إهداء
إلى الأقصى السجين، وفلسطين المغتصبة ...
إلى أفغانستان المنسية، والعراق المنكوب ...
إلى القائمة الأمريكية الطويلة من الإرهابيين ... !
إلى كل مسلم ليعرف مسئوليته التي سيحاسب عليها يوم لا ينفع مال ولا بنون ...
إلى القائمة الطويلة من الأمميين ..
مسيحيين ومسلمين وغيرهم ..
مستحقي لعنة (شعب الله المختار) من اليهود والصهيونيين المسيحيين ...
هذا نداء عاجل للتصدي للهجمة الدونية الوحشية للصليبين الجدد ..
الذين نشروا الحرب والدمار في كل مكان حلوا به ..
بدءً من إبادة الهنود الحمر واستعباد زنوج أفريقيا ..
مروراً بنهب أمريكا اللاتينية وتدمير أوروبا وإذلال آسيا ..
وانتهاءً بما يحدث في فلسطين وأفغانستان والعراق .. ومن سيتبعهم.
إلى هؤلاء جميعاً أهدى هذا الكتاب
المؤلف
يوسف العاصي الطويل
стр. 4
إهداء خاص
إلى روح من علمني معنى الحب والوفاء وحب الخير لكل البشر .. والذي كانت حياته مثالاً رائعاً للتعايش والصداقة بين الشعوب بمختلف ألوانها وأديانها ... والذي جعلني أصل إلى يقين ثابت بأن هؤلاء الأنجلوسكسون دعاة صراع الحضارات وثقافة الهمبرجر والبيبسي كولا لن يطول تسلطهم على العالم .. وان نهج المحبة والإخاء والصداقة بين الشعوب سينتصر .. فالطبيعة الخيرة والمحبة موجودة في كل مكان في العالم .. وكما لفظت حضارات العالم القديم دعاة الحروب والعنصرية والحقد والتعالي وجعلتهم يتوهون في أرجاء الأرض .. فستلفظ حضارتنا المعاصرة هؤلاء أيضا، وسيكون العالم مقبل على مرحلة جديدة من تلاقح الحضارات ...
أخي الحبيب سامي
لطالما انتظرت صدور هذا الكتاب .. وكنت على علم بكل صغيرة وكبيرة فيه .. وكانت الأفكار قبل أن تجد طريقها إليه تمر أمامك فتضيف إليها الكثير من روحك المشبعة بالمحبة والكارهة للظلم والغطرسة ..
وها هو الكتاب يصدر ويرى النور وأنت بعيد عنا بجوار ربك الرحيم .. هكذا شاء القدر .. وهكذا هي الحياة ... لقد رحلت قبل إن ترى هذا الكتاب .. ولو كنت حياً لفرحت من قلبك .. فأنا اعرف الناس بك .. اعرف كيف كنت تحب الله وتحب الحياة والناس.
стр. 5
برحيلك أيها الحبيب رحل أخي وصديقي ذو القلب الأبيض الناصع البياض الطفل الرائع .. الذي آمن بالله صدقاً فأحب الأرض والناس .. وعاش من اجل الناس .. لقد كنت تكره منظر الدماء حتى لو كانت ذبحاً حلالاً .. وتفرح من قلبك عندما ترى عاشقين .. وتحزن بعمق لخبر عن كارثة أصابت بشراً على الشاطئ الآخر من بحر الظلمات.
إلى روحك الطاهرة ..
والى اسرتنا الصغيرة زوجتى حنان وابنائي محمد وعبد الرحمن وعمر والى غالية وفاطمه ولما وزين وعبد الله وخليفه ويمنى الذين احبتتهم جميعا واعطيتهم كل ما تستطيع ..
اهدي هذا الكتاب
أخوك
يوسف الطويل
стр. 6
تقديم
بالرغم من أنه مضى أكثر من ١٨ عاماً على صدور كتابي (الصليبيون الجدد .. الحملة الثامنة) -حيث كان ينشر على حلقات في جريدة الخليج الإماراتية (١) - إلا أنني اشعر في كل مره تمر بها امتنا العربية والإسلامية بلحظات عصيبة، بالحاجة إلى إعادة نشره والتذكير به، وبالذات عندما يكون الأمر متعلقاً بأمريكا وبريطانيا ومشروعهما الصليبي في المنطقة (إسرائيل).
فهذه المدة الطويلة التي مرت على أول مره نشرت بها الدراسة لم تفقدها أهميتها وموضوعيتها في تفسير ما يجرى على الأرض العربية، بل أكدت الحاجة إلى إعادة نشرها وتنقيحها، وبالذات وأنها تعالج موضوع حساس ومصيري للأمة العربية والإسلامية وهو أسباب تحيز أمريكيا وبريطانيا السافر لإسرائيل وعداءهما لكل ما هو عربي وإسلامي، حيث لم تكتفي هاتان الدولتان بزرع إسرائيل في قلب الأمة العربية ومدها بكل أسباب الوجود، بل لجأت خلال القرن الحالي إلى محاربة وتدمير أية قوة عربية أو إسلامية يمكن أن تهدد إسرائيل، وسعتا بكل ما أوتيتا من قوة إلى تفكيك العالم الإسلامي وأضعافه بكل الوسائل، مستخدمة مبررات وألاعيب مختلفة، والتي كانت للأسف تنطلي على العرب والمسلمين مره باسم التحرر من السيطرة العثمانية ومحاربة النازية والفاشية، وأخرى باسم محاربة المد الشيوعي والقومي، وثالثة بدعوى نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأخيراً بدعوى محاربة الإرهاب.
ولسنا هنا بحاجة كبيرة إلى إمعان النظر لنتبين الدور الخبيث الذي لعبته هاتان الدولتان مجتمعتين أو منفردتين في تقسيم الدول العربية جغرافياً وسياسياً، ونهب ثرواتها، ومحاربة توجهاتها الوحدوية والنهوضوية، ابتداءً من وعد بلفور ومعاهدة سايكس بيكو ومروراً بحرب ٤٨، ٥٦، ٦٧، ٧٣، وحرب لبنان ٨٢، حتى حرب الخليج، التي دمرت خلالها القوة العسكرية والاقتصادية للأمة العربية، وفرض عليها الجلوس على طاولة المفاوضات مع إسرائيل خاوية اليدين.
стр. 7
أما حربها الحالية ضد ما تسميه بالإرهاب التي وضعت على قائمتها ٦٠ دوله غالبيتها العظمى، إسلامية وعربية، بدأتها بأفغانستان وفلسطين والعراق، وتقف في الانتظار، دول مثل إيران وسوريا ولبنان والصومال وليبيا والسودان، وحتى دولاً تعتبر حليفه لأمريكا مثل السعودية ومصر .. الخ، فالحديث عنها يطول، ويبدو أن أمريكيا وبريطانيا تريدان أن تتوجا حملتهما الصليبية على العالم الإسلامي والعربي والتي بدأت قبل أكثر من قرنين من الزمن، بهذه الحرب الفاصلة، حيث اتخذتا من أحداث ١١ سبتمبر مبرراً لشن هذه الحملة الشرسة ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان بدعوى محاربة الإرهاب. وقد قمت في حينه وبعد أحداث ١١سبتمببر مباشرة بنشر دراسة عن هذه الحملة في عدد من الصحف والمجلات العربية وعبر مواقع الإنترنت، بينت فيها البعد الديني لهذه الحملة وكيف أن بوش عندما أعلن أنها حرب صليبية فأنه كان يعنى ما يقول حرفياً، وبينت أيضا كيف أن أحداث ١١ سبتمبر هي من تدبير أمريكي لا علاقة للمسلمين بها من قريب أو بعيد، ولكن قامت الإدارة الأمريكية والتيار الديني الأصولي المسيحي الذي يحكم أمريكيا الآن بافتعال هذه الأحداث لتبرير شن هذه الحملة على العالم الإسلامي، حيث يؤمن إتباع هذا التيار الأصولي بخرافات ونبوءات توراتية تقول بضرورة قيام معركة فاصلة بين قوى الخير والشر تسمى هرمجيدون في ارض فلسطين كمقدمه ضرورية لعودة المسيح المنتظر الذي سيحكم العالم من مقره في القدس.
