← Общие книги

Общие книги · id 36504

التوريث الدعوي

محمد بن موسى الشريف

Полный текст (64 стр.). Показаны 36–64 · переход к 41.

стр. 36

ترجمة حافة سماها ((الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)) (١)، وكان ابن حجر يتفرّس في تلميذه السخاوي خيراً ويخصه بأشياء، وكان السخاوي من أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قرب منزله منه، فكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر (٢) وكان الحافظ ابن حجر يعلم شدة حرص تلميذه فيقابل حرصه بحرص أيضاً على تعليمه، ((فكان يرسل خلفه أحياناً بعض خدمه لمنزله يأمره بالمجيء للقراءة)) (٣). هذا فيما يتعلَّق بالعلماء مع طلبتهم، أما الدعاة فقد حرص كثير منهم على توريث دعوته لغيره من الناس باللقاء معهم، وإفادتهم من تجاربه، وتوريثهم من علمه وفنِّه، وكان منهم من يخص بعض طلبته بمزيد من الاعتناء والتوجيه، وذلك متضح في سير بعض الدعاة، منهم: ١ - جمال الدين الأفغاني (٤) وتلميذه الأستاذ محمد

стр. 37

عبده (١). ٢ - الأستاذ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا (٢).

стр. 38

٣ - الشيخ محمد محمود الصواف (١) وأستاذه أمجد الزهاوي (٢).

стр. 39

وعلاقة هؤلاء الثلاثة بمشايخهم وثيقة إلى حد كبير جداً، ولقد ورثوا منهجهم وطريقتهم في الدعوة، وكان للمشايخ أثر كبير في حياة التلاميذ الأعلام، وهذه العلاقة ينبغي أن تكون منهجاً يُسار عليه ويُصار إليه، ونبرات يضيء لنا الطريق إلى الاستفادة من كبار العلماء والدعاة الأحياء حتى لا يأتيهم الأجل إلا وقد وُرِثوا وراثة حقيقية نافعة (١).

стр. 40

النوع الثاني كتب الذكريات أو المذكرات من المصادر الثرية بالتجارب التي تستحق الاعتناء بالتوريث وتوقيف الأجيال عليها كتب الذكريات أو المذكرات، وذلك لأن أصحابها سطَّروا فيها عصارة تجربتهم وخلاصة حياتهم، بعد أن خبروا الحياة وخبرتهم، وعاركوها وعركتهم، وواجهوا مواقف كثيرة خرجوا منها بنجاح أو فشل، وبلوا الناس وعرفوهم، فجاءت تلك الكتب على ما يشتهي القارئ ويحب غالباً (١). والمذكرات في كل المجتمعات والبيئات ثروة طائلة يعتنى بها وتبرز وتدرس، بل إنها تكون محطَّ أنظار الباحثين الاجتماعيين والناظرين المتدبرين في أحوال وسنن الحياة، والمؤرخين الذين يربطون بتأريخهم الماضي

стр. 41

بالحاضر والذاهب بالآتي، وبعض عظماء الرجال والنساء في الغرب يراودون لكتابة مذكراتهم بالملايين الطائلة، وما ذلك إلا لمعرفة دور النشر بالأهمية البالغة التي تمثلها هذه المذكرات، وإقبال الناس عليها إقبالاً منقطع النظير. هذا وإنه في ديارنا العربية قصور كبير في التعامل مع المذكرات كتابة وقراءة، أما القراءة فلانصراف أكثر الناس عن قراءة كل نافع مفيد في المجالات الأدبية والاجتماعية والتاريخية والدعوية وغيرها، وأما كتابة الذكريات والمذكرات فإن أكثر العظماء عندنا - وما أكثرهم مقارنة بغيرنا من الأمم والشعوب- منصرفون عن هذه الكتابة لسبب أو لآخر، فيموت الواحد منهم عندما يموت وقد خلَّف حسرة في النفوس من ضياع تجارب كثيرة تناقلتها الألسن والأذهان ثم أصبحت في طيِّ النسيان كلها أو أكثرها، نعم إن بعض العظماء لا يتمكن من كتابة مذكراته لأنه غير آمن أن يؤاخذ بسببها، لكن ما لا يدرك جُلُّه لا يترك كله، ويمكن لكاتب الذكريات أن يكتب قدراً كبيراً من تجاربه من غير حرج ولا قلق (١). والذي ينبغي على كل من يظن أن عنده تجارب تستحق الكتابة والنظر فيها ألا يتردد في كتابتها ولا يحقرنّها

