Полный текст (5 331 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ﴾ أي لئن أخرج المؤمنون بني النضير ﴿وَلَئِن قُوتِلُواْ﴾ أي قاتلهم المؤمنون ﴿لاَ يَنصُرُونَهُمْ﴾ لأن من صفات المنافق: الجبن؛ فهم جبناء. والكذب؛ فهم كاذبون ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ ساعدوهم فرضاً، وصدقوا في وعودهم ﴿لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ﴾ معهم: المنافقون وبنو النضير جميعاً؛ فقد كتب الله النصر لعباده، والخذلان لأعدائهم؛ فلا تجدي القوة، ولا يجدي الإقدام؛ فما بالك وهم ضعفاء أذلاء جبناء
стр. 4307
﴿لأَنتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ وذلك لأنهم يؤمنون بقوتكم وبطشكم، ولا يؤمنون ببطش الله تعالى وقوته. فإيمانهم في هذه الحال كإيمان البهائم: لا تؤمن إلا بحامل سوط أو عصا ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ ولو فقهوا لآمنوا بالله، وأطاعوا رسوله، وأنجوا أنفسهم من غضبه وعقابه
بعد أن وصف الله تعالى حال اليهود والمنافقين، ومبلغ إيمانهم به: أراد جل شأنه أن يصف مبلغ شجاعتهم وإقدامهم؛ فقال عز من قائل: إنهم لو أرادوا قتالكم؛ فإنهم
стр. 4308
﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً﴾ مجتمعين ﴿إِلاَّ﴾ إن كانوا ﴿فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ يأمنون فيها بطشكم ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ﴾ حوائط تقيهم بأسكم وسهامكم ﴿بَأْسُهُمْ﴾ بطشهم وشدتهم ﴿بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي هم شديدو العداوة لبعضهم ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ متحدين، ذوي ألفة ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ متفرقة؛ لا ألفة بينهم ولا مودة
стр. 4309
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ كفار بدر ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي ذاقوا الهلاك، الذي هو عاقبة كفرهم. فمثل المنافقين واليهود
стр. 4310
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ﴾ موسوساً إليه ﴿اكْفُرْ فَلَمَّا﴾ أطاعه و ﴿كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ فكذلك المنافقون. قالوا لليهود: «لئن أخرجتم لنخرجن معكم ... وإن قوتلتم لننصرنكم» فلما جد الجد: تخلوا عنهم وأسلموهم للتهلكة، وصدق فيهم قول الحكيم العليم ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
стр. 4311
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ﴾ أي عاقبة الشيطان. ومن أطاعه، والآمر بالكفر والفاعل له، والمنافقين واليهود
стр. 4312
﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أي ما قدمت من الأعمال الصالحة - في دنياها - ليوم القيامة
стр. 4313
﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ﴾ تركوا ذكره وتذكره، وخشيته ومراقبته ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أنساهم الإيمان والعمل الصالح الذي ينفعهم في معادهم، أو أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم
стр. 4314
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أن لو جعلنا للجبل تمييزاً كما جعلنا لكم، وأنزلنا عليه هذا القرآن؛ بوعده ووعيده: لخشع وخضع، واستكان وتشقق؛ خوفاً من الله تعالى ومهابة له، واعترافاً بوجوده وقدرته أو أريد بالجبل كما هو، وأنه - كسائر الجمادات - كائن يسبح دائباً بحمد الله تعالى ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ وأنه لو ألقي عليه القرآن: لما وسعه إلا الخشوع، ولما كان من شأنه إلا التصدع من خشية الله تعالى.
