Полный текст (120 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الكتاب
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا كتاب (الإرشاد إلى توحيد رب العباد) أودعته من الآيات البينات والأحاديث الصحيحة الثابتة وبيان الأئمة المحققين ما يبين معالم الحق، ويهدي إلى جادة التوحيد الخالص الذي دعت إليه الرسل، عليهم الصلاة والسلام، من أولهم إلى خاتمهم محمد، ﷺ .
وقد اشتمل هذا الكتاب المبارك على مقتطفات مهمة من ثلاثة أصول وكشف الشبهات وكتاب التوحيد وغيرها أسأل
стр. 2
الله العظيم أن ينفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
المؤلف
стр. 3
معرفة الله تعالى
كل ما في الوجود من المخلوقات مفتقر إلى الله، وحادث بأمره وإرادته، ودال عليه .
والعاقل المؤمن يعرف ذلك بتدبر آيات الله ومخلوقاته في الآفاق وفي الأنفس، قال الله - تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: الآيتان ١٩٠، ١٩١].
فالمؤمنون عرفوا الشأن الذي خلقهم الله من أجله فأتمروا بأوامر الله واجتنبوا نواهيه، طاعة له وطلبًا لثوابه، وهربًا من عقابه، لأنهم عرفوا أنهم لم يُخلقوا عبثًا ولم يتركوا سُدًى، بل خُلقوا لعبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات الآيات: ٥٦ - ٥٨].
стр. 4
وعرف المؤمنون أول ما افترض الله عليهم، وهو الإيمان به وتوحيده، والكفر بالطاغوت الذي أمروا أن يكفروا به، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٦].
والطاغوت هو: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، والطواغيت كثيرون ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبد وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله.
стр. 5
توحيد الله تعالى
توحيد الله هو: إفراده بالعبادة وحده، لا شريك له، وهو دينُ الرسل الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه.
وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الذات والأسماء والصفات.
توحيد الربوبية:
أما توحيد الربوبية فهو: الإقرار بأنه لا رب للعالمين إلا الله الذي خلقهم، ورزقهم وهذا النوع من التوحيد قد أقر به المشركون؛ فهم يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يُحيي إلا هو، ولا يُميت إلا هو، ولا يُدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات ومن فيهن، والأرض ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى
стр. 6
تُصْرَفُونَ﴾ [يونس الآيتان: ٣١، ٣٢] وقال - جل وعلا، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون الآيات: ٨٤ - ٨٩] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إقرارهم بهذا النوع من التوحيد.
ولكن إقرارهم هذا وشهادتهم تلك لم تدخلهم في الإسلام، ولم تنجهم من النار، ولم تعصم دماءهم وأموالهم، لأنهم لم يُحققوا توحيد الألوهية بل أشركوا مع الله في عبادته بصرفهم شيئًا منها لغيره .
فقوم نوح غَلَوْا في الصالحين: ود، وسُواع، ويَغوُثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرَ، فأرسله الله إليهم يدعوهم إلى توحيده وإفراده بالعبادة كلها، ويحذرهم مما هم فيه من شرك وضلال، وهكذا كل نبي يأتي أمته يحذرهم من الشرك كبيره وصغيره غايته ووسيلته، حتى بعث الله محمدًا، صلوات الله وسلامه عليه، إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجا منيرًا. فدعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك جميع ما يعبد من دون الله، وقال للناس ما أمره الله به: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا
стр. 7
بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: الآية١١٠].
جاء محمد، ﷺ إلى المشركين وهم على بقية من دين إبراهيم، ﵇، يتعبدون ويحجون، ويتصدقون ويذكرون الله، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة، وعيسى، ﵇، ومريم وأناس غيرهم من الصالحين. فأخبرهم، ﷺ ، أن هذا التقرب والدعاء لا يصلح إلا لله، ولا يصح صرف شيء منه لغيره - سبحانه - لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلا عن غيرهما وأن ذلك وغيره من أنواع العبادة حق لله، فمن صرفه لغيره حبط عمله. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان الآية: ٢٣].
