وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ليس على أدنى شكٍّ، وإنَّما أراد أن يرى الكيفيَّة، كما أنَّنا الآن لا نشكُّ في وجود مصر، ولكن نحبُّ رؤيتها.
وأمَّا لوطٌ ﵇ فقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] يعني: ركن عادي من غيره وقبيله؛ ليدفعهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية [الحج: ٤٠].
وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] أراد التَّزويج والوَطْء المباح، وإلَّا فلا معنى لتغيير المنكر [ودعوتهم إلى منكر آخر]!
وأمَّا إخوة يوسف فكثيرٌ من الأمَّة على أنَّهم ليسوا بأنبياء.
وأمَّا يوسف ﵇ [ ... ] فأهمُّ ما ذكر عنه الهَمُّ، وهو الهمُّ بضرب المرأة، كما قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥].
وأمَّا موسى ﵇ فأخذْهُ رأس أخيه ظنًّا منه أنَّه يستحقُّ ذلك [لعدم إنكاره على قومه].
وأمَّا داود ﵇ فقصَّة الخصم على ظاهرها، لا على تأويل الباطنيَّة، والاستغفار والسُّجود والإنابة مطلوبة على كل حالٍ، وظن الفتنة إنَّما هو في سعة الملك (١).
стр. 37
وأمَّا سليمان ﵇ فالفتنة الاختبار، والجسد لم يوجد تفسير له موثوق به، فهو كما أنَّ [ ... ] مع تيقننا براءة سليمان ﵇ من كل ما يقدح في منصب النبوَّة (١).
وأمَّا [مَن ذكره الله في قوله: ] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] فلم يصحَّ دليلٌ على أنَّه كان نبيًّا؛ وقد يكون [أُوتِيَ بعض الآيات] بواسطة بعض الأنبياء، فانسلخ منها، وأخلد إلى الأرض، كما فعل سالم المخذول.
[ص ٢٨] وأمَّا محمد ﵌ فقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] المراد بالذَّنب ما فعله ناسيًا، أو قاصدًا وجه الله فحصل خطأٌ.
فإنَّما تكون ذنوب الأنبياء من جنس هذا، ومع ذلك ينبِّههم الله تعالى فورًا، والدليل على أنَّهم مؤاخذون بالنِّسيان، ما ورَد في حديث [طواف سليمان] ﵇ على زوجاته (٢)؛ فإنَّ فيه أنَّه إنَّما ترك "إن شاء الله" ناسيًا.
وكذلك مؤاخذة [نبيِّنا] ﵇ بالنسيان، ولذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].
стр. 38
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية [الأنفال: ٦٩]، الخطاب للصحابة [ ... ] في غنائم بدر، والخبر المخالف لما قلناه لم يصح.
وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ الآيات، قصد ﵌ ما يظنُّ أنَّه خيرٌ، من استقبال بعض عظماء قريش، رجاء إسلامه، مع أنَّ ذلك السائل عن بعض أمور الدين لا يفوته، فعاتبه الله ، وبيَّن له أنَّ الأَولى الإقبال على ذلك الأعمى المؤمن.
وما حُكِيَ من الثناء على اللَّات والعزَّى فلم يصحَّ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ الآية [الحج: ٥٢] (١)، فالمراد بالأماني: الأماني فيما يقصد به إلى ما يظنُّه خيرًا، ممَّا لا يوافق مراد الله تعالى منه.
وأمَّا اختلاف المسلمين في العِصْمَة فنحن لا ننكر أنَّ في أقوال بعض المسلمين ما يخالف الحقَّ، ولكنَّه يكون هناك فريقٌ آخر قائل بالحقِّ، فلا يُجْمِع المسلمون على ضلالةٍ أبدًا ولله الحمد، والحقُّ ما شهد به كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله، والعقل السَّليم (٢).
стр. 39
ثمَّ ذكر المخذول مسألة التَّثليث، وتشكَّك فيها، ثم بَرْهَن عليها ــ في نظَرِه ــ بأنَّ الإنسان مركَّبٌ من ثلاث حقائق، الجسم والروح والعقل.
فنسأل الله تعالى العافية، ونعوذ به من الخذلان وسوء العاقبة، يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك.
انظروا يا معشر العقلاء هذا البرهان، ولِمَ خصَّ هذه الثلاث بالذِّكْر، أليس للإنسان أيضًا فكرٌ ووهم وعلم ونحوه، وهي غير العقل ضرورة؛ لوجودها في المجنون.
وعلى تخصيص الثلاث وشبَهِ الله تعالى بخلقه فلعلَّه يقول: إنَّ الأب هو الجسد، والابن: العقل، وروح القدس: الروح. وحينئذٍ فقد فارق الله تعالى عقله مدَّة حياة عيسى، وبقي ــ وأستغفر الله تعالى ــ بلا عقل، أو فارقه روحه وبقي ــ وأستغفر الله تعالى ــ ميتًا.
وإمَّا أن يقول: إنَّ المفارق هو الجسد، فيبقى الروح والعقل مجرَّدين، أستغفر الله تعالى من حكاية هذه التُّرَّهات.
[ص ٢٦] وما ذكرت أنَّك انتقدته على القرآن، فلو ذكرتَه [لأجبتُ عنه] بمعونة الله تعالى، وإن كان لا يحتاج اعتراضك إلى جواب، لسقوطه ضرورةً.
стр. 40
ولعلَّنا إن شاء الله يتيسَّر لنا [شرح] الآيات المتعلِّقة بأهل الكتاب جميعها [ ... بتفسيرها]، ولكني الآن في شغل. ومع ذلك فقد أجاب ابن حزمٍ، ورحمة الله، والنَّبهاني (١) عن آيات كثيرة وأحاديث، و [هوَّن عليَّ الأمر ... ] ظنِّي. كيف والآيات التي أيَّد الله بها رسوله محمَّدًا ﵌ لا تحصى، وفيها مؤلَّفات خاصَّة، كـ"دلائل النبوَّة" للبيهقي، وغيره.
ويكفيك من هذا أنَّ يتيمًا من قريش نشأ بين أظهرهم بمكَّة، لم يشارك في شيءٍ من شؤونهم، وإنَّما رعى الغنم وشارك في التجارة ونحو ذلك، وكان بين قريش من صغره معروفًا بالصِّدق والأمانة، فلمَّا بلغ أربعين سنة بايَنَ قومَه كلَّ المباينة، وسفَّه أحلامهم وسبَّ آلهتهم وضلَّلهم وآباءهم، وعرَّض نفسه للإهانة والأذى، حتى بلغوا منه كلَّ مبلغٍ من الأذى، فلم يؤثِّر فيه ذلك.
ثم عادوا إلى استمالته وبذلوا له الأموال، وبذلوا له الملك، فلم يستخفَّه ذلك، ولا حادَ عن سبيله قِيد شعرةٍ، حتى ترامت به الأيَّام إلى هجر وطنه ومسقط رأسه، ولم يزل مجاهدًا في سبيل الله تعالى حتى أتمَّ الله تعالى دينَه.