стр. 42

فتذهب أدراج الرياح، وما أحسن ما قاله الأديب الدكتور إحسان عباس (١) عندما قال: ((فاتحني عدد غير قليل من الأصدقاء في أن أكتب سيرتي الذاتية، فأخذ اقتراحهم يمثل هاجساً يدور في نفسي ويستثير ذاكرتي، ولذا توجهت إلى أخي بكر عباس أسأله رأيه في الأمر، فكان جوابه المباشر أن قال: لا أنصحك بذلك؛ لأن حياتك تخلو أو تكاد من أحداث بارزة تثير اهتمام القارئ وتطلعاته، كان ما قاله أخي وصديقي بكر صحيحاً، فأنا أعرف أنني لم أشارك في أحداث سياسية، ولم أتولّ مناصب إدارية، ولم أكن عضواً في حزب، ولم أكن مسؤولاً عن مشروعات اقتصادية، إلى آخر ما هنالك من نشاطات تعرِّض الفرد للمسؤوليات الاجتماعية والوظيفية، وعلى الرغم من ذلك كله وجدتني أميل إلى كتابة سيرتي - ومنهجي فيها التزام الصدق فيما أسرده- لا لأن ما أكتبه تاريخ مهم، بل لأنه يمثل تجربة إنسان حاول في كل خطواته أن يخلص للعلم بصدق ومحبة ... )) (٢). هذا وهناك بعضٌ من الناس لا ترقى ذكرياتهم إلى أن تنشر على الناس لخصوصيتها المطلقة أو لضعفها النسبي أو

стр. 43

لغير ذلك، فمثل هؤلاء يصح لهم أن يكتبوا ذكرياتهم لأنفسهم أو لأولادهم وأحفادهم، قال الأستاذ علي الطنطاوي- رحمه الله تعالى- في ذكرياته: ((أوصي كل قارئ لهذه الفصول أن يتَّخذ له دفتراً يدوِّن فيه كل عشية ما رأى في يومه، لا أن يكتب ماذا طبخ وماذا أكل، ولا كم ربح وكم أنفق، فما أريد قائمة مطعم ولا حساب مصرف، بل أريد أن يسجل ما خطر على باله من أفكار وما اعتلج في نفسه من عواطف، وأثر ما رأى أو سمع في نفسه، لا ليطبعها وينشرها فما كلُّ الناس من أهل الأدب والكتابة والنشر ولكن ليجد فيها يوماً نفسه التي فقدها)) (١). لكن قد تساوي ذكريات بعض الدعاة ممن ليست له دُربة أدبية ولا لغة راقية ذكريات جماعة كبيرة من الأدباء من حيث قيمتها وأهميتها، فيمكن للأخ الداعية أن يسطرها للنشر بلغة مقبولة على الأقل مرتفعة عن الخطاب السوقي العامي، وسيعوض غزارة ما فيها من ذكريات مهمة النقص في الأسلوب أو الركاكة في بعض الجُمل، والله أعلم (٢). والذي ينبغي على كل من انصرفت همته لكتابة ذكرياته ونشرها الآتي: ١ - التعجيل بكتابتها قبل الهرم والشيخوخة، فإن المرء