توحيد الألوهية:
وأما توحيد الألوهية: فهو توحيد العبادة، وهو إفراد الله بجميع أنواع العبادة التي أمر بها. مثل: الإسلام والإيمان، والإحسان، ومنها: الدعاء والخوف
стр. 8
والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة، والخشوع والخشية، والإنابة والاستعانة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من العبادات التي أمر الله بها. كلها لله. والدليل قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن الآية: ١٨] فمن صرف شيئًا منها لغير الله فهو مشرك كافر. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: الآية:١١٧].
* ومن الأدلة على أن ما ذكر من أنواع العبادة:
* ما رواه الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله، ﷺ ، قال: «الدعاء مخُّ العبادة».
قال ابن الأثير في النهاية: «مُخُّ الشيء خالصه. وإنما كان مُخها لأمرين:
أحدهما: أنه امتثال أمر الله - تعالى - حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة وخالصها.
الثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمله عن سواه، ودعاه لحاجته وحده: «وهذا أصل العبادة» اهـ. وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ ، أنه قال: «الدعاء هو العبادة».
ودليل الخوف قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ
стр. 9
أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
ودليل الرجاء قوله - تعالى - ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: الآية ١١٠].
ودليل التوكل قوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة الآية: ٢٣].
ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله - تعالى-: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء الآية: ٩٠]. ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة الآية: ١٥٠].
ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر الآية:٥٤].
ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: الآية ٥].
وفي الحديث: «إذا استعنت فاستعن بالله» رواه الترمذي
стр. 10
في حديث مطول.
والمعنى: إذا أردت طلب المعونة المتعلقة بأمر الدنيا والآخرة فاستعن بالله، إذ لا معين ولا فاتح باب ولا مانع عطاء إلا الله وحده - سبحانه - لا شريك له، وهو قريب مجيب، فلا حاجة لجعل الواسطة بينه وبين عبده. كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق الآية: ١].
وقوله - تعالى - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس الآيات ١ - ٣].
ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال الآية: ٩].
ودليل الذبح قوله - تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: الآية١٦٣] وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: الآية ٢].
وفي الحديث: «لعن الله من ذبح لغير الله» رواه مسلم مطولاً.
стр. 11
ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: الآية ٧].
فإذا عرف أن هذه المذكورات عبادات. فالعبادات كلها لله وحده لا شريك له. كما أمر الله بذلك، وأرسل به رسله، عليهم الصلاة والسلام.
وتوحيد العبادة هو معنى - لا إله إلا الله - وهو التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم - وهو الذي من أجله قامت المعارك بينهم وبين أممهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وهذا النوع من التوحيد هو الذي جحده المشركون وحاربوا أنبياءهم من أجله، لما دعوهم إلى تحقيقه استنكارًا منهم لتلك الدعوة التي دعتهم لترك ما عليه الآباء من شرك وضلال.
دعوة محمد ﷺ إلى توحيد العبادة:
ولما بعث الله محمدًا ﷺ دعا إلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله وإلى تحقيق معناها والعمل بها لأن ذلك هو المراد من هذه الكلمة فناصبه مشركو قريش العداوة لما علموا مراده بدعوتهم إلى كلمة التوحيد وأنه إنما أراد معناها لا مجرد لفظها فقط لتكون العبادة كلها لله وحده لا شريك له، ولئلا يصرف منها شيء لغيره .
стр. 12
والعجب كل العجب من أناس يدعون الإسلام وهم لا يعرفون من تفسير لا إله إلا الله ما عرفه جهال الكفرة، بل يفسرونها بغير تفسيرها الذي قصد منها. بدليل ما يقدمون عليه من شركيات بعث الرسول ﷺ لمحوها والقضاء عليها.
