بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[ص ٣] (١) [الحمد لله الذي لم يتَّخذ ولدًا، ولم يكن] له شريكٌ في الملك، ولم يكن له وليٌّ من الذُّلِّ وكبِّره تكبيرًا، [وصلَّى الله على نبينا محمِّد،] الذي أنزلت عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي [مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ] وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]، وعلى آله وأصحابه، [ومن تبعهم بإحسان، وسلَّم] تسليمًا كثيرًا، أمَّا بعد.
فإنِّي عند وجودي بعَدَن، أواخر سنة ١٣٤١ هـ[بلغني عن رجلٍ يُدعَى] السيِّد حسن باهارون كان مقيمًا بالضَّالع ثم بيافع، يدعو الناس [إلى بعض العقائد الباطنية الحلوليَّة]، سيأتي ذكر شيءٍ منها إن شاء الله. وإنَّه قد اتَّبعه خَلْقٌ كثيرٌ، وألَّف جماعةٌ من العلماء في الإنكار [على أقواله وضلاله].
[ومنهم] شيخنا، إمام الشريعة والحقيقة في وقته، الشيخ العلَّامة سالم بن عبد الرحمن باصهي، ثم السَّيِّد [ ... ]، ثمَّ السيِّد [ ... (٢)].
وسألني بعض الإخوان أن أحذو حذوهم، بكتابة رسالةٍ في هذه القضيَّة، فاعتذرت بقصوري، ثمَّ تذكَّرتُ قول صاحب الهمزيَّة (٣):
стр. 3
وائْتِ بالمُسْتَطاعِ مِن عَمَلِ الْبِرْ ... ـرِ فقد تُسقِطُ الثِّمارَ الإتاءُ
مع أنِّي تصفَّحتُ بعض تلك الرسائل، فرأيتها منسوجةً بالحِدَّة والغضب، وذلك وإن كان محمودًا في الشَّرع لكن الأَولى في خطاب الجُهَّال الرِّفق واللِّين، والسَّعي في إيضاح الحقائق باللُّطف والحِكمة، لأنَّ الجهل داءٌ عَيَاءٌ، لا يتيسَّر له دواءٌ إلَّا إذا وُجِد طبيبٌ حاذقٌ.
وليس القصد من التَّأليف في هذه القضيَّة مجرَّد إقامة الحُجَّة والخروج من عهدة السُّكوت، بل القصد مع ذلك إنقاذ هؤلاء المساكين من تخبُّطات الشياطين.
وقد عزمتُ ــ مستعينًا بالله تعالى ــ على كتابة أوراق في هذا الصَّدد، تنحصر في مقدِّمة وفصول.
المقدِّمة: فيما بلغني عن هذا الرجل وأصحابه، بأسانيدها.
[ص ٥] الفصل الأوَّل: في وحدة الوجود التي يلهج بها المتصوِّفة، وبيان عقائد أئمَّة الصوفيَّة.
الفصل الثاني: في معنى الوحدة عند المتطرِّفين، وما يشبه ذلك من مقالات الفرق، والأدلَّة المناقضة لذلك من العقل والنقل.
الفصل الثالث: في حكم من دعا إلى ذلك، أو اعتقد، أو شكَّ، أو سكت.
الخاتمة ــ ختم الله لنا بخير الدنيا والآخرة ــ: في أحاديث واردة في التَّحذير من الدَّجاجلة، أعاذنا الله والمسلمين من شرِّهم.
стр. 4
المقدِّمة
سمعتُ شيخنا إمام الحقِّ والحقيقة، السيِّد محمد بن علي بن إدريس قدَّس الله سِرَّه مرارًا يخبر عن هذا الرجل المدعو السَّيِّد حسن الضَّالعي أنَّه كان في صَبْيَا يتظاهر بالحلول والاتِّحاد، بحيث يرى الشيء كالرجل والبقرة والشاة والدَّابة، فيشير إليه قائلًا: "هذا الله"!
وقال شيخنا ــ قُدِّس سرُّه ـ: وألَّف شيخنا الإمام سالم بن عبد الرحمن باصهي ﵀ رسالةً في الردِّ عليه سمَّاها "كشف الغطا".
وقد ذكر سيِّدنا ــ قُدِّس سرُّه ــ هذا الرجل في مؤلَّفٍ له، وحكى عنه نحو ما مرَّ، إلى أن قال: "والعجب أنَّ هذا الرجل كان يظنُّ أنَّ شيخنا ــ قُدِّس سرُّه ــ لا يعرف شيئًا من علوم القوم، ولم يَدْرِ أنَّه إمام التوحيد الخاص في زمانه.
وفي أوائل ١٣٣٨ هـ وصل إلى جِيزان سيِّدٌ من أهل الضَّالع، قافلًا من الحج، وأخبرني عن هذا الرجل بمثل ما مرَّ سابقًا، وأنَّه يتَّخذ له تلاميذ ويسوسهم، حتى إذا وثق بأحدهم أخذ عليه المواثيق المغلَّظة، ثم يقول له: اعبد نفسك". وحكى عنه غير ذلك.
وأخبرت شيخنا ــ قُدِّس سِرُّه ــ حينئذٍ، فذكر لي مثل ما مرَّ سابقًا، وزاد أنَّه وصل إليه كتابٌ من الرجل المذكور قائلًا: "إنَّ والدكم هو شيخ فتحي، يريد والد شيخنا الإمام علي بن محمد بن أحمد بن إدريس ﵃". وأنكر شيخنا ــ قُدِّس سِرُّه ــ ذلك.
стр. 5
[ص ٨] وأخبرني السَّيِّد العلَّامة محمد بن حيدر النُّعمي (١)، والشيخ الفاضل محمد إبراهيم صديق [ ... ] وغيرهما أنَّ الرجل المذكور عند وجوده بصَبْيَا كان يشير إلى أي شيءٍ يراه قائلًا: "هذا الله"!
وههنا في عَدَن وقفتُ على كرَّاسةٍ منسوبةٍ إلى رجلٍ يُدعَى صالح الطيَّار، ذكر فيها سنده عن هذا الرجل عن الشيخ حسَّان عن الفاسي، إلى آخر ما ذكر.
فذكرت ما مرَّ من كتابته إلى شيخنا ــ قُدِّس سِرُّه ــ أنَّ والده هو شيخُ فتْحِهِ، وما بينه وبين هذا من التنافي، فكأنَّه اعتمد قول عمران بن حِطَّان (٢):
يومًا يمانٍ إذا لاقَيْتُ ذا يمَنٍ ... وإن لقِيتُ معدِّيًّا فعَدْناني
كأنَّه عندما كتب إلى شيخنا ــ قُدِّس سِرُّه ــ أراد التقرُّب إليه بمشيخة والده، ولمَّا كان بهذه الجهة القريبة من جهة الشيخ حسَّان المعتقدَة فيه= تقرَّبَ إليهم بذلك.
وقد لقيتُ هنا بعدن بعض المعتقدين فيه وأخبر أنه يذكر أنَّ شيخنا الإمام ــ قُدِّس سِرُّه ــ من تلامذته، وهذا عجيب؛ فإنِّي بحمد الله تعالى
стр. 6
لازمت شيخنا نحو ست سنين لا يكاد يخلو قومٌ منها [أن أذاكره] في العلوم النافعة، وهو ينكر هذا [ ... ].
ومع هذا فقد ذكر لي بعض الإخوان أنَّ هذا السَّند الذي حكاه الطيَّار لا يطابق سند الشيخ حسَّان. وقد تصفَّحتُ الكرَّاسة المذكورة فوجدتُه بناها على تأويل بعض آيات وأحاديث، يشوِّه وجوهها ويغيِّر ألفاظها!
منها قوله: "وقال ﷺ لسيِّدنا جبريل ﵇: "يا أخي جبريل، أتدري كم لك في العمر"؟ قال: لا أعلم، ولكن يا سيِّدي إنِّي أشوف نجم غرار، كان يظهر بعد كلِّ سبعين ألف سنة مرَّةً واحدةً، وقد شُفْتُهُ سبعين ألف مرَّةٍ. قال له ﷺ : "أنا ذلك النجم الغرار". قال: صدقت، وبالحق نطقت" (١)!