فقد كانت حرب أفغانستان هي البداية الأولى لهذه الحرب التي تسميها أمريكيا حرب الإرهاب والتي صرح الرئيس بوش بأنها ستشمل ٦٠ دوله وستستمر لعدة سنوات، حيث يسعى التيار المسيحي الأصولي الذي يحكم أمريكيا الآن، بكل الوسائل إلى تطبيق وإخراج النبوءات التوراتية على ارض الواقع ولو كان ذلك بافتعال الأحداث وإخراجها كما يريد، وهذا ما حدث في أحداث ١١ سبتمبر، وما تلاها من أحداث، حيث اجمع كافة المختصين والمحليين استحالة تنفيذ هذا العمل من قبل تنظيم كتنظيم القاعدة أو إيه جهة خارجية، نظراً للإمكانيات والتدريب والمعلومات الدقيقة التي لا تتوفر إلا لشخصيات قيادية في المخابرات أو الجيش الأمريكي. كما أن الولايات المتحدة لم تستطع حتى هذه اللحظة الآتيان بديل مقنع على تورط تنظيم القاعدة
стр. 8
في هذه العمليات. لهذا نؤكد أن كل ما حدث ليس إلا تدبير أمريكي مسبق لخلق الذرائع والمبررات لشن هذه الحملة الصليبية على العالم الإسلامي، خدمه لمشروعها الصليبي في المنطقة والمتمثل في دولة إسرائيل.
ونفس الشيء يقال عند محاولة معرفة الأسباب الحقيقة لحرب أمريكيا على العراق الشقيق الذي تعرض لمدة أكثر من ١٣ عاماً لحرب شرسة وحصار همجي وحاقد شنته كلا من بريطانيا وأمريكيا بحجج ومبررات مختلفة، بدأت بدعوى تحرير الكويت وتطبيق قرارات الشرعية الدولية وعمل لجان لتفتيش وأخيرا قامت باحتلاله بدعوى امتلاكه أسلحة دمار شامل ... الخ.
ولسنا هنا في سبيل الخوض في هذه الدعاوى والمبررات التي افتعلها أمريكيا والتي يعلم القاصي والداني بطلانها وأنها ما هي إلا شعارات تخفى أمريكيا وراءها الأسباب الحقيقية ومخططاتها الخبيثة في المنطقة العربية والتي تصب في خدمة مشروعها الصليبي في المنطقة والذي يحتل وجود إسرائيل جوهر هذا المشروع الصليبي الذي بدأ التخطيط والتنفيذ له منذ قرون طويلة مع ظهور المذهب البروتستانتي.
فليس مصادفة أن تتزامن هذه الحملة الانجلوسكسونية (الانجلوأمريكية) على كثير من الدول والمنظمات وحركات المقاومة الإسلامية مع هجمة مماثلة يشنها العدو الصهيوني على شعب فلسطين، حيث وصلت عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل إلى طريق مسدود بسبب تعنت الحكومة الإسرائيلية وممارساتها المناقضة لكل ما اتفق عليه سواء في مؤتمر مدريد أو في اتفاقيات أوسلو والتي تم التوصل إليها جميعا برعاية وضمانة أمريكية، حيث كان من المفترض أن تمارس الأخيرة دورها في الضغط على الجانب الإسرائيلي لإجباره على تنفيذ ما اتفق عليه. ولكن الذي حدث أن الولايات المتحدة لم تقم بدورها المطلوب، بل اختارت أن تكون في خندق واحد مع الجانب الإسرائيلي، وعملت كل ما في وسعها من اجل تمرير السياسة الإسرائيلية المناقضة لاتفاقيات السلام، بحيث أصبح التفريق بين الموقف الإسرائيلي والموقف الأمريكي من أصعب الأمور، بل إننا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا أن التعنت الإسرائيلي أضحى مطلباً أمريكياً بالدرجة الأولي.
стр. 9
ولسنا هنا في مجال تقييم اتفاقيات السلام لان ذلك لا يدخل ضمن أهداف هذا الكتاب، ولكن الذي نريد توضيحه والتركيز عليه هو تحديد ماهية الصراع الدائر في منطقتنا منذ قرن من الزمن، وتحديد أبعاده والمتغيرات التي يمكن أن تؤثر فيه، ودوافع الدول التي تدعمه وتقف وراءه وتعمل كل ما بوسعها من اجل استمراره وترسيخ وجود الظاهرة الإسرائيلية في المنطقة، وذلك بعيداً عن كل ما يقال عن اثر اللوبي والصوت الانتخابي اليهودي وظروف الحرب الباردة وغيرها من الأقاويل التي أثبتت الأحداث عدم صحتها إطلاقا، حيث سنركز في هذه الدراسة على البعد الديني للصراع، والذي يمكن أن يوضح لنا طبيعة العلاقة القائمة بين إسرائيل والدول الداعمة لها وعلى رأسها بريطانيا وأمريكيا، والسبب الذي يدفع هذه الدول إلى تبني المطالب الصهيونية والدفاع عنها باستماتة.
في كلمة ألقاها بنيامين نتنياهو أثناء صلاة الصباح التي يقيمها المسيحيون الأمريكيون لإسرائيل، في مستهل فبراير ١٩٨٥م عندما كان سفيراً لإسرائيل لدى الأمم المتحدة، أشاد نتنياهو بـ "الزمالة التاريخية بين المسيحيين المؤمنين واليهود، لان هذه الزمالة قد عملت بنجاح على تحقيق الحلم الصهيوني".
وفي كلمته تعجب نتنياهو كثيراً من جهل أولئك الذين يجدون مدعاة للدهشة فيما يقدمه المسيحيون الأمريكيون الإنجيليون من تأييد قوى وراسخ لإسرائيل ويصورونه كظاهرة جديدة، حيث قال: "فأولئك الذين يعرفون التاريخ الحقيقي للانخراط المسيحي العميق في الحركة الصهيونية لا يجدون أي مدعاة لأية دهشة أو تساؤل بشأن الدعم القوى الذي يقدمه لإسرائيل كل المسيحيين المؤمنين في العالم .. والذي جعل الكتاب والقساوسة والصحفيين ورجال الدولة ـ بريطانيين وأمريكيين ـ دعاة متحمسين لإعادة اليهود إلى وطنهم، حيث لم تكن هذه الصهيونية المسيحية قاصرة على الدعوة أو المثاليات بل امتدت إلى الخطوات العملية اللازمة لتحقيق ذلك الذي كان حلماً ".
هذا ما قاله نتنياهو قبل أكثر من ٢٣ عاماً، عندما كان سفيراً لبلاده في أميركيا، وها هو الآن يستعد لترأس الحكومة الإسرائيلية التي لن نقول عنها أنها ستكون أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً وسعيا ً إلى التوسع فحسب، بل نضيف إلى
стр. 10
ذلك إنها ستكون أكثر الحكومات إدراكا ووعيا لحقيقة الموقف الأمريكي الرسمي والشعبي من الصراع الدائر في المنطقة. فنتنياهو تربى وتعلم في أمريكيا وعمل سفيراً لبلاده فيها، وتعرف خلال وجوده فيها عن قرب على التيار المسيحي الديني الداعم لإسرائيل، وسعى هذا التيار لتحقيق المشروع الصهيوني بكامله، انطلاقاً من إيمان أتباعه بنبوءات توراتية تعتبر إقامة إسرائيل وعودة اليهود إليها وبناء الهيكل مقدمات ضرورية لعودة المسيح الثانية، وبداية العصر الألفي السعيد حيث سيحكم المسيح العالم من مقره في القدس!! وانطلاقاً من إدراك نتنياهو لهذه الحقائق فقد حرص خلال عمله في أمريكيا وحتى بعد توليه رئاسة الوزراء على التقرب إلى هذا التيار والاجتماع بزعمائه ومؤيديه لكسب دعمهم وتأييدهم لكل ما يقوم به.
