← Общие книги

Общие книги · id 36504

التوريث الدعوي

محمد بن موسى الشريف

Полный текст (64 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

معالم على طريق الصحوة (١٨) التوريث الدعويّ د. محمد موسى الشريف

стр. 2

قال تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) وقال ﷺ : " إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"

стр. 3

مقدّمَة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذه رسالة في التوريث وأهميته في حياة الدعاة إلى الله تعالى، وقد دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع أمور منها: - ندرة الكتابة فيه؛ إذ أني لم أقف على من تكلم في هذه القضية، وقد أخذت على نفسي عهداً بألا أكتب في مواضيع قد طرقت من قبل طرقاً وافياً أو شبه وافٍ، وهذا الموضوع أحسب الكلام فيه جديداً، والله أعلم. - أهمية الموضوع، كما سأوضح إن شاء الله تعالى في ثنايا الكتاب. - تخصُّصه الدقيق؛ إذ أن من أحب الأمور إليّ تناول مثل هذه المواضيع الدقيقة وخدمتها وتجلية جوانبها

стр. 4

المختلفة؛ إذ نحن في عصر تخصص التخصص، والمواضيع الدعوية العامة قد قتلت بحثاً، فينبغي أن يكتب الدعاة في مواضيعَ تفتقر إليها الساحة، هذا وقد مرت الكتابة في الصحوة الإسلامية بأطوار كان منها: - طور إثبات عظمة الإسلام، وصلاحيته لكل زمان ومكان، ودعوة الناس إلى التمسك به والفخر بتعاليمه، وهذا كان في زمان انتشار الإلحاد والمذاهب الوضعية في أوائل القرن الهجري الفائت إلى الربع الأخير منه، وكان ذلك بسبب جملة عوامل لا مجال لذكرها في هذه المقدمة العَجِلة. - طور بيان طرق الدعوة إلى الله تعالى، وتثبيت الدعاة، وطرد الشبهات عن طريقهم، وتحذيرهم من الوقوع في الشهوات، وكانت تلك الكتابات في زمان لاحق للطور الأول لكنه عاصره بعد ذلك. - وكلا الطورين السابقين قد كتب فيهما كتب ورسائل كثيرة جداً، ملأت الساحة الثقافية. - والطور الذي ينبغي الكتابة في شأنه في هذا الزمان هو الطور المخصَّص للدعاة إلى الله تعالى، والذي قد يغفلون عنه في زحمة الدعوة وانشغالهم بها،

стр. 5

ويخاطبون فيها بالارتقاء بطرق الدعوة، وابتكار الوسائل الكفيلة بإحسان القيام عليها، وجعلها محوراً لالتقاء الطاقات وتفعيلها، وأحسب أن هذا المبحث- التوريث - من القضايا الدقيقة التي قد يُغفل عنها كلياً أو جزئياً؛ وهذا هو السبب المهم الذي دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع، والذي أرجو أن يكتبه الله تعالى لي حسناتٍ في صحائف أعمالي يوم ألقاه، إنه أكرم مسؤول وأعظم مأمول. وهناك سبب آخر دعاني للكتابة في قضية التوريث هذه وهو ما شاهدته في هذا العقد الأخير من موت كثير من العلماء والدعاة وأهل الفضل والصلاح، الذين عاشوا مجاهدين عاملين، ثم ماتوا ومات مع أكثرهم خبرته وتجربته، ولم يُسجل أي ذكريات أو يترك كتباً يتحدث فيها عن تجربته ودعوته وعلمه، وهذه خسارة عظيمة كبيرة، وسأوضح في ثنايا الرسالة إن شاء الله تعالى سبل تلافي هذا الأمر. هذا وقد كنت صنفت كتاب ((التدريب وأهميته في العمل الإسلامي)) قبل هذه الرسالة بمدة، وهممت أن ألحق به فصولاً في التوريث، ثم رأيت أن أفرد التوريث بالتصنيف لأهميته ولتباين بعض مباحثه عن مباحث التدريب، لكني أقرر هاهنا أنه لا بد لكل داعية إلى الله

стр. 6

تعالى، ولا بد لكل مؤسسة تدعو إلى الله تعالى من هذين الأمرين المهمين: التدريب والتوريث؛ فالتدريب يحافظ على سلامة المسيرة بل يرتقي بها، والتوريث الحسن يضمن استمرار العطاء وتناقله بين الأجيال، والله الموفق. وكتبه العبد الفقير: محمد بن موسى الشريف الموقع على الشبكة: www.altareekh.com البريد الإلكتروني: mmalshareef@hotmail.com

