стр. 631
← Акыда следующие страницы →
Акыда · id 36427
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -
ابن الوزير
Полный текст (691 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 632
السّابع والعشرون: حديث: ((كلّ ذنب عسى الله أن يغفره, إلا الشّرك بالله وقتل المؤمن)) رواه عنه النّسائي (١) , وله شاهد عن أبي الدرداء (٢رواه أبو داود (٢) (٣) , وله شاهد في كتاب الله تعالى (٤).
الثّامن والعشرون: رواه عنه أبو داود (٥) حديث: ((اشفعوا تؤجروا)) وهو حديث معروف, رواه البخاري ومسلم (٦) عن أبي موسى, وفي القرآن ما يشهد لمعناه, وهو مجمع على مقتضاه.
التّاسع والعشرون: كراهة تتبّع عورات النّاس, رواه عنه أبو داود (٧) , وله شواهد, في الترمذي (٨) عن ابن عمر وحسّنه, وفي ((سنن أبي داود)) (٩) عن أبي برزة الأسلمي, وعقبة بن عامر, وزيد بن وهب, وفي ((صحيح مسلم)) (١٠) عن أبي هريرة.
стр. 633
الموفّي ثلاثين حديثاً: حديث: ((من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدّين)) رواه عنه البخاري (١) , وله شاهدان عن ابن عبّاس وأبي هريرة ذكرهما التّرمذي في ((الجامع)) (٢) وصحّح حديث ابن عباس.
فهذه عامّة أحاديث معاوية التي هي صريحة في الأحكام أو يستنبط منها حكم, وهي موافقة لمذهب الشّيعة والفقهاء, وليس فيها ما لم يذهب إليه جماهير العلماء, إلا قتل شارب الخمر في الرّابعة لأجل النّسخ, وقد رواه إمام الزّيدية كما قدّمنا, وقد وافقه ثقات الصّحابة فيما روى.
فاعجب لمن يشنّع على أهل الصّحاح برواية هذه الأحاديث, وإدخالها في الصّحيح!!.
وله غير هذه أحاديث يسيرة شهيرة تركنا إيرادها وإيراد شواهدها اختصاراً, ونشير إليها إشارة لطيفة ليعرف ما هي, وذلك حديثه في فضل المؤذّنين (٣) , وفضل إجابة المؤذّن (٤) , وفضل حلق الذّكر (٥) , وليلة القدر ليلة سبع وعشرين (٦) , وفضل حبّ
стр. 634
الأنصار (١) وفضل طلحة (٢) , وتاريخ وفاة رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة (٣).
وحديث: ((اللّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت)) (٤) وقد رواه مسلم (٥) عن عليّ رضي الله تعالى عنه.
وحديث: ((الخير عادة والشّرّ لجاجة)) (٦) و ((لم يبق في الدنيا إلا بلاء وفتنة)) (٧)
و ((إنّما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه)) (٨).
стр. 635
وفيمن نزل: ((والذين يكنزون الذّهب والفضّة)) (١) [التوبة/٣٤].
وأثران موقوفان عليه؛ في ذكر كعب الأحبار (٢) , وفي تقبيل الأركان كلّها (٣).
فهذا جملة ما له في جميع دواوين الإسلام السّتّة, لا يشذّ عنّي من ذلك شيء, إلا ما لا يُعصم عنه البشر من السّهو. وليس في حديثه ما ينكر قطّ, على أنّ فيها ما لم يصحّ عنه أو ما في صحّته عنه خلاف, وجملة ما اتّفق على صحّته عنه منها كلّها في الفضائل والأحكام: ثلاثة عشر حديثاً؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة/ وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة, وهذا دليل صدق أهل ذلك العصر, وعدم انحطاطهم إلى مرتبة الكذّابين خذلهم الله تعالى, ولو لم يدلّ على ذلك إلا أنّ معاوية لم يرو شيئاً قطّ في ذمّ عليّ ﵁ , ولا في استحلال حربه (٤) , ولا في فضائل عثمان, ولا في ذمّ القائمين عليه, مع تصديق جنده له, وحاجته إلى تنشيطهم بذلك فلم يكن منه في ذلك شيء على طول المدّة, لا في حياة عليّ ولا بعد وفاته, ولا تفرّد برواية ما يخالف الإسلام ويهدم القواعد, ولهذا روى عن معاوية غير واحد
стр. 636
من أعيان الصّحابة والتّابعين؛ كعبد الله بن عبّاس, وأبي سعيد الخدريّ, وعبد الله بن الزّبير, وسعيد بن المسيب, وأبي صالح السّمّان, وأبي إدريس الخولاني, وأبي سلمة بن عبد الرّحمن, وعروة بن الزّبير, وسالم بن عبد الله, ومحمد بن سيرين, وخلق كثير.
وروى عن هؤلاء عنه أمثالهم, وإنّما ذكرت هذا ليعرف أنّ المحدّثين لم يختصّوا برواية حديثه, فإنّ من المعلوم أنّهم لا يقبلون من الحديث إلا ما اتّصل إسناده برواية الثّقات, فلولا رواية ثقات كلّ عصر لحديثه عن أمثالهم لم يصحّ للمحدّثين أنّه حديثه, ولو لم يصحّ لهم أنّه حديثه لم يرووه عنه في الكتب الصّحيحة, وإنّما ذكرت هذا على سبيل الاستئناس. والعمدة في الحجّة ما قدّمته, والله أعلم.
وقد قبلت الشّيعة والمعتزلة ما هو أعظم من قبوله على أصولهم وهو مرسل الثّقة, فإنّه مقبول عندهم على الإطلاق, فقبلوا بذلك أحاديث معاوية وهم لا يشعرون! بل فقبلوا موضوعات كثيرة رواها بعض ثقاتهم بسلامة صدر عن بعض من لم يعرف من المجاهيل, أو (١) طبقات المجروحين.