ففي الوقت الذي كان الجيش الإسرائيلي يتصدى بكل وحشية للمظاهرات العارمة التي اندلعت في فلسطين عام ١٩٩٦ م بسبب إقدام الحكومة الإسرائيلية على افتتاح نفق بالقرب من المسجد الأقصى، كان نتنياهو يحضر اجتماعاً لمئات المسيحيين البروتستانت أعضاء السفارة المسيحية الدولية في مدينة القدس، غير عابئ بالانتقادات الدولية لهذا القرار، حيث ألقى أمام المجتمعين خطاباً حماسياً مثيراً، أكد فيه انه لن يغلق النفق وان القدس ستظل العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل، حيث قوبل خطابه بالتصفيق الحاد والتهليل، وقام بعض القساوسة الحاضرين بمباركة نتنياهو، وامسك به أحدهم ووضع يده على رأسه وهو يرتدى القبعة اليهودية، واخذ يقرأ عليه الأدعية والابتهالات الإنجيلية داعياً الله أن يمده بالقوة للثبات على موقفه، وفي نفس الوقت كان جميع الحاضرين في القاعة يرددون كلمة آمين. وخلال هذا الاجتماع قام نتنياهو بإهداء المجتمعين مجسم لمدينة القدس خالي من أي اثر للمسجد الأقصى وقبة الصخرة، حيث وضع مكانهما مجسم للهيكل اليهودي.
ولسنا هنا في مجال سرد للوقائع والشواهد الكثيرة التي توضح اثر العامل الديني في كسب تعاطف المسيحيين البروتستانت، مع دولة إسرائيل وعدائهم لكل ما هو عربي وإسلامي، لأننا لو فعلنا ذلك سنكون بحاجة إلى عدة كتب لتسجيل ذلك. كما أننا لو أردنا متابعة الأحداث الجارية والتصريحات والشواهد اليومية الصادرة عن
стр. 11
المسيحيين البروتستانت فإننا سنضطر لإعادة كتابة هذا العمل كل شهرين أو ثلاثة تقريباً .. ولكننا نكتفي بما ورد في هذا الكتاب من معلومات، والتي نعتقد بأنها كافية لإلقاء الضوء على البعد الديني وأثره في تشكيل السياسة الأمريكية والبريطانية ليس فقط تجاه فلسطين، بل تجاه الأمة العربية والإسلامية .. والعالم، وهذا سيمكننا من معرفة الدوافع الحقيقية لحملتهما الصليبية على العالم الإسلامي، بعيداً عن كل المزاعم التي تحاول أمريكيا وأعوانها ترويجها مثل القول بان الهدف هو محاربة الإرهاب، أو غيرها من الأقوال والمبررات التي أصبح القاصي والداني يدرك بطلانها وعدم كفايتها لتبرير كل هذا الحقد والكراهية التي لا تذخر أمريكا جهداً في صبها على امتنا العربية والإسلامية، ممثلة في فلسطين والعراق وليبيا والسودان وإيران وأفغانستان .. الخ.
فما يحدث في أفغانستان والعراق لا يمكن فهمه إلا من خلال علاقته العضوية بما يحدث في فلسطين، وسياسة أمريكيا وبريطانيا تجاه العراق والعالم العربي والإسلامي لا يمكن فهمها إلا من خلال علاقتهما المباشرة بسياستها تجاه فلسطين. وسياسة أمريكيا وبريطانيا تجاه فلسطين لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً بعيدا عن بعدها الديني المرتبط بالمذهب البروتستانتي السائد في هذه الدول الذي أعطى إسرائيل دوراً مركزاً في نظرة هذه الدول للعالم، ودوره في تشكيل العقل والفكر الأمريكي منذ البدايات الأولى وحتى الآن، حيث لم يكن بعيدا عن كل ذلك ما جرى للهنود الحمر والزنوج في أمريكا، أو ما حدث في فيتنام وهوريشيما وأمريكا اللاتينية، فكان الدين حاضراً في كل تلك المشاهد، وكان التراث الديني المستمد من التوارة ونبوءاتها وتفسيراتها هو المحرك لكل ما جرى من حروب صليبية لتطهير أمريكا من الهنود الحمر، ولنهب واستغلال شعوب العالم الاخرى بدعاوى مختلفة، حيث حرص قادة المجتمع الأمريكي السياسيين والروحانيين على السواء، بأن يتخذوا مواقفهم منذ نشأة جمهوريتهم وحتى الآن، على قمة متاحة من الأرض الأخلاقية العالية، مستمدين باستمرار السند والمبرر لكل تصرف أمريكي في شؤون أمريكا والعالم من الدين والأخلاقيات العليا، ومن المصطلحات ذات الرنين الأخلاقي القوى، كـ "الحقوق الإنسانية"، "والقانون الدولي"، و"الحضارة" وما أشبه، ومسبغين على
стр. 12
أنفسهم وعلى بلدهم عباءة الاضطلاع بعبء رسالة حملت العناية الإلهية ذاتها لا أقل، الأمة الأمريكية بها لصالح البشر جميعاً.
وقبل أن اختم هذه المقدمة أود الإشارة إلى أمر مهم، وهو أن هذا الكتاب، لا يهدف إلى القول بأن كل مسيحيي العالم يدعمون إسرائيل ويؤيدون ما تقوم به في فلسطين، بل إن هذا الأمر مقتصرٌ فقط على إتباع المذهب البروتستانتي الذين ينتشرون في أمريكيا وبريطانيا وبعض الدول الأوربية واستراليا، أما الطوائف المسيحية الأخرى ـ كاثوليك وارتوذكس ـ فلا يؤمنون بالتفسيرات والنبوءات التوراتية الخاصة بإسرائيل كما وردت في الإنجيل، ولهم موقفهم الخاص من اليهود وإسرائيل، والذي يصل إلى حد العداء. فالصليبيون الجدد الذين نتحدث عنهم في هذا الكتاب، هم أتباع المذهب البروتستانتي، الذي ظهر مع ما سمي بحركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر. أما بالنسبة لموقف المسيحيين العرب، فلا مجال هنا للمس بهم وبمواقفهم المشرفة عبر التاريخ وبنضالهم في سبيل نصرة قضايا أمتهم العربية وعلى رأسها قضية فلسطين، حيث شاركوا بكل قواهم في التصدي للخطر الصهيوني، سواء بدمائهم أو بأقلامهم التي كانت لها صولات وجولات في فضح الخطر الصهيوني، والتصدي له من خلال كتابات ومواقف كثيرة.
إن هذه الإشارة وهذا التوضيح كان ضرورياً، حتى لا يظن البعض أننا نهدف إلى تصعيد الصراع بين المسيحية والإسلام في وقت حقق الحوارـ بين الإسلام وممثلي الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية، تفاهما واتفاقاً حول كثير من الأمور، والذي نتمنى أن يستمر للوصول إلى تعايش وتعاون مثمر بين أتباع الديانتين، بعيداً عن محاولات التهويد المنظم التي تخضع لها الفرق المسيحية البروتستانتية. كما إن هذا التوضيح كان ضروريا حتى لا يوضع المسيحيون العرب موضع الاتهام عن جهل أو سوء نية، فالتعايش المسيحي الإسلامي في عالمنا العربي سيظل شاهداً على التسامح والتعاون المثمر بين الأديان بالرغم من كل المحاولات التي يقوم بها أعداء أمتنا العربية من أجل تعكير صفو هذا التعايش.
والكتاب الذي بين أيدينا ينقسم إلى خمسة أقسام، تعالج جميعها موضوع رئيس وهو أثر البعد الديني في تشكيل السياسة العدائية البريطانية والأمريكية
стр. 13
تجاه قضية فلسطين والمنطقة العربية والإسلامية .. والعالم، حيث ركزنا في الباب الأول، على إبراز الجذور التاريخية لعلاقة المسيحيين باليهود، والانقلاب الذي حدث لهذه العلاقة مع ظهور المذهب البروتستانتي وانتشاره في بريطانيا وأمريكا؛ نتيجة للأفكار التي جاء بها هذا المذهب والتي مهدت السبيل إلى إقامة إسرائيل وإعادة اليهود إليها، من خلال سعي إتباعه إلى تحقيق ذلك منذ أكثر من أربعة قرون، وقبل ظهور الحركة الصهيونية، وبينا كيف أن الساسة البريطانيين والأمريكيين كانت ولازالت النظرة الدينية البحتة، هي التي تحكم مواقفهم تجاه قضية فلسطين والعالم الإسلامي.
