((تاريخ بني الوزير)) (ق/٣٥ب-٤١ب). ٣ - أحمد بن صالح بن محمد بن علي بن أبي الرجال (١٠٩٢هـ) في ((مطلع البدور ومجمع البحور)) (مخطوط). ٤ - يحيى بن الحسين بن القاسم (١١٠٠هـ) في ((طبقات الزيدية الصغرى)) (مخطوط). ٥ - إبراهيم بن القاسم بن المؤيد (١١٥٣هـ) في ((طبقات الزيدية الكبرى)) (مخطوط).

стр. 19

٦ - الوجيه العطّاب في ((تاريخه)) (١). ٧ - الشوكاني (١٢٥٠هـ) في ((البدر الطالع)) (٢/ ٨١ - ٩٣). وقال: إن ترجمته تحتمل مجلداً. وقد ترجم له ترجمة هائلة, ونعته بعبارات ضخمة, لم يطلقها ولا مثلها على أحد ممن ترجم له في كتابه أجمع. وغير هؤلاء ...... أما المحدثين؛ فقد قدّم حوله عدد من الدراسات العلمية هي: - ((ابن الوزير اليمني ومنهجه الكلامي)) لرزق الحجر, طبع سنة ... (١٤٠٤هـ). - ((إيثار الحق على الخلق)) لابن الوزير, دراسة وتحقيق, الجزء الأول, لأحمد مصطفى حسين صالح, رسالة ماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود عام (١٤٠٣هـ) , وطبعت سنة (١٤٠٥هـ). -الجزء الثاني من ((الإيثار)) , رسالة ماجستير بالجامعة نفسها, لمحمد بن زيد العسكر, عام (١٤٠٨هـ) , ولمّا تطبع. - ((ابن الوزير وآراؤه الاعتقادية)) , رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى, لعلي بن علي الحربي سنة (١٤٠٦هـ) , وطبعت سنة (١٤١٧هـ) في مجلدين. - ((منهج ابن الوزير في الحديث)) رسالة دكتوراه, بالمغرب, لأخي العزيز محمد بن عبد الله باجعمان, ولمّا تناقش بعد. -كما أفرده أحمد العليمي بباب كامل في رسالته للماجستير

стр. 20

((الصنعاني وكتابه توضيح الأفكار)): (ص/١٠٩ - ١٣٨) , لم يقدم فيها جديداً!!. -الإمام ابن الوزير وكتابه العواصم, للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع. ولمّا لم أرد تكرار الجهد, واجترار المعلومات؛ رأيت أن أسهم هنا بنشر ((ترجمة ابن الوزير)) لحفيد أخيه محمد بن عبد الله بن الهادي (٨٩٧هـ). وهذه ترجمته: من كتاب ((هجر العلم ومعاقله في اليمن)): (١/ ٤٥٠ - ٤٥١). هو: ((محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الوزير (١). عالم مبرز في كثير من العلوم, نسّابة شاعر أديب, وكان له خط جميل. وقرأ على عمّ أبيه الإمام المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير. طُلب منه أن يدعو إلى نفسه بالإمامة فوافق في بداية الأمر, ثم أعرض عنها. ذكره البريهي في تاريخه المطوّل, فقال: ((إنه التزم بمذهب الزيدية, وكان وزيراً للإمام الناصر, ثم عزله, وقال: إنه أطلع على قصيدة للفقيه إبراهيم الإخفافي ينتقد فيها مذهب الزيدية, مطلعها: مذهبكم يا أيها الزيدية ... مذهب حق جاء للعدلية قال: ذلك تهكماً, فأجاب عليه محمد بن عبد الله الوزير بقوله: قصيدة فريدة دريّة ... رائعة في الوزن والرويّة وهي (٩٢) بيتاً تعرّض فيها للمذهب الشافعي, فردّ عليه ...