من هذه الشركيات التي يفعلها أولئك المدعُون للإسلام الذبح والنذر، وتقريب القرابين لغير الله، كفعلهم ذلك عند القباب والقبور.
ومنها: دعاؤهم الأموات، وطلبهم منهم الحوائج، واعتقاد النفع والضر فيهم وفي بعض الأحياء.
ومنها: الحلف بغير الله ونحو ذلك من الظلم العظيم الذي ما سبق إليه إلا أهل الجاهلية الذين وجد الرسول ﷺ أن منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم إلى الله ليشفعوا له ومنهم من يدعو رجلاً صالحًا مثلا اللات، أو نبيًا مثل عيسى ﵇، ووجد منهم من ينذر لغير الله، ويذبح لغير الله، ويستغيث بغير الله، إلى غير ذلك مما هم عليه من شرك.
فدعاهم ﷺ إلى إخلاص هذه العبادات وغيرها من
стр. 13
أنواع العبادة لله وحده، ثم قاتلهم لعدم امتثالهم لما دعاهم إلى إخلاصه لله من دعاء وذبح ونذر، وتقرب، واستعانة، واستعاذة وخوف ورجاء إلى غير ذلك من أنواع العبادة.
وبيَّن لهم ﷺ الشفاعة المشروعة، ومن يستحقها وأنها لا تكون إلا بإذن الله لمن يشاء ويرضى. كما قال تعالى ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء الآية: ٢٨] وكما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ الآية:٢٣].
فالله - سبحانه - قد علّق الشفاعة في كتابه بأمرين: أحدهما رضاه عن المشفوع له، والثاني: إذنه للشافع فهي لا تحصل لمن طلب من الأموات شفاعتهم عند الله لأن طلبه هذا مخالف لأمر الله، وأمر رسوله ﷺ ومن خالف أمر الله فقد سلك سبيل سخطه.
وشفاعة الأنبياء والصالحين ترجى لمن حقق التوحيد، وعرف أن الشفاعة كلها لله، فسأله - سبحانه - مباشرة وبدون واسطة أن يشفعهم فيه، كأن يقول: اللهم شفع في رسولك قال - تعالى -: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: الآية ٤٤].
وقال سبحانه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: الآية ٤].
فالشفاعة في الحقيقة لله وحده، فلا تطلب
стр. 14
إلا منه، لأنه ليس للعباد شفيع من دونه، بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض فيما يقدرون عليه بسبب قوة السلطان أو الرغبة في الإحسان أو نحو ذلك من الأسباب التي تؤثر على المخلوق، فيقبل شفاعة مخلوق مثله، أما الخالق - جل وعلا - فلا يؤثر عليه شيء من ذلك البتة. لأن الكل فقراء إليه وهو الغني الحميد. ولا يطلب من الميت أي مطلب البتة، ولا يقسم به على الله فمن فعل ذلك فقد أشرك بالله ودعا غيره.
وغاية ما في المسألة أن الحي يسلم على الميت سلامًا فقط ويدعو له.
فإن كان الميت المسلم عليه النبي ﷺ صلى عليه الزائر وشهد له بالبلاغ وتأديته الأمانة والنصيحة للأمة وسأل الله أن يجزيه عن المسلمين خير الجزاء، ولا يرفع صوته بذلك بل يدعو سرًا بينه وبين الله، ويتوجه إلى القبلة لا إلى القبر وإن سلم وانصرف فحسب.
والصلاة على النبي ﷺ يحصل بها الثواب على بعد المكان وقربه. كما قال ﷺ «وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» رواه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ وإن كان الميت غير النبي ﷺ ممن مات
стр. 15
على الإسلام سلم عليه ودعا له ولنفسه، بما ورد لا يزيد على ذلك كما ثبت عن بريدة ﵁ قال كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية» رواه مسلم.
والسلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃ جردوا العبادة لله تعالى - فلم يفعلوا عند القبور شيئًا إلا ما أذن فيه النبي ﷺ من السلام على أصحابها والاستغفار لهم، والترحم عليهم.
