← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36436

واجبات العمال وحقوقهم في الشريعة الإسلامية مقارنة مع قانون العمل الفلسطيني

سمير العواودة

Полный текст (255 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المطلب الأول نظرة الإسلام للعمل والعمال اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بالعمل والعمال، وكرّمهم أحسن تكريم، وذلك حينما عدّ العمل دليلاً على القيام بمهام الرسالة التي أمر الله تعالى بها الناس في قوله : ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (١)، ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة أن الإنسان حينما يعمل يكون قد أدّى رسالة ربه، وبالعمل كذلك يقوم دعوة الله إلى الإعمار والإصلاح. ومن خلال هذه الدعوة حثّ الإسلام الناس على العمل ورغّب فيه، وحارب الكسل والخمول والاتكال على الغير، وقد ضرب الرسول ﷺ وصحابته الكرام- ﵃ أروع الأمثلة العملية في تطبيق هذا المبدأ فنراه ﷺ ينزل ميادين العمل ويشارك صحابته الكرام في كثيرٍ من المواقف التي تكون بحاجة إلى عمل، كنقله للتراب عندما شرع المسلمون في حفر الخندق (٢) K وحتى يتجلّى هذا الاهتمام الرباني والحث النبوي على العمل وطلب الرزق والخروج سعياً له، جاءت جملة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد حرص الإسلام على العمل والاهتمام بالعمال منها: ١. قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٣) ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى امتن على عباده بأن جعل لهم الأرض مذللة ومنبسطة؛ ليستفيد من فيها بما فيها ويعملوا ليحصلوا الكفاية. ٢. قصّ علينا القرآن الكريم أحوال الأنبياء ﵈ الذين كانوا يحرصون على طلب الرزق والعمل، من أجل كسب الحاجات الأساسية، كموسى ﵊ الذي رعى الغنم على رجل مدين (أجير خاص)، فقال الله : ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤)، وكذلك نبي الله داود ﵊ الذي كان يعمل صانعاً للدروع من أجل بيعها

стр. 37

(أجير مشترك) فقال الله عنه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (١)، وقد روى أبو هريرة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال:" كان زكريا نجاراً" (٢)، و علّق الإمام النووي (٣) ﵀ على هذا الحديث بقوله:" فيه جواز الصنائع، وأن النجارة لا تُسقط المروءة، وأنها صنعة فاضلة، وفيه فضيلة زكريا ﵇، فإنه كان صانعاً يأكل من كسبه" (٤)، وفيه إشارة إلى أن كل أحد لا ينبغي أن يتكبّر عن كسب يده؛ لأن نبي الله مع علو درجته اختار هذه الحرفة (٥)،فلو كان الرزق يتأتى بدون عمل لجلس هؤلاء الأنبياء ﵈، وأتاهم رزقهم وهم في بيوتهم، ورسولنا محمد ﷺ الذي عرف أهمية العمل منذ صغره فعمل راعياً للأغنام (أجير خاص) عند مشركي مكة (٦)، وكذلك عاملاً في التجارة مع خديجة بنت خويلد (٧) ﵂. فهؤلاء الأنبياء لم ينظروا لنوع العمل أو أجرته، وإنما عرفوا أن قيمة الإنسان في ذاته، كما فهموا أن العمل المباح لكسب العيش يُعدّ وسيلة للحياة الكريمة، وعدّوا عملهم بمنزلة تعليم لأقوامهم.

стр. 38

وللدلالة على اهتمام الإسلام بالعمل فقد قرنه الله بأفضل عبادة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) فكان العمل وطلب الحلال سُنّة إلهية، وخُلُقاً إنسانيٌّاً رفيعاً، وقد جعل الإسلام العمل نعمة تستحق شكر الله، فقال : ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (٢)، وموضع الاستدلال من هذه الآية الكريمة أنها تحث المسلم على الأكل من عمل يده، والاعتماد على نفسه للكسب في شتى المجالات. وقد عدّوا الإسلام العمل نوعاً من أنواع الجهاد، بل وصل الأمر بالرسول ﷺ أن يزجر أصحابه لحُكمٍ أصدروه على رجل قوي الجسم يسعى إلى عمله، فعندما رأى الصحابة- ﵃ شاباً قوياً يسرع إلى عمله، قالوا: لو كان هذا في سبيل الله، فقال النبي ﷺ :"لا تقولوا، هذا فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعفّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" (٣). أما على الصعيد الاجتماعي فعدّ الرسول ﷺ أن أحقية الاحترام في المجتمع ينبغي أن تكون للعامل العزيز الكريم، وهذا ما سطّره الرسول ﷺ بقوله:" لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ له من أن

стр. 39

يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه" (١) وفيه الحضّ على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك (٢). ومن مظاهر العناية النبوية بالعمل والتشجيع عليه أن الرسول ﷺ بعد مقامه في المدينة المنورة وتدبير شؤونه، وتنظيم أمور دولته الناشئة اتجهت عنايته مباشرة إلى إصلاح الأراضي وتشغيل الأيدي العاملة، فأعلن أنه من أحيا أرضاً مواتاً فهي له (٣)، ووافق على تلك الطلبات المقدمة له من المسلمين القادرين على العمل، وتشجيعاً على العمل في الزراعة يروي أنس بن مالك (٤) ﵃ عن الرسول ﷺ أنه قال:" إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة (الصغيرة من النخل، والجمع فسائل وفسيل وفسلان) (٥) فإن استطاع ألّا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها (٦) ". واهتمام الرسول ﷺ بالزراعة وعمالها لا يقلّ عن اهتمامه بالصناعة وعمالها، فقد عدّ الاقتصار على الزراعة وعدم الحيد إلى غيرها من الأعمال التي اعتبرها مصدر شرّ وبلاء تورث للأمة ذلاً فقال:" إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلاً لا

стр. 40

ينزعه حتى ترجعوا إلى ربكم (١) " والعينة هي أن يشتري ثوباً مثلاً من إنسان بعشرة دراهم إلى شهر، وهو يساوي ثمانية، ثم يبيعه إلى نفس ذلك الشخص نقداً بثمانية، فيحصل له ثمانية، ويحصل عليه عشرة دراهم دين (٢)، ودرءاً للتعارض الذي قد يتبدّى للبعض بين هذا الحديث وأحاديث الحثّ على الزراعة فقد أجاب العلماء على هذا التعارض المتوقع بقولهم: ١. إن المراد بالذّل هنا: ما يلزمهم من حقوق الأرض، وأن من أدخل نفسه في ذلك فقد عرّضها للذل وليس هذا ذمّاً للزراعة. ٢. إن هذا الحديث محمولٌ على من يشغله الحرث والزرع عن القيام بالواجبات، كالحرب والجهاد في سبيل الله، وقد مال إلى هذا التفسير الإمام البخاري (٣) ﵀ حينما ذكر الحديث وجعله تحت باب (ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أُمر به) ومعلوم أن الغلو في الكسب والسعي الدؤوب وراءه يُلهي صاحبه عن القيام بالواجبات الشرعية، ويجعله يتكالب على الدنيا مع نسيان الآخرة ومتطلباتها. ويلزم الزراعة من الصناعات والحرف الأخرى التي تُكوّن الحياة الكريمة، ولم تكن الصناعات عملاً مباحاً فحسب، وإنما عدّها الإسلام من فروض الكفاية (٤) التي ينبغي للأمة الإسلامية أن تهتم بها، ويؤيد ذلك ما ذكره صاحب الإحياء حيث قال:" أما فرض الكفاية فهو لا يُستغنى عنه في قوام أمور

стр. 41

الدنيا، كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب، فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد ممن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى، وسقط الفرض عن الآخرين، فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والنسج والسياسة بل الحجامة والخياطة" (١). وكم هو لطيف أن نجد الرسول ﷺ يُكرم الصنّاع، فيستجيب لدعوة خيّاط يدعوه لطعام، فعن أنس بن مالك ﵃ يقول:" إن خيّاطاً دعا الرسول ﷺ لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزاً ومرقاً فيه دباء (القرع) وقديد (اللحم المجفف في الهواء والشمس)، فرأيت النبي ﷺ يتبع الدباء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أحبّ الدباء من يومئذ" (٢) ويحترم الرسول ﷺ أصحاب المهن الشريفة على ضعف مردودها المالي، فقد قدمت امرأة تعمل في النسيج بُردة إلى النبي ﷺ فأخذها، حيث روى البخاري عن سهل بن سعد (٣) ﷺ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ببُردة فقالت: يا رسول الله إني نسجت لك هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجاً إليها، فخرج إليها وإنها إزاره، فقال رجل من القوم: يا رسول الله أكسينيها، فقال ﷺ : نعم، فجلس النبي ﷺ في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يردّ سائلاً، فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت" قال سعد: فكانت كفنه. (٤) ولم يكن العمل في التجارة بمنأى عن اهتمام الشريعة الإسلامية، فقال الله :" ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥)، ولقد امتن الله تعالى على أهل الجزيرة