стр. 44

الهرم يملُّ ويكلُّ، وينسى كثيراً من الأمور المهمة التي مرّت عليه في حياته، وقد تسقط من ذاكرته للأبد، فالقيد هنا بالتبكير بالكتابة مهم، وما أصدق ما قاله الأستاذ علي الطنطاوي -رحمه الله تعالى- عندما كتب ذكرياته في حال شيخوخته: ((لم أجد عندي شيئاً مكتوباً أرجع عند تدوين الذكريات إليه وأعتمد عليه، وما استودعتُ الذاكرة ضعفت الذاكرة عن حفظه، وعجزت عن تذكُّره، لذلك أجّلت وما طلت، وحاولت الهرب من غير إبداء السبب)) (١). وقال أيضاً: ((وليس لدي أوراق مكتوبة أدوِّن فيها الحادثة عند حدوثها وأصف أثرها في نفسي، وهذا تفريط كان مني لم يعد إلى تداركه من سبيل)) (٢). وقال أيضاً: ((كنت أغرف من بحر وأنا اليوم أنحت في الصخر، كان الفكر شاباً فشاخ ... كان قلمي يجري على القرطاس كفرس السباق لا أستطيع أن أجاريه فأمسى كالحصان العجوز أجرُّه فلا يكاد يُجَر، كانت المعاني حاضرة والقلم مستعداً ... )) (٣). وقال الأستاذ إحسان عباس:

стр. 45

((إن كان هناك من عيب في الإقدام على كتابة مثل هذه السيرة فذلك هو أنها تأخرت في الزمن، وكان من الحق أن أكتبها قبل حلول الشيخوخة وامتلاء النفس بألوان من المرارة والخيبة)) (١). وهناك علاج ناجح لتذكر عدد من الوقائع التي أصبحت طيّ النسيان ألا وهو أن يجتمع مدون ذكرياته بمجموعة تذكره ما نسيه، وتطرح عليه أسئلة مناسبة لتجعله يتذكر ما أغلفه وأهمله، فتسأله عن أشخاص محددين أو قضايا محددة، وهذا مفيد مجرب. ٢ - تسطير الوقائع كما وقعت مع التعليق عليها بما هو مناسب للمقام حتى تكتمل الفائدة المرجوّة من إيرادها، فإن بعض الوقائع لا يكاد القارئ يفقه المراد من تسطيرها أو يجهل سبب وقوعها، أو لا يدرك خلفيات الأحداث ومجرياتها، لذلك لا بد من كتابة الوقائع مع التعليق المناسب، واستخلاص العبر والعظات مما جرى، فإن ذكريات الدعاة ليست كغيرها من الذكريات. ٣ - التدرج في كتابة الذكريات: إذا أن أكثر ما يصد الناس عن كتابة ذكرياتهم ضخامة ما فيها من معلومات وتفاصيل، فإذا نظر إلى شريط حياته وتدبَّره فإنه سيوقن بعظم ماهو مقبل عليه، ومثل هذا قد

стр. 46

ينصرف كلياً عن كتابة أي شيء، خاصة إن كان في زمان الشيخوخة أو حولها، وبعضهم قد يكتفي بكتابة شيء يسير يضيع على الناس معه كنوز عظيمة، فعلاج مثل هذا أن يشجع على الكتابة ولو نصف ساعة كل يوم، أو أن يجمع له بعض الطلبة النابهين يسجلون له ما يقول في جلسات متعددة طويلة، ويحفزون ذاكرته بما يلقونه عليه من أسئلة، وهذا مجرَّب نافع لا شك، وكم من ممتنع عن كتابة ذكرياته سَلُس قياده بمثل هذه الأفكار، وليُعلم أن هؤلاء كنز للأجيال اللاحقة، فليحرص عليهم وليُتخير منهم من عظمت قيمة ذكرياته بعظيم ما ورد فيها من أحداث. ٤ - كتابتها بالأسلوب الأدبي المناسب، فإن بعض الأشخاص المتعرضين لكتابة الذكريات لا يرقى أسلوبهم إلى أن يكون جذاباً مشوِّقاً، وقد ينصرف القارئ تماماً عن الكتاب بسبب هذا، لذلك ينبغي الاعتناء بطريقة الكتابة اعتناء مناسباً، وحبذا لو سُوعِد من كان لا يستطيع تسطير ذكرياته على وجه مناسب بشخص يصوغ له الأحداث بأسلوب جيد مناسب. ٥ - عدم إيراد ما يؤذي الآخرين، فإن الأحداث ليست ملكاً لصاحب الذكريات فقط بل هي له ولغيره، فلا يورد شيئاُ يرى أنه يضرُّ الآخرين بوجه أو بآخر، وإن فعل فليغفل الأسماء، وليبتعد بالسياق عما يمكن أن يعرف منه أسماء الأشخاص مما يجرُّ إليهم الأذى أو الحرج، فإن

