المطلب السادس
تنفيذ الأوامر بالقدر الذي يخصّ العمل
لا بدّ أن يكون العامل منضبطاً ملتزماً، يسمع ويطيع، ويحترم النظم واللوائح التي يضعها صاحب المنشأة، ما دامت لا تتعارض مع شرع الله ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومرجع ذلك قول رسول الله ﷺ : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكَرِه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " (١)، أما عند أهل القانون فإن العامل يُلزم بإطاعة صاحب العمل إنطلاقاً من مبدأ التبعية القانونية، الذي يُعطي صاحب العمل حق الإشراف والإدارة، كما يوجب على العامل إطاعته في هذا الصدد، ولكن هذه الطاعة مقيّدة وليست مطلقة، وهو ما يعني أن تكون الأوامر والتعليمات الصادرة من صاحب العمل تتعلق بالعمل، فلا تمتدّ سلطة صاحب العمل إلى خارج هذا النطاق، كأن يُصدر صاحب العمل أوامر تتعلق بحياة العامل الشخصية ومعيشته الخاصة خارج نطاق العمل، وكل ذلك إذا وضع صاحب العمل النظام الداخلي لتنظيم شؤون العمل في مؤسسته، وإذا لم يوجد هذا النظام المكتوب فيلتزم العامل بالأوامر الشفهية الصادرة من صاحب العمل (٢)، وهناك من علماء الشريعة المعاصرين من أشار إلى الحدود التي يجب على العامل طاعة أوامر صاحب العمل ضمنها، وهي:
١. أن يكون العمل المطلوب فعله مما اتفق عليه في العقد، وإذا أراد صاحب العمل تشغيل العامل في غير ما اتفق عليه يحق للعامل الامتناع، سوى حالات الضرورة، كمنع وقوع حوادث أو القوة القاهرة، وقد نصّ على ذلك قانون العمل الفلسطيني، دون تحديد معيارٍ للضرورة، ومن هو صاحب الحق في تحديدها، حيث جاء في المادة رقم (٣١):" لا يلزم العامل بالعمل في غير المتفق عليه في العقد، إذا أدّى إلى تغيير مكان إقامته" (٣)؛ لأن الأصل في عقد العمل أن مكان العمل من العناصر الجوهرية للتعاقد، لما لذلك من تأثير ملحوظ على مجرى حياة العامل وسكناه وانتقاله وتعليم أبنائه، ولكن هل يُمكن أن يمتنع العامل ويُعتبر نقله من محافظة إلى أخرى دون رضاه باطلاً؟ وهل يُعتبر موافقته دون رضاه؟ هذا ما لم يُفصح عنه قانون العمل الفلسطيني بوضوح، حيث نصّت المادة رقم (٣٢) من القانون نفسه:" لا يجوز تكليف العامل بعمل يختلف اختلافاً بيناً عن طبيعة العمل المتفق عليه في عقد العمل، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك منعاً لوقوع حادث، أو القوة القاهرة على أن يكون ذلك
стр. 72
بصفة مؤقتة بما لا يتجاوز شهرين" (١)، ومما يُستفاد من هذ النص أنه يجوز لصاحب العمل تكليف العامل بعمل غير متفق عليه وبدون موافقة العامل في حالتين:
الأولى: حالة الضرورة أو القوة القاهرة، على أن يكون ذلك بصفة مؤقتة في حدود حالة الضرورة، وبما تقتضيه طبيعة العمل، وهو ما يترتب عليه إعادة العامل إلى عمله الأصلي بمجرد زوال حالة الضرورة، وفي حالة الاختلاف بين العامل وصاحب العمل على توافر حالة الضرورة يقع على عاتق صاحب العمل إثبات ذلك.
الثانية: حالة الاختلاف الجوهري، وحكمة تقرير هذا الحق لصاحب العمل يرجع إلى أن العامل لن تكون له مصلحة جدية في أن يعارض هذا التغيير الذي يقصد به صاحب العمل تنظيم العمل في المنشأة بما يحقق حسن سير العمل فيها، خاصة وأنه تغيير غير جوهري ولا يُعدُ تعديلاً للعقد، وإنما هو من قبيل ممارسة صاحب العمل لسلطته التنظيمية، ويرجع تقدير مدى جوهرية الاختلاف بين العمل المتفق عليه والعمل الذي كُلّف به العامل إلى القاضي عند المنازعة في كل حالة منفردة عن غيرها، ومن أمثلة الاختلاف الجوهري لطبيعة العمل المتفق عليه الذي يجوز للعامل الاعتراض عليه أن يكون يعمل لدى صاحب العمل مهندساً في مشروع فينقله صاحب العمل ليكون عامل خدمات، أو كان العمل الجديد أقل ميزة من الناحية المالية أو الأدبية عن العمل الأصلي، في حين وضعت بعض قوانين العمل- الأردني والمصري- قيوداً لصاحب العمل لا بدّ من مراعاتها عند استعماله لهذا الحق منها:
أ. عدم المساس المادي بالعامل.
ب. عدم المساس الأدبي بالعامل.
ت. أن تقتضي النقل مصلحة العمل. (٢)
ث. أن يكون العمل المكلَّف به في حدود طاقة العامل.
ج. أن يكون هذا التكليف الجديد في حدود الظروف التي اقتضت هذا العمل، ومن ثمَّ إذا انتهت هذه الظروف عاد العامل لعمله. (٣)
٢. أن يكون العمل مشروعاً بالمفهوم الشرعي، بمعنى موافقته للنظام والآداب العامة، كأن يأمره بالغشّ أو التزوير أو مخالفة الأنظمة العامة كمخالفة قوانين السير، ومردّ هذا هو الالتزام بالنظام العام، ولنا
стр. 73
في شريعتنا الغرّاء دليل على ذلك كقول الرسول ﷺ :" لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" (١)
٣. أن لا يُعرّض العمل الجديد العامل للخطر، فلا يُلزم العامل بالطاعة في حال غلب على الظنّ تحقق خطر يلحق العامل. (٢)
والضابط في الموافقة على العمل الجديد حدده علماء الإسلام من المالكية حيث ذكروا أن كلّ عمل كان يشبه بعضه بعضاً، أو بعضه قريبٌ من بعض فلا بأس بذلك، أما إذا تباعد الشبه ما بين الأعمال فلا خير فيه؛ لأن الكراء يختلف والعمل يختلف فهذا من المخاطرة والغرر (٣)، وعند الشافعية أنه يجوز لصاحب العمل تشغيل الأجير في عمل تشابه مشقته العمل المتفق عليه (٤)، وبهذا فقد وافق قانون العمل- مع غموض في النص- الشريعة الإسلامية وما قرره فقهاء الإسلام من وجوب التزام العامل بأوامر صاحب العمل ما دامت ضمن دائرة المباح والموافق للشريعة الإسلامية ومقاصدها.
ولا تخلو منشآت العمل من بعض الأفراد الذين تصدر عنهم سلوكيات غير متطابقة مع لوائح العمل، مع أن قانون العمل الفلسطيني قد وضع اللوائح التأديبية لمثل هذه المخالفات في المواد من رقم (١٣١) إلى المادة رقم (١٣٨)،وترجع أهمية الانضباط في العمل وتنفيذ الأوامر إلى:
١. تصحيح السلوك غير المرغوب فيه.
٢. توضيح السلوكيات المقبولة والمرفوضة في المنشأة.
٣. معرفة العمّال بالمخالفة، وتوجيه أصحاب العمل عمّالهم للمخالفة في السرعة الممكنة.
٤. تطوير المؤسسة والارتقاء بأدائها.
стр. 74
المبحث الثاني: واجبات العمّال الأخلاقية ، ويشمل المطالب الآتية:
المطلب الأول: عدم إفشاء أسرار العمل.
المطلب الثاني: إحسان معاملة عملاء صاحب العمل.
المطلب الثالث: التعاون بما يحقق مصالح العمل.
المطلب الرابع: استعمال وسائل النظافة والوقاية.
стр. 75
المطلب الأول
عدم إفشاء أسرار العمل
السرّ لغة: ما يُكتم (١)،والإسرار خلاف الإعلان. قال الله : ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) يعني كتموها.
واصطلاحاً هو: ما يُكتم كالسريرة والجماع والنكاح والزنا (٤)، أو ما يكتمه الإنسان في نفسه.
وضمن هذا التعريف مطلوبٌ من العامل عدم إفشاء أسرار عمله، ولكنّ القانون الفلسطيني كغيره من القوانين المجاورة سكت عن تعريف أسرار العمل التي ينبغي على العامل صيانتها، و يُمكن حصرها في جملةٍ من الأمور كالآتي:
أ. ما يتعلق بطريقة الإنتاج.
ب. المعاملات الرسمية للمنشأة.
ت. ما يتعلق بمدى نشاط المؤسسة.
ث. ما تعارف عليه أهل التخصص أنه من الأسرار.
ج. كلّ ما يترتب عليه الإضرار بالمنشاة أو زعزعة الثقة بها.
ويرى الباحث أن كل معلومة ذات قيمة يُمكن أن تمسّ بقدرة المؤسسة أو المنشاة على المنافسة يُمكن اعتبارها معلومة سرية، ولا يجوز للعامل البوح بها، سواء تعلقت هذه المعلومة بالأموال المعنوية أم المادية لصاحب العمل.
ويرجع هذا الواجب في الشريعة الإسلامية إلى مبدأ الكتمان والسرية، التي نصّت عليه الشريعة الإسلامية في المواضع الآتية:
١. قوله الله في سورة يوسف: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (٥) حيث جاء في كتاب أحكام القرآن " وهو أصل في جواز ترك إظهار النعمة وكتمانها عند من يخشى حسده وكيده، وإن كان الله قد أمر بإظهاره يقول الله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ
стр. 76
رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١) " (٢)، فدلّ على أن للإنسان أن يكتم من أموره ما يخشى أن يؤدي ظهور الأعداء عليه إلى الإضرار به، حتى لو كان أمراً مما يجب التصريح به في الأحوال العادية.
٢. قول الرسول ﷺ :" إذا حدّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة" (٣) وموضع الاستدلال أنه لو كان هناك اثنان يتحدثان، فالتفت أحدهما يميناً أو يساراً، ليتأكد من أنه لا يوجد من يسمعه، فبمجرد هذا الالتفات أصبح هذا الكلام أمانة، وهو سرّ، وليس هناك حاجة أن يقول إن هذا سرّ فاحفظه.
٣. قول الرسول ﷺ :" لا ضرر ولا ضرار" (٤) وموضع الاستدلال أن صاحب العمل إذا شعر بأن أسرار عمله قد يعرفها الناس، فإنه يُحجم عن تشغيل العمال إلا بمعايير دقيقة، أو قد لا يثق بهم، فلا يُطلعهم على ما يريدون من معلومات بالقدر الكافي، وبهذا يفقد العمل نسباً كثيرة من نسب النجاح، وفي ذلك ضرر واضح بالعامل وصاحب العمل.
٤. قول الرسول ﷺ :" استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود" (٥)، وفي هذا الحديث ما يُلزم العامل بوجوب المحافظة على أسرار عمله وإبقائها طيّ الكتمان.
٥. قول الرسول ﷺ :" كفى بالمرء إثماً أن يحدّث بكل ما يسمع" (٦)، وفيه إشارة إلى وجود أسرار تُخفى عن الناس.
٦. ما جاء في كتاب أدب الدنيا والدين: "اعلم أن كتمان الأسرار من أقوى أسباب النجاح وأدوم لأحوال الصلاح" (٧).