فأنت ترى هذا الحديث ــ على علَّاته ــ كيف مسَخَه وشوَّهه.
وقال: "وقال ﷺ : "علماء أمَّتي كأنبياء بني إسرائيل" (٢). قال: إذْ اسْمُ النبوَّة ممنوعٌ بعده ﷺ . ويُفهم من هذا أنَّه لم يمنع إلَّا الاسم فقط!
وقال: "وكذلك أهل السلسلة المباركة اتَّصلوا بسِرِّه، من شيخ في شيخ،
стр. 7
إلى عصرنا هذا، في معرفة العلوم الإلهيَّة، الذي قال فيها ﷺ : "كلُّكم هلكى إلَّا أنا، أنا وما هؤلاء عليه" (١). يعني: كبار الصحابة.
وقال ﷺ [ص ٧]: "ما فضلكم أبو بكرٍ بكثرة الصلاة والعبادة، وإنَّما لشيءٍ وضعه الله في صدره" (٢). وهي المعرفة الحقيقيَّة بالله الواحد الأحد، حتى عرف نفسه أنَّه هو عين الحقِّ المبين؛ لصِحَّة الحديث عن النَّبي ﷺ : "مَن عرف نفسَه عرف ربَّه" (٣).
أي: معرفة النفس بانتفاء البشريَّة وظهور الأحديَّة تُعْدِمُنا الأسماء والصفات و .. و .. و .. ؛ لأنَّ الأحديَّة جمع، وجمع الجمع، ولا تقبل أسماء ولا صفات.
أو هي ذات [صرفة] مجرَّدة، ما تقبل إلَّا اسم الله، وإلَّا فحكمها حكم العموم، وعموم العموم، ولا تقبل كم، ولا كيف، ولا أين، ولا متى، ولا تقبل ضرب المثل، ولا المساحة، ولا تقبل الماضي، ولا المستقبل، ولا
стр. 8
الحال، بل كل الشؤون والمظاهر، و .. و .. ".
وذكر الصفات وأنواع الوجود في الحيوانات والجمادات ثم قال: "فكلُّ هؤلاء داخل تحت حيطة الأحديَّة، وهي العارف الكامل، الواصل الشَّاهد، لذاته بذاته، الله ولا شيء معه".
إلى أن قال: "قُلْ ما شئتَ في هذا المقام فأنت مكانك أحديٌّ، وبعضهم لمَّا عرف نفسه بنفسه ــ ــ نظر إلى الفوق والتحت، والأمام والوراء، واليمين والشمال، فلم يجد محلًّا يستند إليه، ولا مكان يأويه، ولا شيء يسند إليه، [فأمير] نفسه، فعرف نفسه بنفسه "، وقال:
رأيتُ ربِّي بعين ربِّي ... فقال: من أنت؟ فقلتُ: أنتَ (١)
فهو الشَّاهد والمشهود، الشَّاهد في مقام الأحديَّة التي أنت أنت، هي هي أنت، فاعرف! في هذا الكلام العجيب، الذي لا يفهمه إلَّا [ .. و .. ] ولا [تخطئ في ذاتك]، وإن [تلوت] خذ الكتاب بقوَّة، وأْمُر أهلك يأخذوا بأحسنها، فيصفو لنا حسنها، ونتعطَّر بعطر أهلها، حتى إنَّ المحبَّ يصل بالمحبوب، و [ ... ] المحبُّ المحبوب، وأنت الحي القيُّوم:
ولا تلتفت في السَّيْر غير فكلُّ ما ... سوى اللهِ غيرٌ فاتخذْ ذِكْرَهُ حِصْنَا
وقُلْ ليسَ لي في غير ذاتيَ مَطْلَبٌ ... فلا صورةٌ تُجْلَى ولا طُرْفةٌ تُجْنَى (٢)
إلخ.
стр. 9
أقول: لستُ الآن في صدد الرَّدِّ، وإنَّما الحديث الذي ساقه: "ما فضلكم أبو بكر .. الخ" على علَّاته من الواضح أنَّ المراد به غير ما ذكر، وإنَّما الشيء الذي وَقَر في صدره هو معرفة نفسه بالعجز والضعف، [ص ١٠] كما رُوِيَ عنه ﷺ في الدُّعاء: "اللَّهم لا تَكِلْني إلى نفسي، فإنَّك إن تَكِلْني إلى نفسي تَكِلْني إلى ضعفٍ وعَورةٍ وذَنْب". أو كما قال (١).
فلمَّا عرف سيِّدنا أبو بكر نفسه حق المعرفة بالضَّعف والعجز ونحوهما من الأوصاف انتقل من ذلك إلى حقيقة الإيمان بالله تعالى، صفات الجلال والجمال والكمال؛ فإنَّ الإنسان إذا عرف نفسه بالعبودية فقد عرف ربَّه بالربوبيَّة، وكلما ازدادت معرفته لنفسه بحقيقتها، من الضعف والعبودية والعجز في الصورة= ازدادت معرفته وإيمانه بربوبية الله تعالى وقوَّته وقدرته وجلاله.
وهذا معنى الحديث الآخر الذي ذكره، أعني: "مَن عرف نفسه فقد عرف ربَّه" كما هو واضح.
إلى أن قال بعد كلام طويل: "وتحتاج هذه إلى الكتم والخمول حتى يريد الله بالظهور". وهذا يدلُّ على أنَّ قصد هؤلاء القوم بثُّ دعوتهم، ثم إظهارها وإثارة فتنة، عكس مقاصد أهل الله، الذين إنَّما قصدهم إصلاح
стр. 10
القلوب ما تيسَّر.
إلى أن قال: "ولقد اغترُّوا كثيرًا، وتكبَّروا على المشايخ، وأُوقِعُوا في الجحيم، كمثل الفقهاء الزَّنادقة الوهَّابيَّة، الذين يتكبَّرون على أهل الباطن"!
إلى أن قال: "ولقد رأينا أناسًا في النَّار كثيرًا، وأكثرهم الفقهاء، والعلماء، وأهل الرأي، وأهل الرِّئاسة في الدُّنيا"!
إلى أن قال: "وأمَّا الألوهيَّة فهي تقبُّل الأحكام، و .. ، و .. ، ومنها السَّعادة والشقاوة، و .. ، و .. ، وإقامة نظام العالَم، مِن عابد ومعبود، ورازق ومرزوق، وتفاضل الأعلى على الأدنى".
إلى أن قال: "لأن برزخها أوسع البرازخ ومن أسماء كثيرة يُسمَّى العرش، وأمَّا الكتاب، والوجود المطلق، والذات الساذج، والزلال الأبيض، و .. ، و .. ، فسبحان من تفضَّل على ذاته بذاته .. الخ"!
إلى أن قال: "فصلٌ: اعْلَمْ أنَّ الله واجب الوجود، فوجوده مطلقٌ، ووجود ثان له مقيَّد مطلق، من عند الأسماء مقيَّد ومن عند الذَّات مطلق.
والصفات متعدِّدة، والذات واحدة، والكُلُّ مربوط بالكُلِّ، كما قال بعض المشايخ: الكلُّ بالكل مربوط، فليس له عنه انفكاك، خذوا ما قلته عنِّي، [لأنَّ] أصل الشيء كُلّه البرنامج، ولا شيء معه، ولا ذكر للشيء، ولا غير، ولا ذكر للغير، وأنت البرنامج، علمتَ أم لم تعلم، ولكن أنت من العارفين، وغيرك محجوبون (١) بك، ولم يعلموا، ولكن الغطا والغين الذي
стр. 11
[ص ١١] على العين، والران الذي على القلب، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١)﴾ [المطففين: ١٤]، أَلَا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وهي يد رسول الله، ورسول الله هو البرنامج الكامل، والأنموذج الشامل، و [ ... ] الواصل الموصل.
