← Общие книги

Общие книги · id 36501

التدريب وأهميته في العمل الإسلامي

محمد بن موسى الشريف

Полный текст (193 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

جمعوا إلى جانب العلم الحنكة والتجربة الطويلة، فيتقدمون عصارة جهدهم وخبرتهم الطويلة إلى الأجيال الجديدة. وينبغي إلزام من يريد التصدر للدعوة - كُّلِّ في مجاله - بحضور دورات في تلك المؤسسات حتى تُصقل مواهبه، وينضبط عنده التلقي المقرون بالتدريب والتجربة، فيخرج إلى المجتمع وقد نضج، وارتقى العلم النظري الذي حازه إلى سُدة العمل التطبيقي الذي هو - في الحقيقة - ثمرة العلم. إن النصارة الضالين أنشأوا مئات المؤسسات التي تدرب أتباعهم على الدعوة إلى باطلهم، ولا أعرف اليوم مؤسسة رسمية واحدة تدرب المسلمين على شؤون الدعوة، اقول: لا أعرف ولا أنفي الوجود إن وُجد، وهناك بعض المؤسسات التدريبية الخاصة عن بعض الجامعات سيأتي الحديث عنها قريباً إن شاء الله تعالى. ثانياً: تضمين مناهج الجامعات والمعاهد والمدارس العليا قضايا التدريب على العمل الإسلاميّ: إن تضمن التدريب في المناهج وجعلَه جزءاً أساسياً من المواد التي تلقى على الطالب لهو الضامن- بإذن الله تعالى - أن يخرج جيل قادر على حمل أعباء الدعوة الفعلية.

стр. 37

والناظر إلى خريجي الجامعات والمعاهد يجد أن قيلاً منهم يستطيع أن يتحدث ويخاطب الجمهور، أو إذا خاطبهم أن يكون مقنعاً سلسَ الأسلوب جَزل العبارة، ويجب ألا يُستعجل في إخراج الطلاب إلى المجتمع وهم ليسوا بعدُ مؤهلين للدعوة والتأثير، خاصة طلاب كليات الدعوة. ويحضرني ثلاثة أمثلة لطيفة فيما يجب أن تكون عليه مناهجها الجامعات والمعاهد في مناهجها من الجمع بين التلقي والتدريب على الدعوة والتأثير، ألا وهي: ١ - جامعة الأزهر وكلية الدعوة فيها، حيث جاء في إحدى الجرائد تحت عنوان: كلية الدعوة وجدت الحل: ٢٠٠٠ طالب يتدربون على الصعود على المنابر، حيث قال المحرر: الدعوة علم وموهبة وفن، وقدرة على مخاطبة الناس على قدر عقولهم، وهناك المئات الذين يملكون الإيمان ولا يجيدون توصيله، يحفظون العلم ولكنهم يرتعدون عندما يصعدون منبر رسول الله ﷺ : كلية الدعوة بجامعة الأزهر وجدت حلاً للمشكلة؛ وذلك من خلال الجمع بين الثقافة الإسلامية المشفوعة بالدراسات النفسية والاجتماعية، وبين تدريب طلاب الكلية على الصعود على المنبر والحديث إلى الناس. كلية الدعوة تتخذ الآن مقرها داخل المسجد، صحيح

стр. 38

أن طلاب العلم يلتمسونه منذ مئات السنين بجوار أعمدة الجوامع وجدران المساجد وأروقة بيوت الله، ولكن كان يتم هذا لأن المسجد هو المكان المتاح، وفي الوقت الحالي فإن الهدف الرئيسي هو تدريب الطلاب على العيش داخل بيوت الله وكسر هيبتهم من المنبر. ثم ذكر أن عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر بيِّن أن قرابة ألفي طالب يتدربون ويدرسون بجامع الزهراء بمدينة نصر، في صحن المسجد ست قاعات للدرس، وبيَّن أن الكلية تدرب طلابها على الخطابة داخل المسجد ويجربونهم في مواقف عدة، ثم ذكر أن الداعية الناجح هو الذي يتحقق فيه - مع الإيمان بقضيته- المادة العلمية الغزيرة، ثم فنية الخطابة والقدرة على مخاطبة الناس بالكلمات والإيماءات (١). ٢ - وهناك مثال آخر أقوى وأفضل وأعظم أثراً، ألا وهو ما صنعته جامعة الإيمان اليمنية التي استطاع القائمون عليها أن يجعلوا التدريب العلميّ على الدعوة جزءاً أساسياً من المنهج الجامعي. وإليكم معشر القراء الكرام بعض هذا المنهج الذي يدل على عناية واضحة بالتدريب العمليّ، حيث قسموه

стр. 39

قسمين: علم يدرس وتطبيق لهذا العلم، وقد تخيرت منه أجزاء مناسبة وتركت الباقي وإيثاراً للاختصار المؤدي إلى كمال العظة والأدِّكار: أهداف المناهج: أولاً: علوم الإيمان: ١ - أن يتعلم الطالب الأدلة الموصلة إلى الإيمان ومفهومه بجميع أركانه وشعبه وحقائقه في ضوء الكتاب والسنة وآيات الله المشهودة في الكون والآفاق والنفس، وعلى ضوء فهم الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان. ٢ - أن يتعلم الطالب مقومات الإيمان؛ فيدرس ما يتعلق بتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، والنبوَّات، والسمعيات (الغيبيات)، والقضاء والقدر بما يمكنه من معرفة الحق الذي أرشدت إليه النصوص واستقر عليه فهم السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان. ٣ - أن يعي الطالب أهمية الإيمان ومقتضياته وآثاره على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة من خلال تتبع الأسرار والحكم في نصوص الكتاب والسنة.