стр. 42

العربية، وكذلك على أهل مكة خاصة أن هيأ لهم طرق التجارة والسفر من أجلها، حيث جعل الله مكة المكرمة مركزاً تجارياً متوسطاً فقال :" ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وبالحديث عن أهمية العمل والعمال في الإسلام نستوقف القارئ الكريم لنعرض لعمل الرسول ﷺ في رعي الأغنام حيث روى البخاري- ﵀ أن رسول الله ﷺ قال:" ما بعث الله نبياً إلا ورعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط (٢) لأهل مكة" (٣)، ومن الحِكَم اللافتة للنظر في رعي الرسول ﷺ للغنم دون غيرها من المهن ما يأتي: ١. أن يتحصّل للرسول ﷺ التمرّن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم. ٢. في مخالطة الأغنام يتحصّل الحِلم والشفقة بالرعية. ٣. إذا صبر راعي الغنم على رعيها وجمعها بعد التفرّق في المرعى، بالرغم من اختلاف طباعها، ينعكس ذلك على جمع شتات الأمة بعد تمزقها. ٤. في نقل الغنم من مسرح إلى مسرح واختيار المكان الأجود عُشباً تمرين لراعي الأمة أن يقود أمته إلى كل خير. ٥. في رعي الغنم يصاحب الراعي حذرٌ شديد على أغنامه من سطوة السباع والوحوش، وذلك يتنزّل على خوف القائد على أمته من الأعداء المتربصين. ٦. الغنم أسهل انقياداً لأوامر الراعي من الإبل والبقر، وفي ذلك إشارة إلى أن الأمة المحمدية أسهل خُلُقاً وألين طاعة للأمير (٤). لكل ذلك كانت إرادة الله تعالى للأنبياء السابقين، ولخاتمهم ﷺ العمل في رعي الأغنام، لما في ذلك من تواضعهم لربهم والتصريح بمنته عليهم، كل هذا مع ما في رعي الأغنام من مشقة وصعوبة على النفس. وقد عددت بعضاً من المهن التي عُرفت زمن الرسول ﷺ والصحابة الكرام- ﵃ هي:

стр. 43

١. التجارة: واشتهر فيها المهاجرون والأنصار، والدليل على ذلك ما قاله أبو هريرة ﵃:" إنكم تقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخوتي من المهاجرين كان يُشغلهم صفقٌ (١) بالأسواق وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا، وكان يُشغل إخوتي الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءاً مسكيناً من مساكين الصفة، أعي حين ينسون، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول، فبسطت نَمِرَة (بُردة) عليّ، حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شيء." (٢). ٢. الزراعة: لقول الرسول ﷺ :" ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (٣). ٣. تجارة القماش: وقد عمل بها أبو بكر الصديق (٤) ﵃، فلما استُخلِف أصبح غادياً إلى السوق على رأسه أثواب يتجر فيها، فمنعه كبار الصحابة وفرضوا له كل يوم شطر شاة. (٥) ٤. بيع الماء والحطب: حيث جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يُقال لهم القرّاء فيهم حرام بن ملحان (٦)، يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل، وكانوا بالليل يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصُفّة والفقراء" (٧)

стр. 44

٥. ترميم البيوت: حيث مرّ النبي ﷺ بعبد الله بن عمر (١) ﵃ وهو يُصلح خصّاً (بيت يُعمل من الخشب والقصب) (٢) له فقال النبي ﷺ : ما هذا؟ قال: أُصلح خصّاً لنا يا رسول الله، قال: الأمر أسرع من ذلك" (٣). ٦. الخياطة: وقد سبق المثال على شيوع مهنة الخياطة. ٧. الحدادة: وهي مهنة خباب بن الأرت (٤) ﵃. (٥) ٨. الصيد: حيث قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٦) وعن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ يوماً فقال: يا رسول الله: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر فقال الرسول ﷺ :" هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٧) وواضح أن هذا الرجل كان صياداً، حيث لم يُعرف أن أناساً ركبوا البحر للأغراض العسكرية أو التجارية، فلم يبق إلا الصيد ليركب الناس البحر من أجله. ٩. العطارة، حيث بوّب لها البخاري- ﵀ لهذه المهنة باباً تحت كتاب البيوع. ١٠. الصرافة. ١١. الصيدلة. ١٢. السمسرة.

стр. 45

١٣. الصبّاغ. ١٤. التصوير. (١) وفي ختام حديثنا عن مكانة العمل والعامل، يكفي العامل شرفاً أن الله ذكر العمل في القرآن الكريم في (٣٦٠ آية) وردت (١٩٠آية) تحدثت عن الفعل، وهي تتضمن أحكاماً شاملة للعمل وتقدير العامل وعقوبته ومثوبته (٢)، ويكفي العامل فخراً أن الرسول ﷺ جعل العمل عبادة وطاعة لله تعالى (٣).

стр. 46

المطلب الثاني أُسس اختيار العمال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني تعدُّ الأسس والضوابط التي يتم بناءً عليها اختيار العامل مظهراً من مظاهر النزاهة، والقاعدة الأساسية لبناء مجتمع مسلم، هو أقرب ما يكون شبيهاً للمجتمعات التي مضت؛ وذلك لأنها تستهدف إيجاد شخص مناسب يستطيع القيام بالمهام الموكلة إليه على أحسن وجه، ومن أجل ذلك وضعت اعتبارات وضوابط ينبغي مراعاتها عند تشغيل أي عامل، وهي ما وردت في القرآن الكريم في سورة القصص على لسان ابنة شعيب عند تزكيتها لموسى ﵉، وكذلك ما ورد في سورة يوسف ﵊ على لسانه حينما طلب ولاية الأرزاق من ملك مصر. وسأتحدث عن هذه الضوابط، مع إضافة ما رأيته مهماً في اعتماد العمال والموظفين، وقد جمعت شتاتها من بعض الكتابات الصحفية والمواقع الإلكترونية، وهي على النحو الآتي: ١. الإسلام: ولم يرد- حسب علمي- من اشترط أن يكون العامل مسلماً، بل ورد لنا في كتب التاريخ ما يفيد تشغيل غير المسلمين، و رأينا رسول الله ﷺ يستعمل دليلاً مشركاً في هجرته، حيث لم يجد أقدر منه على هذه المهمة، ولكن الحديث هنا عن الوظائف المهمة والتي ينبغي أن تُسند للمسلم دون غيره، ويُستدل على ذلك بقول الله : ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (١) ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة أن الله منع ولاية الكافر على المسلم، أما إذا تنافس مسلم وغير مسلم على وظيفة إدارية، أو عمل بمشغل فينبغي مراعاة العدل في التنافس، ويُقدَّم الأكفأ والأصلح لهذا العمل، بشرط أن لا يكون هذا العمل مما يتضمن أسراراً للمسلمين ينبغي على غيرهم أن لا يطلع عليها. في حين يجب على ولي الأمر منع تشغيل غير المسلم في بعض الحالات استناداً للمصلحة المرسلة التي يراها ولي الأمر، ومنها انتشار البطالة بين أبناء المسلمين، ففي مثل هذه الأحوال يتجه أرباب العمل لتشغيل غير المسلم خصوصاً العمال الأجانب نظراً لقلة أجرتهم، فينبغي البدء بتشغيل المسلم إذا لم يوجد فرصة عمل إلا لهم؛ لأنه بتشغيله يُساعد على تقليل نسبة الفقر في المجتمع المسلم. ٢. الأمانة: ومعروف أن الأمانة تتعدى المعنى المعروف لدى عوامّ الناس، وهو إرجاع الأشياء العينية لأصحابها، لتشمل الأمانة في العمل، والأمانة في نقل المعلومات، وكذلك التعامل مع المهنة ومكان العمل.

стр. 47

وهذا الضابط الذي ينبغي مراعاته عند توظيف العمل يُمكن التأكد من تحققه في العامل المتقدم للوظيفة من خلال السؤال عنه قبل التعاقد معه، ولا بدّ من اختيار الرجل الأمين للسؤال عن العامل، وقد ذكر القرآن الكريم هذا الضابط في قوله : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (١) ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن ابنة شعيب ﵇ قد علمت من خلال تربية والدها لها أن العامل لا بدّ من توافر عنصر الأمانة عنده، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد ناسخ، ولم يرد ناسخ من شرعنا، بل جاء في الأخبار ما يؤكد ضرورة الالتزام بخُلُق الأمانة، ومنها قول الرسول ﷺ : "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" (٢)، وكذلك قول الرسول ﷺ لأبي ذر الغفاري (٣) ﵃ حينما طلب الولاية:" إنك ضعيف، وإنها أمانة وهي يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه منها" (٤) ٣. الكفاءة: وتعني القدرة على القيام بالعمل المُناط به على أكمل وجه، وهذا الضابط يمكن التحقق منه بوساطة الاختبار الكتابي للأعمال التي تتطلب البراعة في الكتابة والقراءة والحساب، أما إذا كان العمل من الأعمال الخدماتية فيمكن التحقق من ضابط الكفاءة من خلال معرفة خبرته في هذا العمل، وسيرته بين أبناء مهنته، أو من سبق لهذا العامل أن عمل عنده. وهذا الضابط له من القرآن الكريم ما يعضده، وذلك في قصة سيدنا يوسف ﵊، حينما طلب ولاية الأرزاق من عزيز مصر فقال الله على لسانه: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٥)، وقد أظهر يوسف ﵊ تمكنه من العمل الذي طلبه، وأبرز مؤهلاته، وهي الحفظ والعلم، وهنا يأتي اعتبار معيار الشهادة عند التوظيف، وكم سمعنا عمن هو مسؤول عن كثير من الموظفين الذين يفوقونه في تخصصه، بل وأكثر منه اتقاناً للعمل الذي يقوم به_ وللأسف الشديد-.