وفي الباب الثاني عالجنا الأبعاد الدينية للهجمة الأنجلو أمريكية الشرسة على العراق وعلاقتها بمخطط إسرائيل الكبرى ومعركة هرمجيدون، حسب ما جاء في نبوءات التوراة الحاقدة للانتقام من بابل العراق التي سبت اليهود أيام نبوخذ نصر، وليس كما تزعم أمريكا بأنها جاءت لتحرير الكويت أو لتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية.
أما في الباب الثالث فقد عالجنا ما سميناه حملة بوش الصليبية على العالم الإسلامي والتي كانت بدايتها مع أحداث ١١ سبتمبر، والتي اتخذتها إدارة بوش ذريعة لتنفيذ مخططها الرهيب والشيطاني في طول وعرض العالم الإسلامي؛ ولتطلق يدها في شن حرب تشمل ٦٠ دولة غالبيتها إسلامية وتستمر لعدة سنوات تحت مسمى مكافحة الإرهاب. حيث أوضحنا أن هذه الأحداث ما هي إلا صناعه أمريكية، ليست بعيده عن صناع القرار الأمريكي والجماعات الأصولية المسيحية الإرهابية، وأن تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن ليس لهما علاقة بهذه الأحداث. وأن الأولى بالملاحقة هم أتباع التيار الديني الأصولي المسيحي المتطرف، الذين يشكلون خطراً ليس فقط على العرب والمسلمين، بل خطراً على العالم بأسره من خلال إيمانهم بأفكار ومعتقدات عنصرية حاقدة على الإنسانية جمعاء، والتي تستدعى وقفه واعية وشجاعة من أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية ـ في شقها الكاثوليكي والأرثوذكسي ـ لمواجهة التهويد المنظم للبروتستانتية والذي جعل أتباع هذا
стр. 14
المذهب يقتربون من اليهودية أكثر بكثير من كونهم مسيحيين، حيث أصبح يطلق على حركتهم تسميه الصهيونية المسيحية (١)، والمسيحية منهم براء.
وفي الباب الرابع عالجنا فيه موضوع الإرهاب الأمريكي عبر التاريخ منذ تأسيس أمريكا وحتى الآن، حيث حاولنا إبراز اثر البعد الديني والخرافات التوراتية المتعصبة، في صياغة سياسة أمريكا تجاه العالم أجمع، من خلال إيمان هذه الدولة بخرافات ونبوءات توراتية حاقدة ومتعصبة على البشرية جمعاء، تشرع الإبادة والقتل والسيطرة والنهب على أسس دينية لاهوتية متعصبة، اعتقاداً منها بأن الله اختارها لتحضير العالم، لنوضح حقيقة أن الإرهاب ما هو إلا صناعة أمريكية مارسته ضد شعوب العالم أجمع باسم الشعارات الكاذبة من نشر للحرية والديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان ... ابتداءً من إبادة الهنود الحمر واستعباد العبيد ومروراً بحروب أمريكيا الخارجية في أمريكا اللاتينية وأوروبا وفيتنام وكوريا والعراق وأفغانستان، والتي راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر. وعرضنا في هذا الفصل للإرهاب الأمريكي الداخلي، وللعديد من المنظمات الإرهابية الأمريكية المتطرفة التي تنطلق من منطلقات عنصرية متطرفة تشكل خطراً على العالم اجمع، حيث بينا أثر البعد الديني التوراتي على تشكيل الإرهاب الأمريكي الداخلي والخارجي.
وفي الباب الخامس والأخير حاولنا وضع تصور لكيفية مواجهه هذه الهجمة الصليبية الدونية على العالم الإسلامي .. والعالم. والتصور الذي وضعناه يقوم في الأساس على ضرورة تعاون وتضامن كافة دول العالم مسيحية وإسلامية وغيرها، من أجل التصدي للخطر الذي تشكله الصهيونية المسيحية على العالم أجمع، والتي قادت العالم إلى أكثر الحروب دماراً ووحشية في التاريخ، وذلك بمواجهه هذا الخطر من الداخل والخارج وتفعيل حوار الحضارات والأديان وبناء مشروع نهضوي عربي، وتسليط الضوء على دور فلسطين الحضاري وكيف يمكن ان تساهم في هذه المواجهة.
стр. 15
وأخيرا أرجو أن يكون هذا الكتاب إضافة جديدة للمكتبة العربية، يساهم ولو بقدر بسيط في فهم طبيعة الصراع الدائر في المنطقة، وطبيعة القوى التي تديره، حتى نتمكن من وضع تصور مستقبلي شامل لإدارته، يكون مبنياً على أسس سليمة وفهم صحيح ومعطيات دقيقة، لأن الخطأ في فهم طبيعة العلاقة بين إسرائيل والقوى العظمى المؤيدة لها، ترتب عليه أخطاء كبيرة في التعامل معها، واتخاذ العلاج الخاطئ للأمور المصيرية، لا ينتج عنه إلا أخطاء فادحة على كافة المستويات.
والحمد لله في البدء والختام
يوسف العاصي الطويل
رفح /فلسطين ٧/ ٢٠٠٧
стр. 16
الباب الأول
البعد الديني للتحيز البريطاني الأمريكي لإسرائيل
تمهيد
على غزارة ما كتب عن القضية الفلسطينية خلال القرن الحالي، فإن هناك صعوبة كبيرة في الكتابة عن بعض جوانبها، وبالذات الجوانب التي تتعلق بأسباب نشوء هذه القضية، والقوى التي عملت على إيجادها. والصعوبة هنا لا تنشأ من القضية ذاتها وعدالتها ووضوح الحق فيها، ولكنها تنشأ من الكتابات العديدة التي كتبت عن هذه النقطة أو تلك، وتناولتها من زوايا متعددة، حتى أصبح تاريخ هذه القضية وكأنه سجل للتاريخ المعاصر بكل تناقضاته وصراعا ته الأيدلوجية والفكرية.
فقد عرف تاريخ هذه القضية تصورات متباينة ومتصارعة، على المستوى العالمي، والعربي، والإسلامي، وحتى الفلسطيني. وامتد هذا التباين حتى برز في داخل الأطر السياسية نفسها، حيث تناقضت الشعارات حتى في الميدان الواحد، ونما التباين حتى أصبح كمية هائلة تحتاج وحدها إلى بحث وتمحيص، ونما القصور والتباين حتى تحول إلى صراع مكشوف أو تنافس مدمر. فعلى المستوى العربي والفلسطيني، لم تخرج معظم التحليلات والكتابات، عن إعتبار إسرائيل حاملة طائرات أمريكية في قلب الشرق الأوسط، وان مهمتها الإمبريالية تكمن في عزل الشرق العربي عن المغرب العربي للحيلولة دون تحقيق الوحدة العربية، التي تستولي على إمكانيات اقتصادية وبشرية وجغرافية وسياسية هائلة.
فمن ناحية ركز الفكر العربي الثوري على حقيقة إسرائيل الإمبريالية، فقال إن هدفها ضرب الأنظمة الثورية المعادية للإمبريالية في المنطقة العربية. والمثقفون العرب من ناحيتهم، حصروا إسرائيل في كونها، كيان استيطاني عنصري مفرز عن العالمية الرأسمالية. أما الإسلاميون فلم يخرجوا في تحليلاتهم عن هذا وذاك، واعتبروا إسرائيل أداه في يد الاستعمار لضرب الصحوة الإسلامية، والحيلولة دون نشوء أي حكم إسلامي ... وقد نسى هؤلاء جميعا عدة حقائق منها:
стр. 17
١ـ إن قضية فلسطين بدأت قبل وجود أي نظام عربي ثوري، وقبل ظهور الحركات الإسلامية المعروفة وحتى قبل استقلال الدول العربية نفسها.