ومن قبل مرسل الثّقة على الإطلاق دخل ذلك عليه من حيث لا يدري, فإنّ من الثّقات من يقبل المجاهيل, وفيهم من يقبل كفّار
стр. 637
التّأويل, وفيهم من هو كافر تأويل عند جمهور المعتزلة والشّيعة, وفيهم من يقبل الفاسق المصرّح إذا عرف بالصّدق والأنفة من الكذب, ولقد روي هذا عن الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ كما قدّمنا ذكر ذلك.
وقبول المرسل على هذه الصّفة, أعظم مفسدة وأدخل في قبول الأكاذيب على رسول الله ﷺ , فينبغي للعاقل أن ينظر في عيب القريب وعيب الصّديق, كما ينظر في عيب الخصم والبعيد, نسأل الله التّوفيق لذلك آمين آمين.
وأمّا حديث عمرو بن العاص فله في الأحكام عشرة أحاديث:
الأول: في النّهي عن صيام أيّام التّشريق, رواه عنه أبو داود (١) وله شواهد؛ فرواه أبو داود والترمذي والنّسائي عن عقبة بن عامر (٢) , ومسلم عن نبيشة الهذلي (٣) , ومسلم (٤) ومالك في ((الموطأ)) (٥) عن
стр. 638
عبد الله بن حذافة, والنّسائي (١) عن بشر بن سحيم, ومسلم (٢) عن كعب بن مالك, ومالك في ((الموطأ)) (٣) عن سليمان بن يسار مرسلاً, والبخاري (٤) عن ابن عمر وعائشة بلفظ: ((لم يرخّص في صومها إلا لمن لا يجد الهدي)).
الثّاني: التّكبير في صلاة عيد الفطر سبعاً في الأولى, وخمساً في الثّانية, رواه أبو داود (٥) , وفي سنده عمرو بن شعيب, وفي صحّة حديثه خلاف, وأكثر المتأخّرين على صحّته, وقد رواه أبو داود و [ابن ماجه] (٦) عن عائشة (٧) , والترمذي (٨) عن عمرو بن عوف (٩) , وقال ابن النّحوي: في الباب أحاديث كثيرة أخر, والله أعلم.
стр. 639
الثّالث: حديث أن النّبي ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة من القرآن, منها: ثلاث من المفصّل, وفي سورة الحجّ سجدتان, رواه عنه أبو داود وابن ماجه القزويني (١) , وفي إسناده ابن ماجه ابن لهيعة وضعفه مشهور.
وهذا الحديث لم يصح عن عمرو قاله ابن النّحوي, وعزاه إلى ابن القطّان وابن الجوزي (٢) , ومع ذلك فلهذا الحديث شاهد عام وشواهد خاصّة: فأمّا الشّاهد العامّ, فروى البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر (٣) /ما يدلّ على أنّ السّجود مشروع في كلّ موضع سجدة في كتاب الله تعالى, قال: ولكنّا منعنا ما زاد على الخمس عشرة للإجماع على المنع من الزّيادة على ذلك, رواه أبو محمد بن حزم (٤) وغيره.
وأمّا الشّواهد الخاصّة: فاعلم أنّه لا نزاع بين الأمّة على قول ابن حزم, وبين الجماهير على قول غيره إلا في خمس سجدات هي: ثلاث في المفصّل, وسجدة في (ص) , والسجدة الثّانية من سورة الحجّ.
стр. 640
فأمّا سجدات المفصّل فإحداهنّ في (النّجم) رواها البخاري والتّرمذي من حديث ابن عبّاس (١) , وأبو داود عن ابن مسعود (٢) , والنّسائي عن المطلب بن أبي وداعة (٣) , والبخاري عن ابن عمر (٤) , ومالك في ((الموطأ)) (٥) عن عمر, والبخاري ومسلم والتّرمذي وأبو داود والنّسائي عن زيد بن ثابت (٦).
والسّجدة الثّانية: في (انشقت) وقد رواها البخاري ومسلم ومالك في ((الموطأ)) وأبو داود والنّسائي عن أبي هريرة (٧).
والسّجدة الثّالثة: في سورة (اقرأ) وقد رواها مسلم وأبو داود والتّرمذي والنّسائي عن أبي هريرة (٨).
стр. 641
(١) وأمّا سجدة (ص) فقد رواها أبو داود عن أبي سعيد الخدري (٢) , والبخاري والترمذي وأبو داود والنّسائي عن ابن عباس (٣) ٢).
وأمّا السّجدة الثانية في الحجّ: فقد رواها أبو داود والتّرمذي عن عقبة بن عامر (٤) , ورواها مالك في ((الموطّأ)) (٥) عن عمر بن الخطّاب وولده عبد الله, ولكن موقوفاً عليهما.
فهذه الخمس السّجدات المختلف فيها قد تابعه في كلّ واحدة منها من ذكرنا, وأمّا العشر البواقي فإنّ أبا محمد بن حزم ادّعى إجماع الأمّة على السّجود فيها (٦) , وذكر ابن هبيرة (٧) أنّه قول فقهاء الأمّة
стр. 642
الأربعة وأتباعهم.
قلت: وهو قول الزّيدية (١) , بل (٢) مذهب الزّيدية أنّ السّجدات خمس عشرة على ما روى عمرو بن العاص وهو مذهب أحمد ابن حنبل وغيره من أهل العلم, إلا أنّ الفقيه جمال الدين الرّيمي ذكر في كتابه ((عمدة الأمّة في إجماع الأئمة)) (٣): أنّ الإجماع لم ينعقد على عشر سجدات وإنّما انعقد على أربع, والصّواب قبول رواية ابن حزم فإنّه ثقة مُطّلع, ووجود الخلاف الشّاذّ لا يقدح في رواية ثقات العلماء في الإجماع؛ لأنّه يمكن أنّهم ادّعوا إجماع أهل عصر من الأعصار, وأنّ ذلك الخلاف تقدّم الإجماع أو تأخّر عنه ممّن لم يصحّ له الإجماع.
