واقعية هذا البحث:
قد عرضت في الصفحات الماضية النوازع المختلفة التي تتأجّج في نفس المسلم الغيور، وأَوضحُ بأن تحقيق الاتستجابة لنازع أو اثنين أمر قد يكون ميسوراً، ولكن كيف السبيل لتحقيقها كلها أو غالبها فيصير الإنسان قدوة؟
وقبل أن أجيب على هذا السؤال هناك سؤال آخر يدور بخلد الكثيرين، وهو مدى واقعية هذا المبحث وإمكانية تحققه في هذه الحياة المعقدة كثيرة المطالب.
ولابدّ قبل الإجابة على هذا السؤال التوضيح بأن
стр. 72
هذا الكتاب كله لم يصنف لقاعدي الهمّة، أو للمحبَطين اليائسين الذين من صميم عملهم إحباط أي فكرة متفائلة أو عل الأقل الغضّ من شأنها، إنما وضع هذا الكتاب لمن هو عالي الهمة، قويّ الإرادة، ترى بريق العزم في عينيه، ويفصح لسانه عن مخبوء صدره وعقله، فإن كنت من هذا الفريق، أو ممن يطمح لأن يكون منهم فواصل القراءة مستعيناً بالله، وإن كنت من فريق المثبطين فاعزم على فراقهم، والاستئناس بما ورد في هذا الكتاب في مسيرتك الجديدة: (والله معكم ولن يتركم (١) أعمالكم) (٢).
إذاً قد يسأل سائل مستغرباً مستنكراً: هل هذا بحث واقعي يمكن إيجاد أو تحقيق ما يصبو إليه كاتبه من كتابته؟!
стр. 73
أو هو مثاليات وكلام مُرسل لا قيد له ولا ضابط؟
وللإجابة على هذا السؤال لابد من بيان أنه حتى يُتحقق من واقعية هذا الأمر وإمكانية تطبيقه يُنظر إلى جانبين اثنين:
الأمر الأول: هل حدث مثل هذا التوازن بين المتنازعات في عصور السلف الذين فهموا الإسلام وطبقوه أو حتى فيمن جاء بعدهم؟!
وأما الأمر الآخر: هل يمكن أن يحدث هذا التوازن في هذا الزمان؟ سواء أحدث في العصر الأول أم لم يحدث؟
أما الأمر الأول فقد تحقق جزماً فيسيرة سيد المرسلين ﷺ ،فقد كان ﷺ قويَّ الإيمان، راسخ اليقين، بل أعظم الناس في هذا ﷺ ، وكان سيد العابدين الزاهدين، وكان مجاهداً عظيماً، وقائداً بطلاً شجاعاً، كما كان ﷺ خير الناس لأهله وأقاربه، وهو ﷺ كذلك - أعظم
стр. 74
الناس تربية لصحبه وأزواجه وأولاده، وهكذا لا تكاد تجد جانباً من جوانب التفوق إلا وقد حازه رسول الله ﷺ على الوجه الأعظم (١).
وهناك أمثلة أخرى لبعض صحابة رسول الله ﷺ تتفاوت في تحقيق الجمع بين الفضائل والموازنة بينها، ولكني أحب بيان حال من جاء بعدهم لشهرة الصحابة ولقلة من يَعرف مَنْ جاء بعدهم.
وهناك مثل مضيء من عصور السلف وهو الإمام بقيّ بن مخلد محدث الأندلس وعالمها وزاهدها، وأعرض عليكم سيرته لتعرفوا ما أقصده، قال الذهبيّ رحمه الله تعالى:
стр. 75
((كان بَقيّ يختم القرآن كل ليلة، في ثلاثَ عشرةَ ركعة، وكان يصلي بالنَّهار مئة ركعة، ويصوم الدهر. كان كثيرَ الجهاد، فاضلاً، يذكر عنه أنه رابط اثنتين وسبعين غَزْوة.
ونقل بعض العلماء من كتاب لحفيد بَقيٍّ عبد الرحمن ابن أحمد:
كان جدِّي قد قسَّم أيامَه على أعمال البرِّ: فكان إذا صلى الصُّبح قرأ حزبه من القرآن في المصحف، سُدسَ القرآن، وكان أيضاً يَخْتم القرآن في الصلاة في كل يوم وليلة، ويَخْرج كل ليلة في الثلث الأخير إلى مسجده فيختم قُرب انصداع الفجر، وكان يُصلي بعد حزبه من المصحف صلاةً طويلةً جداً، ثم ينقلب إلى داره - وقد اجتمع في مسجده الطلبة - فيجدِّد الوضوء، ويخرج إليه، فإذا انقضت الدُّول (١)، صار إلى صومعة المسجد، فيصلي إلى الظهر، ثم يكون هو المبتدئ
стр. 76
بالأذان، ثم يهبط، ثم يُسمعُ (١) إلى العصر، ويصلي ويُسمع، وربما خرج بقية النهار، فيقعد بين القبور يبكي ويعتبر، فإذا غربت الشمس أتى مسجده، ثم يصلي، ويرجع إلى بيته فيفطر، وكان يسردُ الصومَ إلا يوم الجمعة، ويخرج إلى المسجد، فيخرُج إلى جيرانه، فيتكلَّم معهم في دينهم ودنياهم، ثم يصلي العشاء، ويدخل بيته، فيحدِّث أهله، ثم ينام نومه قد أخذتْها نفسُه، ثم يقوم. هذا دَأبُه إلى أن توفي. وكن جَلْداً، قويّاً على المشي، قد مشى مع ضعيف في مَظْلَمة إلى إشبيلية، ومشى آخر إلى إلبيْرة، ومع امرأة ضعيفة إلى جَيَّان)) (٢).
هذه هي سيرة الإمام بَقيّ بن مخلد، يراها كثير من الناس من ضروب الخيال، ويراها الصالحون العاملون فيعلمون أنها ترجمة علمية لحياة بعضهم ولأشواق كثير منهم.
فهو رحمة الله قد عبد الله أحد ما تكون العبادة.
стр. 77
ولم ينس تلاميذه وأصحابه، فكان يعلمهم ويرشدهم ويوجههم.
ولم يُغفل جيرانه، فقد كان يتعهدهم بالنصح والإرشاد.
وكان يتعهد أهله ويحدثهم ويؤانسهم.
ولم يمنعه ذلك كله من الانتصار للمظلومين والسفر من أجلهم، حتى لو كان ذلك المظلوم امرأة ضعيفة.
وقد توّج أعماله الصالحة بالجهاد، فقد ((كان كثير الجهاد، رابط اثنتين وسبعين غزوة)).
ثمّ إنه قد فهم الشرط الأساسي والمهم لكل تلك الأعمال الصالحة حتى تدخل سجلات الخالدين ألا وهو الدوام والدأب عليه.
رحمه الله تعالى، فقد كان شخصيته المثال المطلوب المفقود.
وبهذا المثل - وهناك عشرات غيره في التاريخ
стр. 78
الإسلامي، وإنما ضربته مثالاً لقلة من يعرفه في عصرنا - نتبين، أن هذا الأمر - أمر التوازن - قد حدث في عصور سلفنا ﵏، فحدوثه في هذا الزمان ممكن، وليس بمستغرب.
وليس على الله بمستغرب ... أن يجمع العالم في واحد
وأما الأمر الآخر وهو إمكانية حدوثه في هذا الزمان ففيه توضيح وضوابط:
أما التوضيح في هذا الأمر فهو أن هذا الزمان أصبح من الصعوبة والتعقيد بمكان، وقد تداعت الأعداء علينا من كل جانب، وأصبحنا نفاجأ كل يوم بجديد، وقد قلّت بركة الزمان، وكثرت فيه الهموم اليومية والمطالب الدنيوية كثرة عظيمة، وتباعدت الأمكنة والديار، وكثرت شواغل الحياة كثرة قد يعصب معها فعل هذا الأمر، ولكن هناك ضوابط إن استقامت للشخص يستطيع أن يفكر في مثل هذا ويوفقه الله في تحقيقه.
стр. 79
وإليك - أخي القارئ - مناقشة لطيفة متوهمة بين المرء وبعض نوازعه، كتبها أحد الأفاضل، ورأيت أن أثبتها بنصها لملائمتها موضوع الكتاب ولطرافتها، فقد كتب تحت عنوان ((حسم الصراع)) ما يلي:
((إن تعدد الأجزاء في داخل نفسك هو أمر طبيعي، ولكن يحصل في كثير من الأحيان - كما أشرنا من قبل - أن يكون هناك صراع بين هذه الأجزاء، وقد يخف هذا الصراع حتى يتلاشى في أوقات معينة، أو ظروف معينة، فتكون في حالة عدم انسجام، وتتوقف النتيجة على المحصلة النهائية لانسجام الأجزاء، وتأثير ذلك على حياتك وأدائك.
