Полный текст (5 331 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا﴾ أتبعنا ﴿عَلَى آثَارِهِم﴾ أي على آثار نوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أي اتبعوا عيسى وآمنوا به، وكانوا على شرعته ومنهاجه ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ وهما صفتان يمن الله تعالى بهما على من ارتضى من عباده، وجعله أهلاً لكرامته وجنته ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا﴾ أي اخترعوها؛ وهي أنهم كانوا يهجرون النساء، وكثيراً من المطاعم والملابس؛ بقصد التجرد من الملذات والشهوات، والتفرغ للعبادة ﴿مَا كَتَبْنَاهَا﴾ ما فرضناها ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولم يفعلوها ﴿إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ قاصدين بها وجهه الكريم؛ لكن من أتى بعدهم، وأراد السير على نهجهم: انتظم في سلك الرهبانية؛ قاصداً بذلك الصوالح الدنيوية؛ لذلك وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ كالذين سبقوهم إليها، وفرضوها على أنفسهم؛ ابتغاء ثواب الله تعالى
стр. 4272
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾ خافوه واخشوا غضبه وعقابه ﴿وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾
أي اثبتوا على إيمانكم به ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ نصيبين ﴿مِن رَّحْمَتِهِ﴾ والمراد بالكفلين: كثرة الثواب، وعظم الأجر ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ المراد بالنور هنا: العقل؛ لأنه كالنور الذي يهتدى به: يرى الإنسان به الصواب فيتبعه، والخطأ فيجتنبه؛ كما أن النور يتجنب به الإنسان المهاوي والمزالق والمهالك ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ كثير المغفرة لمن تاب ﴿رَّحِيمٌ﴾ بعباده؛ أرحم بهم من أمهاتهم
стр. 4273
﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي خشية أن يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على نيل شيء من فضل الله - لو أسلموا - مثل ما نلتموه أنتم بإسلامكم، واستوجبتموه، بتقواكم وإيمانكم ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ كلام مستأنف؛ أي اعلموا أيها المخاطبون أن الفضل بيد الله، لا بيد غيره؛ ولا طريق لنيله إلا بالتزام الطاعة، واجتناب المعصية، وتحري مرضاته تعالى ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقيل: الضمير في ﴿أَلاَّ يَقْدِرُونَ﴾ للذين آمنوا: الذين منحهم الله تعالى رفده
⦗٦٧١⦘ وفضله؛ وآتاهم كفلين من رحمته، وجعل لهم نوراً يمشون به في الدنيا والآخرة، وغفر لهم ذنوبهم، وآتاهم تقواهم و «لئلا يعلم» أي ليعلم، و «لا» زائدة، ويؤيد ذلك: قراءة من قرأ «ليعلم» و «لكي يعلم» وما قلناه أولاً هو أقرب إلى الصواب، وأجدر بالتفهم؛ ولم يسبقنا أحد إليه.
стр. 4274
سورة المجادلة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4275
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي﴾ شأن ﴿زَوْجِهَا﴾ هي خولة بنت ثعلبة، امرأة أوسبن الصامت؛ وقد كان راودها فأبت، فغضب منها وظاهرها؛ فأتت رسولالله، وقالت له: إن لي منه صبية صغاراً، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. فقال لها: حرمت عليه. فقالت: يا رسول الله إنه ما ذكر طلاقاً، وهو أبو ولدي، وأحب الناس إليَّ. فقال ﵊: حرمت عليه. فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت هذه الآيات
стр. 4276
﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ﴾ المظاهرة: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. فتبين منه ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ﴾ تنكره العقول؛ إذ ليست الأزواج بأمهات ﴿وَزُوراً﴾ باطلاً وكذباً
стр. 4277
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي يعودون لما حرموه على أنفسهم؛ مما أحله الله تعالى لهم. أو «يعودون» عما قالوه من الظهار، ويرغبون في إعادة أزواجهم إليهم ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي أن يعتق عبداً مملوكاً؛ عقوبة له على تحريم ما أحله الله تعالى (انظر آية ١٧٧ من سورة البقرة) ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ أي يعتق قبل أن يمس زوجته؛ بل تظل كالمطلقة ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي تتعظون به، وتتأدبون؛ فلا تعودون إلى الظهار