стр. 7

تمهيد قضية التوريث في العمل الإسلامي والدعوة إلى الله تعالى تعني أن يقدِّم السابق للاَّحق خلاصة تجاربه، وعصارة حياته الدعوية، ليبدأ اللاحق من نقطة انتهاء السابق، فهذه القضية إذاً من أهم القضايا الدعوية على الإطلاق لأنها توفر الجهود، وتسدد المسيرة، ويؤمن معها وبها الزلل والخلل إن شاء الله تعالى. والملاحظ أن الهيئات الإسلامية والتجمعات الدعوية الرسمية منها والشعبية لا تكاد تلتفت إلى هذه القضية المهمة، فتجد المسؤولين يغادرون مواقعهم التي مكثوا فيها سنوات فيأتي مَن لا خبرة له أو صاحب الخبرة الضحلة ليتولى مسؤولية عمل لم يتقنه أو لم يحط به علماً كما ينبغي، وهو إما أن يكون قد شارك في فريق ذلك المسؤول عن العمل أو أنه جديد تماماً، وفي كلتا الحالتين فإنه قد ورث تركة ثقيلة، مدار إدارتها على تعاليمَ شفوية في أكثر

стр. 8

الأحيان ليبدأ طريقاً طويلاً يكاد يكون فيه لا صلة له بمن سبقه. والضعف في قضية التوريث هذه ملحوظ في جوانب كثيرة منها: - المؤسسات الدعوية والخيرية: وذلك كهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمراكز الدعوية، والمندوبيات التعاونية الدعوية، وجمعيات تحفيظ القرآن، ومكاتب وجمعيات البر وهيئات الإغاثة، إلخ .... وهي كلها لا تكاد تملك من وسائل التوريث الصحيحة إلا مقداراً يسيراً، لا يصح أن يُكتفى به. - تدريس العلوم الشرعية: يلاحظ أنه ليس بين من يُدَرِّسون العلوم الشرعية تنسيق ولا توريث إلا في النادر، فتجد مسجداً من المساجد يدرس الشيخ فيه كتاباً في الفقه مثلاً، ويطول عجبك إذا علمت أن مساجد كثيرة تدرِّس الكتاب نفسه في وقت واحد وفي أمكنة متقاربة؛ إذ يدرِّس من شاء ما شاء بلا تنسيق ولا توريث، ثم إنه قد يفرغ الشيخ من كتابه الذي يدرسه ليبدأ بتدريس الكتاب نفسه مرة أخرى، فلا يعتني بهؤلاء الذين درسوا كتابه لينقلهم إلى مستوى أعلى أو إلى مسجد

стр. 9

آخر، ولا يكاد الشيخ يكلف نفسه النظر في الطلاب ليختار منهم النابهين ليورثهم علمه وخبرته، وهذا مما سأوضحه في ثنايا الكتاب إن شاء الله تعالى (١). - النتاج الفكري والثقافي: وقلة التوريث في هذا الجانب ملحوظ إلى حد كبير؛ إذ أن عشرات من المؤلفين يكتبون في موضوع واحد مكرر مطروق، والذي يفترض هو أن يُنظر فيما هو معروض في الأسواق ويُقوّم فإن أغنى فهذا هو المطلوب، وإن لم يُغن فيؤلف بالقدر الذي يحتاج إليه الناس، وبهذا يكمل المؤلفون في تآليفهم بعضهم بعضاً، ويورث السابق للاَّحق المادة المهمة التي يبني عليها اللاحق تأليفه، لكنا لا نجد هذا أبداً إلا في القليل النادر. وكم ألّف السابقون تآليف مهمة أُسدل عليها ستار النسيان وجاء من بعدهم ليكتب في الموضوع نفسه - سواء أعلم أم لم يعلم بالتأليف السابق - وقد يكون تأليف السابق أحسن وأعظم من تأليف اللاحق، لكن المشكلة تكمن في غياب التوريث تماماً، وكم أُلِّفت رسائل علمية في موضوعات مهمة. وقد مضى على هذه التآليف سنون عديدة، ثم يفاجأ الناس بمن يعيد التصنيف في الموضوع