وفي حالة احتدام الصراع واشتداده يكون من الضروري حسمه، وإنهاء النزاع بين الأجزاء، وتحقيق السلام بينهما.
وفيما يلي وصف لعملية حسم الصراع لدى شخصية رمزية (عبد الله) الذي توجد بداخله ستة أجزاء، أو ست شخصيات، فعبد الله رجل متدين، وهو موظف لدى الدولة، ومتزوج وله خمسة أولاد، وهو يحب رياضة المشي ويزاولها، كما أنه يكتب بعض المقالات في الصحف والمجلات، وحيث أن دخل عبد الله محدود فهو يفكر بعمل إضافي (تجاري) يدر عليه مالاً إضافياً.
وقد نشأت عند عبد الله حالة من الصراع بين هذه الأجزاء المختلفة، فوقته لا يسمح بالقيام بها كلها، وكثيراً ما يشعر بالتقصير وتأنيب الضمير تجاه واحد أو أكثر من هذه الأجزاء.
وقد استشارنا عبد الله فيما يمكن فعله لحسم هذا الصراع الداخلي في نفسه بين هذه الأجزاء الستة، فأخبرناه بأن يتخيل هذه الأجزاء الستة وكأنها أشخاص لكل منهم اهتمامه ورغباته، وأن يدعوهم إلى اجتماع لمناقشة النزاع بينهم، وطلبنا أن يقدم لنا تقريراً عن عملية حسم الصراع لديه لنشره على القراء لعلهم يفيدوا منه، فاستجاب عبد الله، وبعد أيام وافانا مشكوراً بتقديره التالي:
يقول عبد الله: وجهت الدعوة إلى الشخصيات الست لعقد اجتماع طارئ لمناقشة موضوع الصراع وإيجاد طريقة لحله، فحضر الجميع إلى غرفة الاجتماعات في الوقت المحدد، وهو: الموظف، والأب، والرياضي، والكاتب، والعابد، والتاجر، فأخذوا أماكنهم حول طاولة الاجتماعات، وطلب عبد الله من العابد أن يترأس الجلسة ويدير الاجتماع، فقام العابد وجلس في المكان المخصص لرئاسة الاجتماع، فحمد الله وأثنى عليه، وذكّر المجتمعين بوجوب التعاون على البر والتقوى، والانتهاء عن الإثم والعدوان، وسأل: هل الحضور مكتمل؟ فقالوا: إن الجميع موجودون وليس هناك غائب، فقال: أريد أولاً أن أذكَّركم بجدول الأعمال لهذا الاجتماع، فحسب ماهو موجود في الورقة التي أمامي، حول توزيع أوقات السيد عبد الله بهدف التوصيل إلى صيغة تعطي كل ذي حق حقه بالعدل والقسطاس المستقيم، من أجل أن يستطيع السيد عبد الله القيام بأعماله وواجباته، على أحسن ما يكون القيام به.
وأود أن أوضح لكم أيها السادة أن للسيد عبد الله أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، منها سبع ساعات للنوم، وسبع وسبعة عشرة ساعة لكم، وسوف تدور مداولات هذا الاجتماع حول ساعات اليقظة فقط، إذ لا سبيل إلى ساعات النوم؛ لأنها من حق السيد عبد الله، كما أرجو أن يكون الكلام مقتصراً على هذا الأمر، وعدم إقحام أمور أخرى لا علاقة لها بالهدف من هذا الاجتماع، كذلك أرجو أن يكون الكلام واضحاً ومختصراً، وأن تستأذنوا من رئيس الجلسة عند طلب الكلام، وألا يقاطع أحد منكم أحداً أثناء حديثه، وسيقوم السيد الكاتب بتدوين محضر الجلسه فلنبدأ بسم الله. وهنا رفع التاجر يده طالباً الكلام.
الرئيس: تفضل.
التاجر: إن شعوري بالمسؤولية جعلني أفكر في الظروف التي تحيط بالسيد عبد الله، والتبعات الملقاة على عاتقه، وقد توصلت إلى أنه من الأفضل لي ولزملائي المحترمين أن أنسحب من الجلسة عن قناعة ورضى، إذا أنني تأكدت بأني لا أستطيع أن أقوم بعملي التجاري في هذه الظروف، لذلك فلا أرغب في هذا الاجتماع، ولا أريد تخصيص أي شيء لي من وقت السيد عبد الله الآن، إن قراري هذا لا يعني إلغاء وجودي بينكم، إنما يعني تعليق مطالبي في الوقت الراهن ولمدة سنة واحدة على الأقل، على أن أحتفظ بحق المطالبة لتخصيص جزء من الوقت لي متى رأيت أن الظروف ملائمة لذلك، وشكراً.
الرئيس: شكراً للسيد التاجر، لقد سمعتم ما قاله زميلكم، والأمر مفتوح للمناقشة.
الموظف: لقد فوجئت بقرار السيد التاجر، ولا أعلم الدوافع الحقيقية له، ولكني أود التوضيح بأن المسؤوليات المالية تقع كلها على عاتقي، وليس لي غير الراتب الذي أتقاضاه في نهاية كل شهر، وأشعر بأن السيد عبد الله يحتاج إلى مورد مالي إضافي، وخاصة أن له زوجة وأولاد، وأن هؤلاء الأولاد سيكبرون وسيحتاجون إلى مزيد من النفقات، ولا أعلم إن كنت أستطيع القيام بذلك لوحدي، لذا أرجو من السيد التاجر أن يعيد النظر في قراره.
الأب: إنني أتفهم موقف السيد الموظف، كما أني أشعر بشعوره أيضاً، فأنا زوج وأب لخمسة أطفال، وأنا المسؤول المباشر عن إعالتهم، كما أني أتوقع ازدياد النفقات في السنوات القادمة، وكذلك الحاجة إلى المال في الحالات الطارئة، ولكني من ناحية أخرى أقدر الموقف الصريح للسيد التاجر في أنه لا يتوقع حصوله على وقت كاف لمزاولة عمل إضافي في الوقت الراهن، لذلك أرجو التأكيد من أن قرار السيد التاجر هو تعليق للأمر لمدة سنة، وليس إلغآؤه على أن يطرح الموضوع في اجتماع خاص بعد مرور السنة، كما أقترح أن يبقى السيد التاجر معنا هنا بصفة مراقب دون أن يكون له حق التصويت.
الرئيس: شكراً للسيد الأب، هل هناك من لديه ما يقول بشأن موضوع السيد التاجر.
الكاتب: يعلم الجميع أن طلباتي متواضعة، وقد يؤيدني في ذلك السيد الرياضي؛ لأن طلباته متواضعة كذلك.
الرياضي: هذا صحيح.
الكاتب: لذلك فإني أؤيد اقتراح السيد التاجر في تعليق مشاريعه، وأرجو أن يتاح لي مزيد من الوقت لممارسة الكتابة، وخاصة أني أتوقع أن يتضاءل نصيبي إذا ما قرر التاجر البدء بأعماله.
الرئيس: يبدو أن الجميع موافقون على اقتراح السيد التاجر، وهذه علامة جيدة على الجو الودي الذي يسود الاجتماع، وإني أضم صوتي إليكم ليكون قراراً بالإجماع، أرجو من سكرتير الجلسة السيد الكاتب تدوين هذا القرار في المحضر.
الموظف: ليسمح لي السيد الرئيس ببيان موقفي، فإن لي الآن ثمان ساعات في اليوم للقيام بأعبا وظيفتي، وأشعر بأني بحاجة إلى أمرين اثنين، الأول: هو إلغاء إجازتي السنوية ليتسنى لي إنجاز بعض الأعمال المتراكمة في مكتب؛ لأن ذلك يساعد على ترقيتي في السلم الوظيفي. والأمر الثاني: هو رجائي لرئيس الجلسة والزملاء المحترمين أن يوافقوا على تخصيص ثلاث ساعات من وقت السيد عبد الله لأستطيع القيام بعمل إ ... ضافي خارج ساعات العمل الرسمية، وذلك لزيارة دخل السيد عبد الله، وخاصة وأن السيد التاجر قد انسحب من المشاركة في الوقت الحاضر.
الكاتب: هذا ليس عدلاً، ولا إنصافاً، فإنك تستأثر بنصف الوقت المتاح، وأنك ...
الرياضي: وأنا اعترض على إلغاء الإجازة، لأنني أنتظرها ساعة بساعة، وقد وضعت برنامجاً للإفادة من وقتها، وأظن ...
الرئيس (مقاطعاً): أرجو من الزميل الرياضي أن لا يقاطع المتحدث حتى يكمل حديثه، ثم يطلب التحدث.
الرياضي: أرجو المعذرة.
الرئيس: تفضل أيها الكاتب، أكمل حديثك.
