الشخص بإحباط، أو يكذب هذه الأخبار فيرتكب ما لا يسوغ:
١ - لم يكن السلف يعملون أغلب أوقات نهارهم كما نفعل الآن، بل كان أحدهم إذا كسب ما يقوته اكتفى به، فهذا الآن، بل كان أحدهم إذا كسب ما يقوته اكتفى به، فهذا عتبة الغلام (١) - من نسّاك أهل البصرة - ((كان رأس ماله فلساً يشتري به خُوصاً يعمله ويبيعه بثلاثة فلوس، فيتصدق بفلس، ويتعشى بفلس، وفلس رأس ماله)) (٢).
هذا شيخ الإسلام حماد بن سلمة (٣) إذا ربح في ثوب حبة أو حبيتين لم يبع شيئاً (٤).
فهذه الصورة لكسب الرزق لم تعُد سائغة اليوم،
стр. 37
ولا هي مطلوبة - أيضاً - في زماننا هذا الذي نريد الإمساك بزمام الأمر فيه.
٢ - كانت عندهم بركة في الوقت تكاد تكون معدومة في عصرنا، وما ذاك - والله أعلم - إلا بإخلاصهم وكثرة تحريهم للحلال.
٣ - لم تكن الحياة بنحو هذا العسر الذي نعيشه الآن، فالأماكن كانت متقاربة، والعيش سهل، ولكن انظر إذا تعطلت سيارة الشخص مثلاً كيف يعسر عيشه، أو إذا خرب شيء في منزله فكيف يتنغص ويمكث أيّاماً من أجل إصلاحه، وهكذا ...
٤ - لم تكن هناك كثير من الأمور المزعجة لنا الآن، أذ هاجس الشخص الملتزم - اليوم - هو تربية أولاده فيحتاج إلى مراعاتهم وقضاء كثير من الوقت في إصلاحهم، بينما لم يكن ذلك كذلك عند السلف، وذلك لنقاء حياتهم وصفائها وخلوّها من كثير من أسباب الفساد الكائنة
стр. 38
في هذا العصر.
وهاجس آخر - كذلك - هو توفير أسباب العيش الكريم له ولأهله؛ فقد ضافت أرزاق كثير من الناس في كثير من البلاد على وجه لم يكن معروفاً عند سلفنا، وكذلك كانوا يقنعون بالرزق اليسير ممّا لا يقنع أبناء العصر بأضعافه.
وهاجس آخر، وهو أن الشخص الملتزم في كثير من ديار المسلمين أصبح يفكر كيف يتخفى بإسلامه ودينه عن أعين الغادرين والمتربصين.
والهواجس المزعجات أكثر من أن تُحصر في عصرنا.
٥ - تغير نمط الحياة بحيث صار الشخص - إلا من رحم الله - يفكر في مستقبله ووظيفته وماله، وكذا مستقبل أولاده ووظائفهم وأموالهم، ويسعى لهذه الأمور الثلاثة سعياً عظيماً يكاد يغلب كلَّ سعي آخر.
٦ - سَعْيُ الشخص المسلم - في كثير من ديار
стр. 39
الإسلام - لإقامة دولة الإسلام قد اقتطع كثيراً من وقته، ولم يعد هناك الوقت الكافي لأن يكثر من العبادة، بخلاق أكثر السلف فإنهم كانوا يعيشون في ظل دولة خلافة إسلامية عزيزة مرهوبة الجانب، قد كفتهم - في أكثر الأحيان - هذه المؤونة.
جوانب التوازن في التعبد:
إذا عرفنا هذا كله فماذا نصنع لكي نحقق التوازن بين العبادة البدنية وغيرها من العبادات المطلوبة من المسلم كالدعوة، والتعلم، وصلة الرحم، إلخ ... ؟
هذه بعض الجوانب المساعدة على هذا - في ظني - والله أعلم:
أولاً: الأولوية إقامة الفرائض:
لابد للشخص المسلم من إقامة الفرائض كاملة غير منقوصة، ولا يُعذر في ترك شيء منها إلا فيما يعذره
стр. 40
فيه الشرع، ثم بعد ذلك يأتي بأنواع من الطاعات حسب قدرته وفراغه.
ثانياً: فعل بعض التطوعات أمر لازم لطالب الدرجات العلى:
لا محيص للمسلم - إذا أراد الدرجات العُلى - من فعل بعض الطاعات البدنية التطوعية بقدر ما يسعفه الزمان؛ لأن كثيراً من الناس يُعلل نفسه بأنه يدعوا إلى الله، أو أنه يتعلم العلم, فلا وقت عنده لصلاة تطوع, ولا قدرة عنده على صيام نافلة, فهذا يُساق له قول الفُضيل بن عياض (١) رحمه الله تعالى:
((إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم, كبّلتك خطيئتك)) (٢).
