التَّدْرِيْبُ
وأهَمَّيتهُ في العَمل الإِسْلاَميّ
تَأليِف
د. محمد موسى الشريف
стр. 2
- نحن نتذكر ١٠% أو أقل من الذي نسمعه.
- ونتذكر ٢٥% من الذي نراه.
- ونتذكر ٩٠% من الذي نعمله.
[المفاتيح العشرة للنجاح: ٧٣]
стр. 3
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا المبعوث رحمة للعاملين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
إن قضية التدريب - في ظني وتقديري- من القضايا المهمة في العمل الإسلامي، لهذا أفردت لها كتابا سعيت فيه لتأصيل هذه القضية بإيراد النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وإيراد عمل السلف الصالح ﵃، وأوردت كذلك عدداً من الحوادث التاريخية منذ زمان أولئك الأطهار إلى يوم الناس هذا، وأردت من هذا الحشد للآثار والحوادث إبراز الأهمية التي أولاها الصالحون لهذه القضية.
وقد أوردت في ثنايا البحث أحداثاً وأمثلة من زماننا تبيِّن مدى تقصيرنا في الأخذ بالتدريب الجاد، وأنه يجب علينا تدارك هذا الأمر في حياتنا؛ إذ كثر حديثنا عن
стр. 4
الإصلاح بأساليب هي أقرب إلى النظير والإدارة الفوقية، وقلّ - إلى حد يبعد - التدريب العمليّ على تخطِّي الصعاب وتجاوز العقبات.
وقد عرضت في ثنايا البحث صوراً على النجاح المقترن بالاهتمام بتلك القضية، أو الفشل المتسبب من إغفال الأخذ بها، وأوردت كلام بعض المهتمين بمثل هذه القضايا، وشفعت ذلك كله بذكر طرائق للتدريب مقترحة في بعض جوانب العمل الإسلامي.
ومن المعلوم أن التدريب هو أحد جزءي التأهيل، إذ التأهيل يعمُّ الجانب النظري والعمليّ معاً، لكن لما كان الجزء النظريّ قد أُوشبع بحثاً وقتل درساً؛ إذ أُلفت فيه مثنفات كثيرة، وأقيمت لأجل فهمه مؤتمرات واجتماعات، لما كان كذلك رأيت أن أتحدث عن الجزء العملي الذي أظن أن الحاجة ملحَّة لبيانه وتوضيحه، وحسبي أن أنبِّه على الداء وأذكر بعض أساليب العلاج، وأفتح الباب بهذا على لمصراعيه للمشاركة في هذه القضية التي أحسبها على غاية من الأهمية.
هذا وإني لأرجو أن أكون قد وفقت في الاستنباط والعرض، وأن يدخر اله لي ثواب ذلك العمل ليوم العرض، والله تعالى الموفَّق لكل ما يحبُّه ويرضاه.
стр. 5
تمهيد
إن العمل الإسلاميّ المعاصر تظهر معالمه في صور متعددة، فهناك المسجد وحلقاته ودروسه، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجامعات الإسلامية، والمراكز الدعوية الرسمية منها والتعاونية، ومراكز دعوة الجاليات، والعمل الإعلاميّ الاقتصادي، وجهود الأفراد والجماعات في الدعوة إلى الله ﵎.
والعلة الكبيرة في جُل تلك الأعمال- فيما أظن أُقدّر- هي ضعف التدريب وسوء التوجيه وقصوره؛ فالمسلم المعاصر مطالب بالدعوة إلى الله تعالى - كما طولب إسلافه - بنص كتاب الله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (١). ثم إنه - في حقيقة الأمر - لا يعرف الكيفية الإيجابية للدعوة، ولا الخطوات الشرعية الصحيحة
стр. 6
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب أنه لم يُدرَّب على ذلك التدريب الكافي، أو لم يدرَّب على ذلك أبداً، ولم يُخط معه الخطوات اللازمة لتعريفه وإرشاده.
والشواهد على هذه المسألة أكثر من أن تُحصر وأكبر من أن تغفل فتُحضر؛ فالمسجد - مثلاً- يقوم عليه إمام حائز على شهادة نظرية، لكنه لم يدرَّب على الإمامة ومواجهة المصلين والقيام بحقوق إهل الحي وجمع قلوبهم وجهودهم والإجابة على أسئلتهم الشرعية والاجتماعية، بل جيء به - غالباً- إلى مسجد ما ولم يسبق له أن دُرب على ما سيقبل عليه، والأدهى من ذلك أنه يؤتى بأشخاص إلى الجوامع الكبيرة والمساجد المهمة، وكل ما يملكونه من رصيد هو جمال الصوت، لكن لم يدربوا ولم يؤهَّلوا، بل أزعم أن أكثر الأئمة ليسوا على شيء صحيح ذي أسس قويمة بل هم مجتهدون فيما يزاولون، محاولون أمراً ليس لهم به معرفة ولا تجربة، وأقصى ماعند أكثرهم شهادة شرعية لم يخالطها أو يتبعها تدريب مناسب.
والجامعات الإسلامية يضعف فيها التدريب ضعفاً ملحوظاً، وبعض الجامعات تكتفي - لتحقيق متطلبات التخريج - بإلزام طلابها بتدريس بعض الحصص لطلاب المدارس، وهذا لا يكفي في تأهيل المتخرج في تلك الجامعات وإعداده للواجبات الملقاة على عاتقه، وحتى
стр. 7
حصص التدريب هذه فإنه لا يدرب عليها وليس له سابق معرفة عما سيصنعه مع الطلاب.
والمراكز الدعوية ومراكز دعوة الجاليات إنما يتصدى للعمل فيها أناس نحسبهم مخلصين لكن يُعْوِزهم التدريب الكافي، وتستخلص خبرتها بدوران عجلة العمل اليومية، وليسوا متدربَّين في الأصل التدريب الكافي على هذا العمل المهم.
والعمل الخيري الإغاثيّ والتربوي - في هيآته وجمعياته ولجانه - يقوم عليه أناس لا تنقصهم الغيرة ولا الحماس لكنهم غير مخصصين، ولا دربوا التدريب الكافي على هذا الباب المهم من أبواب العمل الإسلاميّ، إلا قليلاً منهم، والقاعدة ما ذكرت.