والحاصل أن النبي ﷺ وغيره من الصالحين لا يشفع في أحد عند الله إلا بعد إذن الله له، والله لا يأذن للشافع في الشفاعة إلا لمن وحّده .
والنبي ﷺ لا يشفع في أحد قد أشرك بالله غيره قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: الآية٤٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان الآية:١٣]، وقال تعالى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: الآية٧٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا
стр. 16
أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران الآية:٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة الآية:٥].
ومن قال ممن يتوسلون بالأموات ويستشفعون بهم: إننا لسنا نعبدهم من دون الله، وإنما نتقرب بهم عند الله لما لهم عنده من الجاه والولاية، ولأننا نستحي من الله بسبب ذنوبنا فنتوسط بهم ليشفعوا لنا.
فجوابه عل ذلك: أن هذا القول هو عين مقالة المشركين التي ذكرها في كتابه حيث يقول عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وحيث يقول - جل وعلا - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس الآية: ١٨].
ويقال أيضا من الذي يحول بينك وبين الله حتى تجعل بينك وبينه واسطة؟! أتقيسه على المخلوق الذي يتوسط إليه بمخلوق مثله!! إما لبخله، وإما لجهله بحال المتوسط له؛
стр. 17
وإما لظلمه وعدم رحمته! فالله - سبحانه - منزه عن ذلك كله. فهو أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وهو بكل شيء عليم، يجيب السائلين، ويغفر ذنوب المذنبين. قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة الآية:١٨٦] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: الآية ٦٠].
وروى الترمذي في حديث ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبي ﷺ فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله» ولما سأل جبريل ﵇ النبي ﷺ عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» رواه مسلم.
فعلى من أراد النجاة أن يتوب إلى الله، ويلجأ إليه وحده في السراء والضراء. ولا يتوسط إليه بأحد من خلقه؛ ويسأله الهداية إلى صراطه المستقيم: صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
стр. 18
توحيد الذات والأسماء والصفات:
وأما توحيد الذات والأسماء والصفات فهو: أن نؤمن بأن لله ذاتًا لا تُشبهها الذوات، وصفاةٍ لا تشبهها الصفات، وأن أسماءه دالة دلالة قطعية على ما له -سبحانه - من صفات الكمال المطلق كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية ١١] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص، الآيات ١ - ٤] وقال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: الآية ٣] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: الآية ١٨٠].
وطريقة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة في أسماء الله
стр. 19
وصفاته:
إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ إثباتًا يليق بجلاله من غير تشبيه، ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تأويل ولا تكييف.
نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يجنبنا طريق فريق الزيغ والضلال، إنه سميع قريب مجيب.
стр. 20
معنى شهادة أن لا إله إلا الله
معنى شهادة أن لا إله إلا الله: لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله وحده لا شريك له. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف، الآيات ٢٦، ٢٨].
وكلمة التوحيد دلت على معنين هما: نفي، وإثبات، فقول: لا إله - نفي لجميع الآلهة وقوله: إلا الله - إثبات لألوهية الله .
والإله هو: المألوه بالعبادة، وهو الذي تألهه القلوب، وتقصده رغبة إليه في حصول نفع أو دفع ضر.
ولا - في «لا إله» نافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره حق، والمستثنى بالإ هو «الله» هو الإله الحق وحده لا شريك له.
شروط لا إله إلا الله:
وشهادة أن لا إله إلا الله - لا تنفع قائلها ولا تقيه من عذاب الله إلا بشروط سبعة:
стр. 21
الأول: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا، فمن يتلفظ بها دون فهم لما دلَّت عليه، ودون اعتقاد لتوحيد الله في ألوهيته وفي جميع أنواع العبادة لا تنفعه.
الثاني: اليقين المنافي للشك.