ثالثاً: العزيمة القوية:
لابد للشخص من العزيمة القوية حتى يستطيع فعل بعض الطاعات, فهذا أبو مسلم الخولاني (٣)
стр. 41
إذا فَتَر في العبادة ضرب ساقه سوطاً أو سوطين (١) , وأما التراخي والتعلّل فلا يورث إلا حرماناً من القُربُات، وقد يعتبر عن العزيمة بالهمة، والحق أن العزيمة فرع عن الهمة، فمن ارتفعت همته صحت عزيمته، والعكس صحيح، والله أعلم.
رابعاً: إقامة الحقوق الأخرى:
لابد من إقامة الحقوق الأخرى قبل القيام بالعبادات التطوعية، وأعني بها حقوق الزوج والأولاد وما يماثلها مما يتعلق بذمّة الشخص، فقد قال أبو الدرداء ﵁:
((كنت تاجراً قبل المبعث، فلما جاء الإسلام جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فتركت التجارة ولزمت البعادة)).
فقال الذهبي معلقاً على هذا:
((قلت: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله هو طريق جماعة من السلف، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع كالصَّديق وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك،
стр. 42
وبعضهم يعجز ويقتصر على البعادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز وبالعكس، وكل سائغ، ولكن لا بد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال)) (١).
وأخرج الإمام البخاري ﵀ بسنده عن عون بن أبي جُحيفة (٢) عن أبيه (٣) ((أن رسول الله ﷺ آخى بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى الدرداء مُتبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاماً فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلمّا كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي
стр. 43
حقٍّ حقّه، فأتى النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : صدق سلمان)) (١).
خامساً: الشمولية في العبادة:
لا بد من الجمع بين التطوعات المختلفة، فلا يصلح الاقتصار على العبادات البدنية فقط، بل هناك عبادات أخرى يحسن الإتيان بها: فالدعوة، والتعلم، والأمور بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصلة الرحم كلها من الأمور المهمة، بل قد تكون أهمَّ من العبادات التطوعية البدنية، وذلك - والله أعلم - لأن تلك نفعها متعدٍّ والعبادة البدنية نفعها ذاتي قاصر على العابد.
وهذا من ميزات دين الإسلام الذي جعل كل حركة يتحركها المسلم عبادةً إذا صلحت نيته وأتى بالعمل على قواعد الإسلام وأحكامه، والناظر للأديان والمذاهب لا يجد مثل هذه الميزة أبداً.
стр. 44
النازع الثالث: الدعوة إلى الله تعالى:
هذا مطلب لكثير من الملتزمين، وهو تأدية لحق العلم بالدعوة إلى الله تعالى، وهو أمر واجب في هذا العصر الذي ضلّ فيه كثير من الناس، واتّبعوا أهواءهم وشهواتهم، ونكصوا على أعقابهم، ونكثوا البيعة مع الله ﵎.
وللدعوة (شروطها، ووسائلها، ومقوماتها، وآدابها) رسائلُ كثيرة، ولكن الذي هو مطلوب البحث ذكر بعض الأمور التي يتم بها للداعية أمر دعوته من حيث التوازن والاعتدال.
جوانب التوازن في الدعوة:
أولاً: التوازن بين الدعوة وأداء القربات:
حال خوض الداعية غمار الدعوة لا ينسى أن يوازن بين التقرب إلى الله بأداء بعض العبادات البدنية
стр. 45
وبين الدعوة كما كان ﷺ يفعل؛ وذلك لأن الدعوة بدون قُرَب جفاف، والقُرَب بدون دعوة تضييع، والجمع بينهما حال الأنبياء والرسل.
قال التابعي معاوية بن قُرّة (١):
((من يدلني على رجل بكّاء بالليل بسام بالنهار)) (٢).
فهو يبكي بين يدي الله ﵎ حال قيام الليل، ويضحك في وجوه الناس في النهار تألُّفاً وتحبُّباً.
وقد سُئل أبو أسامة عن الإمامين الكبيرين الفُضَيْل بن عياض وأبي إسحاق الفزاري (٣) فأجاب بما يصلح إيراده هاهنا، إذ قال:
((كان فضيلٌ رجل نفسه، وكان أبو إسحاق رجل عامّة)) (٤).
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني (٥) ﵀:
((أتمنى أن أكون في الصحاري والبراري كما كنت
стр. 46
في الأول لا أرى الخلق ولا يروني، ثم قال: أراد الله مني منفعة الخلق، فقد أسلم على يديّ أكثر من خمسمائة، وتاب على يدي أكثر من مئة ألف، وهذا خير كثير)) (١).