стр. 48

وقد وضع علماء الإدارة الحديثة عدّة أنواع من الاختبارات التي اعتبروها من مراحل اختيار العامل منها: أ اختبار الأداء، ويستهدف تحديد مستوى العامل، وقد يكون شفوياً أو تحريرياً. ب اختبار الشخصية، ويهدف لقياس بعض الخصائص والفروقات الفردية. ت اختبار الاهتمامات المهنية، ويستعمل لبعض المهن التي تحتاج إلى درجة عالية من التخصص. ث اختبار المهارات، ويركزّ على معرفة مهارات الفرد المحتملة، وقياس درجة الذكاء. ج اختبار المعرفة، وتعمل على معرفة مدى امتلاك العامل لمعارف معينة، غالباً ما تتعلق بالوظيفة التي يشغلها، كاختبار الرياضيات للمحاسبين. ح اختبار القدرة، ويُقصد من خلاله معرفة قدرة الفرد على أداء عمل معيّن، والقدرات العقلية التي تشمل قدرات عددية لوظائف تتطلب التعامل مع أعداد كبيرة من المراجعين، و تعمل على قياس قدرة العامل على التحكم بالكلام أو الاتصال مع الآخرين. خ اختبار الصدق، ويُستعمل غالباً في التعامل مع السرقة، وليس في التشغيل، مما يعني التأكد من مدى صحة العوامل المستخدمة في توقع أداء العامل. (١) ٤. مراعاة التخصص: فعند وجود شاغر أو فرصة للعمل تتدافع الطلبات للفوز بهذه الوظيفة، وبطبيعة الحال تختلف الطلبات المقدمة ما بين حظٍ قوي وآخر ضعيف، وهذا بناءً على ملاءمة تخصص المتقدم للعمل أو عدمه للوظيفة، ولقد أرسى الشرع الإسلامي قاعدة مهمة تحذّر من توسيد الأمر لغير الأخصائيين، وذلك بقول الرسول ﷺ :" إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (٢) وقد أشار قانون العمل الفلسطيني لاشتراط التخصص إشارة سريعة في المادة رقم (١١) من قانون العمل حيث نصت:" على مكاتب العمل الالتزام بتنسيب العمال المسجلين لديها مراعية في ذلك الاختصاصات والكفاءة والأسبقية في التسجيل وحق صاحب العمل في الاختيار" (٣)، وهذه المادة القانونية التي نصّ عليها القانون تُعتبر شاهدة لتأكيد الضابط السابق، مع أن قانون العمل الفلسطيني ترك لصاحب العمل حرية الاختيار، وهنا قد تدخل المحسوبيات خصوصاً إذا وسّد الأمر إلى غير أهله من المديرين الذين لا وازع ديني ولا مهني لهم.

стр. 49

٥. استعداد العامل للانضباط بالأوامر الصادرة من صاحب العمل أو من ينوب عنه، وكذلك التقيّد باللوائح والتشريعات والنُّظُم التي يضعها ولي الأمر، أوجهة الاختصاص (وزارة العمل)، وذلك لقول الرسول ﷺ :" السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (١)، ومن ذلك أيضاً الالتزام بمواعيد الحضور والانصراف من العمل حسب الأوقات التي حددها قانون العمل أو حسب اتفاق العامل مع مشغله، فإذا كان العامل قد عمل لدى جهة أخرى يُمكن سؤال هذه الجهة عن مدى التزام العامل بمثل هذه اللوائح والنُّظم، وإن لم يكن قد عمل في مكان آخر فيُمكن الحكم على مدى التزام هذا العامل بمثل هذه النظم من خلال مراقبته في الفترة التجريبية إذا عمل فترة تجريبية. ٦. الصفات الشخصية: وهذه تختلف من شخص لآخر، ولكن لكل صاحب عمل حرية اختيار العامل المناسب حسب قناعته من وجود هذه الصفات أو عدمها، ومن هذه الصفات (الصدق، العفة، الوقار، الحِلم، الهيبة، سداد الرأي، صواب القرار، القدرة على التعامل مع ضغط العمل، القدرة على حل المشكلات التي تعترضه أثناء العمل)،ويُمكن الكشف عن هذه الصفات من خلال المقابلة الشخصية التي تسبق التوقيع على العقد، ولنا من سنة الرسول ﷺ شاهد على تحري بعض هذه الصفات، وذلك حينما بعث معاذ بن جبل (٢) ﵃ لليمن قاضياً إلى اليمن فقال له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو (لا أُقصّر) قال: فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله (٣) ".

стр. 50

وقد تكلم العلماء في صحة هذا الحديث طويلاً، وقد قيل فيه إنه مما تلقى بالقبول (١). ووجه الاستدلال من الحديث أن الرسول ﷺ امتحن معاذ بن جبل ﵃، بل وافترض مشاكل قد يقع فيها معاذ، واستمع منه لآلية حلّ هذه المشكلات المفترضة. ٧. القدرة على العمل بروح الفريق الواحد مع مجموع العمّال والموظفين، وهذا الضابط يؤخذ من قول الله : ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) ٨. أن يكون فلسطيني الجنسية، وهذا شرط اشترطه القانون الفلسطيني في المادة رقم (١٤) حيث نصت:" للوزارة أن تمنح ترخيصاً بالعمل في فلسطين لغير الفلسطيني، ويُحظر على صاحب العمل أن يُلحق مباشرة أو بوساطة الغير أي عامل غير فلسطيني قبل التأكد من الحصول على الترخيص المشار إليه" (٣)، وهذا الضابط أرى أنه لا يتوافق مع عنصر المساواة بين أبناء المسلمين بغض النظر عن التسميات المعاصرة والجنسيات المتعددة؛ لأنها من صنيع الاستعمار، أما أن تشترط الوزارة أن يقدم صاحب العمل الأوراق الثبوتية للوزارة حفاظاً على النظام، وخوفاً من التسرب والدخول غير القانوني للدولة فهذا حقٌّ لها، كما أني لم أجد - بعد البحث والتحري- من العلماء المسلمين من جعل المواطنة شرطاً لقبول العامل أو الموظف. ٩. الصحة الجسدية: تشترط كثير من المؤسسات وأرباب العمل الفحص الطبي للعاملين لديها، ومنهم من يشترطه كل سنة مرة، وذلك للتأكد من قدرة العامل على القيام بالمهام الموكلة إليه، وهو حقٌّ له؛ لأنه ملزم بدفع الأجرة فلا بدّ من حصول منفعة تساوي ما يدفعه من الأجرة، وهذا ما جاء في لوائح قانون العمل الفلسطيني، حيث جاء في قرار مجلس الوزراء رقم (٢٢) لسنة ٢٠٠٣م:" لا يجوز تشغيل أي عامل إلا بعد أن يُجرى له الفحص الطبي الابتدائي، ويمكن تكرار الفحص بعد التحاق العامل بعمله بفترة قصيرة كلما كان ذلك ضرورياً" (٤)، في حين أحسن قانون العمل الفلسطيني حينما ألزم صاحب العمل بتشغيل نسبة من عماله ممن لديهم إعاقة جسدية لا تُعيقه عن القيام بالعمل، حيث نصت المادة رقم (١٣) من قانون العمل الفلسطيني:" يلتزم صاحب العمل بتشغيل عدد من العمال المعوقين المؤهلين بأعمال تتلاءم مع إعاقتهم، وذلك بنسبة لا تقل عن ٥% من حجم القوى العاملة في المنشأة" (٥)، ولكن المشكلة تكمن في آلية تحديد الإعاقة التي تتناسب مع العمل، فقد ترك القانون الحرية

стр. 51

لصاحب العمل في اختيار من بين المعوقين للعمل لديه، وحبذا لو كان النص القانوني قد جعل بين العامل وصاحب العمل لجنة طبية مختصة تقدّر مدى صلاحية الشخص المعاق للقيام بهذه المهمة. ١٠. العدالة: وهي من الضوابط والأسس التي ينبغي على صاحب العمل المسلم وولي أمر المسلمين مراعاتها عند الحاجة للعمال أو الموظفين في القطاع الخاص، خصوصاً تلك الوظائف ذات الأهمية في الدولة، التي تُشترط العدالة فيمن يتولاها، والعدالة تكون في استقامة الدين وسلامة الفكر والمعتقد، وخلو العامل من أسباب الفسق، يُضاف لذلك حسن السمعة بين الناس، وأن لا يكون من مرتكبي الكبائر ولا من المصرّين على ارتكاب الصغائر، وأن يكون ذا مروءة وشخصية تتناسب مع العمل ومحيطه (١)،وهنا قد تطرأ مشكلة الفسّاق من الأمة الإسلامية؛ لأن المجتمع الإسلامي لا يخلو من الأشخاص الذين تنعدم منهم العدالة، وهؤلاء ينبغي على الدولة توظيفهم في وظائف ليس من الأهمية في كيان الدولة، ولا يؤثر وجودهم في تلك الوظائف على المجتمع سلباً، وذلك من أجل القضاء على البطالة ولو كان العاطل عن العمل فاسقاً فينبغي على الدولة تشغيله.

стр. 52

الفصل الثاني: واجبات العمال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني ، ويشمل المباحث الآتية: المبحث الأول: واجبات العمال في الشريعة الإسلامية ، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: إنجاز العمل على الوجه المطلوب. المطلب الثاني: متابعة العامل للعمل بنفسه. المطلب الثالث: عدم الغياب عن العمل أثناء فترة العمل. المطلب الرابع: الحفاظ على ما تحت رعايته من آلات وأدوات ومعدات. المطلب الخامس: التعويض والضمان. المطلب السادس: تنفيذ الأوامر بالقدر الذي يخصّ العمل. المبحث الثاني: واجبات العمال الأخلاقية، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: عدم إفشاء أسرار العمل. المطلب الثاني: إحسان معاملة عملاء صاحب العمل. المطلب الثالث: التعاون بما يحقق مصالح العمل. المطلب الرابع: استعمال وسائل النظافة والوقاية.