والعمل الإعلامي - المقروء والمسموع والمرئي - يقوم عليه أشخاص ليس لأكثرهم تجارب سابقة، ولا تصورات صحيحة، ولا قواعد منضبطة مستقيمة فيما ينبغي عليهم عمله أو تركه، وما الذي يبث وما الذي يحجب عن العامة، وهكذا ...
وهناك أمر عجيب، وهو أن المشاركين في الكتابة الإسلامية الناقدة لجوانب العمل الإسلامي المختلفة- ما
стр. 8
ذكرته منها آنفاً وما لم أذكره - ليس لأكثرهم خبرة كافية فيما ينقدونه، ولا لهم مشاركة حاكمة دقيقة إلا ما يرونه من آثار تلك الأعمال ونتائجها.
بل إن كثيراً من الكاتبين في الشؤون الإسلامية العامة في جوانبها المختلفة إنما يتناولون موضوعات لم يحسنوا فهمها، ولا مارسوها، ولم تكن شيئاً واقعاً في حياتهم، ولم يلمسوها أو يتعرفوا عليها عن قرب، إنما هو حماس متدفق وغيرة تنقصها الخبرة والمعرفة والتدريب الكافي على حسن التناول والأخذ:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصبابةَ إلا من يعانيها
لذلك كله احتاج العمل الإسلامي - بجوانبه المختلفة - إلى الأخذ الجاد بأساليب وطرائق التدريب العملي القائم على أسس نظرية صحيحة حتى نستطيع أن نستجيب لمتطلبات هذا العصر المعقدة، ونجاري غيرنا من الأمم الكافرة التي استطاعت أن تصل إلى درجات عالية من الرقي لأخذها بجملة أسباب، منها التدريب الجاد والمتواصل في مجالات الحياة كلها تقريباً.
أما الحديث عن أفراد الدعاة إلى الله تعالى وأحوالهم في باب التدريب والممارسة فهو حديث ذو شجون
стр. 9
وهموم، وتناوله يحتاج إلى بسط وتفريع:
هناك إعداد ضخمة من المسلمين الصالحين اعتاد المجتمع على وصفهم بأنهم دعاة إلى الله تعالى، وقد يكون بعضهم قد حاز هذا اللقب الشريف حقاً، لكن أكثرهم لم ينله بعد، هم صالحون حَسنو النية والقصد، سليمو الفطرة، جميلو الفعال .. لكن الحديث عن الدعوة شيء آخر، والوصف بهذا اللقب الشريف يحتاج إلى تمهُّل وتريُّث؛ فالداعية إلى الله تعالى هو من يغْشَى المجتمعات، ويناقش ويجادل بالحسنى، ويعرض الحجج؛ ويبرهن على صحة قضيته وصواب عمله، ويجهد في ذلك كله، وهو مع ذلك يذكر بالله حالهُ ومقالهُ فعلى هذا أقرر أنه قد نال كثير من المسلمين درجة الصلاح، لكن أن يكونوا دعاة فتلك قضية أخرى.
وهناك فئة من الصالحين قد داروا في حلقة مفرغة من القضايا النظرية التي هي أقرب إلى الإجراءات الإدارية منها إلى الدعوة العملية، فهؤلاء قد قَصّروا في بلوغ منزلة الداعية إلى الله تعالى وإن كانوا في أعمالهم تلك على خير نرجو أن يكونوا فيه مأجورين مثابين، إن شاء الله تعالى، وهذا التقصير مردُّه إلى الطبيعة التي طُبع الصالح عليها لا إلى تعمده إغفالَ الخلطة المحمودة لطوائف المسلمين وإرشادهم عملياً والأخذ بأيديهم دائماً وعليها أحياناً.
стр. 10
إن أولئك الصالحين - أو من نحسبهم كذلك - غفلوا أو أغفلوا أهمية أن يقرن القول بالعمل في هذه المسألة المهمة، بمعنى أنه لا يمنعه الانهماك المتواصل في التخطيط والإدارة أن يبذل شيئاً من جهده للالتفات إلى الناس ومعرفة كيفية الوصول إلى قلوبهم وعقولهم.
كيف يكون داعيةّ من لا يستطيع الحديث في المجالس، أو لا يجيد توجيه أحاديثها، أو أنه لا يغشى مجالس الناس أصلاً، ولا يتعب نفسه في المحاورة مع أهلها، ومجتمعنا المعاصر بحاجة ماسة إلى من يأخذ بيده ويجادل المعاند والضالَّ، ويشجع المتردِّد ويأخذ بيد المقدِم، وأزعم أن المقدم قد وجد من يأخذ بيده لكن الطوائف الأخرى لم تُسعد بعد ولم توجه لها الجهود الكافية.
إن دعاة اليوم لم يدربوا على هذا الأمر، ولم يفكروا فيه كما ينبغي، إلا طوائف قد نذرت نفسها لهذه القضية التبليغية، مغفلة ما سواها من قضايا مهمة كثيرة، فالتوازن المطلوب هو أن يكون الدعاة جامعين بين الدعوة العملية والإدارة النظرية، ولو أُغفل جانب وعُني بآخر لحصل النقص واتسع الخرق.
يقول الدكتور البوطي حفظه الله تعالى معبِّراً عن هذه القضية الشائكة: قضية تحقق الداعية باسمه، وعمله على مقتضى وصفه:
стр. 11
((إن كلمة (الدعوة) تدل على معنى لا يتحقق إلا من خلال طرفين اثنين: داعٍ يرشد ويبين ويدعو، ومدعوّ ينطق واقعه بالحاجة لمن يرشده ويبيِّن له الحق ويأخذ بيده لينهضه من عثراته الفكرية، ويحرره مما علق به من شبهات وأوهام.
أي أن عملية الدعوة إلى الله لا يمكن أن تتم من خلال نشاط يدور في نطاق طرف واحد، بل لا بد لتحققها من أن يسري هذا النشاط ما بين طرفين اثنين: طرف يرشد ويحاور ويعلِّم، وطرف آخر يتلقى ويتعلَّم ويتجاذب مع الطرف الأول زمامَ النقاش والحوار ...
وأعتقد أن فينا من يقول: إن هذا شيء بدهيّ، ولعل أحداً لا يحتاج إلى بيانه أو تأكيده.
وأقول: أما إنه بدهيٌّ فنعم، وأما إن أحداً لا يحتاج إلى التنبه إليه فإن الواقع- ويا للأسف - لا يؤيد ذلك ... )).