الكاتب: ما أردت قوله للسيد الموظف هو أننا وافقنا السيد التاجر على تعليق طلباته نظراً لعدم وجود وقت كاف له، فكيف يطلب السيد الموظف سلخ ثلاث ساعات في اليوم من وقت السيد عبد الله، إن هذا ليس إنصافاً، كان الأجدر أن تعطى هذه الساعات الثلاث، إن توفرت للسيد التاجر، أما وأنه قد علق طلبه فإني أرجو أن تؤخذ وضعي بنظر الاعتبار، ذلك بأني أشعر بالغبن، فليس لدي إلا بضع ساعات في الأسبوع لمزاولة هوايتي في الكتابة، والكتابة كما يعلم حضراتكم تحتاج إلى القراءة، وبالتالي فإني أحتاج إلى أربع ساعات في اليوم لمواصلة الكتابة.
الرياضي: إنني أشعر بضيف بسبب الطلبات الكثيرة والمتزايدة للزملاء، ويجب أن تعلموا - أيها السادة - بأن العقل السليم في الجسم السليم، وإذا كان السيد الكاتب يطالب بأربع ساعات فلن أرضى بأقل منه، ولكني سأقتنع بساعة في اليوم لأداء مهمتي.
الأب: مهلاً مهلاً - أيها الزملاء - يبدو كل واحد منكم يتحدث وكأنه ليس هناك أحد غيره، هل نسيتم أن لي زوجة وأولاداً خمسة يحتاجون إلى رعاية، وتربية، وتوجيه، فما فائدة الكتابة والرياضة إذا ساءت أمور العائلة، وضعفت العلاقات بين أفرادها، إن أمر العائلة ورعايتها يحتاج إلى مالا يقل عن اثنتي عشرة ساعة في اليوم، كذلك أود تنبيه الزملاء إلى أمر يبدو أنهم نسوه، وهو حقوق السيد العابد رئيس الجلسة، فلديه واجبات يومية نحو ربه خمس صلوات في اليوم والليلة، وقراءة جزء من القرآن، إضافة إلى خلوة مع نفسه بين فترة وأخرى، فإذا أخذنا هذا الأمر نظر الاعتبار فلن يبقى هناك وقت للكاتب ولا للرياضي، وأظن أن ما يقومان به هو ترف لا حاجة لنا به.
الرئيس: أشكر السيد الأب على تطرقه لحقوقي، في الواقع هي حقوق الله، وكنت على وشك أن أنبه الزملاء إليها، وقد كفاني السيد الأب ذلك فجزاه الله خيراً، إننا هنا - أيها الزملاء - لإيجاد صيغة عادلة ترضي الجميع، ولا نريد إلغاء حق أحد، ولكن يجب أن يتذكر الجميع أن لدينا سبع عشرة ساعة فقط، فلننظر إلى مجموع الساعات المطلوبة لحد الآن، ولكن قبل ذلك أود إخباركم بأني احتاج إلى ساعة واحدة في اليوم لأداء الصلوات الخمس، أما قراءة القرآن والنوافل فقد اتفقت مع السيد عبد الله على أخذ ساعة إضافية من نومه، وهذا كما تعلمون اتفاق خاص لا شأن لكم به، كما أنه لا يؤثر على الأوقات الأخرى، على أني لابد أن أبوح لكم برغبتي في أخذ مزيد من الوقت، وأرجو أن تضعوا هذا الأمر في حسابكم، وخاصة وأن الدنيا ليست بدار قرار، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً، وأملي كبير في أن يعطيني كل واحد منكم جزءاً من وقته لأستطيع التقرب إلى الله بالنوافل، وهو خير للجميع إن شاء الله، (ملتفتاً إلى الكاتب): ما هو مجموع الساعات الآن:
الكاتب: لدي الآن طلبات بالأوقات كما يلي
الموظف ١١ ساعة (٨ ساعات + ٣ ساعات إضافية).
الكاتب ... ٤ سعات.
الرياضي ... ساعة واحدة.
الأب ... ١٢ ساعة.
العابد ... ساعة واحدة.
المجموع ... ٢٩ ساعة.
سيدي الرئيس، لدينا ٢٩ ساعة، بينما الوقت المتاح لنا هو ١٧ ساعة فقط.
الرياضي: لقد أثر كلام السيد العابد في نفسي، وفكرت في أن هذا الجسم الصحيح الذي أريده لن ينفعها غداً يوم يقوم الحساب، وأن الله الذي يحي ويميت ويمنح الصحة والقوة، لذلك أرجو إعطائي نصف ساعة في اليوم للمحافظة على اللياقة البدنية للسيد عبد الله، كما أرجو إعطائي بضع ساعات أخرى في أيام العطل والإجازات للاستمتاع بلعبة كرة المنضدة التي أحبها.
الموظف: لم أكن أعلم أن هناك واجبات وأعباء كثيرة بتعين على السيد عبد الله القيام بها، كما أني أعتذر للسيد التاجر عن عدم مراعاتي لتضحيته، لذلك فأورد أن أعلن عن تنازلي عن مطالبتي بالساعات الإضافية الثلاث، إلا أني أرجو من الزملاء الموافقة على إلغاء إجازتي السنوية، وهو لمدة ستة أسابيع.
الأب: وأنا كذلك أظنني أسرفت في أمر العائلة وسوف أبذلك جهدي لأن أكتفي بست ساعات فقط، من ضمنها زيارات لبعض الأقارب والأصدقاء، ولكني لا أوافق على طلب السيد الموظف بإلغاء إجازته، إذ أنها ليست حقاً له، وإنما هي للجميع.
الكاتب: يبدو أن الأنظار تتوجه إلي، فالجميع قد بادر بالتضحية ولم يبق غيري، لذا أعلن عن عزمي على الاكتفاء بساعتين في اليوم، كذلك أود التنسيق والتعاون مع السيد العابد؛ لأن أوقاتنا متجاورة، وغالباً ما تكون في الليل أو في أوقات الخلوة.
الرئيس: على الرحب والسعة، وأود إخبارك بأني على علاقة جيدة بالسيد عبد الله، وهو لا يبخل علي بجزء من ساعات نومه كلما احتجت ذلك للصلاة وللقيام.
الرياضي: سيادة الرئيس، أرجو الانتباه إلى أن السهر يضر بالصحة.
الرئيس: أعلم ذلك، وليس الغرض هو تجاوز الحقوق، فإن رسول الله ﷺ يقول: ((إن لبدنك عليك حقاً ... ))، والآن يقرأ علينا السيد الكاتب الأوقات الجديدة المخصصة لكل زميل.
الكاتب: لدينا الآن:
الموظف ... ٨ ساعات.
الكاتب ... ساعتان.
الرياضي ... ٠,٥ ساعة.
العابد ... ساعة واحدة، مع وعد من الكاتب بالتعاون.
المجموع ... ١٧,٥ ساعة.
الأب: يبدو أن المجموع هو ١٧,٥ ساعة، أرجو من الزميل الرياضي أن يتعاون معي، وسوف أجد له الوقت اللازم مما هو مخصص لي، وخاصة وأنني أشرك الأولاد في بعض الألعاب الرياضية، فهم يحبون كرة القدم.
الرياضي: فكرة ممتازة، سوف أعمل على تدريبهم على كرة المنضدة أيضاً، وسأجري مباريات معهم.
الموظف: بقيت قضية الإجازة وهي ستة أسابيع.
الرئيس: إني أقترح أن تأخذ أسبوعين وتدع أربعة لزملائك الآخرين. ما هو رأيكم؟
الجميع (يهزون رؤوسهم): موافقون.
الرئيس: هل هناك شيء آخر يود أحد منكم قوله؟
الصمت علامة الرضا، أرجو أن يكون كل منكم سعيداً بما كتب الله له، وأدعو الله تعالى أن يوفقكم ويبارك لك في أوقاتكم.
(يلتفت إلى الكاتب): سجّل، تم الاتفاق بالإجماع شكراً لكم، وفي رعاية الله) (١).
стр. 80
أسس وضوابط لتحقيق التوازن:
تنقسم هذه الأسس والضوابط إلى قسمين:
أ- صفات لا بد من توفرها في بيئته.
ب- وصفات لا بد من توفرها في الشخص.
الأسس والضوابط اللازم توفرها في بيئة الشخص:
أولاً: الطمأنينة والأمن:
وجود المسلم في دولة يقل فيها النزاع بين الناس بعضهم بعضاً، وبين الناس وولاتهم، بحيث يغلب على أهل البلد الطمأنينة والأمن والاستقرار، وجود مثل هذا عامل مهم لتحقيق التوازن المذكور.
قيل لخُريم المُرِّيّ:
((ما النعمة؟ قال: الأمن؛ فإن ليس لخائف عيش والغنى؛ فإنه ليس لفقير عيش، والصحة؛ فإنه ليس لسقيم عيش، ثم لا مزيد على هذا)) (١).