стр. 40

٤ - أن يكتسب الطالب بصيرة في معرفة الله تعالى وصفاته معرفة تورث المحبة والخشية والتوكل والإنابة وسائر العبادات القلبية والعلمية. ٥ - أن يتبرأ الطالب من الشرك بكل صوره وأشكاله، وأن يحب في الله ويبغض في الله، بحيث تتحقق فيه الغيرة على دينه وحرماته، وعلى أمته، وأن يكون مستعداً للتضحية في سبيل ذلك، وأن يقف في وجه أعداد الإسلام ويتصدى لمؤامراتهم. ٦ - أن يتمكن الطالب من فهم التطبيقات السليمة للإيمان، وأن يقوم بدراسة الفِرَق وتقويمها في ضوء الكتاب والسنة. ٧ - أن يعرف الطالب نواقض الإيمان، وشروط تحققها وأخطارها وما ترتب على ذلك. ٨ - أن يفهم الطالب شبهات خصوم الإسلام القديمة والحديثة، وأن يكون قادراً على تفنيدها. ٩ - أن يدرس الطالب منهج البحث في علوم الإيمان.

стр. 41

الصور التطبيقية: ١ - أن يقوم الطالب بمراقة نفسه ومحاسبتها بشأن مقدار تحققه بالإيمان عملاً وحالاً من خلال تطبيقه لشب الإيمان يومياً حسب جدول المحاسبة الخاص به. ٢ - أن يقوم الطالب بإعداد البحوث وإقامة المحاضرات، والمشاركة في المناظرات والأنشطة العملية الأخرى المتعلقة بالإيمان. ٣ - أن يشارك الطالب في رحلات التفكر والنظر، وفي زيارات أكابر علماء المسلمين، والاستفادة منهم علماً وسَمْتاً وخلقاً، والتأدب معهم، وترتيب المحاضرات والندوات لهم. ٤ - أن يقوم الطالب بإعداد اللوحات والأشرطة المسموعة والمرئية، وجمع الوثائق والصور المتعلقة بالإيمان. ٥ - أن يقوم الطالب بزيارة القبور للاعتبار، وتذكر الآخرة. ٦ - أن يزور الطالب المكتبات ومراكز المعلومات والبحوث للاستفادة منها.

стр. 42

٧ - أن يحصر الطالب الانحرافات والأوهام المتعلقة بالإيمان، ويرسم خطة - بالتشاور مع مشايخه- للعمل على تصحيحها. ٨ - أن يقوم الطالب بدعوة الذين اضطرب إيمانهم لاستنقاذهم من ظلمات الشك إلى نور اليقين، ومحاجّة المصرِّين منهم لإقناعهم أو كشف أباطيلهم. ٩ - أن يجري الطالب من التجارب العلمية ما يدعم الإيمان. عاشراً (١): فقه الدعوة والإعلام: ١ - أن يفقه الطالب الآيات والأحاديث المتعلقة بالدعوة إلى الله تعالى ويحفظها. ٢ - أن يتعلم الطالب دعوات الرسل ومناهجهم في الدعوة إلى الله تعالى للاقتداء بهم. ٣ - أن يتعلم الطالب أصول الدعوة إلى الله ومناهجها وأساليبها ووسائلها قديماً وحديثاً، ومواقف الناس من الدعوة والدعاة.

стр. 43

٤ - أن يتعلم الطالب تاريخ الدعوة والدعاة والمصلحين ومناهجهم، وتقويم دعواتهم في ضوء الكتاب والسنة؛ لأخذ العبرة، واكتساب الخبرة، مع التزام الأدب والبعد عن التجريح. ٥ - أن يتعلم الطالب صفات الداعية الناجح ويتحلى بها. ٦ - أن يتعلم الطالب أدب الدعوة إلى الله وأدب الخلاف بين الدعاة، وحقوق الأخوة الإسلامية بين المسلمين، ووجوب التعاون على البر والتقوى فيما بينهم، وكيفية بيان الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والابتعاد عن التجريح والتعصب المذموم. ٧ - أن يتعلم الطالب أصول الخطابة والمحاضرة والمناظرة والمحاورة، وكيفية تنظيم وإدارة الحلقات والندوات والمؤتمرات. ٨ - أن يتعلم الطالب مفهوم الإعلام المعاصر ومقوماته ونظرياته ووسائله نظرياً وتطبيقاً، وأثره على المجتمع، وكشف أساليب الإعلام المعادي للإسلام.

стр. 44

٩ - أن تتكون لدى الطالب رؤية منهجية إسلامية في الإعلام تمكّنه من استخدامه في الدعوة إلى الله. ١٠ - في مرحلة التخصص: يتعلم الطالب نشأة وتاريخ وتطور الإعلام الإنساني عبر العصور، ويتوسع في دراسة مقومات الإعلام المعاصر ونظرياته ووسائله وتطبيقاته، والمنهج الإسلامي في الإعلام، وجهود علماء المسلمين والمختصين فيذلك، وأن يعد أبحاثاً لتطوير منهج للإعلام في الإسلام. ١١ - أن يتخصص الطالب في أحد التخصصات لآتية: (صحافة، الإذاعة المسموعة والمرئية، علاقات عامة). ١٢ - أن يدرس الطالب خصائص الرأي العام وطرق التأثير عليه. الصور التطبيقية لفقه الدعوة: ١ - أن يقوم بإلقاء الخطب والمواعظ وخطب الجمعة والعيدين وغيرهما. ٢ - أن يخرج الطالب في رحلات فردية وجماعية للدعوة والبلاغ.