стр. 77
٧. وفي السنة الفعلية ما ورد أن الرسول ﷺ كان يستعين بالكتمان في غزواته، وفي هجرته وفي شئونه المهمة، وقد ورد في سيرته أنه ﷺ دخل على أبي بكر ﵁ قُبيل هجرته إلى المدينة، وكان عنده قوم جلوس، فطلب ﷺ منه لشدة تحرزه في أمر الهجرة وكتمه أمرها عن كل أحد إلا خاصته ﷺ ، أن يُخرج من عنده، حتى يحدثه في أمرها، فقال له أبو بكر ﵁ "إنما هم أهلك" (١).
٨. ومنها ما ورد في النهي عن النميمة، فقد أدخلوا فيها إفشاء الأسرار؛ حيث ورد عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال:" إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، أما الآخر فكان يمشي بالنميمة " (٢)، وقد قال شارح أنوار البروق "فحقيقة النميمة إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه، وحينئذٍ ينبغي السكوت عن حكاية كل شئ شوهد من أحوال الناس، إلا ما في حكايته نفع لمسلم، أو دفع ضُرّ، كما لو رأى من يتناول مال غيره، فعليه أن يشهد به، بخلاف ما لو رأى من يخفي مال نفسه فذكره، فهو نميمة وإفشاء للسر" (٣).
وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٣٣):" يُلزم العامل بتأدية عمله بإخلاص وأمانة وبالمحافظة على أسرار العمل ... " (٤) ثم أعطى صاحب العمل الحق في إنهاء عقد العمل دون الرجوع للعامل، حيث نصّ في المادة رقم (٤٠):" لصاحب العمل إنهاء عقد العمل من طرف واحد دون إشعار مع حقه في مطالبة العامل بكافة الحقوق الأخرى، عند ارتكابه أياً من المخالفات الآتية منها: إفشاء الأسرار الخاصة بالعمل التي من شأنها أن تسبب الضرر الجسيم" (٥).
لكن القانون الفلسطيني لم يُشر إلى كيفية التعامل مع هذه الأسرار بعد انتهاء عقد العمل، فلم يورد نصاً يوضّح ذلك، وهذا ما قد يدفع بعض العمال -سيئي النية- إلى قصد إنهاء عقد العمل، ليستعمل هذه الأسرار ضد صاحب العمل، وهذا بالتعاون مع منافسيه في العمل، وقد يُقدم العامل على بيع هذه الأسرار، وقد حدد شرّاح قانون العمل الفلسطيني نطاق الالتزام بالمحافظة على أسرار صاحب العمل في عدّة أمور منها:"
١. إن التزام العامل بالمحافظة على أسرار ربّ العمل لا يقتصر على عمل معيّن، بل يشمل أي عمل يؤديه العامل لربّ العمل، كما لا يقتصر على مدة العقد، بل يمتد حتى بعد انتهاء العقد، والحكمة من بقاء العامل مُلزماً بعد انقضاء العقد أنه لو اقتصر التزام العامل مدة العقد لاستطاع العامل التحايل
стр. 78
على التحريم عن طريق إنهائه لعقد العمل أو فسخه، ولأن رب العمل قد يكون مهدداً بصورة أقوى إذا انتهى عقد العمل بسبب خلاف بينه وبين العامل الذي قد يُسارع في إفشاء هذه الأسرار إضراراً برب العمل، وهذا الأمر يندرج تحت الأمور التي يلتزم بها العامل ديانة لا قضاءً.
٢. إن العامل يظل مُلزماً بالحفاظ على أسرار رب العمل ما دامت لها صفة السرية، ومن ثَمّ إذا زالت هذه الصفة بأن أُذيعت بين الناس فإن العامل يتحلل من هذا الالتزام، هذا ما لم تكن إذاعتها على سبيل الإشاعة والتشهير برب العمل.
٣. إن التزام العامل يقتصر على عدم إفشائه إلى الغير، ومن ثَمّ إذا قام العامل باستعمال هذه الأسرار لنفسه أو لحسابه الخاص بعد انتهاء عقد العمل فإنه لا يُعدُّ مخلاً بالتزامه، إلا إذا كانت هذه الأسرار تتمثل في اختراعات سُجّلت براءة اختراعها" (١).
لذلك كله يجب التفريق بين ما هو سرّ وما هو خبرة وتكوين مهني، وهو ما يصعب من الناحية العملية، بحيث يكون إطلاق حظر الإفادة من السر بعد انقضاء علاقة العمل قيداً على حرية العمل، ثم ينبغي التفريق بين إفشاء الأسرار للغير أو الإستفادة منها لحسابه الخاص أثناء العقد أو بعد انقضائه، لذا كان لزاماً على صاحب العمل حماية هذه الأسرار بعد انتهاء العقد، وذلك بالنصّ في عقد العمل على منع العامل من إفشاء الأسرار بعد انتهاء العقد، وأن يتم تعديل القانون ليتضمن نصاً قانونياً، يُلزم العامل بالمحافظة على هذه الأسرار بعد انتهاء عقد العمل، وإلزام العامل بهذا الواجب يقتضيه مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود.
ومن المقرر أن كتمان هذه الأسرار لا يدخل تحت حُرمة كتمان العلم، وهو ما ذمّه القرآن الكريم في قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴿١٥٩﴾ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، ولا يدخل كتمان أسرار العمل تحت وعيد الرسول ﷺ في قوله:" من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" (٣)؛ لأن المقصود من الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف هو ذمّ كتم الأحكام الشرعية، وما تتوقف عليه حياة الناس، ويؤيد ذلك سبب نزول الآية، حيث جاء في
стр. 79
نزولها أن بعض الصحابة سألوا أحبار اليهود عن بعض ما جاء في التوراة فكتموهم إياه ورفضوا إخبارهم. (١)
والحديث عن أسرار العمل وضرورة الحفاظ عليها يستلزم منا الحديث عن منافسة العامل لصاحب العمل باستغلال هذه الأسرار، فإذا كان صاحب العمل يخشى منافسة العامل له فمن حقه أن يورد في عقد العمل شرطاً يمنع به العامل من منافسته، وهو ما يُعدُّ قيداً على حرية العمل، وقد وضع شرّاح القانون شروطاً لصحة هذا القيد هي على النحو الآتي:
الشرط الأول: وجود مصلحة مشروعة لرب العمل من اشتراط عدم المنافسة، وتتحقق المصلحة إذا كان العمل الموكول للعامل يُتيح له الإطلاع على أسرار رب العمل، وترتيباً على ذلك إذا كان العامل يعمل في أعمالٍ لا تمكنه من الإطلاع على أسرار العمل أو الاتصال بعملاء صاحب العمل، فإنه بذلك يكون بمنزلة الأجنبي من حيث منافسة رب العمل، وذلك كأن يكون العامل يعمل في قسم النظافة داخل المنشأة أو في قسم الاستقبال، ففي مثل هذه الحالات لا يجوز لصاحب العمل أن يشترط عليه عدم المنافسة.
الشرط الثاني: أن يقتصر شرط المنع من حيث الزمان والمكان ونوع العمل على القدر الضروري لحماية مصالح رب العمل المشروعة، وهو ما يتطلب توافر ثلاثة أمور في هذا الشرط هي:
١. المنع الزماني: كأن يكون المنع محدداً بزمن معيّن، ويتمثل ذلك باشتراط صاحب العمل على عامله عدم المنافسة طيلة عمله لديه فقط، أو بعد انتهاء العقد بينهما بمدة معيّنة، أما إذا كان المنع أبداً فإن ذلك يُعتبر تعسفاً.
٢. المنع المكاني: بحيث يكون شرط المنع شاملاً لمنطقة جغرافية محدودة، وقد تكون المنطقة هي نفس المنطقة التي يمتد فيها نشاط صاحب العمل التجاري، وبالتالي إذا كان المنع مطلقاً كان ذلك تعسفاً أيضا.
٣. المنع من حيث نوعية العمل: ويجوز أن يكون شرط المنع - من حيث هذا القيد- مقتصراً على الأعمال التي يقوم بها العامل عند صاحب العمل.
الشرط الثالث: أن لا يقترن الاتفاق بشرط جزائي مبالغ فيه، وعلة منع الاقتران حتى لا يبقى العامل مجبراً على البقاء في خدمة صاحب العمل. (٢)
стр. 80
المطلب الثاني
إحسان معاملة عملاء صاحب العمل
جاء الأمر بالإحسان من الله تعالى لجميع الكائنات، حيث قال الله : ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، وحيث فسّر العلماء إحسان العبد معاملته مع الله ومع سائر المخلوقات، وهذا معنى قول الرسول ﷺ :" إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (٢).
والأمر بالإحسان يشمل القريب والبعيد، والمسلم والكافر، والمؤمن والعاصي، حتى وصل الأمر بالإحسان للبهائم حينما قال رسول الله ﷺ :" إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا الِقتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبح، وليحدّ أحدكم إذا ذبح شفرته فليُرح ذبيحته" (٣)، وتحت هذه التوجيهات يندرج وجوب الإحسان إلى أصحاب العمل والزملاء فيه، بالإضافة إلى الإحسان إلى عملاء صاحب العمل (الزبون) (٤) لقول الرسول ﷺ :" خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه" (٥)، وقيمة كل امرئ ما يحسنه من الأعمال، كما يُنسب الشخص إلى ما يعمله من الأعمال الحسنة، وأيضاً من فطرة البشر أنهم يتقرّبون إلى الأشخاص الذين يحسنون لهم.
قد جاء أمر الله بالإحسان في قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ (٦)، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويوضح ذلك قول الرسول ﷺ :"لا تحقرنَّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" (٧)، ومن مجالات الرفق مع المتعاملين أو مراجعة المنشأة الحثّ العام على التبسّم في وجوههم؛ لأن الهدي النبوي يحثّ على ذلك كما قال النبي ﷺ :" المؤمن يألف ويؤلَف، ولا خير فيمن لا
стр. 81
يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس" (١) فالرفق والتبسّم وحُسن المعاشرة من أكثر الأمور تأليفاً للقلوب، وفي تحمّل غلاظة بعض المراجعين أو شدتهم أو سوء أدبهم في قضاء حوائجهم يأمر القرآن الكريم بحسن معاملتهم كما قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢).
وينبغي على العمّال الحرص الشديد على أخلاقيات التعامل مع المراجعين، مع التركيز على أصحاب الطباع الفظة، وهذه تنبع من قيم حسن العهد وأخلاق حسن التعامل، وهذا مصداق لقوله ﷺ عندما استقرض من عبد الله بن أبي ربيعة (٣) ﵃ أربعين ألفا، فجاءه ﷺ فدفعها له وقال: بارك الله في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء" (٤). كما قال ﷺ : "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى" (٥)، وتتباين تعاملات العمّال مع العملاء، فالبعض يُهمل الأخلاقيات الأساسية في التعامل مع المراجعين من حيث حُسن مخاطبتهم وتذكيرهم بما يلزم لاستكمال تقديم الخدمة لهم، أما البعض الآخر فيلاحظ توفر الحد الأدنى من أخلاقيات التعامل من حيث الالتزام بها واستحضارها، وبالطبع فإن حسن التعامل مع العملاء يعدُّ أمراً أساسياً في الاحتفاظ بالجمهور في المعاملات المستقبلية، ومن ثمَّ لا بدّ من توعية المؤسسات العامة والخاصة بهذا الأمر، وقد يكون من المناسب استخدام التقنيات الحديثة من خلال تخصيص موقع الكتروني للاستفسار عن كافة الأمور ولتوعية المستثمرين بحقوقهم وواجباتهم.