وأمّا حديث أبي الدّرداء في سجوده مع النّبي ﷺ إحدى عشرة سجدة فقد رواه أبو داود والتّرمذي (٤) , ولكن قال أبو داود: ((إسناده واهٍ)).
стр. 643
وأمّا حديث ابن عباس: ((أنّ النّبي ﷺ لم يسجد في المفصّل بعد هجرته إلى المدينة)) (١) فضعيف ومعارض بما هو أصحّ منه من حديث غيره, فقد صحّ عن أبي هريرة (٢) أنّه سجد في المفصّل مع رسول الله ﷺ ولم يسلم أبو هريرة إلا بعد الهجرة, وهذا أولى لصحّة إسناده, ولأنّ المثبت أولى من النّافي, وابن عباس إنّما قال إنّه لم يسجد, وهذا نفي, ولعلّه سجد ولم يعلم ابن عباس, فيقبل المثبت لما في ذلك من حمل الجميع على السّلامة.
وهذه السّجدات العشر في: الأعراف, والرّعد, والنّحل, وسبحان, ومريم, والأولى من الحجّ, والفرقان, والنّمل, والجرز (٣) , والسّجدة.
الحديث الرّابع: حديث تقريره ﷺ لعمرو على التيمّم حين احتجّ بما يدلّ أنّه خاف على نفسه الموت من شدّة البرد وهو (٤) قوله تعالى: ((ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما)) (٥) [النساء/٢٩]
стр. 644
وله شاهد على ذلك, وهو الإجماع/ أولاً (١) , وما أخرجه أبو داود عن ابن عبّاس (٢) ثانياً.
الحديث الخامس: حديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران)) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنّسائي و [ابن ماجه] (٣) , وقد رواه التّرمذي, والنّسائي عن أبي هريرة (٤).
السّادس: حديثه في الحثّ على السّحور, لكونه فصلاً بين صيامنا وصيام أهل الكتاب, رواه عنه مسلم وأهل السّنن (٥) إلا ابن
стр. 645
ماجه.
وقد وردت في الحثّ على ذلك أحاديث؛ فرواه البخاري ومسلم والترمذي والنّسائي (١) عن أنس, ورواه النّسائي وأبو داود عن عرباض بن سارية (٢) , ورواه النّسائي عن المقدام بن معدي, وعن خالد بن معدان (٣) , ورواه أبو داود عن أبي هريرة (٤).
السّابع: حديث: ((أنّ النّبي ﷺ نهانا أن ندخل على النّساء بغير إذن أزواجهنّ)) رواه عنه التّرمذي وحسّنه (٥) , وله شاهد عن عمرو بن الأحوص رواه الترمذي وصححه (٦) , وفيه: ((فحقّكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم من تكرهون, ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون)).
وفي ((صحيح مسلم)) (٧) عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((لا يدخل رجل بعد يومي هذا سرّاً على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان)) فقوله: ((سرّاً)) تقييد يقتضي إباحة ذلك بإذن الزّوج لأنّه يخرج
стр. 646
به عن السّرّ, وإنّما يذكر إذن الزّوج في هذا الحديث؛ لأنّه في المغيبة, وحديث عمرو بن الأحوص, وعمرو بن العاص في الحاضر زوجها, فهذان شاهدان على تحريم الدّخول إلا بإذن الزّوج, وأمّا تحريم الدّخول مطلقاً فيشهد له مع الشّاهدين المذكورين: حديث عقبة بن عامر خرّجه البخاري ومسلم والترمذي (١). وحديث جابر خرّجه مسلم (٢). وحديث ابن عبّاس خرّجه البخاري ومسلم (٣) , فهذه خمسة شواهد على أصل النّهي وعمومه, واثنان على بيانه وخصوصه.
الثّامن: حديثه في تكفير الإسلام والحجّ والهجرة لما قبلها رواه عنه مسلم (٤).
فأمّا تكفير الإسلام لما قبله؛ فإجماع, والشّواهد عليه كثيرة.
وأمّا تكفير الحجّ لما قبله؛ فله شاهد في التّرمذي والنّسائي عن ابن مسعود (٥) , ورواه النّسائي عن ابن عباس (٦) , ورواه البخاري ومسلم والتّرمذي والنّسائي ومالك عن أبي هريرة (٧).
стр. 647
وأمّا تكفير الهجرة ما قبلها؛ ففي النّسائي (١) عن فضالة بن عبيد ما يشهد لمعنى ذلك, لكن بزيادة الإيمان والإسلام, وهذه الزّيادة في حكم المذكورة في حديث عمرو, إذ لا عبرة بهجرة الكافر إجماعاً بل صحّتها غير متصوّرة (٢) , كصلاته وسائر قرباته الشّرعية, مع ماله من الشّواهد العامّة من القرآن والسّنة كقوله تعالى: ((إنّ الحسنات يذهبن السّيئات)) [هود/١١٤] , وقوله ﷺ : ((واتبع السّيئة الحسنة تمحها)) رواه النّووي في ((مباني الإسلام)) (٣).
التّاسع: حديث: ((قلت يا رسول الله أيّ النّاس أحبّ إليك؟ قال: عائشة. قلت: من الرّجال؟ قال: أبوها)) فأمّا ما يخصّ عائشة من هذا فرواه عنه مسلم والتّرمذي والنّسائي (٤) , وله [شواهد] (٥) , أمّا في حبّها فعن أبي موسى بلفظ حديث عمرو رواه (٦) التّرمذي (٧) , وأمّا في
стр. 648
تفضيلها على النّساء فله شاهدان: أحدهما: عن أنس رواه البخاري ومسلم والتّرمذي (١) , وثانيهما: عن أبي موسى رواه البخاري ومسلم والتّرمذي والنّسائي (٢).