стр. 45

٣ - أن يمارس الدعوة في أهله وعشيرته الأقربين والمجتمع. ٤ - أن يستخدم الطالب وسائل البلاغ والدعوة والإعلام. ٥ - أن يشارك في الندوات والمحاضرات والمحاورات والمناظرات والمؤتمرات الدعوية، وأن يسهم في إداراتها وتنظيمها. ٦ - أن يشارك في الجمعيات والمؤسسات والهيئات الدعوية، وأن يقدم نماذج ومشروعات عملية لتطويرها. ٧ - أن يقوم بالدعوة في صفوف غير المسلمين المقيمين في البلاد أو الزائرين لها. ٨ - أن يتابع أحوال الدعوة والدعاة في العالم ويقدم التقارير والبحوث والندوات والمحاضرات بشأن ذلك. ٩ - في مرحلة التخصص: يقوم الطالب بإقامة علاقات أخوية مع جميع أصحاب الدعوات الإسلامية الداعية إلى الكتاب والسنة، وذلك عن طريق

стр. 46

تقديم الهدايا والنصائح والمشاركة في مشروعاتهم الخيرية ومناسباتهم الاجتماعية، والعمل على التواصل وتضييق جوانب الخلاف. ١٠ - في مرحلة التخصص: يقيم الطالب المحاورات والمناظرات مع أئمة الضلال وأتباعهم لدحض شبهاتهم وأباطيلهم، واستنقاذهم من الضلال. حادي عشر: حاضر العالم الإسلامي وحركات التجديد: أولاً: في المرحلة العامة: ١ - أن يتعرف الطالب على جغرافية العالم الإسلامي. ٢ - أن يتعرف على العوامل التي أدت إلى سقوط الخلافة الإسلامية وظهور الدوريلات ذات النزعة القومية والشعوبية. ٣ - أن يتعرف على الحركات الشعوبية والقومية في العالم الإسلامي وأهدافها وأسباب ظهورها وأثارها السلبية على الأفراد والمجتمعات، وارتباطها بحركة الاستعمار. ٤ - أن يتعرف على صور وأساليب الغزو الفكري

стр. 47

والخلقي اليهودي والصليبي والإلحادي للعالم الإسلامي عبر المؤسسات الماسونية والتنصيرية والاستشراقية والأحزاب العلمانية وغيرها. ٥ - أن يتعرف على مظاهر التبعية السياسية والاقتصادية والتشريعية والتربوية والعسكرية والثقافية والاجتماعية للاستعمار في العالم الإسلامي. ٦ - أن يتعرف الطالب على سبل النهوض بالأمة الإسلامية في شتى جوانب الحياة. ٧ - أن يتعرف الطالب على أهم الاتجاهات والهيئات والحركات التجديدية الإسلامية: أهدافها، ووسائلها، وتأثيراتها. ٨ - أن يفهم الطالب أن وحدة المسلمين القائمة على الالتزام بالإسلام أهم سبل النهوض بالأمة الإسلامية. ٩ - أن يتعرف الطالب على مقومات الوحدة بين المسلمين. ١٠ - أن يفهم الطالب أن انهيار الاتحاد السوفياتي منذر بسقوط الحضارة الغربية.

стр. 48

ثانياً: في مرحلة التخصص: ١ - أن يدرس الطالب جوانب التكامل الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والعسكري في العالم الإسلامي. ٢ - أن يدرس الطالب الحركات الهدامة المحلية والعالمية وأهدافها ووسائلها وآثارها وكيفية مواجهتها. ٣ - أن يدرس الطالب مناهج بعض المفكرين الغربيين مقارنة منهج التفكير عند المسلمين. ٤ - أن يدرس الطالب المؤمرات على الإسلام والمسلمين من خلال عدد من القضايا الملتهبة في العالم الإسلامي مثل فلسطين، البلقان، الصومال، كشمير، وغيرها، والعوامل المؤدية للنصر. ٥ - أن يدرس الطالب أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي وآثاره الإقليمية والعالمية وكيفية الاستفادة من مخلفاته في نهضة المسلمين. الصور التطبيقية: ١ - أن يتتبع الطالب أخبار المسلمين ويشارك في شرح وإيضاح واقع المسلمين من خلال إقامة

стр. 49

المعارض والندوات والمؤتمرات ونحوها. ٢ - أن يكتب الطالب أبحاثاً نظرية وميدانية تتعلق بواقع المسلمين ومستقبلهم. ٣ - أن يكتب الطالب مذكرات تعريفية بالشخصيات والهيئات التي تسعى لوحدة المسلمين وخدمة قضاياهم ويتعاون معهم. ٤ - أن يدعو بالكتابة والخطابة وبأي فعاليات أخرى لإقامة هيئات إغاثة إسلامية لدعم المسلمين المحتاجين، ويشارك في أعمالها. ٥ - أن يزور بعض المناطق الإسلامية ويتعرف على واقعها ميدانياً. ٦ - أن يزور بعض المراكز المتخصصة في دراسة أوضاع المسلمين الحالية والمستقبلية. ٧ - أن يشارك الطالب في الصحف والمجلات الإسلامية العالمية. ٨ - أن يشاهد بعض الأفلام والشرائح التي تعرف بواقع المسلمين. ٩ - أن يقوم بنماذج عملية لشركات ومؤسسات علمية