стр. 4278
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ أي لم يكن في ملكه عبيد أرقاء، ولم يكن عنده مال يشتري به ويعتق ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ بحيث إنه إذا أفطر أثناءهما - ولو في اليوم الأخير - وجب عليه إعادة صوم الشهرين ابتداء ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ﴾ الصيام؛ لمرض، أو كبر، أو مشقة ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ من أوسط ما يطعم أهله؛ بشرط إشباعهم طول يومهم؛ وذلك الإعتاق، والصيام، والإطعام ﴿لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فلا أدل على الإيمان من الطاعة والنزول على أمره تعالى
стр. 4279
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ﴾
يعادون ﴿كُبِتُواْ﴾ أذلوا وأخزوا، وردوا بغيظهم من كفار الأمم السابقة: الذين عصوا رسلهم، وعادوهم وآذوهم
стр. 4280
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ من سوء ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ عليهم، وكتبه في صحائف أعمالهم
⦗ ٦ ٧٢⦘ ﴿وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحدث ﴿شَهِيدٌ﴾ مشاهد له، وعالم به
стр. 4281
﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ النجوى: المسارة. والمعنى أنه تعالى حاضر معهم، مطلع على أحوالهم وأعمالهم، وما تهجس به أفئدتهم ﴿وَلاَ أَدْنَى﴾ أقل من الثلاثة ﴿وَلاَ أَكْثَرَ﴾ من الخمسة؛ ولو بلغوا آلاف الآلاف ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ في أقطار السموات، أو في أعماق المحيطات
стр. 4282
﴿عَنِ النَّجْوَى﴾ عن المسارة ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ﴾ ودخلوا عليك ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ كانوا يقولون للرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه: السام عليك؛ مكان السلام عليك. والسام: الموت ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ أي هلا يعذبنا ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي كافيتهم ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها
стр. 4283
﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ تساررتم ﴿وَتَنَاجَوْاْ بِالْبِرِّ﴾ يعني لا تكون مسارتكم إلا بقصد البر بالناس ﴿وَالتَّقْوَى﴾ خشية الله تعالى؛ وهي تشمل كل خير وبر قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ خافوه، واخشوا عذابه، واعملوا ما يرضيه ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
تجمعون يوم القيامة؛ فيحاسبكم على ما فعلتم من سوء، ويجزيكم على ما قدمتم من خير
стр. 4284
﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾ المسارة بالإثم والمعصية؛ كأن يناجي إنسان إنساناً على إذاية آخر، أو يناجيه على ارتكاب محرم؛ فكل هذا ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ يوعز به لبني الإنسان ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ وهم الذين لم يستمعوا للنجوى؛ بل رأوا المتناجين فظنوا أنها ضدهم. وقيل: كان الرجل يأتي الرسول ﵊؛ فيسأله حاجته؛ فكان إبليس اللعين يوسوس إليهم: إنه ناجى الرسول بشأن شدة الأعداء، وكثرة جموعهم؛ فيحزن المؤمنون لذلك
⦗٦٧٣⦘ ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ﴾ أي ليس الشيطان بضار أحد من المؤمنين، أو من المتناجي ضدهم ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في سائر أمورهم وأحوالهم؛ فهو جل شأنه لا شك ناصرهم ومعينهم (انظر آية ٨١ من سورة النساء)
стр. 4285