стр. 47

ذلك لا يجوز، وهو من خوارم المروءة. ٦ - عدم الاستطراد إلا بقدر، والإيجاز في إيراد الأحداث، فإن أهل هذا العصر لا يحتملون التطويل، ولا يقبلون على القراءة إقبال القدامى عليها، فالإطناب يحرم القراء من الثروات التي في الذكريات، كما أن الإيجاز يرغّبهم في قراءة الذكريات والإقبال عليها. ٧ - وينبغي أن يُعلم أنه بقدر ما تسطر في الذكريات من مهمات الوقائع سيكون الإقبال عليها والاستفادة منها، فليحرص كل كاتب لذكرياته أن يجتهد في كتابة ما ينفع العامة، لا أن يجعلها ميداناً للحديث عن نفسه والفخر بما صنع، ولا بأس في الحديث عن نفسه بقدر لكن لا يجعلها كأنها كانت محوراً للأحداث، والصانعة لها، فإن الحديث عن النفس ثقيل، فليخفف منه كل من كتب ذكرياته ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، والله أعلم (١).

стр. 48

النوع الثالث اللوائح (١) اللوائح تضبط قضية التوريث أيما ضبط، وتنقل للأجيال الخبرة على وجه ليس فيه إفراط ولا تفريط، وقضية اللوائح والاعتناء بها قضية مهملة في المؤسسات الدعوية إلا قليلاً منها، وذلك في المؤسسات الحكومية والشعبية وإن كانت الحكومية أحسن حالاً من أختها قليلاً، فتجد تلك المؤسسات والهيئات إذا تغير موظَّفوها أو مسؤولوها فإن مَن يأتي بعدهم يبدأ من المكان الذي ابتدأ من سلفه، ويقع في الأخطاء نفسها التي وقع فيها مَن قبله، وذلك في مجالات التوظيف، وإدارة الأعمال، والتعامل مع الآخرين، ووضع الخطط، إلخ ....

стр. 49

فينبغي إذاً على كل من كان على رأس هذه المؤسسات أن يعتني كل الاعتناء بأن يستفيد من جهود من قبله ولو لم تكن على هيئة لوائح مكتوبة منضبطة، ثم يجتهد في وضع اللوائح التي تضبط عمل مؤسسته في جميع المجالات، وليورث ذلك لمن يجيء بعده؛ فإن العمل الدعوي لن يرتقي إلا على أمثال هذا الصنيع أو ما يقاربه. ولأضرب المثل على ما قلت فإني أذكر الواقعة التالية: طلب أحد المسؤولين عن إحدى المؤسسات التعليمية في دولة آسيوية خطة متكاملة عن قضية التعامل مع مؤسسة أخرى، فلما وضعت هذه الخطة بعد جهد جهيد تذكر أحد أفراد المؤسسة أن هناك خطة وضعت في عهد المدير السابق، فبحثوا عنها طويلاً فلم يجدوها، وهذا التفريط من قبل المسؤولين في الاحتفاظ بالخطة السابقة أدّى إلى تضييع جهود الفريقين اللذين وضعا الخطة: السابق واللاحق، وأدّى أيضاً إلى عدم معرفة الحال الذي كتبت فيه الخطة السابقة لبناء الخطة الحالية عليها، وإذا أريد معرفة مكمن الخلل فسيتضح في أنه ليست لتلك المؤسسة اللوائح اللازمة للتوريث، فلم يدر المسؤول اللاحق مجالات عمل الإدارة السابقة ولا ما

стр. 50

اعتنت به أو أهملته؛ إذ ليس هناك مرجع على الإطلاق يمكنه من الإحاطة بأعمال من سبقه. وينبغي أن يُعلَم أن قضية التوريث مرتبطة ارتباطاً عظيماً بقضية مهمة ألا وهي قضية الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل.