٢ـ إن الدول الشيوعية وعلى رأسها الإتحاد السوفيتي ـ وهى النقيض للنظام الرأسمالي ـ كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل عند نشأتها، وكانت أيضا من أوائل الدول التي فتحت أبواب الهجرة على مصراعيه أمام اليهود!
٣ـ إن الإمبريالية الأمريكية تمتلك العديد من القواعد العسكرية والتواجد المباشر وغير المباشر في كثير من الدول العربية، ولكن ذلك لم يحد من تأييدها لإسرائيل.
من هنا فإن الحديث عن الإمبريالية والثورية والوحدة العربيةـ التي لم تتحقق حتى على مستوى قطري ـ يصبح حديث مبتور لا معنى له. كما أن الحديث عن دور اللوبي الصهيوني والصوت الانتخابي اليهودي في تشكيل هذه السياسة أمر عارً عن الصحة كما سنوضح. ومن هنا لا بد من البحث عن سبب آخر يمكن أن يوضح لنا حقيقة وجود إسرائيل في المنطقة العربية، والقوى التي تقف وراء هذا الوجود، ودوافعها لذلك ... فلا يزال للحديث عن قضية فلسطين سبيل وسعه، فهناك معالم لابد من جلائها وتأكيدها على الدرب الممتد إلى فلسطين ... كل فلسطين. وأول خطوة نود أن نؤكدها هنا، هي ضرورة توحيد التصور الفكري لقضية فلسطين، طبيعتها ـ القوى التي تقف وراء نشوئها ـ دوافع هذه القوى وأهدافها. وإذا استطعنا أن نصل إلى هذا التصور فإن علاج هذه القضية وتداعياتها سيكون أمرا سهلاً ... فبدون معرفة الداء لا يمكن وصف الدواء.
أسباب التحيز البريطاني الأمريكي لإسرائيل
هناك تساؤلات كثيرة تطرح نفسها على المتتبع للموقف المتحيز لبعض دول أوروبا بوجه عام، وأمريكيا وبريطانيا بوجه خاص، حيال الصراع العربي الإسرائيلي. فلا بد وأن الكثيرين سألوا أنفسهم عن أسباب هذا التحيز، وعن المكاسب التي تسعى لتحقيقها هذه الدول من وراء هذا التحيز. وسيجد السائل إجابات عديدة على هذا السؤال، من خلال ربط هذا التحيز بالأطماع الاستعمارية لهذه الدول سواء كانت
стр. 18
اقتصادية أو سياسية أو عسكرية ـ في هذه المنطقة، هذا بالإضافة إلى ما يقال عن أثر اللوبي الصهيوني في تشكيل هذه السياسة المتحيزة لإسرائيل والمعادية للعرب. فقد اعتاد الناس في عالمنا العربي الإسلامي أن يفسروا التحيز الأميركي لإسرائيل بأسباب سياسية وإستراتيجية، مثل المال اليهودي المؤثر في الحملات الانتخابية، والإعلام اليهودي المتلاعب بالرأي العام الأميركي، والصوت اليهودي الموحد في الانتخابات، ثم موقع إسرائيل رأس حربة في المنطقة العربية، ذات الأهمية الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة.
وأعتقد أن هذه الإجابات والتفسيرات ـ عند التأمل ـ تبدو سطحية وبعيدة عن الدقة، أو هي ـ على أحسن تقديرـ ليست سوى مظاهر تعبر عن ظواهر أعمق وأرسخ، وليست كافية لتبرير هذا التحيز والعداء التام من قبل هذه الدول ـ وبخاصة إنجلترا وأمريكيا ـ لأمتنا العربية والإسلامية. والسبب في عدم كفاية هذا التبرير ـ حسب رأيي ـ هو أن هذا الموقف المتحيز ليس من قبيل التحيز المرحلي الذي يتغير حسب سير المصالح وتغيرها، فيكون متحيزاً لأحد الأطراف عندما يجد أن مصالحه وأطماعه تتطلب ذلك. ولكن هذا التحيز ـ كما أعتقد وسأبين ـ مبنى على أساس عامل مهم جداً يجعل منه موقفاً مبدئياً لا يتغير بسهولة.
حساب المصالح:
بالرغم من أن تحيز بعض الدول الغربية وأمريكا إلى جانب إسرائيل يحقق لها أهدافاً ومصالح كثيرة ويبقى على أطماعها التوسعية حية في المنطقة العربية، إلا أنه وفي نفس الوقت يضع مصالح هذه الدول في خطر كبير؛ لأنه يزيد من حجم العداء لهذه الدول في المنطقة العربية والإسلامية، بالإضافة إلى أنه يدفع الدول العربية إلى اللجوء إلى دول أو أحلاف معادية لأمريكا وحلفائها، كما كان الحال قبل انهيار المعسكر الشرقي، كما أن موقع إسرائيل في المنطقة العربية لا يكفي لتفسير التحيز الأميركي. فقد كانت إسرائيل دائما مصدر حرج للنفوذ الأميركي في المنطقة العربية، أكثر من كونها مصدر دعم، إضافة إلى أن بعض حكام الدول العربية أغنوا أميركا عن إسرائيل في هذا المضمار.
стр. 19
ومهما حاولنا أن نتكلم عن الأهداف التي تسعى أمريكا وحلفائها إلى تحقيقها من خلال تحيزها إلى جانب إسرائيل، فإن هذا التحيز بحساب المصالح يعد خاسراً وفيه مغامرة كبيرة لا تحمد عقباها على هذه الدول. فأمريكا وحلفائها يمكنهم أن يبقوا على هذه المصالح، بل ويزيدونها من خلال وقوفهم موقفاً عادلاً وليس متحيزاً حيال الصراع العربي الإسرائيلي. فما دامت هذه المصالح مصانة إلى حد كبير بالرغم من وجود التحيز الأمريكي و الأوروبي لإسرائيل، فأنها ستكون مصانة أكثر لو أن هذا الموقف تغير لصالح القضية العربية. فالتاريخ لم يشهد محاولة دولة معينة الحفاظ على مصالحها في منطقة معينة عن طريق معاداتها لدول هذه المنطقة، أو التحيز لمن يعاديها. فأي دولة تريد الحفاظ على مصالحها في منطقة معينة، تسعى بكل الوسائل إلى تعزيز روابطها بدول هذه المنطقة، وتحاول بقدر المستطاع الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعكر صفو هذه الروابط، حتى لا ينعكس ذلك سلباً على مصالحها. ولهذا فإن حساب المصالح هذا دفع كثير من الدول الأوربية إلى تغيير سياستها حيال الصراع العربي الإسرائيلي، بحيث أصبح هذا الموقف أكثر اعتدالاً ومعقولية من ذي قبل (فرنسا، ألمانيا، بلجيكا وإيطاليا على سبيل المثال)، كما أن هذه الدول تحاول قدر المستطاع الابتعاد عن كل ما يمكن أن يؤثر سلباً على علاقاتها مع الدول العربية. ولكن الموقف البريطاني والأمريكي بالذات بقى كما هو عليه، بل أزداد في تحيزه ودعمه لإسرائيل، وأصبح موقفاً استفزازيا وعدائياً أكثر من أي وقت مضى. ففي أعقاب كل عدوان إسرائيلي على الأمة العربية والشعب الفلسطيني، تجد إسرائيل مكافأة أمريكية تنتظرها، ابتداءً من صفقات الأسلحة المتطورة والمعونات الاقتصادية الضخمة، وانتهاء باستخدام حق الفيتو ضد أي قرار يكون في غير صالح إسرائيل.
فأي مصلحة اقتصادية أو عسكرية أو سياسية ستعود على أمريكيا من خلال نقل سفارتها إلي القدس الشريف، بالرغم من إدراك صانعي القرار في أمريكيا بالمكانة الخاصة للقدس في قلوب ملايين العرب والمسلمين والمسيحيين .. ؟ بالطبع لا توجد أي مصلحة من هذا النوع، حيث أن هذا القرار كغيره من القرارات الأمريكية
стр. 20
السابقة سيلحق ضرراً كبيراً بالمصالح الأمريكية ليس في العالم العربي فحسب، بل في العالم الإسلامي أيضا عاجلاً أم آجلاً.
