← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 666–691 · переход к 671.

стр. 666

بالمناظرة العلم بعنادهم فهو معلوم قبلها, إذ لو لم يكونوا معاندين كانوا معذورين غير معذّبين عند الله ولا ملومين, لأنّ التّكليف بما لا يعلم ولا يمكن غير جائز ولا واقع, على ما هو مقرّر في مواضعه, وإن كان قصدكم بالمناظرة تمكينهم من معرفة الله فقد مكّنهم الله تعالى من ذلك وهو غير متّهم في إقامة الحجّة وقطع العذر. وفي ((صحيح البخاري)) (١) مرفوعاً: ((ما أحد أحب إليه العذر من الله, من أجل ذلك أرسل الرّسل)). الوجه الثّاني: أنّ الكفّار متى سألونا الدّليل على ثبوت الإسلام, قلنا لهم: انظروا في ملكوت السّماوات والأرض ومعجزات الأنبياء ونحو ذلك من أدلّة الإسلام على الإنصاف وطلب معرفة الحق, فإنّ نظرنا لأنفسنا لا يولّد العلم لكم (٢) , وذكرنا للأدلّة التي نظرنا في صحّتها لا ينفعكم أيضاً, فإنّ ذكرها لكم من غير أن تنظروا في صحّتها لا يولّد العلم لكم, وعلى الجملة؛ فإيجاد العلم بصحة الإسلام في قلوب الكفّار غير مقدور للمسلمين لا بأدلة الكلام, ولا بأدلّة السّلف. لأنّ وجود العلم متوقف إمّا على نظر الكفّار على الوجه الصّحيح أو على خلق الله تعالى له, وكلاهما غير مقدور لنا, فلم يبق إلا أنا نأمرهم بأن ينظروا فيما نظرنا فيه على مقتضى ما خلق الله في عقولهم السّليمة, ومقتضى ما علّمهم الله على ألسنة أنبيائه الكرام عليهم الصّلاة والسّلام, فبمجموع العقل وبعثة الرّسل تمّت الحجّة عليهم بإجماع

стр. 667

المسلمين بل إجماع العقلاء المنصفين, قال الله تعالى: ((لئلا يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل)) [النساء/١٦٥] وأمثال ذلك, وإذا كانت حجّة الله علينا وعليهم إنّما هي العقل, وبعثة الرّسل, ونحن فيهما على سواء في القدر الذي تقوم به الحجّة, ويحصل معه التّمكّن من الإسلام, لم يجب علينا أن نعرّفهم بأمر قد شاركونا في التّمكّن من معرفته بغير علم منّا. ألم تر أنّه لم يجب على المفتي أن يفتي العامّيّ في حضرة الرّسول, فكذلك لا يجب علينا أن نعرّف الكفّار بمقتضى العقول مع وجود العقول, فإن قال الكافر: إنّي قد نظرت في جميع ما ذكرتم بجهدي فلم أجد شيئاً ممّا ذكرتم يدلّ على الإسلام, فإنا نقطع على أنّه كاذب معاند, مثلما أنّ المتكلّمين يقطعون على ذلك بعد المناظرة, فإنّما علمنا أنّهم معاندون في ذلك -مع أنّه غيب لا سبيل لنا إلى معرفته- لأنّ الله تعالى أخبرنا بذلك حيث يقول: ((قل فلله الحجّة البالغة)) [الأنعام/١٤٩] وغير هذه الآية الكريمة. وبمعنى هذا الجواب جاء القرآن صريحاً, قال الله تعالى: ((إنّ الدّين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب, فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأمّيين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)) [آل عمران/١٩ - ٢٠] فما تركت هذه الآية شيئاً مما ذكرناه والحمد لله. فإن قلت: قد يكون في النّاس من هو بليد لا يستطيع أن ينظر وحده, ولا يعرف الأدلّة إلا بالتّعليم فيجب تعليمه.

стр. 668

والجواب/ من وجوه: الأوّل: لا سبيل على قواعدكم إلى العلم القاطع بوجود من هو كذلك. سلّمنا, فإنّ الله تعالى حين يعلم منه النّظر وطلب الحقّ يلهمه ويمكّنه لا محالة. وسلمنا أنّ الله تعالى لم يمكّنه من ذلك لبلادته, فمن أين أنّه مكلّف بالعلم؟ وما المانع من أنّه غير مكلّف عند من لا يجيز التّقليد في هذه المعارف, ويكون لاحقاً بالصّبيان المميّزين العارفين بالعلوم الضّرورية؟ أو يكون مكلّفاً بالتقليد أو ما يقوم مقامه من الظّنّ عند من يجيز ذلك, كأبي القاسم الكعبي من المعتزلة, والمؤيّد من الزّيدية, وغير واحد من أهل السّنة. الوجه الثّاني: أن نقول: قد يكون في النّاس من لا يفهم الأدلّة المحقّقة بالتعليم -أيضاً- لشدّة بلادته, فما أجبتم به (١) فهو جوابنا. فإن قلتم: الأدلّة تمنع وجود مثل هذا, فإن وجد فغير مكلّف, قلنا: ونحن نقول بمثل هذا فيمن لا يتمكّن من معرفة الإسلام بمجرّد خلق العقل وبعثة الرّسل. الوجه الثّالث: أنّ الذي يعرفه أهل الجهل من المسلمين يكفي أهل البلادة من الكفّار, فإنّه لا يطالب بالأدلّة الدّقيقة -التي لا يعرفها إلا علماء الكلام- إلا أهل الذّكاء من الكفّار, وأهل الذّكاء منهم قد تمّت عليهم الحجّة ومكّنهم الله من المعرفة, ولا يجب علينا تعريفهم بما هم ممكّنون من معرفته من غير تعريفنا كما تقدّم.