стр. 50

واقتصادية وصناعية وتقنية تسهم في نهضة المسلمين ورقيهم في ضوء معطيات العلوم التجريبية والأبحاث النظرية. هذه - أخي القارئ الكريم - صورة جميلة لما ينبغي أن تكون عليه الدراسة في الجامعات الإسلامية، والدراسة - وإن طالت بهذا الاعتبار- فطولها هذا مثمر نافع، وما الذي استفدناه من مئات آلاف من المتخرجين الذين ما أفاد أكثرهم الأمة إفادة مرجوة صحيحة؟ ٣ - والمثال الثالث الذي يحمل صبغة العالمية والقوة هو: كلية الدعوة في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد: هذه الكلية تُعنى ببرامج التدريب عناية واضحة، وقد جاء في برنامجهم التعريفي مايلي: ((التعليم والتدريب وظيفتان مهمتان من وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وبالتالي فإن كل معهد ومسجد ومدرسة أسس في تاريخنا كان الغرض منه أعم من مجرد إلقاء المعلومات أو ممارسة العبادات، لكن بالإضافة إلى هذين الارتقاء بالنوع الإنسانيَ بالتدريب (التربية) ... )). وذكر المسؤولون عن هذه الكلية أن من أغراضهم - في جانب التدريب- ما يلي:

стр. 51

١ - وضع برامج تدريبية للأئمة، وقادة المجتمع وأمثالهم من أصحاب الوظائف الاجتماعية. ٢ - وضع مناهج حديثة وطرق للدعوة وتدريب الأئمة وقادة المجتمع وغيرهم. ٣ - الانفتاح على المجتمع، وذلك بالاعتناء بمصلي مسجد الملك فيصل القريب من الكلية، بوضع كتب أدب الأطفال، ووضع برامج انتساب للعامة، وأيضاً بالدراسات والأبحاث التي يجرونها، وغير ذلك. ثم إنهم وضعوا برامج مفصلة لما سبق ذكره وغيره. ومما يبدو- في ضوء العرض الذي عُرض- أن هذه الكلية لبنة جيدة في المجتمع، هذا وقد أنشئت منذ خمسة عشر عاماً، وهي مستمرة في العطاء، ومن أهدافها التعاون مع الجامعات والكليات المماثلة في العالم كله، نسأل الله لها التوفيق (١) (٢).

стр. 52

ثالثاً: الاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة: وذلك نحو الشبكات الداخلية الحاسوبية (الإنترانت) والشبكات الحاسوبية العامة (الإنترنت)، والقنوات الفضائية الإسلامية والثقافية الجادة، وقنوات الإذاعات المسموعة، فلو بثت كل تلك الوسائل المرئية والمسموعة مواد مبرمجة مرتبة عن كيفيات مختلفة متعددة للعمل الإسلاميّ بطرائق علمية مدروسة من كبار العلماء والمفكرين، لعاد ذلك بالخير العظيم على العمل الإسلامي في جميع بقاع الأرض. إن تلك الوسائل تتميز بالانتشار الواسع مما يجعلها وسيلة جادة علمية لنقل الخبرة والتجربة إلى قطاع واسع من الجماهير المتعطشة للعمل الإسلامي العام الجادّ. إن في أنحاء العالم كله جماهيرَ تتَحرق لتعرف كيف تدعو إلى الله تعالى، وكيف تُنشئ مؤسسات إعلامية إسلامية، وكيف تنشئ أو تساهم في إنشاء أعمال اقتصادية قائمة على مبادئ الإسلام، وهي متعطشة للمعرفة والثقافة الإسلامية الصحيحة النافعة، وهلمَّ جرّا، فكم إذاً يكون من المفيد أن نقدم لها البرامج التدريبية النافعة التي تساهم في تعميق الحس الإسلامي لديها، ومن ثم تحويله إلى قوة متمثلة في مؤسسات متعددة الأغراض تساهم في إنشاء المجتمع الإسلامي الصحيح.

стр. 53

إن الغفلة عن تلك الجماهير أورثت ضلالاً واضحاً في تصرفاتهم- وما مثال الجزائر عنا ببعيد - إذ لم يجدوا أمامهم إلا افهاماً مغلوطة وفتاوى جاهلة، أوردتهم موارد كانوا في غنى عنها، وتأخر العمل الإسلامي بسبب ذلك تأخراً واضحاً. وإذا نظرنا اليوم إلى تعطش الجمهور لما يعرض في القنوات الفضائية من بعض البرامج الناجحة قرآنية كانت أو فكرية أو ثقافية، إذا نظرنا إلى هذا الأمر علمنا الحاجة الماسة إلى إلقاء برامج على الجمهور هي أمسُّ بحاجتهم وأقرب إلى واقعهم وآمالهم. قضايا تُراعى في التدريب: إن هناك عدداً من الاعتبارات التي يجب أن تراعى في العملية التدريبية حتى يضُمن لها النجاح، ويُرجى لها الفاعلية والقوة، فمن ذلك: ١ - إلقاء معلومات محصورة محددة كماً ونوعاً سهلةَ الحفظ والتطبيق: هذه قضية على غاية من الأهمية؛ إذ المشكلة أن المقبل على قضايا الدعوة يجبد أن البون بينه وبين فهمها واستيعابها شائع، وعندما يريد ممارستها فإنه يعجز لكثرة ما يلقى عليه منها وتنوعه وشموله.