стр. 81
ثانياً: الخلوّ من الكدورات والهموم:
لابد من إيجاد مناخ نفسيِّ ملائم لطالب هذا الأمر، بحيث تكون الشواغل عنه بمنأى، أما من ابتلي بزوجة عَسرة كثيرة المطالب والهموم، أو من أبتلي بوالدة أو بوالد لا يريدان فراقه، أو من كان همّه توفير لقمة العيش حيث إنه في بلد فقير كادح، فهذا لا يستطيع أن يحقق المطلوب من هذا البحث ولا بعضه، وقد سبق قول خُريم في الفقرة السابقة ((ليس لفقير عيش)): أي عيش حسن.
ثالثاً: انتشار العلم والثقافة:
فمن شروط تحصيل هذا المطلوب العزيز وجود الشخص في بيئة علمية وثقافية قوية؛ لأن قلة العلم والثقافة قتل للإبداع، وحصر للفكر، وتسبب الرتابة في العمل، والانزواء في الأفكار، وليس أدلّ على ذلك من أن علماء الأمة المبدعين كانوا يعيشون في المراكز العلمية والثقافية الكبرى على امتداد التاريخ الإسلامي، وذلك في المدينة ودمشق والقاهرة وبغداد ونيسابور وغيرها من المدن.
стр. 82
الأسس والضوابط اللازم توفرها في الشخص:
أولاً: الإعداد المبكر والعناية الإلهية:
اهتمام الشخص منذ الصغر ببعض الجوانب المذكورة في المباحث السابقة أمر مهم، فلا يعقل أن يبلغ الشخص مبلغ الرجال ثم يفكر في تحقيق هذه الأمور، فقد كان أئمتنا منذ حداثة أسنانهم يطلبون الكمال في كثير من الجوانب الشرعية وغيرها، قد أعدّهم الله للتصدر والرفعة والإمامة منذ صغرهم.
ذكر الإمام السخاوي (١) أن الإمام النووي (٢) ((نشأ في ... ستر وخير، ولما بلغ من العمر سبع سنين كان نائماً ليلة السابع والعشرين من رمضان بجانب والده .. فانتبه نحو نصف الليل ... وقال: يا أبتي ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار؟ فاستيقظ أهله جميعاً فلم نر كلنا شيئاً، قال والده: فعرفت أنها ليلة القدر (٣).
стр. 83
وذكر ولي الله الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي قال: رأيت الشيخ وهو ابن عشر سنين بـ (نَوَى) والصبيان يُكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم، ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، قال: فوقع في قلبي محبته، وكان قد جعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال: فأتيت معلمه فوصيته به، وقلت له: إنه يُرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم وينتفع الناس به، فقال لي: أمنجمٌ أنت؟ فقلت: لا، وإنّما أنطقني الله بذلك. قال: فذكر المعلم ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الحلم)) (١).
وهذا الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى يحكي عن نفسه قائلاً:
((أذكر نفسي ولي همّة عالية وأنا في المكتب ابن ست
стр. 84
سنين وأنا قرين الصبيان الكبار، قد رزقت عقلاً وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع الصبيان قط، ولا ضحكت ضحكاً خارجاً، حتى أني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع، فلا أتخير حلقة مشعبذ، بل أطلب المحدث فيتحدث بالسير فأحفظ جميع ما أسمعه، وأذهب إلى البيت وأكتبه، ولقد رفق بي شيخنا أبو الفضل ابن ناصر (١) ﵀ وكان يحملني إلى الشيوخ، فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني (٢) ... ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويفترجون على الجسر وأنا في زمن الصغر آخذ جزءاً وأقعد حُجزة (٣) من الناس إلى جانب الرِّقة فأتشاغل بالعلم، ثم ألهمت الزهد فسردت الصوم
стр. 85
وتشاغلت بالتقليل من الطعام، وألزمت نفسي الصبر ... وعالجت السهر، ولم أقنع بفنٍّ من العلوم، بل كنت أسمع الفقه والوعظ والحديث وأتبع الزهّاد)) (١).
وقال - أيضاً - رحمه الله تعالى:
((كمنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج إلى طلب الحديث، وأقع على نهر عيسى (٢)، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها وعين همتي لا ترى إلا لذّة تحصيل العلم)) (٣).
وهذا الإمام الكبير سفيان بن عيينة يحدث عن أبيه أنه قال له عندما بلغ سنه خمسة عشرة سنة:
((إنه قد انقضت عنك شرائع الصّبا فاتبع الخير تكن من أهله، فجعلت وصية أبي قبلةً أميل إليها ولا أميل عنها)) (٤).
стр. 86
وهكذا هي أحوال من أراد الجمع بين فضائل متعددة؛ إذ أنه أقدر على تحصيلها منذ الصغر، ولا يعني هذا أن الكبير قد فاته جمع الفضائل، ولكنه يثقل عليه، ولقد نبغ جماعات من السلف تعلموا على كبر مثل العز بن عبد السلام والقفّال وغيرهما.
ثانياً: النجابة والذكاء:
ظهور لوئح النجابة والذكاء على الشخص عامل مهم في تحقيق هذا الأمر، أمّا من علم من صفاته العقلية الخَلْقية قصوراً فلا ينبغي له الخوض في مثل هذا، فرحم الله امرءاً قدر نفسه.
ثالثاً: توفر صفات خَلقية وخُلقية في الشخص تعينه على هذا المطلوب:
فلا بد من الهمّة، وقوة الإرادة، وكثرة الحركة الفعالة
стр. 87
المنتجة، والتفاؤل، وانشراح الصدر، وسعة الأفق، والقدرة على استجماع الفكرة، ونسيان الكدورات والأحزان، وكرم الخُلُق.
يقول الإمام ابن الجوزي رحمة الله:
((أول أسباب الكمال تناسب أعضاء البدن وحسن صورة الباطن، فصورة البدن تسمى خَلقاً، وصورة الباطن تسمى خُلُقاً، ودليل كمال صورة البدن حسن السمت واستعمال الأدب، ودليل كمال صورة البدن حسن السمت واستعمال الأدب، ودليل [كمال] صورة الباطن حسن الطبائع والأخلاق، فالطبائع: العفة، والنزاهة، والأنفة من الجهل، ومباعدة الشره. والأخلاق: الكرم، والإيثار، وستر العيوب، وابتداء المعروف، والحلم عن الجاهل. فمن رزق هذه الأشياء رقته إلى الكمال، وظهر عنه أشرف الخلال، وإن نقصت خلة أوجبت النقص)) (١).
стр. 88
رابعاً: توفر التوازن الذاتي:
كل الضوابط المذكورة مهمة لتحقيق التوازن بين النوازع المختلفة، ولكنها لا تصلح للتطبيق إن لم يكون عند الشخص توازن ذاتي في شخصيتهن بحيث يكون مكتمل النضج العقلي والنفسي، وشخصيته، مبنية على دعائم قوية وسليمة، بحيث ((يجابه أعباء حياته بإرادة قوية، وعزيمة ثابتة تمكنه من حسن التكيف، والتفاعل والاستجابة، واتخاذ المواقف والاتجاهات الصحيحة حيال كل المشاكل والمعوقات والعراقيل، فلا يفقد اتزانه العقلي، ولا يختل توازنه النفسي، ولا تنهار شخصيته أمام أبسط العقبات والمصاعب)) (١).
ومما يدل على التوازن في شخصية الفرد كذلك ((تحمل مسؤولياته في الحياة بقوة وصلابة، وتكوين مناعة ذاتية ضد الضعف والخَوَر، وصون النفس من
стр. 89
التقليد والانسياق الأعمى وراء الآخرين والتأثر بسلوكهم وأفعالهم)) (١).
((وكل خلل يلحق بها [أي بالشخصية] يسبب لها الاضطراب والاهتزاز وعدم الاستقرار والثبات، وهو ما يجعلها غير قادر على التكيف مع مشاكل الحياة، وغير مستعدة لتحمل المصاعب والشدائد، وغير مؤهلة لمجابهة المتاعب والأزمات التي تكتنف ظروف حياة الكائن البشريّ منذ مهده إلى لحده، وهو ما يؤدي بالتالي إلى أن تكون شخصيته سلبيّة هروبيّة لا نفع يرجى منها للفرد أو الجماعة أو شخصية عدوانية مدمِّرة تلحق بالفرد والجماعة معاً أفدح الأضرار)) (٢).
وإن ((من لوازم هذا الدين أن يكون المسلم متوازناً في أموره كلها، معتدلاً في شئونه الخاصة والعامة، فلا غلو ولا تقصير، ولا إفراط ولا تفريط، ولا مبالغة ولا
стр. 90
تهاون، وإنما اعتدال وقصد وتوسط)) (١).