ولهذا حقِّق توحيد ذاتك بذاتك في ذاتك لذاتك، في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] أي: هو أنفسكم أفلا تبصرون!
وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، والرامي هو رسول الله يوم بدر.
فافهم المعنى فقد دان المنى، وادخل الدار واقصد نحونا، واستمع لما يوحى إليك من قولنا، الذي قولك لك، المنزل على قلب نبيك: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ١ - ٣]، وأدنى؛ لكلام ابن عباس: "إنَّ محمدًا رأى ربَّه بعين الرأس" (٢).
стр. 12
إلى أن قال: "وأمَّا حضرة الأحديَّة وهي الحضرة المباركة، وهي حضرة الطمس وبحر الغمس، وبرزخ جمع الجمع".
إلى أن قال يخاطب صاحب هذا المقام: "فتارة يكون ظاهرك خَلَقًا هاويًا، وباطنك حقًّا، وتارة يكون ظاهرك حقًّا وباطنك خَلَقًا".
إلى أن قال: "حتى تنظر إلى [ ... ] صاحب هذا المقام: "يسمَّى بخطِّ الاستواء، ولا أظنُّ أحدًا يقدر يقف عليه [ ... ] الكمال".
قال: "وهذا المقام من المحال؛ لأنَّه ما وقع لسيِّد المرسلين؛ لصحَّة قوله: "إنَّه لَيُغَان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم واللَّيلة سبعين مرَّة" (١)؛ لأنَّ اجتماع الحضور والغيبة، والصِّحَّة والسقم في بدن واحد محالٌ، واجتماع الموت والحياة في هيكل واحد محالٌ، ولا جَمَعَ هذا الشيء إلَّا ذو الجلال
стр. 13
والإكرام، فهو الفرد الجامع .. " الخ.
إلى أن قال: "وقد قال في الكرامة: إنَّ العارفين لا [كرامة ... ] النظر إلى وجه الله الكريم في كل صورة، وفي كل سورة، وفي كل أخضر ويابس، وفي كل حال ومقال، وخصام وجدال، وجلال وجمال، وفعل واعتقاد".
إلى أن قال بعد كلام طويل في التَّحريض على كثرة الذِّكر: "فلا أحد بَلَغَ مبلغ عالي (١) يسقط عنه التَّكليف، فسقوط التَّكليف يوجب عليه التكليف، ولا يسعه إلَّا الاتِّباع لسيِّد البشر، سيدنا محمد ﷺ ".
[ص ١٤] إلى أن قال: " [في دعاء: أن يبارك بغير تعب، ... في كل شيء به له ... ]، لكن تفضل على ذاتك بذاتك .. إلخ".
انتهى ما أردنا حكايته من تلك الكرَّاسة، وهي كبيرة، وهي من جنس ما حكيناه، وأستغفر الله العظيم أولًا وآخرًا.
وقال السَّيِّد العلَّامة علوي ما نصُّه: "وهذا هو رجل اسمه حسن بن إبراهيم، ويدَّعي أنه من آل با [معروف] آل باعلوي، وحاشاهم أن يكون هذا الدَّجَّال منهم، وقد كتب كتبًا متعدِّدة إلى السادة العلويين، ففتشوا فلم يجدوا له حسبًا ولا نسبًا.
ومن أخلاق هذا الرجل أنَّه يتفاخر ويتظاهر أنَّه أخذ عن شيوخٍ في مصر والشام والعراق والحجاز والمغرب واليمن، وأنَّه وقع على العلم المكنون".
إلى أن قال: "وقد سار داعي من دعاته إلى الحبشة، واسمه السَّيِّد صالح ــ بزعمه ــ وحاشا لله أنَّه سيِّد، بل هو السيئ الطالح، القرمطي، فعلَّم أناسًا
стр. 14
منهم أن يكونوا مثل فرعون إذ قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. و [رتَّب] عليهم أورادًا من قولهم: أنا الله! ".
إلى أن قال بعد ذكر بعض [من] (١) تبعه هذا الرجل: "عقيدتهم أنَّ الذوات كلّها متساوية؛ لأنَّها الله بذاته، (تعالى الله)، فذات أعظم نبيٍّ أو وليٍّ هي وذات الخنزير سواء؛ لأنَّ النبيَّ اللهُ، وقع نبيًّا وذهب يطلب مركزه، والخنزير كذلك [ ... ] (٢).
ويقولون: إنَّ فرعون أعرف من موسى؛ لأنَّه قال: "أنا ربُّكم"، وموسى جاهلٌ، وهكذا محمد ﷺ وأبو جهل لعنه الله بمنزلةٍ واحدةٍ.
وهذه العقائد من أسرارهم التي لا تُفشَى، ولا يعلِّمونها إلَّا من خرج من مزالق التوحيد، وهم خصوص الخصوص. وهم في الحقيقة الذين بلغوا الرتبة الفرعونيَّة.
وهذا الضَّالعي يقول: إنَّ الحياة هي نفس الوجود، وإنَّ الوجود هو جميع المخلوقات، وينكر علم الغيب لله، ويجعل جميع التطوُّرات في الوجود اللهَ بذاته، يتطوَّر ويطلب مركزه، وعنده أنّ قول الله [ ... ] (٣) كلام باطل، كما سنحكي ألفاظه إن شاء الله تعالى.
ومذهبهم أنَّ قول القائل: "لعنك الله" مثل قولك: "رحمك الله"، ولا يتحاشون عن جماع الحائض، يتسارُّون بهذا الأمر بينهم.
стр. 15
[ص ١٣] إلى أن قال: "وينكرون حقيقة الأرواح، ويقولون: هي تطوُّرات الذَّات الإلهيَّة، تطلب مركزها لا غير".
ولهم خزعبلات كثيرة تشابه ما تقدَّم، نتحاشى عن حكايتها، مثل قولهم في المجامعة والغائط. نعوذ بالله.
فعندهم أنَّ الرجل والمرأة ليسا مخلوقين من مخلوقات الله، بل هما الله، ويقولون في المجامعة كلمات كفريَّة تقشعرُّ منها الجلود ــ والعياذ بالله ــ لا نقدر على حكايتها.
إلى أن قال: "وحسن الضَّالعي هذا قد اجتمع بالشيخ الصالح العلَّامة سالم بن عبد الرحمن بن عوض باصهي، فلمَّا رآه الشيخ المذكور ضالًّا في اعتقاده ألَّف رسالةً سمَّاها "كشف الغطا عمَّا يحصل لبعض السَّالكين من الخَطَا"، يظنُّ أنَّه سيرجع بها.
وحيث إنَّ ضلاله بسبب عدم فهمه كلام الصوفية، ولم يعلم أنَّه ليس من الصوفيَّة، بل هو ملحدٌ أصليٌّ، متمكِّنٌ من إلحاده، وإنَّما يتظاهر بحكاية كلام الصوفيَّة ليستجلب الناس؛ لعِلمه أنَّ الناس يعتقدون [في (١)] المتصوِّفة والمتنسِّكة.
فلمَّا ظهر بدعوته الخبيثة إلى دينه الجديد الخبيث المخبث في جبل يافع ألَّف الشيخ المذكور رسالةً أخرى [تذييلًا] (٢) لتلك الرسالة، قال فيها ما نصُّه: "وبعد، فقد بلغني أنَّه ظهر رجلٌ في جبل يافع يسمَّى السَّيِّد حسن
стр. 16
الضَّالعي، يدعو الناس إلى وحدة الوجود، وهي: اعتقاد أنَّ هذه الموجودات كلَّها عين الحقِّ، وأن لا خَلْقَ أصلًا، فتعجَّبتُ لذلك غاية العجب؛ حيث إنَّ هذا الرجل المسمَّى السيِّد حسن الضَّالعي قد اتَّفقت به منذ سبع سنوات في صَبْيَا، قرية من قرى اليمن، مشهورة، وأخبرني أنَّه طاف البلاد، ولا مصر إلَّا ودخله، واتفق بعلمائه وصلحائه، واجتمعنا في صَبْيَا نحو ثلاثة أشهر.