стр. 669

الوجه الثالث: من (الأصل) (١) أنّ (٢) كلّ مسلم يبذل جهده في دعاء الكفّار إلى الله تعالى بالدّليل والموعظة, على قدر قوّة عقله وبلاغة منطقه, من متكلّم أو محدّث أو عامّيّ, ولا يجب تعلّم الكلام لذلك, فليس كلّ من قرأ الكلام تمكّن من تمييل القلوب المصرّة على الكفر إلى الإسلام, وإنّما يتمكّن من ذلك من أهل الكلام من آتاه الله تعالى صفاء الذّهن, وحسن الفهم, والبراعة في تعليم غوامض العلم, وأهل هذه الصّفة العزيزة قليل من المتكلّمين وغير محتاجين إلى تعلم الكلام, بل في فطرهم ما يكفيهم, كما كان الذين ابتكروا علم الكلام وسبقوا إليه. الوجه الرابع: سلّمنا أنّه من عرف علم الكلام تمكّن من محاجّة الكفّار وإفحامهم دون غيره, ولكن ذلك لا يجب ولا يستحب, أمّا أنّه لا يجب فلعدم ما يدلّ على وجوبه, وأمّا أنّه لا يستحب فلما يخاف من المضرّة الحاصلة بمعرفته كما تقدّم تحقيق ذلك في (الوهم الثّاني عشر) (٣). فإن قيل: قد ورد في السّمع ما يدلّ على وجوب البيان على العلماء؛ فالجواب من وجوه: الوجه الأوّل: أنّ المراد بذلك بيان ما لم يبيّنه الله تعالى للعامّة إلا بواسطة علماء الشّريعة, من أحكام الفروع وأركان الشّريعة, وأمّا العلوم العقلية التي ساوى الله تعالى بين الجميع فيها فلا يجب

стр. 670

تعليمها لأنّ ما لم يتعلّق بالإسلام من ذلك لم (١) يجب إجماعاً, وما يتعلّق بالإسلام منه فقد بينه الله تعالى, وما بينه الله لم تجب إعادة البيان, ألا ترى أنّ ما بيّنه بعض العلماء لم تجب إعادة بيانه, مع أنّه ربما ظنّ أنّه قد بيّن للخصم ولم يتبيّن للخصم صحّة ما ذكره, فأولى وأحرى أن لا تجب إعادة بيان ما بينه الله تعالى, لأنّه يعلم البواطن ويعلم أنّه قد أقام الحجّة, وقد أعلمنا بذلك فعلمنا بخبره لنا قيام الحجّة على الكفّار, وكان ذلك أتمّ من مناظرتنا لهم, غاية ما في الأمر أنّ هذا تخصيص للعمومات الموجبة لتعلّم (٢) الجاهل, فهو تخصيص صحيح لأنّه تخصيص بالعقل, وتخصيص العموم جائز عند جماهير (٣) العلماء بالقياس الظّنّي, كيف بالدّليل العقلي!. الوجه الثّاني: أنّا نخصّص تلك العمومات بفعل رسول الله ﷺ , فإنّه ﵇ لم يشتغل ببيان كيفية النّظر وتعليم العقلاء ذلك, بل دعا النّاس إلى الإسلام, وقاتلهم عليه وبلّغ ما أوحي إليه, والعلماء ليسوا أبلغ من الأنبياء, وقال تعالى في حقّ الأنبياء: ((وما علينا/إلا البلاغ المبين)) [يس/١٧] كذلك العلماء فإنّما هم ورثة الأنبياء, وأهل السّنة قد قاموا بحقّ الوراثة للعلم النّبوي, وقد علمنا أنّ رسول الله ﷺ لم يأمرنا بالمناظرة قبل قتال الكفّار, وإنّما أمرنا بالدّعاء قبل القتال حتّى اشتهرت الدّعوة النبوية وقاتل ﵇ قبل الدّعوة. ومن المعلوم أنّ الكفّار لو اعتذروا بالشّبه وجاءوا بفيلسوف

стр. 671

يجادل عنهم, وطلبوا من النّبي ﷺ ترك الجهاد حتّى يتعلّموا أدلّة علم الكلام، ويجيب النّبي ﷺ على (١) جميع شُبه الفلاسفة القادحة في العلم حتّى يؤمنوا على يقين، ما عذرهم النّبي ﷺ في الكفر يوماً واحداً، وكيف يمهلهم ويترك جهادهم حتّى يتعلّموا ذلك! وتعلّم ذلك على الوجه المرضيّ لم يحصل لأهل الّدربة في النّظر إلا في مدّة طويلة، وإذا جازت المهلة في مدّة النّظر حتّى يحصل للنّاظر العلم بما ذكره المعتزلة، وجب الرّجوع في معرفة مدّة المهلة إلى النّاظر، لأنّ النّاس يختلفون في سُرعة حصول العلم بالنّظر على حسب فطنهم، ومعرفة ذلك بالوحي بعد انقطاعه غير ممكنة، فلزم الخصم أمهال من اعتذر بذلك حتّى يقرّ بحصول العلم له وأنّه معاند، أو الرّجوع إلى ما بدأ به أهل الحديث من الدّعاء والجهاد والاكتفاء ببيان الله تعالى. الوجه الخامس: أنّها وردت نصوص تقتضي العلم أو الظّنّ أنّ الخوض في الكلام على وجه التحكيم للأدلّة العقلية في المحارات الخفيّة، وتقديمها على النّصوص السّمعية مضرّة عظيمة، ودفع المضرّة المظنونة واجب عقلاً بإجماع الخصوم ودليل المعقول. فإن قالوا: وفي ترك علم الكلام خوف مضرّة أيضاً. فالجواب: أنّ تسمية المرجوح خوفاً غيرُ مسلّم، وإلاّ لسُمّينا خائفين لسقوط الأبنية القائمة الصّحيحة علينا. وسلّمنا أنه يسمّى خوفاً. لكن دفع المضرّة الموهومة أو المجوّزة لا يجب، لا سيما إذا لم يندفع إلا بارتكاب ما فيه مضرّة