ثم أخذ في تقرير أن أكثر الدعاة يمارسون أنشطة قد لا تمت إلى واقع الناس بصلة، أو ليس فيها خلطة بجماهير الناس لأجل هدايتهم وإرشادهم.
وعلى أن كلامه - في تقريره الأخير هذا - فيه تعميم وبعضٌ من الخلط، لكنه ينطبق في بعض جوانبه على واقع كثير ممن يُطلق عليهم دعاة.
стр. 12
ثم ذكر أن هناك برزخاً بين هؤلاء النفر من الدعاة وبين ((الخليط من التائهين والجانحين والجاهلين، فليس بين هؤلاء وأولئك أيّ تلاقٍ على صعيد دعوة أو نقاش أو حوار، بل بوسعك أن ترى بدلاً من ذلك فئاتٍ شتى من أصحاب المذاهب والأفكار الهدامة يتغلغلون بين خليط هؤلاء التائهين والجهال ... فيجلسون إليهم ويؤانسونهم، ثم يبثُّون في أفكارهم عوامل الشبهات والريب، ثم يسعون إلى إحلال أفكارهم ومذاهبهم الباطلة محلَّ قناعاتهم الدينية التقليدية، وذلك بأساليبَ شتى من الحوار والنقاش ... ))
ثم ذكر أنه ((مهما كانت الأعمال التي ينهض بها هؤلاء الإسلاميون صالحة ومفيدة فإنها لا تقوم مقام واجب تعريف الناس بالإسلام ودعوتهم إليه قَطّ ... )) (١)
وبيَّن أنه ((لو أن رجال الدعوة الإسلامية في مجتمعاتنا تواجهوا إلى حشود هؤلاء التائهين يلقونهم في أنديتهم وأسواقهم، أو مدارسهم وجامعاتهم، يبصِّرونهم بحقائق هذا الدين، ويحاورونهم في إزالة شبهاته، تَحدُوْهم إلى ذلك (٢) نوازع الإخلاص لوجه الله والشفقة على عباد الله، إذاً لا ستأنس أولئك بهم وركنوا إليهم، ثم أصغوا
стр. 13
باهتمام إلى نصائحهم وبياناتهم، ولا بد أن تسري أشعة الهداية أخيراً إلى عقولهم وأفئدتهم ... )) (١).
وأحسب أن كلامه هذا معبر عما أريد الحديث عنه، مجمل لما سأقوم - إن شاء الله - بتفصيله.
ويقول الأستاذ عبد البديع صقر رحمه الله تعالى:
((لا يستحق اسمَ الداعية إلا من كان صالحاً لهذه الوظيفة الربانية، بأخلاقه وتخلّقه جميعاً، كما يقول الله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (٢). فالداعية إنسان مجهز تجهيزاً خاصا ليقوم بمهمة شاقة دقيقة كتلك التي دعا إليها الأنبياء والمرسلون، فما أعظمها من رسالة ... )) (٣).
وقول هذا الأستاذ: ((الداعية إنسان مجهز تجهيزاً خاصاً)) هو المحور الذي يدور عليه هذا الكتاب، والقطب الذي يربط به ما أوردته في ثناياه من مباحثَ وأبواب، والله الموفق للصواب.
ويقول أحد المفكرين:
стр. 14
((إن أوضاع بعض العاملين للإسلام مؤسفة، وذلك لتركيز كثير من العاملين على القضايا النظرية الأكاديمية ... الأمر الذي جعل نسبة العاملين المثقلين بالأعباء لا تزيد عن ٥% بينما يظل ٩٥% متفرجين.
وهؤلاء يكونون كَلاَّ وعبئاً ثقيلاً تحملهم المؤسسة عوضاً أن يحملوها ... )) (١).
إن أوضاع المؤسسات الإسلامية لا تكون في حالة جيدة إلا إذا ((تحولت إلى خلية نحل_ مثل خلايا النحل أو النمل_ مفعمة بالطاقة والحيوية، وقائمة على أداء المهام النافعة في المجتمع لاضطلاع كل فرد فيها بدوره ووقوفه على ثغرة من الثغور)) (٢).
وقد يُظهر تحليل إحصائي تقريبيّ أن الأوقات التي يبذلها العاملون في المؤسسات الإسلامية وكذلك الأموال والجهود إنما يصرف ٧٠% منها لمعالجة الشؤون الداخلية لتلك المؤسسات، بينما يخصص ٣٠% فقط لصالح المجتمع الخارجيّ، في حين ينبغي أن يكون الترتيب الصحيح عكس ذلك تماماً (٣).
стр. 15
ينبغي التأكيد - دون هوادة - على ضرورة تبني المؤسسات الإسلامية مشكلات الأمة الإسلامية وإيجاد الحلول لها، كما يجب عليها توجيه معظم جهودها لمعالجة تلك القضايا، كي تطمئن الأمة إلى أن هذه المؤسسات هي حارسها الأمين (١).
فعلى الدعاة إذاً أن يسعوا لتحقيق التغير في المجتمع وأن يسهموا فيه؛ فكل برامج التدريب وتزكية النفوس إنما تهدف إلى جعلهم أداة في عملية التحول الاجتماعي، قال الله تعالى: ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) (٢).
نعم إن عجلة الحياة اليومية لأصحاب القضية الدعوية قد تمنع من النظر الكافي لمعالجة هذا الأمر على ما ينبغي أن تكون عليه المعالجة، لكن لا بد مما ليس منه بُد، وهذا الأمر ليس من الأمور القابلة للإغفال، بل هو أُسّ العمل وأساسه، وأيضاً ينبغي أن ينبعث شعور ذاتي من كل عامل لله تعالى أنه ينبغي عليه أن يرتقي بنفسه دوماً وأبداً، وأن يلتحق بما يستطيع ويتسر له من أُطُر تدريبيه تأخذ بيده، لا
стр. 16
أن ينتظر توجيه الآخرين وإرشادهم؛ فليس من أحد يحسن إدراك المنفعة أكثر من محتاجها، وليس الفاقد للشيء - عادة- بمنتظر نصيحة الواجد له، ولكن العجز والتواني هو السبب الظاهر والعامل القاهر، والله المرجو أن يبصر ويهدي إلى كل عمل صالح ومُرْضٍ.