وفي تلك المدَّة كلِّها ونحن نتذاكر العلوم، حتى بيَّن لنا طريقته التي هو عليها كتب الشيخ محيي الدِّين بن عربي، وكتب عبد الكريم الكيلاني، مؤلِّف كتاب "الإنسان الكامل" (١).
وأنَّه معتقدٌ معتقداتهم، في أنَّ هذا الوجود وما فيه من المخلوقات كلّها عين الحقِّ متنوّع بزعمه، وأن لا خلق أصلًا، وأنَّ هذه المخلوقات كلَّها عين الحق تنوّع ذاته، فتارة يجعلها جبالًا، وتارةً يجعلها ريحًا، وتارةً يجعلها بحارًا، وهكذا، فما هناك خلقٌ أصلًا".
فانْبَهَرتُ من هذا الاعتقاد الخبيث، فقلت: يا سيِّد حسن، هذه وحدة الوجود، التي أجمعت الأمَّة كلُّها على كفر أهلها ومنتحليها [ص ١٦] ومعتقديها.
بل معتقد ذلك كافرٌ بالقرآن من أوَّله إلى آخره؛ لأنَّ القرآن مصرِّحٌ بأنَّ العالَم وما فيه خَلْقُ الله، قال الله جلَّ ذكرُه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
стр. 17
خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي (١) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. إلى آخر ما قال الله من أول القرآن إلى آخره، في أنَّ العالَم وما فيه خلق الله، هو الذي خلقهم.
وأنت تقول: إنَّهم عينُ الله، لا خلقُ الله، وتنكر الخلق رأسًا، والقرآن أثبت الخلق صريحًا، فكلامك هذا إنكار لما في القرآن صريحًا، وتكذيب (٢) لنصوص القرآن كله من أوله إلى آخره.
فعند ذلك توقَّف، وبقي يُغالط بكلام القوم الدقيق، وشطحاتهم، وسائر ألفاظهم التي توهم هذا القول، وأنا أقول له: لم يريدوا بهذا الكلام ما تعتقده أصلًا، وحاشاهم من ذلك.
وطالت المراجعة فيما بيني وبينه في ذلك، حتى قال لي: صوِّر لي ما عرفته من كلامهم، وما مرادهم بتلك الألفاظ، فجعلنا له نبذةً، وسمَّيناها "كشف الغطا عمَّا يحصل لبعض السَّالكين من الخطا عند مقدمات حال الفنا والفتح والمواهب والعطا"، وبيَّنَّا في ذلك الصواب من الخطا؛ لأنَّ الغلط يدخل على الإنسان في الطريق من محلَّين:
الأول: من مطالعة كتب القوم الدقيقة المعقَّدة، خصوصًا كتب محيي
стр. 18
الدين والكيلاني عبد الكريم، وما جرى مجرى ذلك؛ فيفهم المطالع من ذلك غير المراد لدقَّة الكلام (١). ولهذا المعنى حرَّموا قراءة كتب هذين الشيخين، وما جرى مجراها.
والمحلُّ الثاني الذي يحصل الغلط على السَّالك فيه: عند مقدِّمات الفتح، وقد بيَّنَّا هذا كلَّه في النُّبذة المذكورة غاية البيان والإيضاح، وميَّزنا فيها بمعونة الله الخطأ من الصواب.
فلمَّا أُوقِف على تلك النُّبذة سكت وانقبض، وأخذ نحو شهرٍ كالمضطرب في أمره.
ثمَّ إن الله تكرَّم عليه، فرأى رؤيا بعد مُضِيِّ هذه المدَّة، فجاء إليَّ وقال: إنِّي رأيت سيِّدنا أبا بكر الصِّديق في المنام، فقلتُ له: مرادي أن تريني رسول الله ﷺ ، فقال: قُم، وأخذ بيدي، [فلم يزل] يمشي معي حتى وصلنا مسجدكم هذا، فوجدناك في المسجد وحدك [ص ٩]، فقال لي أبو بكر: هذا النبيُّ، يعنيكَ.
فقلتُ له: هذا صاحبي فلان! قال: هذا النبيُّ.
قال: فعرفتُ عند ذلك أنَّك على الحقِّ، وعلى الهدي المحمَّدي، وكل
стр. 19
ما قلتَه حقٌّ وصِدقٌ.
حكى لي هذه الرؤيا بالمجمع من الخلق، [وظننتُ] (١) أنَّه قد رجع عن هذه النِّحلة؛ لأنَّها ظهرت لي منه أشاير القبول، ولم يذكر لي شيئًا مخالفًا ذلك، وغلب على ظنِّي أنَّه رجع عن ذلك الاعتقاد الخبيث، وبقي عندنا بعد ذلك نحو شهر، وسار وهو على حاله المحمود.
واتَّفقت به مرَّةً في عَدَن، بعد سنةٍ أو نحوها، وحصل بيني وبينه من البِشْر والفرح والمحبَّة، حتى قال لي: أشهدُ بالله أنَّك واصلٌ، وأنا أعلم أنِّي لستُ بهذه المثابة. إنَّما فرحت منه واستدلَّيت (٢) بذلك الكلام".
[ص ١٥] وقال أخوه السيِّد عبد الله بن طاهر في جوابٍ كتبه إلى الشيخ عبد الله بن علي [الفوري] بعد ذكر الرجل المسمَّى بالسيِّد صالح ما لفظه: "فاعْلم أيَّها الوالد ــ نفعنا الله بصالح دعواتك ــ أنَّا اطَّلَعْنا وتحقَّقنا من الرجل المذكور تحقُّقًا كان عندنا كالشمس في الظُّهور، أنَّه ليس من أهل النُّور، بل من أهل الكذب والزُّور، بل لنا على ما بلغنا عنه من سوء الاعتقاد، وأنَّه من أهل الكفر والإلحاد، ينتحل مذهب القائلين ــ والعياذ بالله ــ بالحلول والاتحاد".
إلى أن قال: "ولعلَّه لا يخفى عليكم ما حاصلٌ في جبل يافِع من دجَّال الضَّالع، الكاذب المفتون، الذي سمَّى نفسه أبا هارون، والسادةُ الكرام آل باهارون ــ بل جميع أهل البيت الطَّاهر ــ منه بريئون، قال ﷺ : "من
стр. 20
انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا" (١).
وأنساب آل با هارون وشجرتهم محفوظة ومضبوطة، وسيرهم محمودة ومغبوطة، ما فيهم كذَّابٌ ولا دجَّالٌ، ولا داعٍ إلى ضلال، ولا يعرف لهذا الفاجر بهم انتساب ولا اتِّصال .. الخ".
وقال با [شيخ] في أوائل رسالته: "قد وصل إلينا سؤالٌ من محبٍّ صادق، وخِلٍّ موافق، وهو الشيخ الفاضل محسن بن قاسم بن حسين الجهوري اليافعي محتدًا، والموسط بلدًا، قد ملأ الله قلبه بالإيمان، فأنكر الباطل وعزم على إزالته بلسانه ويده والجنان، وفَّقنا الله وإيَّاه لمرضاته، وسلك بنا وبه سبيل نجاته، آمين.
مضمونه بعد البسملة والحمدلة: ما قول ساداتي العلماء الأعلام ــ نفع الله بهم الخاص والعام ــ في هذا الرجل الذي خرج إلى جبل يافع، بلاد برية، وأرض بادية، يُقال له: حسن بن هارون أظهر أمورًا بطَّالة، كفرٌ صريحٌ في الشريعة الغراء، وقد قرأنا عنده، وقال: إنَّ العقيدة التي تؤخذ عليها العهد والمواثيق من الطالب، ونأمره بكتمها هي علم التوحيد، وهو علم الباطن، ويقول: إنَّ الوجود والموجودات كلها الله، الظاهرة والباطنة، وكل رطب ويابس، وطاهر ونجس، وكافر ومسلم، وحق وباطل، وحلال وحرام= كل ذلك الله لا غير، تعالى الله عمَّا يقول هذا الجاحد الكافر علوًّا كبيرًا.