стр. 51

النوع الرابع الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل الدعاة عندما يكتبون إنما يضعون عصارة تجاربهم في مؤلفاتهم، ويقصُّون على الأجيال قصة كفاحهم، وعملهم في دعوتهم، أو يبينون لهم كيف يخطون الخطى الواثقة لاستعادة المجد لأمتهم، والملاحظ أن كثيراً من شباب الدعاة قد انصرف كلياً أو جزئياً عن مؤلفات أولئك الأئمة، وأن عدداً كبيراً من هؤلاء يجهل حتى أسماء تلك الكتب، أو أنه قد اطلع عليها منذ سنوات طويلة خلت فلم يعد يتذكر ما سطَّروه فيها، صحيحٌ أن هنالك كتباً كتبت في ظروف معينه ولم تعد ملائمة لهذا العصر إلا من باب التأريخ للدعوة، كالكتب التي ردَّت على المذاهب الشيوعية والاشتراكية والوجودية والقومية العربية، وغيرها من الكتب التي كانت نافعة في زمنها لدعاة ذلك العصر الغابر الذي أنقذنا الله تعالى منه، لكن أكثر الكتب التي كتبت ما زالت تمثِّل ضياء

стр. 52

على طريق الدعاة، ورشاداً يسترشدون به في زمانهم هذا، وإنه لمن العجيب أن يقبل الدعاة على رسائل وكتب تعد فرعاً من تلك الدوحة السامقة، ولو رجعوا إلى الأصل لاستفادوا فائدة عظيمة. إن تضييع تلك الكتب لهو إهمال لقضية التوريث الدعوي برمتها، ودليل على هوان أولئك الأعلام على دعاة هذا العصر، الذين لو عقلوا لوضعوا تلك المؤلفات في الموضع اللائق بها، ولأسَّسوا لها اللجان والمراكز التي تستخلص أهمَّ مافيها وتنشره ليطَّلع عليه أهل هذا الزمان وليورِّثوه لمن بعدهم التوريث اللائق المطلوب (١).

стр. 53

- التوريث مع التقويم والتحسين والإضافة: إن التوريث لا تتم فائدته، ولا يظهر أثره إلا بالإضافة عليه وتحسينه، والارتقاء به، وهذا فيه كلام تقدم قبل ذلك ذِكْرُ أهميته (١)، وقال الدكتور محمد أبو فارس موضحاً ومبيناً: ((إن مما لا شك فيه أن هذه الأمة خرّجت من الدعاة والعلماء والفقهاء والمحدِّثين والمصلحين والوعَّاظ الزاهدين وغيرهم مما لا يحصرهم كتاب، وهؤلاء عاشوا في ظروف مختلفة وأماكن متباعدة، ومع شعوب مختلفة وأجناس متعددة، فعلّموها ودعوها إلى الخير والإصلاح، وأمروها بالمعروف ونهوها عن المنكر، وواجهوا في سبيل ذلك مشاكل ومصاعب، وابتكروا من الأساليب ما عالجوا ما كان يَجِدّ من المشاكل، فأصبح عند كل قوم أو بلد أو جيل تجربة لعلمائه وفقهائه ومصلحيه ووعاظه، وكانت هذه التجارب ينقلها التلاميذ عن الشيوخ فيزيدون عليها ويحسنون فيها. إن تجارب هؤلاء الدعاة على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم وتخصصاتهم معين ثَرُّ لا ينضب، على الدعاة أن يبحثوا عن هذه الأساليب ويستفيدوا منها ويُحسِّنوها)) (٢).