стр. 54

ففي هذه الحالة يحسن به وبمن معه ويجمل أن يؤخذ هذا المقبل بقضايا محددة يُدرب عليها وعلى تحملها واكتسابها، ولعل كثيراً من الإحباط واليأس الذي قد يطرا على الداعية المبتدئ إنما يكون بإغفال هذا الأمر المهم والقفز فوقه. ولقد عرف أسلافنا أهمية الاقتصار على شيء محدد مفهوم بادئ الأمر والتزامه حتى يُعقل ويفهم، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: ((من القوم؟)) أو ((من الوفد؟)) قالوا: ربيعة. قال: ((مرحباً بالقوم - أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى)) فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مُضَر فمُرنا بأمر فَضل نخبر به مَن وراءنا وندخل به الجنة ... )). فهذا الوفد المبارك العاقل سأل النبي ﷺ إلى طلبهم ونبَّههم إلى بعض أصول وفروع الشريعة (١).

стр. 55

ولما أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال له: ((ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)) (١). فهذه أمور متدرجة تدرجاً عقلياً صحيحاً، وهي في الوقت نفسه مطالب واضحة محددة كماً ونوعاً. ٢ - الوضوح في المهمة المطلوبة: إن من المشكلات عند كثير من الدعاة هو عدم فهمهم للمهمة الملقاة على عاتقهم، وعدم معرفتهم بحدود مسؤولياتها في كثير من الأحيان، فتجد الشخص يريد أن يدعو إلى الله تعالى ويتحمس لذلك أشد الحماس لكنه لا يعرف كيف يبدأ ولا متى يبدأ، ولم يجد أحداً يوضح له الطريق على وجه تفصيلي دقيق.

стр. 56

ولما أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن لم يَرْض إلا أن يستخبر منه كيف يقضي، فقال له: ((كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟)) قال: بما في كتاب الله. قال: ((فإن لم يكن في كتاب الله؟)) قال: فبسنة رسول الله ﷺ . قال: ((فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ ؟)) قال أجتهد رأيي، لا آلو (١). قال: فضرب رسول الله ﷺ صدري، ثم قال: ((الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول الله ﷺ لما يرضى رسول الله ﷺ )) (٢). فالنبي ﷺ أرسل معاذا لمهمة محددة بعد أن علَّمه ماذا يصنع، وكيف يعمل إن عرض له أمر يقتضي منه التصرف، فهذا هو عين الحكمة وكمالها، وهو في الوقت نفسه غاية الوضوح والظهور. أذكر أن أحد الأشخاص أراد أن يدعو إلى الله تعالى، ولما سأل أحد الدعاة الآخرين أشار عليه بأن يذهب

стр. 57

إلى فلان الداعية فهو الذي يعرف كيف يدُعى إلى الله تعالى، ولما ذهب إلى ذلك المشار إليه أخبره أنه لا يكاد يعرف شيئأً عن تفصيلات وكيفيات الدعوة، وهكذا ظل صاحبنا في حلقة مفرغة لا يعرف كيف يخرج منها، وهو وإن قصر في البحث والتنقيب لكن تبقى مسؤولية الداعية القديم في الإرشاد والتوجيه الواضحين. وآخر في جمعية خيرية طُلب منه أن يشارك في نشاطها، فلما سأل: كيف أصنع؟ قيل له: تصرف! فذكر أنه ليس عنده خبرة، فقيل له: الخبرة تُدرك بالعمل ... إلى آخر هذه العبارات التي لا تغني في الحقيقة شيئاً، ولا تفيد العمل الدعويّ الخيريّ التطوعيّ في شيء، وتعود على الشخص بأسوأ الأثر إلا أن يتدراكه الله برحمة منه وفضل. وذهب داعية مبتدئ غافل عن وسائل الدعوة وطرائقها إلى داعية قديم يرجو عنده الرُّشد والدلالة، فجرى بينهما الحوار الآتي: - أنا أعمل في دائرة كذا وأحتاج إلى مساعدة بعض الدعاة حتى نحقق ما يرضي الله عنا ونساهم في عودة الناس إلى الله. - الأمر سهل، ولا يحتاج إلى معونة أحد، فابذل جهدك.

стр. 58

- كيف وقد تكاثرت علي الأعمال ولا أجد عوناً ولا نصيراً، وأنا كذلك لا أعرف الطريقة المناسبة للدعوة، فأنا مبتدئ. - إن لم تستطع الدعوة فاتركها في تلك الدائرة. - لكنك تعرف من يستطيع مساعدتي، وأنا أرجو بهم أن أحقق مكاسب دعوية إيمانية ثمينة، والناس مقبلون على الخير. - لقد أضجرتني، ما عندي إلا ما قلته لك، فإما أن تدعو منفرداً وإما أن تترك، هذا ما عندي ولا تعد إلى هذا الموضوع. والمصيبة هاهنا الداعية المقبل كان يرجو أ، يلقى العون ممن سأله إياه، لكنه وُوجه بهذا الصدِّ فقضى على آماله ورغبته في الدعوة، وهذا إن لم يتداركه الله بفضل منه ورحمة يحصل له ما لا تُحمد عقباه. وهذا الداعية المقصود عوض أن يدرب السائل أو يرشده أو يعاونه واجهه بهذا الصدِّ المنكر الذي لا يغني في الحقيقة شيئاً ولا يثمر نفعاً.