وأمّا ما يخصّ أبا بكر الصّدّيق ﵁ من هذا الحديث فرواه عن عمرو: التّرمذي والنّسائي (٣) , وله شاهد (٤) بمعناه, وهو قول رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة: ((لو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر خليلاً)) رواه البخاري (٥) / من حديث ابن مسعود (٦) , ورواه مسلم من حديث جندب بن عبد الله (٧) , وله شاهد أيضاً موقوف على عمر بن الخطّاب
стр. 649
- ﵁ رواه التّرمذي (١).
العاشر: قوله في عدّة المتوفّى عنها: ((إنّها أربعة أشهر وعشر)) يعني وإن كانت أمّ ولد, رواه أبو داود وابن ماجه (٢) وهو موقوف عليه, وعموم القرآن حجّة لقوله.
فهذه جملة ما لعمرو بن العاص في الكتب السّتّة مما فيه حكم ظاهر, أو يمكن استخراج حكم منه, على أنّ فيما ذكرته من أحاديثه ما يمكن القدح في صحّته عنه, فالذي في ((الصحيحين)) له ستة أحاديث اتّفاقاً على ثلاثة, وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديثين, والذي بقي من حديثه شيء قليل لا يتعلّق به حكم, وهو أقلّ الثلاثة حديثاً, وفيما بقي حديثان لم أعرف ما فيهما:
أحدهما: حديث: ((كنّا مع عمرو في حجّ أو عمرة فلمّا كان بمرّ الظّهران إذا نحن بامرأة في هودجها)) (٣).
وثانيهما: حديث: ((فزع النّاس بالمدينة فرأيت سالماً احتبى
стр. 650
بسيفه وجلس في المسجد)) (١) لم أعرف تمامها, يبحث هل فيهما حكم شرعيّ؟ وهل له شاهد؟ ويُلحق ذلك.
وأمّا حديث المغيرة: فله -فيما يتعلّق بالحلال والحرام- ثلاثة وعشرون حديثاً أو أقل:
الأوّل: حديث (٢) المسح على الخفّين, وهو حديث مجمع على صحّته, لكن ادّعى بعض الشّيعة أنّه منسوخ, لنزول المائدة بعده وفيها الأمر بالغسل, وقال الفقهاء: إنّ المسح كان قبل المائدة وبعدها كما ثبت ذلك في حديث جرير المتفق على صحّته (٣) , وهذا الحكم مع صحته (٤) مرويّ من طرق كثيرة: فرواه البخاري ومسلم وأبو داود والتّرمذي والنّسائي عن جرير بن عبد الله (٥) , ورواه البخاري ومالك
стр. 651
وأبو داود (١) والنّسائي عن سعد بن أبي وقّاص (٢) , ورواه مسلم وأبو داود والتّرمذي والنّسائي عن بلال (٣) , ورواه التّرمذي عن جابر بن عبد الله (٤) , ورواه البخاري والنّسائي عن عمرو بن أميّة (٥) , ورواه أبو داود والتّرمذي عن بريدة (٦) , ورواه الحسن البصريّ عن سبعين صحابيّاً (٧).
وأمّا المسح على الجوربين فلم يصح عن المغيرة كما قاله الحافظ الكبير عبد الرّحمن بن مهدي (٨) , ومع ذلك فله شاهد عن أبي موسى (٩) , وكذلك مسح أسفل الخفّ فإنّه لم يصح عن
стр. 652
المغيرة (١).
وقال أبو عيسى التّرمذي (٢): هذا حديث معلول, قال: وسألت أبا زرعة ومحمداً -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقالاً: ليس بصحيح.
الثّاني: حديثه في الصّلاة على الطّفل (٣) وله شواهد, فرواه أبو داود (٤) عن عبد الله البهي مولى مصعب بن الزّبير, ورواه عن عطاء مرسلاً, ورواه التّرمذي (٥) عن جابر بشرط الاستهلال. ورواه مالك في ((الموطّأ)) (٦) عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة موقوفاً. ورواه البخاري (٧) عن الحسن البصريّ موقوفاً عليه.
وأمّا ما رواه أبو داود (٨) عن عائشة: ((أنّ النّبي ﷺ لم يصلّ على ابنه إبراهيم)) فمعارض برواية عطاء وعبد الله البهي أنّه ﷺ صلّى عليه, والمثبت أولى (٩) , ويعتضد حكم روايتهما بعموم حديث جابر
стр. 653
المتقدّم, وفي رفعه ووقفه خلاف يترجّح على حسب القواعد.
/الثّالث: حديث ((بعث عمر النّاس في أفناء الأمصار)) أخرجه البخاري (١) , وفيه ((أنّ المغيرة قال لكسرى (٢): إنّ نبيّنا ﷺ أمرنا أن نقاتلكم حتّى تعبدوا الله وحده أو تؤدّوا الجزية)) , وهذا يشهد له حديث عبد الرّحمن بن عوف في المجوس: ((سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب)) (٣) , وهو صحيح, وإنّما قلت ذلك لأنّ كسرى مجوسيّ, فحديث عبد الرّحمن يشهد لحديث المغيرة هذا.
الرّابع: للنّسائي وابن ماجه (٤) حديث النّهي عن إسبال الإزار,
стр. 654
وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنّسائي عن ابن عمر (١) , والنّسائي عن ابن عبّاس (٢).
الخامس: لمسلم والنّسائي والتّرمذي وأبي داود حديث المسح على العمامة (٣) , وقد رواه أبو داود عن ثوبان وأنس (٤) , ورواه أحمد وأبو داود وسعيد بن منصور عن بلال (٥) , ذكره عبد السلام في ((المنتقى)) (٦).