أو هو كقول القائل للسامع المعاند: لقد قلت لك قولاً يفهمه الحمار. ومن المعلوم أن الحمار لن يفهم؛ ولكنه دليل على قوة الحجة، وأنها مفهمة مفحمة ولكن السامعين لها كانوا أحط من البهائم، وأخس من السوائم، وأصم من الجمادات
стр. 4315
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن الأنظار، ودق على الأسماع ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ ما شوهد وبان للعيان. لأن من يعلم ما غاب؛ فإنه لما ظهر أعلم
стр. 4316
﴿الْمَلِكُ﴾ الذي لا يزول ملكه ﴿الْقُدُّوسُ﴾ المنزه عن كل قبيح. ومن تسبيح الملائكة له سبحانه: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) جل شأنه، وعز سلطانه ﴿السَّلاَمُ﴾ الذي سلم الخلق من ظلمه، وعم الكون عدله، وسلم كل من لجأ إليه واحتمى به. وهو الاسم الكريم الذي تدعو به الأنبياء يوم القيامة: يا سلام، يا سلام، يا سلام سلمنا الله تعالى من غضبه. ووقانا عقوبته، وأدخلنا جنته؛ بحرمة أسمائه ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ واهب الأمن؛ الذي يأمن عذابه من أطاعه ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الرقيب، الحافظ لكل شيء ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب؛ الذي لا يغلب، ولا يناله ذل ﴿الْجَبَّارُ﴾ العالي العظيم؛ الذي يذل له من دونه: والكل دونه ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ ذو العظمة والكبرياء ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزه وتعالى وتقدس؛ من هذه أسماؤه وتلك صفاته
стр. 4317
﴿الْبَارِىءُ﴾ الموجد للأشياء؛ بريئة من النقص والتفاوت ﴿لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ (انظر آيتي ١٨٠ من سورة الأعراف و١١٠ من سورة الإسراء) ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ ينزهه ويقدسه.
هذا وقد ختمت هذه السورة المباركة بمثل ما بدئت به: فقد كان بدؤها «سبح لله» بصيغة الماضي، وختامها «يسبح له» تعالى؛ بصيغة المضارع. فتعالى من سبح له كل مخلوق، وسبحت له سائر الأشياء
стр. 4318
سورة الممتحنة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4319
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ أي لا تتخذوا الكفار - الذين هم أعدائي: فلا يؤمنون بي، وأعداؤكم: فيسعون في إيصال الأذى بكم - أولياء توالونهم؛ وتتخذون منهم أصدقاء وأحباء ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ بالحب، ومظاهر الاحترام. وكيف يكون هذا حالكم معهم ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ﴾ الإسلام والقرآن. ولم يكتفوا بكفرهم وتكذيبهم؛ بل بلغ من إيذائهم أنهم ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ من مكة ﴿أَن تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي لأنكم تؤمنون ب الله ربكم ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِي﴾ فاحذروا ذلك؛ إذ أن خطر المنافق في الحرب أبلغ من خطره في السلم ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ وهذا غير لائق بالمؤمنين ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ لا تخفى منكم خافية ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أي يوالي العصاة، والكافرين، والمنافقين، ويوادهم ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ أخطأ طريق الحق والصواب؛ لأنهم
стр. 4320
﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ﴾ أي إن يجدوكم ويظفروا بكم ﴿يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقتال ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ﴾ بالإيذاء
стр. 4321
﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ قراباتكم لهم ﴿وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ المشركون؛ و
стр. 4322
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ قدوة ﴿حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إذ تبرأ من أبيه حين أبى الإيمان
⦗٦٨١⦘ ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ فاكفناهم الدنيا (انظر آية ٨١ من سورة النساء) ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾
رجعنا وأقبلنا
стр. 4323
﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي لا تسلطهم علينا؛ فيفتنوننا بعذاب لا نطيقه ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ يعرض عن الإيمان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن العالمين ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود في كل حال
стр. 4324
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ بانضمامهم إلى زمرتكم، واعتناقهم دينكم؛ فلا تحتاجون بعدها للوقوع في إثم موالاة الكافرين، وإلقاء المودة لهم ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على ذلك؛ وقد أسلم خلق كثير من المشركين؛ فصاروا لهم أولياء ونصراء ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لما سبق منكم قبل النهي ﴿رَّحِيمٌ﴾ بكم؛ لا يعاقبكم
стр. 4325
﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ يرينا الله تعالى أنه يجب علينا: حسن المعاملة، وطيب المعاشرة؛ مع سائر الأجانب الذين لم يقاتلونا، ولم يخرجونا من ديارنا، أو يحتلوا أوطاننا.