وشخصية الإنسان المسلم ((شخصية متوازنة تعطي للجسم حقه من العناية، وللمظهر ما يستوجبه من الرعاية، ولا يلهيها هذا المظهر عن المخبر اللائق بالإنسان الذي كرمه الله وأسجد له ملائكته ... بل تُعنى بما يكوّن فيها العقل الراجح والتفكير السديد، والمنطق السليم، والفهم العميق لحقائق الأشياء، والنظرة النافذة إلى لبِّ هذه الحقائق وجوهرها، ولا يعزب عنها أن الإنسان ليس مكوناً من جسم وعقل فحسب، وإنما له قلب يخفق، وروح ترفرف، ونفس تَهْجسُ (٢)، وأشواق عليا تدفعه إلى الاستعلاء على هذه الحياة المادية وحطامها، والصعود في معارج الخير والفضيلة والنور، ومن ثَمّ تعني بالتربية الروحية كما تعنى بالتربية الجسمية والعقلية سواء بسواء، في توازن محكم دقيق بحيث لا يطغى جانب من
стр. 91
هذه الجوانب على آخر)) (١).
خامساً: الحفاظ على الوقت وعلو الهمّة:
ولا بد كذلك من معرفة القواعد المفصّلة للحفاظ على الوقت، وطلب علو الهمة، والاطلاع على تجارب البارزين في هذا الجانب كابن الجوزيّ ولنوويّ والسيوطيّ (٢) وغيرهم، وقد ألف في هذا رسائل عديدة (٣).
سادساً: التنظيم والترتيب:
لابد لمريد التوازن أن يكون منظماً مرتباً في شئونه، بعيداً عن العشوائية والارتجال، يخطط ويفكر ثم ينفذ، أما من يُقْدم ولا يعرف لماذا أقدم وكيف أقدم فهذا لن يحقق شيئاً ذا بال.
ويجب - كذلك - على المخطط ألا يكون تخطيطه استجابة لنصائح الآخرين أو ردّ فعل لما يشاهده أو يسمعه، ولكن عليه أن يخطط طبقاً لما يريد لنفسه أن تكون، وهذه الإرادة تكوّنت ووضحت معالمها نتيجة دراسة طويلة لقدراته وما يناسبها، ودراسة الأحوال المحيطة وملائمتها.
стр. 92
سابعاً: تنمية الأسس التفكيرية:
فالمرونة الفكرية أو التفكير المنطقي - ويقصد بهما تكوين القدرة على حسن المحاكمة والاستدلال - والتفكير قبل العمل، والاتساع في التفكير، والاستيعاب الكافي للمفاهيم والتصورات بحيث لا ينشأ الفكر مبتوراً أو مشوّهاً أو ناقصاً، كل هذه أمور مهمة في الأسس التفكيرية كي لا يحدث الضعف في إصدار الأحكام والقرارات (١).
ثامناً: النظرة الشاملة للحياة:
لا بد لطالب هذا الأمر من ((تخليص العقل من التركيز على النظرة الجزئية؛ لأن التركيز عليها يؤدي إلى آفات عقلية ليس أقلها العجز والانحسار، كما يؤدي إلى تضخيم دور بعض الفروع والجزئيات الأمر الذي يقتل الإبداع، ويصيب قدرة العطاء عند الإنسان، ويوقع في
стр. 93
التقليد، ويحرم صاحبه من الإفادة من جهود الآخرين، سواء أكان ذلك بالتعامل مع التراث، أو القدرة على استلهام الكتاب والسنة لمواجهة حاجات العصر المتجددة)) (١).
تاسعاً: معرفة الأوليات:
معرفة الأوليات وتسلسلها في الأهمية، وإعادة تصنيف المشكلات الخاصة يحمي الإنسان من التشتت وينجيه من الإحباط.
وكذلك يجب على طالب هذا الأمر أن يوازن بين هذه النوازع على حسب الأوليات وبحسب الزمان والمكان الذي هو فيه؛ فالمسلم في فلسطين يختلف حاله ونوازعه عن المسلم في البوسنة، وهو ذو حال مميزة عن المسلم في أفريقية السوداء وهكذا ...
стр. 94
فإن أذن الله له بالجهاد وتعينّ فلابد من الجهاد، وإن كان المسلم في بلد تحتاج إلى العلم الشرعي درس وعلم، أو إلى الدعوة دعا، وهكذا الأمر في بقية النوازع، هذا إن لم يستطع الجمع، أما إن استطاع فهذا الضابط مع بقية الضوابط يعينه إن شاء الله.
عاشراً: عدم الخلط بين الأمنيات والإمكانات:
فالأماني سلم للوصول إلى المطلوب ولكن بقدر، فأحلام الأمس حقائق اليوم، وأحلام اليوم حقائق الغد، فمن لا يتخيل ويتمنّى فكيف يطيق العيش في هذه الدنيا ذات البلاء والأكدار والأحزان والمعوقات، ولكن الضابط هو عدم الإكثار من هذه الأماني حتى لا يصاب الشخص بالمثالية ويُنعت بعدم الواقعية.
يقول الأستاذ القرضاوي واصفاً هذا الأمر وأهمية تحققه في جيل النصر المنشود:
стр. 95
((جيل يحتكم إلى الحقائق لا إلى الأوهام، ولا ينسى وهو يتطلع إلى السماء أنه واقف على الأرض، فلا يجري وراء خيال كاذب، أو حلم فارغ، أو أماني موهومة فيسبح في غير ماء ويطير بغير جناح، جيل كبير الآمال ولكنه واقعي التفكير، يرنو إلى شاطئ الأحلام ولكنه يتوقع هياج البحر وغضب الموج، ومفاجآت الأعاصير ... لا يحرث في البحر، ولا يبذر في الصخر، ولا ينسخ خيوطاً من الخيال، ولا يبني قصوراً من الرمال)) (١)
حادي عشر: عدم الاستعجال:
سلوك الطريق بغير استعجال، واعتماد سياسة النفَس الطويل أساس مهم في تحقيق التوازن المطلوب.
فالطريق ذو الألف من الأميال يبدأ بخطوة، وأما المتعجل الذي يريد جمع كل الفضائل ونفي الرذائل
стр. 96
في مدة وجيزة فهذا لم يفهم السنن الكونية ولن يطيق الصبر على الطريق الطويل.
نعم إن هناك فرقاً عظيماً بين العجلة وبين الحماس والإيجابية، فالحماس والإيجابية مطلوبات بالقدر الذي يُنفَّر به من الجلة، ولكن هناك كثير من الناس إن رآك متحمساً إيجابياً متحركاً بقوة رماك بالعجلة وعدم التأني، وما أوتي إلا من قبَل رقوده وخموله، فلو ذاق عرف.
ثاني عشر: التفرغ ولو بقدر:
لا بد من أن يكون الشخص الذي يطلب تحقيق مثل هذا الأمر متفرِّغاً له بقدر معقول، فلا يكون هذا الأمر لشخص يعمل عملين في الصباح والمساء، أو يكون ممن ابتلاه الله تعالى بأمر المال فهو يجمعه آناء الليل وأطراف النهار، أو ممن هو ملزم بعمل يومي طويل مثل من يعمل من السابعة إلى الخامسة أو من الثامنة إلى الرابعة أو ما
стр. 97
شابههما، فمثل هذه الأعمال لا تتيح لصاحبها تحقيق مثل هذا الأمر، بل قد لا يفكر فيه إنسان ابتلي بهذا أصلاً.
وانظر إلى الصدِّيق ﵁ كيف أنه عندما تسلم مهام الخلافة فرّغه الصحابة لإدارة شؤونها ولم يقبلوا أن يعمل أي عمل قد يقتطع من أوقاته الغالية ما تفوت به المصلحة على المسلمين، وكذلك ينبغي لأي متصدر لمهام عظيمة أن يفرغ نفسه من الأعمال الدنيوية ولو بقدر (١).
ثالث عشر: الإقلال من الاجتماع بالناس ومخالطتهم:
وهذا من أعظم أسس وضوابط تحقق التوازن المطلوب، فمن يقضي عامة وقته مخالطاً الناس بغير هدف صحيح ولا غرض صريح فكيف يستطيع أن يحقق بعض ما يصبو إليه؟!
стр. 98
وهذا مرض اجتماعي أصاب كثيراً من الملتزمين والدعاة، فسرق الشيطان أوقاتهم الغالية، وزيّن لهم ما يصنعونه بأسباب غالبها غير صحيح.
وقد سبق لي ذكر هذا في نازع الدعوة، ولكني أعدت ذكره هنا لما له من التعلق والخصوص بهذا المبحث، ولأهمية التركيز عليه.
رابع عشر: معرفة أن النوازع يترتب بعضها على بعض:
يجب أن يعرف مريد التوازن أن النوازع المختلفة يترتب بعضها على بعض - غالباً-, فالدعوة لا بد لها من علم, وثمرتها الجهاد, وضابط الجهاد هو العلم الشرعيّ, والجهاد يحسن معه توفر المال اللازم, وهكذا ...
فمعرفة هذا تعين على طلب التوازن وترشِّده.