السّادس: لأبي داود (٧) حديث تحريم بيع الخمر, وشواهده أكثر من أن تذكر.
السّابع: للبخاري ومسلم والنّسائي (٨): ((كسفت الشّمس يوم موت إبراهيم)) , فأمّا تاريخ الكسوف بيوم مات (٩)؛ فرواه مسلم
стр. 655
وأبو داود والنّسائي عن جابر (١) , وأمّا بقيّة الحديث الذي يتعلّق به الحكم فهو أشهر من أن تذكر شواهده.
الثّامن: لأبي داود والتّرمذي (٢) حديث: ترك التّشهّد الأوسط وسجود السّهو لنسيانه, وله شاهد من حديث عبد الله بن بحينة خرجه البخاري ومسلم ومالك وأهل السّنن إلا ابن ماجه (٣).
وأمّا روايته فيه لسجود السّهو قبل التّسليم فله شواهد: منها حديث ابن بحينة المقدّم خرجه من تقدّم ذكره, وخرّجه التّرمذي عن عمران بن حصين (٤) , وأبو داود عن ابن مسعود (٥) , ومسلم ومالك والنسائي والتّرمذي وأبو داود عن أبي سعيد الخدري (٦) , والتّرمذي عن عبد الرّحمن بن عوف وأبي هريرة (٧).
стр. 656
وقال أبو داود (١) -بعد رواية حديث المغيرة-: ((وفعل مثل ما فعل المغيرة: سعد بن أبي وقّاص, وعمران بن حصين, والضّحّاك, ومعاوية, وأفتى به ابن عبّاس, وعمر بن عبد العزيز)).
التّاسع: (٢) حديث: ((لا تسبّوا الأموات)) , فقد رواه البخاريّ وأبو داود والنّسائي عن عائشة (٣) , وأبو داود والتّرمذي عن ابن عمر (٤).
العاشر: [لابن ماجه] (٥) حديث: ((أنّ رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً)) , وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والتّرمذي والنّسائي عن حذيفة (٦).
الحادي عشر: (٧) حديث: ((دية الجنين غرّة)) (٨) , وقد رواه
стр. 657
البخاري ومسلم والتّرمذي عن أبي هريرة (١).
الثّاني عشر: لأبي داود وابن ماجه حديث: ((لا يصلّي الإمام في الموضع الذي صلّى فيه حتّى يتحوّل)) , رواه عنه أبو داود وابن ماجه (٢) , وقد رواه أبو داود عن أبي هريرة (٣).
الثّالث عشر: للتّرمذي والنّسائي وابن ماجه حديث: ((من اكتوى [أو] استرقى فقد برىء من التّوكّل)) , رواه عنه التّرمذي والنّسائي وابن ماجه (٤) , وقد رواه أو معناه أبو داود (٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عكيم, ورواه عن ابن عمر, ورواه البخاري ومسلم والتّرمذي عن ابن عبّاس (٦) , ورواه مسلم عن عمران بن الحصين (٧).
الرّابع عشر: حديث: ((من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من
стр. 658
النّار)) , رواه عنه البخاري ومسلم والتّرمذي (١) , وهو حديث متواتر مستغن عن ذكر الشّواهد.
الخامس عشر: حديث: ((من نيح عليه فهو يعذّب بما نيح عليه)) , وهو طرف من الحديث قبله, وله شواهد كثيرة: فرواه البخاري ومسلم والتّرمذي والنّسائي عن عمر بن الخطّاب (٢) , ورواه النّسائي عن عمران ابن حصين (٣) , ورواه التّرمذي عن أبي موسى (٤) , /وله شواهد غير هذه, وقد ذكرنا وجهه فيما تقدّم.
السّادس عشر: حديث: ((فرض الجدّة السّدس)) , وقد رواه محمد بن مسلمة رواه عنه البخاري (٥) وأبو داود والتّرمذي (٦) , ورواه التّرمذي (٧) عن ابن مسعود (٨) , وأبو داود عن بُريدة (٩) , وهو إجماع.
стр. 659
السّابع عشر: [للبخاري ومسلم] (١) حديث: ((ما سأل أحد رسول الله ﷺ عن الدّجّال أكثر ممّا سألته, يقولون: إنّ معه جنّة وناراً, فقال: هو أهون على الله من ذلك (٢))) , وله شواهد, ومن العجب أنّ من النّاس من يتوهّمها معارضات له, وذلك [أنّ] جميع ما ورد في ((الصحيحين)) وغيرهما من دواوين الإسلام عن غير واحد من الصّحابة ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((إنّ ناره جنّة وماءه (٣) نار)) وهذا يعضد حديث المغيرة فإنّها متّفقة على نفي أن يكون مع الدّجال جنّة ونار على الحقيقة, وإنّما أوردت هذا الحديث وإن لم يكن تحته شيء من الأحكام, للتنبيه على هذه النّكتة اللطيفة, ففيها جمع بين الأحاديث (٤) , والله أعلم.
الثّامن عشر: [لمسلم والبخاري] (٥) حديث: ((لا يزال أناس من أمّتي ظاهرين على الحقّ حتّى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون (٦))) وقد وقد مرت شواهده في أحاديث معاوية (٧).
التّاسع عشر: حديث: ((إنّ المرأة يعقل عنها عصبتها ويرثها بنوها))
стр. 660
رواه عنه أبو داود (١) , وله شواهد منها: عن أبي هريرة رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٢) , وهو مثل حديث المغيرة, وذكر الدّية فيه فقط فيما تقدّم من حديث أبي هريرة, وفي ((الموطّأ)) (٣) والنّسائي (٤) عن ابن المسيّب مرسل. وفي ((سنن أبي داود)) والنّسائي عن ابن عبّاس (٥).