ولم يُؤْثَر عنه شيءٌ ممَّا لا تخلو الملوك عنه من الجبروت والظلم والفساد في الأرض، بل كان نورًا كلُّه من أوَّله إلى آخره.
стр. 41
ويا ترى [نظريتك] هذه كيف فاتت أحبار اليهود الذين أسلموا، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ومن أسلم من النصارى أو قارب، كالنجاشي وأصحابه، وهرقل وغيرهم. كلَّا والله، لم يفُتْهُم، وإنَّما كانوا ينظرون ببصائر سليمة.
ومع هذا فأقول مستعينًا بالله تعالى، مستمدًّا من كلام الإمام ابن حزم ﵀ (١).
وأمَّا إيرادك لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢)(٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٥٠ - ٥١] = مستدلًّا بهما على أنَّها لم تكن لمحمَّدٍ ﵌ آيةٌ غير القرآن، فهذا نظرٌ غير صحيح.
فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ لا يقتضي أنَّه لم يرسل آية أصلًا؛ فإنَّ "أل" في الآيات عهديَّةٌ (٣)، أي: الآيات التي سألها أهل مكَّة، من قلب الصفا ذهبًا ونحوه، كما فسَّره ابن عباس وغيره (٤).
стр. 42
وإلَّا فقد أيَّد الله محمدًا ﵌ بعدة آيات، نقلتها الكواف، بل في القرآن نفسه الإخبار بالغيب، والمنع من المعارضة وغيره، فكيف تحمل الآيات على الاستغراق حتى يستدل بها على أنَّه لم يُمَدَّ بآية (١)؟!
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ (٢)﴾ [العنكبوت: ٥٠]، فكذلك، بل بالعكس، يفهم أنَّ هنالك آيات غير القرآن، وإنَّما المشركون يريدون آية ممَّا طلبوه، كأن يكون معه ملَك، أو نحو ذلك، فأجابهم الله تعالى أنَّ القرآن آيةٌ دائمة مستمرَّة، هي أعظم من كلِّ آية (٣).
وقول المخذول: لِمَ لمْ يقُل: (إنا أنزلنا عليك الكتاب آية)؟
فقل له: يا مخذول، إنَّ الكلام يدلُّ عليها أتمَّ دلالة، وإلَّا فما معنى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ في مقابلة طلبهم آية؟!
ويا ترى إذا قلنا لك: إنَّ فلانًا مجنون، فقلتَ: وما الدليل على جنونه؟ فقلنا: أولم يكفك أنَّ أقواله وأفعاله مشوَّشة غير منتظمة= هل يحتاج مع ذلك إلى أن نقول: وذلك دليل على الجنون.
[ص ٤٢] لا خلاف بين جميع الأمم أنَّ بني إسرائيل كانوا بمصر في أشدِّ العذاب؛ لذبح أولادهم، واستحياء نسائهم، وتسخيرهم، فأتاهم موسى ﵇ يدعوهم إلى الخلاص من هذه المشاق، وكانوا أهل عسكر واحدٍ،
стр. 43
وبني عمٍّ وأهل بلد صغير واحد، فاتَّبعوه.
ثم لم يزالوا يتهافتون على الخلاف، تارةً يسألونه أن يجعل لهم إلهًا، وتارةً يجعلون لأنفسهم، وتارةً [ ... ]، وتارةً يقولون: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. إلى غير ذلك من الأوابد والفظائع، [واعتادوا] على الارتدادات وعبادة الأوثان وقتل الأنبياء.
ثمَّ إنَّ عيسى ﵇ جاء بالبيِّنات وعظام المعجزات، أولها ولادته من غير أبٍ، ثم تكلُّمه [بالمهد صبيًّا]، وإبراء المرضى بإذن الله، مع أنَّ لديهم التبشير به، وهو يناديهم أنَّه إنَّما جاء مقرِّرًا للتوراة، لا ينقض حرفًا واحدًا [منها].
فلم يؤمن به في نصِّ الإنجيل إلَّا نحو اثني عشر رجلًا معروفين، ونساءٌ قليل، وعدد لا يبلغ جميعهم وفي جملتهم الإثنا عشر [ ... ]، وكانوا مشرَّدين مُسْتَخْفِين، وارتدَّ جماعةٌ منهم بنصِّ الإنجيل.
وأمَّا محمد ﵇ فلا خلاف بين جميع الأمم أنَّه نشأ في مكَّة يتيمًا، لا مال له، أميًّا، رعى غنم قومه بأجرة و [ ... ]، ولم يفارق مكَّة فراقًا يتمكَّن به من معرفة أحوال الأمم، فنشأ محفوظًا من قبيح العادات، [حتى لُقِّب: ] الأمين، فاختاره الله لنبوَّته، واصطفاه لرسالته، فعلَّمه ما لم يعلم، وألزمه بما ألزم.
فقابله معظم قومه بالتَّكذيب والأذى والشتيمة، وقاطعوه مع عشيرته، فلم يزده ذلك إلَّا جدًّا في أمر الله، فعدلوا عن الأذى إلى الاستمالة، فبذلوا له الأموال الكثيرة والتَّمليك عليهم، فأبى وقال: "والله لو وضعوا الشمس في
стр. 44
يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته" (١).
واستمرُّوا على أذاه وأذى من اتَّبعه، حتى عذَّبوهم، وقتلوا بعضهم، وهاجر بعضهم إلى الحبشة، وفيهم بنته وخَتَنُه، وتآمروا عليه مرارًا بالقتل، وهمُّوا به لولا عصمة الله له.
ولم يزل يدعو إلى الله سِرًّا وجهرًا، ويعرض نفسه على القبائل، حتى جاءه الجماعة من الأنصار ووعدوه النُّصرة، فخرج من بين ظهراني قومه مهاجرًا إلى المدينة، وتَبِعَه مَن تَبِعَه من قومه، فأعماهم الله تعالى وصدَّهم. فلمَّا وصل المدينة ثابر على الدَّعوة إلى الله، ودخلت الناس في دين الله أفواجًا، جُلُّهم استسلامًا للحقِّ وانجذابًا إلى الهدى، وخضوعًا للحُجَّة، ولم يدخل بالحرب إلَّا القليل.
وكانت العرب قومًا لقاحًا لا يملكهم أحدٌ، ولهم ديانة مضى عليها
стр. 45
أسلافهم، كمضر وربيعة وإياد وقضاعة؛ أو ملوكًا في بلادهم، كاليمن وعمان والبحرين قد ملؤوا الجزيرة، وهي نحو شهرين في شهرين.