كل هذا يجعلنا نفترض أن حساب المصالح كما نفهمه ليس هو المؤثر الوحيد في هذا التحيز، بل لا بد من البحث في عوامل أخرى يمكن أن تبرر هذا التحيز من قبل أمريكيا وإنجلترا بالذات، لصالح إسرائيل والتي يمكن أن تجعلنا نتعرف على السر في أن بريطانيا وأمريكيا من دون دول العالم هما اللتان جعلتا تحقيق الحلم الصهيوني في أرض فلسطين حقيقة واقعة. فبفضل وعد بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين، استطاع اليهود إقامة دولتهم، وبفضل الدعم الأمريكي المتواصل، واستطاعت إسرائيل بناء نفسها والتصدي لكافة الأخطار التي واجهتها. فما هو السر في ذلك؟! هل يعود ذلك إلى نفوذ اللوبي الصهيوني وأثر الصوت اليهودي في الانتخابات ـ كما يحلو لكثير من المحللين السياسيين أن يفسروه ـ أم إلى أمر آخر؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.
نفوذ اللوبي الصهيوني
يحاول كثير من المحللين إظهار اليهود كنموذج فريد لمجموعة ناجحة في كل مجالات الحياة، تستطيع التأثير على صناع القرار في أمريكيا وإنجلترا من خلال سيطرتها على وسائل الإعلام والاقتصاد في هذه الدول، ومن خلال ما يلجئون إليه من وسائل لممارسة الضغوط على صناع القرار في هاتين الدولتين، هذا بالإضافة إلى ما يقال عما يتميز به اليهود والزعماء الصهاينة من عبقرية ودهاء واستغلال للفرص، أمثال هرتزل، ووايزمان، وسوكولوف وغيرهم. لذلك فإن هؤلاء المحللين يعزون صدور وعد بلفور إلى حاييم وايزمان وطاقاته الجبارة وتصميمه وإخلاصه ومواهبه السياسية والعلمية، كما يعزون نجاح الحركة الصهيونية في أمريكيا إلى اللوبي الصهيوني القوى، وما يتمتع به من تنظيم، وما يملك من وسائل للضغط على الرؤساء الأمريكيين.
ان تضخيم نفوذ اللوبي الصهيوني وجعله وكأنه يحكم أمريكيا شيء مبالغ فيه جداً، إلا إذا حاولنا فهم هذا النفوذ على أساس أن هذا اللوبي يعمل في بيئة سياسية
стр. 21
وثقافية ملائمة إلى أقصى الحدود للأفكار الصهيونية، التي تلقى الدعم المادي والمعنوي على المستويين الشعبي والحكومي. فالمال اليهودي في الانتخابات لا يصلح تفسيراً للإجماع السياسي الذي يحظى به دعم إسرائيل في الأوساط السياسية الأميركية، حتى تنافس فيه المتنافسون من كل ألوان الطيف السياسي. إضافة إلى أن في أميركا من أهل الثراء غير اليهود ما يكفي وزيادة لمعادلة المال اليهودي. والإعلام اليهودي لا يكفي تفسيرا لانحياز شعبي كامل يبلغ درجة الاعتقاد، بل هو اعتقاد ديني عميق ـ كما سنرى لاحقا ـ في بلد فيه من التعددية الإعلامية وحرية الكلمة ما يكفي لبلورة رأي مخالف لو كان له أنصا.
"كما إن الحديث عن عبقرية اليهود والقول بأنهم عباقرة بطبيعتهم يتطلب منا أن نعود إلى التقاليد الحضارية والظروف التاريخية التي شكلت فكر ووجدان كل من موسى بن ميمون، وفرويد، وإنيشتين وغيرهم. وإلا فلماذا لم يظهر علماء طبيعة متفوقون تفوق أينشتاين بين يهود الفلاشا الإثيوبيين؟ وحتى لو رصدنا العبقرية اليهودية بشكل مطلق بمعزل عن أي سياقات تاريخية أو اجتماعية كما يفعل الصهاينة، فإننا سوف نكتشف أن العبرانيين وأعضاء الجماعات اليهودية لم يؤدوا دورا كبيرا في تطوير الحضارة الإنسانية، بل إن فرويد وماركس وكافكا ومعظم عباقرة اليهود قد حققوا إبداعهم عن طريق الانسلاخ الفعلي أو المجازي عن مورثهم اليهودي، وعن طريق الانخراط في الحضارة العلمانية الغربية الحديثة" (١).
لهذا فأن تضخيم دور الزعماء الصهاينة أمثال هرتزل ووايزمان وغيرهم، وجعلهم وكأنهم بذلوا جهوداً خارقة وفوق العادة للحصول على مطالبهم، أمر عارٍ عن الصحة. فالأفكار الصهيونية كانت موجودة قبل ظهور الحركة الصهيونية بفترة كبيرة، وتبناها أشخاص أوربيون وأمريكان في وقت كان فيه اليهود يرفضون ويحاربون من يفكر بهذه الأمور. وسيتضح لنا هذا الأمر بصورة جلية عند حديثنا عن الحركة الصهيونية والظروف التي ظهرت بها.
стр. 22
الصوت الانتخابي اليهودي
بالمثل فإن تضخيم دور الصوت الانتخابي اليهودي في الانتخابات الأمريكية أمر مبالغ فيه ويناقض الواقع " نعم إن الجالية اليهودية نشطه ولها تأثير، ولكن القول بأنها تحكم أمريكيا ليس صحيحاً. فلم يحدث أبداً أن كان الرئيس أو نائب الرئيس يهودياً ونسبة اليهود في الكونغرس لا تزيد إلا قليلاً عن نسبة اليهود في أمريكيا أي ٢ـ٣% " (١) حيث يبلغ تعدادهم حوالي ٦ ملايين نسمه تقريباً، أي أن أصواتهم الانتخابية لا تتعدى ٢ـ٣ % من نسبة الأصوات الانتخابية في أمريكيا، وهذه النسبة ليست بالنسبة الكبيرة والتي تمكن اليهود من التأثير على سير الانتخابات. ولو كان لهذه النسبة أي تأثير لكان للمسلمين والعرب في أمريكيا أثر في تشكيل السياسة الأمريكية، لأن تعدادهم يزيد عن تعداد اليهود هناك، حيث يبلغ ١٠ مليون عربي ومسلم.
كما أن الصوت اليهودي ليس موحدا بالطريقة التي يتخيلها البعض، بل فيه تعدد وتباين واختلاف. كما أن التحيز لإسرائيل أعمق وأرسخ في بعض الولايات الأميركية التي لا تكاد توجد بها جالية يهودية أصلاً. وقد افتخرت صحيفة (جيروسالم بوست) الإسرائيلية مؤخرا بأن "ولاية "مينوساتا" الأميركية يمثلها يهودي دائماً في مجلس الشيوخ منذ عام ١٩٧٨م رغم أن عدد اليهود بها لا يتجاوز ١%. وبأن المرشحين لهذا المنصب في الولاية يهوديان هما (نورم كولمان) و (ويلستون) الذي قتل في تحطم طائرة أثناء حملته الانتخابية" (٢).
ويكفي أن نعرف أن نسبة اليهود في أميركا أقل من ٣%، وأن نسبتهم في مجلس الشيوخ ١٠% لندرك أن الصوت اليهودي ليس أهم عامل هنا، حيث أن السود يشكلون نسبة كبيرة من السكان، بالإضافة إلى أقليات أخرى، وبالرغم من ذلك لم نسمع عن أي أثر لأصواتهم الانتخابية ولم نسمع عن إي رئيس أمريكي سعى
стр. 23
لاسترضائهم كما يفعل مع اليهود. إذاً فالقضية ليست قضية صوت انتخابي فحسب .. !