стр. 99
مطلب في التفرغ
التفرغ أمنية كثير من العاملين الصالحين؛ إذ هو مظنّة تحقيق كثير من أهدافهم وتطلعاتهم, والتفرغ فرصة جيدة لمراجعة الإنسان أحوالَه, ومحاولة إقامتها على الجادّة؛ إذ داومة الحياة اليومية قد تمنع المرء الالتفات إلى أحواله وشؤونه وإصلاحها وتقويمها.
قال ابن جُزَيءْ (١) رحمه الله تعالى:
لكل بني الدنيا مراد ومقصد ... وإن مرادي صحة وفراغُ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغاً ... يكون به لي في الحياة بلاغُ
ففي مثل هذا فلينافس أولو النُهى ... وحسبي من الدنيا الغَرور بلاغُ
فما العيش إلا في نعيم مؤبد ... به العيش رغد والشراب يُساغُ (٢)
وللتفرغ تعلق لا يخفى بموضوع الكتاب: التوازن عند التنازع؛ إذ لا يُتوصل لتحقيق التوازن المطلوب لإشباع النوازع المختلفة إلا بحظ وافر من التفرغ أو بتفرغ كامل.
والذين يمكن لهم أن يتفرّغوا للحصول على مطلوبهم عدد قليل بلا شك؛ إذ تكاليف الحياة وكثرة شواغلها ومشاكلها تمنع من التفرغ الكلي أو الجزئي, ولكنه لا بد مما ليس منه بُدُّ, وما لا يدرك جُلّه لا يترك كُلّه.
والناظر إلى أحوال الأئمة المؤثرين في التاريخ الإسلامي يجدهم متفرغين تماماً لما وفقهم الله تعالى إليه ومنقطعين لتحقيقه وإتقانه, فهؤلاء أئمة الفقه الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵏ جميعاً لم يؤثر عنهم إلا الانقطاع للعلم دراسة وتدريساً, وكذلك أمثالهم من الأئمة نحو النووي وابن تيمية (٣) والسيوطي .. إلخ.
ولا تنس - أخي - أنني قد ذكرت أن حياتهم لم تكن كحياتنا, فلم تكن الدنيا لتأخذ منهم ما أخذت منا, وليست هممهم كهممنا.
إذا كان الأمر كذلك فهل هذا التفرغ المنشود أمر ميسور أم هو خيال طامح لا يعدو أن يكون سراباً؟
لا, بل هو أمر سهل ميسور على من يسره الله عليه, وإليك - أخي القارىء - جملةً من الإرشادات في هذا الباب تعين على تحصيل التفرغ أو بعضه:
١ - الحصول على عمل قريب من تطلعات المرء ورغباته:
كأن يكون إمامَ مسجد مثلاً, فهذا يساعده على التفوق في دراسة العلوم الشرعية، وكذلك يشبع نازع التعبد ونازع الدعوة ... إلخ.
أو يصبحَ مدرساً للعلوم الشرعية، وهذا كسابقه، ويمكن - توفيراً لمتطلبات العيش - الجمع بينهما.
أو يصبحَ صاحب مكتبه إسلامية تحقق له جملة من النوازع وتعطيه قدراً كافياً من التفرغ، وهكذا ...
٢ - الحصول على إجازة طويلة من العمل:
وهذا بوسع كل الموظفين - تقريباً - أن ينالوه؛ إذ يستطيعون الحصول على إجازة تبلغ سنة بدون راتب مما يمكنهم أن يشبعوا جملة من النوازع والمطالب.
وإن احتج أحد بضيق الحال يقال له: اجمع من راتبك بالقدر الذي يكفيك أثناء تفرغك، والقناعة كنز لا يفنى.
والأكاديميون يُسمح لهم كل عدد معين من سنوات العمل بالحصول على إجازة سنة كاملة للتفرغ للبحث.
٣ - استبدال العمل الخفيف بالعمل الشاق:
يمكن عمل هذا بالتضحية قليلاً ببعض المزايا المادية مقابل الحصول على تفرغ نسبيّ، فإني أعرف - مثلاً - طبيباً يعمل في مستشفى حكومي من الساعة الثامنة إلى الخامسة تقريباً، ويمكن له أن يعمل في مستشفى خاص من الثامنة إلى الواحدة وذلك بتنازل يسير عن قليل من المزايا المادية، فإذا أراد هذا الطبيب الالتفات إلى نوازعه ومتطلباته وتحقيقها بدرجة مُرْضية فليس عليه إلا أن يستبدل الوظيفة الثانية بالأولى، مع مراعاة أن هذا الطبيب ليست الأمة في حاجة ماسة لطبه، فإن كان طبيباً متميزاً ماهراً فإنه لا يصح ولا ينبغي له الالتفات إلا لطبه الذي يفيد به أمته ويرفع عنها الذل والهوان - بعد فروض الأعيان -
وهكذا الشأن فيمن يعمل زمانين: صباحاً ومساء فليس عليه إلا أن يترك أحدهما إلا أن تدفعه ضرورة ملحة للجمع بينهما.
وكذلك حال إخواننا التجار ممن يعمل مدداً طويلة ويرغب في تحقيق بعض النوازع والتطلعات، فليس أمامه إلا أن يتريث قبل أن يعصر زمان شبابه لكسب مادي مجرد قد يزخرفه تحت دعاوى كثيرة.
٤ - التقاعد المبكر:
كثير من موظفي الدولة يسمح لهم بالتقاعد المبكر بعد مضي عشرين سنة على بدء العمل، فيُعطى نصفَ راتبه شهرياً مما يمكنه - غالباً - من التفرغ مع دخل مادي مناسب، وهذه فرصة عظيمة لمن تناوشه نوازعُ نفسه وتلح عليه أن يستجيب لها منذ أمد بعيد، ولا يلتفت إلى وساوس الشيطان ووعده له بالفقر فالله تعالى لن يضيع عبداً أقبل عليه وضحّى من أجله.
هذه أفكار مطروحة لتحقيق التفرغ الكامل أو الجزئي.
ولكن قد يقول قائل: إن دعوتك هذه لتحقيق التفرغ قد تؤدي إلى تعطيل قسم ناشط من المجتمع، وكبح طموحه الوظيفيّ، وتتدرج بالموظف إلى التبرم من وظيفته وتصورها حجرَ عثرة في طريقه، وللإجابة على هذا أحيل القارئ إلى الفقرة التالية:
ضوابط لمسألة التفرغ:
أولاً: التفرغ ليس مطلوباً لكل أحد ولا من كل أحد:
بمعنى أن طالب التفرغ إنما يطلبه لتحقيق أمانيّ ونوازع ومطالب في نفسه لا يحققها إلا التفرغ الكلي أو الجزئي، فهو لهذا يسعى له ويجاهد للحصول عليه، ثم إنه لا يسعى لهذا إلا بعد التأكد من أن لديه قدرةً مالية يُسيرّ بها شؤونه ومتطلبات حياته.
والتفرغ ليس مهماً إلا لعدد محدود ذوي مواهبَ وقدرات واضحة بارزة، بحيث يكون التفرغ لأمثالهم على غاية من الأهمية والإيجابية.
ولضرب المثل على أهمية التفرغ لبعض الناس فإني أذكر حال واحد من إخواني يعمل في وظيفة إدارية هامشيّة منذ عشرين سنة، وعمله هذا يمكن أن يقوم به موظف مبتدئ، ولأخي هذا طموحاتٌ كثيرة وتشتعل في نفسه نوازع متعددة لا يحققها إلا تفرغ كامل، وهو قد بلغ الأربعين، فصرت أبين له أهمية أن يحصل على تقاعد مبكر ويتخلصَ من هذه الوظيفة التي سلبته أثمن أوقاته وزهرة شبابه، ولكنه متردد إلى الآن على الرغم من وضوح الفائدة في تقاعده المبكر، والله أعلم.
فإذا لا يكون التفرغ لكل أحد، بل لأمثال أخي هذا ومن شاكله.
ثانياً: وجوب تنسيق زمن التفرغ وترتيبه حتى تكمل الاستفادة منه:
إذ الحاصل على التفرغ الكامل أو الجزئي لا بد له من أن يضع لنفسه أهدافاً محددة لتحقيقها زمن تفرغه، فلا تضيع منه هذه الفرصة الثمينة هباءً، فكم من موظف تفرغ للدراسة ثم لم يُوفّق، وكم من مضيع لتفرغه في عمل مفضول ليس من ورائه طائل.
ثالثاً: وجوب التنسيق بين مريدي التفرغ:
فلا يتفرغ اثنان في تخصص واحد إلا لحاجة ماسة، ولا يتفرغ اثنان لتأدية عمل معين يمكن أن يؤديه متفرغ واحد.
وينبغي أن يُحرص على ((العمل بجد على أن يتفرغ عدد من الكفايات في المواقع الإستراتيجية الهامة، وخصوصاً في مجال العلم والفكر، ومجال التربية والتكوين، ومجال الدعوة والإعلام ... )) (٤).