стр. 59

المبحث الثاني تأصيل التدريب من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح المطلب الأول: تأصيل التدريب من صنيع الله تعالى مع أنبيائه ورسله إن الله ﵎ أرسل رسلاً إلى أقوامهم، وأمرهم بالإنذار والتبشير، وعلم سبحانه أن هؤلاء الرسل سيواجهون شدائد ومصاعب، وسيقف الطغاة في وجوههم، وأنهم سيكونون في حاجة ماسة إلى معونة من لدنه ﵎ تساعدهم في مهمتهم الشاقة الجسمية. والمتأمل لصنيع الله تعالى مع أنبيائه -مما نقرأه في كتاب الله تعالى أو مما نعمله من سنة رسوله ﷺ يعجب لهذا الإعداد الدقيق والتدريب العميق، ويستفيد بذلك أهمية أن يتدرب على أمور كثيرة اقتداءً بهذا الصنيع الإلهيّ

стр. 60

العجيب؛ إذ أن هذه الأخبار التي وصلت إلينا المراد منها الاقتداء والاتعاظ، وحاولة الاستفادة منها في واقعنا المعاصر، مع ما يراد من سوقها إلى الناس من التعبد بها إن كانت آيات كريمات. هذا ومن طرائق التدريب التي وقفت عليها ما يلي: أولاً: جعلهم رعاة للغنم: وذلك كي يسوسوا بعد ذلك أممهم كما تُساس الغنم بالصبر والجَلَد عليها: فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم)). فقال أصحابه: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط (١) لأهل مكة)) (٢)

стр. 61

قال ابن حجر (١) رحمه الله تعالى: ((قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلَّفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعتها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كُلفوا القيام بذلك من أو وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم. وخُصت الغنم بذلك لكونها أضعفَ من غيرها، ولأن

стр. 62

تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها (١) في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقياداً من غيرها ... )) (٢). ثانياً: العزلة قبل البعثة: إن الأمور العظيمة الضخمة تحتاج إلى تهيئة وإعداد كبيرين قبل الإقدام عليها، ومن ذلك الإعداد العزلة الوقتية التي يحتاجها كل من يريد أن يجمع شتات أمره، ويحزم أمره، ويصل على أمر فاصل ورأي ناضج فيما يريد أن يقدم عليه. والله ﵎ عليم أن نبيه محمداً ﷺ مقدم على أمر عظيم جليل خطير، فحبَّب إليه العزلة ورغَّبه فيها، فكان يتعبد بحراء ليالي ذوات عدد، منفرداً وحيداً قبل أن يَفْجَأه جبريل ﵇ بالرسالة العظيمة. قال الأستاذ سيد رحمه الله تعالى: ((وكان اختياره ﷺ لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله له ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم. ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه، ويخلص من زحمة الحياة وشواغلها

стр. 63

الصغيرة؛ ويفرغ لموحيات الكون، ودلائل الإبداع؛ وتسبح روحه مع روح الوجود؛ وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال؛ وتتعامل مع الحقيقة الكبرى وتمرن على التعامل معها في إدراك وفهم. ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض، وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة. لابد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة؛ فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له، فلا تحاول تغييره. أما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع! وهكذا دبَّر الله لمحمد ﷺ وهو يعدُّه لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ .. دبَّر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات. ينطلق في هذه العزلة شهراً من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد

стр. 64

التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله)) (١). وهذا موسى ﵊ يأمره ربه بالاستعداد للقائه بالاعتزال أربعين يوماً. قال الأستاذ سيد رحمه الله تعالى: ((كانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة أضيفت إليها عشر، فبلغت عدَّتها أربعين ليلة يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود، وينعزل فيها عن شواغل الأرض ليستغرق فيها في الخالق الجليل، وتصفو روحه وتستشف وتستضيء، وتتقوى عزيمته على مواجهة الموفق المرتقب وحمل الرسالة الموعودة)) (٢). ثالثاً: الصلاة الطويلة الشاقة نحو قيام الليل: إن الله ﵎ أعدَّ نبيه ﷺ للمهمات الثقيلة التي سيقبل عليها بقيام الليل والتطويل فيه، وبالتدريب على المشاق التي تخالط هذا القيام حتى يستطيع أن يواجه أعباء الدعوة بعد ذلك وهو قد اعتاد المشاق وتدرَّب على تذليل الصعاب. قال الأستاذ سيد رحمه الله تعالى شارحاً قوله تعالى: (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قيلاً * نصفه أو أنقص منه

стр. 65

قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً). قال: ((قيل لرسول الله ﷺ : ((قم))، فقام، وظل قائماً بعدها أكثر من عشرين عاماً! لم يسترح، ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله، قام وظل قائماً على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به: عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى. حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها، المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها، حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر، بل معارك متلاحقة مع أعداء دعوة الله المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها، الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها، قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء، وتطلل مساحات أخرى. ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعدّ لهذه الأمة الجديدة وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية.