الثالث: الإخلاص المنافي للشرك. وعلامة ذلك. أن لا يجعل بينه وبين الله واسطة يُعطيها أي حق من حقوق الله تعالى.
الرابع: الصدق المانع من النفاق - فمن تظاهر بالإسلام وهو منطو على الكفر لم ينتفع في الآخرة بتلفظه بالشهادتين ولا بما يظهره من أعمال صالحة، بل هو في الدرك الأسفل من النار.
الخامس: المحبة لهذه الكلمة، ولما دلت عليه، والسرور بذلك.
السادس: الانقياد لحقوقها. وهي: الأعمال الواجبة إخلاصًا لله وطلبًا لمرضاته.
السابع: القبول المنافي للرد ... فقد يقولها من يعرفها لكن لا يقبلها ممن دعاه إليها تعصبًا وتكبرًا كما قد وقع من كثير من الناس، أما ما يعصم الدم والمال فقد دلت عليه النصوص من القرآن الكريم والسنة. من ذلك قوله ﷺ :
стр. 22
«من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه» رواه مسلم عن مالك الأشجعي، ورواه أحمد أيضًا وقوله - تعالى - ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: الآية ٥] فالله أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك ويخلصوا أعمالهم لله - تعالى - ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعًا وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وجسابهم على الله».
стр. 23
معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ -
أما شهادة أن محمدًا رسول الله فمعناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. فلابد للمسلم من تحقيق أركان تلك الشهادة. لأن من يشهد برسالة محمد ﷺ ثم لا يبالي بأمره ونهيه أو يتعبد الله بغير شريعته غير صادق في شهادته قال ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله». وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه البخاري ومسلم.
والذين يتعلقون بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لم يُحققوا معنى الشهادتين، ولم يحسنوا الظن بالله، ولم يقدروه حق قدره.
كما أن ما يفعله المدعون للسيادة على الناس، وحق المشاركة لهم في الأموال، والقدرة على جلب النفع وإيقاع الضرِّ، وما يفعله كثير من الجهلة من تصديقهم وطاعتهم كل ذلك افتراء على الله، ومحاربة لرسوله ﷺ واتباع لغير سبيل المؤمنين ولو أن هؤلاء رجعوا إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ -
стр. 24
لوجدوا فيهما ما يهديهم إلى الحق، ويبين لهم بطلان ما هم عليه من شرك وبدع وخرافات يعرفها العامي من الموحدين.
ومما تقدم يتبين معنى الشهادتين فليتفقد كل مسلم نفسه ويعرف مدى تحقيقه لتوحيد ربه، فإن كان موحدًا مجتنبًا تلك البدع والشركيات على اختلافها فليحمد الله ويسأله الثبات على الحق وإن كان واقعًا في شيء من ذلك فليستغفر الله وليتب إليه وليبتعد عن تلك المحذورات ولا ينخدع بأقوال أهل الشرك والبدع الذين طالما ضلوا وأضلوا من اغتر بهم وبشعوذاتهم وأكاذيبهم التي اختلقوها أو ورثوها عن أمثالهم نعوذ بالله من ذلك.
* * *
стр. 25
أركان الإسلام ونواقضه
الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك. والبراءة منه وأهله.
أما أركان الإسلام:
فهي التي لا يقوم إسلام المرء إلا عليها مجتمعة، فلو انهدم واحد منها لانهدم إسلامه - وهي خمسة أركان.
الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
الثاني: إقام الصلاة.
الثالث: إيتاء الزكاة.
الرابع: صوم رمضان.
الخامس: حج البيت لمن استطاع سبيلا.
نواقض الإسلام:
ونواقض الإسلام كثيرة، أشهرها ما يأتي:
الأول: الإشراك بالله. والدليل قوله - تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: الآية ٧٢].