أما الذين يعتدون على ديننا أو بلادنا: فلزاماً علينا معاداتهم ومقاتلتهم ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ أن تكرموا الذين لم يقاتلوكم، ولم يعتدوا عليكم؛ وأن تحسنوا إليهم قولاً وفعلاً ﴿وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ﴾ تعدلوا بينهم ولا تظلموهم
стр. 4326
﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ عن موالاة ومصاحبة ﴿الَّذِينَ﴾ أضمروا لكم العداوة، و ﴿قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي بسبب الدين ومن أجله ﴿وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾ من مكة ﴿وَظَاهَرُواْ﴾ عاونوا أعداءكم ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ فهؤلاء هم الذين ينهاكم ربكم ﴿أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ أي تتخذوهم أولياء وأصدقاء ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ ينصرهم، أو ينتصر بهم؛ بعد ظهور نياتهم، وإبداء سيئاتهم ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون
стр. 4327
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ أي نساء الكفار؛ مهاجرات إليكم، راغبات في دينكم ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ اختبروهن في إيمانهن. روي أن رسولالله كان يقول للتي يريد أن يمتحنها: «ب الله الذي لا إله إلا هو: ما خرجت من بغض زوج؟ ب الله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض؟ ب الله ما خرجت التماس دنيا؟ ب الله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله؟» وهذا هو الامتحان الذي أمر به الله تعالى، ونفذه رسوله ﵊؛ ولكم ظاهر قولهن، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ فإن كن صادقات: فهن ناجيات، وإن كن كاذبات: فهن معذبات
⦗٦٨٢⦘ ﴿فَإِنَّ﴾ أدين امتحانهن، و ﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى﴾ أزواجهن ﴿الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ لأنهن حرمن عليهم بالإيمان ﴿وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ لأنهم كافرون ﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ أي أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا من المهور. وذلك لأن المهر: مقابل الاستمتاع، وقد زال الاستمتاع ببينونتها منه بسبب إسلامها؛ وليس بسبب طلاقه لها
﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا إثم ولا حرج ﴿أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ تتزوجوهن بعد ذلك ﴿إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن. وقد شرط تعالى إيتاء المهر في نكاحهن: إيذاناً بأن ما أعطى أزواجهن لا يقوم مقام المهر ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ أي اللاتي ارتددن ولحقن بالكفار اطلبوا ﴿مَآ أَنفَقْتُمْ﴾ من المهر
стр. 4328
﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ اللائي لحقن بأهلهن من ﴿الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ أي فأردتم القصاص ﴿فَآتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾ أي أعطوهم ﴿مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ﴾ من المهور على أزواجهم. وذلك من مهور من لحق بكم من المؤمنات اللاتي كن متزوجات من الكفار؛ وبذلك تحصل المقاصة التي أمر بها الله تعالى، وتقرها القوانين الوضعية ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فلا تجوروا في ذلك؛ بل مثل بمثل
стр. 4329
﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ يعاهدنك: فعاهدهن ﴿عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً﴾ قد يكون المراد بالإشراك هنا: الإفراط في الحرص على المال، والإفراط في حب النفس والأولاد، والجبن؛ لأن الله تعالى وصفهن أولاً بالمؤمنات ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ فوجب أن ينصرف الشرك عن عبادة ما عدا الله تعالى؛ إلى ما يبلغ حبه والحرص عليه حد العبادة ﴿وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ لم يرد أن أما قتلت وليدها في الجاهلية؛ وإنما كان يقوم بذلك الرجال دونهن؛ بطريق الوأد خشية العار، والقتل خشية الإملاق. وقد كان ذلك يتم برضاهن؛ فكن شريكات في الإثم. قال: «إذا قتل إنسان في المشرق، ورضي عن ذلك إنسان في المغرب: كان شريكاً في دمه» ﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ﴾ بكذب وزور ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ﴾ وهو ما أخذته المرأة لقيطاً؛ وزعمت لزوجها أنه ولدها منه بين وهو ما ولدته المرأة من زنى
стр. 4330
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً﴾ لا تصادقوهم، ولا تتخذوا منهم خلصاء وأحباباً.
⦗٦٨٣⦘ ﴿قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخِرَةِ﴾ أي أنكروا البعث ويئسوا من الإعادة يوم القيامة، أو يئسوا من الأجر والثواب؛ لأنهم لا إيمان لهم يجزون عليه، ولا عمل صالح يثابون بسببه ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾ الأحياء ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أن يعودوا إليهم مرة ثانية. أو «كما يئس الكفار» الذين هم في القبور؛ أن يرجعوا إلى الدنيا، أو يأسهم من ثواب الآخرة؛ لانقطاع عملهم بموتهم.