ثانياً: عدم الانجراف مع الناس حال دعوتهم:
ولست أقصد أن ينجرف معهم في معاصيهم؛ لأن هذا خارج موضوع البحث، ولكني أقصد ألا ينجرف - حال دعوة الناس - إلى أن يكثر الهَذَر معهم، ويسترسل في اللغو والمزاح فيفقد تأثيره وبريقه، فلا يُقبل بعد ذلك غالب كلامه، ولله در الشاطبي (٢) ﵀ حيث قال:
هو المجتبي (٣) يغدو على الناس كلهم ... قريباً غريباً مستمالاً مؤمّلاً
стр. 47
نعم هو قريب منهم بدعوته وغريب عنهم حال هذرهم ولغوهم.
قال الإمام ابن القيم (١) رحمه الله تعالى:
((فأما ما تؤثره كثرة الخلطة فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يَسْود، ويوجب له تشتتاً وتفرقاً، وهمّاً وغمّاً وضعفاً، وحملاً لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء وإضاعة مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم، فماذا يبقى من لله والدار الآخرة؟
هذا وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلّت من رزية، وأوقعت في بلية؟ وهل آفة الناس إلا الناس، وهل كان على أبي طالب - عند الوفاء - أضر من قرناء السوء؟ لم يزالوابه حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد ...
والضابط النافع في أمر الخلطة: أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة والأعياد والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات ...
فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسلّ قلبه من بينهم كسلّ الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضراً غائباً، قريباً بعيداً، نائماً يقظاً، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه؛ لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فبين العبد وبينه (٢) أن يصدق الله ﵎، ويديم اللّجَأ إليه، ويلقي نفسه على بابه طريحاً ذليلاً، ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة، والذكر الدائم بالقلب واللسان، ولا يُنال هذا إلا بعدة صالحة، ومادة قوة من الله ، وعزيمة صادقة، وفراغ من التعلق بغير الله تعالى)) (٣).
ولله در الشافعيّ حيث يرشد تلميذه يونس بن عبد الأعلى (٤) فيقول:
((يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقُرناء السُوء، فكن بين المنقبض والمنبسط)) (٥).
وهذا وَهْب بن مُنَبِّه (٦) ﵀ قد جاءه رجل فقال:
((قد حدثت نفسي أن لا أخالط النّاس، قال: لا تفعل، إنه لابدّ لك من النّاس ولا بد لهم منك، ولهم إليك حوائج ولك نحوها، ولكن كن فيهم أصمّ سميعاً، أعمى بصيراً، سكوتاً نطوقاً)) (٧).
ثالثاً: الإقلال من مخالطة المدعوِّين إلا لغرض صحيح:
وهذا لأن الداعية قد يلتبس عليه الأمر فيخالط
стр. 48
المدعوّين لسبب وبدون سبب، ويكثر من زيارتهم كثرة تفضي به إلى أن تكون زيارته عادة وليست عبادة، فيضيع الغرض الصحيح الأوّل من الزيارة، نعم كثرة الزيارة لغرض صحيح أو لإصلاح مدروس أمرٌ لا غبار عليه بل هو من المندوبات.
قال الحميدي (١) ﵀:
لقاء الناس يفيد شيئاً ... سوى الهَذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال
رابعاً: الإقلال من مخالطة الدعاة إلا لغرض صحيح:
قد يعتاد الداعية زيارة إخوانه الدعاة كثيراً فيضيع وقته وأوقاتهم، ويأخذ من وقت المدعوِّين بدون حق، فيجب على الداعية ألا يكثر من زيارة إخوانه الدعاة إلا لغرض صحيح من تنسيق في أعمال الخير، أو تخطيط
стр. 49
لغزو بعض القلوب الصَّدئة ونحو ذلك.
ويحسن بالدعاة ألا يتأثروا من قلة زيارة إخوانهم لهم؛ إذ المعيار هو الأخوّة وتقارب القلوب, وليس الدليل على المحبة كثرة الزيارة, فقد جاء يوسف القاضي (١) إلى الإمام إبراهيم الحربي (٢) فقال له:
يا أبا إسحاق, لو جئناك على مقدار واجب حقِّك لكانت أوقاتنا كلها عندك. فقال:
((ليس كل غيبة جفوة, ولا كل لقاء مودة, وإنما هو تقارب القلوب)) (٣).