стр. 672

مظنونة فإنّ ذلك قبيح بالضّرورة مع تساوي المضرّتين أو احتمال تساويهما. الوجه السّادس: من قبيل المعارضة لبعض المتكلّمين، وذلك أنّ في المتكلّمين من المعتزلة طائفتين عظيمتين لا توجبان النّظر: أحدهما: من يُجيز التقليد في أصول الدّين مثل شيخ البغدادية أبي القاسم الكعبى وأتباعه، وإمام الزّيدية المؤيّد بالله وأتباعه. ثانيهما: من يقول: بأنّ المعارف ضرورية من المعتزلة وعلماء الزّيدية، والمعتزلة مطبقون على تعظيم هاتين الطّائفتين منهم، وإن قطعوا ببطلان ماقالاه فنقول لهم: جواب المحدّثين على أهل الفلسفة والكفر مثل جواب هاتين الطّائفتين وقد قال بهما جلّة من شيوخهم (١) النظّار المتحذلقين (٢) الكبار، فلا تسرفوا في التشنيع على أهل الأثر، فقد شاركهم في ذلك جماعة من أهل (٣) النّظر. ويتعلّق بهذا بحثٌ وجوابه تركتهما اختصاراً. وأمّا المسألة الثّانية: وهي قولهم: ما يصنع المحدّثون/ عند ورود الشّبه الدّقيقة من الفلاسفة وغيرهم، وذكرهم لحكاية ملك الرّوم، وإرساله إلى الرّشيد يطلب المناظرة، وإنّ الرشيد أمر بمحدّث فسألوه عن الدّليل على ثبوت الصّانع فاحتجّ عليهم بقول النّبي ﷺ : ((بني الإسلام على خمس دعائم)) (٤) الحديث فكتبوا إلى الرّشيد في

стр. 673

ذلك وطلبوا غيره، فأرسل بمتكلّم فدسوا عليه من فهّمه (١) في طريقه فوجدوه كما يحذرون، فسمّوه قبل الوصول إليهم. والجواب على ذلك من وجهين: الوجه الأوّل: معارضة وهي أن نقول: أخبرنا ما كان يصنع الصّحابة والتابعون ومن أجاز التقليد في الأصول من المتكلّمين وأهل المعارف الضّرورية منهم، وأوّل من ابتكر علم الكلام، فإنّه لا يمكن من لا يعرف الكلام أن يصنع مثلهم (٢)؟ فإن قالوا: إنّه كان في الصّحابة وكّل من ذكرتم من يتمكّن من ذلك من غير تعليم ولا رياضة في الكلام لفرط ذكائه، قلنا: ما المانع أن يكون في كّل عصر من هو كذلك مثل أوائل مشايخ الكلام، بل أوائل أهل الفلسفة والبراهمة، بل الذي يتمكّن من حلّ الشّبه من أهل الكلام وهو من خصّه الله تعالى بالذكاء والفطنة، وليس كل من قرأ الكلام صلح للذّبّ عن الدّين ومناظرة الملحدين، وإذا كانت الصّلاحية لذلك لذلك موقوفة على الذّكاء وحسن الإيراد والإصدار، فذلك موجود في المتكلّمين وغيرهم كما أقرّ المتكلّمون أنه كان في الصّحابة من يعرف ذلك ويتمكن منه من غير رياضة في تعلّم الكلام، وإذا اتفق لبعض أهل الحديث البلداء مالا يخفى على الأذكياء ضعفه، فذلك (٣) قد يتّفق لبعض أهل الكلام من الاختيارات الرّكيكة مالا يخفى الأذكياء ضعفه كما قدّمنا في

стр. 674

(الوهم الثّاني عشر) (١). الوجه الثّاني: أن أصولكم تقتضي عدم الخوف من ذلك، لأنّ عندكم أنّ النّظر واجب على العبد، والبيان واللّطف واجبان على الله تعالى، فنقول: لا حاجة على هذا إلى تعلّم الكلام بل نقف حتّى ترد الشّبهة، فإن لم تقدح في أحد أركان الدّليل لم توجب شكّا ولا تستحق جواباً، وإن قدحت فعلنا ما يجب علينا وهو النّظر عند المعتزلة، والله تعالى يفعل عندهم ما يجب في حكمته وهو البيان لنا والهداية واللطف المطلع على أسباب الدّراية، ومع ذلك تجلّى لنا المشكلات، ونسلم من مداحض الشّبهات. فإن قيل: فهل تقولون بقبح النّظر؟ فقد أبطلتم كلّ النّظر ببعض النّظر، لأنّ أدلّتكم هذه نظرية وهذا متناقض. والجواب أنّا لا نقبّح النّظر، وكيف وقد أمر الله تعالى به! ونحن إنّما دفاعنا عن الكتاب والسّنة، ولكنّا نبطلُ مبتدع النّظر بمسنونه، فنبطل من الأنظار ما أدّى إلى القدح على الصّحابة ﵁ وإلى تفكير المسلمين، وإلى القطع في صفات الله تعالى بغير تقدير ولا هدى ولا كتاب منير، وقد بيّنّا في (الوهم الثّاني عشر) (٢) أنّ الذي يبطله أهل السّنة من النّظر نوعان: أحدهما: ما كان متوقفاً على المراء واللّجاج الذي لا يفيد اليقين، ويثير الشّرّ.

