← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36436

واجبات العمال وحقوقهم في الشريعة الإسلامية مقارنة مع قانون العمل الفلسطيني

سمير العواودة

Полный текст (255 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جامعة القدس الدراسات العليا واجبات العمال وحقوقهم في الشريعة الإسلامية مقارنة مع قانون العمل الفلسطيني سمير محمد جمعة العواودة رسالة ماجسيتر القدس - فلسطين ٢٠١٠ م - ١٤٣١هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ واجبات العمال وحقوقهم في الشريعة الإسلامية مقارنة مع قانون العمل الفلسطيني إعداد: سمير محمد جمعة العواودة بكالوريوس الفقه والتشريع من جامعة الخليل إشراف: الدكتور عروة عكرمة صبري المشرف المشارك: الدكتور ياسر زبيدات قدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات درجة الماجستير في الفقه والتشريع وأصوله من كلية الدعوة وأصول الدين/ جامعة القدس. ١٤٣١هـ/٢٠١٠م

стр. 3

جامعة القدس عمادة الدراسات العليا برنامج الفقه والتشريع إجازة الرسالة واجبات العمال وحقوقهم في الشريعة الإسلامية مقارنة مع قانون العمل الفلسطيني اسم الطالب: سمير محمد جمعة العواودة الرقم الجامعي: ٢٠٧١٤٤٥١ المشرف الرئيس: الدكتور عروة عكرمة صبري المشرف المشارك: الدكتور ياسر زبيدات نوقشت هذه الرسالة وأجيزت بتاريخ:٢٧/ ٧/ ٢٠١٠l م من أعضاء لجنة المناقشة المدرجة أسماؤهم وتواقيعهم: ١. رئيس لجنة المناقشة الدكتور عروة صبري ... التوقيع ....................... ٢. المشرف المشارك الدكتور ياسر زبيدات ... التوقيع ....................... ٣. الممتحن الداخلي الدكتور حسام الدين عفانة ... التوقيع ...................... ٤. الممتحن الخارجي الدكتور جمال الكيلاني ... التوقيع ....................... القدس - فلسطين ١٤٣١هـ/٢٠١٠م

стр. 4

الإهداء إلى منارة العلم الذي علّم المتعلمين، إلى سيّد الخلق والمرسلين، سيدنا محمد ﷺ . إلى الينبوع الذي لا يملّ العطاء، إلى من حاكت سعادتي بخيوط منسوجة من قلبها، والدتي العزيزة. إلى من سعى وتعب لأنعم بالراحة والهناء، الذي لم يبخل بشيءٍ من أجل دفعي في طريق النجاح، والدي العزيز. إلى من قاست معي أكثر من همّ، وعانت الكثير من الصعوبات، وتحمّلت معي سهر الليالي وتعب الأيام، زوجتي الغالية، وأهلها الكرام، ومعهم أبنائي الغوالي. إلى من حُبهم يجري في عروقي، ويلهج بذكراهم فؤادي، أشقائي وعائلاتهم وشقيقاتي وعائلاتهن، وزملائي في جمعية دورا الإسلامية لرعاية الأيتام ومدرسة الصديق الخيرية الأساسية. إلى من علموني حروفاً من ذهب، وكلمات من دُرر، أهل الشريعة في جامعة الخليل، وكلية الدعوة وأصول الدين في جامعة القدس. إلى من ساعدوني وتحمّلوا معي عناء البحث والتوثيق، العاملين في مكتبتي كلية الدعوة وبلدية الخليل، كان الله معهم. إلى العمّال المخلصين وأرباب العمل أجمعين. أهدي عملي المتواضع هذا. الطالب سمير محمد العواودة

стр. 5

الإقرار أقر أنا معدّ الرسالة بأنها قُدمت لجامعة القدس، لنيل درجة الماجستير، وأنها نتيجة أبحاثي الخاصة، باستثناء ما تم الإشارة له حيث ورد، وأن هذه الدراسة، أو أي جزء منها، لم يقدم لنيل درجة عليا لأي جامعة أو معهد آخر. التوقيع .......................... مقدم الرسالة: سمير محمد جمعة العواودة التاريخ:٢٧/ ٧/٢٠١٠م

стр. 6

الشكر والعرفان انطلاقاً من قول الله : ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (١) وامتثالاً لقول الرسول ﷺ :" لا يشكر الله من لا يشكر الناس" (٢)، وعرفاناً بالفضل لأهله فإنني أجد نفسي ملزمة بالشكر الجزيل إلى كل من أسهم وساعد ونصح وشجّع في هذا البحث، وأخصّ منهم: الدكتوران الفاضلان اللذان تفضلا بقبول الإشراف على هذا العمل: فضيلة الدكتور عروة عكرمة صبري حفظه الله تعالى، والدكتور ياسر زبيدات بارك الله فيه، فلقد جادا عليّ بالنصائح والتوجيهات والتصويبات، وأعطياني أغلى الأوقات وأنفسها. الأساتذة الكرام اللذين تفضلوا بالموافقة على إثراء هذا البحث من خلال مناقشة هذا العمل وهم: ١. الدكتور جمال الكيلاني عميد كلية الشريعة في جامعة النجاح الوطنية. ٢. الدكتور حسام الدين عفانة أستاذ الفقه وأصوله في جامعة القدس، والذي كان قد تفضّل وأشار علي بموضوع هذا البحث. ولن أنسى التقدم بوافر الشكر إلى بقية أساتذتي الكرام ابتداءً بالأساتذة في كلية الشريعة في جامعة الخليل، وانتهاءً بإخوانهم في كلية الدعوة وأصول الدين وكلية القرآن والدراسات الإسلامية، وبرنامج الفقه والتشريع في جامعة القدس، وجميع العاملين في الحقل العلمي من موظفين، راجياً من الله أن يبقيهم منارة للعلم الشرعي وأهله، ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر لأُسر المكتبات العامة في مكتبة بلدية الخليل ومكتبة جامعة الخليل وأتوّجهم بالعاملين في مكتبتي كلية الحقوق و الدعوة وأصول الدين في جامعة القدس، وبجوارهم كل من ساعد في طبع وتدقيق ومراجعة هذا العمل المتواضع.

стр. 7

الملخص تناول هذا البحث والمعنون بـ" واجبات العمال وحقوقهم في الشريعة الإسلامية مقارنة مع قانون العمل الفلسطيني " الواجبات والحقوق للعامل في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني، حيث بدأت فيه بتعريف الواجب عند علماء اللغة وعلماء الشريعة الإسلامية، ثم بيان معنى الحق لغة واصطلاحاً وكذلك عند علماء القانون، بعد ذلك بيان المعنى المراد من مصطلح العمل عند علماء الشريعة الإسلامية، وناقش البحث مشروعية عقد الإجارة في الشريعة الإسلامية والتكييف الفقهي لوظيفة العامل، مع بيان نوعي الإجارة على الأشخاص (الأجير الخاص والأجير المشترك) وأهم الفروق بينهما، بعد ذلك تطرق البحث للحديث عن نظرة الإسلام للعمل وللعمال في حقل التجارة والزراعة وبقية المجالات، مبيّناً تكريم الإسلام للعامل بغضّ النظر عن وظيفته. ثم تناول البحث واجبات العمال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني، وهذه الواجبات هي: إنجاز العمل المُتفق عليه على أكمل وجه، ومتابعة العامل على متابعته للعمل بنفسه، وكذلك ضرورة التواجد في مكان العمل المحدد، وأهمية المحافظة على أدوات العمل التي تكون تحت مسؤولية العامل، ثم تنفيذ العامل لأوامر صاحب العمل ضمن الحدود التي وضعتها الشريعة الإسلامية وأثبتتها نصوص القانون. ثم تطرق البحث للواجبات الأخلاقية التي ترتبط بمبدأ حُسن النية، وهي عدم إفشاء أسرار العمل مؤكداً ضرورة تفريق القانون بين السرّ المهني والخبرة المكتَسَبة من العمل، ثم ضرورة معاملة عملاء صاحب العمل معاملة حسنة، ثم بيّن البحث أهمية استعمال العامل لوسائل النظافة والوقاية المتوفرة في موقع العمل، ثم تناول البحث الحقوق الأخلاقية للعامل التي يجب أن يتمتع بها، وتشمل ضرورة توفير الدولة فرص العمل المناسبة للقادرين على العمل، ثم النظرة الإنسانية الموسومة بالعطف والرحمة للعامل، وضرورة العمل على رفع الروح المعنوية للعامل وتحفيزه الدائم من قِبل صاحب العمل أو من ينوب عنه، ثم تطرق البحث لمسألة تشغيل الأطفال وبيان الأثر السلبي من الناحية الشرعية والقانونية. كما أشار هذا البحث إلى حق العامل في تأدية العبادات، ثم تناول البحث موضوع حق العامل في الأجرة وبيان كيفية تحديدها والأمور التي ينبغي