فقام وحده ــ كما شرحنا ــ يضلِّل دينهم ويسفِّه أحلامهم ويسبُّ آلهتهم، فانقادوا كلهم لظهور الحق، وآمنوا به طوعًا، ونسوا ما كان بينهم من البغضاء والشحناء والتِّرات والذُّحول والاختلاف [الذي] لا يمكن بحسب العادة إزالته، فألَّف الله بينهم حتى صاروا إخوانًا كبني أب وأم، كما قال: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
[وترك كل] منهم ملكه، مع ما لهم من القوَّة وكثرة الجيوش، ولم يكن بيده ما يرغب فيه من المال، بل دعاهم أن ينحطُّوا إلى غرم الزكاة وجري الأحكام عليهم وإقامة الحدود والأخذ للضعفاء من الأقوياء بكل فتيل ونقير.
فيا للعقلاء! أتنقاد هذه الأمم العظمى على هذه الكيفيَّة لغير برهان وبغير سلطان، ثم يستمر ذلك إلى آخر الزمان؟!
[ص ٣٩] [ومع ذلك] كله فلم يُؤْثَر عنه ﵌ كذبٌ ولا زورٌ؛ بل لمَّا كسفت الشمس وكان ذلك يوم موت ولده إبراهيم [وقال الناس:] "إنَّما كسفت الشَّمس لموت إبراهيم" فخرج مسرعًا، وخطبهم قائلًا: "إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنَّهما لا ينكسفان [لموت] أحدٍ ولا حياته" (١). فلو كان فيه أدنى شائبةٍ للهوى لترك الناس على
стр. 46
اعتقادهم، بل لأكَّد لهم ذلك وعظَّمه [لهم، ولكنَّه] ﵌ منزَّهٌ عن كلِّ نقصٍ.
ومع ما كان له من التَّمكين لم يتوسَّع في شيءٍ من المآكل [والمشارب، والملذَّات، وغير] ها، بل كان أكثر ما يأكل خبز الشَّعير، أو التَّمر والماء، وينام على حصير يؤثِّر في جنبه.
[وكانت ابنته] فاطمة تخدم في بيتها حتى ورمت يدها، وسَأَلَته خادمًا من السبي، فمنعها [وعلَّمها ذكرًا تقوله] (١).
وقام هو بالعبادة حتى ورمت قدماه (٢).
وكم من أموالٍ تمكَّن منها، من الغنائم والزَّكوات وغيرها، أنفقها كلَّها في سبيل الله، وقسمها على مستحقيها، ولم يتَّخذ لنفسه ولا لأهل بيته منها شيئًا.
وكان له [في] حياته أملاكٌ ينفق منها على أهله مقتصدًا، ثم ينفق الباقي في مصالح المسلمين، وأوصى أن يكون [ميراثه بعده] صدقة (٣).
وخلَّف عمّه العبَّاس وبنيه، وابن عمِّه علي بن أبي طالب زوج ابنته فاطمة، وأبا سبطيه الحسن والحسين، وكانوا من أطوع الناس لله وله، أحب الناس لله وله، وأحب الناس إلى الله وإليه= فلم يحمله ذلك أن يخصَّهم بشيءٍ في حياته، أو يجعل الأمر فيهم بعد وفاته.
стр. 47
ثمَّ إنَّ شريعته الغرَّاء الحنيفيَّة أعدل شاهدٍ لمن كان له قلبٌ أو ألقى السَّمع وهو شهيد على أنَّه رسوله الله، وأنَّ هذا نورٌ من الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ لما اشتملت عليه الشَّريعة من الأسرار، والحكم والمحاسن، والنطق بالحق والعدل والإنصاف، والاستقامة التي ليس بعدها غايةٌ ولا وراءها نهايةٌ.
مع ما اشتملت عليه من دقائق السياسات، وحفظ [النطاقات]، وموجبات الرُّقِيِّ، وغير ذلك ممَّا لا يُحصى ولا يحصر، ولا ينكره إلَّا أعمى القلب والبصر.
ومع هذا كلِّه فإنَّ آياته ومعجزاته أكثر من أن تحصَى، كالإخبار بعدم تمنِّي اليهود للموت (١)، ونبعان عين تبوك فهي كذلك إلى اليوم (٢)، ونبعان الماء بين أصابعه بحضرة العسكر (٣)، وإطعامه النَّفر الكثير من طعامٍ يسير مرارًا جمَّة بحضرة الجموع (٤)، وإخباره بأكل الأرَضَة كل ما في الصَّحيفة المكتوبة حاشا أسماء الله تعالى (٥)، وإنذاره بمصارع أهل بدرٍ موضعًا
стр. 48
موضعًا بحضرة الجيش (١)، وانشقاق القمر (٢)، إلى ما لا يُحصى ممَّا ثبت بعضه بنقل الجمع عن الجمع، وبعضه بالسَّند المتَّصل بالثِّقات العدول الصدوقين، الجاعلين نصب أعينهم قوله ﵌: "من كذب عليَّ متعمِّدًا فلْيتبوَّأ مقعده من النَّار" (٣).
نسأل الله تعالى العصمة والهداية والتوفيق بفضله وكرمه.
[ص ٢٧] وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ [الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ] بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا [بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨ - ٧٩] .... ].
وبعد فإنَّ في القرآن مواضع [ ......................................... ]
أنَّ الكتب التي عناها [ ................................................ ]
كما شرحه أبو محمَّد [ابن حزمٍ ﵁ فقال: "أول ذلك أنَّ بأيدي السامريَّة توراة غير التوراة التي بأيدي] سائر اليهود، يزعمون [أنَّها المنزلة، ويقطعون أنَّ التي بأيدي] اليهود محرَّفةٌ مبدَّلة، وسائر [اليهود يقولون] إنَّ التي بأيدي [السامرية محرَّفة مبدلَّة"] (٤).
стр. 49
[قال أبو محمد ﵁]: "في التوراة: أنَّ بنيامين لم يولد ليعقوب إلَّا [بأقراشا] بقرب بيت لحم، [على أربعة أميال من بيت المقدس بعد] رحيله من فدان أرام بدهر" (١).
ثم ذكر بنيامين في ذكر الذين ولدوا [ليعقوب] بفدان أرام، وفيها قال ابن حزمٍ: "فصلٌ: وبعد ذلك قال: "وكان مسكن بني إسرائيل بمصر أربع مائة وثلاثين سنة، فلما انقضت هذه السنون خرج ذلك اليوم معسكر السيد من أرض مصر.
قال أبو محمد ﵁: هذه فضيحة الدَّهر، وشهرة الأبد، وقاصمة الظهر! يقول ههنا إنَّ مسكن بني إسرائيل بمصر أربع مائة سنة وثلاثون سنة! وقد ذكر قبل أنَّ فاهاث بن لاوي دخل مصر مع جدِّه [يعقوب] ومع أبيه لاوي، ومع سائر أعمامه وبني أعمامه، وأنَّ عُمْر [فاهاث] بن لاوي المذكور كان مائة سنة [وثلاثة] وثلاثين سنة، وأنَّ عمران بن فاهاث بن لاوي المذكور كان عمره مائة سنة وسبعًا وثلاثين [سنة، وأنَّ موسى بن عمران] بن فاهاث بن لاوي المذكور كان إذ خرج ببني إسرائيل من مصر مع نفسه ابن ثمانين سنة.