стр. 26
ومن الشرك الذي لا يغفره الله: الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر، وجعل العباد وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم. فأهل الجاهلية مؤمنون بتوحيد الربوبية ويتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله، ولكنهم كفروا لأنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله يقولون: نتقرب بهم إليه، ومن هؤلاء الوسائط أنبياء وصالحون كعيسى، ﵇، ومريم والملائكة، فلم يدخلهم ذلك في التوحيد. لأنهم أشركوا مع الله في عبادته كما قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: الآية: ٣].
الثاني: عدم تكفير المشركين أو الشك في كفرهم أو تصحيح مذهبهم.
الثالث: اعتقاد أن غير هدى النبي ﷺ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه ومن ذلك: تفضيل الحكم بالقوانين المخالفة للكتاب والسنة على الحكم بهما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: الآية٤٤] وقال تعالى:
стр. 27
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: الآية ٥٠] وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: الآية ٦٥].
ومن استحل الحكم بغير ما أنزل الله يكفر ولو قال: إن حكم الله أفضل.
الرابع: بغض الرسول ﷺ أو شيء مما جاء به.
الخامس: الاستهزاء بشيء من دين الرسول ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: الآية ٦٥، ٦٦].
السادس: السحر، ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضي به كفر. قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وفي الحديث: عن جندب ﵁ مرفوعا «حد الساحر ضربه بالسيف» رواه الترمذي ووقفه، وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ «أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال فقتلنا ثلاث سواحر».
السابع: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.
стр. 28
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة الآية: ٥١].
الثامن: اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، ﵇.
التاسع: الإعراض عن دين الله. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة آية: ٢٢]. وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: الآية: ١٢٤].
فليحذر المسلم من الوقوع فيما ينتقص به إسلامه، وليحافظ على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولا يبتدع فإن النجاة في الاتباع لا في الابتداع.
والبدعة: ما لا يوجد له أصل في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع.
ومن كان همه معرفة ما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته ليتأسى بهم ابتغاء مرضاة الله فسيوفقه الله ويهديه إليه كما قال - سبحانه -: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: الآية٦٩] وكما قال - تعالى:
стр. 29
﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: الآية: ٢٧] وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن الآية: ١١]، وصار همه تقليد من هم على خلافهما فذلك ممن قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة الآية: ١٠٤].
وما أكثر المبتدعين الذين ضلوا وأضلوا غيرهم بتزيين البدع وتبريرها بالروايات المكذوبة وبالتأويلات الفاسدة لآيات الله وأحاديث رسوله ﷺ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: الآية ٧] وقال ﷺ : «لقد تركتم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك». رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد حسن، وفي الحديث الذي رواه العرباض ابن سارية ﵁ عن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله
стр. 30
- ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
والفرقة الناجية أهل السنة والجماعة. يعملون بمحكم الكتاب، ويؤمنون بمتشابه ولا يؤولونه وفي الآيات المحكمة الظاهرة المعنى بيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين.
فلا حجة من كتاب أو سنة لمن ذبح عند قبور الأموات، أو نذر لهم أو دعاهم، أو استغاث بهم، أو طلبهم الشفاعة أو طاف بقبورهم أو تمسح بها , أو جعلهم وسائط بينه وبين الله في أي أمر من الأمور، ولو كانوا أنبياء أو أولياء لأن هذه الأمور عبادات لا يستحقها إلا الخالق - جل وعلا - والأدلة على تحريم صرف شيء من المذكورات لغير الله وإن ذلك شرك في عبادة الله كثيرة جدًا منها ما ذكر في هذا الكتاب، ومنها ما لم يذكر.
والأنبياء والأولياء لا يرضون بصرف شيء من العبادات لغير الله وسيتبرءون ممن فعل ذلك يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا
стр. 31
سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان الآيتان: ١٧ - ١٨] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة الآية: ١١٦] إلى قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: الآية ١١٧] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: الآيتان ٤٠، ٤١] إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ: الآية: ٤٣].