وقال برفع التكاليف عن الناس، لا صلاة، ولا صيام، ولا زكاة عليهم،
стр. 21
ولا حج، وإنَّما الحج عبادة جدار!
وقال: إنَّ القرآن إنَّما هو حديث الرسل والفراعنة، والمذكور فيه من جبال وأحجار وأشجار، وجنَّة ونار، وحشر ونشر، ومشرق ومغرب= فهي فيك أيها الإنسان جميعا .. الخ.
[ص ١٩] وخلاصة تخبُّطات المخذول ــ والعياذ بالله ــ أنَّه ينكر محمَّدًا ﵌ والقرآن. فاضْبطوا هذا:
س: بأيِّ شيءٍ ثبَت عندك الإنجيل؟
ج: بثبات التوراة.
س: بأيِّ شيءٍ ثبتت التوراة؟
ج: بإقرار القرآن.
س: القرآن في زعمك ليس بشيءٍ، فكيف تتَّخذه حجَّةً في دينك؟
ج: أثبتُ التوراة [بالتواريخ] الأجنبيَّة.
س: التواريخ الأجنبيَّة ــ كما بينَّا سابقًا ــ لا تقوم بها حُجَّةٌ؛ لأنَّ مصدرها عن أحبار اليهود، وكم في التواريخ من كذبٍ مناقض للعقل.
ج: أثبتُ التوراة بنقل الكواف لها.
س: قد بينَّا لك عدم اتِّصال النَّقل كافَّة عن كافَّةٍ، وما جرى على التوراة من الغربة والإحراق [وغير ذلك].
ج: ثبت الإنجيل بنقل الكواف.
س: ليس بأيدي النَّصارى إنجيل منزَّلٌ على عيسى، وإنَّما هي تواريخ لفَّقَهَا "مَتَّى" [وإخوانه].
стр. 22
ج: اتَّصلت الكوافُّ بـ"مَتَّى" وإخوانه، وظهرت لهم معجزات.
س: هل كانوا أنبياء مع قول المسيح ﵇؟
ج: إن لم يكونوا أنبياء فأصحاب المسيح نقلوا عنه، كما نقل أصحاب محمَّدٍ عنه.
س: أصحاب محمَّد كانوا [من الثِّقة التي] تقوم بهم الحُجَّة في إثبات القرآن وغيره من المعتقدات، ثم لم يزل الأمر كذلك إلى الآن. [ولا كذلك أصحاب متَّى] كما أشرنا إليه سابقًا عن "الملل والنِّحَل"، وهو شيءٌ واضحٌ يعلمه النَّصارى وغيرهم.
وقد نقل الإمام رحمةُ الله في [كتابه "إظهار] الحق" (١) عن أكابر أهل الكتاب الاتِّفاق على وقوع التَّحريف والتَّبديل الذي لا يُحْصَى في العَهْدَين العتيق والجديد مرارًا عمدًا وسهوًا، وذكروا أسباب ذلك، و [حرَّروها] بأوضح بيان، وأنَّ علماء [هم] الكبار لم يكونوا يتحاشون عن ذلك، بل يعدُّونه قربة، ولا يخفونه عن أمثالهم، وها نحن نرى كثيرًا ممَّا نقله علماء المسلمين قديمًا عن كتب العهدين لا يوجد بعضه في كتبهما الموجودة اليوم.
ج: أثبتُّ التوراة بما فيها من التَّبشير بعيسى ورفعه وصفته .. الخ؛ لأنَّه من الإخبار بالغيب، ولا داعي لليهود إلى تزوير ذلك، وهو ضدُّهم، وبثبوتها أثبت ما تضمَّنته تلك البشارة .. إلخ.
стр. 23
س: في هذا احتمالان:
الأول: ما تقوله اليهود، أنَّهم دسُّوا على النَّصارى أولئك النَّفر ليشوِّشوا دينهم، وذكرنا لك بعض شواهد ذلك، والشواهد عليه كثيرةٌ، أقلها أنَّه باعتراف النصارى أنَّ أولئك النَّفر كانوا يظهرون اليهوديَّة .. الخ، فلعلَّهم رأوا أنَّ أقرب ما يستهوون به أتباع النصرانية أن يزوِّروا لهم بشارةً في التَّوراة، مشوبةً بأوهام التَّثليث! فهذا الوجه يفسخ الشُّبهة التي ظننتَها مثبِتَةً للتوراة و [ ... ] عليها.
ولو سلَّمنا ثبوت التوراة فقد ذكرنا سابقًا وجهين في تلك البشارة:
أحدهما: أنَّ الذين تلاعبوا بالتوراة من المرتدِّين والزنادقة وعبدة الأوثان وجدوا البشارة بعيسى في التوراة، فزادوا فيها مثل ما زادوا في غيرها، من ذكر الأبوَّة والبنوَّة وغيرهما.
الثاني: أنَّ أولئك النَّفر الذين دسَّهم اليهود لتشويش دين النَّصارى هم الذين زادوا تلك الأشياء، لاستهواء النَّصارى، ومع ذلك فقد احترس اليهود لأنفسهم بتأخير تاريخ [ ... ].
وأيضًا احترسوا بذكر فصول في الإنجيل، أنَّ عيسى دعا بالمغفرة (١) للذين صلبوه، وعفا عنهم، وأنَّه لم يجيء لنقص حرفٍ واحدٍ من التوراة، إلى آخر ما شرحناه سابقًا. نسأل الله العافية.
ولعل هنالك احتمالات غير ما ذكرنا.
والقصد أنَّ مثل تلك الشُّبهة لا يقتنع بها العاقل حُجَّة في دينه، وهل
стр. 24
رأيت هذه الشبهة الضعيفة أقوى شيءٍ يتبعه العاقل ويتَّخذه دينًا، حتى وجدتها أقوى من القرآن وما معه!
ليتك راجعت التوراة والإنجيل هذه المزيَّفِين المبدَّلين، لنقف على ما أعمى الله عنه أولئك الأنذال، في الفصول التي ترجَّح أن تكون بشارة بمحمَّدٍ ﵌، فإنَّها كثيرة. ومع هذا فقد عرفت ما في هذه الكتب من الكذب والمناقضات، وأنَّ مؤلِّفي الأناجيل كذَّابون، لا يصحُّ [أخذ] دينٍ منهم، ولا يصحُّ إطلاق الحواريين عليهم، وإن لم نعلم أسماءهم الآن.
سبحان من وسع كل شيءٍ علمًا، ونعوذ به من الخذلان، ونبتهل إلى الله تعالى أن يثبِّت قلوبنا على الإيمان، ويختم لنا بالإحسان.
[ص ١٧] ثم أخذ هذا المخذول يتخبَّط في خيالات واهية، إلى أن قال: "فلِمَ لَمْ يكذِّب القرآنُ التوراة والإنجيل"؟
فنقول: يا مخذول، أي شيء مسمَّى التوراة والإنجيل في الحقيقة؟ أليس هو الكتابَيْن المنزَّلَين من الله تعالى؟ لا شكَّ في ذلك.
وقد بيَّنَّا لك بما سبق أنَّ ما بأيدي القوم من قبل بعثة النَّبيِّ ﵌ مبدَّلٌ مغيَّرٌ، قد اختلط فيه الحق بالباطل.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣]؛ فسمَّى ما بأيديهم "التوراة" لاشتماله على شيءٍ منها، من جملته الشيء المسوقةُ الآيةُ لبيانِهِ، مع أنَّهم كانوا يسمُّون ذلك السِّفْر بالتَّوراة ويزعمون أنَّه التَّوراة.
إلى أن قال: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [آل عمران: ٤٥]، لِمَ كانت البشارة خلاف [المعتاد]؟
стр. 25
نقول لك: كما بُشِّر إبراهيم بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وزكريا بيحيى، فإنَّ إبراهيم وزكريا كانا قد كبرا، فلذلك بُشِّرا؛ لأنَّ مجيء الولد للكبير خلاف المعتاد، فبُشِّرا بخلاف المعتاد.