стр. 8

مراعاتها عند تحديدها، وذلك بالمقارنة بين ما أوردته الشريعة الإسلامية وما ذكرته قوانين العمل مبيّنا الحاجة الماسة لتحديد الحد الأدنى من الأجور في فلسطين، وناقشت ربط الأجرة بمؤشر غلاء المعيشة، بعد ذلك ذكرت الوقت الشرعي والقانوني لدفع الأجرة والضمانات التي لا بدّ من توافرها لدفع الأجرة، ثم قواعد الوفاء بدفع الأجرة في الوقت المحدد. تطرق البحث لمناقشة الإجازات وبيان المعنى المقصود من الإجازة وأنواعها، كما ناقش البحث حكم التأمين في الشريعة الإسلامية، وحق العامل في التعويض عن كل ما يلحق به من أضرار نتيجة قيامه بالعمل المُتفق عليه، وناقش أيضاً التكييف الفقهي لمكافأة نهاية الخدمة وموقف القانون منها، كما تطرق للراتب التقاعدي، والموقف الشرعي والقانوني منه، وتناول البحث الموقف الشرعي من حق العامل في تقديم الشكاوى ضد صاحب العمل، وكذلك حقه في التظاهر والإضراب عن العمل، كما تطرق البحث لأحكام ابتكارات العامل وكيفية الاستفادة منه، ثم ذيّلت الأطروحة بالمسارد التي تخدم البحث. مشكلة البحث: تكمن مشكلة البحث في قلة معرفة العمال بواجباتهم وحقوقهم وخصوصاً المعاصرة منها. أهمية البحث: تعتبر هذه الدراسة مهمة نظراً لحاجة المكتبة إليها، ولبيان أوجه الاتفاق والافتراق بين الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني. منهجية البحث: اتبعت في بحثي المنهج الوصفي مع المقارنة والتحليل في بعض المواطن. أهم النتائج: ١. أن ينصّ قانون العمل الفلسطيني على أحكام تشغيل الأطفال. ٢. أن تستحق المرأة العاملة إجازة الوضع بمجرد اجتيازها لفترة التجربة في العمل. ٣. وفرة التوجيهات الإسلامية التي تركز على غرس معرفة العامل بواجباته وحقوقه. ٤. عندما ألزم الإسلام الإنسان بالمحافظة على الجسد فإنه قرر مبدأ الإجازات بأنواعها. ٥. العامل مُلزم بضمان ما أتلفه بتقصير أو إهمال. ٦. الراتب التقاعدي ومكافأة نهاية الخدمة حقٌ للعامل. ٧. الاحتجاج والتظاهر والإضراب عن العمل وسائل مشروعة إذا كانت غايتها وأساليبها مشروعة. ٨. الابتكار حق لصاحبه، ولا يجوز الاعتداء عليه.

стр. 9

Abstract In this research with its address "The Duties and Rights in Islamic Sharee'a compared with the Palestinian Work Law" the duties and rights to the worker in both Islamic Sharee'a and the Palestinian Work Law. I begin it by defining the duty from the Sharee'a and language scientists point of view, and showing the concept of the right lingnisti cally and Idiomatically, also as the law scientists defrint it, after that defring the labor from the share,a scientists point of view. In this research there is discussion about the legality of rent decument and the FiKh adjusts to the labor job with defring the Two sorts employe: the special and the common employers with their defferences ,after that this research talks about the Islamic look at work and workers in the field of agriculture and commerce and other aspects. Showing how Islam encourages and rewards the worker for away from looking and his job. the research discusses the duhes of Labours Sharee'a and the Palestinian work law. These duties are finishing the work well ,watching the worker how he fullfil the work himself , being in the work fild, Keeping the work tools safely, and implemining honestly the orders of the work owner with in the limita that the Islamic sharee,a and the Law prove. In this research also there is the morals duties which is related to the good will intention. Such as not to say the work secrets to any one , and the necessary of dealing the agents of the work owner in agood way. also in the research you can find the neccassary of using the means of healthy and safety that available in the work held.then the moral rights to the Labour as the role of the state to find work opporitunities to the workers and the humanitarian look to the Labour, and to encourage the labour and reward him.From the work owner, the research talks about the bad effects for permithing the child to work.the research talk about the rights to the Labour to do his worships law his salary from Islamic Sharee,a and law point of view in palestin in evey single details. In the research then is adiscussion about the work leares and their different kinds the insurance in Islamic Sharee'a, the worker right to be compensated if he exposed to dangers ,the worker rights of finishing the job after lony years and hoe this can be solred from both Sharee,a and Palestine laws. Retirement ,complaining against the work owner, demonstating and stor working also the research talks also about the worker's in versions and how can be in vested from it. At the end of the dissertation you can see clearly the references. The research problem The lack of workers Knowing about their and rights. The necessary of the research The library needs it , especially to know the agree and this agree between the Palestine and the Sharee,a. The research way

стр. 10

I Followed in my research the discriphon way in addihon to contrast and analyze in some cases. Results ١. The Palestinian Labour law must have texts about the lethality of the letting the children work. ٢. The work woman has right to lay permission "without depending of how many years she is at works. ٣. Allot of Sharee,a texts to worker to Know his rights and dutes. ٤. To keep your body safe in Islam, there are sereral kind of leaves. ٥. The worker is responsible for his failing in the work or destroying tools. ٦. The retirement salary and endying job reword is afull right to the worker. ٧. To stop working ,Protest , and demonstrations are full rights for the workers to achieve their legitimate rights. ٨. Innovation is afull right for its owner if is forbiclen to violate.