стр. 54

المبحث الثالث عقبات أمام التوريث السليم ١. سوء التخطيط والعشوائية. ٢. الجهل بأهمية التوريث. ٣. خوف العواقب. ٤. الانشغال بقضايا الساحة الملحة. العقبة الأولى: سوء التخطيط والعشوائية: وهي آفة كثير من الدعاة، بل إن بعضهم - هداهم الله تعالى - يرون العشوائية ديناً يدينون به، ويحرِّمون التخطيط بدعوى أنه لم يكن في زمان رسول ﷺ ووسائل الدعوة توقيفية، إلى آخر الكلام الذي بلغ الغاية في السقم والركاكة الفكرية، والبراهين الناقضة لهذه الأفكار السقيمة أوضح من الشمس، لكن ليس محلها هذه الرسالة التي تتحدث عن شيء محدد، وعلى من أراد التوسع في هذا أن ينظره في مكان آخر (١)، فمن لم ير التخطيط شيئاً مشروعاً فكيف يفكر في التوريث أو يخطر هذا بذهنه أصلاً.

стр. 55

أما آفة كثير من الدعاة فهي خلاف هذا الذي وقع فيه بعض ضعاف الفكر وضيِّقي الأفق، وتتلخص في أنهم يخططون لكن بسذاجة بالغة مبلغاً غير مقبول، أو أن بعضهم اتخذ العشوائية سبيلاً ومنهجاً لحياته فلا يسير على هدى مرسوم ويخبط خبط عشواء في كثير من أموره، وفي جملتها قضية التوريث هذه، ومثل أولئك لا علاج لهم على الحقيقة إلا إعادة التفكير بعمق وجدية ليغيِّروا من طريقتهم، ويستقيموا على جادّة تخالف ما هم عليه اليوم، هذا إن أرادوا لدعوتهم أن تنجح يوماً ما أو أن تحقق شيئاً ملموساً في حياة الناس. والعجيب أن هذه الفئة لا ترتضي منهجها الدعوي منهج للتجارة أو لإدارة المؤسسات أو للإشراف على توزيع المال وإنفاقه، فكيف ترتضي ذلك في قضية هي من أهم قضايا العصر على الإطلاق ألا وهي الدعوة إلى الله تعالى؟! العقبة الثانية: الجهل بأهميته التوريث: وهذه عقبة كأداء؛ إذ المرء عدوُّ ما يجهل، والإنسان مفطور على حب القديم والخوف من التغيير، ولو فكر الداعية قليلاً فإنه سيخرج بنتيجة مفادها أن التوريث إبقاء على شيء كثير من القديم الجيد ونبذ الرديء عنه، وأنه

стр. 56

سبيل للمحافظة على ما يراه هو الحق أو الصواب أو الأفضل، فلِمَ يخشى التوريث إذاً؟ وهذا الجهل لا يليق بالأخ الداعية؛ إذ أنه يدعو الناس دوماً إلى الاستفادة من المعطيات والمواهب والطاقات، وإلى القراءة العميقة المستفيدة من كل جديد جيد، فكيف يليق به البقاء على جهله في أمر مهم كهذا؟ العقبة الثالثة: خوف العواقب: وهذه العقبة ناشئة عن أمرين أوَّلهما: ما سقته في العقبة الثانية. والآخر منهما: هو أن الداعية قد يخشى أن يتضرر أحد من الناس بهذا التوريث، أو أنه قد يجر عليه متاعب لا طاقة له بها؛ فهو بهذا تجده هياباً من نقل التجربة ويفضل بقاء ما كان على ما كان، ومثال على ذلك قضية الذكريات سالفة الذكر؛ فإني قد لقيت أساتذة ومشايخ وعلماء ودعاة يحرصون كل الحرص على عدم كتابة مذكراتهم، وسبب هذا هو إما خوفهم من الأنظمة المتسِّلطة في بعض البلاد التي ابتليت بمناهج تخالف منهج الإسلام لئلا يُحاسَب على شيء مما كتب، أو أنه يخشى أن يتضايق فلان وفلان أو أن يغضب عليه فلان وفلان، ولقد بينت لبعضهم أن ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه، فاكتب ما