وقد فطنت بعض النظم والقوانين المعاصرة إلى أهمية هذا الأمر، فوضعت ضمن لوائحها المدنية ما يُلزم الموظف بآداب اللياقة والحدود النظامية التي تقتضيها أصول المخاطبة مع المراجعين - كالقانون السعودي-، الذي نص في المادة رقم (٦٥) على أن من واجبات العمال أن يلتزموا حسن
стр. 82
السلوك والأخلاق أثناء العمل (١)، كما أن من عناصر المعاملة الحسنة مع مراجعين المنشأة تحسين حاجات المراجعين والسعي الجادّ إلى حلّها، لقول الرسول ﷺ :" ما من إمام أو والٍ يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" (٢)، وقريب من هذا التوجيه النبوي ما يُطلق عليه اليوم (سياسة الباب المفتوح) التي تدعو إليها بعض المؤسسات، من تخصيص يومٍ من أيام الأسبوع أو وقت معيّن يُسمح فيه لجميع المراجعين بمقابلة أعلى سلطة في المنشأة (٣)، وقد أغفل قانون العمل الفلسطيني النصّ على هذا الأمر مع أهميته، وتركه للوائح الداخلية لكل منشأة، إلا أن قانون الخدمة المدنية الفلسطيني نصّ على هذا الأمر في المادة رقم (٦٦) على أن:" الوظائف العامة تكليف للقائمين بها، هدفها خدمة المواطنين تحقيقاً للمصلحة العامة طبقاً للقوانين واللوائح، وعلى الموظف مراعاة أحكام هذا القانون واللوائح وتنفيذها وأن يلتزم بمايلي:
١. تأدية العمل المنوط به بنفسه بدقة وأمانة، وأن يخصص وقت العمل الرسمي لأداء واجبات وظيفته، وأن يلتزم بالعمل في غير أوقات العمل الرسمية بناءً على تكليف من الجهة المختصة إذا اقتضت مصلحة العمل ذلك.
٢. أن يُحسن معاملة الجمهور وأن ينجز معاملاتهم في الوقت المحدد.
٣. احترام مواعيد العمل.
٤. المحافظة على الأموال والممتلكات العامة.
٥. احترام التسلسل الإداري في اتصالاته الوظيفية وتنفيذ ما يصدر إليه من أوامر وتعليمات في حدود القوانين واللوائح النافذة، ويتحمل كل مسئول مسؤولية الأوامر التي تصدر منه كما يكون مسئولاً عن حسن سير العمل في حدود اختصاصاته.
٦. أن يعمل على تنمية قدراته وكفاءاته العلمية والعملية والاطلاع على القوانين واللوائح والتعليمات المتعلقة بعمله والإحاطة بها وتقديم الاقتراحات التي يراها مفيدة لتحسين طرق العمل في الدائرة ورفع مستوى الأداء فيها" (٤)
стр. 83
المطلب الثالث
التعاون بما يحقق مصالح العمل
إننا إذا نظرنا إلى الإسلام نظرة شاملة، وجدنا مبدأ التعاون يتغلغل في جميع جوانب الحياة، الروحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحتى الإنسان فإنه بطبعه لا يُمكن له إلا أن يعيش في مجتمع، يُعينه ويستعين به، وإهمال هذا المبدأ يؤدي - بالتأكيد- إلى ظهور صفة السلبية في التعامل بين أفراد المجتمع، واللامبالاة بهموم الناس ومشاكلهم، خصوصاً إذا انعدمت قناعة الشخص بالتعاون، إلا إذا كان على أساس مادي، أو بمقابل، أو مشروط بمنفعة مقابلة.
كما أن العمل الجليل و الإنتاج الغزير لا يتحققان إلا بطريق العمل الجماعي، وهذا بخلاف العمل الفردي الذي لن يثمر إلا شيئاً يسيراً من الأعمال التي تتناسب مع مستوى طاقة الفرد.
ولا ريب أن الحالة النفسية للعامل لها أثرها الطيب في زيادة الإنتاج، وكثرة العطاء، لذلك كان لا بدّ من الحرص على تنمية ملكة التعاون بين العمّال، وهذا لا بدّ من تأصيله شرعاً حتى لا يُعتبر نافلة من القول، بل هو واجب جاء به قول الله : ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، ولقد ضرب لنا الرسول ﷺ مثالاً غاية في الروعة، وشعوراً بضرورة التعاون حيث روى أبو سعيد الخدري ﵃ فقال:" بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ ، إذ جاء رجلٌ على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً، فقال النبي ﷺ : من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضلٌ من زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضل" (٢)، ومن هذا الحديث يُمكن استنباط قاعدة أخلاقية في العمل وهي أنّ من كان معه فضلٌ من وقت فليعد به على من لا وقت لديه من زملائه في العمل لأداء مهامه، وهي قاعدة جليلة في أثرها إذا تم مراعاة التخصص والخصوصية.
ولقد حثّ الرسول ﷺ على معونة العمّال فقال:" يا أبا ذر أعيّرته بأمّه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية، إخوانكم خَولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس،
стр. 84
ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" (١)، وقوله أيضاً:" المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضاً" (٢).
وفي هذا المجال يُمكن تقسيم الناس باعتبار ما يقدمونه من معونة لبعضهم، وبما يحققه هذا التعاون من معاني الأخوة والإنتاج إلى أقسام أربعة على النحو الآتي:
١. من يُعين ويستعين، وهذا الذي يؤدي ما عليه من واجبات ويأخذ ما له من حقوق، وهو أعدل الناس.
٢. من لا يُعين ولا يستعين، وهذا النوع من الناس منع خيره وقمع شرّه، فلا هو مع الأصدقاء فيُرتجى نفعه، ولا مع الأعداء فيُخاف شرّه، وهو متروك بين الناس ومُلام بينهم.
٣. من يستعين ولا يُعين، وهذا صاحب طبع لئيم وسجية مرفوضة، حيث يطلب من الناس العون، ولا يُقدّم لهم المعونة عند حاجتها.
٤. من يُعين ولا يستعين، وهو صاحب خُلُق كريم، فهو لا يتوانى في مساعدة الآخرين، ويمنعه تعففه من طلب العون. (٣).
وحبّذا لو جعل العامل نفسه مع القسم الأخير، وإن كان من الصعوبة بمكان؛ لأنه لا يُمكن للإنسان أن يقضي حاجاته دون طلب العون من أحد، وإن عُدم ذلك فليكن من الصنف الأول الذي يُقدّم واجبه ثم يطالب بحقه.
стр. 85
المطلب الرابع
استعمال وسائل النظافة والوقاية
لا نجد اليوم شيئاً غريباً في أن الطب النبوي توصل إلى كثير من مفاهيم الطب الوقائي، إذا وضعنا هذه المفاهيم في إطارها الزمني ومجالها الحضاري، وإذا عرفنا الشعار المعروف (الوقاية خير من العلاج) فإن استقراء الطب النبوي في المفهوم الوقائي، يجعلنا -دون أدنى شبهة- انحيازاً نشير إلى أن شعار الوقاية خير من العلاج شهد أول بذرة له في عصر الطب النبوي.
لقد تحدث الرسول الكريم ﷺ في الطب والصحة والمرض، والوقاية من العدوى وفي فضائل الأطباء، بل إن بعض الكتب التي جمعت أحاديث الرسول ﷺ تعدُّ بلغة العصر (دائرة معارف للطب النبوي) ضمنها المفاهيم الوقائية والعلاجية من منظور إيماني إسلامي.، وينحصر المفهوم الوقائي في الطب النبوي في أن النظافة من الإيمان، فقد حثّ الإسلام على النظافة وجعلها من الإيمان، حيث روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله طيِّب يحب الطَّيِّب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظِّفوا أفنيتكم، ولا تشبّهوا باليهود" (١)، وكذلك قول الرسول ﷺ :" الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو قال تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " (٢) وموضع الاستدلال أن الطُهور المقصود به الطهارة، لأن صيغة فعول المقصود منها الفعل -يعني: ما يفعل- فالطهور هو التطهر كما أن الفطور هو فعل الإفطار، والسحور هو الفعل نفسه، بخلاف الطَهور -بالفتح-: فإنه ما يتطهر به -يعني: الماء يسمى طهوراً-، وأكلة السحر تسمى سَحوراً -بالفتح-، والفطور يسمى فَطوراً -بالفتح- إذا كان المراد الذي يؤكل، أما الفعل نفسه فهو طهور للطهارة، وسحور للتسحر، فقوله ﵊ هنا: الطُهور يعني: التطهر (٣).
ومما يؤكد ضرورة التزام العامل بقواعد النظافة واللياقة وجود كثير من الأعمال التي تتطلب ظهور العامل بمظهر لائق، وبملابس نظيفة نظراً لارتباط هذه الأعمال بالجمهور، كما أن وجود بعض الأعمال التي يعكس مظهر العامل صورة عن جودتها وخلوها من الأوساخ والجراثيم، كالمطاعم
стр. 86
ومحلات الحلويات، كما أن هناك من الأعمال التي توجب على عمالها الظهور بلباس موحّد ليتميزوا عن غيرهم، ويدخل هذا الأمر تحت إتقان العامل لعمله ويتحمل العامل مصاريف الظهور بمظهر لائق إلا إذا نصّ العقد على تحمّل صاحب العمل تكاليف ذلك.
والمعروف أن من أهم تعاليم الإسلام إيجاد جيل صحيح سليم، لا يتم ذلك إلا بالعناية بالصحة الفردية التي منها يتوصل إلى صحة المجموع، والنظافة فوق أنها تقوى الله ومن الإيمان، هي أحد أركان الإسلام؛ لأن الصلاة لا تتم إلا بها، والصلاة من أهم أركان الإسلام الخمسة التي بُني عليها، إلا أن النظافة تعتبر وقاية من الأمراض السارية والأوبئة المعدية.
وتعدُّ نظافة الأقسام الظاهرة من الجسم أساساً في طهارته، والتي يعتبر فيها الجلد بمنزلة الواقي لما تحته من الأنسجة والأعضاء، وبالتالي فهو معرّض لملامسة مواد متنوعة من غبار ورواسب وأوساخ، تجتمع على سطحه فينتج عن ذلك الأقذار الكريهة والروائح القبيحة، وقد تسدّ الأوساخ مسامات الجلد فتُحدِث أمراضاً متنوعة.
ولا بدّ من وسائل وقائية يستعملها العامل في عمله، وهذه ينبغي للعامل استعمالها على الوجه التي وضعت له، حيث نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٣٤):" على العامل التقيّد بتطبيق شروط اللائحة الداخلية للمنشأة وبقواعد السلامة والصحة المهنية في العمل" (١)، ولم يُشر القانون ضرورة تدريب العمّال على طرق استعمال هذه القواعد، خصوصاً عند وجود فئة من العمّال لا يدركون طبيعة هذه القواعد، صحيح أنه أشار في المادة رقم (٩٠) على أن مجلس الوزراء يُصدر الأنظمة الخاصة بالصحة والسلامة المهنية وبيئة العمل، متضمنة بصفة خاصة ما يأتي:
أ. وسائل الحماية الشخصية والوقاية للعاملين وأمراض المهنة.
ب. الشروط الصحية اللازمة في أماكن العمل.
ت. وسائل الإسعاف الطبي للعمال في المنشأة.