((ومن الضروري أن يُراعى عند التفرغ التنوع والتكامل حتى تسد كل الثغرات، ولا يقع تركيز في جانب على حساب جانب أو جوانب أخرى، فلا يوجد إسراف إلا بجانبه حق مضيع)) (٥).
رابعاً: ضبط الإنفاق الماديّ على مريدي التفرغ:
الإنفاق على مريدي التفرغ من المهمات التي يشجع القادرون عليها؛ إذ أن التفرغ من المهمات التي يشجع القادرون عليها؛ إذ أن التفرغ يعود على الفكر الإسلامي بفوائد إيجابية مهمة.
((ولا يجوز أن يكون المال عقبة في سبيل هذه الغاية، فإن بذلك المال لذلك من أهم ما يتقرب به إلى الله، ويمكن أن يصرف فيه من أموال الزكوات والصدقات والأوقات والوصايا وغيرها ... ولا يجوز للعاملين المخلصين أن يستنكفوا من أخذ الأجر الكافي الملائم لأمثالهم لو عملوا في أي مجال آخر حتى يستمروا في العمل ولا يتبرموا به، المهم هو العدل في غير إسراف ولا تقتير)) (٦).
وفي نهاية هذا المطلب أريد أن أبين أن التفرغ لابد أن يُضحى له ببعض المزايا المادية، والقناعةُ باليسير أمر مهم في هذا الباب، والعائد من التفرغ على الشخص أهم بكثير مما يمكن أن يفقده حال تفرغه، والله أعلم.
مطلب في الترويح والاستجمام
وكلاهما بمعنى طلب الراحة للجسد والفؤاد، ويقال:
((إني لاستجم قلبي بشيء من اللهو - أي المباح - لأقْوى به على الحق)) (٧).
ولما كانت النوازع المذكورة سابقاً كلها تُعدّ من الحق وأخذ النفس بالشدة وقسرها على مكروهاتها، لما كان الأمر كذلك كان لابد من ذكر ما تستريح إليه النفس ونشده الجسد مما هو من اللهو المباح أو م غيره.
((وليس معنى هذا أن يسرف الناس في اللهو ويُفْرطوا في المزح، ولكن المقصود ألا يعيش الناس في جو مملوء بالكآبة مشحون بالمضايقات حتى تختفي فيه معالم الفرح والبهجة، بل ينبغي كلما أحس الناس بذلك أن يلجأوا إلى اللهو المباح الذي لا يخلّ بالمروءة ولا يخدش الكرامة، ويخرج بصاحبه عن حياة الجد والعمل الدائب النافع)) (٨).
فوائد الترويح وعلاقته بالمبحث:
والترويح يحقق عدداً من الأمور تخدم تحقيق النوازع المذكورة سابقاً، منها:
أولاً: سدُّ حاجة الأهل والأولاد من جلوسهم مع عائلهم:
إذ المرأة تحتاج للجلوس مع زوجها بعض الوقت، والأولاد محتاجون للجلوس مع والدهم بعض الوقت أيضاً، فالترويح المشترك مع الأهل والأولاد محقق لهذا الجانب الاجتماعي المهم في حياة الإنسان.
ويمكن أن يجمع المرء عدداً من أهله أيضاً فيشركهم معه في ترويحه كأبيه وأمه وإخوته فيقضي لهم حقاً ما كان يجد له وقتاً.
وإذا روّح المرء نفسه بهذا ستر نفسه عن كثير من السهام اللائمة، والله أعلم.
وقد كان النبي ﷺ يجلس بين نسائه فيشهد غيرتهن ويضحك لها، وكان يمكّن عائشة من رؤية الحبشة وهم يلعبون، وكان يحمل أحفاده ويُسرّ برؤيتهم، وهذا منه تعليم لنا ﷺ .
ثانياً: سدُّ حاجة الجسد من الحركة اللازمة له:
حيث إن الترويح أنواع، فمنه العقلي، ومنه الجسدي، ومنه ما هو جامع بين الاثنين، والترويح الجسدي مهم لتحقيق حاجة الجسم من الحركة اللازمة لإقامته واستمرار نشاطه.
ورسولنا ﷺ قد سابق عائشة مرتين، وكان ﷺ يخرج إلى الرمي ويحث الصحابة عليه.
ثالثاً: الترويح عن النفس مدعاة لاستزادتها من الخير:
حيث إن طبيعة الإنسان الجاد ذي الأهداف الخيِّرة أنه متى ما استراح إلى شيء من اللهو المباح فإنه يشعر أثناءه بعظم التبعة الملقاة عليه وصعوبة تحقيقها إن لم يَهْرعْ إلى ما كان عليه قبل لهوه، ويحث مطاياه على السير في ركاب الخير.
هذا وليُعلم أن الترويح ليس له حدٌّ معين، بل إن شعر المرء أنه قضى حاجته منه فها حدّه.
والترويح ليس له ضابط إلا الحل والحرمة، وما يخرم المروءة، أمّا غير ذلك فلا، والله أعلم.
وإذا كان الأمر كذلك فالترويح ميادينه كثيرة جداً، تتنوع حسَب ميول الشخص وما يهواه، والعاقل السعيد من روّح عن نفسه وأهله بنية التقوي على العبادة، وفي الميادين التي تخدم أهدافه وما يتطلع إليه، والله الموفق.
تنبيه مهم
لتعلم - أخي القارئ - أن الترويح والمستراحَ إليه أمر نسبيّ يختلف من شخص لآخر، فرُبّ شخص يستريح إلى قراءة القرآن وحفظه، وآخر يستريح إلى قراءة كتب السَّمر، وثالث يفزع إلى إخوانه في الله فيستريح إليهم، ورابعٌ راحته في التسبيح والتهليل والتكبير والاستغفار، وهكذا ...
إذاً ليس من الضروريّ أن يكون الشيء المستراحُ إليه والمستجمُّ به لهواً أو مَحْضَ تضييع للأوقات، بل يمكن أن يكون في الاسترواح فائدةٌ عظيمة.
وانظر إلى ابن عقيل الحنبيلي (٩) رحمه الله تعالى صاحب ((الفنون)) كيف يُروِّح عن نفسه:
((إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح)) (١٠).
هكذا كان أئمتنا، وهكذا نرجو أن نكون، إن شاء الله تعالى.
стр. 100
خاتمة
ثم في نهاية هذا المبحث إليك - أخي - هذه العبارات الذهبية من الحافظ الذهبي تبين لك أن التوازن بين النوازع هو طريق الصالحين وسمت المتقين:
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
((فو الله إن تريل سبع القرآن في تهجد قيام الليل، مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقضة، ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغل به مخلصً لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وإنكسار وإيمان، مع أداء
стр. 101
الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة، وصلة الرحم، والتواضع والإخلاص في جميع ذلك، لشغل (١) عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين، وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب)) (٢).
وقال الأستاذ عبد الكريم زيدان فيما يُعدّ مكمّلاً لكلام الإمام الذهبي:
((المثالية في الإسلام تتصف بالشمول؛ لأن الإسلام يريد من المسلم أن يبلغ الكمال المقدر له بتناسق وفي جميع شؤونه، فلا يُقبل على جانب واحد أو عدة جوانب ويبلغ فيه المستوى العالي من الكمال بينما يهمل الجوانب الأخرى حتى ينزل فيها إلى دون المستوى المطلوب، إن مثله مثل من يقوي يديه ويترك سائر أعضائه رخوة هزيلة ضعيفة.
وعلى هذا الأساس فهم الصحابة الكرام مثالية الإسلام، فلم تأسرهم عبادة، ولم تقيدهم عادة، وإنما تقلبوا
стр. 102
في جميع العبادات والأحوال، وبلغوا فيها المستوى العالي من الكمال، فلم يجبسوا أنفسهم في مكان، ولا على نوع من العبادة، ولا على نمط معين من الأعمال، وإنما باشروا الجميع، فعند الصلاة كانوا في المسجد يصلون، وفي حلقات العلم يجلسون معلمين أو متعلمين، وعند الجهاد يقاتلون، وعند الشدائد والمصائب يواسون ويساعدون، وهكذا كان شأنهم في جميع الأحوال)) (١).
стр. 103
عزاء
ثم - أخي - إن لم تستطع بعد كل هذه الضوابط والأسس أن تحوز الفضائل وتجمع بين النوازع فعلِّل النفس بحديث ابن الجوزي حيث يقول:
((ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا تحصيل جميعها فهم يبالغون في كل علم، ويجتهدون في كل عمل، ويثابرون على كل فضيلة، فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون)) (١).