стр. 57

استطعت كتابته وخَلِّف ذلك للأجيال وورِّثهم إياه؛ فإنه كنز عظيم وخلاصة وعصارة تجارب، وقد وعد بعضهم بالاستجابة وأصرَّ آخرون على عدم الكتابة للسببين اللذين سقتهما آنفاً، هذا وقد أوردت شيئاً من ضوابط كتابة الذكريات في الفصل السابق، لكن ناسب المقام هنا إعادة ذكر بعضه. العقبة الرابعة: الانشغال بقضايا الساحة الملحَّة: إن جمهرة كبيرة من العاملين في الساحة الدعوية يشكون من قلة الوقت وكثرة الأعباء، وهذا يعوقهم أحياناً عن كثير من الأعمال المهمة، وهذا يعوقهم أحياناً عن كثير من الأعمال المهمة، وقد يعوقهم عن التفكير الصحيح أحياناً أو تغيير المسار إذا ثبت فشله أو ضعفه، بل إنه قد حصلت مناقشات بيني وبين أحد الدعاة في مسألة الارتقاء بعمله وفتح آفاق فيه، فتعجب الرجل مما سمع، وأظهر الجهل التام بما أقوله وأرشده إليه، على أن ما أقوله - في الحقيقة- لا يمثل شيئاً فريداً، إنما هو حصيلة تأملات في بعض لحظات الصفاء القصيرة، فدهشت لاندهاشه وتعجبت لاستغرابه: كيف لم يفكر في مثل هذا من قبل؟! وهذا الذي مثلت بحاله هو - تقريباً - حال العدد الأكبر من الدعاة في هذا العصر الذي امتلأ بالمشكلات والعقبات والتعقيدات في جوانب كثيرة تلتصق بالداعية نفسه أو ببيئته.

стр. 58

فكيف يراد إذاً من هذا الداعية الموزع على جبهات أن يفكر في قضية التوريث أو يعيرها اهتماماً؟! لكن ينبغي معرفة أن قضية التوريث من الضخامة إلى الحد الذي لا ينبغي إغفالها أو تجاوزها - كما بينت فيما سبق - أو جعلها من القضايا التي تنجز إن اتسع لها الوقت، إذ هي أكبر من هذا وأهم.

стр. 59

مسألة أخيرة مهمة: الضعف يورَّث كما أن الإيجابيات تورث: هناك مجموعة من السلبيات في مجتمعات الدعاة يتوارثونها فيما بينهم ويتوارثونها أيضاً خلفاً عن سلف، فخُلف الوعد، والتأخر عن المواعيد المضروبة، وعدم المبالاة بأحوال المجتمع السيئة، وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلة الاعتناء بالعبادات فرائض وسنناً، واليبوسة في الخُلق، والجفاف في القلوب، وعدم الاكتراث بالارتقاء الدائم، إلى أخر ما هنالك من صفات سيئة، يتوارثها الدعاة فيما بينهم، وتقع فيما يسمى ((اللاشعور))، فالداعية إن اجتمع بأقرانه قد يتأثر بما هم عليه من ضعف أو انحراف فتصبح صفة متأصلة فيه يورثها لآخرين معه، ويورثها لمن بعده أيضاً. وهذه الصفات السيئة الآنفة الذكر وغيرها كثر التحذير منها في كتب متداولة، وليس السياق مناسباً للتعرض لها والتحذير منها لكنها سيقت لبيان أن التوريث قد يقع في الشر كما يقع في الخير، وأن على الداعية العاقل العامل أن يتخير أحسن ما يقع عليه من سلوكيات وأخلاق ليكتسبها ولتكون سلوكاً يومياً له ثم يورثها لمن بعده.

стр. 60

الخاتمة الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد تبين لي بعد كتابة هذا البحث ما يلي: ١. الأهمية القصوى لهذا الموضوع لما يترتب عليه من إنجاح الأعمال، ووصل السابق منها باللاحق، لذلك أنصح إخواني الدعاة بالأخذ به بقوة وعدم إهماله أو التقصير فيه. ٢. أهمية أن يُكتب فيه كتابة أوسع من هذه، وأن يُقعّد له القواعد اللازمة، وحبذا لو اعتنى بهذا الموضوع أحد الدارسين الباحثين، فيضع فيه رسالة علمية قوية، وحسبي أن يُعد ما كتبته مفتاحاً للبحث في هذه القضية المهمة. ٣. وهناك اقتراح حبذا لو وجد طريقه إلى التنفيذ؛ ألا وهو التنادي إلى مؤتمر يضم أهل الشأن والاختصاص