стр. 66

وفي أثناء هذا كله لم تكن المعركة الأولى - معركة الضمير - قد انتهت؛ فهي معركة خالدة، الشيطان صاحبها؛ وهو لا يني لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني، ومحمد ﷺ قائم على دعوة الله هناك - وعلى المعركة الدائبة في ميادينها المتفرقة - في شظف من العيش والدنيا مقبلة عليه، وفي جهد وكدِّ والمؤمنون يستروحون من حوله ظلال الأمن والراحة، وفي نصب دائم لا ينقطع، وفي صبر جميل على هذا كله، وفي قيام الليل، وفي عبادة لربه، وترتيل لقرآنه وتبتل إليه، كما أمره أن يفعل وهو يناديه: (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قيلاً * نصفه أو أنقص منه قيلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً * إن لك في النهار سبحاً طويلاً * وأذكر إسم ربك وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فأتخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا). وهكذا قام محمد ﷺ وهكذا عاش في المعركة الذائبة المستمرة أكثر من عشرين عاماً، لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد، منذ أن سمع النداء العلوي الجليل وتلقى منه التكليف الرهيب، جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء ... (يا أيها المزمل * قم) .. إنها دعوة السماء، وصوت

стр. 67

الكبير المتعال، قم .. قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك، قم للجهد والنصب والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد. إنها لكلمة عظيمة رهيبة تنتزعه ﷺ من دفء الفراش، في البيت الهادئ والحضن الدافئ لتدفع به في الخِضمّ، بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء. إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً، ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً. فأما الكبر الذي يحمل هذا العبء الكبير فما له والنوم؟ وما له والراحة؟ وماله والفراش الدافئ، والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح؟! ولقد عرف رسول الله ﷺ حقيقة الأمر وقدّره، فقال لخديجة ﵂ وهي تدعوه أن يطمئن وينام: ((مضى عهد النوم يا خديجة))! أجل .. مضى عهد النوم وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق! (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قيلاً * نصفه أو أنقص منه قيلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً). إنه الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة: قيام الليل، أكثره: أكثر من نصف الليل ودون

стр. 68

ثلثيه، وأقله: ثلث الليل. وكان هذا الإعداد للقول الثقيل الذي سينزله الله عليه: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) هو هذا القرآن وما وراءه من التكليف، والقرآن في مبناه ليس ثقيلاً فهو ميسر للذكر، ولكنه ثقيل في ميزان الحق، ثقيل في أثره في القلب: (لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) فأنزله الله على قبل أثبت من الجبل يتلقاه .. وإن تلقي هذا الفيض من النور والمعرفة واستيعابه لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن التعامل مع الحقائق الكونية الكبرى المجردة لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن الاتصال بالملأ الأعلى وبروح الوجود وأرواح الخلائق الحية والجامدة على النحو الذي تهيأ لرسول الله ﷺ لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن الاستقامة على هذا الأمر بلا تردُّد ولا ارتياب، ولا تلفُّت هنا أو هناك وراء الهواتف والجواذب والمعوقات لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غَبَش الحياة اليومية وسِفْسافها؛ والاتصال بالله، وتلقي فيضه

стр. 69

ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة؛ واستقبال وإشاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي .. إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير. (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا). (إن ناشئة الليل) هي ما ينسأ منه بعد العشاء؛ والآية تقول: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا) أي أجهد للبدن، (وأقوم قيلا): أي أثبت في الخير كما قال مجاهد، فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش، بعد كدِّ النهار أشد وطأً وأجهد للبدن؛ ولكنها إعلان لسيطرة الروح، واستجابة لدعوة الله، وإيثار للأنس به، ومن ثَمّ فإنها أقوم قيلاّ؛ لأن للذكر فيها حلاوته، وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة فيها شفافيتها. وإنها لتسكب في القلب أنساً وراحة وشفافية ونوراً، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره، والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحاً

стр. 70

واستعداداً وتهيؤاً، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيراً فيه. والله سبحانه وهو يعد عبده ورسوله محمداً ﷺ ليتلقى القول الثقيل، وينهض بالعبء الجسيم اختار له قيام الليل؛ لأن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً، ولأن له في النهار مشاغله ونشاطه الذي يستغرق كثيراً من الطاقة والالتفات ... )) (١). وهذا الذي درب الله تعالى أنبياءه عليه صالح لأن يدرب عليه الدعاة والصالحون إلى آخر الزمان، فالمنهج واحد والعقبات متشابهة متقاربة، وقد بين الأستاذ سيد رحمه الله تعالى هذا الأمر أحسن تبيين في تفسيره لقوله تعالى (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) (٢) حيث قال رحمه الله تعالى: ((هذا هو الزاد، اذكر اسم ربك في الصباح والمساء، واسجد له بالليل وسبحه طويلاً، إنه الاتصال بالمصدر الذي نزل عليك القرآن وكلفك بالدعوة، هو ينبوع القوة ومصدر الزاد والمدد: الاتصال به ذكراً وعبادة ودعاء وتسبيحاً ليلاً طويلاً، فالطريق طويل والعبء ثقيل ولا بد