ث. الفحص الطبي الدوري للعمال. (٢)
ومن الأمور التي فاتت قانون العمل الفلسطيني أنه لم يذكر العدد اللازم من العمال في المنشأة- بل ترك الأمر لمجلس الوزراء الذي يُصدر الأنظمة الخاصة بالصحة والسلامة -، حتى يترتب بناءً عليه وجوب توفير وسائل الإسعاف الأولية، بينما غيره من القوانين - كالقانون المصري - نصّ في المادة رقم (١٢١) على أنه "في حال وجود خمسين عاملاً أو أكثر يعملون عند جهة معينة، وفي دائرة قطرها خمسة عشر كيلو مترا، فإن صاحب المنشأة ملزمٌ باستخدام ممرضٍ مؤهل، وإذا كان العمل
стр. 87
لا تصل إليه المواصلات العادية، وجب على صاحب العمل توفير وسائل الانتقال المناسبة (١)، والواقع الفلسطيني قد لا يحتمل مثل هذه الإجراءات واللوازم نظراً للضعف الإقتصادي الذي يعانيه أهلها، ولكن ينبغي العمل على الإشارة لمثل هذه الاحتياطات الصحية، وعدم الاكتفاء بالنصوص المجملة، التي بحاجة لبيان المكلّف بدفع تكاليف العلاج.
وحاجتنا لتوضيح المُجمَل من النصوص نابعٌ من التقصير في التزام أصحاب العمل بالاحتياطات الصحية المتّبَعة في المنشآت، ففي عام ٢٠٠٨م أُجريت دراسة ميدانية للتعرف على مدى تواجد الوسائل الوقائية في المنشأة، شملت هذه الدراسة ٨٠٠ استمارة وزّعت على العمّال، وتم استيفاء ٧٤٠ استمارة، منها ٥٦٤ استمارة وُزّعت في الضفة الغربية، و ١٧٦ استمارة تم توزيعها في قطاع غزة، وتبين من هذه الدراسة ما يأتي:
١. هناك ١٢% من العاملين أفادوا بأنه لا يتوفر في مواقع عملهم صناديق إسعاف أولي.
٢. أفاد ٤٤% من العاملين الذين شملتهم الدراسة أنه لا يتوفر في أماكن عملهم مخارج طوارئ.
٣. أكثر من ثلث العاملين المستَطلعة آراؤهم ويعملون في القطاع الصناعي أشاروا إلى أنه لا يوجد نظافة ولا ترتيب في المصانع التي يعملون فيها. (٢) وفي ختام حديثنا عن الواجبات الأخلاقية، ينبغي التأكيد على أن الواجبات السالفة الذكر تُلزم العاملين عموماً- ذكوراً وإناثاً- وتختلف هذه الواجبات من مهنة لأخرى، وإن كان هناك من الأساسيات التي ينبغي تواجدها في كل مهنة -وهي ما أسلفنا- يُضاف إليها بعض الواجبات التي يختلف الناس في تحديد معاييرها منها:
أ التقبّل الصادق للخدمة العمومية- وهذا خارج نطاق قانون العمل الفلسطيني-.
ب الاستعداد للتطوع من أجل المصلحة العامة، وإن كان ذلك خارج أوقات الدوام الرسمي.
ت الحرص الممّيز في مساندة كل مبادرة تخص مستقبل الوطن.
ث النزاهة و الامتناع عن إتيان أعمال تضع الموظف موضع الشبهات.
стр. 88
الفصل الثالث: حقوق العمّال في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني ، وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: حقوق العمال الأخلاقية ، ويشمل المطالب الآتية:
المطلب الأول: حق العامل على الدولة في توفير فرصة عمل.
المطلب الثاني: حق العامل في المعاملة الإنسانية.
المطلب الثالث: حق العامل في رفع الروح المعنوية وتحفيزه.
المبحث الثاني: حق العامل في تأدية العبادات، ويشمل المطالب الآتية:
المطلب الأول: حق العامل في تأدية فريضة الحج.
المطلب الثاني: حق العامل في تأدية الصلوات المفروضة.
المطلب الثالث: حق العامل في تأدية صلاة الجمعة.
المطلب الرابع: حق العامل في تأدية النوافل والسنن الراتبة.
المبحث الثالث: حق العامل في الأجرة، ويشمل المطالب الآتية:
المطلب الأول: تحديد الأجرة.
المطلب الثاني: الاعتماد على مؤشر غلاء المعيشة في تحديد الأجرة، والحكم الشرعي في ذلك.
المطلب الثالث: وقت دفع الأجرة وتملكها.
المطلب الرابع: ضمانات الوفاء بالأجرة.
المطلب الخامس: قواعد الوفاء بالأجر.
المبحث الرابع: حق العامل في الإجازات، وتشمل المطالب الآتية:
المطلب الأول: الإجازة السنوية.
المطلب الثاني: الإجازة الأسبوعية.
المطلب الثالث: الإجازة المرضية.
المطلب الرابع: إجازة الأمومة.
المطلب الخامس:.الإجازة العارضة.
المبحث الخامس: حق العامل في التأمين والتعويض، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التأمين في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني.
المطلب الثاني: التعويض في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني.
المبحث السادس: حق العامل في مكافأة نهاية الخدمة والتقاعد، وفيه مطلبان.
المطلب الأول: مكافأة نهاية الخدمة في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني.
المطلب الثاني: الراتب التقاعدي في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني.
المبحث السابع: حق العامل في الشكوى و التقاضي و التظاهر والإضراب عن العمل، وحق الابتكار، ويشمل المطالب الآتية:
المطلب الأول: الشكوى والتقاضي.
المطلب الثاني: التظاهر والإضراب عن العمل.
المطلب الثالث: حق الابتكار.
стр. 89
المطلب الأول
حق العامل على الدولة بتوفير فرصة عمل
لا شك أنّ مبادئ الاقتصاد الإسلامي تقوم على الحرية الاقتصادية، المنضبطة بالنُّظم الإسلامية، وأنّ العامل له الحق في اختيار العمل الذي يناسبه، ويتفق - ولو بنسبة متغيّرة- مع ميوله ورغبته، ولا بدّ من تقرير مبدأ هام، ألا وهو مساواة الناس في اختيار عملهم المناسب، فكلٌ مُيسّرٌ لما خُلق له، وكل الناس سواسية.
وإذا كان العمل واجباً في نظر الشارع والسؤال محظوراً إلا لمن يحتاجه، والدولة الإسلامية ما قامت إلا لتحقيق ما يحبه الشارع، وإزالة ما يكرهه، فمن الطبيعي أن تقوم الدولة الإسلامية بتسهيل سُبل العمل والكسب للأفراد، فهذا بعض ما عليها للمواطنين فتوجِد العمل لمن يحتاجه، وتقوم بإيجاد المشاريع النافعة لتشغيل الأفراد، ولا تنفق موارد الدولة على التوافه من الأمور، وعلى ما لا ينفع، وحتى إذا اقتضى الأمر لتشغيل الأفراد أن تقوم بإقراضهم من خزينة الدولة، فالقرض جائز وهو من أفضل الصدقة.
ولأن الفرد المسلم في مجتمعه له حقوق كثيرة، منها إلزام الدولة بإيجاد عمل لكل قادر عليه، محاربة للفقر والبطالة، ولقد أسست السنة الفعلية للرسول ﷺ القاعدة المكينة، حينما جاءه رجل أنصاري ليسأله، فقال النبي ﷺ :" أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حِلسٌ (١) نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقدحٌ نشرب فيه الماء، قال النبي ﷺ :" ائتني بهما"، قال: فأتاه بهما، فأخذهما الرسول ﷺ بيده، ثم قال: "من يشتري هذين؟ " فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال النبي ﷺ :" من يزيد؟ مرتين أو ثلاثاً" فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، فأعطاهما الأنصاري، وقال:" اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر (قدّوماً) (٢) فأتني به، ففعل، فأخذه النبي ﷺ حتى نشر فيه عوداً بيده وقال:" اذهب واحتطب، ولا أراك خمسة عشر يوماً"، فجعل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فقال النبي ﷺ :" اشتر ببعضهما طعاماً، وببعضهما ثوباً، هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألة نُكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة، لذي فقر مدقع، أو لذي غُرم مفظع، أو لذي دم موجع" (٣)،
وموضع الاستدلال من هذا الحديث أن الرسول ﷺ حرص على تأمين العمل لهذا
стр. 90
الأنصاري، ووضع له خطة إنتاجية (خمسة عشر يوماً)، استطاع من خلالها أن يوفّر للأنصاري الاكتفاء الذاتي، في ظلّ وجود رأس مالٍ بسيط (درهم واحد) (١)، ومن خلال التأمل في الحديث السالف الذكر (حديث الاحتطاب) يُمكن استنباط مايلي:
١. ينبغي على العامل القادر على العمل أن يرفع أمره إلى ولي الأمر، أو من ينوب عنه، وهو ما نصّ عليه قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (١٠) " على كل شخص قادر على العمل وراغب فيه أن يُسجّل اسمه في مكتب العمل الواقع في دائرة إقامته" (٢).
٢. يجب على الدولة أو ولي أمر المسلمين أو نائبه أو من يوكل إليه الأمر في الدول الحديثة أن ينظر فوراً -بدون تأخير- في أي طلب يُقدّم إليه، وأن لا تتراكم القوائم، وتُدخَل البيانات على أجهزة الحاسوب ثم تُهمل، ويبقى الناس ينتظرون حتى تأتي المشاريع التشغيلية من الشرق أو الغرب، بل تسعى الدول للتشغيل بمقابل محدود.
٣. أن تستفيد الدول من قدرات العاملين ومؤهلاتهم، وتستغلّ ذلك في النافع المفيد.
٤. لا بدّ من مراقبة العمّال ومحاسبتهم باستمرار، ثم يتبع ذلك تقويم الأنشطة التي يقوم بها العامل من أجل الشعور بالمسئولية.
٥. تُلزم الدولة بالقضاء على التسوّل، وذلك بإيجاد بديل مقابل ومتزامن، مع الدعوة لمنع التسوّل والبطالة.
ويتضمن هذا التخطيط النبوي كل الأشغال الأخرى، من الصناعة والزراعة والتجارة، بحيث يؤدّي إلى الكسب، من خلال هذا الواجب المُلقى على الدولة كان لها أن لا توجب الزكاة على آلات الحرفيين، وفي ذلك يقول صاحب الفتاوى الهندية:" وكذا كتب العلم إن كان من أهله، وآلات المحترفين التي ينتفع بنفسها، ولا يبقى أثرها في المعمول" (٣) وفي هذا النص ما يُبين حرص الإسلام على تشجيع العلم وأهله، كما فيه تشجيع الاحتراف والمحترفين.
وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني على إلزام الدولة بتوفير فرص عمل لكل القادرين عليه، حيث نصّت المادة رقم (٢) منه أن" العمل حق لكل مواطن قادر عليه، تعمل السلطة الوطنية على توفيره
стр. 91
على أساس تكافؤ الفرص ودون أي نوع من أنواع التمييز" (١)، ولكن الواقع يُبين غير ذلك، إذ تتزايد نسبة البطالة في فلسطين بشكل كبير، وهذا راجع إلى سوء توزيع فرص العمل، أو تقصير الدولة في العمل على توفيرها، وكم هي الحاجة ماسّة لاستبدال المساعدات الموسمية والهبات المقدمة من وزارة الشؤون الاجتماعية بدخلٍ ثابت -لو كان محدودا- بشرط أن يكون ذلك مقابل عملٍ يقدّمه العامل للدولة وللمجتمع، لا أن يُعطى بعض العمال الأعطيات والهبات وهم في بيوتهم، لأن ذلك ينعكس سلباً على فهم الناس لطبيعة العمل، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتفاع معدل البطالة بين المشاركين (ذكوراً وإناثاً) في القوى العاملة في الضفة الغربية ما بين عامي ١٩٩٩م -٢٠٠٧م، والجدول الآتي يوضح ذلك (٢).