ما الذي ينبغي صنيعه إذاً على ضوء ذلك الكلام المتقدم؟
ينبغي على المسلم - والله أعلم - أن يجمع بين الصلاح الذاتي وبين الدعوة العملية وبين القضايا الإدارية، على وجه يتيح له أن يسير في ركاب الأنبياء والصالحين الذين ساروا هذه السيرة قبله ودرجوا على الطريق وأوضحوا معالمه، فنبينا ﷺ كان القدوة والمثل في الصلاح الذاتي، وكانت القضايا النظرية التي يدارسها المجتمع المسلم آنذاك منوطة به، فهو المؤصِّل لها والضابط، وكان - أيضاً ﷺ القدوة العظمى في مسائل الخلطة والدعوة العلمية، الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر، فقد كان النبي ﷺ يغشى القبائل، ويحضر تجمعات قريش، ويناقش المعاندين ويجادلهم بالحجة الواضحة، وحدِّث ما شئت عن دعوته اليهود والمنافقين في المدينة، ويقوم بكل واجبات الدعوة على المثال المرغوب المطلوب.
стр. 17
أما أن تكتفي طوائف من المسلمين بالدعوة العملية وليس معهم ضوابط مؤصلة ونظريات هادية حاكمة لمسارها فهذا قصور، أو أن تكتفي طوائف من المسلمين بوضع الضوابط والنظريات المؤصلة، ثم إنها لا تبذل جهداً مكافئاً قوياً في تحقيق الخلطة العملية وغشيان المجتمعات فهذا قصور أيضاً، أو أن تأتي طائفة ثالثة بالعجب العجاب وهو الاكتفاء بنقد أهل تلك الطائفتين نقداً لا يقوم على تقدير صحيح لما يبذله أولئك، أو تصور صحيح لما يرونه ويعتقدونه، فهذا جهل بقواعد النقد التقويم، والعجيب أن تلك الطائفة تقيم عملها الإسلامي على محاربة تلك الطائفتين وتجهيل أمرهما، وهذا - تقريباً- هو جلّ عملها.
والغريب أنه ما من جانب من جوانب الحياة تقريباً إلا والقائمون عليه يشترطون فيمن يرغب المشاركة في إدارته - عن طريق التوظيف - خبرة عملية سابقة، فلم لا يشترط ذلك في كل جوانب العمل الإسلامي التي يتاح اليوم لأكثر الناس المشاركة فيها بغير خبرة سابقة ولا تجارب كافية ولا ضوابط حاكمة.
وأشرع الآن في التفصيل بعون الله تعالى.
стр. 18
الفصل الأول
معنى التدريب وأهميته ووسائله
وتأصيله من الكتاب والسنة
وعمل السلف الصالح
стр. 19
المبحث الأول
معنى التدريب
وأهميته ووسائله
المطلب الأول: معنى التدريب وأهميته
التدريب لغة: يقال: درَّب فلان فلاناً بالشيء ودرَّبه على الشيء: عَوّده ومَرّنه (١).
إصطلاحاً: ((عبارة عن نشاط منظم يركز على الفرد لتحقيق تغير في معارفه ومهاراته وقدراته لمقابلة احتياجات محددة في الوضع الحاضر أو المستقبلي، في ضوء متطلبات العمل الذي يقوم به المرء، وفي ضوء تطلعاته المستقبلية للوظيفة التي يقوم بها
стр. 20
في المجتمع)) (١).
أو هو:
((مجموعة من البرامج المهتمة بالتعليم وتحسين المهارة الفنية ليؤدي المتدرب إنجازاً أفضل)) (٢).
أو هي مجموعة النشاطات التي تعلم المدربين وتحفزهم، وتثرى قيمهم، وترتفع بمستويات تفكيرهم، وتحسين مهاراتهم القيادية والأساليب التي يتبعونها (٣).
فالتدريب - على هذا - باختصار هو ارتقاء دائم، وانتقال من طور إلى طور، وهو مواكبة ومقاربة لما عليه الماهرون والأقوياء في مناهجهم القويمة وطرائقهم المستقيمة ونشاطاتهم الفاعلة.
стр. 21
العلاقة بين التدريب والتنظير
أالعلاقة بين التدريب العملي والتأهيل النظريّ:
التدريب أحد قسمي التأهيل؛ إذا التأهيل قسمان: نظريّ وعمليّ، وكلا القسمين مهم لا يُستغنى عنه، لكن البرامج التدريبية تفترض وجود مستوى محدد من الفهم والوعي، ومن ثَمَّ السعي للبناء عليه، فيصحُّ أن يقال إذاً: إن إلقاء المعلومات والتأكد من فهمها أمر لا بد منه قبل الشروع في التدريب، وكل تدريب غير مسبوق بإلقاء المعلومات الظرورية محكوم عليه بالقصور أو الفشل، وهذا القدر من المعلومات يحدده نوع كل نشاط أو مهارة يُراد التدريب عليها.
ب العلاقة بين التدريب والتخطيط:
التخطيط سمة العصر، قد اعتني به اعتناءً ظاهراً،
стр. 22
حتى أن المؤسسات الضخمة تخطط لخمس وعشرين سنة قادمة أو أكثر في بعض الأحيان، وتنفق بسخاء على التخطيط ومؤسساته.
و ((يجب أن يتميز البرنامج التدريبيّ الناجح بالاستمرارية المخطط لها بإتقان، وهذه الاستمرارية سوف تضمن ألا يصاب المتدربون بالركود، بل تكفل تزايد قدراتهم ونموها المطّرد، كما أنها ستزيل التكرار والإعادة ... ويمكن أن يتيح الفرصة لتقويم المتدربين وتوزيعهم على المجالات المختلفة بعد إعدادهم وتأهيلهم)) (١).
والتخطيط الجيد يراعي خصوصيات المشاركين مع الأخذ بالاعتبار المستوى الحالي للتعليم والقدرة على الفهم لديهم (٢).
ولا بد أن يعلم ويُدرَك أنه لا يوجد برنامج تدريبيّ موحد يمكن أن يناسب جميع المتدربين على تنوع مشاربهم واتجاهاتهم؛ إذ قد يناسب مجموعة ما ما لا يناسب الأخرى، وقد يكون المناسب لمجموعة محددة في زمن ما ليس بمناسب لها نفسها في زمن تالٍ أو سابق، وهكذا ...
стр. 23
وكل ذلك يراعيه التخطيط القويم والإعداد الجيد.