خامساً: التوازن في الحرص على الناس:
بعض الدعاة بسبب كثرة مخالطته للناس ومعرفته بمشاكلهم قد يضعف شعوره بمشاكلهم وتجاوبه معها, وبعض الدعاة على العكس من ذلك يكاد يتمزق كلما سمع مشكلة أو رأى منكراً, والمطلوب التوازن.
стр. 50
فقد حث الله رسوله الأعظم ﷺ على ألا يهلك نفسه حسرة على قومه فقال:
((لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين*) (١).
وقال سبحانه:
((فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً*)) (٢).
والبَخْع: الهلاك.
ولكنه قد غلب الناس في هذه الأزمنة تبلد شعورهم بمشاكل المسلمين, فيا حبّذا أن يتوازن هذا الأمر في الداعية, فلا يتأثر تأثراً يفضي به إلى عدم القدرة على العمل وإلى الإحباط واليأس, ولا يضعف هذا الشعور في نفسه فيتبلد حسه.
كان أويس القَرَنيّ (٣) ((إذا أمسى تصدّق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب, ثمّ قال: اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به, ومن مات عُرياً فلا تؤاخذني به)) (٤).
стр. 51
وهذا الزاهد أبو عثمان الحيري (١) ((طلب في مجلسه مالاً لبعض الثُّغور فتأخر, فتألّم وبكى على رؤوس النّاس فجاءه ابن نُجيْد (٢) بألفي درهم فدعا له)) (٣).
سادساً: التوازن بين كره التصدي والشهرة وبين وجوب قيادة الناس:
الداعية يكره التصدر والشهرة بطبعه لإخلاصه وبعده عن الرياء, ولكن ماذا يفعل إن تعينّ عليه نصح الجمهور وإرشادهم للحق, فإنه لا ينبغي له الفرار من الميدان بدعوى كراهية الشهرة والتصدر, كما أنه لا ينبغي له طلب الشهرة وإرادة التصدر لئلا يجرح إخلاصه.
قال تعالى:
(وأجعلنا للمتقين إماماً*) (٤).
стр. 52
وقال سبحانه قاصاً كلام سيدنا يوسف ﵊:
(أجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم*) (١).
فهاتان الآيتان توضحان أن المسلم هو الرائد والدليل, بل قد ينبغي له طلب هذه الوظيفة الشريفة.
وقد يكون في قلب المتصدر المخلص حبٌ للشهرة وهو لا يشعر به ولا يريده, ولكنه نازع من نوازع النفس الإنسانية لا يؤخذ عليه إن شاء الله, فهذا إبراهيم بن أدهم (٢) يقول:
((ما صدق الله عبدٌ أحب الشهرة)).
فيعلق الذهبيّ قائلاً:
((علامة المخلص الذي قد يحب شهرةً ولا يشعر بها أنه إذا عُوتب في ذلك لا يَحْرد ولا يبرىء نفسه, بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي, ولا يكن معجباً بنفسه لا يشعر بعيوبها, بل لا يشعر أنه لا يشعر, فإن هذا داءٌ مزمن)) (٣).
стр. 53
وقد أكثر السلف من التحذير من طلب التصدر وحب الشهرة, فهذا شيخ المالكية أبو عثمان ابن الحدّاد (١) يقول:
((ما صد عن الله مثل طلب المحامد وطلب الرفعة)) (٢).
ويقول الذهبي ﵀ محذراً من حب الشهرة:
((فربما أعجبته نفسه وأحب الظهور فيعاقب ... فكم رجل نطق بالحق وأمر بالمعروف فيسلط الله عليه من يؤذيه لسوء قصده وحبه للرئاسة الدينية, فهذا داء خفيٌ سارٍ في نفوس الفقهاء, كما أنه سارٍ في نفوس المنفقين من الأغنياء ... وهو داء خفيّ يسري في نفوس الجند والأمراء والمجاهدين, فتراهم يلقون العدو ويصطدم الجمعان وفي نفوس المجاهدين مخبآت وكمائن من الاختيال وإظهار الشجاعة ليُقال (٣) ... يضاف إلى ذلك إخلال بالصلاة وظلم للرعيّة وشرب للمسكر
стр. 54
فأنى ينصرون؟ وكيف لا يخذلون؟ ... فمن طلب العلم للعمل كسره العلم, وبكى على نفسه, ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء تحامق واختال وازدرى بالناس وأهلكه العجب ومقتته الأنفس)) (١).
والذي يحب الصدارة معرّض للذل، كما قال أبو الطيب سهل الصعلوكي: (٢)
((من تَصدّر قبل أوانه فقد تصدّى لهوانه)) (٣).
وكما قال زُفَر بن الهذيل (٤):
((من قعد قبل وقته ذَلّ)) (٥).