стр. 21

علي بن أبي بكر السّحولي بقصيدة سماها ((الشهب الثاقبة الدامغة للفرقة القدرية الزائغة)) وهي في (٢٦٠) بيتاً؛ مطلعها: * ما بالكم يا معشر الزيدية * ثم قال البريهي: ((وله يد باقعة في علم النحو والأدب والشعر)). توفي بحدّه ليلة السبت المسفرة عن (١٥ شعبان ٨٩٧هـ) , وذكر إبراهيم بن القاسم في ((طبقاته)) أنه توفي بصنعاء وقُبر في جربة الروض. وكان مولده بصعدة سنة (٨١٠هـ) انتهى. أما النسخة الخطية (١): فتقع في (٧) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني (٢). وهي نسخة جيدة ومقابلة, فرغ من نسخها في ذي القعدة سنة ... (١٣٣٦هـ) , وفي نهايتها فائدة عن ابن الوزير لمّا سافر إلى الحج. وقد التزمت الاقتصاد في التعليق على الكتاب, إلا في الكتب, فقد ذكرت كلّ ما فات المؤلف من كتب المترجم له, مع ذكر أماكن وجودها إن وقعت لي. ولا يفوتني أن أنبه إلى أني قد حذفت جميع ما يتعلق بالتعريف بكتاب ((العواصم)) من هذه الترجمة, إذ لا تعلّق له بالترجمة, ولأن الكتاب مطبوع متداول, ولأن القاضي الأكوع قد فرّغ هذا التعريف في تقدمته للعواصم, فأغنى ذلك عن الإعادة, مع طول هذا التعريف فهو من (ق/١ب-٤ب) , والله -سبحانه- أستعين, وبه أستهدي.

стр. 22

ترجمة ابن الوزير ﵀ تأليف محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير ت (٨٩٧هـ)

стр. 23

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربّ عونك الحمد لله الذي أمرنا بحمده, وزادنا من فضله ورفده, وصلاته وسلامه على رسوله وعبده, وعلى آله وصحبه من بعده. أما بعد؛ فإنّه سألني من لاح لي صدقه, وعظم عليّ حقّه من الإخوان المتّقين, ذوي الفضل والإخلاص واليقين: أن أجمع ترجمة مباركة لحيّ الوالد السيّد الإمام عزّ الدين, محيي سنة سيّد المرسلين: محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى- وأضمّنها كلاماً وسيطاً, لا مختصراً ولا بسيطاً (١) , وعلى أساليب تراجم المحدثين, دون أساليب المبتدعين المحدثين؛ فأجبته إلى ذلك بقدر طاقتي وإمكاني, وحسب قدرتي وإحساني (٢) , مستعيناً بالله فأقول: هو شيخنا وإمامنا وبركتنا وقدوتنا: السيّد السّند, الإمام العلامة الرّحلة (٣) الحجّة, السنّي الصّوفي, فريد العصر, ونادرة الدّهر, وخاتمة النّقاد, وحامل لواء الإسناد, وبقيّة أهل الاجتهاد بلا خلاف ولا عناد. كشّاف أصداف الفرائد, قطّاف أزهار الفوائد, فاتح أقفال

стр. 24

اللطائف, مانح أثقال الظرائف (١) , مصيب شواكل المشكلات بنواقد أنظاره, مطبق مفاصل المعضلات بصوارم أفكاره, مضحك كمائم النّكت من نوادره, مفتح نواظر الطّرف من (٢) موارده ومصادره: عزّ الدين, محيي سنّة سيد المرسلين, أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عليّ بن المرتضى بن المفضّل الحسنيّ القاسميّ الهادوي, نسباً على السّماك عالياً, ومذهباً إلى الصواب هادياً. كان رأساً في المعقول والمنقول, وإماماً في علمي الأصول (٣) , وله ردّ على صاحب ((النهاية)) (٤) و ((المحصول)) (٥) في إنكار التحسين والتقبيح العقليّ, لم يسبق إلى مثله, وكذلك الردود على غيره من غلاة المعتزلة في كثير من المسائل التي عادوا فيها السّمع من نصوص كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ , وهي مبسوطة في كتابه الجامع الكبير الموسوم بـ ((العواصم)) فمن أراد الوقوف عليها فليطالعه موفّقاً. [مولده] مولده ﵁ ورحمه- في شهر رجب الأصبّ, من شهور سنة خمس وسبعين وسبع مئة بهجرة الظّهراوين (٦) من شظب,