تضخيم في غير محله
إن هذا التضخيم لأثر الصوت الانتخابي اليهودي ولأثر اللوبي الصهيوني في تشكيل السياسة الخارجية لأمريكا شيء مبالغ فيه وعارٍ عن الصحة. فما كان من الممكن أن يكون للصوت اليهودي واللوبي الصهيوني هذا التأثير لولا وجود عامل مهم ـ غائب عن تحليلات معظم المحللين السياسيين ـ يجعل الأمريكيين والإنجليز بعامة، والسياسيين بخاصة يرضخون، بل يتبنون الأفكار الصهيونية. وفي هذه الدراسة سنحاول البحث عن هذا العامل (الغائب) في مضمون التراث الديني لدى المسيحيين في هاتين الدولتين، والذي كان له الدور الأساسي في كسب التعاطف مع الحركة الصهيونية وبرنامجها الاستيطاني في فلسطين.
стр. 24
الفصل الأول
اليهود في التراث الديني المسيحي
يستمد التراث الديني في كُلٍّ من بريطانيا وأمريكيا، أصوله من المذهب البروتستانتي السائد في هاتين الدولتين، والذي نشأ مع حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر في القرن السادس عشر ضد الكنيسة الكاثوليكية في روما. ولسنا هنا بصدد بحث تفصيلي لمبادئ هذا المذهب، بقدر ما سنحاول إبراز التغيير الجوهري الذي أحدثه هذا المذهب في تفكير أتباعه حيال اليهود ـ ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ـ والذي ساعد كثيراً على تعاطف الكثيرين من أتباعه مع اليهود وسعيهم لتحقيق آمالهم في العودة إلى أرض فلسطين حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية بثلاثة قرون، حيث أحدثت حركة الإصلاح الديني تغييراً جوهرياً ـ بالمقارنة مع موقف الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأخرى ـ في موقفها من اليهود ـ بحيث تولدت عن هذا الموقف نظرة جديدة للماضي والحاضر والمستقبل اليهودي، و كانت المبادئ التي جاءت بها حركة الإصلاح الديني مغايرة تماماً للمبادئ الكاثوليكية في موقفها من اليهود، ولذلك يصف البعض هذه الحركة بأنها ساهمت في بعث اليهود من جديد.
لقد ظل اليهود في نظر العالم المسيحي بأسره (أمة ملعونة) لمدة ألف وخمسمائة عام، لأنهم ـ في اعتقاد المسيحيين ـ قتلة السيد المسيح، حيث عانى اليهود صنوفاً من الاضطهاد والازدراء بناء على هذا التصور الذي ترسخ في العقل المسيحي. ورغم أن هذا التصور ـ من وجهة نظر إسلامية ـ تصور ظالم أنتج ممارسات ظالمة، إلا أنه صمد على مر القرون، مدعوماً بنصوص كثيرة من الإنجيل، وظروف اجتماعية وسياسية خاصة. لكن القرن الخامس عشر الميلادي أظهر تحولات عميقة في النفس المسيحية ـ الغربية على الأقل ـ مع بزوغ ما عرف بحركة الإصلاح، وما استتبعه ذلك من انشقاق سياسي وعقائدي داخل الديانة المسيحية بشكل عام، والكاثوليكية الغربية بشكل خاص، حيث كان من نتائج هذه التحولات أن أصبحت المسيحية الجديدة التي عرفت باسم البروتستانتية ربيبة لليهودية، فقد أصبحت
стр. 25
للتوراة ـ أو العهد القديم ـ أهمية أكبر في نظر البروتستانت من الإنجيل أو العهد الجديد، وبدأت صورة الأمة اليهودية تتغير تبعاً لذلك في أذهان المسيحيين الجدد. ولم يكن الانشقاق داخل الكنيسة ـ رغم الطابع الأيديولوجي الذي اصطبغ به ـ بعيداً عن صراعات السيادة بين الأمم الأوروبية يومها، خصوصاً بين فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فقد انحازت الكنيسة الكاثوليكية إلى جانب فرنسا، مما جعل الشعبين الإنجليزي والألماني يميلان إلى اعتناق المذهب البروتستانتي الذي يدعو للتحرر من سلطة الكنيسة.
وقد ظهر هذا التحول في النظرة المسيحية إلى اليهود في كتابات رائد الإصلاح البروتستانتي، القس الفيلسوف (مارتن لوثر). فقد كتب لوثر عام ١٥٢٣ كتابا عنوانه: (المسيح ولد يهودياً) قدم فيه رؤية تأصيلية للعلاقات اليهودية المسيحية من منظور مغاير تماما لما اعتاده المسيحيون من قبل، فكان مما قال في كتابه: "إن الروح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم. إن اليهود هم أبناء الرب، ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها" (١). ومع ذلك لم يكن مارتن لوثر حاسماً في موقفه من اليهود، بل كان متردداً مثقلا بتراث الماضي السحيق، ولذلك عاد فألف كتاباً آخر في ذم اليهود سماه (ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم)، بعدما يئس من دفعهم لاعتناق المسيحية. لكن (لوثر) فتح ثغرة في تاريخ المسيحية لصالح اليهود ظلت تتسع إلى اليوم. وظلت كفة الصراع بين مدرسة ٠المسيح ولد يهودياً) ومدرسة (ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم) تتأرجح في الضمير الغربي طيلة القرون الأربعة التالية لكتابة هذين الكتابين، حتى حسم الأمر أخيرا للمدرسة الأولى. ومما يلاحظ أن هذا المسار التاريخي لم يعرف العدل ولا التوسط: فاليهود تحولوا من (أمة ملعونة) إلى (أبناء الرب)، من (الغيتو) إلى قمة المجتمع، من (أمة مدنسة) ظلمها المسيحيون كثيراً، إلى (أمة مقدسة) يظلم بها المسيحيون شعوباً أخرى لا صلة لها بتاريخ التدنيس والتقديس هذا.
стр. 26
كما يلاحظ ـ أيضا ـ "أن المذاهب المسيحية تفاوتت في استيعابها لهذا التحول تفاوتاً كبيراً، فالبروتستانت (الأميركيون والبريطانيون) تمثلوا هذا التحول كأعمق ما يكون، حتى أصبحت اليهودية جزءا من لحمهم ودمهم، والكاثوليك (فرنسا وإيطاليا وإسبانيا) ظلوا أكثر تحفظاً إلى حد ما، ولذلك لم يبرئ الفاتيكان اليهود من دم المسيح إلا عام ١٩٦٦م، أما الأرثوذكس (الأوروبيون الشرقيون) فلا يزالون يحتفظون بتلك النظرة المتوجسة تجاه اليهود واليهودية. وهذا ما يفسر التفاوت في المواقف السياسية: حيث التماهي مع الدولة اليهودية في أميركا وبريطانيا، والتحفظ في أوروبا الجنوبية على السياسات الإسرائيلية (خصوصا من طرف فرنسا أكبر الأمم الكاثوليكية الغربية) والريبة في أوروبا الشرقية، وخصوصاً روسيا، لكن ما يهمنا هنا هو التماهي الأميركي البريطاني مع الدولة اليهودية، ومحاولة فهمه" (١).
موقف الكنيسة الكاثوليكية من اليهود:
ان الموقف التقليدي للكنيسة الرسمية تجاه اليهود طوال ما يقرب من ألفي عام (حتى المجمع المسكوني الثاني في الفاتيكان عام ١٩٦٤) كان يقوم على مقولات ثلاث:
أولها- أن اليهود بقتلهم المسيح قد قتلوا (الإله).
ثانيها_ أن (الشعب المختار) إذن صار هو شعب (الكنيسة).
ثالثها- العهد القديم صوره سابقة للعهد الجديد ترمز اليه وتبشر به.
وهكذا إذن يقودنا التفسير التقليدي إلى القول بأن اليهود حينما رفضوا الاعتراف بالمسيح على أنه رسول الله قد عزلوا أنفسهم عن (طائفة) ابراهيم فانتفت عنهم صفة (شعب الله المختار) إذ حكموا على انفسهم بالدينونة من جراء خطاياهم .. وقد سبق أن عاقبهم الله بطردهم من فلسطين ونفيهم إلى بابل. ومع هذا فالوعد الذي قطعه اله لابراهيم قد تحقق، فعلى الرغم من خطايا اليهود وبعد عقابهم سمح لهم
стр. 27
بالعودة إلى فلسطين على أثر قرار قورش ملك فارس. وحينما ارتكبوا اشد المعاصي مره أخرى برفضهم الاعتراف بيسوع المسيح الذي تمم الوعد عاقبهم الله اشد العقاب فبدد شملهم-كشعب- ورمى بهم في ارجاء الارض. وهكذا لم يعد أمامهم أمل في الخلاص الفردي إلا باعتناقهم المسيحية (١).