وفي الختام أسأل الله أن يكون هذا البحث في ميزان أعمالي يوم ألقاه، وأن ينفع به عباده، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصبح وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
стр. 104
فهرس الأعلام
١ - إبراهيم بن أدهم = أبو إسحاق العجلي البلخي
٢ - إبراهيم الحربي
٣ - إبراهيم بن محمد بن الحارث، أبو إسحاق الفزاري
٤ - أحمد بن سلمة النيسابوري
٥ - أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية
٦ - أحمد بن فارس القزويني
٧ - إسماعيل بن نجيد السلمي، ابن نجيد
٨ - أبو إسحاق العلجي، إبراهيم بن أدهم
٩ - أبو إسحاق الفزاري = إبراهيم بن محمد بن الحارث
١٠ - أنس بن عياض بن ضمرة
١١ - أويس القرني
١٢ - البخاري = محمد بن إسماعيل
١٣ - بشر بن الحارث بن عبد الرحمن (الحافي)
١٤ - ابن تيمية = أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام
١٥ - ابن جُزَيء = محمد بن أحمد بن محمد الكلبي
١٦ - ابن الجوزي= عبد الرحمن بن علي بن محمد
١٧ - جلال الدين السيوطي
١٨ - حرملة بن يحي التميمي
١٩ - الحسن البصري
٢٠ - حماد بن سلمة البصري
٢١ - الحميدي= عبد الله بن الزبير بن عيسى
٢٢ - حيوة بن شريح، أبو زرعة
٢٣ - خالدبن حميد المهري
٢٤ - الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان التركماني
٢٥ - الربيع بن سليمان المرادي
٢٦ - رياح القيسي
٢٧ - زفر بن الهذيل العنبري
٢٨ - الزبير بن بكار بن عبد الله الأسدي
٢٩ - أبو الزناد= عبد الله بن ذكوان
٣٠ - السخاوي = محمد بن عبد الرحمن
٣١ - سعيد بن إسماعيل النيسابوري، أبو عثمان الحيري
٣٢ - سعيد بن محمد بن صبيح، أبو عثمان ابن الحداد
٣٣ - سعيد بن المسيّب
٣٤ - سفيان بن سعيد الثوري
٣٥ - سفيان بن عيينة
٣٦ - سهل بن محمد العجلي، أبو الطيب الصعلوكي
٣٧ - سهيل بن عمرو
٣٨ - الشاطبي = القاسم بن فيرُه
٣٩ - الشافعي = محمد بن إدريس
٤٠ - أبو شريح المعافري
٤١ - شعبة بن الحجاج
٤٢ - صفوان بن سليم
٤٣ - أبو الطيب الصعلوكي = سهل بن محمد العجلي
٤٤ - عبد الرحمن بن علي بن محمد، ابن الجوزي
٤٥ - عبد القادر بن عبد الله بن جنكي دوست الجيلاني
٤٦ - عبد الله بن ثُوَب الداراني، أبو مسلم الخولاني
٤٧ - عبد الله بن ذكوان، أبو الزناد
٤٨ - عبد الله بن الزبير بن عيسى، الحميدي
٤٩ - عبد الله بن المبارك المروزي
٥٠ - عتبة بن أبان البصري، الغلام
стр. 105
٥١ - عتبة الغلام = عبتة بن أبان البصري
٥٢ - أبو عثمان ابن الحداد = سعيد بن محمد بن صبيح المغربي
٥٣ - أبو عثمان الحيري = سعيد بن إسماعيل النيسابوري
٥٤ - ابن عقيل = علي بن عقيل بن محمد
٥٥ - علي بن عقيل بن محمد البغدادي، ابن عقيل
٥٦ - عون بن أبي جحيفة
٥٧ - الفضيل بن عياض
٥٨ - القاسم بن فيرُه، الشاطبي
٥٩ - ابن القيم = محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُرَعي
٦٠ - مالك بن أنس
٦١ - محمد بن أحمد بن عثمان، الذهبي
٦٢ - محمد بن أحمد الكلبي = ابن جزي
٦٣ - محمد بن إدريس، الشافعي
٦٤ - محمد بن إسماعيل، البخاري
٦٥ - محمد بن أبي بكر بن أيوب، ابن القيم
٦٦ - محمد بن عبد الرحمن، السخاوي
٦٧ - محمد بن المنكدر
٦٨ - محمد بن ناصر بن محمد، ابن ناصر
٦٩ - محمد بن يحيى الذهلي
٧٠ - معاوية بن قرة المزني
٧١ - معروف الكرخي
٧٢ - أبو مسلم الخولاني = عبد الله بن ثُوَب الداراني
٧٣ - ابن ناصر
٧٤ - ابن نجيد = إسماعيل بن نجيد السلمي
٧٥ - نور الدين محمود زنكي
٧٦ - النووي = يحيى بن شرف
٧٧ - هشام بن حسان الأزدي
٧٨ - هناد بن السّري
٧٩ - وهب بن عبد الله السوائي
٨٠ - وهب بن منبّه
٨١ - يحيى بن شرف، النووي
٨٢ - يحيى بن عمار السجستاني
٨٣ - يحيى بن معين الغطفاني
٨٤ - يوسف بن عبد المؤمن
٨٥ - يوسف القاضي = يوسف بن يعقوب بن إسماعيل
٨٦ - يوسف بن يعقوب بن إسماعيل، القاضي
٨٧ - يونس بن عبد الأعلى الصدفي
٨٨ - يونس بن عبيد
стр. 106
فهرست المصادر والمراجع
((القرآن الكريم))
١ - ((آفاق بلا حدود)): الدكتور محمد التكريتي. نشر دار المنطلق. الطبعة الأولى ١٤١٥هـ.
٢ - ((أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية)): د. عبد الحميد الصيد الزنتاني. الدار العربية للكتاب. ليبيا - تونس. ١٩٨٤م.
٣ - ((أصول الدعوة)): الأستاذ عبد الكريم زيدان. نشر مكتبة المنار الإسلامية. الطبعة الثالثة.
٤ - ((الأهداف الرئيسية للدعاة إلى الله)): إصدار لجنة البحوث، مكتبة دار الدعوة. الكويت. الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.
٥ - ((أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة)): الدكتور يوسف القرضاوي. نشر مكتبة وهبة. القاهرة. الطبعة الأولى.
٦ - ((بصائر تربوية)): مراجعة د. عمر الأشقر. دار النفائس. الأردن. الطبعة الأولى ١٤١٢هـ.
стр. 107
٧ - ((تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذيّ)): الإمام محمد المباركفوريّ. دار الفكر. ضبط عبد الرحمن عثمان.
٨ - ((ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة)): ترتيب الأستاذ الطاهر أحمد الزاوي. دار الكتب العلمية. بيروت. ١٣٩٩هـ
٩ - ((تهذيب مدارج السالكين)): الإمام ابن القيم. تهذيب الأستاذ عبد المنعم العزي. نشر دار المطبوعات الحديثة. جدة.
١٠ - ((جيل النصر المنشود)): الأستاذ يوسف القرضاوي.
١١ - ((حول إعادة تشكيل العقل المسلم)): د. عماد الدين خليل. كتاب الأمة. رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية. قطر. الطبعة الأولى.
١٢ - ((الرائد)): مجلة الطلائع الإسلامية. العدد ١٢٩.
١٣ - ((شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسّنة)): د. محمد علي الهاشمي. دار البشائر الإسلامية. بيروت. الطبعة ١٤٠٠هـ.
стр. 108
١٤ - ((صحيح البخاري)): تحقيق الأستاذ أحمد شاكر. دار الجيل. بيروت.
١٥ - ((صيد الخاطر)): الإمام ابن الجوزي. تحقيق الأستاذين علي وناجي الطنطاوي. دار الفكر. دمشق. الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ.
١٦ - ((لسان العرب)): الإمام أبو الفضل محمد بن منظور الأفريقي. دار صادر. بيروت.
١٧ - ((لفتة الكبد إلى نصيحة الولد)): الإمام ابن الجوزي، مكتبة التراث الإسلامي. مصر.
١٨ - ((المختار المصون من أعلام القرون)): المؤلف، نشر دار الأندلس الخضراء، جدة، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ.
١٩ - ((المصباح المنير)): العلامة أحمد بن محمد الفيومي، مكتبة لبنان. بيروت، ١٩٨٧م.
٢٠ - ((معجم مقاييس اللغة)): الإمام أحمد بن فارس. تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون. مطبعة البابي الحلبي. القاهرة. الطبعة الثانية ١٣٩٢هـ.
٢١ - ((الممتع في علم الشعر وعمله)): عبد الكريم النهشلي. تحقيق الدكتور منجي الكعبي. طبع دار الكتب العربية. ليبيا - تونس. سنة ١٣٩٨هـ.
٢٢ - ((المنهل العذب الرويّ في ترجمة قطب الأولياء النووي)): الحافظ محمد بن عبد الرحمن
стр. 109
السخاوي. تحقيق الدكتور محمد الخطراويّ. مكتبة دار التراث. المدينة المنورة. الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.
٢٣ - ((نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء)): المؤلف. دار الأندلس الخضراء للنشر والتوزيع. جدة. الطبعة الثانية. ١٤١٥هـ.