стр. 53

تمهيد يُعتبر العمل أمانة وضعها الشارع في أعناق العمال، ومهما تكن تلك الوظيفة أو العمل، صغيراً أو حقيراً في قيمته فإن العامل مستأمن عليه، من ناحية أداء واجبه على أكمل وجه، ومعروف أنه لا حق يُؤخذ بدون واجب يُعطى، كما أنه لا كسب بدون جهد يبذله طالبه، ومن ثمَّ فإن الإسلام ربط بين الحقوق والواجبات، فجعل الإنسان مأموراً بأداء واجباته التي أوجبتها الشريعة الإسلامية، أو أوجبها ولي الأمر اجتهاداً منه، مستمدها من قواعد الشريعة الإسلامية ومن باب السياسة الشرعية، وذلك حتى يتمكن من المطالبة بحقوقه إن ضاعت أو انتهكت. ولقد تناول علماء الشريعة الإسلامية -قديماً وحديثاً- واجبات العمّال، وذلك حرصاً منهم على وجود علاقة تكاملية بين العامل وصاحب العمل، وليتكون في المجتمع عاملٌ منتجٌ، ومساهمٌ في إعمار الأرض، وأن لا يكون عالة على أهله، أو مجتمعه، أو تتكفل الدولة بالإنفاق عليه، ومن هذه الواجبات التي أوجبها الإسلام على العامل:

стр. 54

المطلب الأول إنجاز العمل على الوجه المطلوب وهذا الواجب يعني: "إحكامه بحيث لا يبقى فيه قولٌ لقائل" (١)، حيث اعتبر هذا الواجب من أهم الواجبات التي تتمخض عنها الثقة المتبادلة بين العامل وربّ العمل، ولنا في القرآن الكريم الشاهد على ذلك، حينما زكّى سيدنا يوسف ﵇ نفسه عند عزيز مصر، فقال الله على لسانه: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وموضع الاستدلال من هذه الآية الكريمة: أن سيدنا يوسف ﵇ علّمنا أن العامل ينبغي له معرفة العمل المنوط به؛ حتى يؤديه بأكمل وجه، ولا يمكن تأدية العمل بإتقان دون المعرفة به وبدقائقه، ومن ثمَّ ينتج عنه عمل مُتقن، ويُرضي صاحب العمل، كما أن قول سيدنا يوسف ﵇ أمرٌ لنا بأن نحسن أعمالنا لقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (٣)، يُضاف إلى ذلك أن الرسول ﷺ أخبر بأن إتقان العمل ينتج عنه محبة الله للعبد، حيث قال ﷺ :" إن الله يحبُّ من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه" (٤)، ولقد أشارت المادة رقم (٣٣) من قانون العمل الفلسطيني على هذا الواجب فجاء فيها:" يلتزم العامل بتأدية عمله بإخلاص وأمانة ... " (٥). ومعلوم أن القانون الفلسطيني حدد ساعات العمل الأسبوعية بخمسٍ وأربعين ساعة (٦)، وهي تسعُ ساعات للعامل في القطاع العام، على اعتبار أن الراحة الأسبوعية هي يومان، وسبع ساعات ونصف

стр. 55

الساعة للعامل في الأعمال الأخرى على اعتبار أن الراحة الأسبوعية هي يوم واحد، وهذا يعني أن القانون قد أقام الحُجّة على العامل في ضرورة إتقان العمل، ولم يدع له مجالاً للتذرع بالتعب والإرهاق، ولكنّ المهم هو المقدار الزمني الفعلي لتطبيق تلك الأوقات على أرض الواقع، لا سيما إذا التزم صاحب العمل بوقت الراحة اليومي، وهو ساعة زمنية تُعطى للعامل، فقد نصّت المادة رقم (٧٠) من قانون العمل الفلسطيني:" يجب أن يتخلل ساعات العمل اليومي فترة راحة أو أكثر، لراحة العامل، لا تزيد في مجموعها عن ساعة، مع مراعاة ألا يعمل العامل أكثر من خمس ساعات متصلة" (١)،ولا بدّ من التأكيد على أن التقصير في إتقان العمل يترتب عليه محاذير شرعية منها: اعتبار عدم إتقان العمل خيانة للأمانة، بل هو غشٌ في العمل وهذا محرّم لقول الرسول ﷺ :" من غشّ فليس مني" (٢)، ومن الآثار التي تترتب على عدم إتقان العمل أنه "لو قصّر الأجير في حق المستأجر فنقصه من العمل، أو استزاده في الأجرة منعه (المحتسب) وأنكر عليه إذا تخاصما" (٣)، وقد يؤول التقصير بالعمل إلى نفور الناس عن التعامل معه، إن كان يزاول عملاً خاصاً، أو تعرضه للفصل من العمل إن كان موظفاً عاملاً. وقد وردت آيات قرآنية تحثُّ على إتقان العمل، وأدائه على أفضل حال، فقال الله : ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٤)، وقول الله : ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (٥)، وما ورد في مفاضلة سيدنا يوسف ﵇ على إخوته قول الله : ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ (٦)، ولم تغفل الأحاديث النبوية الشريفة التأكيد على هذا المبدأ، فعن عبد الله بن عمر ﵃ أن رسول الله ﷺ قال:" ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل زوجها، وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده، وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راعٍ،

стр. 56

وكلكم مسئول عن رعيته" (١) وموضع الاستدلال من هذا الحديث أن الرجل مأمور بإحسان تربية الأولاد، وهذا داخل تحت المسؤولية المسئول عنها، وبالتالي فإن العامل أيضاً مسؤول عن عمله، ولا بُدَّ من إتقانه حتى لا يُحاسب عليه، قياساً على المسؤوليات الواردة في الحديث الشريف، ويؤيد ذلك قول الرسول ﷺ :" إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا الِقتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبح، وليحدّ أحدكم إذا ذبح شفرته، فليُرح ذبيحته" (٢) والشاهد من هذا الحديث طلب الإحسان والإتقان في كل عمل يُناط بالإنسان، حتى وإن كان في القتل أو الذبح، وهو في غيرهما من الأعمال أولى وألزم. ولقد اعتبر الإسلام القيام بالعمل على أحسن وجه عبادة تضاعف الأجر، حيث قال رسول الله ﷺ :" إن العبد إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة الله، فله أجره مرتين" (٣) وهذا الحديث وإن كان لفظه خاصاً بالعبيد، إلا أنه ينطبق على كل من وليَّ أمراً من أمور المسلمين- والعمّال منهم- لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد صرّح الرسول ﷺ بأجر العامل والموظف على إتقانه للعمل فقال:"الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به عن طيبة نفس أحد المتصدقين" (٤)، ومن الإتقان أن يكون الشخص متخصصاً في عمله، وذلك حتى يغني المسلمين عن طلب خدمات غيره من غير المسلمين، كما ينبغي على العامل أن يحرص على الإلمام بالجوانب الشرعية المتعلقة بعمله، وهو ما جسّده عمر بن الخطاب ﵃ حينما قال:" لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى" (٥) وارتأيت أن أبدأ بهذا الواجب؛ لأن العامل بإتقانه للعمل يساعد على زيادة الإنتاج، ورواج السلعة في الأسواق، وإذا ما راجت السلعة وزادت مبيعاتها؛ يعود ذلك بالنفع والخير على العامل وربّ العمل معاً، لأن العلاقة التكاملية في المجتمع أن يجد العامل عملاً، وربّ العمل يبيع سلعته، ويزيد بالتالي

стр. 57

إنتاجه، ثم يُعطي العامل أجرته، مع ضرورة تحكيم الضمير والوازع الديني، واستشعار مراقبة الله، بغضّ النظر عن حضور ومراقبة صاحب العمل للعامل (١). وانطلاقاً من مبدأ احترام الشروط والاتفاقيات بين المسلمين وحتى بين غير المسلمين فقد قررت الشريعة الإسلامية قاعدة" لا ضرر ولا ضرار" ومن ثمّ لا يجوز إلحاق الضرر بأي طرف من أطراف عقد العمل سواء أكان بالتقصير في أداء العمل المُتفق عليه، أم بأي وسيلة أخرى، فإذا ما لحقت بصاحب العمل عوامل أدت به على الخسارة وإغلاق منشأته، يقوم بضمان ما يلحق بصاحب العمل خسارة، وذلك قياساً على عقد المضاربة التي يضمن العامل الخسارة إذا كانت بتقصير منه، حيث جاء في المغني: "أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم أن القول قول العامل في قدر رأس المال (٢) " ويؤيد ذلك قول الله : ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣)، وبالنسبة للتقصير في العمل فإنه لا يتعدّ حالتين هما: أولاً: أن يكون التقصير عن قصد وعمد، وهذا لا تهاون فيه ولا بدّ أن يلقى العامل جزاءه بقدر ما أحدث من ضرر، ومستندنا في ذلك قول الله : ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤)، ولأن الإنسان يُسأل ويُعاقب على تصرفاته، وكذلك فإن هذا العامل قد خان الأمانة، ففي هذه الحالة يجوز لصاحب العمل أن يخصم من راتب العامل مقدار ما أفسد، وقد يلجأ صاحب العمل لفصله نظراً للأضرار التي لحقت بمنشأته. ثانياً: أن يكون التقصير نتيجة ظروف خارجة عن إرادة وقصد العامل، فإنه معذور ما دام لم يُهمل في الأخذ بالأسباب، كأن يبذل وسعه في تنظيف آلة ما ثم تبيّن فيما بعد أنها كانت بحاجة إلى تنظيف بطريقة مغايرة لتلك التي استخدمها العامل، ولم أعثر -بعد طول بحث - على أقوال للفقهاء القدامى في المسألة إلا ما وجدته في المبسوط، حيث جاء فيه:" تلميذ القصار أو أجيره الخاص إذا أدخل ناراً للسراج بأمر الأستاذ فوقعت الشرارة على ثوب من ثياب القصارة أو أصابها دهن السراج لا يضمن الأجير ويكون الضمان على الأستاذ (أي صاحب العمل)، ولو انقلبت المدقة من يد أجير القصّار أو