الموفّي عشرين: حديث: ((ترك الوضوء مما مسّت النّار)) رواه عنه مسلم وأبو داود والنّسائي (٦) , وله شواهد: فرواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عبّاس (٧) , وعمرو بن أميّة (٨) , وميمونة (٩). ورواه مسلم عن أبي رافع (١٠) , ومالك في ((الموطّأ)) (١١) , وأبو داود والتّرمذي عن جابر (١٢).
стр. 661
الحادي والعشرون: [للبخاري ومسلم] (١) حديث سعد بن عبادة وفيه: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ إنّه لغيور)) وفيه: ((ما أحد أغير من الله (٢))) , ولهذا المعنى المتعلّق بأحاديث الصفّات شاهد في ((الصّحيحين)) عن عائشة (٣).
الثّاني والعشرون: حديث: نهي آكل الثّوم من دخول المسجد (٤) , وقد مرّت شواهده في أحاديث معاوية (٥).
الثّالث والعشرون: حديث: مشي الرّاكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها (٦) , وفيها وجهان:
أحدهما: أنّه مما لا يتعلّق به تحليل محرّم ولا تحريم محلّل, وإنّما هو في آداب المشيّع للجنازة.
وثانيهما: أنّه مما لم يصححه إلا بعضهم كالحاكم وابن السّكن, وقد ضعّفه غير واحد من أهل النّقد, ولم يصححوه عن المغيرة.
فقال الإمام المجتهد أبو الوليد المالكي في كتابه ((نهاية
стр. 662
المجتهد)) (١). وقد ذكر هذا الحديث وغيره من أحاديث المشي خلف الجنازة ما لفظه: ((وهي أحاديث يصحّحونها -يعني أهل الكوفة- ويضعّفها غيرهم)).
وقد أشار إلى تضعيفه الإمام أبو عمر بن عبد البرّ (٢) , والقاضي ابن العربي (٣) المالكيّان فإنّهما أشارا إلى ضعف أحاديث الباب كلّه إلا حديث ابن عمر مع أنّه مرسل من مراسيل الزّهري على الصّحيح عند أكثر الحفّاظ, فإذا كان أصحها مع تعليله بالإرسال فما ظنّك بغيره؟
ولهذا ترك الشّيخان تخريج شيء من هذه الأحاديث في كتابيهما, مع خلوّ كتابيهما عمّا يقوم مقامهما, وذلك نادر فيهما, ومع عدم الصّحّة عن المغيرة لا يلزم ذكر الشّواهد في رعاية ما قصدته من مراعاة ما يتفق الشّيعة وأهل السّنة عليه, من وجوب العمل بأحاديث ((الصحيحين)) وما حكم الأئمة بصحّته من أحاديث دواوين الإسلام السّتّة.
ومن العجب أنّ الحاكم هو المصحّح لحديث المغيرة هذا على تشيّعه (٤) , وكلامنا إنّما هو في دفع اعتراض بعض الشّيعة, فهذا شاهد على المعترض من أصحابه ودليل على أنّ أهل السّنة لم /يختصّوا بذلك.
الرّابع العشرون: حديث: ((كان إذا ذهب المذهب أبعد)). رواه
стр. 663
عنه أهل ((السّنن)) (١) إلا ابن ماجه, وقد رواه النّسائي عن عبد الرّحمن بن أبي قراد (٢) , والعجب أنّ هذا الحديث وحديثاً نحوه من رواية المغيرة أيضاً هما أوّل ما في كتاب ((شفاء الأوام)) (٣) من كتب الزّيدية أوردهما مصنّفه ناسباً لهما إلى المغيرة, واحتجّ بهما من غير ذكر غيرهما, وهم ينكرون على المحدّثين مثل ذلك!!
وهذا آخر ما عرفت من أحاديث المغيرة مما يتعلّق بالتّحليل والتّحريم, ولم يبق من حديثه إلا القليل مما يتعلّق بذلك. على أنّ فيها ما يمكن القدح في صحّته عنه: فالذي في ((صحيحي البخاري وملسم)) منها اثنا عشر حديثاً اتّفقا على تسعة وانفرد البخاريّ بحديث (٤) ومسلم بحديثين.
وقد عرفت بهذه الجملة بطلان ما توهّمه المعترض من دعوى بطلان أحاديثهم, وسقط قوله على كلّ مذهب, وصحّت أحاديثهم [هذه] (٥) على وجه لا شبهة فيه على قواعد الخصوم, والله سبحانه أعلم.
стр. 664
قال المعترض: ويقال: ما تقول إذا وردت شبهات الملحدين ومشكلات المشبّهة والمجبّرة المتمرّدين, وقد ساعدك النّاس إلى إهمال النّظر في علم الكلام؟ وهل هذا إلا مكيدة للّدين؟ إلى آخر ما ذكره.
أقول: لا يخلو الكفرة إمّا أن يطالبوا (١) منّا أدلّتنا حتّى يسلموا أو يوردوا علينا شبههم حتّى نترك الإسلام, فهاتان مسألتان.
أمّا المسألة الأولى: وهي إذا سألونا أدلّتنا حتّى يسلموا, فالجواب من وجوه:
الوجه الأوّل: أن نقول لأهل الكلام: ما تقولون للكفرة إذا قالوا: إنّ أدلّتكم [المحرّرة] (٢) في علم الكلام شبهه ضعيفة وخيالات باردة, كما قد قالوا ذلك وأمثاله, فما أجبتم به عليهم بعد الاستدلال (٣) والنّزاع والخصومة؛ فهو جوابنا عليهم قبل ذلك كلّه.
فإن قالوا: إنّه يحسن منا بعد (٤) إقامة البراهين العقليّة (٥) أن نحكم عليهم بالعناد ونرجع إلى الإعراض عنهم وإلى الجهاد, وأمّا أنتم فإنّه يقبح منكم ذلك قبل إقامة البراهين.