جـ- العلاقة بين التدريب والتطبيق:
هناك فجوة كبيرة بين التدريب والتطبيق في عالمنا الإسلاميّ المعاصر، إذ أن عدة عوامل تضافرت لتؤدي إلى هذا الأمر، ولا أجد مساغاً لذكرها هاهنا، فكم من متدرب على أمر بذل فيه جهده وصرف فيه زماناً طويلاً من عمره، حتى إذا تخرّج فيه واستعد لتطبيق ما مَرِن عليه إذا به يُضطر للعمل في مجال آخر، والأمثلة من عالمنا الإسلامي أكثر من أن تحصر، فهذا طبيب ماهر ذكي أعرفه درس في كلية الطب وبذل لها وقتاً ثميناً وصرف فيها خلاصة شبابه، حتى إذا فرغ من سنة الامتياز وأقبلت عليه الوظائف أمره أبوه أمراً جازماً أن يتولى إحدى شركاته ليعمل في مجال لهم يعهده من قبل، ولم يأنس في نفسه ميلاً إليه، فضُرب بعُرض الحائظ كلُّ ما بذل من جهد وأنفق من وقت.
وآخر درس الهندسة النووية سنوات طويلة وتخرج فيها ((دكتوراً)) وحاز أعظم الشهادات الغربية، حتى إذا عاد إلى بلاده صدم بالحقيقة المرة وهي أنه لا يستطيع أن يطبق ما تدرب عليه طويلاً في بلاد الغرب، وإذا لا يستطيع أن يطبق ما تدرب عليه طويلاً بالحقيقة المرة وهي أنه لا يستطيع أن يطبق ما تدرب عليه طويلاً في بلاد الغرب، وإذا بالمعامل غير المعامل، وإذا بالعقبات توضع أمامه، هذا الذي درس زماناً طويلاً وصرف على الدراسة والتدريب زهرة شبابه وأجمل
стр. 24
أيام حياته، إذا به يُوضع في مكتب وثير ليوقع على أوراق إدارية، أو يترأس اجتماعات لا ثمرة لها على الحقيقة.
واسألوا أساتذة الذرة المسلمين الذين رأوا أن عودتهم إلى ديارهم ستصيبهم بكثير من الإحباط ففضلوا البقاء في عسل الغرب الممزوج بالسم، على أن يعودوا إلى حنظل خالص أو بيت نحل فارغ.
واسألوا الدكاترة والمهندسين، وأصحاب الدرجات العليا من ((ماجستير)) و ((دكتوراه)) في شتى التخصُّصات العلمية والذين عملوا في وظائفَ دنيا بعد تخرجهم لا تمتُّ بصلة لما تدربوا عليه ودرسوه، فقد شاهدت ((دكاترة)) وحملة ((ماجستير)) يعملون مضيفين في شركات الطيران، وكل ما تطالب به شركات الطيران من مؤهلات دورة لمدة أربعة أسابيع مع تحصيل شهادة الكفاءة أو الثانوية بحسب الحاجة، فما الذي ساق صاحب هذا المؤهل العالي ليعمل الحاجة، فما الذي ساق صاحب هذا المؤهل العالي ليعمل في هذا المكان؟ وهذا ضربته مثالاً وإلا فالأمثلة كثيرة كثيرة.
وهذا الذي ذكرته منطبق على أناس كثيرين التحقوا بكليات الدعوة والشريعة وأصول الدين، ودرسوا طويلاً ثم بعد تخرُّجهم لم يجدوا عملاً مناسباً ليطبقوا فيه ما درسوه وما تدرَّبوا عليه نوعاً من التدريب، وهذا ملاحظ مشاهد في كثير من بلدان العالم الإسلامي لغلبة البطالة وقلة الوظائف.
стр. 25
أهمية التدريب:
العالم المتقدم مادياً يسعى بقوة للوصول إلى المثال المطلوب في كل جوانب الحضارة المادية، ويبذل بسخاء في سبيل هذا الأمر، ومن أهم الوسائل التي تصل بالمجتمع إلى إتقان الحضارة واستيعابها لهو التدريب الذي ((يشكل مدخلاً رئيساً إلى تحسين إمكاناتنا الحالية، وتحسين أدائنا، وهو الوسيلة الفعالة في بلوغ الأهداف التي نرسمها.
إن من المجمع عليه الآن أن ما يتعلمه المرء وما يكتسبه من مهارات أهم بكثير مما ورثه عن آبائه من ذكاء وألمعية، فالتقدم العلمي الهائل وما أفرزه من وضعيات واعتبارات مختلفة جعل كل ما هو فطري ضئيلاً وقليل الجدوى في التعامل مع الأشياء والنظم المعقدة ...
إن الحاجة إلى التدريب تنبع مع اعتبارات عديدة، ونذكر منها:
١ - اكتساب معلومات جديدة:
عن المعلومات التي كانت بحوزة المدرس أو الموظف أو العامل قبل الانخراط في العمل تتآكل مع مرور الأيام، فيضيق نطاق المعرفة لديه، ويحتفظ بالحد الأدنى الذي يساعده على أداء مهمته على نحو قاصر أو شبه مقبول، إن
стр. 26
طول الخدمة يؤدي إلى التكرار والرتابة مما يقتل روح التجديد والاستمتاع بالعمل.
هذا وإن بإمكان التدريب أن يشعر المتدرب باكتساب معلومات ومهارات وطرق جديدة لا عهد له بها، كما أن بإمكانه أن ينعش معلومات ومعارفَ ذبلت ...
٢ - التدريب طريق الارتقاء:
إن الذين لا يشعرون بالحاجة إلى التدريب هم أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة، وكلما اقتربت الأمة من بؤرة الحياة المعاصرة شعرت أن حاجتها إلى التدريب والتطوير أشد، ولذا فمن غير المستغرب إن تكون أمريكا على رأس قائمة الدول المهتمة بالتدريب حيث تنفق عليه بسخاء بالغ، وتذكر بعض الإحصاءات أن أمريكا حكومة وشعباً تنفق على التدريب سنوياً ١٢٠ مليار دولار ...
ومن اللافت للانتباه أنه كان في أمريكا عام ١٩٥٨ (٣٢) محطة تلفازية تعُني بالتعليم والتدريب، ومعظم دولنا الإسلامية خالية من أية محطة تعليمية أو تدريبية إلى اليوم.