стр. 11

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن من مميزات الدين الإسلامي شمولية أحكامه لكل نواحي الحياة وجوانبها، إذ إن تشريعات هذا الدين العظيم شملت كل ما يحتاجه البشر، سواء أكان في المعاملات أم العبادات أم غيرهما، فما من خيرٍ إلا وقد دلّ الناس عليه، وما من شرٍ إلا و حذرهم منه، لذلك كانت شريعة الإسلام صالحة لكل زمانٍ ومكان؛ فأحكام الإسلام وتشريعاته تستوعب مختلف المسائل والقضايا التي تستجد في واقع الناس وحياتهم. فمنذ بدء الخليقة ظهرت الحاجة إلى إدارة العائلة أو القبيلة أو القرية أو المجتمع أو الدولة، ومع تطور البشرية تطورت الحاجة إلى وضع القوانين والأنظمة التي تضبط هذا التطور والتقدم، ومن هذا المنطلق جاءت الشريعة الإسلامية بمبادئ وأحكام عامة وتفصيلية تنظم من خلالها علاقة العامل مع صاحب العمل، والتي لا بدّ من إبرازها وإلقاء الضوء عليها، كما أن لتنظيم العلاقة بين صاحب العمل والعامل أثراً إيجابياً في عنصر الإنتاج، والذي يؤثر بشكل مباشر في التنمية والتقدم؛ لذا وجدت أسباباً داعية لاختيار هذا الموضوع، فكانت كثيرة أذكر منها: ١. عدم وجود دراسة مستقلة فيه على مستوى فلسطين - حسب علمي- فما وجدت من كتب في هذا الموضوع مقارنة مع القانون الفلسطيني. ٢. ما ألمسه في الحياة اليومية من قلة علم واضحة لدى العامل وصاحب العمل في معرفة كليهما لحقوقه وواجباته. ٣. حاجة المكتبة الإسلامية للتأصيل الشرعي لحقوق العامل وواجباته التي قررتها القوانين. ٤. بيان الحقوق أو الواجبات التي سكت عنها القانون الفلسطيني ولم يذكرها- إن وجدت -. ٥. تعريف العمال بحقوقهم الشرعية، وكذا بيان حقوق ربّ العمل والتزامات كل منهم تِجاه الآخر. منهج الدراسة اتبعت في دراستي لهذا الموضوع المنهج الوصفي مع المقارنة والتحليل، حيث حصرت المواد القانونية التي تتعلق بحقوق العمال وواجباتهم ومحاولة البحث عن شروحها، وعند انعدامها اتجهت نحو القوانين العربية المجاورة والشبيهة، كقانون العمل الأردني والمصري والسعودي، ثم قارنت هذه المواد بما تحدث عنه الفقهاء المسلمون القدامى والمعاصرون، وما قررته المجامع والهيئات الشرعية

стр. 12

المعاصرة، ثم أثبت المآخذ على القانون الوضعي، وبيّنت الاستدراكات التي رآها الباحث ضرورية، فكان عملي في هذا البحث على النحو الآتي: ١. عزو الآيات القرآنية وبيان موضعها من القرآن الكريم. ٢. بيان وجه الاستدلال من الآيات القرآنية. ٣. تخريج الأحاديث النبوية من كتب الأحاديث. ٤. الإتيان بحكم المحدثين على الأحاديث التي أسوقها خلال الدراسة- ما استطعت لذلك سبيلا-. ٥. بيان شرح الأحاديث النبوية مستعيناً بكتب شروح الحديث. ٦. تخريج الآثار الواردة في الدراسة. ٧. الرجوع إلى كتب الفقه الإسلامي لبيان أصل الحقوق أو الواجبات التي ذكرها القانون. ٨. الاعتماد على النسخة الرسمية لقانون العمل الفلسطيني الصادرة في سنة ٢٠٠٠م. ٩. الترجمة للأعلام الذين يرد ذكرهم في الدراسة. ١٠. الاستعانة بشروحات قانون العمل الفلسطيني. ١١. بيان أهم نقاط الاتفاق والافتراق بين الحقوق الواردة في الشريعة الإسلامية وتلك التي ساقها القانون. الدراسات السابقة عندما عقدت العزم على البحث في هذا الموضوع بحثت عمن كتب قبلي فيه فما وجدت إلا القليل من الكتب أذكر منها: ١. حقوق العمال في الإسلام للباحث عدنان بن خالد شعبان، وهي رسالة دكتوراة أُجيزت من كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر في سنة ١٩٧١م، بإشراف الدكتور محمد إبراهيم الخضراوي، ولم أتمكن من الاطلاع عليها، لعدم توفرها في المكتبات الفلسطينية وعجزي عن إحضارها من مكان نشرها. ٢. حقوق العمال وواجباتهم في الإسلام للباحث علي بن عبد الله الغامدي، وهي رسالة ماجستير أُجيزت من المعهد العالي للقضاء في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة ١٩٨٤م، بإشراف الدكتور عبد العظيم شرف الدين، وواجهت فيها ما واجهته في الرسالة الأولى. ٣. العمال في رعاية الإسلام لمؤلفه محمد محمد الطويل، وطبع سنة ١٩٩٨م في مكتبة الغد في مصر. الخطة التفصيلية جعلت رسالتي في ثلاثة فصول وخاتمة، فكانت على النحو الآتي:

стр. 13

الفصل الأول: تعريف بالواجبات والحقوق والتكييف الفقهي لوظيفة العامل وأسس اختياره، وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف بالواجبات والحقوق والتكييف الفقهي لوظيفة العامل، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: تعريف الواجب والحق. المطلب الثاني: التكييف الفقهي لوظيفة العامل. المبحث الثاني: نظرة الإسلام للعمل والعمال وأسس اختيار العمال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: نظرة الإسلام للعمل والعمال. المطلب الثاني: أسس اختيار العمال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني. الفصل الثاني: واجبات العمال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني، ويشمل المباحث الآتية: المبحث الأول: واجبات العمال في الشريعة الإسلامية، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: إنجاز العمل على الوجه المطلوب. المطلب الثاني: متابعة العامل للعمل بنفسه. المطلب الثالث: عدم الغياب عن العمل أثناء فترة العمل. المطلب الرابع: الحفاظ على ما تحت رعايته من آلات وأدوات ومعدات. المطلب الخامس: التعويض والضمان المطلب السادس: تنفيذ الأوامر بالقدر الذي يخص العمل. المبحث الثاني: واجبات العمال الأخلاقية وتشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: عدم إفشاء أسرار العمل. المطلب الثاني: إحسان معاملة عملاء صاحب العمل. المطلب الثالث: التعاون بما يحقق مصالح العمل. المطلب الرابع: استعمال وسائل النظافة والوقاية. الفصل الثالث: حقوق العمال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني، وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: حقوق العمال الأخلاقية، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: حق العامل على الدولة في توفير فرصة عمل. المطلب الثاني: حق العامل في المعاملة الإنسانية. المطلب الثالث: حق العامل في رفع الروح المعنوية وتحفيزه. المبحث الثاني: حق العامل في تأدية العبادات، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: حق العامل في تأدية فريضة الحج.

стр. 14

المطلب الثاني: حق العامل في تأدية الصلوات المفروضة. المطلب الثالث: حق العامل في تأدية صلاة الجمعة. المطلب الرابع: حق العامل في تأدية النوافل والسنن الراتبة. المبحث الثالث: حق العامل في الأجرة، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: تحديد الأجرة. المطلب الثاني: الاعتماد على مؤشر غلاء المعيشة في تحديد الأجرة، والحكم الشرعي في ذلك. المطلب الثالث: وقت دفع الأجرة وتملكها. المطلب الرابع: ضمانات الوفاء بالأجرة. المطلب الخامس: قواعد الوفاء بالأجر. المبحث الرابع: حق العامل في الإجازات، وتشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: الإجازة السنوية. المطلب الثاني: الإجازة الأسبوعية. المطلب الثالث: الإجازة المرضية. المطلب الرابع: الإجازة الأمومة. المطلب الخامس:.إجازة العارضة. المبحث الخامس: حق العامل في التأمين والتعويض، وفيه مطلبان: المطلب الأول: التأمين في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني. المطلب الثاني: التعويض في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني. المبحث السادس: حق العامل في مكافأة نهاية الخدمة والتقاعد، ويشمل المطالب الآتية. المطلب الأول: مكافأة نهاية الخدمة في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني. المطلب الثاني: الراتب التقاعدي في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني. المبحث السابع: حق العامل في الشكوى و التقاضي و التظاهر والإضراب عن العمل، وحق الابتكار، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: الشكوى والتقاضي. المطلب الثاني: التظاهر والإضراب عن العمل. المطلب الثالث: حق الابتكار. وأسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يكون قد وفقني وأعانني في كتابة هذه الرسالة، متضرعاً إليه سبحانه أن ينفع بها المسلمين، ويستفيد منها العامل وصاحب العمل؛ ليقوم الناس بالقسط، فما كان صواباً فمن توفيق الله لعبده، وما كان مجانباً للصواب فمن نفسي و الشيطان، -أعاذنا الله منه -.