стр. 10

نفسه. والسبب هو أن المؤلف المتأخر لم يعرف بالتأليف المتقدم، أو أن المصنفات المتقدمة لم تنشر وإنما بقيت مطوية في خزائن النسيان. ومثال على هذا أيضاً أننا نجد من يكتب في قيام الليل فيتبع سبيل من سبقه في التأليف بلا نظر إلى متطلبات العصر الحديث الذي يعيشه، ولا كيف يوفق بين تعقيداته ليخرج بطريقة علمية لتحقيق المطلوب من قيام الليل، وذلك لأن المؤلف اللاحق لم يكلِّف نفسه عناء وراثة السابق وراثة حقيقية نافعة. ولهذا كله كثر الغثاء في السوق الثقافية الفكرية، وكثر الطرح النظري، وقَلّ الطرح العملي المناسب لحال أهل العصر. - قلة الاستفادة من الدعاة والصالحين والعلماء: إذ أن جمهرة كبيرة من الدعاة والصالحين والعلماء يغادرون هذه الحياة بدون أن تستفيد منهم الأجيال في وراثة مفيدة قائمة على أصول علمية واضحة، ولذلك يفقد العالم الإسلامي بهذا كنزاً ثميناً لا يعوّض غالباً إلا أن يشاء الله تعالى، فلو كانت هناك مؤسسات مهمتها استقاء ماعند أولئك الدعاة والعلماء والصالحين وتتبُّع أوضاعهم وتَسقُّط أخبارهم، وتسجيل المهم من خبرتهم وأحوالهم لكان ذلك

стр. 11

أمراً حسناً يدل على عناية الأمة بالخيرة من أبنائها والعظماء منهم (١). والعجيب أن الأمم من حولنا - شرقاً وغرباً- تنبهت إلى هذه القضية المهمة في وقت مبكر، وعقدت مجامع، وأسست مراكز، وعملت كل ما في وسعها للاستفادة التامة من علمائها وأعلامها، فلا يغادرون هذه الحياة إلا وقد حصلت الاستفادة التامة من حياتهم غالباً، فحبذا لو التفتنا إلى هذا الأمر المهم، إذ أنَ الجهود المبذولة اليوم لا تكاد تقتصر على مظاهر وشكليات في هذه القضية، نعم هي مهمة لكن لا ترتقي إلى أن تبلغ المستوى المطلوب من الاستفادة والتوريث الحسن، فما الذي سيستفيده المجتمع من حفلات التكريم وجوائزها - على قلتها وندرتها وذهابها لغير أهلها عادة - إذا اكتُفي بذلك ولم يُستفد من أولئك الأعلام الاستفادة الحقيقية. وأشرع الآن في تفصيل ما أردت الحديث فيه، والله المستعان.

стр. 12

المبحث الأول معنى التوريث وتأصيله من الكتاب والسنة وعمل الصدر الأول من المسلمين ويشتمل على أربعة مطالب: - المطلب الأول: التوريث لغة واصطلاحاً. - المطلب الثاني: التوريث في كتاب الله. - المطلب الثالث: التوريث في السنة الشريفة. - المطلب الرابع: عمل الصدر الأول من المسلمين.

стр. 13

المطلب الأول معنى التوريث لغة: وَرِث، يرث وَرْثاً، ووِراثة، ووِراثاً، وتُراثاً، وميراثاً، وإرثاً، وإراثاً. صار ما خلّفه إليه فهو وارث، وهم ورثة ووُرّاث. والمال مَوْرُوث، والأب مَوْرُوث. ويقال لكل من حصل له شيء من غير تعب: قد ورث كذا. وورث ماله ومجده. وورث منه علماً: استفاد. وورّثه: خلّف له مالاً أو مجداً.

стр. 14

والوارث من أسماء الله تعالى: قال تعالى: (ولله مِيرَاثُ السَّمَواتِ والأَرْضِ). والوارثة: أن يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه فيه تبعة ولا عليه محاسبة (١). اصطلاحاً: والتوريث المقصود في هذا البحث هو ما يتركه السابق للاّحق من خبرة أو تجربة أو لوائح أو طرائق في مجال الدعوة خاصة.