٣ - التدريب طريق استيعاب التقنية الحديثة:
التطور السريع الذي يعيش فيه العالم اليوم يوجد في كل ساعة آلات جديدة ومواد جديدة، يكشف ويبِّين قوانين
стр. 27
ونظماً جديدة، واستيعاب كل ذلك يحتاج إلى أن يسعى الناس إلى التدريب مهما كانت المشاق أو الأكلاف ... )) (١)
٤ - الثقة في النفس وقدراتها وطاقاتها:
ومن جوانب أهمية التدريب القصوى أنه يكسب الشخص المتدرب ثقة في نفسه، وقوة في انطلاقته لم يكن يجدهما في نفسه من قبل؛ إذ المرء مجبول على الخوف مما يوكل إليه ويُناط به، ويحسب لذلك حسابات متعددة، فإن دُرِّب على ماهو مقدم عليه فإنه يزول بذلك ما يجده في نفسه من تخوف وتحسس وجهود وقصور، ويقبل راضياً سعيداً على ما كلف به من أعمال مهما عظمت أهميتها وصَعُب القيام بها.
وما قصة موسى ﵊ التي سأذكرها بالتفصيل إن شاء الله تعالى في ثنايا البحث- إلا مثالاً واضحاً على أهمية التدريب للانطلاق والتطبيق؛ حيث دربه الله تعالى على مواجهة فرعون وكيفية استعمال العصا واليد، وطمأنه كل التطمين، فانطلق واثقاً قوياً ﷺ .
стр. 28
٥ - شمول التدريب لجوانب كثيرة في الحياة:
وهذه الجوانب المذكورة في الأهمية ليست قاصرة على أشياء محددة، لكنها تعم جوانب كثيرة وتشملها، فـ ((نحن بحاجة لمن يعلمنا فن الحوار وفن الصمت، ومن يعلمنا الكفَّ عن الإدمان على بعض الأشياء وبعض التصرفات، كما أننا بحاجة إلى من يدربنا على إدارة الوقت وإدارة أعمالنا عن طريق الهاتف وعن طريق الأهداف وطريق التفويض، ومن يدربنا على رسم الأهداف، وعلى التخلي عن النزعات العدوانية، ومن يدربنا على حل مشكلاتنا عن طريق التفاوض ومقايضة المصالح، ومن يدربنا على القراءة المثمرة والتفكير المبدع، وحين نحرز تقدماً على هذه الأصعدة فإننا سنجد أن معالم حياتنا كلها قد تغيرت، وصارت فرص النجاح والارتقاء أفضل بكثير مما هي عليه اليوم)) (١).
باعث التدريب:
ينبغي أن يعلم التدريب ينبعث الشعور بأهميته من الشخص نفسه، وليس في الحقيقة مفتقرأ للتوجيه- وإن كان التوجيه مطلوباً- فالمرء أعلم بنفسه وقدراته وما هو
стр. 29
عليه من علم وفهم ومهاراة، أو الضد من ذلك، فليس مقبولاً على الإطلاق أن يظل الشخص يراوح في مكانه ضعيفاً عاجزاً وهو يمكنه أن يخرج من ضعفه بتدريب مكثف في مدة زمنية مقبولة.
أعرف أحد الأئمة ممن يحبه الناس يقبلون عليه، وله من التأثير عليهم الشيء الكبير، وهو في الوقت نفسه صاحب روحانية وعاطفية إيمانية دافقة، لكن المشكلة التي يعاني منها كل المعاناة هو أنه لا يحسن الحديث بالفصحى كما ينبغي للإمام أن يكون، وهذه مشكلته - والله- منذ قرابة عشرين سنة، قيا أيها العقلاء: هل هذا معقول أو مقبول، وهل مثل هذا الشخص يحتاج لتوجيه حتى يتدرب على تخطي ضعفه اللغويّ هذا، على أنه قد وُجِّه مراراً كثيرة، فمثل هذا لو تدرب على إتقان اللغة ستة أشهر مثلاً لتخلص من هذه المشكلة للأبد، لكن يالَلَّ للمسلمين وعجزهم وضعفهم وعدم فهمهم أنه بتدريب يسير يتمكنون من صنع شيء كثير.
كم من الناس العقلاء من علم ضعفه وعرف علته، وانطلق يداويها بأنواع من التدريبات في دورات مكثفات قويات فإذا به منطلق مِعطاء منتج، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر، ومنها:
أعرف مديراً لمؤسسة كان يعاني من ضعف بل من
стр. 30
جهل تام بأصول برمجة الحواسيب، وقد وظف شخصين بمبلغ كبير نسبياً من أجل إقامة العمل الحاسبيّ، ثم فطن لنفسه والتحق بدورة حاسوبية مكثفة تعلم فيها الشيء الكثير، فإذا به ليس بمحتاج إلى من وظفهما، فقام بعملهما ووفر على نفسه المال.
هذا مثل لما ينبغي أن يكون عليه العاقل في شؤونه العامة، فلماذا لا يسعى الناس في الشؤون الدعوية والإيمانية سعَي هذا الرجل في عمله هذا الذي صنعه؟.
وهذه مؤسسة مهمة كبيرة، فيها موظفون كثر بعشرات الآلاف، ولهم إدراة تدير شؤونهم- كما هو شأن كل مؤسسة أخرى-، وفي هذه الإدارة قسم يشرف على تنسيق جداول بعض الموظفين المهمين، وعدد أولئك المشرفين قرابة مائتي موظف يشرفون على تنسيق جداول أولئك الموظفين المهمين البالغ عددهم قرابة ألف موظف، ويقسم لي بالله أحد الإخوة الثقات أن شركة كبرى في الخارج لها موظفون يماثلون في الأهمية الشريحة التي ذكرت، ويفوقونهم عدداً يشرف على تنسيق متنقل وهاتف جوَّال ... سبحان الله، ألا يعتبر المسؤولون في هذه الشركة بحال تلك الشركة التي استطاعت في ضوء تدريب متفوق قوي أن تختصر العدد الضخم من الموظفين إلى امرأة واحدة فقط،
стр. 31
لكن المشكلة أنه ليس هناك باعث داخلي قوي يحملهم على القيام بمثل هذا التدريب، أو أنهم لم ينتبهوا إلى حجم المشكلة التي يواجهونها حتى الآن، والله أعلم.