المحافظة والجنس ... ١٩٩٩م ... ٢٠٠٠م ... ٢٠٠١م ... ٢٠٠٢م ... ٢٠٠٣م ... ٢٠٠٤م ... ٢٠٠٥م ... ٢٠٠٦م ... ٢٠٠٧م
كلا الجنسين ... جنين ... ١٢.٥ ... ١٦.٦ ... ٣٧.٢ ... ٤٥.١ ... ٣٥.٥ ... ٢٨.٧ ... ٢٥.٣ ... ٢٣.٢ ... ١٩.٠
طوباس ... ١١.١ ... ١٦.٠ ... ٣٠.٩ ... ٣٩.٥ ... ٢٤.٨ ... ٢١.٩ ... ٢٠.١ ... ١٩.٥ ... ٢٠.٠
طولكرم ... ١٣.٨ ... ١٦.٧ ... ٢٠.٩ ... ٢٣.٦ ... ٢٤.٩ ... ٢٢.٤ ... ٢١.٩ ... ٢١.٩ ... ٢٠.٥
نابلس ... ٩.٢ ... ١١.٢ ... ٢٢.٩ ... ٢٩.٥ ... ٢٥.٨ ... ٢٠.٨ ... ١٨.١ ... ١٧.٦ ... ١٥.٦
قلقيلية ... ١٣.٥ ... ١٧.٧ ... ٣٢.٩ ... ٢٧.٠ ... ٢٢.٧ ... ٢٢.٢ ... ٢٠.٩ ... ١٦.٥ ... ١٦.٤
سلفيت ... ١٣.٩ ... ١٨.١ ... ٤٠.٧ ... ٢٩.١ ... ٢٣.٢ ... ١٨.٩ ... ٢١.٣ ... ١٧.٦ ... ١٨.٩
رام الله والبيرة ... ٥.٩ ... ٩.٦ ... ٢٦.٢ ... ٢٥.٩ ... ٢٠.٥ ... ١٩.٨ ... ١٥.٨ ... ١٦.٣ ... ١٦.٠
أريحا والأغوار ... ٦.١ ... ٧.٣ ... ١١.٤ ... ١٠.٩ ... ٩.٤ ... ١٣.٠ ... ١٣.٢ ... ١٤.٤ ... ٩.٨
القدس ... ٩.٨ ... ١١.٦ ... ١٥.٢ ... ٢٧.٨ ... ٢٢.٣ ... ٢٢.٨ ... ١٦.٨ ... ١٣.٢ ... ١٣.٤
بيت لحم ... ١٢.٠ ... ٩.٧ ... ١١.٥ ... ٢٠.٦ ... ١٨.٤ ... ٢١.١ ... ١٣.٥ ... ١٣.٧ ... ١٧.٥
الخليل ... ٦.٤ ... ١٠.٦ ... ١٦.١ ... ٢٦.٧ ... ٢٢.٣ ... ٢٥.٣ ... ٢٦.١ ... ٢٣.٣ ... ٢٢.٢
مجموع الضفة ... ٩.٥ ... ١٢.١ ... ٢١.٥ ... ٢٨.٢ ... ٢٣.٨ ... ٢٢.٩ ... ٢٠.٣ ... ١٨.٦ ... ١٧.٧
стр. 92
ومما ينبغي التنبيه إليه أن تتاح لجميع العمّال فرصٌ متساوية، وليس من العدل أن تُتاح فرص العمل لأصحاب الشهادات العليا، ويحرم العوام منها، ومن الأمثلة العملية على تكافؤ الفرص ما رواه المؤرخون عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (١) ﵀ أن أحد ولاته كتب إليه أن أناساً من العمّال الذين قبله اقتطعوا من مال الله مالاّ عظيماً، وطلب الإذن منه لاستخراجه من أيديهم بالقوة والعذاب، فردّ عليه قائلاً:" أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر، كأني لك جُنة من عذاب الله، وكأن رضائي يُنجيك من سخط الله، فانظر، فمن قامت عليه البينة فخذه بما قامت عليه به، ومن أقرّ لك بشيء فخذه بما أقرّ به، ومن أنكر فاستحلفه بالله، وخلّ سبيله، فو الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم" (٢)،
وهذا يدل على حرص عمر بن عبد العزيز ﵀ على توزيع فرص الغنى بين أبناء المسلمين، ويُقاس عليه توزيع فرص العمل بين أبناء المسلمين، وهنا نتساءل أين العدل من توزيع فرص العمل في أيامنا؟ بل وأين توزيع فرص الشبع بين المسلمين؟ من أجل ذلك ينبغي أن يُعرف أن توفير فرص العمل للجميع هو حق إنساني يستحقه الإنسان، بصفته الإنسانية المحضة، لا بصفته من أبناء طبقة خاصة أو أسرة معيّنة، (٣) وقد نصّ الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان في المادة رقم (١٣):" العمل حق تكفله الدولة والمجتمع لكل قادر عليه، وللإنسان حرية اختيار العمل اللائق به، مما يحقق به مصلحته ومصلحة المجتمع، وللعامل حقه في الأمن، والسلامة، وفي الضمانات الاجتماعية الأخرى كافة، ولا يجوز تكليفه بما لا يطيقه أو إكراهه أو استغلاله أو الإضرار به" (٤).
стр. 93
المطلب الثاني
حق العامل في المعاملة الإنسانية
تماشياً مع قوانين الرحمة بالإنسان التي أدّبنا الإسلام عليها، وانطلاقاً من قول الرسول ﷺ :" الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (١) ومن قول الرسول ﷺ :" من لا يرحم لا يُرحم " (٢) أردت إلقاء بعض الضوء على هذا الواجب، الذي أقرّه الإسلام للعامل، خصوصاً في ظل وجود كثير من الأعمال التي تتطلب من عاملها التواجد في حرّ الشمس، فهؤلاء العمّال هم بشرٌ مثلنا يتمتعون بإنسانية وآدمية يجب النظر والانتباه إليها، أجبرتهم ظروفهم المعيشية للعمل في البناء، والتنظيف وتحميل البضائع تحت لهيب الشمس، فيجب أن يُنظر إليهم بعين الرحمة والرأفة، لكونهم يتمتعون بإنسانية أعطاهم الله إياها، سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك، وذلك لأن الإسلام لم يتجاهلهم، بل أوصى بأن لا يُكلَّف العامل فوق طاقته وقدرته، لقول الله : ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣)،
وقول الرسول الله ﷺ :" للمملوك طعامه وكسوته، ولا يُكلّف من الأعمال إلا ما يطيقه" (٤) وهذا الحديث وإن ورد في الرقيق إلا أنه يشمل العمّال، لأن الإسلام أتى لتحرير الرقاب من الظلم والاستعباد الذي كان سائداً في الجاهلية، ولا بدّ أن يستشعر صاحب العمل رحمة الله بعباده، وكذلك قول الله : ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥).
وليس من الصعب - من وجهة نظري- أن يبدأ العامل عمله في ساعة مبكرة على أن يستريح في وقت الظهيرة، وهذا في الأعمال التي يصنفها أهل الخبرة من الأعمال الشاقة في وقتها المعيّن، ولا يتنافي مبدأ الرحمة الذي دعا الإسلام له مع مبدأ المساءلة والمحاسبة إذا قصّر العامل في عمله.
стр. 94
ويندرج تحت هذا الطلب التعامل مع العمّال بوجه طلق، لأن الابتسامة لا تكلّف الإنسان شيئاً، وفي نفس الوقت تُعطي التشجيع للعامل وترفع من معنوياته، وتزيده إقداماً نحو العمل والإنتاج، ناهيك عن أن التبسم في وجوه الناس يحصل صاحبها على الأجر من الله كلما ابتسم، لقول الرسول ﷺ :" تبسمك في وجه أخيك صدقة" (١) كما أن الابتسامة تولّد جواً من الراحة النفسية في البيت والعمل والشارع، وتحلُّ كثيراً من مشاكل الناس، وتزيد الألفة والمحبة بين الناس، لذا كان الرسول ﷺ من أكثر الناس تبسماً لكل من يقابله في حياته، فأحد الصحابة يصف ملاقاة الرسول ﷺ له فيقول:" ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله ﷺ " (٢) وهذا يدلّ على أنّ الابتسامة ما كانت لتفارق شفتيه الطاهرتين، ومن دون تكلّف ومشقة، فيروي صحابي جليل فيقول:" ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسّم في وجهي" (٣).
ولا يجوز أن يتعمد صاحب العمل أن يظهر بمنظر العابس بحجة الجدية في العمل، وحث العمّال على العمل، وليجعل الجميع يخافون من قدومه، ناسياً أنّ الدين الحنيف قد أمر بالرأفة والشفقة بالحيوان، فكيف هي بالإنسان؟ حيث قال الرسول ﷺ :" دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" (٤) ومرّ الرسول ﷺ على حمار قد وُسِم في وجهه، فقال:" لعن الله الذي وسمه" (٥)، ولم يأت قانون العمل الفلسطيني على ذكر الرحمة والشفقة بالعامل، وكأنه ترك العلاقة جامدة، بعيدة عن الإنسانية.