وكذلك مريم ﵍، لمَّا كان الولد من غير أبٍ كان خلاف المعتاد= بُشِّرت على خلاف المعتاد.
قال المخذول: لم سُمِّي المسيح؟ أقوال، في الجملة أنَّه مسح بدهن كان يمسح به الأنبياء، ما حكمة التخصيص بالتسمية، وقد حصل لكلِّهم واحيرتاه!
أقول: أيها المخذول، نعوذ بالله من الخذلان الذي أصبح يريك الهباء في أجرام الجبال، ما منعك أن تقول: المَسْح في اللُّغة يطلق على أن يخلق الله الشيء مباركًا، ومنه قول رسول الله ﷺ في جرير بن عبد الله البجلي: "يطلع عليكم رجل عليه مَسْحَة ملَك، هو خير ذي يَمَن" (١).
فإن قلتَ: فليس الأنبياء جميعهم مباركين؟
قلتُ: بلى! أفليسوا كلهم عبيد الله، فلِمَ خُصِّصَ يعقوبُ بإسرائيل (٢).
стр. 26
وهذا من الأسئلة الواهية.
قال المخذول: ما حكمة ولادته من عذراء بدون أبٍ بعد استقرار ناموس التناسل؟
نقول له: كما قال تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١]. يا مخذول هذه خارقةٌ من جملة الخوارق، كإحيائه للموتى، وإبرائه للأَكْمَهِ والأبرص، وكما وقع لغيره من الأنبياء الإحياء والإبراء ونحوهما، وكرمي أصحاب الفيل وغيرها.
وهَبْ أنَّ لذلك حكمة أخرى هل هنالك أدنى شبهة على ألوهيَّته؟ !
وقد قيل: إنَّ الحِكمة هو أن يكمل أقسام الخلق، خلق آدم من غير حيٍّ، وحواء من حيٍّ ذكر فقط، وبقيَّة الناس من حيَّيْن، ذكر وأنثى، فخلق المسيح تكملة للأقسام، من حيٍّ أنثى فقط؛ للدلالة على [أنَّ] قدرة الله تعالى شاملة لخلق أضداد، يعني: لكلِّ قِسمٍ من الأقسام.
[ص ٢٠] قال المخذول: وما الحكمة في خلقه كهيئة الطير طيرًا، وإحياء الموتى، وهذا من وظائف (١) الله الخاصَّة؟
نقول: يا مخذول! أمَّا إحياء الموتى فقد وقع لغيره أكثر منه، وأمَّا خلقه كهيئة الطَّير فليست بأغرب من الإحياء؛ لأنَّ كلًّا منهما حياة واردة على موات.
ودعنا من هذا، هل كان الإحياء بإذن الله أو بدون إذن الله؟
стр. 27
إن كان بإذن الله ــ كما هو الواقع ــ والذي نقرُّ به فقد تبيَّن أنَّه ليس للمسيح إلَّا السَّبب؛ إذْ افْتَقَرَ إلى إذن غيره.
وإن قلتَ: إنَّه بلا إذن من الله تعالى فهذا كذبٌ بحتٌ، وتكذيبٌ لكتب الله تعالى.
ثمَّ ذكر حديث مسلم (١): "ما من مولودٍ إلَّا والشيطان ينخسه إلَّا عيسى ابن مريم وأمَّه"، وسأل عن عِلَّة التَّخصيص؟
فيُقال له: يا مخذول ما من نبيٍّ من الأنبياء إلَّا وله مزايا، فلو كان كل من له مزيَّةٌ يستدلُّ بها على إلهيَّته لامتلأت الدنيا آلهةً!
ثم عاد المخذول في إنكار التَّحريف، وزعم أنَّه لا حامل لليهود على زيادة ذلك في توراتهم؛ لأنَّه ينادي عليهم بالكفر.
أقول: لم أقف على هذا الفصل من التوراة، حتى أتأمله على صحَّته، ولكن الجواب ــ وبالله الثِّقة ــ من وجهين:
الأول: أنَّه كان في التوراة المنزَّلة ذكر عيسى ﵇ وزمنه وصفته .. الخ، فلمَّا تلاعبت الأيدي بالتوراة ودسَّت ذلك جعله هذا المخذول دليلًا على التثليث. قد ذكر [ ... ] في التوراة كثيرًا من الناس باسم ابن الله، وأبناء، وزوجة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فلمَّا بُعِث المسيح كانت التوراة قد انتشرت قليلًا، فلم يمكنهم إزالة ذلك.
الثاني: أن يكون اليهود بعد وفاة المسيح علموا أنَّه إذا ثبت دينُه كانت
стр. 28
القاضية على دينهم المبدَّل المغيَّر، فدسُّوا (١) هؤلاء القوم، أصحاب الأناجيل، لتبديل دين المسيح، واليهود تدَّعي هذا، كما في "الملل" (٢) وغيرها، فتوسَّل هؤلاء الشياطين إلى تبديل دين المسيح، بذكر تلك الزيادة في التوراة.
في التوراة ذكر المسيح، وبتعيين السَنَة، والبلد، والصِّفة، ومدَّة مكثه، وارتفاعه، وأنَّهم سيكفرون به، ويعاملونه بكذا وكذا؛ حتى يعر [ف] من عرف [المسيح] أو شا [هده]، فيقولوا: [إن] نعته في [التوراة ... ] وقد حكم [بذلك] التوراة وعلى هذا التوراة [ .... ] النصرانية.
وعلى كلا القولين فقد رأيتُ في التَّواريخ أنَّ الزِّيادة التي أسقطها اليهود من تاريخ الدنيا إنَّما أسقطوها معارضة للمسيح؛ لأنَّه موصوفٌ في توراتهم بزمانه فأخَّروا التاريخ، وقالوا: إنَّ المسيح لم يجئ بعد.
ولم أطَّلع في الحال على ذكر المسيح في التوراة حتى أحقِّق النَّظر في التاريخ، ولكن قد علمت الحامل لليهود على الزيادة في هذه التوراة.
فكأنَّ اليهود قصدوا تضليل النَّصارى بترك تلك الصفة في التوراة، ودفعوا الكفر عن أنفسهم بتأخير التاريخ.
ويدلُّ على هذا عِدَّة فصول في الإنجيل، منها ما في "إنجيل لوقا" [ ... ] قال: "فلمَّا بلغوا إلى الموضع الذي يدعى "الأجرد" (٣) صلبوه فيه، وصلبوا
стр. 29
معه السارقين والعابثين، عن يمينه وشماله، فقال يسوع: يا أبتاه اغفر لهم؛ لأنَّهم يجهلون ما يصنعون، ولا يدرون فعلهم". فدسَّ ذلك اليهودي هذه الكلمة ليتخلَّص اليهود من ملامة النَّصارى، مع ما يلزمها من التَّضليل شأن [عيسى].
ولا يعزب عنك أنَّ هوى اليهود تضليل النصارى والتلاعب بهم، بالمحالات والمتناقضات، ومع هذا فمَن وقف على تاريخ التوراة والإنجيل، على ما شرحه ابن حزمٍ ورحمة الله الهندي باعتراف أهل الكتاب لم يُعِرْ هذه الشبهة أدنى نظرٍ؛ لأنَّه يرى أنَّ سوق التلاعبات فيها لا تزال قائمة، وأنَّها في بعض الأزمان تفقد ثم تخرج من مصدر واحدٍ، وأنَّ القوم يرون التبديل والتغيير دينًا.
ولقد صرت بسبب اطِّلاعي على ما ذكره ابن حزمٍ ورحمة الله على شكٍّ من هذه التوراة المطبوعة وحُقَّ لي أن أشك، هل ثَمَّ نسخة في الكون يوافقها؟ وهل [تلك] النسخة نُقِلَت عن نسخةٍ أم لا؟
ولا سبيل لأَن يجد أحد ما أجد إلَّا باطِّلاعه على ما اطَّلعت!
стр. 30
ثم أخذ يخاطب القرآن، بأنَّه قد ثبت لديه نزول التوراة من عند الله تعالى، وعدم تغييرها، وثبوتها يثبت الإنجيل، والقرآن يشهد بذلك، وأخذ يطالب القرآن بالدليل.