стр. 25

وهو: جبل عالٍ باليمن. هكذا نقلته من خطّه ﵁ وحفظته من غيره من الأهل (١). [مؤلّفاته, وبعض شعره] وله ﵁ مصنّفات عديدة, ومجموعات مفيدة, منها: كتاب ((العواصم في الذبّ عن سنّة أبي القاسم ﷺ )) , أربعة أجزاء مجلّدة (٢) , اشتمل من الفوائد على مالم يشتمل عليه كتاب, وها أنا أذكر ما تضمّنه كل جزء منها لإرشاد الطّالب لذلك, وتنبيه الرّاغب إليه, أرشدنا الله تعالى لما يحبّ ويرضى (٣) ... ثمّ إنه -رحمه الله تعالى- ختم كتابه (٤) بهذه الأبيات: جمعت كتابتي راجياً لقبوله ... من الله فالمرجو منه قريب رجوت بنصر المصطفى وحديثه ... تكفّر لي يوم الحساب ذنوب ومن يتشفع بالحبيب محمد ... إلى الله في أمرٍ فليس يخيب

стр. 26

فياحافظي علم الحديث لي اشفعوا ... إلى الله فالرب الكريم يجيب لعلّ كتابي أن يكون مذكّراً ... لكم بالدّعا للعبد حين يغيب ولا سيما بعد الممات عسى به ... يبلّ غليل أو يكفّر حوب ولا تغفلوا في أن بليت فودّكم ... وإن بليت منّي العظام قشيب ومهما رأيتم في كتابي قصوره ... فستراً وغفراً فالقصور معيب ولكنّ عذري واضح وهو أنّني ... من الخلق أخطي تارة وأصيب وقد ينثني الصّمصام وهو مجرّد ... وينكسر المرّان وهو صليب ولكنني أرجوه إن حلّ داركم ... حلا منه ورد بالأجاج مشوب يكون أجاجاً دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقّى طيبكم فطيب وقال في الدّعاء إلى السنّة بعد هذه الأبيات المذكورة (١): عليك بأصحاب الحديث الأفاضل ... تجد عندهم كلّ الهدى والفواضل إلى آخرها, وهي معروفة, تركتها اختصاراً. ومنها: فلا تقتدوا إلا بهم وتيمموا ... لهم منهجاً كالقدح ليس بزائل (٢) ألم تر أنّ المصطفى يوم جاءه الـ ... ـوليد بقول الأحوذيّ المجادل وفي هذا البيت إشارة إلى كلام الوليد بن المغيرة, أو عتبة بن ربيعة (٣) لرسول الله ﷺ , حين عرض عليه المال والرّياسة, ويترك

стр. 27

دعوى النبوة, فلم يجب عليه رسول الله ﷺ إلا بتلاوة سورة السجدة (١) , وعلى هذا كان أصحابه ﵃, ومنها: تنكّب منهاج المرا وتلاله ... من السّجدة الآيات ذات الفواصل ولم يجعل القرآن غير مصدّق ... إذا لم تقدمه دروس الأوائل كذا فعل الطيّار يوم خطابه ... لأصحنةٍ (٢) بين الخصوم المقاول (٣) تلا لهم آي الكتاب فأيقنوا ... بها بشهادات الدّموع الهواطل إلى جمل الإسلام صار أولو النّهى ... وعادوا إليها بعد بُعد المراحل أبو حامد (٤) وابن الخطيب (٥) وهكذا ... الإمام الجويني الذي لم يماثل كذا ابن عقيل (٦) وهو أبرع عاقل ... غدا وهو معقول كبعض العقائل