والحديث عن الشفقة والرحمة يستلزم الحديث عن تشغيل الأطفال، حيث ما زالت هذه الظاهرة تثير كثيراً من القلاقل لدى الناشطين الحقوقيين، نظراً لما تخلفه من آثار سلبية على المجتمع عامة، وعلى الأطفال وأسرهم خاصة- حسب وجهة نظرهم- هذا مع اختلاف قوانين العمل في تحديد سنّ الطفل الذي يُسمح له بالعمل، حيث نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٩٣) على أنه"
стр. 95
يُحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم سن الخامسة عشر" (١) ويشترك في هذا السن الذكر والأنثى لعدم وجود ما يدل على اختصاص هذا العمر بجنس معيّن دون غيره، أما قانون العمل المصري فقد نصّ في المادة رقم (٩٨) على أنه" يُعتبر طفلاً كل من لم يبلغ الرابعة عشر سنة، أو تجاوز سن إتمام التعليم الأساسي، ولم يبلغ ثماني عشرة سنة كاملة، ويلتزم كل صاحب عمل يستخدم طفلاً دون السادسة عشرة بمنحة بطاقة تثبت أنه يعمل لديه، وتلصق عليه صورة الطفل، وتُعتمد من مكتب القوى العاملة المختص" وفي المادة رقم (٩٩) " يُحظر تشغيل الأطفال من الإناث والذكور قبل بلوغهم سن إتمام التعليم الأساسي، أو بلغ أربع عشرة سنة أيهما أكبر، ومع ذلك يجوز تدريبهم متى بلغت سنهم اثنتي عشرة سنة" (٢) بينما نصّ قانون العمل الأردني في المادة رقم (٧٣) على أنه" لا يجوز بأي حال تشغيل الحدث الذي لم يكمل السادسة عشرة من عمره بأي صورة من الصور" (٣)، هذا كله يخصّ الأطفال من غير فروع صاحب العمل أو إخوانه، حيث نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٣) أنه:" تسري أحكام هذا القانون على جميع العمّال في فلسطين باستثناء ... أفراد أسرة صاحب العمل من الدرجة الأولى" (٤)
وفي الإسلام الأصل أن يأخذ الطفل حقه الكامل من الرعاية والعناية والرحمة والتربية، وألا نحوّل طفولته إلى رجولة مبكرة، فهذا يؤثر عليه سلباً، ويحرمه من مرحلة مهمة من مراحل حياته، وهي مرحلة (الطفولة)، ولا بُدّ أن يلعب الطفل في سن الطفولة، ويتعلم ما وسعه التعلم، خصوصاً لو كان من الموهوبين الأذكياء، ولا يجوز ما تفعله بعض المجتمعات من حرمان للأطفال من التعليم، أو عدم إعانته على التعليم عند عدم استطاعته، وفي الشريعة الإسلامية فإن مرحلة الطفولة تنتهي ببلوغ الشاب ودخوله دائرة التكليفات الشرعية، وتحدثنا كتب التاريخ الإسلامي أن هناك من النماذج التي قام الصبيان (من منظور أهل القانون) بأعمال هامة وشاقة رغم أن أعمارهم أقل مما نصّت عليه القوانين المعاصرة، فقد تولى أسامة بن زيد (٥) ﵃ قيادة الجيش الأول بعد وفاة النبي ﷺ وهو دون
стр. 96
السابعة عشرة، ليكون قائداً على كبار الصحابة ﵃ (١)،وهناك أعمال من الممكن أن يؤديها الطفل، وهي الأعمال الطبيعية، كمن كان والده مزارعاً، فهو يأخذه معه إلى الحقل، في العطلات، أو في أوقات الفراغ، أو كان لوالده (ورشة) فيذهب معه، لكي يُتقن المهنة التي يمتهنها أبوه، عندئذ هذا لا يكون من باب العمل الممنوع، ويرى الباحث أن يُقيّد عمل الأطفال من نواحٍ:
١. الحاجة إلى العمل، وهذا حينما يكون الوالدان بحاجة إلى مصدر دخلٍ قصّرت الدولة في توفيره، إذ لا مانع من تشغيل الأطفال حسب قدرتهم، وفي أعمال تناسب مواهبهم.
٢. القدرة على العمل، فقد نجد لبعض الأطفال مواهب جسمية ونفسية يستطيعون معها أداء بعض الأعمال، لا سيما إذا كانت هذه الأعمال سهلة وميسورة، كالبيع مثلاً، ومما يُثير الشفقة والأسى ما تعرضه وسائل الإعلام من تشغيل الأطفال في أعمال شاقّة ينوء بها الكبار، أو ما يُسند إليهم من تنظيف السيارات على إشارات المرور، أو البيع على مفترقات الطرق وتحت أشعة الشمس الحارقة، والمحظور في استعمال هؤلاء الأطفال إنما هو استعمالهم في أعمال شاقة لا تتناسب مع قواهم البدنية، أو استعمالهم طوال ساعات النهار؛ لأن هذا الطفل له صبوة، وهو ميّال بطبعه للهو واللعب، ففي هذا العمل الشاق الطويل حرمان له من هذا اللهو أو اللعب الذي يحرص عليه الأطفال غالبًا. (٢)
٣. أن لا يكون العمل على حساب واجبات أكثر أهمية، كالتعليم أو أداء العبادات.
ويتابع مكتب الإحصاء المركزي في السلطة الفلسطينية منذ عام ٢٠٠٤ م تطوّر تشغيل الأطفال في المناطق الفلسطينية، مع أن هذه المعطيات لا يتم نشرها للجمهور إلا أن مديرة مركز فرع أبحاث قطاع العمال في المكتب قدمت النتائج التالية:
١. في سنة ٢٠٠٤م تم تشغيل حوالي ٤٣٠٠٠ طفل في جيل ٥ - ١٧سنة.
٢. في سنة ٢٠٠٧م ارتفع العدد إلى حوالي ٤٧٠٠٠ طفل.
٣. في النصف الأول من عام ٢٠٠٨م وصل العدد إلى حوالي ٥٣٥٠٠طفل.
٤. حوالي ٤،٦ % من الشباب الفلسطينيين الذين تبلغ أعمارهم اقل من ١٨ سنة يعملون.
٥. التركيز الأعلى لتشغيل الأطفال هو في الضفة الغربية، خصوصاً في أريحا وغور الأردن (٢٣،٥%).
٦. حوالي ١٩٠٠ طفل يعملون في المستوطنات الإسرائيلية، والطلب على العمال في ازدياد.
٧. متوسط الأجرة اليومية هو ٤١،٩٠ شيقل، ومتوسط أسبوع العمل لدى الأطفال هو ٣٠ ساعة. (٣)
стр. 97
ولأن الإنسان بإنسانيته محور الشرائع السماوية التي أنزلها الله على جميع الأنبياء والرسل من لدن آدم ﵇، وصولاً إلى خاتم الأنبياء محمد ﷺ ، اعتنت الشريعة الإسلامية بالإنسان أياً كانت صفته، مسلماً أو كافراً، ذكراً أو أنثى، لذلك جاء النبي ﷺ رحمة للعالمين جميعا، كما في قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (١).
ولا تقف حماية الدولة للفرد عند حدّ حمايته من الاعتداء على حياته وجسمه وعرضه، بل تمتد إلى حماية كرامته وعزته من الإهانة والإذلال، فلا تُذله هي ولا تسمح بإذلاله، لأن المسلم يجب أن يكون عزيزاً لقول الله : ﴿ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ولا خير في الذليل المهين، ولن يصلح لحمل رسالة الإسلام إلا الحرّ العزيز، ومن ثم فإن الدولة الإسلامية تُربّى في المسلم معاني العزة، كما أراد الله، فعمر بن الخطاب كان يؤدّب ولاته، ويأمرهم بالحضور في موسم الحج، فإذا اجتمعوا خطب في الناس وقال لهم:" ... ألا إني والله ما أُرسل إليكم عمّالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أُرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم، فمن فُعل به غير ذلك فليرفعه إليّ، فو الذي نفسي بيده إذاً لأُقصّنّه منه، فوثب عمرو بن العاص ﵃ (٣) فقال: يا أمير المؤمنين إن كان رجل من المسلمين على رعيّةٍ فأدّب رعيته أئنك لمقتصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده، إذن لأُقصّنّه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يُقصّ من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتُذلوهم، ولاتمنعوهم حقوقهم فتُكفّروهم، ولا تنزلوهم الغياض (٤)
فتضيعوهم" (٥).
ومعنى هذا أن الراعي إذا أدّب أحداً من رعيته- ولو بالضرب المشروع- فلا قصاص فيه بالإجماع، إذ هو واجب، أو مستحب، أو جائز (٦)،ولقد أعزّ الله العامل ورعاه، وكرّمه وأعلى درجته،
стр. 98
وقرر حقوقه التي كانت مُنتهكة منذ خلق البشرية، فأرسى للعمل قواعده، وبيّن للعامل حقوقه، وأسند لصاحب العمل واجباته، كلُّ ذلك باعتبار الناس جميعاً مواطنين في المجتمع، والقصد من ذلك تحقيق العدالة الاجتماعية، بالإضافة للحياة الكريمة.
من هنا دعا الإسلام أصحاب العمل إلى معاملة العمّال معاملة إنسانية كريمة، ودعا كذلك إلى الشفقة عليهم والرأفة بهم، فلا طغيان ولا تجبر في العلاقة التشغيلية بين أطراف العمل، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، حيث كان يأكل مع كلّ طبقات المجتمع، والعمّال طبقة منهم -ولا شك- فقال ﷺ :" من لاءمكم (وافقكم) (١) من خدمكم فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ومن لم يلاءمكم منهم فبيعوا ولا تعذّبوا خلق الله" (٢) وهذا غاية التعامل اللطيف الإنساني من النبي ﷺ مع الخدم، الذين هم بمقام العمّال، ويقول ﷺ :" إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يُجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه وليَ حرَّه (عند الطبخ) وعلاجه (عند تحصيل آلاته) " (٣)،
وقبل وضع القدر على النار، ويؤخذ من هذا أن في معنى الطباخ حامل الطعام، لوجود المعنى فيه وهو تعلّق نفسه به، بل يؤخذ منه الاستحباب في مطلق خدم المرء ممن يعاني ذلك (٤)، ولا شك أن سوء معاملة العمّال يعود بالضرر المباشر على صاحب العمل، لقول الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٥).
ومن خلال ما سبق من النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة يتبين لنا جُملة من الحقوق الإنسانية المترتبة على صاحب العمل منها:
١. أن يُعامل العامل معاملة حسنة، ويحلم عليه إذا بدر منه أية أخطاء، انطلاقاً من قول الله : ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦).
стр. 99
٢. أن يتواضع معه، فلا يتكبّر عليه؛ لأن ذلك يُشعرهم بالطمأنينة، وعدم الحرج من العسر والمشقة والفقر، كما أن التكبّر عليهم يُشعرهم بالذّل والاحتقار، وأن لا قيمة لهم في المجتمع، مما يُسبب لهم الكآبة في المعيشة، وفي الكلمات المستعملة في مخاطبة العمّال قال ﷺ : " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل فتاي وفتاتي " (١) هذا وإن كان لفظ الحديث يختصّ بالعبيد إلا أنه يُستفاد منه حُسن اختيار الكلمات مع العمّال، وقد ذمّ الله المتكبرين من الناس، ومدح التواضع والمتواضعين، ووعدهم بحُسن الجزاء، فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
٣.على صاحب العمل أن يهتم بأخلاق العمّال، لما في ذلك من مصلحةٍ راجعةٍ على العمل وقدرة الإنتاج، ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني على ضرورة معاملة العامل معاملة كريمة تليق بإنسانيته، وإنما جعل تحقير العامل سبباً من أسباب ترك العامل لعمله بعد إشعار صاحب العمل بذلك، حيث نصّت المادة رقم (٤٢) من القانون على أنه يجوز للعامل ترك العمل بعد إشعار صاحب العمل في حالات خمس منها" اعتداء صاحب العمل أو من يمثله على العامل أثناء العمل أو بسببه بالضرب أو التحقير" (٣)، ومما يؤخذ على هذا النصّ مايلي:
١. حبّذا لو سُبق هذا النص بنصٍّ يمنع صاحب العمل من إهانة العامل ابتداءً، أو يُلزم صاحب العمل باحترام العامل.
٢. أن ينصّ القانون على أن الإهانة المعتبرة هي أثناء فترة العمل، أو تكون بسببه، وهنا قد يثور التساؤل الآتي: ماذا عن إهانة العامل خارج أوقات الدوام الرسمي؟ أو كانت الإهانة بغير سبب العمل؟.
٣. هل يبقى العامل منتظراً حتى تصدر الإهانة الجارحة بحقه، ثم يترك العمل؟ أم أن الخشونة في التعامل بذاتها هي إهانة؟.
٤. لا يوجد معيار محدد في القانون لبيان الإهانة التي يستطيع العامل ترك العمل، مع احتفاظه بحقوقه، ويرجع ذلك للقاضي عند التقاضي، ومما يُذكر لقانون العمل السعودي - دون غيره حسب علمي- أنه أشار في المادة رقم (٦١) " يُمنع صاحب العمل عن تشغيل العامل سُخرة، وأن لا
стр. 100
يحتجز دون سند قضائي أجر العامل أو جزء منه، وأن لا يعامل عماله بالاحترام اللائق، وان يمتنع عن كل قول أو فعل يمس كرامتهم ودينهم". (١)
كما يجب التنبيه إلى أن هناك من مظاهر الرحمة ينبغي على صاحب العمل مراعاتها وعي على النحو الآتي:
١. مشاركة العامل في أفراحه وأتراحه، لما في ذلك من تقوية لأواصر المحبة والإخاء.