стр. 15

الفصل الأول: تعريف بالواجبات والحقوق والتكييف الفقهي لوظيفة العامل وأسس اختياره ، وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف بالواجبات والحقوق والتكييف الفقهي لوظيفة العامل ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الواجب والحق والعمل. المطلب الثاني: التكييف الفقهي لوظيفة العامل. المبحث الثاني: نظرة الإسلام للعمل والعمال وأسس اختيار العامل، وفيه مطلبان: المطلب الأول: نظرة الإسلام للعمل والعمال. المطلب الثاني: أسس اختيار العامل في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني.

стр. 16

المطلب الأول تعريف الواجب والحق والعمل أولاً: تعريف الواجب لغة واصطلاحاً، فالواجب في اللغة من وجب الشيء يجب وجوباً، أي لزم (١)، ووجبت الشيء جعلته لازماً، واستوجب لشيءٍ استحقه (٢)، والواجب أيضاً من وجب الشيء إذا سقط، ومن ذلك قول الله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) واستوجب الشيء بمعنى ثبت. (٤) وفي اصطلاح علماء الشريعة الإسلامية فقد عرّفه الإمام الآمدي (٥) ﵀ الواجب بقوله:" ما طلب الشارع فعله من المكلَّف طلباً حتمياً، مقترناً على حتمية فعله، ويُثاب فاعله، ويُعاقَب تاركه، ويُكفَّر منكره إذا ثبت بدليل قطعي" (٦)، وهو" ما طلب الشارع فعله على وجه اللزوم، بحيث يذم تاركه، ومع الذم العقاب، ويُمدح فاعله ومع المدح الثواب" (٧)، والواجب في العمل: اسم لما لزم علينا بدليل فيه شُبهة، كخبر الواحد (٨)،والعام المخصوص، والآية المؤوَّلة، وذلك كصدقة الفطر والأضحية (٩)،

стр. 17

ثانياً: تعريف الحق في لغة واصطلاحاً: مصدر حقَّ الأمر: بمعنى وجب وثبت، ويأتي بمعنى: أوضح وصدق وذلك لقول الله : ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١)، واستحق الشيء واستحق الأمر إذا استوجبه، واستحق الإثم بمعنى وجبت عليه عقوبته، ومنه قول الله : ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) والاستحقاق طلب الحق (٣)، ويُطلق أيضاً على المِلك والمال، والأمر الموجود الثابت ومن ذلك قول الله : ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤)،ويرى بعض المعاصرين أن كل الاستعمالات اللغوية المستعملة لكلمة الحق تدور حول معنى الثبوت والوجوب، (٥) كما يُطلق الحق كذلك على اسمٍ من أسماء الله أو من صفاته، كما يُطلق على القرآن الكريم، وهو ضد الباطل، والموت، والحزم، (٦) وهو في اصطلاح أهل المعاني: الحكم المطابق للواقع، ويُطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك. (٧) وبالنسبة لتعريف الحق عند علماء الشريعة الإسلامية فلم أقف - بعد عناء البحث- على تعريف جامع للحق بالمعنى العام، وذلك لاعتمادهم على التعريف اللغوي، إلا ما وجدته عند صاحب كتاب البحر الرائق الذي عرّفه بقوله:" الحق ما يستحقه الرجل" (٨)، كما وجدت تعريفاً آخر لصاحب شرح المنار فقال:" الحق هو الشيء الموجود من كل وجه، ولا ريب في وجوده" (٩)، ومن ذلك قول الرسول

стр. 18

- ﷺ :" العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا " (١)، وهذا تعريف الحق بالمعنى اللغوي - والله تعالى أعلم-،ومن خلال استعمالات الفقهاء لكلمة الحق نرى أنهم لم يُطلقوها على معنىً واحد، لأنهم أطلقوا هذا اللفظ على معانٍ مختلفة، وكلها راجعة إلى المعنى اللغوي، ومنهم من أطلق كلمة الحق على جميع الحقوق المالية وغير المالية فيُقال مثلاً: حق لله تعالى وحق للعباد (٢)، وقد يستعملون هذا اللفظ ليدل على مرافق العقارات كحق المسيل وحق الطريق، وكذلك الحقوق المتعلقة بالبنايات في العصر الحديث، كحق الصعود للطوابق العليا، ومنهم من يستعمل لفظ الحق في البدل على ما ينشأ عن العقد الصحيح من التزامات، فعقد البيع مثلاً إذا تم بصورة صحيحة فينشأ عنه نقل الملكية للمشتري، وكذلك تسليم المبيع، ودفع الثمن حسب الحقوق، وكل هذه حقوق متعلقة بالعقد. (٣) أما علماء أصول الفقه فقد اهتموا بالحق وتقسيماته في باب المحكوم به، والذي هو فعل المكلَّف الذي يتعلق به خطاب الشارع (٤)، وهو عند الحنفية ينقسم باعتبار ما يُضاف إليه إلى قسمين هما: القسم الأول: حق لله تعالى، وهو ما يتعلق به النفع العام لجميع العالم، فلا يختص به واحد دون واحد، وإضافته إلى الله تعالى لعظيم خطره، وأهميته، وشمول نفعه للجميع (٥)، وهذا أقرب ما يكون عند علماء القانون بالأمور المتعلقة بالنظام العام، غير أنه عند الحنفية شامل للمصلحة الدنيوية والأخروية، ولا يختص بالدنيوية كما هو عند علماء القانون ومن الأمثلة على ذلك حرمة الزنا التي يتعلق بها عموم النفع من سلامة الأنساب (٦). القسم الثاني: حقوق العباد، وهذه الحقوق هي التي تتعلق بالأفراد وليس بالنظام، بل لا دخل للنظام فيها، وهي ما يتعلق بمصلحة خاصة دنيوية، كحُرمة مال الغير، وحق الدية، وحق بدل المتلفات.

стр. 19

وقد أضاف العلماء قسماً ثالثاً، وهو ما يشمل حقاً لله تعالى وحقاً للعباد، كحد القذف مثلاً، فيرى الحنفية أن حق الله تعالى وحق العبد إذا اجتمعا في شيء، ونفذ أحدهما سقط الآخر، وقالوا: لا يُجمع قطع وتغريم في السرقة (١)، بينما يرى غيرهم أنه لا تنافي بين الحقين (٢)، وإنما يُعرف الفرق بين هذه الحقوق بصحة إسقاط الحق، فما كان لله تعالى فلا يجوز إسقاطه، وكل ما جاز إسقاطه فهو حق للعبد. وقد نسب الدكتور الدريني (٣) ﵀ لعلماء الأصول تعريفاً للحق بقوله:" الحق الموجود والمراد به هنا حكم يثبت" وعلّق على هذا التعريف بأمرين هما: الأول: أنه بُني عن منشأ الحق ومصدره؛ لأن الحق لا يُعدُّ حقاً في نظر الشرع الإسلامي إلا إذا جاء من النصوص الشرعية ما يقرره، وتقرير الحق لا يكون إلا بحكم شرعي. الثاني: أن الحكم إن أُريد به خطاب الله المتعلق بأفعال المكلّفين فالحق ليس هو الخطاب نفسه، وإنما هو الأثر المترتب والثابت بالخطاب، فعلاقة الحق بالحكم هي علاقة المسبّب بالسبب، واستخلص الدكتور الدريني- ﵀ أن هذا تعريف بالأعم؛ لأن كل حق حكم، وليس كل حكم حقاً، (٤) هذا وقد اجتهد فقهاء العصر في تحديد معنى الحق وانقسموا في ذلك إلى قسمين: القسم الأول: وهؤلاء عرّفوه بحسب الغاية منه فقالوا:" هو مصلحة ثابتة للفرد أو المجتمع أو لهما معاً يقررها الشارع الحكيم" (٥)، ولكن يؤخذ على هذا التعريف أن الحق ليس مصلحة للفرد أو المجتمع، وإنما هو وسيلة يمكن أن يسلكها المكلف للوصول إلى المصلحة.