وهذه الأقوال إن انطبقت على محب التصدر والشهرة وعديم الإخلاص فلا تنطبق - إن شاء الله - على داعية
стр. 55
تصدّر لإرجاع قومه إلى الحق وإلى طريق مستقيم حتى لو شُهر وعرف فلا بأس عليه - إن شاء الله تعالى - وله أسوة بالرسل الكرام، فهم أعظم الناس شهرة، وكذلك المصلحون والدعاة من بعدهم.
وما أجملَ قول الفُضَيْل ﵀:
((من أحب أن يُذكر لم يذكر، ومن كره أن يُذكر ذُكر)) (١).
وقد وازن الفُضَيْل - أيضاً - هذا الأمر قائلاً:
((إن استطعت ألا تكون محدثاً ولا قارئاً ولا متكلماً (٢)، إن كنت بليغاً قالوا: ما أبلغَه وأحسنَ حديثه وأحسنَ صوته فيعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغاً ولا حسن الصوت قالوا: ليس يحسن يحدّث وليس صوته بحسن، أحزنك ذلك وشق عليك فتكون مرائياً، وإذا جلست فتكلمت لم تبال من ذمك ومن مدحك فتكلم)) (٣).
وقد يكون المرء كارهاً للشهرة من باب التواضع الكاذب الذي سول لصاحبه أنه أضعف وأصغر من أن يشتهر ويعرف, وهذا داء سارٍ في كثير من الصالحين ولولاه لتمكنوا من ارتياد آفاق أعظم لدعوتهم ودينهم.
стр. 56
النازع الرابع: الجهاد في سبيل الله:
يطير المسلم شوقاً إلى الجهاد, وكلما دعاه الداعي إليه رغب فيه وحنّ إليه, والجهاد - لا شك - من أعظم القُرب وأفْعَلها في النفس وأشدها تأثيراً, استمع إلى قوله تعالى:
((* إن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فأستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم*)) (١).
فالذي يسمع هذا النداء العلويّ الجليل لا بد أن يستجيب إن كان في قلبه إيمان قويّ.
جوانب التوازن في الجهاد:
وللتوازن بين نازع الجهاد وبين النوازع الأخرى
стр. 57
من دعوة وتعليم وعبادة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر لا بد من ذكر التالي:
أولاً: العلم والدعوة قد يفضلان الجهاد الكِفائي:
قد يكون العلم والتعليم والدعوة أفضل من الجهاد الكفائي في بعض الأحيان, وخاصة في هذا الزمان الذي قد يتصدر فيه للجهاد كثير, ولكن المتصدر الحكيم للتعليم والدعوة نادر أشبه بالمفقود, فالمتصدر - الصادق الحكيم - للدعوة يفعل في الأمة - أحياناً - ما لا يفعله جمع من المجاهدين.
يقول يحيى بن معين (١) رحمه الله تعالى:
((الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله)).
فقال له محمد بن يحيى الذهلي (٢).
((الرجل ينفق ماله ويتعب نفسه ويجاهد فهذا أفضل منه؟
قال: نعم, بكثير)) (٣).
стр. 58
فهذا رأي يحيى بن معين في ذلك الزمان؟ فكيف في هذا العصر الذي قلّ فيه من ينشر العلم ويدعو بصدق وحكمة.
ثانياً: وجوب الاستعداد للجهاد:
من كان الجهاد مفضولاً في حقّه فليس معنى هذا أنه ينسى الاستعداد له نفسيّاً وعقلياً وبدنياً, بل ينبغي له أن يكثر من ذكره ويتمنّى الشهادة ويرغب فيها, بل يجعلها أسمى أمانيه, ويتحسّر على الجهاد إذا فاته, فهذا يونس بن عبيد (١) الإمام التابعيّ ((نظر إلى قدميه عند الموت وبكى, فقيل: ما يبكيك أبا عبد الله؟ قال: قدماي لم تغبرَّ في سبيل الله)) (٢).
ولقد كان الكثير من السلف مستعدين للجهاد,
стр. 59
فهذا الإمام البخاري (١) رحمه الله تعالى كان يركب إلى الرمي كثيراً, وكان لا يُسبق في إصابته الهدف (٢).
وهذا السلطان الصالح نور الدين محمود الشهيد (٣)
((كان يكثر اللعب بالكرة فأنكر عليه فقير (٤) فكتب إليه: والله ما أقصد اللعب, وإنما نحن في ثغر فربّما وقع الصوت (٥) فتكون الخيل قد أدمنت على الانعطاف والكرِّ والفرّ)) (٦).