٢. مراعاة حالة العامل الصحية عند المرض وحتى بعد عودة العامل من الإجازة المرضية,
٣. عدم استغلال حاجة العامل للعمل وتعمد تشغيله بأجر أقل مما يستحقه.
стр. 101
المطلب الثالث
حق العامل في رفع الروح المعنوية وتحفيزه
لا شك أن قدرة أي مؤسسة أو جهة تشغيلية تعتمد بالدرجة الأولى على الأفراد العاملين فيها، فقد أظهرت الدراسات أن الواقع الذي يزيد من قوة الأفراد في عملهم أثناء العمل يعتمد اعتماداً كبيراً على العلاقات الإنسانية السائدة بينهم، وذلك مهما تغيّرت ظروفهم المادية، مع أن الروح المعنوية للعمّال من أهم الوظائف التي يقوم بها صاحب العمل. (١)
ونعني بالروح المعنوية: الحالة العقلية للفرد في وقت معين وتحت تأثير ظروف معينة، والروح المعنوية للفريق "قدرة الفريق على التكاتف بإصرار ومثابرة وثبات، من أجل هدف منشود" (٢)، بمعنى أن الروح المعنوية يُمكن أن تكون مسألة فردية تعبّر عن مشاعر العامل تجاه عمله، ودرجة الرضا عن هذا العمل، كما يُمكن أن تركّز على درجة الشعور بالانتماء والارتباط مع الجماعة، إلى درجة أن يصل العامل إلى تقديم مصلحة الجماعة على مصلحته الشخصية، وبالروح المعنوية يُعبّر العامل عن مدى استجابته لمتطلبات عمله، ومن أهم مظاهر الروح المعنوية مايلي:
١. توسط إنتاج العامل لفترة زمنية معيّنة، فإذا ما ثبت الإنتاج بنفس المعطيات المتوفرة والفرص المتاحة لفترة زمنية محصورة، فهذا يدلّ على أن روح العمّال المعنوية للعمّال عالية، وبالتالي انخفاض الإنتاج يعني انخفاضها.
٢. تُعتبر كثرة الشكاوى والتظلمات من المؤشرات على وجود قلق نفسي لدى العمّال، وهي تنبئ عن روح العمّال المعنوية، وهو ما يتطلب من الإدارة أو من ينوب عنها البحث عن الأسباب ومن ثَم علاجها.
٣. التأخّر عن العمل هو مظهر من مظاهر الروح المعنوية، لأن العامل قد لا يُقدم نحو ترك العمل لظروف قاسية تُحيط به، وإنما يلجأ إلى الغياب أو التأخر عن العمل، فيجعل التأخر بديلاً عن الغياب، والغياب الجزئي بديلاً عن الانقطاع عن العمل، وهو من الأمور التي تؤثر سلباً على الإنتاج، ولرفع الروح المعنوية لدى العمّال يُمكن اتباع مايلي:
١. تعزيز ثقة العمّال أو أعضاء الفريق الواحد بالهدف الذي من أجله قامت المنشأة.
٢. تقوية ثقة العمّال بقيادتهم.
стр. 102
٣. تطوير الروابط الاجتماعية بين العمّال أنفسهم.
٤. توفير المشرف المناسب والمقبول لدى العمّال.
٥. الأمن النفسي للعمّال.
٦. الاستقلالية في العمل، ما يعني التفويض المناسب في اتخاذ القرارات التي لا تتعارض مع أهداف المؤسسة، وهو ما يدفع العمّال للابتكار والثقة بالذات، وحتى يتمكن العامل من القيام بالعمل المنوط به على أكمل وجه وبروح معنوية عالية، ينبغي أن يكون قادراً على أدائه، ثم يكون عارفاً بدقائقه، يُضاف إلى ذلك رغبة العامل بهذا العمل، فإذا أتم العامل عمله على الوجه المتفق عليه، ترتب على صاحب العمل إعطاؤه أجره، ثم تحفيزه ضمن الإمكانات المتوفرة لديه، ونعني بالتحفيز هنا: رفع همة العامل وتنمية رغبته في رفع مستوى الجهد الذي يقوم به، وهذا يتطلب أن يكون صاحب العمل لديه المعرفة بقدرات العمّال ومراعاة الفروق الفردية لديهم، ثم يستخدم الطريقة التحفيزية المناسبة لكل عامل، وتتنوع أساليب التحفيز وتشجيع العمال من مؤسسة إلى أخرى، حسب أهداف كل مؤسسة، وإمكانياتها، ويُمكن تقسيم الحوافز إلى مايلي:
القسم الأول: حوافز مادية، وتشمل الأموال والهدايا المادية، كالسكن والسيارة.
القسم الثاني: الحوافز المعنوية، كالتطوير الوظيفي، والترقيات، ومن المعاصرين من جعل أساليب التحفيز أربعة هي:
الأول: التعزيز الإيجابي، وهو ما ينجُم عنه زيادة في تكرار استجابات العمّال المرغوب فيها.
الثاني: التعزيز السلبي أو التجنب، وهو عبارة عن شيء مثير إذا توقف تقديمه للعامل ينجم عن ذلك تكرار الأفعال المرغوب فيها، كالعامل الذي يحضر إلى العمل متأخراً باستمرار، فيلقى اللوم من صاحب العمل، أو المشرف على المنشأة، فيبدأ بالحضور في موعد العمل من أجل أن يوقف لوم صاحب العمل، ولكي يُبعد نفسه عن الانتقاد، بمعنى آخر فإن استجابة الموظف لتعليمات صاحب العمل تزداد عند استبعاد الأشياء غير المحببة لنفس العامل.
الثالث: الإخماد أو الإطفاء، ويعني عدم التدخل من صاحب العمل، بهدف إزالة سلوك غير مرغوب فيه، فاستجابة العمال يجب بتعزيزها من أجل تكرارها وإلا أخذت بالتضاؤل والخمود.
الرابع: العقاب بأنواعه المادية والمعنوية، وينتج عنه إنهاء السلوك المعيب، فالموظف الذي يترك عمله قبل الوقت المحدد يُعاقبه مسؤوله من أجل تغيير السلوك المرفوض (١).
стр. 103
المبحث الثاني: حق العمّال في تأدية العبادات ، ويشمل المطالب الآتية:
المطلب الأول: حق العامل في تأدية فريضة الحج.
المطلب الثاني: حق العامل في تأدية الصلوات المفروضة.
المطلب الثالث: حق العامل في تأدية صلاة الجمعة.
المطلب الرابع: حق العامل في تأدية النوافل والسنن الراتبة.
стр. 104
المطلب الأول
حق العامل في تأدية فريضة الحج
يعتبر الحج ركناً من أركان الإسلام التي ورد ذكرها في قول الرسول:" ﷺ بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان " (١) وموضع الاستدلال من هذا الحديث أن تكليف المسلم بالحج تكون بعد توفر شروط الاستطاعة، والتي هي استطاعة مادية، بأن يتوفر لديه ما يدفعه من تكاليف الحج، وأن يترك من يُعيل من أسرته أغنياء لا يحتاجون مساعدة، ثم الاستطاعة التي تُمكنه من السفر والوصول إلى مكة المكرمة بأمان، إذ بات من الواضح وجود كثير من الفئات في الدول الإسلامية (وخصوصاً فئة الشباب) لا تستطيع السفر خارج دولها، نظراً لوجود الترتيبات السياسية والعسكرية بين الدول، وأهل فلسطين لهم خصوصية في هذا الجانب، وذلك لوجود الاحتلال الإسرائيلي وتحكّمه في خروج أهلها منها.
جاء الإسلام ليبيح له الانقطاع عن العمل - بإذن صاحب العمل - ويسافر لأداء الحج، ولم أقف- بعد طول بحث- على تعامل المسلمين في العصور السابقة مع عمّالهم الذين يريدون الحج، ولكن مما يغلب على ظني أن الأجواء الدينية التي كانت سائدة عملت على تسهيل الطريق لمن يريد الحج، لأنه من الطاعات التي يحرص المسلم عليها، كونها مرة واحدة في العمر.
ولما استقرت التراتيب الإدارية للدول، ووضعت قوانين العمل التي تُنظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، أعطت هذه القوانين الحق في أداء فريضة الحج- للعامل الذي لم يسبق له الحج- مع تفاوت بين قوانين العمل في مدة هذه الإجازة التي ينقطع العامل عن عمله مع استحقاقه للأجرة، فقانون العمل المصري أعطى العامل مدة شهر للتفرغ لهذه العبادة، واشترط لاستحقاق هذا الحق أن يكون العامل قد أمضى في عمله ثلاث سنوات لدى صاحب العمل (٢)، أما قانون العمل السعودي فقد أبقى مدة هذا الحق غير منضبطة، فجعل أقلها عشرة أيام، وأن لا يتجاوز خمسة عشرة يوماً بما في ذلك إجازة عيد الأضحى المبارك، مع اشتراطه أن يكون العامل قد أمضى سنتين متواصلتين في المنشأة (٣)، وبالنسبة لقانون العمل الأردني فقد أعطى العامل حق الانقطاع عن العمل لأجل الحج مدة أربعة عشرة يوماً، مع اشتراطه مضي خمس سنوات متواصلة في المنشأة. (٤)
стр. 105
وقد وافق قانون العمل الفلسطيني نظيره الأردني، فنصّ في المادة رقم (٧٧) على أنه" يستحق العامل الذي أمضى خمس سنوات في المنشأة إجازة مدفوعة الأجر لا تقل عن أسبوعين لأداء فريضة الحج تُمنح لمرة واحدة" (١)، ما يعني أن المشرّع الفلسطيني اعتبر هذه الإجازة واجبة على صاحب العمل وليس جوازية كما فعل المشرّع المصري، وهذه تُحتسب للمشرّع الفلسطيني، ومما يُلاحظ على هذا النص مايلي:
١. أنه لم يقيّد السنوات الخمس بالتواصل أو عدمه، مما يعني أن العامل الذي عمل لمرات عديدة ومتقطّعة في نفس المنشأة له الحق في هذه الإجازة، ولو مضى على عمله الأخير أسبوع أو أقل، وذلك إذا كان مجموع ما عمل خمس سنوات، ولا يستحق هذا الحق من أمضى أربع سنوات ونصف متواصلة في عمله، وينبغي توضيح هذه المادة لتصبح واضحة لا تخضع لاجتهاد وتقدير صاحب العمل.