стр. 675

وثانيهما: الانتصار للحقّ بالخوض في أمور يستلزم الخوض فيها الشكوك والحيرة والبدعة لما في تلك الأمور من الكلام بغير علم في محار العقول ومواقفها، وقد أوضحت ذلك في (الوهم الثاني عشر) وذكرت أقوال فحول المتكلّمين فيه واعترافهم بذلك فخذه من هنالك، فقد أبطل أهل الحديث بعض النّظر ببعضه كما فعل أهل الكلام في إبطال أنظار خصومهم بأنظارهم، وهذا صحيح عند/ الجميع. وأمّا الحكاية الني شنّع بها أهل الكلام على المحدّثين من إرسال ملك الرّوم إلى هارون الرّشيد وطلب المناظرة وعجز المحدّث عنها وسخرية أولئك الفلاسفة به فقد كثر الكلام في التبجّح بذلك وبحكاية أخرى تشبهها. والجوابُ عليهم في ذلك: أنّهم إن أرادوا الاستدلال على أنّهم أجدل من المحدّثين، فذلك مسلّم لهم، بل مسلّم لهم أنهم أجدل من رسول الله ﷺ ، وإن أرادوا بذلك أنّهم أعلم بالله وأفضل عند الله فليس ذلك يدلّ على هذا، لأنّا نعلم وكلّ عارف أنّه لم يصدر شيء من الكلام ومجادلة الفلاسفة من رسول الله ﷺ ولا من جميع أصحابه ﵁ ولا اشتغلوا بممارستهم لمماراة أهل اللجاج، وارتياضهم على النّظر في شبه أهل الباطل، وليس يلزم من ذلك أنّهم أقلّ معرفة بالله، ولا أقل نصرة لدين الله, ولو أحبوا الخوض في الكلام واشتغلوا بتعلمه وتعليمه لبلغوا فيه ما أرادوا، وعرفوا ما عرف المتكلّمون وزادوا، وكذلك من اقتدى بهم من أهل السّنة وسائر من اشتغل بالعبادة أو الجهاد، ولكنّهم أعرضوا عن هذا الفنّ إعراض مستغن عنه فارغ

стр. 676

القلب (١) منه، لا يعرفون له مراساً ولا رفعوا إليه رأساً. وقد عرضت لرسول الله ﷺ أسباب تقتضي الخوض في ذلك، كذلك أصحابه ﵃ فلم يخض أحد منهم في ذلك على أساليب أهل الكلام، وقد كان رسول ﷺ أعلم بالله وأحب للدعاء بالحكمة (٢) إلى الله، فأعرض عمن خاض بالباطل في آيات الله ولم يزدهم على تبليغ آيات الله. كما فعل مع ابن الزّبعرى فإنّه لما نزل قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصبُ جهنّم) [الأنبياء/٩٨] تعرّض المخذول للجدال وزعم أنّ المسيح والملائكة-﵈ ممن يعبدون وأنه يلزم من ذلك أنّهم معذّبون، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ولم يجب عليه بشيء حتّى نزل قوله تعالى: (إنّ الذين سبقت لهم مّنّا الحسنى أولئك عنها مبعدون). وكذلك أبو سفيان فإنّ رسول الله ﷺ أمره أن يشهد له بالنّبوّة فقال: أمّا هذه ففي النّفس منها شيء حتّى الآن، فسكت عنه رسول الله ﷺ وأراد أن يضرب عنقه فشهد الشّهادتين. وكذلك الوليد بن المغيرة فإنّه كلّم رسول الله ﷺ في ترك النّبوّة، وعرض عليه المال والرّياسة، فلم يجب عليه إلا بتلاوة سورة السّجدة، وكذلك نصارى نجران الذين نزلت فيهم آية المباهلة تعرّضوا لمباهلته ... -عليه (٣) الصلاة والسلام- في أنّ عيسى ابن الله، تعالى الله

стр. 677

عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيراً، فلم يخض معهم في شيء من أساليب المتكلّمين ودعاهم إلى المباهلة كما ذلك معروف في مواضعه، وهذه الأمور وإن نقل بعضها أو كلّها آحاد فمعناها في الجملة معلوم بالضّرورة لمن طالع السّير والأخبار، وكذلك أصحابه ﵃ ألا ترى إلى قصّة جعفر بن أبي طالب، ومهاجرة الحبشة مع النّجاشي، وما راجعه به خطيبهم جعفر بن أبي طالب ﵁ حين قيل للنجاشي: إنّهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً، وكانت النّصارى يعبدون عيسى، ويستعظمون القول بأنه عبدً من عبيد الله، فلمّا سألهم النّجاشي عن ذلك؟ أجابوا بكلام الله تعالى واحتجّوا به على صحّة عقيدتهم، وتلا جعفر على النجاشي صدر سورة مريم، حتّى بكى النّجاشي وأصحابه، وكان ذلك سبب إسلام النّجاشي، وكلّ هذه المحاجّات التي أشرنا إليها لا تصحّ على قواعد المتكلّمين، ولا تنفق في سوق الجدليين، فإنّه لا يصح عندهم الاحتجاج بالقرآن ولا بالمعجز إلاّ على من قد صحّ له وجود الباري تعالى، وأنّه عالم قادر، عدل حكيم صادق، بالأدلّة المحقّقة في علم الكلام، على ماذلك مقرّرً بأدلته في مصنّفاتهم. والعجب من تشنيعهم على المحدّث الذي أرسله هارون إلى الرّوم فبلغهم ما عنده من دعوة رسول الله ﷺ ، وليت شعري ما الذي أنكروه من ذلك؟ فإن كان المنكر عندهم هو تبليغ كلام رسول الله ﷺ ، فلا نكارة في هذا، فقد كان رسول الله ﷺ /يبلّغ عن الله تعالى من غير زيادة استدلال ولا تجديد احتجاج، وإن كان المنكر عندهم كونهم طلبوا منه الحجّة العقلية فلم يأت وعدل إلى ذكر أركان الإسلام، فغير