وهذا سلطان الموحِّدين يوسف بن عبد المؤمن (٧) ((أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تُملى على الجند, وكان هو يملي بنفسه وكبار الموحِّدين يكتبون في ألواحهم)) (٨).
стр. 60
وهذا العالم الصالح حَيْوة بن شُريح (١) إمام المصريين قد قال مرّة لبعض نواب مصر:
((يا هذا, لا تخليَنّ بلادنا من السلاح, فنحن بين قبط لا ندري متى ينقضّ, وبين حبشي لا ندري متى يغشانا, وبين رومي لا ندري متى يحلّ بساحتنا, وبربري لا ندري متى يثور)) (٢).
وأمّا سؤال الله الشهادة فقد كان الصالحون يكثرون منه, فهذا عتبة الغلام بات عند رياح القيسيّ (٣) فسمعه يقول في سجوده:
((اللهم احشر عتبة من حواصل الطير وبطون السِّباع)) (٤).
أي أن يستشهد في معركة ويُترك حتى تأكل الطير والسباع من لحمه.
وقد غفل كثير من الصالحين عن الاستعداد للجهاد, فهم إذ نادى مناديه لا أدري كيف سيستجيبون ولسان حالهم الناطق بالعجز أفصح من مقالهم.
стр. 61
ثالثاً: معرفة أنواع الجهاد:
هناك جهاد بالنفس وهو أعلاها مرتبةً, وهناك جهاد بالمال وهو من أعظم الأمور خاصةً في هذا العصر, وهناك جهاد بالقلم, وهناك جهاد بالدعوة, وهناك جهاد للنفس, وغير ذلك, فمن لم يوفق للجهاد بالبدن فليس أقل من أن يجاهد بماله أو بلسانه؛ لأن هناك قوماً من الصالحين إذا تخلف عن الجهاد بالنفس صار إلى حبّ الدنيا والتشبث بها, كأنه لا منزلة بين المنزلتين, فهو إمّا أن يجاهد بنفسه أو يركن إلى الدنيا, وهذا غير صحيح, فهو إن لم يجاهد بنفسه فلا بدّ أن تكون حياته بين قومه جهاداً حقيقياً باللسان وبالحال وبالدعوة وغير ذلك.
وقد غفل كثير من إخواننا الصالحين عن هذا المعنى, فهم في ترف ودَعَة, وكأنهم بعدم خروجهم للجهاد البدني لعذر ما قد سقطت عنهم جميع أنواع الجهاد الأخرى.
стр. 62
النازع الخامس: طلب المال:
أهمية المال:
المجتمع الإسلاميّ- اليوم - في أمسِّ الحاجة إلى المال ليقيم به حياة إسلامية كريمة, والمال عصب لكثير من المشاريع الإسلامية النافعة, وكل مناحي العمل الإسلامي في حاجة إليه, إذ هو أساسٌ في الجهاد, والدعوة, والإعلام الإسلاميّ, واللجان الخيرية, وهيئات الإغاثة إلخ ... باختصار هو أساس لا غنى عنه, فهل يلام المسلم الملتزم إن بحث عنه وجدّ في طلبه للأغراض المذكورة آنفاً, لا ليس عليه لوم, فقد قال سعيد بن المسيَّب (١).
((لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يعطي منه حقّه ويكفّ به وجهه عن الناس)) (٢).
стр. 63
وقال ابن المنكدر (١):
((نعم العون على تقوى الله الغنى)) (٢).
وقال وهب بن منبِّه:
((الدرهم خواتيم الله في الأرض, فمن ذهب بخاتم الله قضيت حاجته)) (٣).
وقيل للإمام أبي الزِّناد (٤).
((لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: لأنها وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها)) (٥).
وقال الثوري (٦):
((كان المال فيما مضى يُكره, فأمّا اليوم فهو تُرس المؤمن)) (٧).
((ونظر إليه رجل وفي يده [أي سفيان] دنانير, فقال: يا أبا عبد الله, تمسك هذه الدنانير؟
стр. 64
قال: اسكت, فلولاها لتمندل بنا الملوك)) (١).
ولتحقيق التوازن في طلبه لا بد من تدبر الآتي:
أولاً: وجوب كون المال في اليد لا في القلب:
فإن حب المال للمال إذا تمكّن في القلب أهلك صاحبه, فقد قال هشام بن حسّان (٢):
((سمعت الحسن (٣) يحلف بالله: ما أعز أحدٌ الدرهم إلا أذله الله)) (٤).