стр. 28

ومنها: عليكم بقول المصطفى فهو عصمة ... من الزّيغ إني لست عنه بعادل سعدت بذبّي عن حماه وحبّه ... كما شقيت بالصّدّ عنه عواذلي فلما وقف صنوه السيد العلامة الهادي بن إبراهيم ﵀ على هذا الكتاب, وعلى هذه الأبيات, تلقّى ذلك بالقبول, وقال مجيباً لأخيه, وما أحسن ما يقول!: وقفت على سمط من الدّر فاضل ... ترقّ له شوقاً قلوب الأفاضل لمتبع منهاج أحمد جدّه ... وحامي حمى أقواله غير ناكل بديع المعاني في بديع نظامه ... وثيق المباني في فنون المسائل إذا لزمت يمناه نصل يراعه ... سجدن له طوعاً جباه المناضل وإن خاض في بحر الكلام تزيّنت ... بجوهره عنق الرّقاب العواطل تبارى وقوم في الجدال فأصبحوا ... وإن لججوا في علمهم في جداول أسمت عيون الفكر في روض قوله ... فأنشدت بيت الأبطحي (١) المواصل أعوذ بربّ النّاس من كلّ طاعنٍ ... علينا بشكّ أو ملحٍ بباطل وثنّيت لمّا أن تصفحت نظمه ... بقول فصيح نابه القول فاضل /يروم أناس يلحقون بشأوه ... وأين الثّريّا من يد المتناول (٢) وثلّثت بالبيت الشهير وإنّه ... لدرّة عقد المفردات الكوامل وقد زادني حبّاً لنفسي أنّني ... بغيض إلى كلّ امريء غير طائل علام افتراق الناس في الدين إنّه ... لأمرٌ جليٌّ ظاهرٌ غير خامل

стр. 29

عليك بما كان النبيّ محمّد ... عليه, ودع ما شئت من قول قائل هو المسلك المرضيّ والمذهب الذي ... عليه مضى خير القرون الأوائل فدن بالذي دان النبيّ وصحبه ... من الدّين واترك غيرهم في بلابل هم الشّامة الغرّا وهم سادة الورى ... وهم بهجة الدّنيا ونور القبائل وأرفع ما تدلي به من فضائل ... على الخلق أدنى مالهم من فواضل إذا أنت لم تسلك مسالك رشدهم ... وتمسك من أقوالهم بالوصائل فقد فاتك الحظّ السنّي ولم تكن ... إلى الحق في نهج السّبيل بواصل رضيت بدين المصطفى ووصيّه (١) هم قادة القادات بعد نبيّهم ... إلى مشرع الحق الرّوي (٢) السلاسل إلى السنة البيضاء والملة التي ... عليها مثار النّقع من كلّ صائل ولكنها عزّت بدعوة أحمد ... وقامت ببرهان من الحق فاصل

стр. 30

مؤيّدة في حربها بملائك ... مشيّدة في أمرها بعواسل عصابة جبريل الأمين جنودها ... يحفّ بها في خيلها في قنابل (١) أقامت مع الرّايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلا أنّها لم تقاتل ولم يعجز الصّدّيق بعد وفاته ... عن الحرب بل شاد الهدى بجحافل وتابعه الفاروق فاشتدّ ركنه ... وسار بهم في الحق سيرة عادل وتمّم ذو النّورين سعياً مباركاً ... وعم جميع المسلمين بنائل وقام بأعباء الخلافة بعدهم ... عليّ فأمسى الدّين راسي الكلاكل عليك بهدي القوم تنج من الرّدى ... وتغلو بهم في الفوز أعلى المنازل وقال بعد هذه الأبيات ما لفظه: كتب هذه الأسطر الفقير إلى رحمة الله ورضوانه: الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى, أرضاه الله بعفوه حامداً لله, ومصلياً على نبيه, ومسلّماً ومرضياً على آله وأصحابه. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان, ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربّنا إنّك رءوف رحيم. فهذا الكلام انسحب عليّ من ذكر ((العواصم)) , وأردت تقييد هاتين القصيدتين في هذا الموضع, لأنّهما غرّتان في القصائد, ودرّتان في منظومات القلائد, ولنرجع إلى تعداد ما عرفت من تصانيفه ﵀ فمنها: * ((ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان)) (٢). كتاب مفيد, انتهى