ولعل من أهم بواعث التدريب عند الشباب المسلم علمُه بما يوليه النصارى خاصة، وأعداء الإسلام كافة من اهتمام خاص بالتدريب، وذلك أمر يطول ذكره وتفصيله، ولكن حسبي أن أورد شيئاً موجزاً يكون كافياً في استقاء العبرة والعظة:
التدريب عند النصارى:
بلغ الغرب مبلغاً باهراً من الأخذ بالتدريب في كل شؤون الحياة، لكن ماحال التنصير، هل هو كذلك معتنى به تدريباً وتخطيطاً؟
إن النصارى لهم سبق واضح في هذا المجال، فهم لا يرسلون مبعوثاً من لدنهم إلى أي مكان حتى يدرِّبوه على كيفية التعامل مع من يرسل إليهم، وكيف يقيم كنيسة، وكيف يدير شؤونها، وكيف يتصل بأصحاب السلطة في البلد المرسل إليه، بل إنهم يدربون مبعوثيهم على كيفية التخاطب، ويعلمونه لغة أولئك الأقوام حتى يُحسن التعامل معهم، ويدربون مبعوثيهم على كيفية محاربة المسلمين والوقوف في وجه أنشطتهم.
стр. 32
إن أولئك المخططين للتنصير قد أعدو كتباً إرشادية فيها كل الخطوات اللازمة للتحرك والعمل في أرجاء الأرض، وهي متقنة تماماً ومعدة لتكون دليلاً تدريبياً إرشادياً لك مبعوث، وهي مطبوعة متداولة بلغات كثيرة.
قارن بين هذا وبين ما يجري عند أكثر مؤسساتنا الخيرية الإغاثية التي تكتفي بإرسال مايسمى بالدعاة إلى بلاد عديدة أكثرهم ليس له خبرة في كيفية التعامل مع بلاد عديدة أكثرهم ليس له خبرة في كيفية التعامل مع بلاد عديدة أكثرهم ليس له خبرة في كيفية التعامل مع الهيئات والشعوب التي يطمع في هدايتها وتقويمها، وليس معه جدول تفصيلي يرشده إلى ما يصنع هنالك، وهذه الهيئات لم تكلف نفسها وضع دليل إرشادي مفصل يدرب الدعاة هنالك ويأخذ بأيديهم، أقصى ما هنالك أن يرسل الداعية إلى مخيم معدِّ إعداداً جيداً مقتصراً على فئة محدودة جداً، لكن الحديث هنا عن الانفتاح على المجتمع والتأثير فيه والانتشار بين أفراده على صورة متهيأ لها متدرِّب عليها.
ولولا أن الله حافظ دينه وكتابه لما استطعنا - والله - أن نصنع شيئاً في دول إفريقيا وآسيا مقارنة بما يصنع أولئك، والله تعالى إن وكلنا إلى أنفسنا وكلنا إلى عجز وتقصير، والله المستعان.
ولابد أن يعلم أن المرء لانشغاله بأمور الحياة ومتطلباتها، ولا نهماكه في تحيق ما يصبو إليه، قد لا يتنبه
стр. 33
أنه في حاجة ماسة إلى تدريب يجدد له حياته، ويرفع من مهاراته وقدراته، فينبغي إذا أمران لا غنى عنها:
١ - أن تقوم الهيئات الدعوة، ووزارة الشؤون الإسلامية، ولكل مهتم بالعمل الإسلامي بإقامة الدورات اللازمة لتحسين العمل الإسلامي والانطلاق به إلى آفاق أرحب ومناح أوسع، ويكون ذلك شبه ملزم للدعاة وطبقات المخالطين للناس أمثال الأئمة والوعاظ ورجال الحسبة.
٢ - إن لم يكن مثل هذا الأمر فينبغي على الشخص أن يسعى ونفسه سعياً جاداً حتى يلتحق بما تيسر من دورات تدريبية حتى لو كانت في هيئة دليل إرشادي أو كتاب تدريبي لمن لم يتوفر له الوقت المناسب أو الدورات المناسبة.
إن لم يصنع الداعية هذا فسيجد أنه على كرور الأيام ومر الزمان قد ترهلت أفكاره، وهزلت حركته، وتَفُهَت أهافه، وصار ما يأتي به قديماً لا قيمة له تقريباً، وذلك أنه يجتر أفكاره ومشاريعه التي مضى عليها زمان طويل، ولم تَطُلْلها يد التغيير والإصلاح والتقويم.
ومن جوانب زرع باعث التدريب في النفوس أن يبين أمران:
стр. 34
١ - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فبعض الأعمال الدعوية القيام بها واجب، ويصبح التدرب عليها - إن تطلب ذلك تدريباً- واجب أيضاً، فإذا عُلم هذا فالنفوس تهرع إليه وتقوم به.
٢ - كل الجهد المبذول في التدريب وحضور الدورات وإتعاب الجسد وإنهاكه يقابل إن شاء الله تعالى بالحسنات العظام والدرجات الفِخام، فهذا أمر معلوم من دين الإسلام، لكن إن ارتبط في الأذهان بقضية التدريب فسيقبل الناس عليه بهمة ونشاط أكبر من ذي قبل، والله أعلم.
стр. 35
المطلب الثاني: وسائل التدريب
إن للتدريب وسائل متعددة تعدد الأفكار والمناهج والقدرات، وهو أوسع من أن يحاط به في صفحات، ولكن ما أورده هاهنا له تعلق واضح بالتدريب على العمل الإسلامي خاصة، وهذا هو مرادي من هذه الرسالة، وقد اصطفيت عدداً من الوسائل رأيت أنها - إن روعيت حق المراعاة - كافية في بابها إن شاء الله تعالى، فمن ذلك:
أولاً: إنشاء المؤسسات الخاصة بالتدريب الدعويّ العلميّ:
ويمكن إنشاؤها في الجامعات، ومراكز الدعوة، ومراكز هيآت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووزارة الشؤون الإسلامية، والمراكز التعاونية، ومراكز دعوة الجاليات إلخ ...
حيث يتولى التدريب في تلك المؤسسات علماء كبار
стр. 36
جمعوا إلى جانب العلم الحنكة والتجربة الطويلة، فيتقدمون عصارة جهدهم وخبرتهم الطويلة إلى الأجيال الجديدة.