стр. 32
وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام
يعلم مما تقدم أن الرسل، عليهم الصلاة والسلام، عباد لله اصطفاهم لحمل رسالته إلى خلقه، مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة من بعد الرسل.
ويعلم أن وظيفتهم التي كلفوا بها هي: دعوة الناس إلى التوحيد، وتحذيرهم من الشرك وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والتزام الطاعات، وتجنب المعاصي.
وقد دعا خاتم النبيين محمد ﷺ إلى ما دعوا إليه ونهى عما نهوا عنه قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: الآية: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف الآية: ١٨٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وقال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن
стр. 33
مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» رواه البخاري ومسلم عن عمر ﵁ وقال ﷺ : «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله» رواه الطبراني بإسناده. وقال ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» رواه الترمذي عن ابن عباس ﵁ في حديث طويل وصححه.
وقال ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه مالك في الموطأ وقال ﷺ وهو في الاحتضار: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂.
فصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
وإذا عرف الموحد ما تقدم، وعرف دين الرسل، وعرف ما أصبح كثير من الناس فيه من الجهل استفاد: الفرح بفضل الله ورحمته عليه حيث أنجاه من أعظم معصية وهي: الشرك الذي لا يغفره الله، واستفاد الخوف العظيم منه.
* * *
стр. 34
إبطال الشبهات
نذكر إخواننا المسلمين فيما يلي بإجابات لكثير من الشبه التي يعترض بها بعض المبتدعين على ما سبق الكلام عليه من أنواع الشرك، ونبدؤها بهذا الجواب العام المجمل لشيخ الإسلام:
يقول الله - تعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: الآية٧] وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم».
مثال ذلك إذ قال بعض المشركين: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس، الآية: ٦١] وإن الشفاعة حق، وإن الأنبياء لهم جاه عند الله أو ذكر كلامًا للنبي ﷺ ، يستدل به على باطله.
فجوابه: أن كفر المشركين بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء، كما قال تعالى عنهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه، وكلام الله لا يتناقض، وكلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله
стр. 35
أما الإجابات المفصلة فتشملها المسائل الآتية.
الأولى: أن الذين قاتلهم الرسول، ﷺ يقولون: نحن نشهد بتفرد الله بالخلق والرزق والنفع والضر، ونقر بأن أوثاننا لا تدبر شيئًا وإنما أردنا بعبادة الصالحين مع الله الجاه والشفاعة. كما في قوله تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية:٣] وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية: ١٨].
الثانية: أن من الكفار من يدعو الصالحين والأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء، الآية ٥٧].
ويدعون عيسى بن مريم وأمه، وقد قال - تعالى -: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة، الآية:٧٥] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ، الآيتان: ٤٠ـ ٤١] والله سبحانه قد كفر من قصد الأصنام، وكفر من قصد الصالحين بالعبادة كذلك، وقاتلهم الرسول ﷺ .
стр. 36
الثالثة: أن العبادات كلها حق لله على عباده فرض عليهم إخلاصها له - سبحانه -: فمن دعا مخلوقًا أو ذبح له أو لجأ إليه فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك بالله وعبد غيره، ولا ينفعه الاعتذار بالجاه والشفاعة ... لأن عبادة المشركين للصالحين وللأصنام لم تكن إلا بالدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك طلبًا للجاه والشفاعة.
الرابعة: أن شفاعة الرسول ﷺ حق .. فهو الشافع المشفع أعطاه الله الشفاعة، ولكن الله بين لنا أن الشفاعة كلها له - سبحانه - قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر، الآية:٤٤] وبين شرطها وهو إذنه في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ، الآيتان: ٢٢، ٢٣]. قال العلماء في تفسير هذه الآية: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له - سبحانه - كما قال: «ولا يشفعون إلا لمن ارتضى» فالشفاعة التي يظنها المشركون. منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن الكريم، وأخبر النبي ﷺ ، «أنه يأتي
стр. 37
فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة ثم يقال له: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع».اهـ.