стр. 15

المطلب الثاني التوريث في كتاب الله تعالى قد ذكر الله تعالى في كتابه الوارثة والتوريث مراراً (١)، وذلك علامة على أهمية هذه القضية، وقد كان الأنبياء العظام مهتمين بها أيضاً، فمن ذلك قوله تعالى قاصّاً قول زكريا ﵇: (وإني خِفْتُ المَوَلىَ مِن وراءى وكَانَتِ امرَأتي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيِّاً * يَرثُنيِ وَيَرِثُ مِنْءَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلهُ رَبِّ رَضِيّاُ*) (٢) فزكريا ﵇ يخاف انقطاع النبوة من نسله، ويريد من يرثه: يرث العلم ويرث النبوة، قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى: ((صوّر حاله، وقدم رجاءه، ذكر ما يخشاه وعرض ما يطلبه: إنه يخشى مَن بعده، يخشاهم ألا يقوموا على تراثه (٣) بما يرضاه، وتراثه هو دعوته التي يقوم عليها - وهو أحد أنبياء بني إسرائيل البارزين- وأهله الذين يرعاهم، ومنهم

стр. 16

مريم التي كان قيِّماً عليها وهي تخدم المحراب الذي يتولاه ... وهو يخشى الموالي (١) من ورائه على هذا التراث كله، ويخشى ألا يسيروا فيه سيرته ... ذلك ما يخشاه، فأما ما يطلبه فهو الولي الصالح الذي يحسن الوراثة، ويحسن القيام على تراثه، وتراثه النبوة من آبائه وأجداده ... )) (٢). وقال الشيخ الإمام ابن كثير (٣) رحمه الله تعالى: ((وجه خوفه أن خشي أن يتصرفوا بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنوبته وما يوحى إليه فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله؛ فإن النبي أعظم منزلة وأجلُّ قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حَدُّه أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد فيجوز ميراثه دونهم، هذا وجه. الثاني: أنه لم يُذكر انه كان ذا مال بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً، ولا سيما الأنبياء ﵈ فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن

стр. 17

رسول الله ﷺ قال: ((لا نورث، ما تركناه فهو صدقة))، وفي رواية عند الترمذي بسند صحيح: ((نحن معشر الأنبياء لا نورث)) وعلى هذا فتعين حمل قوله: ((فهب لي من لدنك ولياً)) يرثني على ميراث النبوة (١). ونعى الله تعالى على أقوام يرثون الكتاب بدون فهم ولا تطبيق ولا تدبر، فقال عن بني إسرائيل: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الأخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) (٢). قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى: ((صفة هذا الخلف الذي جاء بعد ذلك السلف من قوم موسى أنهم ورثوا الكتاب ودرسوه، ولكنهم لم يتكيَّفوا به ولم تتأثر به قلوبهم ولا سلوكهم، شأن العقيدة حين تتحول إلى ثقافة تُدرس وعلم يحفظ، وكلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا تهافتوا عليه ثم تأولوا وقالوا: سيغفر لنا ... )) (٣). وقال تعالى: (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شكٍ منه مريب) (٤).

стр. 18

والله تعالى يبين في كتابه العظيم أن الوراثة والتوريث بأمره ليس من ذلك شيء لأحد من الخلق، فهم ينتظرون مشيئته بتسليم واطمئنان، يقول تعالى قاصّاً قول نبيه موسى ﵇ لبني إسرائيل: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) (١) قال الأستاذ سيد رحمه الله تعالى: ((إن الأرض لله، وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها، والله يورثها من يشاء من عباده - وفق سنته وحكمته - فلا ينظر الداعون إلى رب العالمين إلى شيء من ظواهر الأمور التي تخيل للناظرين أن الطاغوت مكين في الأرض غير مزحزح عنها، فصاحب الأرض ومالكها هو الذي يقرر متى يطردهم منها)) (٢). وقال تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) (٣) الذكر هو التوراة، والزبور كتاب نبي الله داود ﵊ (٤). وهنا يتحدث الأستاذ سيد قطب -رحمه الله تعالى- حديثاً طويلاً عن هذه الوراثة ومَن يستحقها، وأختار من كلامه قوله: "ما هي هذه الوراثة؟ ومن هم عباد الله الصالحون؟ لقد

стр. 19

استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها وإصلاحها، وتنميتها وتحويرها، واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها، واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة والبلوغ بها إلى الكمال المقدّر لها في علم الله، ولقد وضع الله للبشر منهجاً متكاملاً للعمل على وفقه في هذه الأرض ... في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال ثرواتها والانتفاع بطاقاتها هو وحده المقصود، ولكن المقصود هو هذا مع العناية بضمير الإنسان ليبلغ الإنسان كماله المقدَّر له في هذه الحياة ... وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة، وقد يغلب عليها همج ومتبربرون وغزاة، وقد يغلب عليها كفار فجَّار يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالاً مادياً، ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق، والوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح ... وما على أصحاب الإيمان إلا أن يحققوا مدلول إيمانهم وهو العمل الصالح، والنهوض بتبعات الخلافة ليتحقق وعد الله وتجري سنته: ((أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)) فالمؤمنون العاملون هم العباد الصالحون (١).