стр. 4331
سورة الصف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4332
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ نزهه وقدسه ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي من فيها من الملائكة، والكواكب والأفلاك؛ مما أحاط به علمنا، وما لم يحط به ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ من إنس وجن، ووحش وطير، وهواء وماء، ونبات وجماد ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه
стр. 4333
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ وهو أن يأمر الإنسان أخاه بالمعروف ولا يأتمر به، وينهاه عن المنكر ولا ينتهي عنه؛ وقد عناه الشاعر بقوله:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
تصف الدواء لذي السقام، وذي الضنا
كيما يصح به وأنت سقيم
стр. 4334
﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾ كبر: عظم. والمقت: أشد البغض
стр. 4335
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ مصطفين، متساندين، متعاونين، مقدمين على لقاء العدو ﴿كَأَنَّهُم﴾ لإقدامهم وتمسكهم ﴿بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ لا ينهار؛ لشدته واستوائه
стр. 4336
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ بالتكذيب والمعاندة ﴿وَقَد تَّعْلَمُونَ﴾ بما قدمت لكم من البراهين
стр. 4337
﴿أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ لا شك في رسالتي؛ بعد وضوح صدقي، وقيام معجزاتي ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ﴾ مالوا عن الحق ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ صرفها عن الحق، وأمالها عن الهداية؛ عقوبة لهم على زيغهم، وعدم إيمانهم
⦗ ٦ ٨٤⦘ ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي مصدقاً لما تقدمني من الأنبياء، والكتب التي جاءوا بها ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ هو إمام الرسل: نبينا محمد؛ وهو محمد، وأحمد، ومحمود، وحامد؛ وله ﵊ من الأسماء مائتا اسم وواحد؛ منها: الطاهر، المطهر، الطيب، رسول الرحمة، المدثر، المزمل، حبيب الله، صفيالله، نجيالله، كليم الله، المحيي، المنجي، البشير، النذير، النور، السراج المنير، البشرى، الغوث، الغيث، نعمة الله، صراط الله، سيف الله، المختار، الشفيع، المشفع. وهي مدونة بكتب الحديث والسير؛ مزينة بها حوائط مسجده الشريف بالمدينة المنورة. (انظر آية ١٥٧ من سورة الأعراف) ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم﴾ أحمد ﵊؛ الذي بشروا به. وقيل: الضمير في «جاءهم» عائد إلى عيسى ﵊؛ لأنه المحدث عنه ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحجج الظاهرات، والآيات الواضحات: كفروا به و ﴿قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ واضح بيَّن
стр. 4338
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ اختلق ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بأن كذب بآياته وبرسله ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ﴾ الذي ينجيه من الضلالة والجهالة، ويخلصه من ظلمات الكفر ﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي﴾ إلى دينه ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين يدفعون المعجزات بالتكذيب، والآيات بالإنكار
стр. 4339
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ﴾ أي ليبطلوا نور الحق الذي جاء به محمد؛ بما يقولونه ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ من أنه ساحر، وأن ما جاء به سحر
стр. 4340
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلام؛ الذي هو حق كله ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ اسم جنس؛ أي ليظهره على سائر الأديان
стр. 4341
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لما كان الله تعالى بمنه وكرمه يثيب على الإيمان والعمل الصالح؛ شبه هذا الثواب، والنجاة من العذاب بالتجارة؛ فمن قدم عملاً صالحاً: لقي جزاء رابحاً، ومن قدم إحساناً: لقي جناناً، ومن أرضى مولاه: أرضاه ربه وكرمه ونعمه فلا تجارة أنجح من هذه التجارة، ولا فوز أربح من هذا الفوز
стр. 4342
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما يصلحكم، وما ينجيكم
стр. 4343
﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات الإقامة؛ من عدن بالمكان: إذا أقام فيه
стр. 4344
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي ويمن عليكم بخصلة أخرى تحبونها؛ وهي النصر، والفتح القريب ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يا محمد - في الدنيا - بالنصر والفتح القريب، وفي الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
стр. 4345
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وهم أنصار عيسى ﵇، وحواري الرجل: خاصته وأنصاره ﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ غالبين.
следующие страницы →