هذا كلُّه [منصوصٌ كما نذكره] في الكتاب الذي يزعمون أنَّه التوراة.
فهَبْكَ أنَّ فاهاث دخل مصر ابن شهرٍ أو أقل، وأنَّ عمران ابنَه وُلِد بعد موته، وأنَّ موسى بن عمران وُلِد بعد موت أبيه، ليس يجتمع من كل ذلك إلَّا ثلاثمائة عام وخمسون عامًا فقط، فأين الثمانون عامًا الباقية من جملة
стр. 50
أربعمائة سنة وثلاثين سنة؟ !
فإن قالوا: نضيف إلى ذلك مُدَّة بقاء يوسف بمصر قبل دخول أبيه وإخوته.
قلنا: قد بيَّن في التوراة أنَّه كان إذ دخله ابنَ سبع عشرة سنة، وأنَّه كان إذ دخلها أبوه وإخوته ابنَ تسعٍ وثلاثين سنةٍ، فإمَّا (١) كان مقامه بمصر قبل أبيه وإخوته اثنين (٢) وعشرين سنة ضمَّها إلى ثلثمائة سنة وخمسين سنة= يقوم من الجميع بلا شكٍّ ثلاثمائة واثنان (٣) وسبعون سنة، أين الثماني والخمسون الباقية من أربعمائة سنة!
هذه شهرة لا نظير لها، وكذبٌ لا يخفى على أحد، وباطلٌ يقطع بأنَّه لا يمكن ألبتَّة أن يعتقده [أحدٌ في رأسه شيءٌ] من دماغٍ صحيحٍ؛ لأنَّه لا يمكن أن يكذب اللهُ تعالى في دقيقةٍ، ولا أن يكذب [رسولُه] ﷺ [عامدًا ولا] مخطئًا في دقيقةٍ فيقرُّه الله تعالى على ذلك= فكيف ولابد أن يسقط [من هذه المُدَّة] سِنُّ [فاهاث إذ وُلِد له عمران]، وسِنُّ عمران إذ ولد له موسى ﵇.
والصَّحيح [الذي] يخرج على [نصوص كتبهم] أنَّ مُدَّة [بني إسرائيل مذ دخل يعقوب] وبنوه مصر إلى أن خرجوا منها مع موسى عليه [السلام لم تكن إلَّا مائتي عام وسبعة عشر عامًا، فهذه كذبة في مائتي] عام وثلاثة عشر
стр. 51
[عام، ولو لم يكن في [توراتهم إلَّا هذه الكذبة وحدها لَكَفَت في أنَّها موضوعة مبدَّلة من حمارٍ في] جهله أو مستخفٍّ [سَخِر بهم ولابد"] (١).
وقال الإمام المذكور: "والخامسة: قوله في "سفر يوشع" (٢) إنَّه وقع لبني هارون ثلاث عشرة مدينة، والعازار بن هارون حيٌّ قائمٌ.
فيا للناس! أفي المحال أكثر من أن يدخل في عقل أحدٍ أنَّ نسل هارون بعد موته بسنةٍ وأشهر يبلغ عددًا لا يَسَعُه للسُّكنى إلَّا ثلاث عشرة مدينة؟! هل لهذا الحمق دواءٌ إلَّا الغل والقَيد والمجمعة وما يتبع ذلك من الكَيِّ والسَّوط! والعياذ بالله من الخذلان.
وكذبة سادسةٌ ظريفة جدًّا، وهي أنَّه ذكر في توراتهم أنَّ عدد ذكور بني جرشون بن لاوي من ابن شهر فصاعدًا كانوا ستة آلاف وخمسمائة، وأنَّ عدد ذكور بني قهاث بن لاوي من ابن شهر فصاعدًا كانوا [ثمانية آلاف وستمائة، وأنَّ عدد ذكور بني مراري بن لاوي من ابن شهر فصاعدًا كانوا ستة آلاف ومائتين.
ثم قال: فجميع الذكور من بني لاوي من ابن شهر فصاعدًا اثنان وعشرون ألفًا! فكان هذا ظريفًا جدًّا، أو شيئًا تندى منه الآباط!
وهل يجهل أحدٌ أنَّ الأعداد المذكورة إنَّما هي يجتمع منها واحدٌ وعشرون ألفًا وثلاثمائة؟! هذا أمرٌ لا ندري كيف وقع؟! أتُرَاه بلغ المسَخَّم الوجه الذي كتب لهم هذا الكتاب الأحمق من الجهل بالحساب هذا
стр. 52
المبلغ، إنَّ هذا لعجبٌ! ولقد كان الثور أهدى منه والحمار أنْبَه منه بلا شكٍّ، أتُرَى لم يأت بعده من اليهود مذ أزيد من ألف عام وخمسمائة عام من تبيَّن له أنَّ هذا خطأ وباطل؟!
ولا يمكن أن يُدَّعَى هنا غلطٌ من الكُتَّاب، ولا وَهمٌ من النَّاسخ في بعض النُّسخ؛ لأنَّه لم يدعنا في لبسٍ من ذلك .. " (١)] (٢).
[ص ٣٠] [ثم قال الإمام ابن حزم ﵀: "فصل: ثم قال آخر توراتهم: فتوفِّي] موسى عبد الله بذلك الموضع في أرض "مواب"، [مقابل بيت "فغور"، ولم يَعْرِف آدميٌّ موضع قبره إلى اليوم، وكان] موسى يوم توفِّي ابنَ مائةٍ وعشرين سنةً، لم ينقص بصره، [ولا تحرَّكت أسنانه، فنعاه بنو إسرائيل في موطنه "مواب" ثلاثين يومًا، وأكملوا] نَعْيَه، ثم إنَّ يوشع بن نون امتلأ [من روح الله، إذ جعل موسى يديه عليه، وسمع له بنو إسرائيل، وفعلوا ما أمر] الله به موسى، ولم يخلِّف موسى [في بني] إسرائيل نبيًّا مثله، ولا من [يكلِّمه الله مواجهة، في جميع عجائبه التي فعل على يديه] بأرض مصر، في فرعون مع عبيده، وجميع أهل مملكته، ولا من صنع [ما صنع موسى في جماعة بني إسرائيل].
قال أبو محمد ﵁: هذا آخر توراتهم [وتمامها، وهذا الفصل شاهد عدل]، وبرهانٌ تام، ودليلٌ قاطعٌ، وحُجَّةٌ صادقةٌ في أنَّ توراتهم
стр. 53
[مبدَّلة، وأنَّها تاريخٌ مؤلَّفٌ، كتبه لهم من تخرَّص] بجهله، أو تعمَّد بفكره، وأنَّها غير منزَّلة من عند الله تعالى؛ إذ لا يمكن أن يكون هذا الفصل منزَّلًا على موسى في حياته، فكان يكون إخبارًا عمَّا لم يكن بمساق ما قد كان، وهذا هو محض الكذب، تعالى الله عن ذلك.