стр. 58

تلميذه فوقعت على ثوب من ثياب القصارة ضمن الأستاذ، ولو وقعت المدقة على موضعها ثم وقعت بعد ذلك على شيء آخر فالضمان على الأستاذ لا على التلميذ" (١)، وفي مثل هذه الحالة وبتوافر حسن النوايا يكون العفو أقرب من العقوبة لما روي أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : كم يعفو عن الخادم؟ فصمت عنه ﷺ ثم قال:" اعف عنه في كل يوم سبعين مرة" (٢)، وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية عن فصل العامل من العمل نتيجة التقصير والإهمال، فأجابت بأنه لا يجوز الفصل إلا في حدود النظام الذي وضعه ولي الأمر، (٣) وأضيف أيضاً أن العُرف مُعتبر بين فئة العمال، فلا بدّ من اعتباره عند الحكم على العامل بالتقصير، وقد أعطى قانون العمل الفلسطيني الحق لصاحب العمل في إنهاء عقد العمل من طرف واحد دون إشعار إذا ارتكب العامل إحدى المخالفات التسعة التي نصّ عليها في المادة رقم (٤٠) والتي منها:" عدم وفاء العامل بالالتزامات المترتبة عليه بموجب عقد العمل رغم إنذاره حسب الأصول" (٤)، وبموجب هذه المادة فقد أصبح يحق لصاحب العمل فصل العامل وذلك دون حاجة إلى الذهاب للقضاء، وهو ما يُثير العديد من الإشكالات والمنازعات وربما يكون مجالاً خصباً للفصل التعسفي، خصوصاً إذا صرّح العامل كتابياً أو شفوياً بأنه لن يلتزم بالالتزامات السالفة الذكر، ففي هذه الحالة يجوز لصاحب العمل فصله دون انتظار أن يتغيّب العامل المدة التي نصّ عليها القانون (٥)، مع أن هناك أمور تشدد من خطأ تقصير العامل وإهماله، وهي: تكرار الخطأ، وصدور هذا الخطأ من عامل متخصص فنياً، وهناك أيضاً مخففات لهذا التقصير هي: تسامح صاحب العمل، وكذلك موافقة صاحب العمل على درجة الكفاءة المحدودة للعامل (٦)،ويجدر بنا الحديث حول الإستغناء عن العامل في العقد غير محدد المدة، وننطلق في مناقشة هذا الأمر من الناحية الشرعية من اختلاف الفقهاء في حكم الإجارة التي لم تحدد لها نهاية، كأن يقول صاحب العمل للعامل: أجرتك لقيادة سيارتي كل شهر بألف دينار مثلاً فيوافق السائق، وقد اختلف الفقهاء في ذلك العقد على عدة آراء:

стр. 59

الرأي الأول: ذهب المالكية وبعض الحنابلة إلى صحة هذا العقد، مع شرط للمالكية بأن يكون المستأجر قد دفع الأجرة نقداً، أما الحنابلة فقد اعتبروا العقد لازماً في الشهر الأول مثلاً. (١) الرأي الثاني: ذهب جمهور الشافعية (٢) وبعض الحنابلة (٣) إلى بطلان هذا العقد للجهالة. الرأي الثالث: ذهب الحنفية إلى صحة العقد في الشهر الأول وفساده فيما عداه. (٤) الرأي الرابع: ذهب بعض الحنفية إلى أن العقد صحيح في الشهر الأول والثاني والثالث؛ لجريان العرف بذلك (٥)،والذي يظهر للباحث -والله أعلم - هو رجحان قول المالكية الداخل في الرأي الأول، وهو لزوم العقد بقدر ما دفعه؛ لأن دفع المستأجر للمبلغ وقبوله من قِبل الأجير دليل على رضاهما بالصفقة، وبالتالي فإن فسخ العقد غير محدد المدة عند أصحاب الرأي الرابع ينتهي بعد الأشهر الثلاثة الأولى، وعند أصحاب الرأي الثالث ينتهي بعد الشهر الأول، أما عند الحنابلة من أصحاب الرأي الأول فإن العقد ينتهي بانتهاء الشهر الأول، ونختم بقول المالكية في الرأي الأول حيث يحق للعاقدين فسخ العقد بعد انتهاء المدة التي دفع فيها الأجرة نقداً، ونخلص إلى أن عقد الإجارة يمكن أن ينتهي بإرادة صاحب العمل، وهو ما يُطلق عليه (الإقالة) وهذا لا يجوز عند جمهور الفقهاء (٦) من المالكية والشافعية والحنابلة الذين يقولون بأن عقد الإجارة ملزم، وأما من قال بأن الإجارة غير ملزمة (٧) فيحق لكل من العامل وصاحب العمل فسخ العقد بعذر ما لم يترتب على الطرف الآخر ضرر.

стр. 60

المطلب الثاني متابعة العامل للعمل بنفسه أمر الله بالوفاء بالعهود والمواثيق حيث قال:" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (١) والأمر هنا للوجوب، إذ لا قرينة صارفة له عن الوجوب، ولا فرق في الوجوب بين عاملٍ وآخر، فمن التزم بشيء بموجب عقد صحيح لزمه الوفاء، ومن المعلوم أن الموظف أو أي مستخدم بأجرة إنما استُؤجر ليقوم بالعمل بنفسه، وهذا على خلاف الأجير المشترك، الذي يعمل للمؤجر ولغيره، فإنه يجوز له أن يوكّل غيره بالعمل المتّفق عليه، ما لم يُشترط في العقد قيام الأجير المشترك بنفسه بالعمل، فقد جاء في كشاف القناع:" وإذا تقبّل الأجير عملاً في ذمته بأجرة، فلا بأس أن يقبله غيره بأقل منها- أي من أجرته-" (٢) وهذا يُمكن أن يتم بشرطين: الأول: أن يلتزم المستأجر في جودة العمل. الثاني: أن لا يكون المستأجر اشترط قيام الأجير المشترك بالعمل بنفسه دون غيره، وتقوم القرائن والعرف مقام الشرط. هذا إذا كان الاتفاق ينصّ على قيام العامل بالعمل بنفسه دون إنابة آخر؛ لأن الإجارة المعيّنة بشخص معيّن تقتضي أن يقوم العامل بالعمل بنفسه، وقد جعل العلماء المعاصرون الإجارة المعيّنة ثلاث حالات: الأولى: النصّ على أن يقوم الأجير بنفسه، وفي هذه الحالة لا يجوز للعامل أن يُنيب غيره للعمل، وذلك كالاتفاق بين الأجير وصاحب العمل على تصليح جزءٍ من البيت المهدّم، فلا يجوز للعامل استنابة أحد لذلك العمل، و إذا أناب غيره بالعمل الموكّل إليه لم يستحق الأجرة المسماة. (٣) الثانية: النصّ في الاتفاق- صراحة أو ضمناً - على أن يقوم العامل بالعمل بنفسه أو بغيره، فإذا وافق صاحب العمل جاز ذلك؛ لقول الرسول ﷺ :" الصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحاً حرّم حلالاً،

стр. 61

أو أحلّ حراماً، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرّم حلالاً، أو أحلّ حراماً" (١)، ويدلّ هذا الحديث على وجوب الوفاء بالشروط المُتفق عليها. الثالثة: أن يتم العقد بين الطرفين دون النصّ على هذا الواجب كتابة أو شفاهة - مما يعني بقاء الأمر على إطلاقه-، ففي هذه الحالة الأصل أن يقوم العامل بهذا الواجب بنفسه، وإن كان بعض الحنفية قد أجازوا الاستنابة، إذا كان المُناب عنه أحسن منه وأكثر خبرة. (٢) ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني على هذا الواجب، بل نصّ عليه القانون المصري بقوله في المادة رقم (٥٦):" يجب على العامل أن يؤدي بنفسه الواجبات المنوطة به بدقة وأمانة، وذلك وفقاً لما هو محدد بالقانون وبلوائح العمل وعقود العمل الفردية والجماعية، وأن يُنجزها في الوقت المحدد، وأن يبذل فيها عناية الشخص المعتاد" (٣) وكذلك القانون الأردني الجديد الذي صدر عام ١٩٩٦م، نصّ في المادة رقم (١٩):" على العامل تأدية العمل بنفسه، وأن يبذل في تأديته عناية الشخص العادي، وأن يلتزم بأوامر صاحب العمل المتعلقة بتنفيذ العمل المتفق عليه، وذلك ضمن الحدود التي لا تعرّضه للخطر، أو تخالف أحكام القوانين المعمول بها أي الآداب العامة" (٤)، ولم تكن هذه المادة موجودة في القانون القديم الصادر عام ١٩٦٠م.