стр. 678

مستنكر أيضاً، فقد أمر الله رسوله ﷺ بمثل ذلك فقال تعالى: (فإن حآجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعن) [آل عمران/٢٠] وأما قولهم: كيف يحتج على الخصوم بقول رسول الله ﷺ ولم يسلّموا له صحة نبوته؟ فذلك جهل منهم، فإنه يصح الاحتجاج بذلك لأنّ الله تعالى قد أقام عليهم الحجّة بذلك وإن جحدوه كما قال تعالى: ((وما اختلف الذّين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم)) [آل عمران/١٩] وقال: ((وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)) [آل عمران/٢٠] وقد ثبت في فعل رسول الله ﷺ المعلوم في الجملة ما يردّ عليهم, فإنّه ﷺ أرسل إلى هرقل عظيم الرّوم من كان في صفة المحدّث الذي أرسله هارون وهو دحية بن خليفة الكلبي ولم يعلمه ما يجيب به عليهم إن أوردوا عليه ما يدقّ من شبههم, فإنّهم اليونان أهل الفنّ المنطقيّ وسائر الدّقائق النّظرية, وكذلك سائر رسله ﵇ فإنّه بعث إلى النجاشي صاحب الحبشة, وإلى المقوقس صاحب الإسكندرية, وبعث أبا عبيدة إلى البحرين يعلّمهم الإسلام, وبعث عليّاً ومعاذاً وأبا موسى إلى اليمن, وبعث إلى سائر الملوك, وكذلك كتب رسول الله ﷺ التي أنفذها إلى الآفاق البعيدة للدّعاء إلى الإسلام لم يضمّنها شيئاً من ذلك مع أنّه موضعه, مثل كتابه (١) إلى خرقل, وإلى كسرى, وإلى جهينة. وبالجملة؛ فالعلم حاصل بأنّ أهل الحديث أشبه برسول الله ﷺ وأصحابه من أهل الكلام في أمر العقيدة والرّجوع إلى القرآن والسّنّة,

стр. 679

لا يشكّ في ذلك إلا من قصرت معرفته بالأحوال النّبوية والآثار الصّحابية. فإن قيل: أليس قد أمر الله رسوله ﷺ بالجدال في قوله تعالى: ((وجادلهم بالتي هي أحسن)) [النحل/١٢٥] فالجواب من وجهين: أحدهما: أنّ الله تعالى قيّد ذلك بالتي هي أحسن, ولم يأمره بمطلق الجدال والنزاع, إنّما هو في كيفية ذلك وتفسير التي هي أحسن. وحجّة المحدّثين فيه واضحة, وذلك أنّ رسول الله ﷺ قد امتثل ما أمر به من الجدال في هذه الآية, ومع ذلك فلم ينقل عنه أنّه جادل بأساليب المتكلّمين وهذا واضح, وكذلك جميع ما أخبر الله تعالى به عن الأنبياء ... ﵈ من مجادلة الكفّار والاحتجاج عليهم, فإنّه لا يعجز عن مثله محدّث ولا يطابق أساليب أهل الكلام, مثل ما حكى الله تعالى عن خليله إبراهيم ﵇ في قوله للذي حاجّه في الله تعالى: ((فإنّ الله يأتي بالشّمس من المشرق فأت بها من المغرب)) [البقرة/٢٥٨] ومثل ما علم الله رسوله ﷺ أن يحاجّهم به في قوله تعالى: ((قل إنّما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكّروا ما بصاحبكم من جنّة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد, قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كلّ شيء شهيد)) [سبأ/٤٦ - ٤٧]. ومثل ما ثبت عنه ﷺ من ذلك؛ ففي ((الصّحيحين)) (١) من حديث

стр. 680

ابن عباس ((لما نزلت: ((وأنذر عشيرتك الأقربين)) صعد ﷺ على الصّفا فجعل ينادي: ((يا بني فهر! يا بني عديّ!)) -لبطون قريش- حتّى اجتمعوا فقال: ((أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم كنتم مصدّقيّ؟)) قالوا: نعم, ما جرّبنا عليك إلا صدقاً, قال: ((فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد)). وفي ((الصّحيحين)) (١) عن أبي موسى عن النّبي ﷺ :/ ((إنّما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إنّي (٢) رأيت الجيش بعينيّ, وإنّي أنا النّذير العُريان [فالنّجاء] , فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم (٣) , وكذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم وصبّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم)) الحديث, وأمثال ذلك مما في القرآن والحديث الصّحيح معلوم, فالسّني يفهم مثل هذا ويهتدي إلى الاحتجاج به على قدر فهمه وذكائه, وفهم مثل هذا لا يحتاج إلى خوض في لطيف الكلام, وأهل البلادة من أهل الكلام