стр. 20

القسم الثاني: وهؤلاء عرّفوا الحق حسب موضوعه، فهو عندهم:" ما ثبت للإنسان استيفاؤه" (١) وأخذ الدريني- ﵀ على هذا التعريف أنه غير مانع؛ لأنه يشمل الرخصة والإباحة، إذ هي مما يثبت استيفاؤه شرعاً كذلك، كما لا يشمل التعريف حقوق الأسرة مثل حق الولي في تأديب الصغير، وذلك لأن المصلحة عائدة على غير صاحب الحق وهو المولّى عليه. (٢) أو هو اختصاص مظهر فيما يقصد له شرعاً (٣)،ثم اختار الدكتور الدريني ﵀ تعريفاً للحق فقال:"هو اختصاص يقرّ به الشرع سلطة على شيء أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقاً لمصلحة معينة (٤) "، ويُمكن ترجيح هذا التعريف للأسباب الآتية: ١. يميز بين الحق وغايته، فالحق ليس هو المصلحة بل هو وسيلة للوصول لهذه المصلحة. ٢. يشمل حقوق الله تعالى وكذلك حقوق الأشخاص الطبيعية والاعتبارية. ٣. يُبين مدى استعمال الحق بما أُلقي عليه من قيد" تحقيقاً لمصلحة معينة". ٤. يستبعد هذا التعريف المصلحة من تعريف الحق وكذلك الإرادة. ٥. يشمل هذا التعريف حقوق الأسرة وحقوق المجتمع. ٦. لم يجعل هذا التعريف الحماية الشرعية للحق عنصراً فيه، بل جعل الحماية الشرعية للحق من مستلزماته، فهي تالية من حيث وجودها لوجود الحق. (٥) ومعروف أن الحقوق تثبت بالأدلة، خاصة في موضع النزاعات، كمن ادّعى على غيره مالاً فعليه وصف مصدره، وهل هذا الحق كان ببيع أو قرض. وعرّفه الأستاذ مصطفى الزرقا (٦) ﵀ بقوله:" اختصاص يقرُّ به الشرع سلطة أو تكليفاً" (٧) وذلك كحق الولي في التصرف على من تحت ولايته، فإنه سلطة لشخص على شيء.

стр. 21

والمراد بالاختصاص: علاقة تشمل الحق الذي موضوعه مالي، كاستحقاق الدَّين في الذمة بأي سبب كان، والذي موضوعه ممارسة سلطة شخصية، كممارسة الولي ولايته، والوكيل وكالته. وهذه العلاقة لكي تكون حقاً يجب أن تختص بشخص معيّن أو بفئة، إذ لا معنى للحق إلا عندما يتصور فيه ميزة ممنوحة لصاحبه، وممنوعة عن غيره، أما ما كان من قبيل الإباحات العامة، كالاصطياد، والاحتطاب فلا تعدُّ حقاً بالمعنى المراد هنا؛ إذ لا يوجد شخص مطالب بأداء هذا الحق لصاحبه، ثم إن هذا الاختصاص لا يكون معتبَراً ما لم يعتبره الشرع، ولذا اشتُرط إقرار الشرع له، إذ لا حق إلا ما اعتبره الشرع حقاً. والمراد بالسلطة: ما يشمل سلطة شخص على شخص، كحق الولاية على النفس فهي للولي على القاصر؛ إذ له حق تأديبه وتطبيبه، والسلطة على شيء معين كحق الملكية، فهي سلطة على ذات الشيء. والمراد بالتكليف: تكليف الغير بأداء ما في عهدته لصاحب الحق، كقيام الأجير بعمله، وقيام المدين بأداء دينه. وما ذكره فضيلة الشيخ الزرقا- ﵀ في تعريفه وجيه وجامع، غير أن الفقهاء المتقدمين ﵏ لم يلتزموا في تعاريفهم ما التزمه المناطقة والأصوليون ومتأخرو الفقهاء بأن التعريف لا بد وأن يكون جامعاً مانعاً؛ لأن أكثر تعاريفهم إنما هو تعريف شمولي في الجملة، وهو ما يعرف عند المناطقة بالتعريف بالرسم، ولهذا نجد أن الفقهاء ﵏ يستعملون الحق بمعانٍ عدّة، وفي مواضع مختلفة، وكلها ترجع إلى المعاني اللغوية للحق (١)، والعلاقة بين الحق والواجب: أن الحق هو ما يستحقه صاحبه، بحيث يخوله سلطة على الآخرين، وبذلك تنشغل ذمم هؤلاء الآخرين بما يجب أن يؤدوه نحو صاحب الحق، وقد اجتهد فقهاء القانون في تعريف الحق وبيان وجهات نظرهم في مفهومه، وقد تبين لنا من خلال الاستقراء أن مذاهبهم تنحصر في أربعة مذاهب:

стр. 22

المذهب الأول: باعتبار صاحب الحق وهو ما يُعرف بالمذهب الشخصي أو نظرية الإرادة، حيث عرّفه أصحاب هذا المفهوم بقولهم:" الحق قدرة أو سلطة إرادية يخولها القانون شخصاً معيناً ويرسم حدودها" (١) ومن ثَمّ فهو صفة تلحق بشخص معيّن، ولكن هذا التعريف يتنافى مع هو متعارف في الشرائع من وجود حقوق لعديمي الإرادة كالصغير والمجنون. المذهب الثاني: باعتبار المصلحة في الحق وموضوعه وهذا ما يُعبّر عنه بالمذهب الموضوعي، حيث عرّفه أصحابه بقولهم:" الحق مصلحة يحميها القانون" (٢)، ويؤخذ على هذا التعريف أنه جعل المصلحة معياراً للحق، وليس كل حق مصلحة، وليس كل مصلحة تكوّن حقا. المذهب الثالث: وهو يجمع بين شرط مباشرة الحق وبين الهدف من المصلحة وهو ما يُعرف بالمذهب المختلط، وعرّفه أصحاب هذا المذهب بأنه" القدرة الإرادية المعطاة لشخص من الأشخاص في سبيل تحقيق مصلحة يحميها القانون". (٣) المذهب الرابع: وقد جاء أصحاب هذا المذهب بتعريف مستحدَث يكشف عن خصائص الحق المميزة له، فقالوا:"الحق استئثار بقيمة معينة يمنحه القانون لشخص ويحميه" (٤) ثم عرّفه الدكتور عبد الرزاق السنهوري (٥) ﵀ بقوله:" الحق مصلحة ذات قيمة مالية يحميها القانون" (٦).ومن العلماء من اختار للحق تعريفاً بقوله:" هو ميزة يمنحها القانون لشخص، ويضمنها بوسائله، يتصرف الشخص بمقتضاها