стр. 62

المطلب الثالث عدم الغياب عن العمل أثناء فترة العمل تعدُّ الطريقة التي يتصرف فيها العامل في استغلال الوقت لأداء العمل على أكمل وجه، إحدى المظاهر الأساسية التي تُقاس بها درجة الحرص التي يبذلها في أداء العمل؛ لذا يقع بعض العمّال في الإثم من جرّاء تهاونهم في هذا الواجب، فيغادر بعضهم مكان العمل دون إذنٍ من صاحب العمل، وهذا من شأنه أن يُلحق ضرراً بالغاً بالعمل وصاحبه، من هنا جاء قول الرسول ﷺ :" لا ضرر ولا ضرار" (١)، فكل وقت يذهب هدراً يمكن اعتباره ضرراً يلحق بصاحب العمل؛ لأن العامل استحق الأجرة مقابل تسليم نفسه للعمل طيلة الوقت، دون إهدار جزء من الوقت في غير العمل، إلا تلك الأوقات التي يستحقها العامل للراحة أو الصلاة، أو غير ذلك من الأعمال الضرورية، التي لا يُمكن القيام بها إلا في أوقات العمل، حيث نصّ الفقهاء على كراهة الحديث مع الآخرين أثناء العمل، حيث جاء في المغني:" وليس له محادثة غيره في حالة النسخ، ولا التشاغل بما يشغل سرّه، ويوجب غلطه، ولا لغيره تحديثه، وشغله، وكذلك كل الأعمال التي تخل بشغل السرّ والقلب، كالقصارة (صبغ الثياب) (٢) والنساجة وغيرها" (٣)، وقد اتفق الفقهاء على أن العامل إذا ترك العمل في بعض المدة المتفق عليها يعدُّ مخلاً بالتزامه، فعند الحنفية ينقص من أجر العامل بقدر تقصيره في عمله (٤)، وعند المالكية إن عمل العامل مدة غيابه بأجرة، كانت تلك الأجرة لمستأجره الأول (صاحب العمل)، وخيّر صاحب العمل بين أجرة العامل عند مستأجره الثاني، وبين إسقاط حصة مدة غيابه من أجرته عنده، وأما إن عمل بالمجّان فيسقط من أجرته بقدر ما فوت على صاحب العمل (٥)،وعند الحنابلة إن حصل ضرر على

стр. 63

المستأجر بسبب غياب العامل، فإن المستأجر يرجع على العامل بقيمة ما فوّت عليه، سواء أكان غيابه في عمل لنفسه أم لغيره، بأجرة أو بغيرها (١)، ولم تغفل الشريعة الإسلامية تحديد ضوابط الحضور والانصراف، فهذه مشكلة يعاني منها كثير من رؤساء الأقسام والمراقبين وغيرهم من المسئولين، وهو يؤثر بشكل غير مباشر في الأداء العام، ثم في كفاءة الدولة، فهناك عمال شغلهم الشاغل وهمّهم الكبير كيف يثبت حضوره بالكشف المخصص لذلك، أو بالبطاقة الإلكترونية، سواء أكان في بداية العمل أم آخره، فيوصي غيره بإثبات حضوره أو تسجيل اسمه، وغيرها من الوسائل غير المشروعة، فهذا عمل لا يجوز شرعاً، وعلى العامل الالتزام بوقت حضور العمل، وألا يتخذ وسائل غير مشروعة في حضوره وانصرافه، فقد قال النبي ﷺ :"من غشّ فليس مني" (٢) وهذه الوسائل من الخيانة، وهي من صفات أهل النفاق، وينبه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (٣) ﵀ على ذلك فقال: "فالواجب على الموظف أن يؤدي الأمانة بصدق وإخلاص، وعناية وحفظ للوقت، حتى تبرأ الذمة، ويطيب الكسب، ويُرضي ربه وينصح لدولته" (٤). وقد أصدر علماء اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية فتوى بهذا الخصوص، حيث بيّنت أن خروج الموظف أثناء عمله للبيع والشراء لا يجوز، سواء أذن له من قبل المسؤول عن عمله أم لا؛ لما في ذلك من أمر مخالفة ولاة الأمر بمنع ذلك، ولما فيه من إضاعة عمله الذي اؤتمن عليه مما يترتب عليه إضاعة حقوق المسلمين المرتبطين بعمله، والإخلال بالقيام به على أكمل وجه (٥)

стр. 64

وعلّق الشيخ العلامة محمد بن عثيمين (١) - رحمه الله تعالى - على المغادرة من مكان العمل مبكراً، والتغيّب عن مكان العمل أثناء الدوام، فقال: "أن الموظف ملزم بالبقاء إلى انتهاء الدوام، فإنه لا يجوز لأحد أن يسرق من وقت الدوام شيئاً" (٢)، وسئل ﵀ أيضاً:"النظام الذي هو الدوام الرسمي للدولة تجد البعض يأتي متأخراً نصف ساعة أو ينصرف من العمل قبل انتهاء الدوام بنصف ساعة، وأحياناً يتأخر ساعة أو أكثر، فما الحكم في ذلك؟ فأجاب: "الظاهر أن هذا لا يحتاج إلى جواب؛ لأن العوض يجب أن يكون في مقابل المعوض، فكما أن الموظف لا يرضى أن تنقص الدولة من راتبه شيئاً، فكذلك يجب ألا ينقص من حق الدولة شيئاً، فلا يجوز للإنسان أن يتأخر عن الدوام الرسمي، ولا أن يتقدم قبل انتهائه". السائل: ولكن البعض يتحجج أنه لا يوجد عمل أصلاً؛ لأن العمل قليل؟ فقال الشيخ ﵀: المهم أنت مربوط بزمن لا بعمل، يعني: قيل لك: هذا الراتب على أن تحضر من كذا إلى كذا، سواء كان هناك عمل، أو لم يكن هناك عمل، فما دامت المكافأة مربوطة بزمن " (٣)، وحتى يستقيم الأمر، ويبذل العامل الوقت الكافي في العمل دونما تهاون أو تقصير، فقد أعطت الشريعة الإسلامية، ثم القانون الفلسطيني فترةً للراحة اليومية، قدّرها بساعة خلال اليوم، بالإضافة للإجازة الأسبوعية كوقتٍ للراحة الأسبوعية، ومن هنا فإن التغيّب عن العمل، أو مغادرة مكان العمل دونما إذن، يعتبر خيانة من قِبل العامل لربّ العمل، ويلحق العامل إثمٌ عظيم، والضابط في ذلك قد يكون للعرف أو عادة المؤجرين وأصحاب العمل، فما تعارف عليه أصحاب العمل من وقت يُهدر دونما حساب منهم فهذا من المعفيّ عنه، وقانون العمل الفلسطيني لم يغفل عن المساحة الشخصية التي أعطاها للعامل في إمكانية التغيّب عن العمل، حتى بدون إذن مسبق أو طلب إجازة، حيث نصّت المادة رقم (٧٨) في الفقرة الثانية:" يجوز للعامل التغيّب عن العمل لسبب عارض مُثبت لمدة عشرة أيام في السنة، تُحسب من الإجازة السنوية على أن لا تتجاوز المدة ثلاثة أيام متتالية في المرة الواحدة" (٤)

стр. 65

المطلب الرابع وجوب الحفاظ على ما تحت رعايته من آلات وأدوات ومعدات يقتضي أداء الواجب السابق تواجد العامل في مكان عمله، نظراً لوجود العديد من الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يمتلكها صاحب العمل، أو تكون تحت إدارته لأغراض مفيدة للعمل، كما يقتضي أداء العمل أن يسلَّم العامل بعضاً من هذه الأغراض، التي تكون من مستلزمات عمله، وتكون هذه الأغراض عُرضة لأضرار تنشأ عن خطأ العامل العمد وغير العمد. والتزام العمّال بالمحافظة والعناية بكل الآلات، والمعدّات والأجهزة التي يستخدمها في عمله مرجعه الأمر بأداء الأمانات، ويندرج أيضاً تحت مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحماية الضرورات الخمس، حفظ النفس، حفظ الدين، حفظ المال، حفظ العِرض، حفظ النسب، وقد نهى عن خيانة الأمانة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وتعدُّ هذه الأموال بمنزلة العارية المستردة عند العامل، فإذا ما تلف بعض من هذه الآلات أو المعدات في يد العامل، يُنظر فإذا كان هلاكها بتعدٍ أو تقصيرٍ في حفظها ضمنها، أما إذا كانت بلا تعدٍ ولا تقصير فلا يضمنها؛ لأن يده يد أمانة كما سبق وأن ذكرنا، ويوضح لنا الرسول ﷺ ما يمكن استعماله من الآلات بقوله:" من وليَ لنا عملاً وليس له منزلٌ فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، وإن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غالّ" (٢)، وفي هذا الحديث جواز استعمال العامل لأدوات عمله بما يتطلبه طبيعة العمل، وحُرمة استعمال أدوات العمل بما يُلحق بها الضرر، وكذلك قول الرسول ﷺ :" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٣) وفي هذا الحديث ما يوجب المحافظة على عمل وأدوات وآلات صاحب العمل ولا يضر به، ويُحكّم الاتفاق في تحديد الآلات والمستلزمات التي تدخل ضمن مسؤولياته، فإن عُدم النصّ على ذكرها أو تحديدها، فُيرجَع في ذلك إلى العُرف والعادة؛ لأن المعروف بين الصنّاع والتجار كالمشروط بينهم، ولم توجب الشريعة الإسلامية على العامل ضمان الآلات والمعدّات في حال تلفها بسبب قاهر خارج عن إرادته، مع انعدام قدرته في ردّه، كالزلازل أو البراكين، أو القصف الحربي في حال حصوله؛ لأن الشريعة الإسلامية نهت عن تكليف الإنسان فوق طاقته.