فنقول له: يا سخيف، أنت لا تجد على التوراة والإنجيل دليلًا إلَّا القرآن، فأمَّا نقل اليهود والنصارى فليس بحُجَّةٍ؛ لانقطاعه في مبدئه، كما بيَّنه الإمام ابن حزمٍ، بشهادة كتب هؤلاء القوم وتواريخهم.
وأمَّا التَّواريخ التي ذكرت فإنَّها ممَّا لا يقوم بها دليلٌ كهذا. وهذه تواريخ المجوس فيها من الكذب والبهت ما يستحي العاقل أن يصدِّق به.
على أنَّ المؤرِّخ يكتفي بالسَّماع، فما يؤمِّنك أنَّ المؤرِّخين المذكورين سمعوا من اليهود أنفسهم أخبارًا [فدوَّنوها] كما سمعوها، فهل يكون التَّدوين المذكور حُجَّة دينيَّة؟!
إذا تقرَّر هذا فكيف تُطالب القرآن بالدَّليل وهو دليلك على التَّوراة التي دلَّتك على الإنجيل؛ فإن سقط القرآن سقَطَت التَّوراة، فسقط الإنجيل يا مخذول.
فإن قلت: فإنَّ إقرارنا بالتَّوراة والإنجيل كافٍ.
قلنا: نحن لا نقرُّ بتوراة وإنجيل مخالفة لما وصَفَه الله تعالى في كتابه القرآن، ولا نؤمن بنبيٍّ ليس كما وصفه الله، لا عيسى ولا موسى ولا غيرهما.
[ص ٢٣] ثم أخذ المخذول ينازع في إعجاز القرآن.
فيُقال له: هذا شيءٌ مفروغٌ منه؛ فإنَّه لا ينكر أحدٌ أنَّ العرب كانوا في زمانه ﵌ بأعلى طبقات الفصاحة والبلاغة، وقد نقلت
стр. 31
الكواف العظمى أنَّ النَّبي ﷺ تحدَّاهم بالقرآن، وبأقل جزءٍ منه، فوجموا وأحجموا وخرسوا عن ذلك، واعترفوا بعجزهم، وقال داهيتهم الوليد بن المغيرة لمَّا سمع آيات منه: "والله لقد سمعتُ من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا هو من كلام الجن، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإن أعلاه [لمثمر وإنَّ] أسفله لمغدق، وإنَّه يعلو ولا يُعْلَى عليه" (١).
حتى آل بهم الأمر إلى القتال.
وبعدُ، فوجوه إعجاز القرآن كثيرة، ليست البلاغة فقط؛ فإنَّ فيه الإخبار بالغيب، كالإخبار عن غلب الروم، وأنَّهم بعد غَلَبِهم سيغلبون في بضع سنين (٢)، والإخبار عن أهل الكتاب أنَّهم لا يتمنَّون الموت (٣)، والوعد
стр. 32
بإحدى الطَّائفتين (١)، والبشرى بالفتح (٢).
وزِدْ على ذلك أخبار الأنبياء وأممهم، مع أنَّ محمدًا ﵌ كان رجلًا أُمِّيًّا لا يكتب ولا يحسب، وكان مشهورًا بالصدق والأمانة، لا يخون ولا يكذب.
أمَّا قولك: إنَّ كثيرًا من الخطباء والشُّعراء السَّابقين واللَّاحقين تحدَّوا معاصريهم، فلم يعارضوهم، وأقرُّوا لهم بالسَّبق= فأقول: اللَّهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك.
أولًا لا يسلَّم وقوع ذلك؛ فلا بد أن يكون موجودًا في الكون ــ سابقًا أو لاحقًا ــ من ساواه أو زاد عليه، سواء قصد المعارضة أم لا. فأمَّا القرآن فهات كلامًا متقدِّمًا أو متأخِّرًا يشبهه، أو عارِضْه أنتَ، ليتمَّ عليك الخذلان. ولو سلَّمنا فقل لي: أَلَا تُبصر فرقًا بين تحدِّي شاعرٍ لبضعة شعراء أو خطيب لبضعة خطباء، بقصيدةٍ لا تجاوز الخمسين أو السبعين بيتًا، وخطبة في [ ... ] ولا يلزم من عدم معارضتهم شيء سوى قول: هو أفصحهم= وبين تحدِّي رجل أُمِّيٍّ لأمَّةٍ كبرى، هي أُمَّة اللسان والبيان، في أقل جزء من كتابٍ كبير، وقد ضلَّلهم وضلَّل آباءهم وسبَّ آلهتهم! ويلزم من عدم معارضتهم انقلابٌ دينيٌّ عظيم، وترك مألوفات عديدة، إلى غير ذلك حتى عادوا إلى القتال! العياذ بالله من الضلال المبين.
стр. 33
وها هو القرآن بين يديك، اختر منه بضع آيات، واقرنها بأي كلامٍ شئت من كلام المتقدِّمين والمتأخِّرين، أو من كلام محمَّد ﵌ نفسه، أو من كلام بعض أصحابه. وانظر الفرق إن كان بقي لعقلك أثر، وإلَّا فراجع الكتب المؤلَّفة في إعجاز القرآن، كتأليف الباقلَّاني (١) وغيره.
والله لا يسمع القرآن رجلٌ ذو مسكةٍ بكلام العرب إلَّا تيقَّن أنَّه ليس من كلام البشر.
على أنَّ بعض الزَّنادقة قد حاول معارضة القرآن، فلو نظرتَ بين كلام ذلك المعارِض في المعارضة وكلامه في غير المعارضة لظهر لك الفرق الجليُّ الواضحُ. وذلك أنَّ كلامه في المعارضة كلامٌ غثٌّ ركيكٌ إلى حدٍّ لا يخفى على أحدٍ.
وبالله العظيم لو لم يكن لمحمَّد صلَّى الله وسلَّم عليه وآله آيةٌ إلَّا القرآن، ولم يكن في القرآن وجهٌ من وجوه الإعجاز إلَّا سلامته من المناقضة والكذب الذي عمَّ ما بأيدي أهل الكتاب من الكتب، وصدق الله تعالى إذ قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
بل لو لم يكن فيه إلَّا حفظُه من التغيير والتبديل، لاستمرار نقل الكواف العظمى عن الكواف العظمى، بخلاف التوراة والإنجيل التي كانت مبادئها [ ... ] متقطعة= لكان ذلك كافيًا أيضًا.
стр. 34
[ص ٢٤] (١).
[ص ٢٥] أيُّها المخذول: إنَّ كلامك يبرهن عليك أنَّك لا تعرف القواعد العربيَّة ولا القوانين الجدليَّة، وإنَّما عندك نوعٌ من الذكاء الفاسد المحترق، قادك الشيطان، وأسلمك الخذلان إلى أن تستعمـ[ـله] في المهم الأعظم، وهو الدين، فأخذت ترسف في قيود الحرمان، وتتعثَّر [بذيول الخسران]، فنعوذ بالله من تخبُّط الشيطان.
ثم ذكر معاصي الأنبياء، وأنَّ في القرآن [إتيانهم المعاصي].
ونعم، في القرآن عن آدم أنَّ الله عاهده فنسي، وأنَّه عصى ربَّه فغوى، وأنَّ [الشيطان أغواه ووسوس إليه]؛ وذلك أنَّ الله تعالى بيَّن لآدم أنَّ إبليس عدوُّه، ثمَّ نهاه عن الأكل من الشجرة، فجاءه إبليس [وإلى زوجه]، وقاسمهما إنِّي لكما لمن النَّاصحين، ودلَّاهما بغرور؛ إذ قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، فنسي آدم ما أعلمه الله تعالى من عداوة إبليس، وحسَّن الظنَّ به، وظنَّ أنَّ الأكل من الشَّجرة إنَّما يزيده قربًا من الله تعالى، فوقع فيما وقع فيه. فالأكل معصية، ولكن لم يباشرها إلَّا متأوِّلًا، ولم يتعمَّد معصية الله تعالى.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ الآية [الأعراف: ١٨٩] فلم تنزل في آدم وحوَّاء، وإنَّما نزلت في المشركين، رغمًا عن الوضَّاعين الكذَّابين (٢).