стр. 20

الصالحون والميراث: ولما سبق أقول: إن الصالح يحرص على أن يُوَرَّث ميراثاً حسناً كما قال تعالى: (ثم أوثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (١) فيرث الصلاح والخير والقرآن والدعوة إلى الله تعالى، وهو كذلك يحرص على أن يُوَرِّث العمل الصالح؛ فيدع أولاداً صالحين، وأعمالاً صالحة، وذلك كان مطلباً لنبي الله إبراهيم عليه أفضل الصلاة والتسليم حيث قال: "واجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين" (٢) أي اجعل الآخرين الذين يأتون من بعدي يثنون عليّ ثناءً حسناً ويذكرونني ذكراً عاطراً، فأوتي ذلك عليه أفضل الصلاة والتسلييم كما قال تعالى (وتركنا عليه في الآخرين) (٣) ثم طلب الوراثة العظمى: (واجعلني من ورثة جنة النعيم) (٤) فأوتي ذلك ﵊، وليس أعظم من أن يترك العبد عملاً صالحاً يوّرثه لمن بعده من الأجيال، فيظل عطر ذكراه باقياً ما بقيت هذه الأرض، ويتردد صدى عمله في جنباتها يرشد العاملين ويهدي السائرين، والله الموفق.

стр. 21

المطلب الثالث التوريث في السنة الشريفة المطهرة قد ورد عن النبي ﷺ جملة أحاديث يمكن أن يستنبط منها قواعد مهمة للتوريث، ويستنبط منها- أيضاً- عنايته الكبيرة بأبي هو وأمي ﷺ بهذه القضية الخطيرة، فمن تلك القواعد: ١. تناقل العلم فيما بين الصحابة ومَن بعدهم من أجيال المسلمين، أو مَن لم يحضر ما قاله ﷺ ، فمن ذلك قوله ﷺ : ((ليبلغ الشاهدُ الغائب؛ فإن الشاهد عسى أن يُبَلِّغ من هو أوعى له منه)) (١). وفي معنى هذا الحديث وردت عدة أحاديث منها قوله ﷺ لو فد عبد القيس لما أرشدهم إلى بعض أمور دينهم: ((احفظوه وأخبروه مَن وراءكم)) (٢).

стр. 22

فهذا التناقل المشار إليه هو نوع من التوريث. ومن ذلك أيضاً ما كان من حال معاذ بن جبل ﵁ حيث يحدثه النبي ﷺ بحديث فيكتمه - كما أمره النبي ﷺ ثم يورثه لمن بعده عندما حانت منيته، فقد حدّثه النبي ﷺ ، وهو رديفه على الرَّحْل، قال: ((يا معاذُ بنَ جبل)). قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: ((يا معاذ)). قال: لبيك يا رسول الله وسعديك (ثلاثاً). قال: ((ما من أحد يشهد أن لا إله ألا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار)). قال: يا رسول الله، أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: ((إذاً يتكلوا)) وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً (١) ٢. الاهتمام بنوعية التوريث وأنه ينبغي أن يكون في الأمور الجامعة المهمة للأمة:

стр. 23

ومثال ذلك قوله ﷺ في شأن وراثة الأنبياء: ((إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) (١). ٣. التشجيع على توريث العمل الصالح: فهذا النبي الأعظم ﷺ يذكر في حديث له قضية يمكن أن تدرج ضمن التشجيع على التوريث، وهي قضية الأعمال الصالحة التي تتناقلها الأجيال بإعجاب ويكون أجرها للعامل الأول، فقد قال ﷺ : ((من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا يَنقص من أجورهم شيء)) (٢).