ولكي يضمن الأخ الداعية عدم تغير نفسه بكثرة المال فإن عليه أن يستكثر من قراءة سير الصالحين الذين جمعوا بين الغنى والأموال الطائلة وبين الزهد والتطلع إلى الآخرة وما عند الله ﵎, ومن أعظم من
стр. 65
جمع بين الأمرين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف
﵄؛ إذ أن كثرة مالهما معروفة, وكانا - مع ذلك - مبشريْن بالجنة.
ثانياً: عدم الإغراق في طلب المال:
وهذا أمر خطير؛ إذ في غمرة حماس الأخ وتطلعه إلى جمع المال قد ينسى دعوته وعبادته فيقسو قلبه وتجف روحه, وإذا رأيته فكأنك ترى أحد أبناء الدنيا المتكالبين عليها والذين لا يبالون بأمر آخر غير حبها وتفضيلها.
فكم من نفوس زكية خربت, وكم من صلات أخوية متينة تقطعت بسبب التهافت على جمع المال ونسيان الآخرة, والحوادث أكثر من أن تحصر, ولكني أضرب - لما أقوله - ثلاثة أمثلة:
أعرف أخاً صالحاً داعية ثقة دخل مضمار الدنيا ففتح عليه قليلاً فظن أنه قد فاز, فابتلاه الله تعالى بأمور متعددة نتج عنها قطع صلاته بإخوانه, وخسرت الدعوة
стр. 66
أخاً كان من المأمول أن يرتقي بها ويعلي من شأنها, وخسر هو إخوانه الذين هم رأسماله الحقيقي.
وأعرف آخر, ليس كسابقه, ولكنه مسلم مستقيم, ترك وظيفته لأجل طلب الدنيا التي استدرجته حتى وقع في حبائلها, فأصبح الآن يُرثى لحاله؛ إذ هو بعيد عن الله تعالى, مكروه من الناس, ممقوت حتى من أقرب أهله إليه, هذا بخلاف ما اعتاده- الآن - من كذب وغش وخداع.
وأختم بثالث كان نشيطاً في الدعوة محباً لها حينما كان موظفاً, فسوّل له الشيطان ترك الوظيفة والالتحاق بركب التجار, وكانت له أعذار في هذا- كالعادة - فغرق في بحر التجارة شيئاً فشيئاً حتى نسي المعاني العليّة التي كان يدعو لها, وتقهقر نشاطه, وفتر عزمه,
وتشوش باله, وتفرق قلبه.
هذه بعض أمثلة توضح ما يمكن أن يصيب الأخ
стр. 67
الداعية إذا جرى في المضمار بغير فرس جيد وبغير لجام.
وقد قال أبو الدرداء ﵁ موضحاً ذلك:
((أعوذ بالله من تفرقة القلب. قيل: وما تفرقة القلب؟
قال: أن يُجعل لي في كل واد مال)) (١).
ثالثاً: المسارعة في إنفاقه لوجه الله تعالى:
قد يسوَل الشيطان لأصحب الأموال جمعها وعدم الإنفاق منها بدعوى استعدادهم لمشاريع آخرَ، وهذا المنطق قد يجر صاحبه إلى أن يكتنز الأموال فلا يراها المحتاجون الذين كان جمْعُ هذا المال من أجلهم، كما هو الظاهر.
نعم قد يقال إن هذا أمر نفسي لا يُطلع عليه، ولكني أردت أن أحذر إخواني حتى لا يكونوا مثل ذلك الداعية
стр. 68
الواعظ الذي كان له جلالة عجيبة وأتباع وأنصار، ولكنه لما مات وجودا له أربعين وعاء مختومة مليئة بالأموال لم يفك ختمها، فقال الذهبي:
((كان من كبار المذكِّرين، لكن ما أقبح بالعالم الداعي إلى الله الحرص وجمع المال)) (١).
رابعاً: وجوب التخصص في هذا الباب:
وأعني بذلك أنه ليس لكل داعية أو مسلم ملتزم الخوض في جمع المال بغرض الإكثار منه للإنفاق في سبيل الله تعالى؛ إذ لابدّ من ضوابط في هذا الباب، باب التجارة، تحكمه وتوجه العاملين فيه، فلا يصلح للتفرغ لهذا الأمر داعية قدوة، ولا غرٌ ضعيف لا يفقه حيل الدنيا غرق فيها، إلخ ...
وأقول هذا
стр. 69
حتى لا يطغى جمع المال - بدعوى الإنفاق منه في سبيل الله - على غيره من الجوانب المهمة في حياة المسلم، فيضيع في تلك الأودية.