الحديث في الصحيحين بطوله. وخرجه أحمد. وقال أبو هريرة ﵁ للرسول ﷺ : من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه». رواه البخاري وأحمد والنسائي وصححه ابن حبان، وفيه «وشفاعتي لمن قال لا إله إلا الله مخلصًا ويصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه» وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا».
فتأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته، ﷺ تجريد التوحيد - عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد فحيئنذ يأذن الله للشافع أن يشفع.
الخامسة: أن محبة الرسول ﷺ فوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين واجبة على كل مسلم ففي الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ ،
стр. 38
قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» رواه البخاري ومسلم وفي الحديث: أن عمر بن الخطاب ﵁ -قال: «يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا نفسي. فقال: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي فقال الآن يا عمر». رواه البخاري.
وينافي هذه المحبة الإعراض عن متابعة الرسول ﷺ ، وينافيها تقديم قول غيره على قوله، كما قال - تعالى -: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور، الآية: ٤٧].
ومحبة الرسول ﷺ ، تابعة لمحبة الله لازمة لها، لأنها محبة لله، ولأجله، والمحبة نوعان: شرعية وشركية.
فالشرعية هي: المحبة في الله كمحبة المؤمنين للرسول ﷺ ، ولبعضهم البعض محبة جمعهم عليها الإيمان بالله.
والمحبة الشركية هي: محبة غير الله كحب الله، كمحبة المشركين لأصنامهم، ولبعض الأنبياء والملائكة والصالحين حتى أدى بهم ذلك الحب إلى دعائهم وجعلهم وسائط بينهم وبين الله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
стр. 39
[البقرة، الآية: ١٦٥] وهؤلاء توعدهم الله بالعذاب، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة، الآية: ١٦٧].
والمؤمن الحقيقي يحب الرسول ﷺ ، فوق محبته لكل مخلوق، وعلامة ذلك تمسكه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعدم مخالفتهما.
أما من يأتي عند أي قبر كان فيدعو صاحبه ويطلب منه الشفاعة ويذكر له حوائجه أو نحو ذلك مما هو خلاف الشريعة، وكذا من يعمل مثل ذلك مع الغائبين أو مع الأحياء الحاضرين فيما لا يقدر عليه إلا الله. فهذا غير محب للرسول ﷺ ، وغير محب لله المحبة الشرعية الصحيحة لأنه انتهك حرمة الوحي وعمله دليل على أن محبته لمن يرتكب تلك الأمور عند قبره محبة شركية محرمة.
والمحبة التي يستحق المحبوب بها أن يعبد إنما هي محبة الله وحده لا شريك له لأنه هو الخالق الرازق الهادي للإيمان هداية التوفيق التي لا يقدر عليها إلا هو فلذلك يوحد المؤمن ربه ويعتقد فيه وحده النفع والضر فيرجع إليه في جميع أموره ويعبده حق عبادته.
السادسة: أن الاستشفاع والتوسل بالنبي ﷺ ، وبغيره
стр. 40
في الدنيا إلى الله - تعالى - في الدعاء على أنواع:
الأول: قول الداعي: بحق فلان يريد الإقسام على الله وهذا محذور من وجهين: الأول: أنه قسم بغير الله لا يجوز. كما قال ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم. والثاني: أنه اعتقاد في أن لأحد على الله حقًا وليس لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه ,كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم، الآية: ٤٧] وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ ، لمعاذ وهو رديفه. فهذا حق وجب بكلمات الله التامة ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به. ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، والمشعر الحرام ونحو ذلك.
الثاني: أن يقول الداعي: بحق فلان يريد التوسل بماله من حق عند الله بسبب صلاحه. وهذا فيه المحذور الثاني المتقدم في الإقسام على الله، وهو اعتقاد أن لأحد على الله
следующие страницы →