Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
﴿وَكَذلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ لتقرأوه وتفهموه ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾ دينهم الذي يدينون به وفق هواهم ﴿بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والبراهين الساطعة، والحجج الدامغة ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ﴾ ينصرك «من الله» ﴿وَلاَ وَاقٍ﴾ يقيك غضبه وعذابه.
هذا وكل ما جاء خطاباً للرسول ﵊؛ بلسان التهديد والوعيد: إنما أريد به أمته؛ إذ أنه من المعلوم أن الله تعالى أرسل رسله لهداية الخلق، وإبعادهم عن أهوائهم؛ لا أن يتبعوا ضلال المضلين، وأهواء الكافرين
стр. 1542
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ﴾ كما أرسلناك ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ نساءً وأولاداً؛ كما جعلنا لك ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ منهم ﴿أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ معجزة ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بأمره وإرادته؛ لا بإرادة الرسول، ولا برغبة قومه واقتراحهم ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي لكل شيء موقت بوقت: أجل مكتوب محدد، أو لكل أجل من الآجال: وقت مكتوب لا يتعداه
стр. 1543
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ ينسخ ما يشاء نسخه﴾ ما يشاء إثباته؛ مكان الذي نسخ، أو «يمحو» ذنب المذنبين إذا تابوا، وكفر الكافرين إذا آمنوا «ويثبت» لهم الحسنات، مكان السيئات.
والمحو والإثبات عام في الرزق، والأجل والسعادة، والشقاوة، فقد أخرج ابن سعد وغيره، عن الكلبي. أنه قال: يمحو الله تعالى من الرزق ويزيد فيه. ويمحو من الأجل ويزيد فيه. وقد ذهب شيخ الإسلام زكريا الأنصاري إلى صحة ذلك.
وقد ورد: أن الصدقة، وبر الوالدين وصلة الرحم: تنسأ في الأجل.
وقد كان عمر رضي الله تعالى عنه يقول وهو يطوف بالبيت: اللهم إن كنت كتبت عليّ شقوة أو ذنباً فامحه؛ واجعله سعادة ومغفرة؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. حتى القضاء الأزلي: يمكن محوه وتغييره؛ أليس هو الفعال لما يريد؟
وليس أدل على المحو والإثبات: مما جاء عن الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه في القنوت؛ فإن فيه: «وقني شر ما قضيت» ولا ينقلب الشر خيراً؛ إلا بمحوه وتغييره، وإثبات الخير مكانه.
ولولا جواز المحو والتبديل، وإمكانه: لأصبح الدعاء لغواً، لا طائل وراءه؛ وقد قال تعالى:
⦗٣٠٤⦘ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله تعالى يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصله الذي لا يتغير؛ وهو علم الله تعالى الأزلي اللدني؛ الذي لا يدركه محو، ولا تبديل، ولا تغيير (انظر آية ٢٢ من سورة البروج)
стр. 1544
﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ﴾ وإن نريك ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل تعذيبهم ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ﴾ أي ليس عليك إلا إبلاغهم بما أرسلت به ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ مجازاتهم بما فعلوا حينما يصيرون إلينا
стр. 1545
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي أرض الكفار؛ ننقصها بامتلاك المسلمين لها وفتحها، أو المراد بالنقص: خرابها، وهلاك علمائها وفقهائها، وخيارها وسادتها. والأطراف لغة: الكرماء والأخيار ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ بما يشاء ﴿لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا راد لحكمه
стр. 1546
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ المكر: الكيد أي مكر الأمم المتقدمة؛ فكفروا برسلهم، وكادوا لهم؛ كما كفر بك قومك، وكادوا لك ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ فيجازي الماكرين على مكرهم، ويرد كيد الكائدين في نحورهم ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ من خير أو شر؛ فيجزيها عليه ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي العاقبة المحمودة في الآخرة
стр. 1547
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بما أظهره من الأدلة والبراهين والآيات، على صدق رسالتي ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ أي علماء أهل الكتاب الذين أسلموا؛ لأن صفة الرسول ﵊ ونعته جاء في كتبهم (انظر آية ١٥٧ من سورة الأعراف) وقيل: المراد بمن عنده علم الكتاب: الله تعالى. وقيل: هو جبريل ﵇.