وقوله: "لم يَعْرِف قبرَه آدميٌّ إلى اليوم" بيانٌ لما ذكرنا كاف، وأنَّه تاريخٌ أُلِّف بعد دهرٍ طويلٍ ولابد" انتهى (١).
[قلتُ]: قد راجعتُ التَّوراة المطبوعة، فإذا المعنى واحدٌ، وإن اختلفت الألفاظ.
[ثم عقد] أبو محمد ﵁ فصلًا مشبعًا في تاريخ بني إسرائيل، وارتداداتهم المتعدِّدة، وحال التوراة وغربتها، وكونها كانت من يد واحد إلى يد واحد، ثم ما طرأ عليها من النَّهب والإحراق مرات، وفقدهما من أيديهم مدَّة طويلة، إلى أن جاء "عزرا الورَّاق" ــ كما يذكرون ــ فأملاها من حفظه.
إلى آخر ما شرح بما يقطع معه أنَّ التي بأيديهم الآن ليس هو الذي أنزله الله تعالى (٢).
وأول الجزء الثاني من "الملل والنِّحَل" للإمام المذكور ذكر حال الإنجيل، وأنَّ النَّصارى عن بكرة أبيهم مقرُّون أنَّه ليس بأيدهم كتابٌ منزَّلٌ
стр. 54
من عند الله تعالى، وإنَّما بأيديهم تواريخ كُتِبت بعد وفاة المسيح بزمان، وبيَّن ضعف الرِّواية لتلك التواريخ؛ لضعف من كان متديِّنًا بدين المسيح، واستخفائهم تحت الذُّلِّ والخوف والقتل، ثم ما عارضهم من اختلاط المنانية بهم. إلى آخر ما شرح، بما معه يبطل دعوى النَّصارى من أصلها (١).
ثم ذكر دعوى النَّصارى أنَّهم مصدِّقون للتوراة التي بأيدي اليهود، و [عقد] فصلًا فيما يثبته النصارى [ ... ] (٢).
[ثم] شرح فصلًا في التواريخ، قال آخرَه: "فتولَّد [من الاختلاف المذكور] بين الطائفتين [زيادة عن ألف عام] وثلاثمائة عام وخمسين عامًا عند النَّصارى [في تاريخ الدنيا على ما هو] عند اليهود .. " (٣).
[ص ٤٥] إلى أن قال: "ولا بد للنصارى ضرورةً من أحد خمسة أوجهٍ، لا مخرج لهم عن أحدها.
إمَّا أن يصدِّقوا [نقل اليهود] للتَّوراة، وأنَّها صحيحة عن موسى عن الله تعالى، ولكتبهم. وهذه طريقتهم في الحِجاج والمنا [ظرة].
فإن فعلوا فقد أقرُّوا على أنفسهم وعلى أسلافهم الذين نقلوا عنهم دينهم بالكذب؛ [إذ خالفوا قول الله تعالى] وقول موسى ﵇.
أو يكذِّبوا موسى ﵇ فيما نقل عن الله عزَّ [وجل، وهم لا يفعلون هذا].
стр. 55
أو يكذِّبوا نقل اليهود للتَّوراة ولكتبهم، فيبطل تعلُّقهم بما في تلك الكتب، ممَّا [يقولون إنَّه إنذارٌ] بالمسيح ﵇؛ إذ لا يجوز لأحدٍ أن يحتجَّ بما لا يصح نقله.
أو يقولوا كما قال بعضهم: إنَّهم [إنَّما عوَّلوا] فيما عندهم على ترجمة السبعين شيخًا، الذين ترجموا التوراة وكتب الأنبياء ﵈ لبطليموس. فإن قالوا هذا فإنَّهم لا يخلون ضرورةً من أحد وجهين؛ إمَّا أن يكونوا صادقين في ذلك، أو يكونوا [كاذبين في ذلك].
فإن كانوا كاذبين في ذلك فقد سقط أمرهم، والحمد لله رب العالمين؛ إذ لم يرجعوا إلَّا [إلى المجاهرة] بالكذب.
وإن كانوا صادقين في ذلك فقد حَصَلَت توراتان متخالفتان متكاذبتان متعارضتان، توراة السبعين شيخًا، و"توراة عزرا". ومن الباطل الممتنع كونهما جميعًا حقًّا من عند الله.
واليهود والنَّصارى كلُّهم مصدِّقٌ مؤمنٌ بهاتين التوراتين معًا، سوى توراة السامرية، ولا بد ضرورةً من أن تكون إحداهما حقًّا، والأخرى مكذوبة، فأيُّهما كانت المكذوبة فقد حصَلَت الطَّائفتان على الإيمان بالباطل ضرورةً، ولا خير في أمَّةٍ تؤمن بيقين الباطل.
وإن كانت توراة السبعين شيخًا هي المكذوبة فلقد كانوا شيوخ سوءٍ كذَّابين ملعونين؛ إذ حرَّفوا كلام الله تعالى وبدَّلوه. ومن هذه صفته فلا [يحلُّ] أخذُ الدِّين عنه، ولا قبول نقله.
وإن كانت "توراة عزرا" هي المكذوبة فقد كان كذَّابًا؛ إذ [حرَّف كلام
стр. 56
الله تعالى]، ولا يحلُّ أخذ شيءٍ من الدِّين عن كذَّابٍ.
ولا بد من أحد الأمرين، أو يكون كلاهما كذِبًا، وهذا [هو الحق] اليقين الذي لا شكَّ فيه؛ لِمَا قدَّمْنا ممَّا فيها من الكذب الفاضح، الموجب للقطع بأنَّها مبدَّلَة [محرَّفةٌ، وسقطت] الطائفتان معًا، وبطل دينهم الذي إنَّما مَرْجِعُه إلى تلك الكتب المكذوبة، ونعوذ بالله من الخذلان" (١).
ثم ذكر شيئًا (٢) عن الأناجيل، أولها في أول "إنجيل متَّى" في نسب المسيح [أنَّه يذكر نسب المسيح] أنَّه ابن يوسف النجَّار، وبيان ما في ذلك الفصل من الكذب، ثمَّ ما بين "إنجيل متَّى" و"إنجيل [لوقا] " من التكاذب في هذا النَّسب (٣).
ثم قال: "فصلٌ: وفي الباب الثالث من "إنجيل متَّى" (٤): فلحق يسوع ــ يعني: المسيح ــ بالمفاز، وساقه الروح إلى هنالك". ثم ذكر ما في هذا الفصل من الأوابد (٥).