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والتفسح في المجالس من أكرم الخلال الإسلامية والخلق الإنسانية فيجب على كل مؤمن أن يفسح لأخيه الذي يريد الجلوس، أو الصلاة؛ ولو لم يقل بلسانه ﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ أي إذا قيل: انهضوا وانصرفوا، فانصرفوا: ولا ينتظرن أحدكم أن يقال له ذلك في مجلس من المجالس؛ بل عليه أن يراعي حالة الجالسين إليه، وأنسهم به؛ فإذا ما افتقد رعايتهم له، واهتمامهم بأمره: انصرف مشكوراً مأجوراً؛ قبل أن تمجه الأسماع، وتعافه الأبصار وهذا هو الأدب الرباني، والخلق القرآني؛ فاستمسك به أيها المؤمن: تعش سالماً من البغض، آمناً من الحقد وقيل: كان ذلك في مجالس الرسول خاصة والأولى أنها عامة ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ وعملوا بطاعة الله تعالى، وأمر رسوله ﵊ ﴿وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ كل بقدر عمله بعلمه. فمنهم من يعلم ولا يعمل، ومنهم من يعلم ويعمل؛ ولكنه فاسد الذوق، بليد الإحساس؛ يأتي سائر المكروهات، ويرتكب سائر المحرمات: فتراه يناجي من بجانبه بلا سبب، ويجلس مكان أربعة رجال بسبب عنجهيته، ولا يفسح المكان إذا ضاق بمن فيه، ولا يقوم من مجلسه - رغم بغض الجالسين له - حتى يكون عليهم كالطاعون؛ بل وشر من الطاعون فماذا أفاد علمه بجانب هذا الإحساس البارد، والذوق السمج؟ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من خير أو شر ﴿خَبِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر
стр. 4286
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ أردتم محادثته سراً؛ لأمر يهمكم ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ هو حث على التصدق؛ عند طلب الحاجة من الله تعالى، أو من رسوله ﵊. وذلك كقوله: «داووا مرضاكم بالصدقة» وهي نعم الدواء عن تجربة ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ﴾ ما تتصدقون به عند مناجاة الرسول، أو عند الدعاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكم ﴿رَّحِيمٌ﴾ بكم
стр. 4287
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً﴾ صادقوهم، واتخذوهم أولياء. والمراد بالقوم: بعض اليهود لعنهم الله تعالى ﴿مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ﴾ أي ليسوا من المؤمنين، ولا من اليهود؛ بل هم منافقون
стр. 4288
﴿اتَّخَذْواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ ستراً ووقاية لنفاقهم؛ يحلفون لك لتصدقهم، وما هم بصادقين ﴿فَصَدُّواْ﴾ بتوليهم اليهود ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن دينه؛ فهؤلاء
стр. 4289
﴿لَّن تُغْنِيَ﴾ لن تدفع ﴿عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ التي يجمعونها ﴿وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ﴾ الذين يعتزون بهم ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ من عقوبته وعذابه
стр. 4290
﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ في الآخرة كذباً. قال تعالى: «ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين» ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآن في الدنيا ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ﴾ بحلفهم هذا ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ بأن ينفعهم حلفهم في الآخرة؛ ويتخذونه «جنة» كما اتخذوه في الدنيا ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ في الدنيا والآخرة
стр. 4291
﴿اسْتَحْوَذَ﴾ استولى ﴿فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ تذكره، والعمل بأوامره
стр. 4292
﴿يُحَآدُّونَ﴾ يعادون ﴿أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ المغلوبين، المعذبين يوم القيامة
стр. 4293
﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ قضى، وخط في أم الكتاب، وقال؛ وقوله الحق ﴿لأَغْلِبَنَّ﴾ الكافرين ﴿أَنَاْ وَرُسُلِي﴾ بالحجة، والسيف؛ وذلك لأن الذلة للكافرين والمنافقين ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
стр. 4294
﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ﴾ يتحببون إلى ﴿مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عاداهما، وخالف أمر الله ونهيه ﴿وَلَوْ كَانُواْ﴾ هؤلاء المحادون المعاندون ﴿آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ بل يضعون مكان الود البغض، ومكان الحب الحرب.