стр. 70
المبحث الثالث
التوازن والتنازع
стр. 71
واقعية هذا البحث:
قد عرضت في الصفحات الماضية النوازع المختلفة التي تتأجّج في نفس المسلم الغيور، وأَوضحُ بأن تحقيق الاتستجابة لنازع أو اثنين أمر قد يكون ميسوراً، ولكن كيف السبيل لتحقيقها كلها أو غالبها فيصير الإنسان قدوة؟
وقبل أن أجيب على هذا السؤال هناك سؤال آخر يدور بخلد الكثيرين، وهو مدى واقعية هذا المبحث وإمكانية تحققه في هذه الحياة المعقدة كثيرة المطالب.
ولابدّ قبل الإجابة على هذا السؤال التوضيح بأن
стр. 72
هذا الكتاب كله لم يصنف لقاعدي الهمّة، أو للمحبَطين اليائسين الذين من صميم عملهم إحباط أي فكرة متفائلة أو عل الأقل الغضّ من شأنها، إنما وضع هذا الكتاب لمن هو عالي الهمة، قويّ الإرادة، ترى بريق العزم في عينيه، ويفصح لسانه عن مخبوء صدره وعقله، فإن كنت من هذا الفريق، أو ممن يطمح لأن يكون منهم فواصل القراءة مستعيناً بالله، وإن كنت من فريق المثبطين فاعزم على فراقهم، والاستئناس بما ورد في هذا الكتاب في مسيرتك الجديدة: (والله معكم ولن يتركم (١) أعمالكم) (٢).
إذاً قد يسأل سائل مستغرباً مستنكراً: هل هذا بحث واقعي يمكن إيجاد أو تحقيق ما يصبو إليه كاتبه من كتابته؟!
стр. 73
أو هو مثاليات وكلام مُرسل لا قيد له ولا ضابط؟
وللإجابة على هذا السؤال لابد من بيان أنه حتى يُتحقق من واقعية هذا الأمر وإمكانية تطبيقه يُنظر إلى جانبين اثنين:
الأمر الأول: هل حدث مثل هذا التوازن بين المتنازعات في عصور السلف الذين فهموا الإسلام وطبقوه أو حتى فيمن جاء بعدهم؟!
وأما الأمر الآخر: هل يمكن أن يحدث هذا التوازن في هذا الزمان؟ سواء أحدث في العصر الأول أم لم يحدث؟
أما الأمر الأول فقد تحقق جزماً فيسيرة سيد المرسلين ﷺ ،فقد كان ﷺ قويَّ الإيمان، راسخ اليقين، بل أعظم الناس في هذا ﷺ ، وكان سيد العابدين الزاهدين، وكان مجاهداً عظيماً، وقائداً بطلاً شجاعاً، كما كان ﷺ خير الناس لأهله وأقاربه، وهو ﷺ كذلك - أعظم
стр. 74
الناس تربية لصحبه وأزواجه وأولاده، وهكذا لا تكاد تجد جانباً من جوانب التفوق إلا وقد حازه رسول الله ﷺ على الوجه الأعظم (١).
وهناك أمثلة أخرى لبعض صحابة رسول الله ﷺ تتفاوت في تحقيق الجمع بين الفضائل والموازنة بينها، ولكني أحب بيان حال من جاء بعدهم لشهرة الصحابة ولقلة من يَعرف مَنْ جاء بعدهم.
وهناك مثل مضيء من عصور السلف وهو الإمام بقيّ بن مخلد محدث الأندلس وعالمها وزاهدها، وأعرض عليكم سيرته لتعرفوا ما أقصده، قال الذهبيّ رحمه الله تعالى:
стр. 75
((كان بَقيّ يختم القرآن كل ليلة، في ثلاثَ عشرةَ ركعة، وكان يصلي بالنَّهار مئة ركعة، ويصوم الدهر. كان كثيرَ الجهاد، فاضلاً، يذكر عنه أنه رابط اثنتين وسبعين غَزْوة.
ونقل بعض العلماء من كتاب لحفيد بَقيٍّ عبد الرحمن ابن أحمد:
كان جدِّي قد قسَّم أيامَه على أعمال البرِّ: فكان إذا صلى الصُّبح قرأ حزبه من القرآن في المصحف، سُدسَ القرآن، وكان أيضاً يَخْتم القرآن في الصلاة في كل يوم وليلة، ويَخْرج كل ليلة في الثلث الأخير إلى مسجده فيختم قُرب انصداع الفجر، وكان يُصلي بعد حزبه من المصحف صلاةً طويلةً جداً، ثم ينقلب إلى داره - وقد اجتمع في مسجده الطلبة - فيجدِّد الوضوء، ويخرج إليه، فإذا انقضت الدُّول (١)، صار إلى صومعة المسجد، فيصلي إلى الظهر، ثم يكون هو المبتدئ