стр. 31

من البلاغة والغرابة إلى شأوٍ بعيد, وما أحسن قوله فيه (١): منطق الأولياء والأديان ... منطق الأنبياء والقرآن ولأهل اللجاج عند التّمادي ... منطق الأذكياء واليونان فإذا ما جمعت علم الفريقين ... (م) ... فكن مائلاً مع الفرقان وإذا ما اكتفيت يوماً بعلمٍ ... كان علم المحدّث الربّاني إنّ علم الحديث علم رجال ... ورثوا هدي ناسخ الأديان فحصوا عن حديثه ورأوه ... بعيون القلوب رأي العيان جمعوا طرق ما تواتر عنه ... ورأوا بعده صحيح المباني ورووا بعده حسان الأحاديث ... (م) ... ووهّوا ما دون شرط الحسان فانظروا في مصنّف ابن عديّ (٢) ... وكتاب ((التكميل)) (٣) و ((الميزان)) (٤) ...

стр. 32

تعرفوا أنّهم قد ابتغوا الحقّ ... وصحوا من علة الإدهان ومنها: *كتاب ((البرهان القاطع في معرفة الصّانع وجميع ما جاءت به الشّرائع)) (١) , صنّفه في سنة إحدى وثمان مئة. ومنها: * ((تنقيح الأنظار في علوم الآثار)) (٢) وهو كتاب جليل القدر, جمع فيه علوم الحديث, وزاد ما يحتاج إليه طالب الحديث من علم أصول الفقه, وأفاد فيه التعريف لمذهب الزيدية, وهو يغني عن كتاب ((العلوم)) (٣) للحاكم, صنّفه في آخر سنة ثلاث عشرة وثمان مئة. ومنها: *كتاب ((التأديب الملكوتي)) وهو مختصر وفيه عجائب وغرائب. ومنها: *كتاب ((الأمر بالعزلة في آخر الزمان)) (٤).

стр. 33

ومنها: *كتاب ((قبول البشرى في تيسير اليسرى)) (١). ومنها: *كتاب ((نصر الأعيان على شر العميان)). قال فيه ما لفظه: ((وقد ولع بعض أهل الجهل والغرّة بإنشاد الأبيات المنسوبة/ إلى ضرير المعرّة, وهي أحقر من أن تسطر, وأهون من أن تذكر, ولم يشعر هذا المسكين أنّ قائلها أراد بها القدح في الإسلام من الرّأس, وهدم الفروع بهدم الأساس. وليس فيها أثارة من علم فيستفاد بيانها, ولا إشارة إلى شبهة فيوضح بطلانها, وإنما سلك قائلها فيها مسلك سفهاء الفاسقين, والزنادقة المارقين, وما لا يعجز عن مثله الأراذل من ذم الأفاضل, بتقبيح مالهم من الحسنات وتسميتها بالأسماء المستقبحات, تارة ببعض الشبهات, وتارة بمجرّد التهويل في العبارات, كما فعل صاحب الأبيات. وصدّر الكتاب المذكور بهذه الأبيات: ما شأن من لم يدر بالإسلام ... والخوض في متشابه الأحكام لو كنت تدري ما دروا مافاه بالـ ... ـعوراء (٢) فوك ولا صمت صمام ... لكن جمعت إلى عماك تعامياً ... وعمومة فجمعت كلّ ظلام