[ص ٤٨] [ثم] قال: "فصلٌ: وفي الباب الرَّابع من "إنجيل متَّى": أنَّ المسيح قال لتلاميذه: لا تحسبوا أنِّي جئتُ لنقض التوراة وكتب الأنبياء، إنَّما أتيتُ لإتمامها، امين، أقول لكم إلى أن تبيد السماء والأرض لا تبيد باءٌ
стр. 57
واحدة، ولا حرف واحد من التوراة حتى يتمَّ الجميع .. الخ (١) " (٢).
ثم قال: "قال أبو محمد ﵁: وهذه نصوصٌ تقتضي التأييد، وتمنع من النسخ جملة". ثم ذكر ما يناقض ذلك [ ... ] النسخ.
إلى أن قال: "ثم ذكر في الباب الثامن عشر من "إنجيل متَّى" أنَّ المسيح قال للحواريين الاثنا عشر بأجمعهم ــ ومن جملتهم يهوذا الأشكريوطا، الذي دلَّ عليه اليهود برشوة ثلاثين درهمًا ــ: "كلُّ ما حرَّمْتُمُوه في الأرض يكون محرَّمًا في السماء وكل ما حلَّلْتُمُوه في الأرض يكون محلَّلًا في السماء" (٣).
وفي الباب السادس عشر من "إنجيل متَّى" أنَّه قال هذا القول لباطرة وحده (٤).
قال أبو محمد ﵁: وهذا تناقضٌ عظيمٌ، كيف يكون التَّحليل
стр. 58
والتَّحريم للحواريين أو لباطرة مع قوله: إنَّه لم يأت لتبديل التوراة لكن لإتمامها؟! وإنَّه من نَقَضَ من عهودها عهدًا صغيرًا دُعِيَ في ملكوت السموات صغيرًا، وإنَّ السماوات والأرض تبيدان قبل أن تبيد من التوراة باءٌ واحدةٌ أو حرفٌ واحدٌ!
ولئن كان صَدَق في هذا فإنَّ في نصِّ التوراة أنَّ الله تعالى قد لعن من صُلِبَ في خشبةٍ (١)! وهم يقولون: إنِّه صُلِب في خشبةٍ! ولا شك في أنَّ باطرة وشمعون أخوا يوسف، وأندرياش أخو (٢) باطرة، وفليش، وبولس= صُلِبوا في الخشب فَعَلى قول المسيح لا يبيد شيءٌ من التوراة حتى يتمَّ جميعها= فكُلُّ هؤلاء ملعونون بلعنة الله تعالى! فاعْجَبُوا لضلال هذه الفرقة المخذولة، فما سُمِع بأطمَّ من هذه الفضائح أبدًا" (٣).
أقول: يتعيَّن علينا أن ننقل هنا فصلًا مشبعًا ذكره الإمام المذكور أواخر الجزء الأول، وهو شاف كاف في جواب هذا المخذول.
قال الإمام أبو محمد ﵁: "فإن قيل: فإنَّكم تقرُّون بالتوراة والإنجيل (٤)، وتستشهدون على اليهود والنَّصارى بما فيها من ذكر صفات
стр. 59
نبيِّكم، وقد استشهد نبيُّكم عليهم بنصِّها في قِصَّة الرَّجم (١) للزَّاني المُحْصَن، ورُوِيَ أنَّ عبد الله بن سلام ضَرَب يد عبد الله بن صُوريا، ووضعها على آية الرجم (٢).
ورُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخذ التَّوراة وقال: "آمنتُ بما فيك" (٣).
وفي كتابكم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، وفيه أيضًا: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وفيه أيضًا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [ص ٤٣] لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وفيه: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ
стр. 60
هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وفيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وفيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧].
قلنا ــ وبالله التوفيق ـ: كل هذا حقٌّ، حاشا قوله ﵇: "آمنتُ بما فيك"؛ فإنَّه باطلٌ، [لم يصحَّ] قطُّ. وكلُّه موافقٌ لقولنا في التوراة والإنجيل بتبديلهما، وليس شيءٌ منه حُجَّة لمن ادَّعى [أنَّهما بأيدي] اليهود والنصارى كما أُنزِلا، على ما نبيِّن الآن إن شاء الله تعالى بالبرهان الواضح.
قال أبو محمد ﵀: أمَّا إقرارنا بالتوراة والإنجيل فنعم، وأي معنى [لتمويهكم بهذا؟ ! ] ونحن لم ننكرهما قطُّ، بل نكفِّر من أنكرهما، إنَّما قلنا: إنَّ الله تعالى أنزل التوراة على موسى [﵇] حقًّا، وأنزل الزبور على داود ﵇ حقًّا، وأنزل الإنجيل على عيسى ﵇ حقًّا، [وأنزل] الصُّحُف على إبراهيم وموسى ﵉ حقًّا، وأنزل كتبًا لم يُسَمِّ لنا، على أنبياء لم يُسَمَّوا لنا حقًّا، نؤمن بكل ذلك، قال تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٧].
وقلنا ونقول: إنَّ كفَّار بني إسرائيل بدَّلُوا التوراة والزَّبور، فزادوا ونقصوا، وأبقى الله تعالى بعضها حُجَّةً عليهم كما شاء، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١].
وبدَّل كفَّار النَّصارى الإنجيل كذلك، فزادوا ونقصوا، وأبقى الله تعالى بعضها حُجَّةً عليهم كما شاء، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
стр. 61
فدَرَس ما بدَّلوا من الكتب المذكورة، ورفعه الله تعالى، كما دَرَسَت الصُّحف وكتب سائر الأنبياء جملةً. فهذا هو الذي قلنا، وقد أوضحنا البرهان على صِحَّة ما أوردنا من التَّبديل والكذب في التَّوراة والزَّبور، ونورد إن شاء الله تعالى في الإنجيل وبالله تعالى نتأيَّد. فظهر فساد تمويهِهِم بأنَّنا نُقِرُّ بالتَّوراة والإنجيل والزَّبور، ولم ينتفعوا بذلك في تصحيح ما بأيديهم من الكتب المكذوبة المبدَّلة. والحمد لله رب العالمين.
وأمَّا استشهادنا على اليهود والنصارى بما فيهما من الإنذار بنبينا ﷺ فحَقٌّ، وقد قلنا آنفًا إنَّ الله تعالى أطْلَعَهم على تبديل ما شاء رفعه من ذينك الكتابين، كما أطلق أيديهم على قتل من أراد كرامته بذلك من الأنبياء الذين قتلوهم بأنواع المُثُل، وكفَّ أيديهم عمَّا شاء إبقاءه من ذينك الكتابين حُجَّةً عليهم، كما كفَّ أيديهم اللهُ تعالى عمَّن أراد كرامته بالنَّصر من أنبيائه الذين حال بين الناس وبين أذاهم.
وقد أغرق الله قوم نوح ﵇ وقوم فرعون نكالًا لهم، وأغرق آخرين شهادةً لهم، وأملى لقومٍ ليزدادوا إثمًا، وأملى لقومٍ آخرين ليزدادوا فضلًا، [ص ٤٦] هذا ما لا ينكره أحد من أهل الأديان جملةً.