стр. 66

ومما يُلاحظ أن التزام العامل بالحفاظ على هذه الأدوات ما هو إلا التزام عناية وليس لتحقيق نتيجة أو غاية (١)، ومن ناحية أخرى يلتزم العامل باستخدام هذه الأدوات لغرض العمل وفي مكان العمل الذي أُعدت له، ويُعدّ إخلالاً بهذا الالتزام كل ما يقع من جانب العامل من إساءة لاستخدام تلك المعدات والآلات بحسب الأصول المهنية، كما يُعدّ من قبيل ذلك استخدام الآلات والأدوات والخامات في الأدوات الشخصية، ومن ثمَّ يكون الإخلال بشقيه مخالفة تأديبية، ويُمكن اعتباره من الخطأ الجسيم المبرر لفصل العامل بغير مسؤولية تترتب على صاحب العمل. ووفقاً للقواعد العامة التي تنظم هذا الالتزام هناك مسؤولية عقدية وأخرى تقصيرية، وقد اعتنى المشرّع الفلسطيني بهذا الواجب بنصّه في المادة رقم (٣٣):" يلتزم العامل بتأدية عمله بإخلاص وأمانة وبالمحافظة على أسرار العمل، وأدواته، ولا يُعتبر العامل مسئولا عن خلل الأدوات أو ضياعها نتيجة ظرف طارئ خارج عن إرادته أو قوة قاهرة" (٢)، وعملاً بمفهوم المخالفة إذا نجم هذا الضرر أو تسبب العامل في فقد أو إتلاف أو تدمير مهمات أو آلات أو منتجات يملكها صاحب العمل، أو كانت في عهدته وكان ذلك ناشئاً عن خطأ من العامل وجب أن يتحمل المبلغ اللازم نظير ذلك، ولصاحب العمل بعد إجراء التحقيق وإخطار العامل أن يبدأ باقتطاع المبلغ المذكور من أجر العامل، على أن لا يزيد ما يُقتطع على النسبة المسموح بها قانوناً وهي (١٥ % من الراتب الأساسي)، وعلى العامل بذل عناية الشخص المعتاد ومتوسط السلوك في أداء العمل، بحيث لا يُطلب منه أن يكون أشد حرصاً، ولا يُقبل منه أن يهبط دون هذا المستوى، وفي ذلك تطبيقٌ للقواعد العامة، وفي ضوء ما تقدم يعدُّ العامل ملزماً بتعويض صاحب العمل عن الأضرار التي تلحق أمواله- إذا كانت بقصد أو بتعدّ او بتقصير-، مع أن قانون العمل الفلسطيني لم ينصّ على هذا الأمر صراحة، بخلاف قانون العمل المصري الذي نصّ صراحة على وجوب تعويض صاحب العمل، حيث يُسأل العامل عن تعويض كل ضرر تسبب فيه، ويتم التعويض عنها بقرار قضائي، إلا إذا تم الاتفاق عن التعويض رضاء، ويقوم صاحب العمل بتحديد قيمة الأشياء التي تلفت، حيث يستوفي القيمة بالخصم من مرتب العامل، كما وأعطى القانون المصري للعامل الحقّ في التظلّم من تقدير صاحب العمل لقيمة تلك الأشياء محل الخصومة (٣).

стр. 67

المطلب الخامس التعويض والضمان ونعني بذلك تعويض العامل صاحب العمل عما يلحقه من ضرر بسببه، وقد سبق الحديث أن الأجير الخاص صاحب يد أمانة؛ وذلك لأن العين أمانة في يده كونه قبضها بإذن ربّ العمل، وقد اختلف الفقهاء في ضمانه، فاعتبر المالكية أنه لا ضمان عليه، وحتى لو شرط عليه الضمان، فهو شرط يناقض العقد، ويُفسد الإجارة، وإن وقع الشرط فسدت الإجارة (١)، ومن فقهاء الشافعية من اعتبر الأجير الخاص كالمشترك فيضمن ما تلف في يده، وذلك صيانة لأموال الناس (٢)، وهناك من الحالات التي يتحمل الأجير الخاص ضمان ما أتلفه، منها ما هو متفق عليها بين الفقهاء قديماً، ومنها ما هو مُختلف فيها، أما الحالات المُتفق عليها بين الفقهاء فهي حالتان: الحالة الأولى: التعدّي، وهو "مجاوزة ما ينبغي الاقتصار عليه شرعاً أو عرفاً" (٣)، وقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن مخالفة أمر المستأجر صراحة أو دلالة موجب للضمان. (٤) الحالة الثانية: التفريط، وهو" تجاوز الحدّ من جهة النقصان والتقصير، والإفراط يستعمل في تجاوز الحدّ من جانب الزيادة والكمال" (٥)، واتفق الفقهاء على أن يد الأمين تنتقل بالتفريط إلى يد ضمان (٦)، ويُرجع عادة في تحديد التفريط الموجب للضمان إلى عُرف الناس وعادة الصنّاع وأهل المهنة. أما الحالات المختلف فيها فهي على النحو الآتي:

стр. 68

الحالة الأولى: التجهيل، وهو" عدم تبيين الأمين حال الأمانة التي بيده عند موته، مع علمه بأنّ وارثه لا يعرف كونها أمانة عنده" (١)، وعند الحنفية تنقلب الأمانات إلى كونها مضمونة بالموت عن تجهيل إلا في ثلاث حالات: الناظر إذا مات مجهِّلاً غلّات الوقف، والقاضي إذا مات مجهِّلاً أموال اليتامى عند من أودعها، والسلطان إذا أودع بعض الغنيمة عند الغازي، ثم مات ولم يبين عند من أودعها (٢)، وقد وافق المالكية على ما ذهب إليه الحنفية ولكن بوجود اختلاف في التفصيل والتقييد والأحكام (٣)، وكذلك الشافعية وافقوا المالكية (٤)،وذهب الحنابلة إلى مثل ما ذهب الحنفية ونصّوا على ذلك في الوديع والمضارب والوكيل والأجير وعامل الوقف وناظره (٥). الحالة الثانية: العُرف، حيث ذهب بعض فقهاء الحنفية إلى اعتبار العُرف موجباً لتغيّر يد الأمانة إلى يد ضمان (٦). الحالة الثالثة: المصلحة، فقد ذهب المالكية في المشهور من مذهبهم إلى التضمين بناءً على المصلحة العامة وسدّاً لذريعة الفساد (٧)، ووجه المصلحة في تضمينهم: أن الناس لهم حاجة ماسّة بالصنّاع، ومن ثمّ يغيب صاحب المتاع عن متاعه، والغالب على الصنّاع التفريط وعدم الحفظ، ولو لم يضمنوا لأدّى ذلك إلى نتيجتين، الأولى ترك الاستصناع بالكلية، والثانية: ضياع الأموال وظهور الخيانة. (٨)

стр. 69

الحالة الرابعة: التهمة، وهي "رجحان الظنّ وغلبة الاحتمال في كذب ادّعاء الأمين هلاك الأمانة بدون تعدٍ أو تقصير" (١)، وقد اعتبر المالكية التهمة موجباً لتغيّر حال يد الأمانة إلى يد ضمان، فجاء في الفرق بين قاعدة ما يضمنه الأجراء إذا هلك وبين قاعدة ما لا يضمنونه، من كتاب الفروق:" اعلم أن الهالك خمسة أقسام: ما هلك بسبب حامله من عثار أو ضعف حبل لم يغرر به ... الثاني: ما غرّ فيه بضعف حبل يضمن القيمة بموضع الهلاك لأنه موضع التفريط، وله من الكراء بحسابه، الثالث: ما هلك بأمر سماوي بالبينة فله الكراء كله، وعليه حمل مثله من موضع الهلاك لأن أجزاء المنفعة مضمونة عليه، الرابع: ما هلك بقولهم من الطعام لا يُصَدّقون فيه لقيام التهمة، ولهم الكراء كله؛ لأن شأن الطعام امتداد الأيدي إليه؛ لأنهم استحقوه بالعقد، الخامس: ما هلك بأيديهم من العروض يُصدَّقون فيه لعدم التهمة ولهم الكراء كله" (٢). الحالة الخامسة: اشتراط الضمان على الأمين، وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط على ثلاثة أقوال كما يأتي: القول الأول: الشرط باطل؛ لأنه منافٍ لمقتضى العقد، وبهذا القول قال الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) في المشهور عندهم، ثم اختلف أصحاب هذا القول فيما بينهم حول فساد العقد لفساد الشرط إلى رأيين: الأول: الحنفية والحنابلة قالوا بأن الشرط باطل والعقد صحيح. (٧) الثاني: الشافعية اعتبروا الشرط باطلاً والعقد باطلاً. (٨) القول الثاني: اعتبر بعض المالكية أن الشرط مُلزم للطرفين. (٩)

стр. 70

القول الثالث: اعتبر الظاهرية أن هذا الشرط صحيح مُلزم (١)، وبهذا القول قال بعض المتأخرين من الفقهاء (٢)، والراجح - واله تعالى أعلم - أن العامل ملزم بتعويض صاحب العمل عن كل ضرر يلحقه بسبب العامل وكان ذلك بسبب تقصير العامل أو تهاونه، ثم إنه ملزم بضمان ما اتلفه بتعدّ او تقصير، وذلك وفقاً للقواعد العامة في القانون فإن كل ضرر يُصيب الغير يلتزم فاعله بالتعويض ولو كان غير مبرر.