стр. 1548
سورة إبراهيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1549
﴿الر﴾ (انظر آية ١ من سورة البقرة) ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ هو القرآن الكريم ﴿لِتُخْرِجَ﴾ به ﴿النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم (انظر آية ١٧ من سورة البقرة) ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره وإرادته وتوفيقه ﴿إِلَى صِرَاطِ﴾ طريق
стр. 1550
﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ الويل: حلول الشر، وقيل: إنه وادٍ في جهنم
стр. 1551
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يختارونها ويفضلونها ﴿عَلَى الآخِرَةِ﴾ فيتمسكون بزخرف الدنيا ومتاعها الفاني الزائل، ولا يؤمنون بما في الآخرة من ثواب وعقاب ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يمنعون الناس عن الإسلام ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ معوجة
стр. 1552
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أي إنه لا يجوز إرسال رسول أعجمي لأمة عربية، كما لا يجوز إرسال رسول عربي لأمة
⦗٣٠٥⦘ أعجمية؛ لذا وجبت ترجمة القرآن لسائر اللغات (انظر توفية هذا البحث بكتابنا «الفرقان») ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ﴾ من يشاء إضلاله؛ بعد أن يزجي له الآيات البينات، ويضرب له الأمثال والعظات، ويسوق له المعجزات والدلالات؛ حتى إذا ما استمرأ عصيانه، ولج في طغيانه: وكله إلى شيطانه؛ فأضله وزاد في إضلاله قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾
стр. 1553
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم (انظر آية ١٧ من سورة البقرة) ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي أنذرهم بوقائعه التي وقعت للأمم الكافرة قبلهم، أو ذكرهم بأيام نعمه عليهم؛ من تظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك من النعم التي لا تحصى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ التذكير ﴿لآيَاتٍ﴾ دلالات ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ كثير الصبر على الطاعة وعن المعصية ﴿شَكُورٍ﴾ كثير الشكر لربه على ما أولاه
стр. 1554
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ من سامه خسفاً: إذا أولاه ظلماً وذلاً ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أسوأه وأقبحه وأشده ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ يستبقونهن وقيل: يفعلون بهن ما يخل بالحياء ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ﴾ محنة
стр. 1555
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ أعلم. وهي أيضاً بمعنى: «قال» وبها قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ براً وخيراً ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ عبر تعالى عن عدم الشكر بالكفر؛ لما فيهما من أوجه الشبه: فالكافر منكر للإله، وهذا منكر لنعم الإله؛ فكلاهما في الكفر سواء وحقاً إن من يعرف الإله وينكر نعمه؛ لأشد كفراً ممن لا يعرفه أصلاً جعلنا الله تعالى من عباده الشاكرين
стр. 1556
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عن سائر خلقه ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود في صنعه بهم
стр. 1557
﴿وَعَادٌ﴾ قوم هود ﴿وَثَمُودُ﴾ قوم صالح ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالآيات الظاهرات، والحجج الواضحات ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي عضوا أناملهم من شدة الغيظ. وقيل: ردوا أيديهم في أفواه الرسل؛ ليمنعوهم من الكلام.
стр. 1558
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ بلا حساب ولا عقاب ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو انتهاء آجالكم، أو إلى قيام الساعة ﴿تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا﴾ تمنعونا ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا﴾ من الأصنام ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ بحجة واضحة؛ تتسلط على عقولنا؛ فتلزمنا بتصديقكم
стр. 1559
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بالإيمان والنبوة ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في سائر أمورهم (انظر آية ٨١ من سورة النساء)
стр. 1560
﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ وأي عذر لنا في ألا نتوكل عليه؟ ومن التوكل: الشكر عند العطاء، والصبر عند البلاء ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ هدى كلامنا طريقه المستقيم؛ الذي ارتضاه لنفسه، واختاره الله تعالى له
стр. 1561
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أي أوحى إلى الرسل ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين الطاغين
стр. 1562
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي أرض الظالمين وديارهم. وقد ورد «من آذى جاره ورثه الله داره» ﴿ذلِكَ﴾ النصر على الأعداء، وإيراث الأرض ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ أي خاف قيامه بين يدي للحساب يوم القيامة أو خاف قيامي عليه، ومراقبتي له؛ قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي خاف عذابي الذي أوعدت به في القرآن