وينبغي إلزام من يريد التصدر للدعوة - كُّلِّ في مجاله - بحضور دورات في تلك المؤسسات حتى تُصقل مواهبه، وينضبط عنده التلقي المقرون بالتدريب والتجربة، فيخرج إلى المجتمع وقد نضج، وارتقى العلم النظري الذي حازه إلى سُدة العمل التطبيقي الذي هو - في الحقيقة - ثمرة العلم.
إن النصارة الضالين أنشأوا مئات المؤسسات التي تدرب أتباعهم على الدعوة إلى باطلهم، ولا أعرف اليوم مؤسسة رسمية واحدة تدرب المسلمين على شؤون الدعوة، اقول: لا أعرف ولا أنفي الوجود إن وُجد، وهناك بعض المؤسسات التدريبية الخاصة عن بعض الجامعات سيأتي الحديث عنها قريباً إن شاء الله تعالى.
ثانياً: تضمين مناهج الجامعات والمعاهد والمدارس العليا قضايا التدريب على العمل الإسلاميّ:
إن تضمن التدريب في المناهج وجعلَه جزءاً أساسياً من المواد التي تلقى على الطالب لهو الضامن- بإذن الله تعالى - أن يخرج جيل قادر على حمل أعباء الدعوة الفعلية.
стр. 37
والناظر إلى خريجي الجامعات والمعاهد يجد أن قيلاً منهم يستطيع أن يتحدث ويخاطب الجمهور، أو إذا خاطبهم أن يكون مقنعاً سلسَ الأسلوب جَزل العبارة، ويجب ألا يُستعجل في إخراج الطلاب إلى المجتمع وهم ليسوا بعدُ مؤهلين للدعوة والتأثير، خاصة طلاب كليات الدعوة.
ويحضرني ثلاثة أمثلة لطيفة فيما يجب أن تكون عليه مناهجها الجامعات والمعاهد في مناهجها من الجمع بين التلقي والتدريب على الدعوة والتأثير، ألا وهي:
١ - جامعة الأزهر وكلية الدعوة فيها، حيث جاء في إحدى الجرائد تحت عنوان: كلية الدعوة وجدت الحل: ٢٠٠٠ طالب يتدربون على الصعود على المنابر، حيث قال المحرر: الدعوة علم وموهبة وفن، وقدرة على مخاطبة الناس على قدر عقولهم، وهناك المئات الذين يملكون الإيمان ولا يجيدون توصيله، يحفظون العلم ولكنهم يرتعدون عندما يصعدون منبر رسول الله ﷺ : كلية الدعوة بجامعة الأزهر وجدت حلاً للمشكلة؛ وذلك من خلال الجمع بين الثقافة الإسلامية المشفوعة بالدراسات النفسية والاجتماعية، وبين تدريب طلاب الكلية على الصعود على المنبر والحديث إلى الناس.
كلية الدعوة تتخذ الآن مقرها داخل المسجد، صحيح
стр. 38
أن طلاب العلم يلتمسونه منذ مئات السنين بجوار أعمدة الجوامع وجدران المساجد وأروقة بيوت الله، ولكن كان يتم هذا لأن المسجد هو المكان المتاح، وفي الوقت الحالي فإن الهدف الرئيسي هو تدريب الطلاب على العيش داخل بيوت الله وكسر هيبتهم من المنبر.
ثم ذكر أن عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر بيِّن أن قرابة ألفي طالب يتدربون ويدرسون بجامع الزهراء بمدينة نصر، في صحن المسجد ست قاعات للدرس، وبيَّن أن الكلية تدرب طلابها على الخطابة داخل المسجد ويجربونهم في مواقف عدة، ثم ذكر أن الداعية الناجح هو الذي يتحقق فيه - مع الإيمان بقضيته- المادة العلمية الغزيرة، ثم فنية الخطابة والقدرة على مخاطبة الناس بالكلمات والإيماءات (١).
٢ - وهناك مثال آخر أقوى وأفضل وأعظم أثراً، ألا وهو ما صنعته جامعة الإيمان اليمنية التي استطاع القائمون عليها أن يجعلوا التدريب العلميّ على الدعوة جزءاً أساسياً من المنهج الجامعي.
وإليكم معشر القراء الكرام بعض هذا المنهج الذي يدل على عناية واضحة بالتدريب العمليّ، حيث قسموه
стр. 39
قسمين: علم يدرس وتطبيق لهذا العلم، وقد تخيرت منه أجزاء مناسبة وتركت الباقي وإيثاراً للاختصار المؤدي إلى كمال العظة والأدِّكار:
أهداف المناهج:
أولاً: علوم الإيمان:
١ - أن يتعلم الطالب الأدلة الموصلة إلى الإيمان ومفهومه بجميع أركانه وشعبه وحقائقه في ضوء الكتاب والسنة وآيات الله المشهودة في الكون والآفاق والنفس، وعلى ضوء فهم الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان.
٢ - أن يتعلم الطالب مقومات الإيمان؛ فيدرس ما يتعلق بتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، والنبوَّات، والسمعيات (الغيبيات)، والقضاء والقدر بما يمكنه من معرفة الحق الذي أرشدت إليه النصوص واستقر عليه فهم السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان.
٣ - أن يعي الطالب أهمية الإيمان ومقتضياته وآثاره على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة من خلال تتبع الأسرار والحكم في نصوص الكتاب والسنة.
стр. 40
٤ - أن يكتسب الطالب بصيرة في معرفة الله تعالى وصفاته معرفة تورث المحبة والخشية والتوكل والإنابة وسائر العبادات القلبية والعلمية.
٥ - أن يتبرأ الطالب من الشرك بكل صوره وأشكاله، وأن يحب في الله ويبغض في الله، بحيث تتحقق فيه الغيرة على دينه وحرماته، وعلى أمته، وأن يكون مستعداً للتضحية في سبيل ذلك، وأن يقف في وجه أعداد الإسلام ويتصدى لمؤامراتهم.
٦ - أن يتمكن الطالب من فهم التطبيقات السليمة للإيمان، وأن يقوم بدراسة الفِرَق وتقويمها في ضوء الكتاب والسنة.
٧ - أن يعرف الطالب نواقض الإيمان، وشروط تحققها وأخطارها وما ترتب على ذلك.
٨ - أن يفهم الطالب شبهات خصوم الإسلام القديمة والحديثة، وأن يكون قادراً على تفنيدها.
٩ - أن يدرس الطالب منهج البحث في علوم الإيمان.