стр. 71

من الزاد الكثير والمدد الكبير، وهو هناك حيث يلتقي العبد بربه في خلوة وفي نجاء، وفي تطلع وفي أنس، تفيض منه الراحة على التعب والضنى، وتفيض منه القوة على الضعف والقلة، وحيث تنفض الروح عنها صغائر المشاعر والشواغل، وترى عظمة التكليف وضخامة الأمانة فتستصغر ما لاقت وما تلاقي من أشواك الطريق. إن الله رحيم كلف عبده الدعوة ونزل عليه القرآن، وعرف متاعب العبء وأشواك الطريق، فلم يدع نبيه ﷺ بلا عون أو مدد، وهذا هو المدد الذي يعلم سبحانه أنه هو الزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في تلك الطريق الشائك، وهو هو زاد أصحاب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل، فهي دعوة واحدة، ملابساتها واحدة، وموقف الباطل منها واحد، وأسباب هذا الموقف واحدة ووسائل الباطل منها واحد، وأسباب هذا الموقف واحدة، ووسائل الباطل هي ذاتها وسائله، فلتكن وسائل الحق هي الوسائل التي علم الله أنها وسائل هذا الطريق. والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيه أصحاب الدعوة إلى الله هي هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى ﷺ ، هي أن التكليف بهذه الدعوة ينزل من عند الله فهو صاحبها، وأن الحق الذي تنزلت به لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار؛ فلا سبيل إلى التعاون بين حقها وباطلهم أو الالتقاء في منتصف الطريق

стр. 72

بين القائم على الحق والقائمين على الباطل، فهما نهجان مختلفان وطريقان لا يلتقيان. فأما حين يغلب الباطل قوته وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم لحمة يراها الله، فالصبر حتى يأتي الله بحكمه، والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح ليلاً طويلاً هي الزاد المضمون لهذا الطريق. إنها حقيقة كبرى لا بد أن يدركها ويعيش فها رواد هذا الطريق)) (١). رابعاً: التدريب على مواجهة الطغاة: إن الله تعالى كلف رسله عليهم الصلاة والسلام الإبلاغ والإنذار، وساعدهم على هذا بمعجزات وأسعفهم بآيات بينات، ولقد أعد الله تعالى بعض أنبيائه فتربوا على التعامل مع هذه المعجزات. وليس أعظم ولا أدل على هذا من قصة موسى ﵊، فالله تبارك تعالى أرسله إلى أمتي القبط وبني إسرائيل، وهي مهمة صعبة ولا شك، كلن الله تعالى أعانه فدرَّبه قبل الرسالة وأثناءها، إذ مرَّت عليه أحداث جسام قبل الرسالة صقلته وهيَّأته، ولعل أبرز ما هيَّاه الله

стр. 73

تعالى به السنوات التي قضاها عند شعيب ﵊. ثم إن الله تعالى اصطفاه في مشهد مهيب بطريقة لم تتكرر في عظمتها ومهابتها وقوَّتها لنبي آخر، وكان في هذا حكماً كثيرة، منها - والله أعلم - تدريبه ليواجه هيبة فرعون وصورته التي تصوَّر عليها من العظمة والطغيان. ثم إن اله تعالى درَّبه على موجهة فرعون تدرياً كافياً شاملاً للمهمة التي أرسله من أجلها ﷻ ، والمتأمل لقصته في كتاب الله تعالى يعلم هذا، فقد قال ﷻ : (وما تلك بيمينك ياموسى * قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مئارب أخرى * قال ألقها ياموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى * وأضمم يدرك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ءاية أخرى * لنريك من ءايتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون إنه طغى) (١). أليس إلقاؤه العصا وتحوّلها إلى حية أمام ناظريه نوعاً من التدريب على مواجة رهبة الموقف قبل حدوثه،

стр. 74

وكذلك الحال - أيضاً - في ضم موسى يدَه إلى جناحه وظهور عظيم بياضها ونورها الآدم شديد السمرة ﷺ . والله ﵎ كان قادراً على تثبيت موسى لأول وهلة، لكن من الحكم في هذا الصنيع هو أن ندرك أن الله سنناً في كونه يجب احترامها والتدريب على التعامل معها. ثم إن الله تعالى جرَأ نبيَّه موسى ﵊ على مواجهة الطاغية وماذا يقول له وكيف يرد، فقال: (فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى) (١). وطمأنه تعلى بقوله: (إنني معكما أسمع وأرى) (٢)، (قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بئاياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) (٣). فهل بعد هذا التدريب تدريب؟! خامساً: مواقف مختلفة: ومن المواقف التدريبية في كتاب الله تعالى - أيضاً - ما علمه رسول محمداً ﷺ من كيفية الإجابة على الأسئلة المستقبلية، فمن ذلك:

стр. 75

(سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (١). (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخدوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا * قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليما) (٢). وهذه الإجابات على الأسئلة المستقبلية فيها تثبيت وطمئنان، وفيها تدريب على مواجهة المواقف الحرجة الصعبة. ومن ذلك ما جاء في قضية داود ﵇، فقد أرشده الله تعالى وبيَّن له كيف يصنع الدروع حتى يتدرب عليها ويحسن صنعها، فقال جل من قائل: ( .. وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد وأعملوا صالحاً) (٣).
следующие страницы →