стр. 1563
﴿وَاسْتَفْتَحُواْ﴾ أي طلب المؤمنون النصر من الله تعالى ﴿وَخَابَ﴾ ذل وخسر
⦗٣٠٧⦘ ﴿كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ متكبر، مجانب للحق
стр. 1564
﴿مِّن وَرَآئِهِ﴾ أي بعد انقضاء حياته ﴿جَهَنَّمَ﴾ يصلاها ﴿وَيُسْقَى﴾ فيها ﴿مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ هو ما يسيل من جوف أهل النار من القيح والدم
стр. 1565
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يبتلعه ﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ يزدرده لرداءته وقبحه ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي يأتيه أنواع العذاب المقتضية للهلاك، المفضية للموت؛ ولكن الله تعالى يمد في حياته؛ ليزيد في تألمه وتحسره
стр. 1566
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي صفة الأعمال الصالحة؛ التي يعملها الذين كفروا بربهم؛ كالصدقة، وحسن الجوار، وصلة الرحم؛ فهذه الأعمال صفتها ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ أي يوم شديد هبوب الريح، وكل مائل عن غرضه؛ فهو «عاصف» قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ وذلك بالنسبة لأجر الآخرة، أما في الدنيا فيجزون على أعمالهم هذه فيها ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ﴾ عملوا في الدنيا ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ أي لا يقدرون على نيل ثوابه في الآخرة ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾ العذاب والهلاك الكبير
стр. 1567
﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ﴾ أي ظهرت الخلائق ﴿جَمِيعاً﴾ وبرزتلله تعالى من قبورها ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ السادة والرؤساء ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا﴾ دافعون عنا ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ﴾ أي الرؤساء المتبوعون ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ إلى الإيمان ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ إليه، أو «لو هدانا» لما ندفع به عذابه «لهديناكم» إليه. وفاتهم أنه تعالى هداهم للإيمان فأبوا، وأرشدهم سواء السبيل فعصوا قال تعالى ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ﴾ الآن ﴿أَجَزِعْنَآ﴾ الجزع: ضد الصبر ﴿أَمْ صَبَرْنَا﴾ على ما نحن فيه من العذاب ﴿مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ منجى ومهرب
стр. 1568
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ أي فرغ من الحساب، ودخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ بأن قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار؛ فوفى بما وعد؛ وها قد دخلتم النار بعصيانكم، ودخل أهل الجنة الجنة بطاعتهم ﴿وَوَعَدتُّكُمْ﴾ بأن لا بعث، ولا حساب، ولا جزاء ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ كذبتكم ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ تسلط وقوة؛ حتى ألزمكم بالعصيان، وأكرهكم على الكفر
⦗٣٠٨⦘ ﴿إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ﴾ للكفر والعصيان ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أجبتم ندائي؛ بغير تعقل أو روية ﴿فَلاَ تَلُومُونِي﴾ الآن ﴿وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ على تغفلكم وعدم حرصكم ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾
بمغيثكم. أي بمجيب صراخكم ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ أي بإشراككم إياي مع الله في الطاعة والعبادة
стр. 1569
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هي كلمة التوحيد، أو هي كل كلمة طيبة يقولها الإنسان لأخيه الإنسان؛ فتهدىء من روعه، وتزيد في حبه قال تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ فهذه الكلمة الطيبة ينميها الله تعالى ويعلي أجرها وجزاءها ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أي طيبة الظل والثمر. قيل: هي النخلة. والمقصود بها: كل شجرة وارفة الظلال، مفعمة الثمار
стр. 1570
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ أي تجود بثمرها لآكله في كل وقت. وهو مثل للكلمة الطيبة وما تنتجه من طيب الأثر، ويانع الثمر
стр. 1571
﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة الكفر، أو كل كلمة رديئة بذيئة؛ تترك أثراً سيئاً في النفوس، وضغناً كامناً في القلوب ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ منظرها كريه، وطعمها رديء. قيل: هي الحنظل. وقصد بها كل شجرة سيئة المنظر والمخبر ﴿اجْتُثَّتْ﴾ استؤصلت ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ ثبات
стр. 1572
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ كلمة التوحيد ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بأن ينطقه الله تعالى بها عند موته، وعند سؤاله في القبر ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ بأن يشهد بها وقت الحساب، فينجو من العقاب ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين؛ فالكفر سابق على الإضلال ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ وإنما يضلهم بعد إصرارهم على الكفران وتمرغهم في أوحال العصيان، ورفضهم الحجج والدلالات، والآيات البينات قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾
стр. 1573
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً﴾ أي كفروا بالنعمة ولم يشكروا عليها، فقد خلقهم تعالى ليؤمنوا به، فأنكروا وجوده، وأصحهم ليطيعوه: فعبدوا غيره، وأفاض عليهم من نعمائه ليشكروه فكفروا به وبذلك بدلوا أنعمه تعالى عليهم كفراً به وقيل: المراد بالنعمة في هذه الآية: الرسول ﵊؛ وأكرم به من نعمة ما أعظمها وأجلها يؤيد ذلك قوله تعالى:
﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ
⦗٣٠٩⦘ دَارَ الْبَوَارِ﴾ لأن قومهم لما رأوا كفرهم بالنبي وتكذيبهم له اتبعوهم على ذلك. و «دار البوار» دار الهلاك
стр. 1574
﴿جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ المقر
стр. 1575
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ أمثالاً ﴿لِيُضِلُّواْ﴾ الناس ﴿عَن سَبِيلِهِ﴾ دينه ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾ في الدنيا مدة حياتكم ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ يوم القيامة ﴿قُلْ﴾ أمر صادر ممن بيده مقاليد السموات والأرض، ومن بيده الموت والحياة والنشور؛ لرسوله وصفيه، وخيرته من خليقته؛ يقول له:
стр. 1576
«قل» يا محمد ﴿لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بوحدانيتي ورسالتك ﴿يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ يؤدوها في أوقاتها ﴿وَيُنْفِقُواْ﴾ على الفقراء ﴿مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ بفضلنا؛ لا بكدهم وجهدهم؛ فكم من ساع - يتصبب عرقه، وينهال دمعه ودمه - في سبيل العيش؛ فلا يحصل على قوت يومه. وكم من قاعد أثقلته النعمة؛ والأرزاق عليه تترى من حيث لا يحتسب. وكم من مناد على سلعته؛ حتى جف لسانه، ونضب ريقه؛ فما تزداد سلعته بندائه إلا بواراً، ولا يزداد بتعبه إلا خساراً وكم من جالس على أريكته، لا يعلن عن بضاعته، ولا يدعو إليها، ولا يطنب في مدحها والمشترون من حوله كالذباب يحومون حول بضاعته المزجاة، ويتسابقون في شرائها، ويتزاحمون على اقتنائها. ومن هنا يصدق قول الحكيم العليم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ فكيف لا تنفق مما رزقك مولاك أيها المسكين؟ ﴿سِرّاً﴾ إذا كان في ذلك كبحاً لجماح غرورك وطرداً لشيطان ريائك، وستراً للفقير، وحفظاً لماء وجهه ﴿وَعَلاَنِيَةً﴾ إذا كان في ذلك تعليماً للمنفقين، وحثاً للممسكين وحذار - رحمك الله - من الرياء والإيذاء؛ فـ «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يوم القيامة ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾
كحال الدنيا: بيع وشراء، وأخذ وعطاء. فليراع الله تعالى في بيعه وشرائه لينفعه ذلك في يوم جزائه ﴿وَلاَ خِلاَلٌ﴾ ولا صداقة. فليراع في الدنيا من يصادق؛ فلا يخالل فيها إلا في الله ولله أو المراد «لا بيع فيه» لا عدل ولا فدية؛ فلا يستطيع المذنب أن يستبدل ذنبه، أو يفتدي نفسه بملء الأرض ذهباً «ولا خلال» أي ولا صديق ينفع في ذلك اليوم، أو يدفع عذاب الله تعالى
стр. 1577
﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ﴾ دائمين لا يفتران، ولا يقف أحدهما عن الدوران
стр. 1578
﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي وأعطاكم من كل ما رغبتم فيه. وقد جرت عادته تعالى أن يعطي عباده ما يسألون، وفوق ما يسألون ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ وكيف نحصي أنعمه التي لا تتناهى؟ أنحصي نعمة السمع والإبصار؟ أم نعمة الشم والذوق؟ أم نعمة الرزق والطعام؟ أم نعمة الماء والهواء؟ أم نعمة الإيمان والإسلام؛ التي لا تعادلها نعمة؟
⦗٣١٠⦘ حقاً إن الإنسان لو حاول الإحصاء والحصر: لضاق ذرعاً؛ ولما وسعه إلا أن يقول: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ﴾ كثير الظلم لنفسه؛ لعدم شكر ربه على أنعمه ﴿كَفَّارٌ﴾ كثير الكفر، قليل الشكر جاء في الحديث القدسي «أخلق فيعبد غيري، وأرزق فيشكر غيري»
стр. 1579
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ البلد: مكة؛ زادها الله تعالى شرفاً وأمناً ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ وقد استجاب الله تعالى لإبراهيم دعوته فلم يعبد أحد من ولده صنماً قط
стр. 1580
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ أي الأصنام ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي﴾ منهم ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي شأنه كشأني. وذلك كقوله: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوة الجاهلية». ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ فلم يؤمن بك، ولم يستجب لدعوتك ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ﴾ لذنوب المذنبين؛ بفضلك ﴿رَّحِيمٌ﴾ بعبادك تغفر لمن تشاء منهم، وتعفو عمن تشاء قال نبي الله عيسى ابن مريم صلوات الله تعالى وسلامه عليهما:
﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
следующие страницы →