٢. خالف قانون العمل الفلسطيني نظيره الأردني، فذكر الأخير أن مدة الإجازة مضبوطة بأربعة عشر يوماً، أما قانون العمل الفلسطيني فقد حدد لها الحدّ الأدنى ولم يتطرق إلى الحدّ الأعلى، بمعنى أن يتحكم مدير المؤسسة بحدّها الأعلى، ومما يُخشى فيه من دخول العلاقات الشخصية أو أية اعتبارات أخرى، ثم يستدرك قانون الخدمة المدنية الصادر سنة ١٩٩٨م ذلك الأمر، فنصّ في المادة رقم (٨٩) أن:" للموظف الحق لمرة واحدة طوال مدة خدمته في إجازة لأداء فريضة الحج براتب كامل لمدة ثلاثين يوماً" (٢)، ومن خلال استعراض النصوص القانونية حول هذا الحق يرى الباحث مايلي:
١. هناك تفاوت في مدة العمل المشروطة لاستحقاق العامل لهذا الحق، وفي القانون الفلسطيني يشترط مضي خمس سنوات على التحاق العامل بالعمل، وبمفهوم المخالفة (٣) فإن العامل الذي لم يُمض مدة الخمس سنوات لدى صاحب العمل لا يحق له طلب الإجازة، وإن طلبها فإن صاحب العمل غير ملزم بها، وأرى- والله تعالى أعلم- أن في ذلك من الظلم والتعسف مع العامل نظراً للواقع الفلسطيني، ذلك أن السياسة المتبعة لدى وزارة الأوقاف هي القرعة للراغبين في الحج، فإذا كان نصيبه في القرعة وحصل على هذه الفرصة بعد أن أخذ بالأسباب وفي المقابل لم يكن قد أمضى خمس سنوات في
стр. 106
عمله، ما يعنى استنكافه لدى وزارة الأوقاف عن الحج، وهو ما يقلل فرصته مرة ثانية وهو عين التعسف.
٢. يُمنح هذا الحق لمرة واحدة طوال مدة عمله لدى صاحب العمل، على أنه لا يوجد ما يمنع العامل إن رغب في الحج مرة ثانية، على أن تُحتسب هذه المدة من إجازته السنوية، ولا ينبغي لصاحب العمل منعه من ذلك.
٣. الجهد البدني الذي يبذله العامل أثناء أدائه لشعائر الحج يحتاج إلى مدة إجازة أطول، لأن المدة الأطول تمنحه فرصة كافية للراحة، واستعادة النشاط، وهذا يعني تأييد الباحث منح العامل مدة أطول من تلك المنصوص عليها، وحبذا لو كانت شهراً كالقانون المصري.
стр. 107
المطلب الثاني
حق العامل في تأدية الصلوات المفروضة
إقامة الصلاة المفروضة على العبد واجبة لا تهاون فيها، فالصلاة صلة بين العبد وربه ، ومناجاة لخالقه ، وهي الزاد الروحي الذي يُطفيء لهيب النفوس المتعطشة إلى نوره، فتنير القلوب، وتشرح الصدور، وتزيل الهموم، وللصلاة مكانة عظيمة في ديننا؛ إذ هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وأول ما يُحاسب عنه العبد يوم القيامة، وقد فرضها الله على نبيه ﷺ في أعلى مكان وصل إليه بشر (السماء السابعة)، وفي أشرف الليالي (ليلة الإسراء والمعراج)، فكانت واجبة على المسلم في كل حالاته، في السلم والحرب، والصحة والمرض، ولا تسقط عنه أبداً إلا بزوال العقل.
فإذا تقرر هذا فإن العامل ينبغي له تأدية الصلوات المفروضة في مكان العمل، وأثناء الدوام الرسمي وبكامل الأجرة، وذلك حتى لا تفوته الفريضة، وحتى لو عارضه صاحب العمل، فله الحق في عصيان أوامر صاحب العمل، لأنه من المقرر أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وجاء في بعض كتب الشافعية:" ولو اكتراه لعمل مدة مثلاً فزمن الطهارة والصلوات فرائضها وسننها الراتبة مستثنى منها ولا تنتقص من الأُجرة شيئاً، وكذا سبت اليهود والأحد للنصارى إن اعتيد ذلك" (١)،وقد نص الحنابلة في كتبهم عند الحديث عن الأجير الخاص فقالوا:" ... وله فعل الصلاة في وقتها بسننها والعيد" (٢)، ولهم رواية أخرى مخالفة لهذه المذكورة وقد ذكرها صاحب الإنصاف عند حديثه عن الدليل الذي يقود البعير بالمستأجر، وقد ذكر أن الرواية الأولى هي الأصح في المذهب الحنبلي. (٣)
وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في تحديد الوقت الكافي الذي يُعطى للعامل لتأدية الصلوات المفروضة في وقت العمل، فقد أفتى الدكتور يوسف القرضاوي (٤) - بعدما أثنى على دوائر العمل التي تتيح للعمال
стр. 108
فرصة أداء الصلاة- بتقليل المدة التي تستغرقها الصلاة، ونصح الموظفين أن يذهبوا إلى العمل متوضئين، فإن تعذر عليهم هذا فليلبسوا جواربهم على وضوء؛ لأن هذا يقلل الوقت المستغرق للوضوء، كل هذا حتى لا تستغرق الصلاة أكثر من عشر دقائق، واعتبر التطويل والتمطيط في الوضوء وإقامة الصلاة وإقامة السنن ليس مطلوباً في ساحة العمل، الذي تُحسب فيه كل دقيقة، لا سيما الأعمال غير الحكومية (١)، وإن كان الباحث يميل إلى أن الدكتور القرضاوي اعتبر ذلك أقرب إلى نصيحة العمّال منه للفتوى.
أما الشيخ عبد الله بن جبرين (٢) - رحمه الله تعالى - فقد اعترض على فتوى الدكتور القرضاوي متهماً إياه بالخطأ فيها؛ لأن الصلاة مقدمة على الأعمال والوظائف، ومن شرط أصحاب العمل أن يسمحوا بأداء الصلاة بقدر نصف ساعة، وذلك لا يُخلُّ بالعمل، لأن المسلم قد يكون محتاجاً للطهارة قبل الصلاة، يُضاف إلى ذلك أداء ركعتين سنة قبلية ومثلها سنة بعدية، وقد استدلّ الشيخ ابن جبرين ﵀ على ذلك بأن الرسول ﷺ أمر بلال بن رباح (٣) ﵃ بأن يجعل بين أذانه وإقامته قدر ما يفرغ الآكل من أكله، وقاضي الحاجة من حاجته (٤)،ويُضيف الشيخ أن صاحب العمل بإمكانه زيادة مدة العمل، وبإمكانه أيضاً معاتبة من يتهرب من مكان العمل بحجة أداء الصلاة، ويتحصّل من خروجه تعطيل مصالح العباد (٥).
وخروجاً من الخلاف يرى الباحث أن الدكتور يوسف القرضاوي نظر إلى ضرورة أداء الواجبات والفرائض، على اعتبار أن أداء العمل بإتقان واجب من الواجبات، ويُمكن للعامل الذِّكر
стр. 109
والاستغفار أثناء العمل، أما الشيخ ابن جبرين- ﵀ فيرى ضرورة أداء العبادات تامّة بفرائضها ونوافلها، ويتبعها الاستغفار بعدها، وهذا قد يكلّف صاحب العمل الكثير، ومعلوم أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، هذا على اعتبار التزام جميع العمّال بالنصف ساعة التي يُطالب بها الشيخ ابن جبرين ﵀، كما يُمكن لصاحب العمل تقسيم وقت الراحة- الذي هو حق للعامل- حسب الصلوات التي يُصليها العامل في مكان العمل، بمعنى أن العامل إذا كان يعمل عملاً ويمكث فيه وقتاً يستغرق صلاة الظهر والعصر، فإن صاحب العمل يقسم وقت الراحة - ساعة مثلاً- إلى نصفين، النصف الأول وهو نصف ساعة يتمتع به العامل وقت صلاة الظهر، بحيث يصلي صلاة الظهر ويأخذ قسطاً من الراحة، ثم النصف الثاني يتمتع به العامل عند صلاة العصر يفعل ما فعله عند صلاة الظهر.
وهذا الذي سبق يتعلق بالصلوات المفروضة، وعلى اعتبار صلاة الجماعة من أفضل الفضائل التي حثّ الإسلام عليها في قول الرسول ﷺ :"صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تُب عليه، ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه" (١)، وإذا كان المسجد قريباً لمكان العمل فالأولى أن تتم الصلاة في المسجد، مالم يتضرر صاحب العمل، وإذا كان المسجد بعيداً فالصلاة في مقرّ العمل هو الواجب، لأن هذا هو المستطاع، والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)،
ولم يتطرق قانون العمل الفلسطيني للحديث عن وقت الصلاة، بل أبقى ذلك لتقدير صاحب العمل، ويُمكن أن تؤدى الصلوات المفروضة بكل سهولة ويُسر، حيث يُنظم صاحب العمل طريقة مناسبة لطبيعة عمله، بحيث يقسم العمّال إلى قسمين، قسمٌ يُدير العمل، والقسم الآخر يُصلي، ثم يتناوب الفريقان على الصلاة والعمل، وهذا يختلف باختلاف طبيعة العمل الذي يقوم به العامل، فالعامل الذي يقوم بأعمال مكتبية، فهؤلاء يغلب على أعمالهم السهولة وتوفر أوقات الفراغ، وهذا النوع ينبغي عليهم الصلاة في وقتها، أما العمّال الذين تتطلب طبيعة أعمالهم المراقبة المستمرة للآلات، ينبغي على صاحب العمل تقسيم العمّال إلى قسمين، قسم يؤدي الصلاة، والقسم الآخر ينوب عنهم ويستقبل المراجعين، وبهذا لا تؤدي الصلاة إلى تعطيل العمل.
стр. 110
المطلب الثالث
حق العامل في تأدية صلاة الجمعة
العمل يوم الجمعة من المباحات التي جاءت به عموم الأدلة من القرآن والسنة التي تُبيح العمل في كل الأوقات، أما العمل وقت النداء لصلاة الجمعة فقد جاء النهي عنه في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وموضع الاستدلال أن الأمر بترك العمل والبيع وقت صلاة الجمعة، وفعل ذروا يُفيد الترك، وقول النبي ﷺ :" لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" (٢) وهنا يمكن أن يُثار التساؤل الآتي: هل يحق للعامل الذي اتفق مع صاحب العمل على العمل يوم الجمعة أن يذهب إلى المسجد، ليستمع خطبة الجمعة ثم يشهد الصلاة ويعود بعد ذلك إلى مكان عمله؟
وهذا التساؤل يخصّ الحرّاس في المنشآت وموظفي محطات الاتصالات والأطباء المناوبين في المشافي والمستوصفات الطبية، فإذا كان هؤلاء العمّال خارج البلد الذي تُقام فيه الجمعة، وهم بعيدون عن المسجد، فهؤلاء لا تلزمهم الجمعة، ويصلونها ظهراً، وإن كان من الأولى أن يتكفل صاحب العمل بأن يوصلهم للمسجد إن كان ذلك ممكناً؛ لأن في ذلك خيرٌ له ولهم.
ولكن إذا كان تركهم للعمل وقت صلاة الجمعة يترتب عليه الإضرار بالعمل أو صاحبه، كاحتمال أن تتعطّل الآلات، أو حدوث حرائق، ووجد في المصنع أو المنشأة جماعة من العمّال فإنهم يصلونها جماعة في مكان العمل، وقد سئلت اللجنة الدائمة ... عن موظفي الهاتف الذين يستمر عملهم يوم الجمعة وقت الصلاة، وإذا تركوا العمل توقفت الاتصالات اللاسلكية والهاتفية، فأجابت:" ... ولكن إذا وجد عذر شرعي لدى من تجب عليه الجمعة كأن يكون مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن عمل يتصل بأمن الأمة، وحفظ مصالحها، يتطلب قيامه عليه وقت صلاة جمعة كحال رجال الأمن والمرور والمخابرات اللاسلكية والهاتفية ونحوهم، الذين عليهم النوبة وقت النداء الأخير لصلاة جمعة أو إقامة الصلاة جماعة، فإنه وأمثاله يعذر بذلك في ترك الجمعة والجماعة لعموم قول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وقول رسول الله ﷺ :" ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على