стр. 24

٤. جملة من الأعمال الإدارية للدولة الإسلامية الأولى: هناك عدد من الأعمال التي شرعها النبي ﷺ وهي مبينة لاهتمامه ﷺ بهذه القضية، فمن ذلك إقراره لمبدأ الشورى لإدارة شؤون الدولة، وكذلك إشارته الواضحة بتولية أبي بكر الصديق ﵁ من بعده، ومبادئ الحرب التي كان يبينها لهم ﷺ والعلاقات بين الدول، وإقامة الحدود لحفظ الأمن والنفوس، وغير ذلك من القضايا الكثيرة التي سقت أمثلة لها فقط، وإلا فالدين كله توريث على الحقيقة، فكيفية الصلاة والزكاة والحج والصوم والمواريث وغير ذلك هي أنواع من التوريث، لكني إنما ذكرت هاهنا ما نص عليه النبي ﷺ أنه توريث أو أشار إليه إشارة واضحة.

стр. 25

المطلب الرابع عمل الصدر الأول من المسلمين ومَن بعدهم كان الصدر الأول من المسلمين يشيع فيهم التوريث في كثير من أمورهم، فهذا كتاب الله تعالى وقد ورثوا عمله خلفاً عن سلف وكابراً عن كابر، وورثوا طريقة قراءته كذلك، وهذه أحاديث رسول الله ﷺ ورثوها بأسانيد متصلة، وقُل الشيء نفسه في الشعر الذي كان ديوانهم، ويتوارثونه جيلاً بعد جيل، وكل ذلك قبل عصر التدوين وانتشار الكتابة والكتب، وهناك بعض الأمثلة المهمة في التوريث كانت منتشرة بينهم، فمن ذلك: ١. المدارس الفقهية: كان الصحابة ﵃ قد تفرقوا في الأمصار، وكان عند بعضهم علمٌ سمعه من رسول الله ﷺ ووعاه قلبه مع من وعاه، وبعضهم تفرَّد بعلم لم يكن عند الآخرين،

стр. 26

فبثُّوا كل ذلك في الأمصار التي سكنوها، حيث التفّ حول كل واحد من أولئك الأطهار مجموعة من التلاميذ ورثوا علمهم فاستفادوا منه أيَّما استفادة، ومثال على ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ (١) الذي استقر في الكوفة، وورث علمه جماعة كثيرة منهم علقمة (٢) - وهو من أجلِّ تلاميذه- والأسود بن يزيد (٣) وغيرهما، وورث علم أولئك وغيرهم جماعة منهم إبراهيم النَّخَعي (٤) وورث علم إبراهيم جماعة أجلّهم حماد بن أبي سليمان (٥).

стр. 27

ثم جاء الإمام أبو حنيفة (١) الذي ورث علم كل أولئك حيث كان تلميذاً لحماد وعليه تفقَّه. وأسس مدرسة للفقه في الكوفة، وما زال تلاميذه يتوارثون علمه إلى يوم الناس هذا. وقل الشيء نفسه في المدارس المختلفة التي نشأت في زمان السلف كالمدرسة المالكية والشافعية والحنبلية. ٢. الوصايا: الوصية نوع من أنواع التوريث، حيث يوصي الرجل بما رآه نافعاً وصالحاً، وهي خلاصة تجارب، ومجموعة حكم إن صدرت من حكيم مجرب، والوصية من مثل هذا كنز يحافظ عليه، ويعتنى به. وللوصايا أصل وسلف في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فقد جاء في كتاب الله تعالى قوله جلَّ وعز: (ذالكم وصاكم به لعلكم تذكرون) (٢). وقال تعالى قاصّاً وصية بعض الأنبياء العظام: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (٣) (٤).

стр. 28

ورسولنا ﷺ وصى صحابته بأمور مهمة فقال ﷺ : ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة)) (١). ووصى ﷺ على فراش الموت: بـ ((الصلاةَ وما ملكت أيمانكم)) (٢). وقد كثر اعتناء المسلمين من بعده ﷺ بالوصايا، وقد جرى عدد من أئمة المسلمين وساداتهم على الوصية التي تحمل خلاصة التجارب والحِكَم، فمن ذلك وصية أبي بكر الصديق لعمر الفاروق رضي الله تعالى عنهما حيث قال له: ((إني قد استخلفتك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وأوصاه بتقوى الله، ثم قال: يا عمر: إن لله حقاً بالليل لا يقبله في النهار، وحقاً في النهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، ألم تر يا عمر: إنما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثِقَله عليهم (٣)، وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه غداً إلا حق أن يكون ثقيلاً. ألم تر يا عمر: إنما خفّت موازين مَن خفّت موازينه