وكان ما ذكرنا زيادة في أعلام النبي ﵌ الواضحة وبراهينه اللَّائحة، والحمد لله رب العالمين. فبطل اعتراضهم علينا باستشهادنا عليهم بما في كتبهم المحرَّفة من ذكر نبينا ﵌.
وأمَّا استشهاد رسول الله ﵌ بالتوراة في أمر رجم الزاني المُحْصَن، وضرب ابن سلام ﵁ يد ابن صوريا إذ جعلها
стр. 62
على آية الرَّجم= فحقٌّ، وهو ممَّا قلنا آنفًا أنَّ الله تعالى أبقاه خِزيًا لهم، وحُجَّةً عليهم، وإنَّما يحتج عليهم بهذا كلِّه بعد إثبات رسالته ﵌ بالبراهين الواضحة الباهرة، بالنقل القاطع للعذر، على ما قد بيَّنَّا ونبيِّن إن شاء الله تعالى.
ثم نورد ما أبقاه الله تعالى في كتبهم المحرَّفة [من] ذِكْرِه ﵇ إخزاءً لهم وتَبْكِيتًا وفضيحة لضلالهم، لا لحاجةٍ منَّا إلى ذلك أصلًا، والحمد لله رب العالمين.
[وأمَّا] الخبر بأنَّ النبيَّ ﵇ أخذ التوراة وقال: "آمنت بما فيك" فخبرٌ موضوعٌ، لم يأت قطُّ من طُرُقٍ فيها خير، [ولسنا نَسْتَحِلُّ] الكلام في الباطل لو صحَّ، فهو من التكلُّف الذي نُهِيْنَا عنه، كما لا يحلُّ توهين الحق ولا الاعتراض فيه.
وأمَّا قول الله : ﴿[يَاأَهْلَ] الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] = فحقٌّ لا مرية فيه، وهكذا نقول، ولا سبيل لهم [إلى إقامتها] أبدًا لرفع ما أسقطوا منها. فليسوا على شيءٍ إلَّا بالإيمان بمحمد ﵌، فيكونون حينئذٍ مقيمين للتوراة والإنجيل، [كلهم يؤمنون] حينئذٍ بما أنزل الله منهما، وُجِد أو عدم، ويكذِّبون بما بُدِّل فيهما ممَّا لم ينزله الله تعالى فيهما، وهذه هي إقامتهما [حقًّا (١)]، فلاح [صِدْق] قولنا موافقًا لنصِّ الآية بلا تأويل، والحمد لله رب العالمين.
стр. 63
وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] فنعم، إنَّما هو كذبٌ كذبوه ونسبوه إلى التوراة على جاري عادتهم، زائد على الكذب الذي وضعه أسلافهم في توراتهم، فبَكَّتَهم ﵇ في ذلك الكذب المُحْدَث بإحضار التوراة إن كانوا صادقين، فظهر كذبهم.
وكم عَرَض لنا هذا مع علمائهم، في مناظراتنا لهم قبل أن نقف على نصوص التوراة، فالقوم لا مؤنة عليهم من الكذب حتى الآن، إذا طمعوا بالتخلُّص من مجلسهم لا يكون ذلك إلَّا بالكذب، وهذا خُلُق خسيس، وعارٌ لا يرضى به مصحح، ونعوذ بالله من مثل هذا.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] = فنعم، هذا حقٌّ على ظاهره كما هو، وقد قلنا إنَّ الله تعالى أنزل التوراة وحكم بها النبيُّون الذين أسلموا، كموسى وهارون وداود وسليمان ومن كان بينهم من الأنبياء ﵈، ومن كان في أزمانهم من الرَّبَّانبين والأحبار، الذين لم يكونوا أنبياء، بل كانوا حُكَّامًا من قبل الأنبياء ﵈، ومن كان في أزمانهم من الرَّبَّانيين والأحبار قبل حدوث التَّبديل. هذا نصُّ قولنا.
وليس في هذه الآية أنَّها لم تبدَّل بعد ذلك أصلًا، لا بنصٍّ ولا بدليل.
وأمَّا مَن ظنَّ لجهله من المسلمين أنَّ هذه الآية نزلت في رجم النبي ﷺ لليهوديَّيْن اللَّذَين زَنَيَا وهما محصنان فقد ظنَّ الباطل، وقال بالكذب، وتأوَّل
стр. 64
المحال، وخالف القرآن؛ لأنَّ الله تعالى قد نهى نبيَّنا ﵇ عن ذلك نصًّا، بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
قال أبو محمد ﵁: فهذا نصُّ كلام الله ، الذي ما خالفه فهو باطل.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] فحَقٌّ على ظاهره؛ لأنَّ الله تعالى أنزل فيه الإيمان بمحمَّدٍ ﷺ واتِّباع دينه، ولا يكونون أبدًا حاكمين بما أنزل الله تعالى فيه إلَّا باتِّباعهم دين محمد ﷺ ؛ فإنَّما أمرهم الله تعالى بالحكم بما أنزل في الإنجيل الذي ينتمون إليه، فهم أهله.
ولم يأمرهم قطُّ تعالى بما يُسَمَّى إنجيلًا، وليس بإنجيل ولا أنزله الله تعالى كما هو قط، والآية موافقة لقولنا، وليس فيها أنَّ الإنجيل لم يبدَّل، لا بنصٍّ ولا بدليلٍ، إنَّما فيه إلزام النَّصارى الذين يَتَسَمّون بأهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه، وهم على خلاف ذلك.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] فحقٌّ كما ذكرناه قبلُ، ولا سبيل لهم إلى إقامة التوراة والإنجيل المنزَّلَين بعد تبديلهما إلَّا بالإيمان
стр. 65
بمحمَّدٍ ﷺ ، فيكونون حينئذٍ مقيمين للتوراة والإنجيل حقًّا؛ لإيمانهم بالمنزَّل فيهما، وجحدهم ما لم ينزَّل فيهما، وهذه هي إقامتهما حقًّا.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] فنعم، هذا عمومٌ قام البرهان أنَّه مخصوصٌ، وأنَّه تعالى إنَّما أراد مصدِّقًا لما معكم من الحقِّ، لا يمكن غير هذا؛ لأنَّنا بالضَّرورة ندري أنَّ معهم حقًّا وباطلًا، ولا يجوز تصديق الباطل ألبتَّة، فصحَّ أنَّه إنَّما أنزله تعالى مصدِّقًا لما معهم من الحق، وقد قلنا إنَّ الله تعالى أبقى في التوراة والإنجيل حقًّا؛ ليكون حُجَّةً عليهم وزائدًا في خزيهم. وبالله تعالى التوفيق. فبطل تعلُّقهم بشيءٍ ممَّا ذكرنا، والحمد لله رب العالمين" (١).