стр. 23

في مال يؤول إليه باعتباره مملوكاً أو مستحقاً" (١)، ومن خلال استعراض مذاهب فقهاء القانون في تعريف الحق يتبين للباحث أنه من الصعوبة بمكان أن يتفق الفقهاء على تعريف جامع ومانع للحق. وقد اتفق معنى "الحقّ" في الشريعة والقانون في أمرين: ١ - يقف حقُّ الشخص "سواء أكان طبيعياً أم اعتبارياً"حين تتعارض غاية منحه هذا الحقَّ مع غاية منح حقٍّ آخر لشخصٍ آخر. ٢ - حماية صاحب الحقِّ من الآخرين، وبقاء هذه الحماية ما دام صاحب الحقِّ يتَّجه إلى الغاية التي مُنِح الحقُّ لأجلها، هذا وقد اختلف معنى "الحقّ" في الشريعة والقانون في ثلاثة أمور: ١. نظرة الإسلام للحقِّ مبنيةٌ على أنه واجبٌ على الغير، بينما نظرة القانون له على أنَّه حقٌّ مستحقٌّ لمباشِره. ٢. مبنى الإسلام في نظرته للحقوق هو مصلحة الجماعة مع مراعاة الحقوق الفردية، بينما مبنى نظرة القانون هو مصلحة الفرد أولاً. ٣. يشمل تعريف "الحقّ" في الإسلام من قد لا يناله فائدة من ذلك، كحقوق الله تعالى، بينما "الحقّ" في القانون مرتبطٌ بمستفيد. (٢) أما تعريف العمل لغة: فهو المهنة والفعل، من عمِلَ عمَلاً، والجمع أعمال، وأعمله واستعمله غيره طلب إليه العمل، واعتمَلَ عمل بنفسه وأعمل رأيه، والعامل على الصدقة الذي يسعى في جمعها، والعامل من يعمل في مهنة أو صنعة (٣). أما تعريف العمل اصطلاحاً فله تعريفات عدّة، منها ما يوضح العمل بصورته العامة، ومنها ما يقيده بالمفهوم الشرعي أو الاقتصادي. ومن هذه التعريفات: "العمل كل ما يصدر من فعل أو حركة عن أي جسم كان، فقد يصدر عن الجمادات، والنباتات، والحيوانات أفعال وحركات مختلفة تعتبر أعمالا" (٤). أما في الاصطلاح الشرعي فقد عرّفه الإمام محمد بن حسن الشيباني (٥) بما يرادف هذا اللفظ في لسان الشرع، وهو الكسب بقوله: " الاكتساب في عرف اللسان هو طلب تحصيل المال بما يحل من أسباب " (٦)،

стр. 24

وهو في المفهوم الاقتصادي: "الجهد الإرادي الذي يبذله الإنسان مستهدفا ًإنتاج السلع والخدمات" (١).

стр. 25

المطلب الثاني التكييف الفقهي لوظيفة العامل الشائع استعمال عقد الإجارة على الأشخاص للدلالة على وظيفة العامل، مع أن هناك مصطلحات أخرى يستعملها الفقهاء، وهي عقد إجارة الأشخاص، أو عقد الإجارة على العمل، أو عقد منافع الأشخاص، والمصطلحات الثلاثة وإن كانت صحيحة، إلا أن الأدقَّ منها هو عقد الإجارة على العمل، أو منفعة الشخص (١)، ومن جهة أخرى فإن الإجارة على عمل الأشخاص هو أحد نوعي الإجارة عند جمهور الفقهاء (٢)، في حين ذهب المالكية إلى أن لفظ الإجارة يُستعمل للإجارة على عمل الأشخاص، واستعملوا لفظ الكراء على الإجارة الواردة على الأعيان فقالوا:" الإجارة تُطلق على منافع من يعقل، وأن الكراء يُطلق على العقد الوارد على منافع من لا يعقل" (٣) لذلك فإن إجارة الأشخاص تقع على صورتين: الأولى: الأجير الخاص: الذي استؤجر على أن يعمل للمستأجر فقط، ويُسمّيه الفقهاء أجير الوَحد (٤)، كالخادم، والموظف، والعامل في شركة أو مؤسسة، فهو يعمل لمعيّن عملاً مؤقتاً، ويكون عقده لمدة، ويستحق الأجرة بتسليم نفسه في هذه المدة؛ لأن منافعه صارت مستحقة لمن استأجره في مدة العقد (وحول هذا النوع تجري دراستنا بإذن الله تعالى).

стр. 26

الثانية: الأجير المشترك، وهو الذي يعمل لأكثر من مستأجر وبعقود مختلفة، ولا يتقيّد بالعمل لواحدٍ دون غيره، كالطبيب في عيادته أو المهندس في مكتبه، وهذا يستحق أجره على العمل وليس على المدة، وقد جاء في المادة رقم (٤٢٤) من مجلة الأحكام العدلية (١) أن الأجير المشترك لا يستحق الأجرة إلا بالعمل، وجاء أيضاً في المادة رقم (٤٢٥) من المجلة نفسها أن الأجير الخاص يستحق الأجرة إذا كان في مدة الإجارة حاضراً للعمل، ولا يُشترط عمله. (٢) ويتبن لنا أن الفروق بين الأجير الخاص والأجير المشترك -كما ورد في شرح المجلة- من وجوه: الوجه الأول: من حيث الماهية، وسبق بيانه؛ إذ إن الأجير الخاص يعمل للمستأجر فقط، والأجير المشترك يعمل للمستأجر وغيره. الوجه الثاني: من حيث استحقاق الأجرة؛ فالأجير المشترك لا يستحق أجرة عمله إلا بالعمل؛ لأن عقد الإجارة من عقود المعاوضة، والمعاوضة تقتضي المساواة، فإذا سلّم الأجير المشترك العمل إلى المؤجِّر استحق أن يستلم أجرته على ذلك، فالعمل يستلزم الأجرة والأجرة لا تُستحق إلا بالعمل المتقن حسب الاتفاق، أما الأجير الخاص فيستحق الأجرة بمجرد تسليم نفسه، ولو لم يعمل، فإذا منعه مانع من العمل، كانقطاع الكهرباء، أو انعدام الموادّ الخام في المنشأة فإنه يستحق الأجر. الوجه الثالث: من حيث الضمان، فالأجير الخاص لا يضمن ما يهلك في يده، إلا إذا هلك بتعدٍّ أو تقصير منه، أما الأجير المشترك فإنه يضمن ما يهلك في يده ولو لم يتعدّ، كمن أخطأ في صناعة ثوب فجاء قصيراً، لا يمكن لبسه بأي حال من الأحوال، فإن الأجير المشترك (الخياط) يضمن الثوب، ويُلزم بصناعة آخر بدل التالف. الوجه الرابع: من حيث رعي الفروع، فالأجير الخاص يُجبر على رعي فروع الأغنام إذا عمل راعياً، أما الأجير المشترك فلا يُجبر على ذلك (٣).

стр. 27

ومما يدل على مشروعية الإجارة على الأشخاص، تلك الأدلة من الآيات القرآنية المطهّرة والأحاديث النبوية الشريفة، وإجماع أهل العلم منذ عهدٍ بعيد، وكذلك المصالح المتحققة من الإجارة، وهذه الأدلة على النحو الآتي: أولاً: من القرآن الكريم. ١. قول الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (١) ووجه الاستدلال من هذه الآية أن الله أمر بإعطاء الأجر للمرضعة على عمل الرضاعة، وهذا يدل على مشروعية ذلك، كما يدل على وجوب الالتزام بدفع الأجر مقابل العمل في الإجارة، حيث يقول الإمام الشافعي (٢) ﵀:" ... فأجاز الإجارة على الرضاع، والرضاع يختلف لكثرة رضاع المولود وقلّته، وكثرة اللبن وقلّته، ولكن لما لم يوجد فيه إلا هذا جازت الإجارة عليه، وإذا جازت عليه جازت على مثله، وما هو في مثل معناه وأحرى أن يكون أبين منه" (٣) وجاء في تفسير الآية السابقة:"ويدل على أن الأُجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل ولا تستحق بالعقد، لأنه أوجبها بعد الرضاع " (٤)، قال الله :" ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ (٥)، والرضاع يختلف، فيكون صبي أكثر رضاعاً من صبي، وتكون امرأة أكثر لبناً من امرأة أخرى، ويختلف لبنها فيقلّ ويكثر، فتجوز الإجارات على هذا؛ لأنه لا يوجد فيه أقرب مما يحيط العلم به من هذا.