стр. 34

فاخسأ فما لك بالعلوم دراية ... القول فيها ما تقول حذام ما أذكر العميان للأعيان بل ... ما أذكر الأنعام للأعلام وإذا سخرت بهم فليس بضائر ... أن هرّ كلب في بدور تمام من لم يكن للأنبياء معظّماً ... لم يدر قدر أئمة الإسلام لم تدر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت تحت الموج وهي طوامي وقد أحببت ذكر هذه الأبيات لما فيها من الذّبّ عن أئمة الإسلام ﵃ ولنرجع إلى تعداد مصنفاته: ومنها: *كتاب ((إيثار الحق على الخلق)) (١) , صنّفه سنة سبع وثلاثين وثمان مئة, في معرفة الله, ومعرفة صفاته على مناهج الرّسل والسّلف. رأى -رحمه الله تعالى- بعد فراغه من تسويده: قوله تعالى: ... ﴿فَسَالَتْ أَودِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧]. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩]. ورأى بعد الفراغ من تبييضه: سورة النصر بكمالها, ومن سورة الضحى: ﴿وَأَمَّا بِنِعمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]. ومن سورة يس: ﴿قِيلَ ادخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَومِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٦]. ورأى أنه أعطي فواتح كثيرة من فواتح السور.

стр. 35

وأما الرسائل والردود على المبتدعة من طائفتي المعتزلة والأشعرية؛ فلا يأتي عليها العدّ (١) , ولا يستطاع على ما تضمّنته الردّ!!.

стр. 36

ذكر شيوخه ورحلته في طلب العلم ورسوخه: أما علم الأدب: فصنوه السّيّد جمال الدين الهادي, والقاضي العلامة جمال الدين محمد بن حمزة بن مظفر, وكان المشار إليه في علوم العربية واللغة والتفسير في تلك المدة.

стр. 37

وأما علم الأصول: فالقاضي العلاّمة, ملك العلماء وقاموس الحكماء, عبد الله بن حسن بن عطيّة بن محمد بن المؤيد الدّواري, والفقيه العلاّمة العلم جمال الإسلام والمسلمين علي بن عبد الله بن أبي الخير, وكان المشار إليه, والمتصدر للتدريس بصنعاء اليمن في علمي الأصول. قرأ عليه ((شرح الأصول)) وهو معتمد الزيدية في البلاد اليمنية, و ((الخلاصة)) و ((الغياصة)) و ((تذكرة الشيخ المتكلم ابن متّويه)) وغيرها في علم اللطيف. وسمع عليه ((مختصر المنتهى)) للفقيه النحوي المالكي ابن الحاجب, وطالع كتب آبائه الكرام في هذا الفنّ كـ ((المجزي)) للسيد الإمام الناطق بالحق أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني, و ((صفوة الاختيار)) للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان الحبشي, وغيرهما. وكذلك مؤلفات جدّه السّيد العلاّمة يحيى بن منصور بن العفيف بن المفضل, ومصنفات السيد العلاّمة حميدان بن يحيى القاسمي, ومثل كتاب ((الجامع الكافي)) للسّيد الإمام [أبي] عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني, وكتاب ((الجملة والألفة)) للفقيه الإمام العلاّمة [ ... ] (١) علماء الزيدية وقدماء الشيعة: محمد بن منصور المرادي المتفق على علمه, وفضله (٢). وعرف ما وقع فيه الخلاف بينهم وبين المعتزلة, وجمع في ذلك مختصرات مفيدة,