стр. 681

وأهل السّنة لا يكادون يفهمون ما دقّ من السّمع والعقل, ولهم من الفهم ما تقوم عليهم به الحجّة ويلزمهم معه التّكليف, وقد ذكر الله تعالى في سورة هود في محاجّة الأنبياء وجدالهم, ما معرفته مغن (١) عن ذكره, وكذا ذكر محاجّة إبراهيم لقومه, ومحاجّة يوسف لصاحبي السّجن, ونحو ذلك مما يطول ذكره. الوجه الثّاني: أنّ الله تعالى أجمل كيفية الجدال بالتي هي أحسن في تلك الآية وببيّنه في غيرها بتعليمه في القرآن العظيم لنبيه ﷺ فقال تعالى: ((إنّ الدّين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإنّ الله سريع الحساب, فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعن وقل للّذين أوتوا الكتاب والأمّيين ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)) [آل عمران/١٩ - ٢٠] فهذه الآية الكريمة على ما يتمنّاه السّني في وضوح الدّلالة على المقصود في هذا الباب, من النّصّ الصّريح على أنّ ما ذهبوا إليه وأجابوا به أهل اللّجاج في الدّين, هو الذي أمر الله به رسوله ﷺ من الاقتصار على مجرّد الدّعاء إلى الإسلام, والاتّكال في إيضاح الحجّة على ما قد فعله الله تعالى لهم من خلق العقول, وبعثة الرّسول, وإنزال الآيات, وظهور (٢) المعجزات وتكثير موادّ البيّنات, كما قال في تمثيل نور هدايته للخلق إلى معرفة الحقّ: ((الله نور السّماوات والأرض مثل نوره

стр. 682

كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزّجاجة كأنها كوكب درّيّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم)) [النور/٣٥] فمن ادّعى عدم بيان أدلّة الإسلام بعد هذا لم يقبل منه ولا يلتفت إليه, وقد نصّ الله على ما يكذّب القائل لذلك في قوله تعالى في الآية المتقدّمة: ((وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم)) [آل عمران/١٩] في العلم ببواطنهم, وما أقام عليهم من الحجّة حتّى استوجبوا العقوبة والغضب من الله تعالى, فأمّا الخوض مع أهل المراء واللّجاج, والطّمع في هدايتهم بالجدال والحجاج, فذلك ما لا يطمع فيه بصير, ولا جاء به كتاب منير, وكيف تطمع في أهل الزّيغ وقد حكى الله تعالى عنهم (١) أنّهم جادلوه يوم القيامة (٢) وأنكروا ما صنعوا من معاصيه -سبحانه- حتّى شهدت عليهم أيديهم وأرجلهم, وبعد أن شهدت عليهم لم يكل حدّ حجاجهم ولا خمد شواظ جدالهم, بل قالوا لأعضائهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كلّ شيء. فمن بلغ في اللّجاج إلى هذا الحدّ, كيف يطمع السّنّي أو الجدلي أن يفحمه بالدّليل ويهديه إلى/ سواء السّبيل؟! هيهات أن يكون ذلك أبداً, وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً!.

стр. 683

وقد تأوّل هذه الآية المصرحة بجدال الكفّار يوم القيامة بعض أهل الكلام فلم يأت بما يساوي سماعه, والله الذي خلق الخلق هو أعلم منهم بطباعهم وهو الذي أخبر عنهم بذلك وبأنّهم لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه, والحكيم من اكتفى بحكمة الله وبيانه في حقّ هؤلاء الذين لا يعرف طباعهم سواه ولا يعلم غلاظهم غيره, ولهذا وعد الله تعالى بالفصل بينهم يوم القيامة وسمّاه يوم الفصل, فأي جدليّ مغفّل يظنّ أنّه يفصل بجدله بين الخلق قبل يوم القيامة؟ والحكيم الخبير قد أنبأنا من عتوّهم وإصرارهم على الباطل بما لم نكن نعرفه إلا بتعريفه (١) فقال: ((ولو فتحنا عليهم باباً من السّماء فظلّوا فيه يعرجون, لقالوا إنّما سكّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون)) [الحجر/١٤] وقال : ((ولو أننا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشرنا عليهم كلّ شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله)) [الأنعام/١١١] فكيف تنفع المناظرة من لم تنفعه مثل (٢) هذه الآيات الباهرة, وإنّما الحكمة أن يوكلوا إلى الذي قال في بيان القدرة على هدايتهم بما هو أعظم من تلك الآيات من ألطافه التي ليسوا لها أهلا: ((ولو شئنا لآتينا كلّ نفس هداها)) [السجدة/١٣]: ((ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعاً)) [يونس/٩٩] وقال تعالى في بيان علمه ببواطنهم, وحكمته في ترك هداية غواتهم (٣): ((ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهعم معرضون)) [الأنفال/٢٣] وقال

стр. 684

تعالى في إقامة الحجّة عليهم بخلق العقول وبعثة الرّسول: ((وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)) [فصلت/١٧] وقال تعالى: ((وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً)) [الإسراء/١٥] وقال تعالى: ((لئلا يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل)) [النساء/١٦٥]. فهذه الآيات الكريمة وأمثالها تعرّف السّنّي قيام حجّة الله تعالى على الخلق في إيضاح سبيل الحقّ, فيدعوهم إلى الله تعالى مقتدياً برسله الكرام -عليهم أفضل الصّلاة والسّلام- مكتفياً من البيان بما في القرآن, مقتصراً في الفرق بين الحقّ والباطل بالفرقان, يستصبح بنوره في ظلم الحيرات, ويمتثل مطاع أمره في: ((فاستبقوا الخيرات)) [البقرة/١٤٨] ولا يتعدّى حدود نصحه في الإعراض عن الجاهلين والمجانبة للخائضين في آيات ربّ العالمين. إخواني! فلا يستخفّنكم الذين لا يوقنون, ولا يستهوينّكم الذين يسمّون المؤمنين بالسّفهاء ألا إنّهم هم السّفهاء ولكن لا يعلمون, ولا يطيشنّ (١) وقاركم الذين يسخرون منكم, سخر الله منهم ولهم عذاب أليم, فقد استهزأوا قبلكم بجميع الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين, وقد حكى الله عنهم أنّهم: ((كانوا من الذين آمنوا يضحكون, وإذا مرّوا بهم يتغامزون, وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين, وإذا رأوهم قالوا إنّ هؤلاء لضآلّون)) [المطففين/٢٩ - ٣٢] فتأسّوا رحمكم الله بمن تقدّم من المؤمنين في الإعراض عن المستهزئين: ((الله يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون, أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت

стр. 685

تجارتهم وما كانوا مهتدين)) [البقرة/١٥ - ١٦] وعليكم بالقرآن فإنّه الطّبيب الآسي, والكريم المواسي, ارتعوا في رياض ((حواميمه)) وانتفعوا ببيان ((طواسيمه)) , اقتدوا بأنوار مصابيحه, واستسقوا بأنواء مجاديحه/ فإنّه المعجز الذي لا تتناوله طاقات العباد, والحجّة البالغة على أهل العناد, والجديد الذي لا يخلق على طول التّرداد, ولا يبلى على مرور الآباد, قرآن بلي قشيب الزّمان وإعجازه جديد, وهرم شباب الأيام ورونقه إلى مزيد, قد خالف (١) المعجزات باستحالة السّحر في حقّه, وسطوع نور الحقّ من مشكاة بلاغته وصدقه, وذلك لأنّ إعجازه في أمور كثيرة, ووجوه حججه (٢) منيره: منها: حسن تركيبه وإحكام ترصيفه, ومطابقة أفانينه للطيف حالتي القبض والبسط, وموافقة أساليبه لدقيق شأني القطع والرّبط, فوعيده يبكي العيون, ويستحلب الشّؤون (٣) , وتقشعرّ له الجلود, ويقطع نياط القلوب ويمنع الهجود, ووعده يثير النّشاط ويبعث داعية الانبساط, وأقاصيصه تثبّت الإيمان في القلوب, وتجلي عنها غياهب الكروب, وتزيد في الإيمان وتهدي إلى الإحسان, وهذا لا يستطيعه السّحرة والمشعوذون, إنّهم عن السّمع لمعزولون, ولو كان ذلك من المجوّزات لجوّز مثل ذلك على جميع الأشعار المدوّنات, ولكنّا إذا سمعنا كلاماً بليغاً ونظاماً بديعاً, قد وشيت بعلوم البيان بردته, وحكيت في أفانين المعاني لحمته, وقمعت بطرائف الأمثال أساليبه,

стр. 686

وطرّزت بمطابقة الأحوال أفانينه. جوّزنا أنّه من طمطمة العجوم, وهمهمة علوم الرّوم!! ومتى سمعنا رطن الأعاجم وأصوات البهائم جوّزنا أنّها من رسائل البديع المضمّنة لعلوم البديع! ولو كانت الفصاحة من مقدورات السّحرة, وحيل حذّاقهم المهرة لقدروا بذلك على معارضة القرآن, فكيف وقد عجزوا عن يسير البيان! فأكثرهم لا يعرف وزن بيت من أيّ الأوزان, ولا يدري كيف الجولان في هذا الميدان! فانظروا في هذه المعجزة العظيمة الباقية على مرّ الدّهور الطويلة, التي أخرست مهرة الكلام من العرب وأسكنتهم وأردت فرسان البلاغة (١) فنكستهم, أظهر الله به عجزهم, وأبطل به عزاهم وعزّهم, وقد مرّ اليوم نيّف على ثمان مئة سنة من الهجرة النّبوية على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام ولم يقدر على معارضته إنسان, ولا نطق بمثل سوره لسان, على أنّ هذه المدّة الطّويلة مرّت على سحرة الكتابة والخطابة, ومهرة اليراعة والبراعة, أساة أساليب الكلام إذا اعتلّ/, وبناة أساسات البيان إذا اختل. يرمون بالخطب الطّوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرّقباء فسبحان من أخرس أمراء البيان عن معارضة هذا القرآن! وجعله عصمة لأهل الإيمان في جميع الأزمان: ((قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)) [الإسراء/٨٨]. فاستنصحوا القرآن واستهدوه واستخبروه واستشفوه, فإنّه النّاصح الذي لا يغش, والهادي الذي لا يضلّ,

стр. 687

والمحدّث الذي لا يكذب, الطّبيب الذي لا يخطىء. فاتّهموا فيه (١) آراءكم, واستغشوا [فيه] (٢) أهواءكم, واستغنوا بمنطق القرآن عن منطق اليونان, وانظروا فيما أمركم بالنّظر فيه, متّبعين في كيفية النّظر لرسوله الذي أثنى على متّبعيه, فسرّحوا أبصار بصائركم وأفكار ضمائركم في سماء مرفوعة, وأرض موضوعة, ونجوم في مقدّرات منازلها سيّارة, وعلى محكمات أفلاكها دوّارة (٣) , زينة تجتليها أعين المعتبرين, ومصابيح تتوهّج أنوارها للمتفكّرين, منها ثواقب وثوابت, ومعالم ورواجم, وأقمار نوّارة وبحار موّارة, وأرواح خفّاقة, وأنهار دفّاقة, وسحائب ثقال مطّارة, وعيون سيّالة وقطّارة, وأودية غير منسدة (٤) المهارق, نافذة في المغارب والمشارق, وحيوانات حسّاسة منها في الأجواء طيّارة, ومنها على الأقدام سيّارة, ومنها أمم مكلّفة ومنها أخرى مسخّرة, ولكلّ أرزاق مقدّرة, وأحوال مقرّرة, ونعم ونقم وعبرة وعبر, وفيهم المهنّى والمعزّى والمعافى والمرزى, والضّاحك والباكي, والمغبوط والشّاكي, ورسل الله تعالى في خلال ذلك تترى, وكتبه سبحانه لا تزال تقرأ. فسبحانك اللهم ما أعظم ما يرى من خلقك وما أصغره في جنب قدرتك, وما أجلّ ما نشاهده من سلطانك وما أحقر ذلك في جنب ما غاب عنّا في ملكوتك, وما أصدق ما قلت في كتابك المبين يا أصدق القائلين:

стр. 688

((ولو أنّما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إنّ الله عزيز حكيم)) [لقمان/٢٧]. وهذا آخر ما وفّق الله من هذا (المختصر) , وقد رأيت أن أختمه بما بدأت به, بذكر شيء من الأبيات (١) المتضمّنة للحثّ على الاتباع وترك التّعمّق والابتداع, فمن ذلك قولي في هذا المعنى: /منطق الأولياء والأديان ... منطق الأنبياء والقرآن ولأهل اللّجاج عند التّماري (٢) ... منطق الأذكياء واليونان فإذا ما جمعت علم الفريقين ... (م) فكن مائلاً إلى الفرقان وإذا ما اكتفيت يوماً بعلم ... كان علم المحدّث الرّبّاني إنّ علم الحديث علم رجال ... ورثوا هدي ناسخ الأديان جمعوا طرق ما تواتر عنه ... ورووا بعده صحيح المباني ورووا بعده حسان الأحاديث ... (م) ووهّوا ما دون شرط الحسان واعتنوا بالنّفيس من غير خبط (٣) ... في دعاوى معنى بغير بيان وأبانوا نقد الرّواة بياناَ ... يكشف الغامضات للعميان فانظروا في ((مصنّف ابن عديّ)) (٤) ... وكتاب ((التكميل)) (٥) و ((الميزان)) (٦)

стр. 689

تعلموا أنّهم قد اعتمدوا النّصح ... (م) وصحوا عن علّة الإذهان واستدلّوا بالمسندات العوالي ... في تفاريع دينهم والمباني عملاً بالمظنون منها وقطعاً ... باعتقاد المعلوم في الأديان فإذا جئتهم تريدن مراء (١) ... شمت هدي المبعوث من عدنان قد رضوا ما رماهم منطقيّ ... بهدي أهل بيعة الرّضوان فلقاهم عندي أجلّ الأماني ... وهواهم علامة الإيمان ومما قلت في هذا المعنى: عليك بأصحاب الحديث الأفاضل ... تجد عندهم كلّ الهدى والفضائل أحن إليهم كلّما هبّت الصّبا ... وأدعوا إليهم في الضّحى والأصائل لئن شحّت الأيّام في الجمع بيننا ... سخت بالتّوالي بيننا والرّسائل وقد تلتقي الأرواح والبون نازح ... على الجمع للأشباح ذات الهياكل فياليت شعري والأماني ضلة ... متى نلتقي بعد النّوى المتطاول شيوخ حديث المصطفى ومعادن الـ ... ـتقى وبدور نورهم غير آفل شفوا علل الأكباد منه فأصبحوا ... وقد لبسوا منه نفيس الغلائل هم نقّحوا منه (٢) الصّحيح وبيّنوا ... معارفه في الممتعات الحوافل فهم في مبانيهم جبالّ منيفة ... وهم في مغانيهم شموس المحافل يذبّون عن دين النّبيّ محمد ... بألسنة مثل السّيوف الفواصل دليلهم قول الرّسول وفعله ... وذلك يوم الفصل أقوى الدّلائل ومدرسهم آي الكتاب وإنّه ... لأقمع برهان لكلّ مناضل

стр. 690

هما حجّة الإسلام لا ما يطيش من ... دماغ ألدّ في الخصام مجادل ولولاهما كان ابن سينا منزّلاً ... من العلم في أعلى بروج المنازل وكان ابن مسعود وأعلام عصره ... من الصّحب في مهوّى من الجهل نازل فلا تقتدوا إلا بهم وتيمّموا ... لهم منهجاً كالقدح ليس بمائل ألم تر أنّ المصطفى يوم جاءه الـ ... ـوليد بقول الأحوذيّ المجادل (١) تجنّب منهاج المرا وتلا له ... من السّجدة الآيات ذات الفواصل ولم يجعل القرآن غير مصدّق ... إذا لم تقدمه دروس الأوائل كذا فعل الطّيّار يوم خطابه ... لأصحمة بين الخصوم المقاول تلا لهم آي الكتاب فأيقنوا ... بها بشهادات الدّموع الهواطل إلى ذاك صار الأذكياء من الورى ... وعادوا إليه بعد بُعد المراحل أبو حامد وابن الخطيب وهكذا الـ ... إمام الجوينيّ الذي لم يماثل كذا ابن عقيل وهو أبرع عاقل ... غدا وهو معقول كبعض العقائل فلا تسبحوا في لجّة البحر وابعدوا ... عن الخوض فيه واكتفوا بالسّواحل فإن لم يكن بدّ من الخوض فاجعلوا ... مواردكم مستعذبات المناهل عليكم بقول المصطفى فهو عصمة ... وما عاقل (٢) , عمّا يقول بعادل

стр. 691

سعدت بذبّي عن حماه وحبّه ... كما شقيت بالصّدّ عنه عواذلي. * * *