قلنا لهم: إنّ الحجة لله تعالى عليهم قد تمت -قبل أن تذكروا
стр. 665
لهم تلك البراهين- بما خلق الله تعالى لهم من العقول, وأرسل إليهم من الرّسل, فكما أنّهم لو ماتوا على كفرهم قبل مناظرتكم لهم حسن من الله تعالى أن يعذّبهم بالنّار, فكذلك يحسن منّا أن نقول لهم قد أقام الله الحجّة عليكم وعرّفكم صحة ما أمركم بالإقرار به من الإسلام, وإنّما كلّفنا ... (١أن ندعوكم إلى الإقرار مما قد عرّفكم به وكلّفنا (١) بجهادكم إن لم تجيبوا إلى ذلك, وكذلك فعل رسول الله ﷺ , ولنا فيه أسوة حسنة في فعله وقوله؛ أمّا فعله فظاهر فإنّه معلوم من الدّين ضرورة أنّه كان يقاتل الكفّار قبل المناظرة بالأدلّة, وإنّما اختلف في قتالهم قبل الدّعوة وصحّ أنّه ﷺ قاتلهم قبل الدّعوة, في آخر الأمر.
وأمّا قوله: فإنّه ثبت عنه ﷺ أنّه قال: ((أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) (٢) الحديث, ولم يقل فيه: أمرت أن أجادل النّاس حتّى يقولوا ذلك, وكذلك قال الله تعالى: ((إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد)) [الرعد/٧] وقالت الرسل الكرام ﵈: ((وما علينا إلا البلاغ المبين)) [يس/١٧].
وتحقيق هذا الجواب: أنّ أهل الكلام إمّا أن يحكموا على الكفّار قبل المناظرة وفي خلالها بأنّهم معذورون لا إثم عليهم في الكفر, أو لا, فإن قالوا بالأوّل, خالفوا المعلوم من ضرورة الدّين وإجماع المسلمين, وإن قالوا بالثّاني قلنا/ لهم: فالحكم الذي حكمتهم عليهم به بعد المناظرة قد كان حاصلاً قبلها, فإن كان قصدكم
стр. 666
بالمناظرة العلم بعنادهم فهو معلوم قبلها, إذ لو لم يكونوا معاندين كانوا معذورين غير معذّبين عند الله ولا ملومين, لأنّ التّكليف بما لا يعلم ولا يمكن غير جائز ولا واقع, على ما هو مقرّر في مواضعه, وإن كان قصدكم بالمناظرة تمكينهم من معرفة الله فقد مكّنهم الله تعالى من ذلك وهو غير متّهم في إقامة الحجّة وقطع العذر.
وفي ((صحيح البخاري)) (١) مرفوعاً: ((ما أحد أحب إليه العذر من الله, من أجل ذلك أرسل الرّسل)).
الوجه الثّاني: أنّ الكفّار متى سألونا الدّليل على ثبوت الإسلام, قلنا لهم: انظروا في ملكوت السّماوات والأرض ومعجزات الأنبياء ونحو ذلك من أدلّة الإسلام على الإنصاف وطلب معرفة الحق, فإنّ نظرنا لأنفسنا لا يولّد العلم لكم (٢) , وذكرنا للأدلّة التي نظرنا في صحّتها لا ينفعكم أيضاً, فإنّ ذكرها لكم من غير أن تنظروا في صحّتها لا يولّد العلم لكم, وعلى الجملة؛ فإيجاد العلم بصحة الإسلام في قلوب الكفّار غير مقدور للمسلمين لا بأدلة الكلام, ولا بأدلّة السّلف. لأنّ وجود العلم متوقف إمّا على نظر الكفّار على الوجه الصّحيح أو على خلق الله تعالى له, وكلاهما غير مقدور لنا, فلم يبق إلا أنا نأمرهم بأن ينظروا فيما نظرنا فيه على مقتضى ما خلق الله في عقولهم السّليمة, ومقتضى ما علّمهم الله على ألسنة أنبيائه الكرام عليهم الصّلاة والسّلام, فبمجموع العقل وبعثة الرّسل تمّت الحجّة عليهم بإجماع
стр. 667
المسلمين بل إجماع العقلاء المنصفين, قال الله تعالى: ((لئلا يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل)) [النساء/١٦٥] وأمثال ذلك, وإذا كانت حجّة الله علينا وعليهم إنّما هي العقل, وبعثة الرّسل, ونحن فيهما على سواء في القدر الذي تقوم به الحجّة, ويحصل معه التّمكّن من الإسلام, لم يجب علينا أن نعرّفهم بأمر قد شاركونا في التّمكّن من معرفته بغير علم منّا.
ألم تر أنّه لم يجب على المفتي أن يفتي العامّيّ في حضرة الرّسول, فكذلك لا يجب علينا أن نعرّف الكفّار بمقتضى العقول مع وجود العقول, فإن قال الكافر: إنّي قد نظرت في جميع ما ذكرتم بجهدي فلم أجد شيئاً ممّا ذكرتم يدلّ على الإسلام, فإنا نقطع على أنّه كاذب معاند, مثلما أنّ المتكلّمين يقطعون على ذلك بعد المناظرة, فإنّما علمنا أنّهم معاندون في ذلك -مع أنّه غيب لا سبيل لنا إلى معرفته- لأنّ الله تعالى أخبرنا بذلك حيث يقول: ((قل فلله الحجّة البالغة)) [الأنعام/١٤٩] وغير هذه الآية الكريمة. وبمعنى هذا الجواب جاء القرآن صريحاً, قال الله تعالى: ((إنّ الدّين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب, فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأمّيين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)) [آل عمران/١٩ - ٢٠] فما تركت هذه الآية شيئاً مما ذكرناه والحمد لله.
فإن قلت: قد يكون في النّاس من هو بليد لا يستطيع أن ينظر وحده, ولا يعرف الأدلّة إلا بالتّعليم فيجب تعليمه.