نفى تعالى الإيمان عمن يواد الكفار ﴿وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ويقاس على ذلك العصاة والفسقة. وهل بعد مخالفة الله تعالى ورسوله، ومجاهرتهما بالعصيان من محادة؟ فليتدبر هذا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى من استمع لكلام ربه، واتبع توجيهه ونصحه؛ فلم يتخذ من الكافرين والفاجرين أولياء، أو أحباء؛ فهؤلاء ﴿كَتَبَ﴾ الله تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ جزاء بغضهم لمن يكره، وحبهم لمن يحب فواجب المؤمن أن يحب في الله، ويبغض في الله ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ بقوة منه. وقيل: الضمير في «منه» راجع للإيمان؛ أي وأيدهم بروح من الإيمان؛ فازدادوا إيماناً ويقيناً، والإيمان في ذاته: روح القلوب وحياتها
⦗٦٧٥⦘ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ أرقى المراتب التي يسعى إليها المؤمنون، ويجدّ في نيلها المتقون أن يرضى الله تعالى عنهم، ويرضيهم عنه اللهم ارض عنا وأرضنا؛ بقدرتك علينا، وحاجتنا إليك؛ يا رب العالمين، يا مالك يوم الدين، يا ألله، ياألله، ياألله ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الذين كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وأدخلهم جنته، ورضي عنهم وأرضاهم «أولئك» ﴿حِزْبُ اللَّهِ﴾ أحبابه وأنصاره: اتبعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه؛ فكانوا موطناً لحبه، وأهلاً لحزبه ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون في الدنيا والآخرة. (انظر آية ٥٤ من سورة المائدة).
стр. 4295
سورة الحشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4296
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ نزهه وقدسه ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من أملاك ومخلوقات ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ من إنس وجن، ووحش وطير «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم»
стр. 4297
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود ﴿مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ هم بنو النضير: أخرجهم المسلمون من ديارهم؛ حينما نقضوا عهدهم؛ وكان ذلك أول حشرهم إلى الشام. وقيل: إن آخر حشرهم: إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه لهم. أو هو حشر يوم القيامة.
هذا وقد يكون الحشر الثاني: هو خروجهم من فلسطين - بعون الله تعالى وقدرته - بعد أن تملكوها، وشتتوا أهلها في البراري والقفار، وسفكوا دماءهم، وقتلوا أطفالهم، وفضحوا نساءهم ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ كانت النضير - قبل إجلائهم عن ديارهم - يخربونها؛ لئلا ينتفع المسلمون بها، وقد خرب المسلمون باقيها بالسلب والمغانم
стр. 4298
﴿الْجَلاَءَ﴾ الخروج من الوطن ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ ولكنه تعالى اكتفى بما حل بهم من خزي خروجهم من وطنهم، وذلة مفارقتهم لبيوتهم
стр. 4299
﴿ذَلِكَ﴾ الخزي في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة﴾ خالفوا وعادوا
стр. 4300
﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾ نخلة ﴿﴾ بأمره وقضائه؛ نقمة منه تعالى
стр. 4301
﴿وَمَآ أَفَآءَ﴾ الفيء: الغنيمة ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي لم تسيروا إليه خيلكم، ولا ركابكم
стр. 4302
﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ أي حتى لا يكون الفيء دولة بين الأغنياء منكم خاصة. والمراد: حتى لا تتداوله الأغنياء منكم، وتتكثر به؛ مع حاجة الفقراء إليه، واضطرارهم له
стр. 4303
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ أي توطنوا المدينة ﴿وَالإِيمَانَ﴾ أي تمسكوا به وألفوه كما يألف الإنسان داره ووطنه؛ وهم الأنصار رضي الله تعالى عنهم ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني من قبل المهاجرين ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ وقد بلغ بهم الحب أن تآخوا معهم، وقاسموهم أموالهم. وقد بلغ من شدة حبهم، ومزيد تفانيهم: أن كان الأنصاري ينزل لأخيه المهاجر عن إحدى زوجتيه - أيتهما شاء - ويزوجها له ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ كمداً، أو حقداً على المهاجرين ﴿مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي بسبب ما أوتوه من الفيء والغنائم. وقد كان يعطي المهاجرين ويمنع الأنصار؛ وهم أحب إليه منهم الخصاصة: الفقر والحاجة؛ وقد نزلت هذه الآية في الأنصار لأنهم آثروا المهاجرين بكل ما في أيديهم؛ رغم افتقارهم وحاجتهم إليه. وقيل: ذهب أحد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم - بعد انتهاء إحدى المواقع - يبحث عن أخيه القتيل؛ وفي يده كوز فيه ماء ليسقيه إن كان به رمق؛ فوجده يحتضر، فناوله الكوز، وبعد أن رفعه إلى فيه سمع بجواره أنين جريح آخر؛ فأشار إلى أخيه أن يسقيه قبله؛ فذهب إليه فوجده قد أسلم الروح؛ فعاد إلى أخيه فوجده قد لفظ النفس الأخير: فنزلت هذه الآية. وسأل شاب من أهل بلخ أبا زيد: ما الزهد عندكم؟ قال: إذا وجدنا شكرنا، وإذا فقدنا صبرنا. فقال البلخي: هكذا عندنا كلاب بلخ؛ بل نحن إذا فقدنا شكرنا، وإذا وجدنا آثرنا ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الشح: اللؤم، وأن تكون النفس كزة، حريصة على المنع. وأما البخل: فهو المنع نفسه
стр. 4304
﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد الذين تبوأوا الدار والإيمان من الأنصار. والمقصود بهم المهاجرون ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ من الأنصار ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ فقد آمنوا بالرسول، وابتنوا المساجد، وجاهدوا في الله حق جهاده؛ قبل أن يحضروا إليهم
стр. 4305
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ هم عبد اللهبن أبي ابن سلول وأصحابه ﴿يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم بنو النضير؛ يقولون لهم تقوية لقلوبهم، وإثارة لهم ضد المؤمنين ﴿لَئِنْ﴾ غلبكم المؤمنون، و ﴿أُخْرِجْتُمْ﴾ من دياركم ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ بالامتناع عن معونتكم ﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ﴾ أي قاتلكم المؤمنون ﴿لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ عليهم ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ﴾ يعلم ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وإنما أرادوا بذلك إثارتهم وتحمسهم ضد المؤمنين
стр. 4306
﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ﴾ أي لئن أخرج المؤمنون بني النضير ﴿وَلَئِن قُوتِلُواْ﴾ أي قاتلهم المؤمنون ﴿لاَ يَنصُرُونَهُمْ﴾ لأن من صفات المنافق: الجبن؛ فهم جبناء. والكذب؛ فهم كاذبون ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ ساعدوهم فرضاً، وصدقوا في وعودهم ﴿لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ﴾ معهم: المنافقون وبنو النضير جميعاً؛ فقد كتب الله النصر لعباده، والخذلان لأعدائهم؛ فلا تجدي القوة، ولا يجدي الإقدام؛ فما بالك وهم ضعفاء أذلاء جبناء
стр. 4307
﴿لأَنتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ وذلك لأنهم يؤمنون بقوتكم وبطشكم، ولا يؤمنون ببطش الله تعالى وقوته. فإيمانهم في هذه الحال كإيمان البهائم: لا تؤمن إلا بحامل سوط أو عصا ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ ولو فقهوا لآمنوا بالله، وأطاعوا رسوله، وأنجوا أنفسهم من غضبه وعقابه
بعد أن وصف الله تعالى حال اليهود والمنافقين، ومبلغ إيمانهم به: أراد جل شأنه أن يصف مبلغ شجاعتهم وإقدامهم؛ فقال عز من قائل: إنهم لو أرادوا قتالكم؛ فإنهم
стр. 4308
﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً﴾ مجتمعين ﴿إِلاَّ﴾ إن كانوا ﴿فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ يأمنون فيها بطشكم ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ﴾ حوائط تقيهم بأسكم وسهامكم ﴿بَأْسُهُمْ﴾ بطشهم وشدتهم ﴿بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي هم شديدو العداوة لبعضهم ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ متحدين، ذوي ألفة ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ متفرقة؛ لا ألفة بينهم ولا مودة
стр. 4309
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ كفار بدر ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي ذاقوا الهلاك، الذي هو عاقبة كفرهم. فمثل المنافقين واليهود
стр. 4310
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ﴾ موسوساً إليه ﴿اكْفُرْ فَلَمَّا﴾ أطاعه و ﴿كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ فكذلك المنافقون. قالوا لليهود: «لئن أخرجتم لنخرجن معكم ... وإن قوتلتم لننصرنكم» فلما جد الجد: تخلوا عنهم وأسلموهم للتهلكة، وصدق فيهم قول الحكيم العليم ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
следующие страницы →