стр. 28

٢. استدلوا بقول الله : ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١) حيث جاء في تفسيرها:" أي جعلنا ذلك؛ لأننا لو سوينا بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحداً، ولم يصر أحد منهم مسخراً لغيره، وحينئذ يقتضي ذلك خراب العالم وفساد نظام الدنيا" (٢) كما تشير هذه الآية الكريمة إلى أهمية الإجارة في إعمار الأرض، وتحقيق وظيفة الاستخلاف فيها وتطبيق هذا المبدأ واقعاً عملياً. ٣. استدلوا أيضاً بقول الله : ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣) ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة أنها تدل على رفع الحرج عمن يستأجر امرأة لإرضاع ولدٍ من أولاده بالأجر، وفي ذلك دليلٌ على مشروعية إجارة الأشخاص. ٤. قول الله : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴿٢٦﴾ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧﴾ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴿٢٨﴾﴾ (٤) ووجه الاستدلال أن الآيات تحوي دلالة واضحة على جواز الاستئجار على العمل؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ (٥)،ويؤيد ذلك أن الإمام البخاري (٦) ﵀ عقد لذلك باباً خاصاً وجعل له عنواناً (باب إذا استأجر اجيراً فبيّن له الأجل ولم يبيّن له العمل" لقوله : ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٧) وقد احتجّ الإمام الشافعي ﵀ بهذه الآية على مشروعية الإجارة (٨).

стр. 29

٥. احتجوا بقوله في قصة موسى ﵇: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (١) وقد دلت الآية على جواز أخذ الأجر على العمل، كما دلّت على جواز الإجارة واستباحة الأجرة. (٢) ٦. استدلوا بقوله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ﴾ (٣) حيث نزلت في قوم كانوا يؤجرون- يكرون- أنفسهم في موسم الحج، وأن أناساً آخرين كانوا يزعمون أنهم ليسوا حجاجاً، فنزلت لتدلّ على أن ابتغاء الرزق عن طريق الإجارة لا يمنع كونهم حجاجاً. (٤) ثانياً: من السنة النبوية: أفرد صاحب أصحّ مؤلفات الحديث كتاباً في صحيحه سمّاه (كتاب الإجارة) ضمّ اثنين وعشرين باباً، ضمّت ثلاثين حديثاً مرفوعاً (٥)، المعلّق (٦) منها خمسة، والبقية موصولة (٧)، ووافقه الإمام مسلم (٨) على تخريجها، سوى حديث أبي هريرة (٩) ﵃ في رعي الغنم، ثم حديث " المسلمون عند

стр. 30

شروطهم" (١)، وحديث ابن عباس (٢) ﵃ في النهي عن عسب الفحل (ضرابه، أو ماء الفحل) (٣)،أما الإمام أبو داود السجستاني (٤) ﵀ فقد جمعها في كتاب الإجارة نذكر بعضها: ١. حديث عائشة (٥) ﵂ في قصة هجرة الرسول ﷺ ووالدها ﵃ حيث قالت:" واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الدّيل (اسم قبيلته) هادياً خريتاً (الدليل الحاذق (٦) وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما صبح ليال ثلاث" (٧).

стр. 31

٢. حديث أبي هريرة ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال:" قال الله تعالى:"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (١) ٣. حديث أبي هريرة ﵃ عن النبي ﷺ قال:" ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (٢). ٤. قول النبي ﷺ :" أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه" (٣). ثالثاً: من الإجماع: انعقد الإجماع على جواز الإجارة منذ عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-، وكذلك منذ عصر التابعين وأصحاب المذاهب المعتبرة ﵏، ولم يشذّ عن الإجماع إلا نفر قليل (٤)،حيث قالوا بعدم جواز الإجارة لاشتمالها على الغرر، ويؤيد الإجماع قول الكاساني (٥) ﵀:" وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على ذلك ... ، حيث يعقدون عقد الإجارة من زمن الصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير، فلا يُعبأ بخلاف، إذ هو خلاف الإجماع" (٦) > رابعاً: المصالح المعتبرة. مما لا شك فيه أن جواز الإجارة يحقق مصالح كثيرة للمؤجر والمستأجر، بل تتعدّى المصالح لتشمل المجتمع، وأنّ منعها يترتب عليه حرج شديد يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية في رفع الحرج عن الناس، لقول الله :" ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧) وكذلك قول الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٨)

стр. 32

فالناس محتاجون للإجارة، حيث الفقير يحتاج مال الغني، والغني يحتاج لعمل الفقير وخدمته وجهده، والمجتمع عامة يحتاج إلى تبادل الأموال بالمنافع، وكل هذا لا يتحقق إلا بالإجارة، ثم إنّ من مشروعية الإجارة، أنها شُرعت لرفع حاجة الناس، فليس كل واحد من الناس يستطيع السكن في مسكن خاص له، لذلك تندفع الحاجة إلى استئجار بيت يأوي إليه بقليل من المال، كما أن طبيعة المجتمع أن نجد فيه الفقير والغني، فليس للفقير مال يُغنيه عن الفقر، فيلجأ للعمل عند من هو أغنى منه، كل ذلك يكون عسراً ومشقة لو لم تُشرع الإجارة، أما عن تعريف العامل في اللغة: فهو الذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه وعمله، ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة عامل (١)، والعامل هو الذي ينظم الحسابات ويكتبها. (٢) وقد أطلق فقهاء اللغة لفظ العامل على من يعمل عملاً أو يحترف حِرفة، ونجد كثرة استعمالات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة للفظ العامل، ومنها استعمال القرآن الكريم لفظ العامل بمعنى الرجل الذي يجمع أموال الزكوات والصدقات من أصحابها ليتم إنفاقها على مستحقيها، وذلك في قوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وقد ورد لفظ عامل بمعنى ما يعمله المسلم من عمل للدنيا والآخرة وذلك في قول الله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (٤). كما ورد لفظ العامل في الأحاديث النبوية الشريفة بمعنى الساعي على جمع الصدقات كقول رسول الله ﷺ :" العامل على الصدقة كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته" (٥)، أما في العصر

стр. 33

الحالي فقد شاع استعمال كلمة عامل لكل من يعمل بأجرة معينة في عمل فردي أو جماعي، وفقهاء الإسلام استعملوا كلمة عامل لكل من يشارك بجزء من الإنتاج أو الربح (١)، أما أهل القانون فأطلقوا تسمية العامل على من يعمل بأجرة، حيث عرّفه قانون العمل الفلسطيني (٢) في المادة الأولى بأنه: " كل شخص طبيعي يؤدي عملاً لدى صاحب العمل لقاء أجر، ويكون أثناء أدائه العمل تحت إدارته وإشرافه" (٣)، والعامل بهذا المنى هو موضوع رسالتنا. ولم يشترط -كبقية القوانين - شروطاً ينبغي توافرها في الشخص حتى يخضع لنصوص قانون العمل، لكن محكمة التمييز الأردنية في قرارها رقم ١٩٥/ ٢٩، م. ن. م، ص٩٤٢/ ١٩٦٩ أقرت أنه يُشترط لاعتبار الشخص عاملاً وينطبق عليه قانون العمل أن تتوفر بحقه الشروط الآتية: ١. أن يكون نشاطه قاصراً على روابط العمل، ويُفهم من هذا الشرط أنه لا يجوز للعامل أن يعمل عملاً آخر، كما يُحظر عليه القيام بأي نشاط آخر، وهذا مما لا يجوز اشتراطه على العامل. ٢. أن لا تكون الأعمال المنوطة به أعمالاً عرضية مؤقتة، وهذا يعني أن الأعمال الطارئة غير منضوية تحت نصوص قانون العمل، وقد يتعرض العامل في مثل هذه الحالات والأعمال للظلم الذي قد يقع عليه. ٣. أن يكون في حياته معتمداً على وجه العموم على قانون العمل، بمعنى أن يكون العامل تابعاً اقتصادياً لصاحب العمل، وهذا فيه إجحاف بحق العامل، وزيادة على القانون، وتحميل للنصوص ما لا تحمله.

стр. 34

٤. أن يكون تابعاً لصاحب العمل ويعمل تحت إشرافه؛ لأن العامل إذا لم يعمل تحت إشراف المشغِّل فيعني هذا أنه غير ملزم به. (١) والفرق بين الاصطلاحين (اصطلاح فقهاء الإسلام وفقهاء القانون) أن فقهاء الإسلام نظروا إلى النتيجة من العمل، وهي الأجرة، وفقهاء القانون نظروا إلى الوسيلة والعمل، وأرى أن القضية قضية اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.