стр. 38

ومقالات فريدة. وكان زميله ورفيقه في طلب هذين العلمين: القاضي محمد بن داود النهمي نفع الله به, فإنه لزمه وصحبه واقتفا آثاره, واستصوب أنظاره, وأخذ يراجعه في مسائل الكلام وتضعيف ما جاء به المتكلمون, مثل قولهم: إنّه من لم يعرف الله بأدلتهم المبنية على المقدمات المنطقية من عامة المسلمين, فهو كافر!! ومثل ما نصّ عليه شيخهم أبو هاشم وتبعه عليه أصحابه البهاشمة من غير مناكرة ولا مبالاة من قولهم: ما يعلم الله من نفسه إلا/ ما يعلمونه, وهو ردّ لقوله تعالى في سورة طه: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] , بل يقال لهم: ليس الواحد منكم يعلم من نفسه ما يعلم الله منه حتى قيلت فيهم الأشعار, وسارت بالتشنيع عليهم الركبان في الأقطار, فمن ذلك قول بعضهم: يا ضلّة الضالين حيث توهّموا ... ما لا يفوه به التّقي المسلم قالوا إله العرش ليس بعالم ... من ذاته والوصف مالم يعلموا هذي مقالة من هوى في متلف ... وعليه ديجور الغواية مظلم وربما تأوّل بعضهم قول شيخهم: بأنه لا يعلم سبحانه من نفسه إلا بما يعلمونه, بأنه سبحانه يعلم أنه قادر, وأنّا نعلم أنّه قادر, وكذلك سائر الصّفات الواجبة له . ممن ذكر هذا التأويل: القاضي العلاّمة فخر الدين في كتابه الموسوم بـ ((شريدة القنّاص في شرح خلاصة الرّصاص)) , وهو تأويل ضعيف يمجّه السّمع, ولا يسوغ سماعه عند المحققين من أهل النظر والسمع!!. ولو صحّ مثله؛ لصحت تأويلات المبطلين لبواطلهم, وكم لهم

стр. 39

من هذا وأمثاله! ما لو ذكرناه لأحوجنا إلى التطويل, وأخرجنا عن المقصود. فلمّا عرّف القاضي المذكور تضعيف هذه المسائل وأمثالها؛ اعترف بفضله ونبله, واغترف من نمير وبله وطلّه. وقرأ السّيد المذكور كتاب ((مختصر المنتهى)) (١) على السيد العلاّمة جمال الإسلام وواسطة عقد النظام في السّلاة (٢) الكرام: علي بن محمد بن أبي القاسم الهادي, وكان في تلك المدة هو المشار إليه في فنون العلم جميعها, ولما سمع عليه هذا ((المختصر)) بهره ما رآه من صفاء ذهنه, وحسن نظره, وألمعيّته وبلاغته, وفطنته, وبراعته. وكان يطنب في الثناء عليه, ويرشد طلبة العلم إليه, حتى ترسّل السيد جمال الدين إلي السيد عزّ الدين الرّسالة المعروفة (٣) ,

стр. 40

التي نسب إليه فيها القول بالرؤية, وبقدم القرآن, بمخافة أهل البيت ﵈, وبناها على مجرّد التوهمات الواهية, والتخيلات الباردة, ولم يوجب الكلام عليه في ذلك إلاّ العمل بمقتضى مذهب أهل البيت ﵈ ولا فعل شيئاً إلاّ وفيه خلاف بينهم ﵈ ولكنه كان يرى أنّهم إذا اختلفوا, وكان مع أحد الفريقين منهم نصّ نبوي وكان الفريق الآخر محتج بالرأي مصرّحين به أو محتجين بحديث ضعيف عنده؛ رجّح العمل بقول مع عضده النّص النّبوي, ولا أقلّ لرسول الله من أن يكون كلامه مرجحاً فقط, وإنكار هذا من عود الدين غريباً. وقال ﵀ في شأن المتكلمين في ذلك (١): إن كان حبي حديث المصطفى زللاً (٢) ... مني فما الذّنب إلاّ من مصنّفه وإن يكن حبّه ديناً لمعترف ... فذاك ديمي وهمّي في تعرّفه ومذهبي مذهب الحق اليقين فما ... تحوّل الحال إلا من تشوّفه وذاك مذهب أهل البيت إنهم ... نصّوا بتصويب كلّ في تصرّفه نصّوا بتصويب كلّ في الفروع فما ... لوم الذي لام إلاّ من تعسّفه فما قفوت سوى أعلام منهجه ... ولا تلوت سوى آيات مصحفه أمّا الأصول فقولي فيه قولهم ... لا يبتغي القلب حيفاً عن تحنّفه ففي المجازات أمضي نحو معلمه ... وفي المحارات أبقى وسط موقفه وإن سعيت فسعيي حول كعبته ... وإن وقفت ففي وادي معرّفه
следующие страницы →