стр. 29

يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخِفّته عليهم (١)، وحُقّ لميزان لا يوضع فيه إلا باطل أن يكون خفيفاً. ألم تر يا عمر: إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغباً راهباً؛ لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ماليس له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه (٢). ألم تر يا عمر: إنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم فإذا دكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون منهم، وأنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم - لأنه تجاوز لهم عما كان من سيِّء - فإذا ذكرتهم قلت: أين عملي من أعمالهم (٣). فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من حاضر من الموت ولست بمعجزه)) (٤) (٥). ٣. الاعتناء بعلوم الأمم الأخرى وتوريثها توريثاً صحيحاً: وهذا أعظم ما أسدته الأمة الإسلامية إلى الأمم

стр. 30

الأخرى بعد إرشادها إلى الإسلام وإهدائه إياهم، وذلك أن الفاتحين الأوائل ﵃ وقفوا على علوم أمم متحضرة مادياً إلى درجة كبيرة، فمن ذلك الحضارة المادية المصرية والآشورية والكلدانية، والفينيقية والرومانية وغير ذلك من الحضارات، فقاموا بنقل كل ذلك تقريباً إلى اللغة العربية فأحسنوا (١)، ولم يكتفوا بنقله وتوريثه إلى الحضارة الأوروبية إبان عصر النهضة في الغرب كما يدعي بعض المستشرقين والمستغربين أن المسلمين كانوا جسراً فقط لنقل حضارة الأولين إلى الغرب، بل أضافوا إليه وهذبوه ووضعوا القواعد العلمية للاستفادة مما نقلوه، فبزغت لهم شمس حضارة سطع على الدنيا شعاعها زماناً طويلاً، وكانت على الحقيقة السبب الرئيس لنهضة الغرب التي قامت على أنقاض الحضارة الإسلامية الرائعة التي فرط فيها أهلها تفريطاً بيِّناً، فالمسلمون لم يورِّثوا الأمم الأخرى عقيدتهم الصافية فقط بل ورَّثوهم معها أسباب الحضارة ومفاتيح العلوم، لكن كثيراً من الأمم - لضلالها وبعدها عن أسباب الهداية - اكتفت بأخذ العلوم وقطف ثمارها، وضلّت عن أسباب الهداية والرشاد عصبية وحمية جاهلية، والعياذ بالله.

стр. 31

المبحث الثاني أنواع من التوريث ينبغي الاعتناء بها ١. لقاء الدعاة والعلماء والصالحين. ٢. كتب الذكريات أو المذكرات. ٣. اللوائح. ٤. الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل. هناك أنواع من التوريث يحسن إظهارها والاعتناء بها حتى تتم الاستفادة منها، ولأجل أن تتناقلها الأجيال تناقلاً حسناً، وجيل اليوم - بل المسلمون منذ أجيال- مقصِّرون في الاعتناء بها وتوريثها لمن بعدهم توريثاً حسناً، وهذه مشكلة من المشكلات الكبيرة في مجتمعاتنا الإسلامية عامة، وفي البيئات الدعوية الشرعية خاصة، وفي تقديري أنه إذا أُحسن التعامل معها ووضعت الحلول الناجحة لها فإن مردود ذلك سيكون ضخماً رائعاً جليلاً، فمن هذه الأنواع:

стр. 32

النوع الأول لقاء الدعاة والعلماء والصالحين إن من أعظم طرق التوريث المخالطةَ المباشرة مع الدعاة والعلماء العاملين والصالحين، فإن أكثر هؤلاء لم يترك مذكرات، ولم يورث كتباً ولا رسائل ولا تجارب مكتوبة، فإن ماتوا ماتت معهم تجاربهم وعلومهم إلا من شاء الله تعالى أن يبقي له ميراثاً تتناقله الأجيال. وسبيل تعويض ذلك هو الاستفادة من أولئك العظماء في حياتهم، والمكوث معهم والأخذ منهم، فهذه وراثتهم، ولقد حرص السلف على ذلك حرصاً عظيماً فضربوا بذلك أحسن الأمثلة في اعتنائهم بعلمائهم الأحياء وأخذ ما عندهم من العلم؛ فهذا الإمام مالك بن أنس (١) - إمام دار الهجرة- يقول:

стр. 33

((كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه)) (١)، فلتتصور هذا أيها القارئ ولتعجب طويلاً من أولئك العظماء. وهذا مهدي بن حسان (٢) يقول: ((كان عبد الرحمن بن مهدي (٣) يكون عند سفيان (٤) عشرة أيام وخمسة عشر يوماً بالليل والنهار، فإذا جاءنا ساعة جاء رسول سفيان في أثره يطلبه، فيدعنا ويذهب إليه)) (٥) فهذا حرص عظيم من الطالب والأستاذ معاً رحمهما الله تعالى. وكان العلماء يعرفون أهمية هذا الأمر، فربما خصُّوا بعض طلبتهم بوراثة علمهم أو أن الطالب قد نبغ بين طلاب شيخه فعرف وخُصّ به؛ وهذا كان حال جماعة من السلف والخلف رحمهم الله تعالى، أذكر منهم:

стр. 34

١ - حبر الأمة عبد الله بن عباس وبعض طلبته الذين اصطفاهم: وكانوا جماعة اشتهروا بالأخذ عنه والاختصاص به، فمنهم: مجاهد بن جََبْر المكي (١)، وقتادة بن دِعامة السَّدوسيّ (٢)، وقد ورّث أولئك الطلبة عمله حتى أن مجاهداً قرأ عليه القرآن ثلاث مرات من فاتحته إلى خاتمته يسأله عنه، فقد قال رحمه الله تعالى: ((قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت)) (٣). ٢ - شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) وتلميذه الحافظ ابن القيم (٥):

стр. 35

هذا وقد عرف القاصي والداني شدة تعلق ابن القيم بابن تيمية رحمهما الله تعالى، وشدة اختصاصه به وانتصاره له، رحمهما الله تعالى، وكان ذلك ناتجاً عن المعاشرة الطويلة والقرب من الأستاذ. ٣ - شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني (١) وتلميذه الحافظ السخاوي (٢): وتعلق السخاوي بشيخه معلوم، حتى أنه وضع له

стр. 36

ترجمة حافة سماها ((الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)) (١)، وكان ابن حجر يتفرّس في تلميذه السخاوي خيراً ويخصه بأشياء، وكان السخاوي من أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قرب منزله منه، فكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر (٢) وكان الحافظ ابن حجر يعلم شدة حرص تلميذه فيقابل حرصه بحرص أيضاً على تعليمه، ((فكان يرسل خلفه أحياناً بعض خدمه لمنزله يأمره بالمجيء للقراءة)) (٣). هذا فيما يتعلَّق بالعلماء مع طلبتهم، أما الدعاة فقد حرص كثير منهم على توريث دعوته لغيره من الناس باللقاء معهم، وإفادتهم من تجاربه، وتوريثهم من علمه وفنِّه، وكان منهم من يخص بعض طلبته بمزيد من الاعتناء والتوجيه، وذلك متضح في سير بعض الدعاة، منهم: ١ - جمال الدين الأفغاني (٤) وتلميذه الأستاذ محمد

стр. 37

عبده (١). ٢ - الأستاذ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا (٢).

стр. 38

٣ - الشيخ محمد محمود الصواف (١) وأستاذه أمجد الزهاوي (٢).

стр. 39

وعلاقة هؤلاء الثلاثة بمشايخهم وثيقة إلى حد كبير جداً، ولقد ورثوا منهجهم وطريقتهم في الدعوة، وكان للمشايخ أثر كبير في حياة التلاميذ الأعلام، وهذه العلاقة ينبغي أن تكون منهجاً يُسار عليه ويُصار إليه، ونبرات يضيء لنا الطريق إلى الاستفادة من كبار العلماء والدعاة الأحياء حتى لا يأتيهم الأجل إلا وقد وُرِثوا وراثة حقيقية نافعة (١).

стр. 40

النوع الثاني كتب الذكريات أو المذكرات من المصادر الثرية بالتجارب التي تستحق الاعتناء بالتوريث وتوقيف الأجيال عليها كتب الذكريات أو المذكرات، وذلك لأن أصحابها سطَّروا فيها عصارة تجربتهم وخلاصة حياتهم، بعد أن خبروا الحياة وخبرتهم، وعاركوها وعركتهم، وواجهوا مواقف كثيرة خرجوا منها بنجاح أو فشل، وبلوا الناس وعرفوهم، فجاءت تلك الكتب على ما يشتهي القارئ ويحب غالباً (١). والمذكرات في كل المجتمعات والبيئات ثروة طائلة يعتنى بها وتبرز وتدرس، بل إنها تكون محطَّ أنظار الباحثين الاجتماعيين والناظرين المتدبرين في أحوال وسنن الحياة، والمؤرخين الذين يربطون بتأريخهم الماضي
следующие страницы →