стр. 35

المبحث الثاني: نظرة الإسلام للعمل والعمال وأُسس اختيار العمال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: نظرة الإسلام للعمل والعمال. المطلب الثاني: أُسس اختيار العمال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني.

стр. 36

المطلب الأول نظرة الإسلام للعمل والعمال اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بالعمل والعمال، وكرّمهم أحسن تكريم، وذلك حينما عدّ العمل دليلاً على القيام بمهام الرسالة التي أمر الله تعالى بها الناس في قوله : ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (١)، ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة أن الإنسان حينما يعمل يكون قد أدّى رسالة ربه، وبالعمل كذلك يقوم دعوة الله إلى الإعمار والإصلاح. ومن خلال هذه الدعوة حثّ الإسلام الناس على العمل ورغّب فيه، وحارب الكسل والخمول والاتكال على الغير، وقد ضرب الرسول ﷺ وصحابته الكرام- ﵃ أروع الأمثلة العملية في تطبيق هذا المبدأ فنراه ﷺ ينزل ميادين العمل ويشارك صحابته الكرام في كثيرٍ من المواقف التي تكون بحاجة إلى عمل، كنقله للتراب عندما شرع المسلمون في حفر الخندق (٢) K وحتى يتجلّى هذا الاهتمام الرباني والحث النبوي على العمل وطلب الرزق والخروج سعياً له، جاءت جملة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد حرص الإسلام على العمل والاهتمام بالعمال منها: ١. قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٣) ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى امتن على عباده بأن جعل لهم الأرض مذللة ومنبسطة؛ ليستفيد من فيها بما فيها ويعملوا ليحصلوا الكفاية. ٢. قصّ علينا القرآن الكريم أحوال الأنبياء ﵈ الذين كانوا يحرصون على طلب الرزق والعمل، من أجل كسب الحاجات الأساسية، كموسى ﵊ الذي رعى الغنم على رجل مدين (أجير خاص)، فقال الله : ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤)، وكذلك نبي الله داود ﵊ الذي كان يعمل صانعاً للدروع من أجل بيعها

стр. 37

(أجير مشترك) فقال الله عنه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (١)، وقد روى أبو هريرة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال:" كان زكريا نجاراً" (٢)، و علّق الإمام النووي (٣) ﵀ على هذا الحديث بقوله:" فيه جواز الصنائع، وأن النجارة لا تُسقط المروءة، وأنها صنعة فاضلة، وفيه فضيلة زكريا ﵇، فإنه كان صانعاً يأكل من كسبه" (٤)، وفيه إشارة إلى أن كل أحد لا ينبغي أن يتكبّر عن كسب يده؛ لأن نبي الله مع علو درجته اختار هذه الحرفة (٥)،فلو كان الرزق يتأتى بدون عمل لجلس هؤلاء الأنبياء ﵈، وأتاهم رزقهم وهم في بيوتهم، ورسولنا محمد ﷺ الذي عرف أهمية العمل منذ صغره فعمل راعياً للأغنام (أجير خاص) عند مشركي مكة (٦)، وكذلك عاملاً في التجارة مع خديجة بنت خويلد (٧) ﵂. فهؤلاء الأنبياء لم ينظروا لنوع العمل أو أجرته، وإنما عرفوا أن قيمة الإنسان في ذاته، كما فهموا أن العمل المباح لكسب العيش يُعدّ وسيلة للحياة الكريمة، وعدّوا عملهم بمنزلة تعليم لأقوامهم.

стр. 38

وللدلالة على اهتمام الإسلام بالعمل فقد قرنه الله بأفضل عبادة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) فكان العمل وطلب الحلال سُنّة إلهية، وخُلُقاً إنسانيٌّاً رفيعاً، وقد جعل الإسلام العمل نعمة تستحق شكر الله، فقال : ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (٢)، وموضع الاستدلال من هذه الآية الكريمة أنها تحث المسلم على الأكل من عمل يده، والاعتماد على نفسه للكسب في شتى المجالات. وقد عدّوا الإسلام العمل نوعاً من أنواع الجهاد، بل وصل الأمر بالرسول ﷺ أن يزجر أصحابه لحُكمٍ أصدروه على رجل قوي الجسم يسعى إلى عمله، فعندما رأى الصحابة- ﵃ شاباً قوياً يسرع إلى عمله، قالوا: لو كان هذا في سبيل الله، فقال النبي ﷺ :"لا تقولوا، هذا فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعفّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" (٣). أما على الصعيد الاجتماعي فعدّ الرسول ﷺ أن أحقية الاحترام في المجتمع ينبغي أن تكون للعامل العزيز الكريم، وهذا ما سطّره الرسول ﷺ بقوله:" لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ له من أن

стр. 39

يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه" (١) وفيه الحضّ على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك (٢). ومن مظاهر العناية النبوية بالعمل والتشجيع عليه أن الرسول ﷺ بعد مقامه في المدينة المنورة وتدبير شؤونه، وتنظيم أمور دولته الناشئة اتجهت عنايته مباشرة إلى إصلاح الأراضي وتشغيل الأيدي العاملة، فأعلن أنه من أحيا أرضاً مواتاً فهي له (٣)، ووافق على تلك الطلبات المقدمة له من المسلمين القادرين على العمل، وتشجيعاً على العمل في الزراعة يروي أنس بن مالك (٤) ﵃ عن الرسول ﷺ أنه قال:" إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة (الصغيرة من النخل، والجمع فسائل وفسيل وفسلان) (٥) فإن استطاع ألّا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها (٦) ". واهتمام الرسول ﷺ بالزراعة وعمالها لا يقلّ عن اهتمامه بالصناعة وعمالها، فقد عدّ الاقتصار على الزراعة وعدم الحيد إلى غيرها من الأعمال التي اعتبرها مصدر شرّ وبلاء تورث للأمة ذلاً فقال:" إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلاً لا

стр. 40

ينزعه حتى ترجعوا إلى ربكم (١) " والعينة هي أن يشتري ثوباً مثلاً من إنسان بعشرة دراهم إلى شهر، وهو يساوي ثمانية، ثم يبيعه إلى نفس ذلك الشخص نقداً بثمانية، فيحصل له ثمانية، ويحصل عليه عشرة دراهم دين (٢)، ودرءاً للتعارض الذي قد يتبدّى للبعض بين هذا الحديث وأحاديث الحثّ على الزراعة فقد أجاب العلماء على هذا التعارض المتوقع بقولهم: ١. إن المراد بالذّل هنا: ما يلزمهم من حقوق الأرض، وأن من أدخل نفسه في ذلك فقد عرّضها للذل وليس هذا ذمّاً للزراعة. ٢. إن هذا الحديث محمولٌ على من يشغله الحرث والزرع عن القيام بالواجبات، كالحرب والجهاد في سبيل الله، وقد مال إلى هذا التفسير الإمام البخاري (٣) ﵀ حينما ذكر الحديث وجعله تحت باب (ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أُمر به) ومعلوم أن الغلو في الكسب والسعي الدؤوب وراءه يُلهي صاحبه عن القيام بالواجبات الشرعية، ويجعله يتكالب على الدنيا مع نسيان الآخرة ومتطلباتها. ويلزم الزراعة من الصناعات والحرف الأخرى التي تُكوّن الحياة الكريمة، ولم تكن الصناعات عملاً مباحاً فحسب، وإنما عدّها الإسلام من فروض الكفاية (٤) التي ينبغي للأمة الإسلامية أن تهتم بها، ويؤيد ذلك ما ذكره صاحب الإحياء حيث قال:" أما فرض الكفاية فهو لا يُستغنى عنه في قوام أمور
следующие страницы →