стр. 71

المطلب السادس تنفيذ الأوامر بالقدر الذي يخصّ العمل لا بدّ أن يكون العامل منضبطاً ملتزماً، يسمع ويطيع، ويحترم النظم واللوائح التي يضعها صاحب المنشأة، ما دامت لا تتعارض مع شرع الله ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومرجع ذلك قول رسول الله ﷺ : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكَرِه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " (١)، أما عند أهل القانون فإن العامل يُلزم بإطاعة صاحب العمل إنطلاقاً من مبدأ التبعية القانونية، الذي يُعطي صاحب العمل حق الإشراف والإدارة، كما يوجب على العامل إطاعته في هذا الصدد، ولكن هذه الطاعة مقيّدة وليست مطلقة، وهو ما يعني أن تكون الأوامر والتعليمات الصادرة من صاحب العمل تتعلق بالعمل، فلا تمتدّ سلطة صاحب العمل إلى خارج هذا النطاق، كأن يُصدر صاحب العمل أوامر تتعلق بحياة العامل الشخصية ومعيشته الخاصة خارج نطاق العمل، وكل ذلك إذا وضع صاحب العمل النظام الداخلي لتنظيم شؤون العمل في مؤسسته، وإذا لم يوجد هذا النظام المكتوب فيلتزم العامل بالأوامر الشفهية الصادرة من صاحب العمل (٢)، وهناك من علماء الشريعة المعاصرين من أشار إلى الحدود التي يجب على العامل طاعة أوامر صاحب العمل ضمنها، وهي: ١. أن يكون العمل المطلوب فعله مما اتفق عليه في العقد، وإذا أراد صاحب العمل تشغيل العامل في غير ما اتفق عليه يحق للعامل الامتناع، سوى حالات الضرورة، كمنع وقوع حوادث أو القوة القاهرة، وقد نصّ على ذلك قانون العمل الفلسطيني، دون تحديد معيارٍ للضرورة، ومن هو صاحب الحق في تحديدها، حيث جاء في المادة رقم (٣١):" لا يلزم العامل بالعمل في غير المتفق عليه في العقد، إذا أدّى إلى تغيير مكان إقامته" (٣)؛ لأن الأصل في عقد العمل أن مكان العمل من العناصر الجوهرية للتعاقد، لما لذلك من تأثير ملحوظ على مجرى حياة العامل وسكناه وانتقاله وتعليم أبنائه، ولكن هل يُمكن أن يمتنع العامل ويُعتبر نقله من محافظة إلى أخرى دون رضاه باطلاً؟ وهل يُعتبر موافقته دون رضاه؟ هذا ما لم يُفصح عنه قانون العمل الفلسطيني بوضوح، حيث نصّت المادة رقم (٣٢) من القانون نفسه:" لا يجوز تكليف العامل بعمل يختلف اختلافاً بيناً عن طبيعة العمل المتفق عليه في عقد العمل، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك منعاً لوقوع حادث، أو القوة القاهرة على أن يكون ذلك

стр. 72

بصفة مؤقتة بما لا يتجاوز شهرين" (١)، ومما يُستفاد من هذ النص أنه يجوز لصاحب العمل تكليف العامل بعمل غير متفق عليه وبدون موافقة العامل في حالتين: الأولى: حالة الضرورة أو القوة القاهرة، على أن يكون ذلك بصفة مؤقتة في حدود حالة الضرورة، وبما تقتضيه طبيعة العمل، وهو ما يترتب عليه إعادة العامل إلى عمله الأصلي بمجرد زوال حالة الضرورة، وفي حالة الاختلاف بين العامل وصاحب العمل على توافر حالة الضرورة يقع على عاتق صاحب العمل إثبات ذلك. الثانية: حالة الاختلاف الجوهري، وحكمة تقرير هذا الحق لصاحب العمل يرجع إلى أن العامل لن تكون له مصلحة جدية في أن يعارض هذا التغيير الذي يقصد به صاحب العمل تنظيم العمل في المنشأة بما يحقق حسن سير العمل فيها، خاصة وأنه تغيير غير جوهري ولا يُعدُ تعديلاً للعقد، وإنما هو من قبيل ممارسة صاحب العمل لسلطته التنظيمية، ويرجع تقدير مدى جوهرية الاختلاف بين العمل المتفق عليه والعمل الذي كُلّف به العامل إلى القاضي عند المنازعة في كل حالة منفردة عن غيرها، ومن أمثلة الاختلاف الجوهري لطبيعة العمل المتفق عليه الذي يجوز للعامل الاعتراض عليه أن يكون يعمل لدى صاحب العمل مهندساً في مشروع فينقله صاحب العمل ليكون عامل خدمات، أو كان العمل الجديد أقل ميزة من الناحية المالية أو الأدبية عن العمل الأصلي، في حين وضعت بعض قوانين العمل- الأردني والمصري- قيوداً لصاحب العمل لا بدّ من مراعاتها عند استعماله لهذا الحق منها: أ. عدم المساس المادي بالعامل. ب. عدم المساس الأدبي بالعامل. ت. أن تقتضي النقل مصلحة العمل. (٢) ث. أن يكون العمل المكلَّف به في حدود طاقة العامل. ج. أن يكون هذا التكليف الجديد في حدود الظروف التي اقتضت هذا العمل، ومن ثمَّ إذا انتهت هذه الظروف عاد العامل لعمله. (٣) ٢. أن يكون العمل مشروعاً بالمفهوم الشرعي، بمعنى موافقته للنظام والآداب العامة، كأن يأمره بالغشّ أو التزوير أو مخالفة الأنظمة العامة كمخالفة قوانين السير، ومردّ هذا هو الالتزام بالنظام العام، ولنا

стр. 73

في شريعتنا الغرّاء دليل على ذلك كقول الرسول ﷺ :" لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" (١) ٣. أن لا يُعرّض العمل الجديد العامل للخطر، فلا يُلزم العامل بالطاعة في حال غلب على الظنّ تحقق خطر يلحق العامل. (٢) والضابط في الموافقة على العمل الجديد حدده علماء الإسلام من المالكية حيث ذكروا أن كلّ عمل كان يشبه بعضه بعضاً، أو بعضه قريبٌ من بعض فلا بأس بذلك، أما إذا تباعد الشبه ما بين الأعمال فلا خير فيه؛ لأن الكراء يختلف والعمل يختلف فهذا من المخاطرة والغرر (٣)، وعند الشافعية أنه يجوز لصاحب العمل تشغيل الأجير في عمل تشابه مشقته العمل المتفق عليه (٤)، وبهذا فقد وافق قانون العمل- مع غموض في النص- الشريعة الإسلامية وما قرره فقهاء الإسلام من وجوب التزام العامل بأوامر صاحب العمل ما دامت ضمن دائرة المباح والموافق للشريعة الإسلامية ومقاصدها. ولا تخلو منشآت العمل من بعض الأفراد الذين تصدر عنهم سلوكيات غير متطابقة مع لوائح العمل، مع أن قانون العمل الفلسطيني قد وضع اللوائح التأديبية لمثل هذه المخالفات في المواد من رقم (١٣١) إلى المادة رقم (١٣٨)،وترجع أهمية الانضباط في العمل وتنفيذ الأوامر إلى: ١. تصحيح السلوك غير المرغوب فيه. ٢. توضيح السلوكيات المقبولة والمرفوضة في المنشأة. ٣. معرفة العمّال بالمخالفة، وتوجيه أصحاب العمل عمّالهم للمخالفة في السرعة الممكنة. ٤. تطوير المؤسسة والارتقاء بأدائها.

стр. 74

المبحث الثاني: واجبات العمّال الأخلاقية ، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: عدم إفشاء أسرار العمل. المطلب الثاني: إحسان معاملة عملاء صاحب العمل. المطلب الثالث: التعاون بما يحقق مصالح العمل. المطلب الرابع: استعمال وسائل النظافة والوقاية.

стр. 75

المطلب الأول عدم إفشاء أسرار العمل السرّ لغة: ما يُكتم (١)،والإسرار خلاف الإعلان. قال الله : ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) يعني كتموها. واصطلاحاً هو: ما يُكتم كالسريرة والجماع والنكاح والزنا (٤)، أو ما يكتمه الإنسان في نفسه. وضمن هذا التعريف مطلوبٌ من العامل عدم إفشاء أسرار عمله، ولكنّ القانون الفلسطيني كغيره من القوانين المجاورة سكت عن تعريف أسرار العمل التي ينبغي على العامل صيانتها، و يُمكن حصرها في جملةٍ من الأمور كالآتي: أ. ما يتعلق بطريقة الإنتاج. ب. المعاملات الرسمية للمنشأة. ت. ما يتعلق بمدى نشاط المؤسسة. ث. ما تعارف عليه أهل التخصص أنه من الأسرار. ج. كلّ ما يترتب عليه الإضرار بالمنشاة أو زعزعة الثقة بها. ويرى الباحث أن كل معلومة ذات قيمة يُمكن أن تمسّ بقدرة المؤسسة أو المنشاة على المنافسة يُمكن اعتبارها معلومة سرية، ولا يجوز للعامل البوح بها، سواء تعلقت هذه المعلومة بالأموال المعنوية أم المادية لصاحب العمل. ويرجع هذا الواجب في الشريعة الإسلامية إلى مبدأ الكتمان والسرية، التي نصّت عليه الشريعة الإسلامية في المواضع الآتية: ١. قوله الله في سورة يوسف: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (٥) حيث جاء في كتاب أحكام القرآن " وهو أصل في جواز ترك إظهار النعمة وكتمانها عند من يخشى حسده وكيده، وإن كان الله قد أمر بإظهاره يقول الله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ
следующие страницы →