стр. 61

في المؤسسات الشرعية والدعوية والتربوية لينظروا في وضع لوائح محكمة تضمن حسن العمل وجودة توريثه للأجيال المقبلة، والارتفاع عن العشوائية في العمل والنظر؛ خاصة أن من سبقونا في الإدارة والتخطيط والعمل المحكم في الشرق والغرب أخذوا بهذا الأمر وطبقوه منذ أزمنة طويلة. وهذا ما تيسر لي في هذه الخاتمة من توصيات، والله تعالى أعلم وأحكم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 62

فهرست المصادر والمراجع * ((القرآن الكريم)) ١. ((الأعلام)) الأستاذ خير الدين الزركلي (ت١٣٩٧). نشر دار العلم للملايين. بيروت. الطبعة الخامسة سنة ١٩٨٠م. ٢. ((أسس في الدعوة)): د. محمد عبد القادر أبو فارس. ٣. ((تفسير القرآن العظيم)) الإمام ابن كثير = إسماعيل بن عمر (ت ٧٧٤)، تحقيق مجموعة من الأساتذة نشر دار الشعب القاهرة. ٤. ((تقريب التهذيب)): الإمام ابن حجر العسقلاني = أحمد بن علي (ت ٨٥٢) , تحقيق الأستاذ محمد عوامة. ٥. ((تهذيب التهذيب)) الإمام ابن حجر العسقلاني = أحمد بن علي (ت ٨٥٢). نشر دار الفكر. بيروت. الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤.

стр. 63

٦. ((سير أعلام النبلاء)): الحافظ الذهبي = محمد بن أحمد (ت ٧٤٨). تحقيق مجموعة من الأساتذة. نشر مؤسسة الرسالة. بيروت. ٧. ((صحيح الإمام البخاري)) = محمد بن إسماعيل (ت٢٥٦). نشر دار الجيل. بيروت. ٨. ((صحيح الإمام مسلم بن الحجاج)) (ت ٢٧٦). نشر دار الخير. دمشق، بيروت. الطبعة الأولى سنة ١٤١٤. ٩. ((الضوء اللامع لأهل القرن التاسع)) الإمام السخاوي = محمد بن عبد الرحمن (ت ٩٠٢) نشر دار مكتبة الحياة. بيروت. ١٠. ((ذكريات الأستاذ علي الطنطاوي)) (ت ١٤٢٠)، نشر دار المنارة. جدة الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦. ١١. ((غربة الراعي)). د. إحسان عباس. نشر دار الشروق. عمان الأردن. الطبعة الأولى سنة ١٩٩٦. ١٢. ((الكامل في التاريخ)) ابن الأثير = علي بن محمد (ت ٦٣٠). نشر دار الكتاب العربي. بيروت. الطعبة السادسة. ١٣. ((في ظلال القرآن)) الأستاذ سيد قطب (ت ١٣٨٦) نشر دار الشروق. بيروت. الطبعة الحادية عشرة. سنة ١٤٠٢. ١٤. ((الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني)) مع مختصر شرحه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني: الشيخ أحمد البنا. نشر دار الشهاب. القاهرة.

стр. 64

١٥. ((معجم متن اللغة)) الأستاذ أحمد رضا. نشر دار مكتبة الحياة. بيروت سنة ١٣٧٧. ١٦. ((المعجم الوسيط)): نشر مجمع اللغة العربية. القاهرة. الطبعة الثالثة. ١٧. ((الموسوعة الحركية)): الأستاذ فتحي يكن. نشر دار البشير، عمان. الأردن. الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣. ١٨. ((نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء)): السيد الإمام الذهبي، والتهذيب لواضع هذه الرسالة. نشر دار الأندلس الخضراء الطبعة الأولى سنة ١٤١١.