стр. 668
والجواب/ من وجوه:
الأوّل: لا سبيل على قواعدكم إلى العلم القاطع بوجود من هو كذلك. سلّمنا, فإنّ الله تعالى حين يعلم منه النّظر وطلب الحقّ يلهمه ويمكّنه لا محالة. وسلمنا أنّ الله تعالى لم يمكّنه من ذلك لبلادته, فمن أين أنّه مكلّف بالعلم؟ وما المانع من أنّه غير مكلّف عند من لا يجيز التّقليد في هذه المعارف, ويكون لاحقاً بالصّبيان المميّزين العارفين بالعلوم الضّرورية؟ أو يكون مكلّفاً بالتقليد أو ما يقوم مقامه من الظّنّ عند من يجيز ذلك, كأبي القاسم الكعبي من المعتزلة, والمؤيّد من الزّيدية, وغير واحد من أهل السّنة.
الوجه الثّاني: أن نقول: قد يكون في النّاس من لا يفهم الأدلّة المحقّقة بالتعليم -أيضاً- لشدّة بلادته, فما أجبتم به (١) فهو جوابنا. فإن قلتم: الأدلّة تمنع وجود مثل هذا, فإن وجد فغير مكلّف, قلنا: ونحن نقول بمثل هذا فيمن لا يتمكّن من معرفة الإسلام بمجرّد خلق العقل وبعثة الرّسل.
الوجه الثّالث: أنّ الذي يعرفه أهل الجهل من المسلمين يكفي أهل البلادة من الكفّار, فإنّه لا يطالب بالأدلّة الدّقيقة -التي لا يعرفها إلا علماء الكلام- إلا أهل الذّكاء من الكفّار, وأهل الذّكاء منهم قد تمّت عليهم الحجّة ومكّنهم الله من المعرفة, ولا يجب علينا تعريفهم بما هم ممكّنون من معرفته من غير تعريفنا كما تقدّم.
стр. 669
الوجه الثالث: من (الأصل) (١) أنّ (٢) كلّ مسلم يبذل جهده في دعاء الكفّار إلى الله تعالى بالدّليل والموعظة, على قدر قوّة عقله وبلاغة منطقه, من متكلّم أو محدّث أو عامّيّ, ولا يجب تعلّم الكلام لذلك, فليس كلّ من قرأ الكلام تمكّن من تمييل القلوب المصرّة على الكفر إلى الإسلام, وإنّما يتمكّن من ذلك من أهل الكلام من آتاه الله تعالى صفاء الذّهن, وحسن الفهم, والبراعة في تعليم غوامض العلم, وأهل هذه الصّفة العزيزة قليل من المتكلّمين وغير محتاجين إلى تعلم الكلام, بل في فطرهم ما يكفيهم, كما كان الذين ابتكروا علم الكلام وسبقوا إليه.
الوجه الرابع: سلّمنا أنّه من عرف علم الكلام تمكّن من محاجّة الكفّار وإفحامهم دون غيره, ولكن ذلك لا يجب ولا يستحب, أمّا أنّه لا يجب فلعدم ما يدلّ على وجوبه, وأمّا أنّه لا يستحب فلما يخاف من المضرّة الحاصلة بمعرفته كما تقدّم تحقيق ذلك في (الوهم الثّاني عشر) (٣).
فإن قيل: قد ورد في السّمع ما يدلّ على وجوب البيان على العلماء؛ فالجواب من وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ المراد بذلك بيان ما لم يبيّنه الله تعالى للعامّة إلا بواسطة علماء الشّريعة, من أحكام الفروع وأركان الشّريعة, وأمّا العلوم العقلية التي ساوى الله تعالى بين الجميع فيها فلا يجب
стр. 670
تعليمها لأنّ ما لم يتعلّق بالإسلام من ذلك لم (١) يجب إجماعاً, وما يتعلّق بالإسلام منه فقد بينه الله تعالى, وما بينه الله لم تجب إعادة البيان, ألا ترى أنّ ما بيّنه بعض العلماء لم تجب إعادة بيانه, مع أنّه ربما ظنّ أنّه قد بيّن للخصم ولم يتبيّن للخصم صحّة ما ذكره, فأولى وأحرى أن لا تجب إعادة بيان ما بينه الله تعالى, لأنّه يعلم البواطن ويعلم أنّه قد أقام الحجّة, وقد أعلمنا بذلك فعلمنا بخبره لنا قيام الحجّة على الكفّار, وكان ذلك أتمّ من مناظرتنا لهم, غاية ما في الأمر أنّ هذا تخصيص للعمومات الموجبة لتعلّم (٢) الجاهل, فهو تخصيص صحيح لأنّه تخصيص بالعقل, وتخصيص العموم جائز عند جماهير (٣) العلماء بالقياس الظّنّي, كيف بالدّليل العقلي!.
الوجه الثّاني: أنّا نخصّص تلك العمومات بفعل رسول الله ﷺ , فإنّه ﵇ لم يشتغل ببيان كيفية النّظر وتعليم العقلاء ذلك, بل دعا النّاس إلى الإسلام, وقاتلهم عليه وبلّغ ما أوحي إليه, والعلماء ليسوا أبلغ من الأنبياء, وقال تعالى في حقّ الأنبياء: ((وما علينا/إلا البلاغ المبين)) [يس/١٧] كذلك العلماء فإنّما هم ورثة الأنبياء, وأهل السّنة قد قاموا بحقّ الوراثة للعلم النّبوي, وقد علمنا أنّ رسول الله ﷺ لم يأمرنا بالمناظرة قبل قتال الكفّار, وإنّما أمرنا بالدّعاء قبل القتال حتّى اشتهرت الدّعوة النبوية وقاتل ﵇ قبل الدّعوة.
ومن المعلوم أنّ الكفّار لو اعتذروا بالشّبه وجاءوا بفيلسوف