стр. 35
وأمَّا نوح ﵇، وقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فإنَّه تأوَّل، ولم يتعمَّد، كما هو واضحٌ.
وأمَّا إبراهيم ﵇ فكلماته في المعاريض، وإنَّما يُقال لها كذب بحسب المتبادر منها فقط، كما هو واضح (١).
وقوله في الكوكب والقمر والشمس: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] استهزاء وسخرية بقومه؛ توصُّلًا لإقامة الحُجَّة عليهم، ومعنى ذلك قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣].
стр. 36
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ليس على أدنى شكٍّ، وإنَّما أراد أن يرى الكيفيَّة، كما أنَّنا الآن لا نشكُّ في وجود مصر، ولكن نحبُّ رؤيتها.
وأمَّا لوطٌ ﵇ فقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] يعني: ركن عادي من غيره وقبيله؛ ليدفعهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية [الحج: ٤٠].
وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] أراد التَّزويج والوَطْء المباح، وإلَّا فلا معنى لتغيير المنكر [ودعوتهم إلى منكر آخر]!
وأمَّا إخوة يوسف فكثيرٌ من الأمَّة على أنَّهم ليسوا بأنبياء.
وأمَّا يوسف ﵇ [ ... ] فأهمُّ ما ذكر عنه الهَمُّ، وهو الهمُّ بضرب المرأة، كما قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥].
وأمَّا موسى ﵇ فأخذْهُ رأس أخيه ظنًّا منه أنَّه يستحقُّ ذلك [لعدم إنكاره على قومه].
وأمَّا داود ﵇ فقصَّة الخصم على ظاهرها، لا على تأويل الباطنيَّة، والاستغفار والسُّجود والإنابة مطلوبة على كل حالٍ، وظن الفتنة إنَّما هو في سعة الملك (١).
стр. 37
وأمَّا سليمان ﵇ فالفتنة الاختبار، والجسد لم يوجد تفسير له موثوق به، فهو كما أنَّ [ ... ] مع تيقننا براءة سليمان ﵇ من كل ما يقدح في منصب النبوَّة (١).
وأمَّا [مَن ذكره الله في قوله: ] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] فلم يصحَّ دليلٌ على أنَّه كان نبيًّا؛ وقد يكون [أُوتِيَ بعض الآيات] بواسطة بعض الأنبياء، فانسلخ منها، وأخلد إلى الأرض، كما فعل سالم المخذول.
[ص ٢٨] وأمَّا محمد ﵌ فقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] المراد بالذَّنب ما فعله ناسيًا، أو قاصدًا وجه الله فحصل خطأٌ.
فإنَّما تكون ذنوب الأنبياء من جنس هذا، ومع ذلك ينبِّههم الله تعالى فورًا، والدليل على أنَّهم مؤاخذون بالنِّسيان، ما ورَد في حديث [طواف سليمان] ﵇ على زوجاته (٢)؛ فإنَّ فيه أنَّه إنَّما ترك "إن شاء الله" ناسيًا.
وكذلك مؤاخذة [نبيِّنا] ﵇ بالنسيان، ولذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].
стр. 38
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية [الأنفال: ٦٩]، الخطاب للصحابة [ ... ] في غنائم بدر، والخبر المخالف لما قلناه لم يصح.
وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ الآيات، قصد ﵌ ما يظنُّ أنَّه خيرٌ، من استقبال بعض عظماء قريش، رجاء إسلامه، مع أنَّ ذلك السائل عن بعض أمور الدين لا يفوته، فعاتبه الله ، وبيَّن له أنَّ الأَولى الإقبال على ذلك الأعمى المؤمن.
وما حُكِيَ من الثناء على اللَّات والعزَّى فلم يصحَّ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ الآية [الحج: ٥٢] (١)، فالمراد بالأماني: الأماني فيما يقصد به إلى ما يظنُّه خيرًا، ممَّا لا يوافق مراد الله تعالى منه.
وأمَّا اختلاف المسلمين في العِصْمَة فنحن لا ننكر أنَّ في أقوال بعض المسلمين ما يخالف الحقَّ، ولكنَّه يكون هناك فريقٌ آخر قائل بالحقِّ، فلا يُجْمِع المسلمون على ضلالةٍ أبدًا ولله الحمد، والحقُّ ما شهد به كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله، والعقل السَّليم (٢).
стр. 39
ثمَّ ذكر المخذول مسألة التَّثليث، وتشكَّك فيها، ثم بَرْهَن عليها ــ في نظَرِه ــ بأنَّ الإنسان مركَّبٌ من ثلاث حقائق، الجسم والروح والعقل.
فنسأل الله تعالى العافية، ونعوذ به من الخذلان وسوء العاقبة، يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك.
انظروا يا معشر العقلاء هذا البرهان، ولِمَ خصَّ هذه الثلاث بالذِّكْر، أليس للإنسان أيضًا فكرٌ ووهم وعلم ونحوه، وهي غير العقل ضرورة؛ لوجودها في المجنون.
وعلى تخصيص الثلاث وشبَهِ الله تعالى بخلقه فلعلَّه يقول: إنَّ الأب هو الجسد، والابن: العقل، وروح القدس: الروح. وحينئذٍ فقد فارق الله تعالى عقله مدَّة حياة عيسى، وبقي ــ وأستغفر الله تعالى ــ بلا عقل، أو فارقه روحه وبقي ــ وأستغفر الله تعالى ــ ميتًا.
وإمَّا أن يقول: إنَّ المفارق هو الجسد، فيبقى الروح والعقل مجرَّدين، أستغفر الله تعالى من حكاية هذه التُّرَّهات.
[ص ٢٦] وما ذكرت أنَّك انتقدته على القرآن، فلو ذكرتَه [لأجبتُ عنه] بمعونة الله تعالى، وإن كان لا يحتاج اعتراضك إلى جواب، لسقوطه ضرورةً.
стр. 40
ولعلَّنا إن شاء الله يتيسَّر لنا [شرح] الآيات المتعلِّقة بأهل الكتاب جميعها [ ... بتفسيرها]، ولكني الآن في شغل. ومع ذلك فقد أجاب ابن حزمٍ، ورحمة الله، والنَّبهاني (١) عن آيات كثيرة وأحاديث، و [هوَّن عليَّ الأمر ... ] ظنِّي. كيف والآيات التي أيَّد الله بها رسوله محمَّدًا ﵌ لا تحصى، وفيها مؤلَّفات خاصَّة، كـ"دلائل النبوَّة" للبيهقي، وغيره.
ويكفيك من هذا أنَّ يتيمًا من قريش نشأ بين أظهرهم بمكَّة، لم يشارك في شيءٍ من شؤونهم، وإنَّما رعى الغنم وشارك في التجارة ونحو ذلك، وكان بين قريش من صغره معروفًا بالصِّدق والأمانة، فلمَّا بلغ أربعين سنة بايَنَ قومَه كلَّ المباينة، وسفَّه أحلامهم وسبَّ آلهتهم وضلَّلهم وآباءهم، وعرَّض نفسه للإهانة والأذى، حتى بلغوا منه كلَّ مبلغٍ من الأذى، فلم يؤثِّر فيه ذلك.
ثم عادوا إلى استمالته وبذلوا له الأموال، وبذلوا له الملك، فلم يستخفَّه ذلك، ولا حادَ عن سبيله قِيد شعرةٍ، حتى ترامت به الأيَّام إلى هجر وطنه ومسقط رأسه، ولم يزل مجاهدًا في سبيل الله تعالى حتى أتمَّ الله تعالى دينَه.
ولم يُؤْثَر عنه شيءٌ ممَّا لا تخلو الملوك عنه من الجبروت والظلم والفساد في الأرض، بل كان نورًا كلُّه من أوَّله إلى آخره.