[ص ٣٧] الحمد لله، [نُسَخ] التوراة:
أولًا للسامرة توراة، ولسائر اليهود توراة، [وكلتا] الطائفتين تزعم أنَّ توراتها الصادقة، والأخرى مبدَّلة. ثم توراة اليهود نسختان، نسخة عزرا، ونسخة السبعين شيخًا، وهما متناقضتان، واليهود يؤمنون بكلتيهما!
يقول عن الله تعالى: اصنع بناء آدم كصورتنا يشبهنا! ولمَّا أكل آدم من الشجرة قال الله: هذا آدم قد صار كواحد منَّا في معرفة الخير والشر!
[ويقول عن المسيح ﵇ مرَّة إنَّه] إله، ومرَّةً هو الله، ومرَّةً ابن الله، ومرَّةً هو وأصحابه أبناء الله، وتارةً أرواح الله، ومرَّةً ابن يوسف النجَّار، وابن داود، وابن الإنسان!
стр. 66
ومرَّةً [يقول: ] أنا رجلٌ أدَّيت إليكم الحقَّ الذي سمعته من الله، ومرَّةً إلهٌ يخلق ويرزق، خروف الله، له آيات، يقول الأكثرون: آية إلَّا آية [ ... ]، في الله والله فيه، هو في تلاميذه وهم فيه، هو عِلم الله وقدرته، مرَّةً هو كلمة الله، "في البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت عند الله، والله كان الكلمة، بها خُلِقت الأشياء، ومن دونها لم يخلق شيءٌ، فالذي خلق فهو حياة فيها".
أولئك المؤمنون به الذين لم يتوالدوا من دمٍ ولا من شهوة اللَّحم، ولاباه رجل، لكن توالدوا من الله، فالتحمت الكلمة، والكلمة كانت بشرًا وسكنت فيهم فرأوا عظمتها كعظمة ولد الله.
ومرَّةً هو روح القدس، ومرَّة هو محشيٌّ من روح القدس، لا يحكم على أحد، ولا تنفذ إرادته، نبي وغلام الله، [ ... ]، أسلمه الله إلى أعدائه، انعزل الله له عن الملك، وتولَّاه هو، وصار يشرف الله تعالى، ويعطي مفاتيح السموات لباطرة، وهو مخالف معارض جاهل بمرضاة الله، ويولِّي أصحابه، أو باطرة وحده خطَّة التَّحريم والتَّحليل في السموات والأرض.
يقول: أنا أُميت نفسي وأنا أحييها، يجوع ويطلب ما يأكل، ويعطش ويشرب، ويعرق من الخوف، ويلعن الشجرة إذا لم يجد فيها تينًا يأكله، ويفشل فيركب حماره، ويؤخذ فيُلْطَم وجهُه، ويُضرَب رأسُه بالقَصَبَة، ويُبْزَق في وجهه، ويُضرَب ظهرُه بالسِّياط، ويُمِيتُه الشُّرَط ويتهكَّمون به، ويُسقَى الخلَّ في الحنظل، ويُصلَب بين سارِقَين، وتسمَّر يداه، ومات في الساعة ثم أحيا نفسه بعد الموت، ولم يكن له همٌّ بعد أن حيِيَ إلَّا طلب ما يأكله، فأطعموه الخبز والحوت المشوي، وسقوه العسل، ثم انطلق إلى شغله (١).
стр. 67
وقالوا في يحيى مرَّةً: إنَّه منتهى النبوَّات، ومرَّةً إنَّه فوق النَّبي، ومرَّةً إنَّه نبيٌّ، ومرَّةً آخر الأنبياء، ومرَّةً أنَّه بُعِث بعده أنبياء، ومرَّةً محشيٌّ من روح القدس في بطن أمِّه، وكذلك أمُّه أيضًا، ومرَّة ليس بنبيٍّ، ولم يولد في الآدميين أشرف منه، ولكن من كان صغيرًا في ملكوت السماء فهو أكبر منه، ومرَّةً لا يأكل ولا يشرب، ومرَّةً طعامه الجراد والعسل (١)!
قال أبو محمد بن حزم: "إن قالوا: قال الله في كتابكم حكايةً عن المسيح ﵇ أنَّه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، وقال تعالى أيضًا مخاطبًا للمسيح ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥].
قلنا: نعم، هذا خبر حق ووعد صدق، وإنَّما أخبر تعالى عن المؤمنين ولم يسمِّهم. ولا شكَّ في أنَّ من ثبت عليه الكذب من "باطرة" و"يوحنا" و"متَّى" و"يهوذا" و"يعقوب" ليسوا منهم، لكنَّهم من الكفار المدَّعين له الربوبية كذبًا وكفرًا.
وأمَّا الموعودون بالنصر إلى يوم القيامة، المؤمنون بالمسيح ﵇ فهم نحن المسلمون، المؤمنون به حقًّا، وبنبوَّته ورسالته، لا من كفر
стр. 68
به، وقال: إنَّه كذَّاب، وقال: إنَّه إلهٌ وابن إلهٍ، تعالى الله عن ذلك" (١).
أقول: وقضيَّة التَّحريف والتبديل في التَّوراة والإنجيل كالشمس رابعةَ النهار. ومن أراد علم اليقين فيها فعليه بمراجعة "الملل والنِّحَل"، ومراجعة "إظهار الحق" لرحمة الله الهندي؛ فإنَّه ﵀ فَحَص القضيَّة فحصًا تامًّا، حتى تحصَّل على كثيرٍ من الكتب المؤلَّفات على كتب العهدين، ونقل عن أساطين علمائهم الاعتراف بالتحريف والتبديل المجْحِف في تلك الكتب.
وذكر بعضهم أنّ هذه الأناجيل ليست للنَّفر الذين تنسب إليهم، وإنَّما هي لرجلٍ متأخر عنهم، لا يُعرَف اسمه، جمعها وخشي أن لا يصدَّق فنسبها إلى أولئك النَّفر، [وحذف] اسمه.
أقول: فرقٌ [ ...... ] صحب الحواريين، على غربتهم وتشتُّتهم واستخفائهم، مظهرًا لهم التنصُّر، فلمَّا قتلوا وذهبوا وضع هذه الأناجيل [ ..... ] إلى الحواريين، وهذا أقرب إلى العقل؛ لأنَّ المسيح رفع ولم يكتب الإنجيل، باعتراف النصارى [ ... ] بأيديهم إنجيل منزَّلٌ، والواقع كذلك ولو ادّعوا [خلافه] افتُضحوا؛ لأنَّ دلالة هذه الأناجيل واضحة أنَّها مجرَّد تواريخ.
[ثم] تبعه الحواريون، مع خوفهم واستخفائهم، فلم يؤلِّفوا شيئًا حتى جاء ذلك اليهودي فزوَّر عليهم كتبًا أخذها تبَعُهُم وتصرَّفوا فيها تصرُّف اليهود في التوراة (٢).