لهذا كان موقف الكنيسة الكاثوليكية من اليهود ـ ولازال مع حدوث بعض التغيرات لصالح اليهود ـ موقفاً متشدداً، حيث كان ينظر إلى اليهود نظرة عدائية بسبب رفضهم الإيمان بدعوة السيد المسيح وكفرهم بها، ولذلك وصفهم السيد المسيح أكثر من مرة (بخراف بنى إسرائيل الضالة) وبغيرها من الأوصاف، كما أن اليهود كانوا يعتبرون مارقين وكفرة، واتهموا بأنهم قتلة المسيح. وقد كان الكاثوليك يعتقدون أن الغضب الإلهي حل على اليهود بسبب جرائمهم المتكررة عبر تاريخهم، وأنهم بذلك استحقوا فترة النفي البابلي (٥٨٦ـ٥٣٩ ق م) من ضمن عقوبات إلهيه عديدة توجت بطردهم النهائي من فلسطين في العام ٧٠م، وأما النبوءات بعودتهم إلى الأرض المقدسة فقد تحققت فعلاً بحسب المعتقد الكاثوليكي عندما سمح لهم قورش ملك الفرس بالعودة من بابل إلى فلسطين (٥٣٧ ـ٥١٥ ق م). "وعلى ذلك فان طرد اليهود من فلسطين على يد الرومان في العام ٧م كان نتيجة مباشرة لرفضهم الإيمان بمسيحهم المنتظر عيسى ﵇، مما أدى لانتهاء وجودهم كأمة وتشريدهم في أصقاع الأرض، وقد استحقوا هذا العقاب ليس فقط لرفضهم المسيح وتآمرهم على قتله، بل لأنهم كانوا بعد ذلك يتحالفون مع وحش (الرؤيا) عدو المسيح، كلما سنحت لهم فرصة، مما جعلهم الأعداء التقليديين للمسيحية" (٢).
لذلك لم يكن هناك في العقيدة الكاثوليكية التي تلتزم بالتفسير المجازى للإنجيل أدنى فكرة أو احتمال لعودة اليهود إلى فلسطين، أو بعث الأمة اليهودية من جديد، لأن هذه الأمة حسب رأيهم انتهى وجودها بظهور دعوة السيد المسيح. فرجال الدين الكاثوليك كانوا يعتقدون أن الفقرات الواردة في العهد القديم والتي تتنبأ بعودة اليهود إلى فلسطين وبمستقبل مشرق لإسرائيل لا تنطبق على اليهود،
стр. 28
بل على الكنيسة الكاثوليكية مجازاً، لأن اليهود طبقاً للعقيدة الكاثوليكية اقترفوا إثماً، فطردهم الله من فلسطين إلى منفاهم في بابل، وعندما رفضوا دعوة السيد المسيح نفاهم الله ثانية، وبذلك انتهت علاقة اليهود بأرض فلسطين إلى الأبد. وقد وضح هذه النقطة بطرك الروم الكاثوليك في دمشق في كتاب له مؤرخ في ١٧ـ١١ـ١٩٧٧ حيث قال: "إنه يفوت بنو قومي أن السيد المسيح نسخ أحكام العهد القديم القومية، فبعد أن لعن سبع لعنات فقهاء العهد القديم (متى ٢٣) ختم بهذا الحكم المبرم قائلاً: هذا بيتكم يترك خراباً (متى ٢٣ـ٣٨) وقد تحققت نبوءة السيد المسيح الذي رفضوه ولم يبق لهم وعد الله التوراتي بالأرض المقدسة" (١).
هكذا تمسك الفكر الكاثوليكي بحرفية الإدانات واللعنات التي لم يكف النبيون عن توجيهها إلى اليهود، واستخدم تلك الإدانات في القول بأن اليهود وقعوا في الخطيئة، وعاقبهم يهوه على ذلك بدمار الهيكل والسبي من فلسطين، ثم عاد اليهود فأغضبوا الرب بإنكارهم للمسيح عيسى ﵇ فكان عقابهم ما فعله الرومان وما ترتب عليه من دمار الهيكل ومن شتات. وتبعاً لهذا المنطق الكاثوليكي لم يعد هناك مجال للتمسك بحلم مجيء مسيح آخر يخلص اليهود ويقيم مملكة الله على الأرض. "فالمسيح الذي بشرت به كتب العهد القديم قد جاء، والفداء الذي تحدثت عنه قد حدث بالفعل، ولكن لكل البشر، والخلاص بات في متناول كل البشر، ومملكة الله على الأرض قد قامت ممثلة بالكنيسة الكاثوليكية. وبالتالي لم يعد لليهود بعد أن أغضبوا الرب أي حق في التشبث بدعوى أنهم أمه تنتظر الفداء والخلاص من الشتات، إذ وضع الله حداً لوجودهم كأمه، ولم يعد أمامهم من سبيل الخلاص إلا الخلاص الفردي، باعتناق المسيحية" (٢).
ومن المهم ملاحظة أنه قبل حركة الإصلاح الديني البروتستانتية لم يكن هنالك أدنى فكرة عند المسيحيين بوجوب إعادة تجميع اليهود في فلسطين ولا حتى بإعادة تجميعهم كأمة، لان فلسطين بحسب ـ معتقد الكاثوليك ـ لم تكن سوى
стр. 29
الأرض المقدسة التي شع منها نور المسيح إلى العالم، وأن القدس هي مدينة العهد الجديد الذي حل محل العهد القديم ، وأما بعض نصوص سفر (الرؤيا) بهذا الخصوص فقد فسرت رمزياً وليس حرفياً (١). وبهذا فإن النبوءات الواردة في الكتب اليهودية عن نشوء إسرائيل جديدة، فهي بحسب تفسير الكاثوليك تعني نشوء الكنيسة المسيحية بصفتها الوريث الوحيد لإسرائيل، وتجسيداً لمملكة الله على الأرض، تماماً كما كتب ووعظ القديس أوغسطين منذ القرن الخامس.
كما يرى البعض أن هذه النبوءات ـالواردة في العهد القديم ـ تحققت فعلاً، عندما أعادهم الملك الفارسي (قورش) من منفاهم في بابل في القرن السادس قبل الميلاد. ولذلك فليس هناك أي نبوءة أخرى في العهد القديم تنص على عودتهم ثانية إلى فلسطين بعد عودتهم من الأسر البابلي. "فالكنيسة الكاثوليكية رأت أن مسيرة التاريخ قد اكتملت بقيامها مملكة الله على الأرض، وبإقامة العرش البابوي في روما، التي أخذ مركز الثقل الديني ينتقل إليها من أورشليم التي أخذت تفقد بريقها ووضعها كعاصمة لمملكة الله، إذ حلت محلها روما. وبانتقال مركز الثقل الديني إلى روما والعرش البابوي، سادت النظرة الكاثوليكية إلى اليهود وفلسطين، وهى نظرة لم يكن فيها مجال لادعاء أي أساس ديني أو غيبي لحق اليهود في القدس أو فلسطين" (٢). كما أن الكنيسة الكاثوليكية وغيرها من الكنائس الأخرى لم تكن تعترف بأن اليهود هم شعب الله المختار، لأن السيد المسيح حارب بشدة هذه النزعة العنصرية فيهم ودعا اليهود وغيرهم إلى الدخول في ملكوت الله المفتوح أمام جميع الصالحين "لأن الله لا يخص أحداً بالرعاية لأسباب ذاتية، فالشمس تسطع على الجميع سواءٍ بسواء" (٣).
العهد القديم
بالرغم من ان المسيحية تشترك مع اليهودية في ما يسمى بالعهد القديم، الا المسيحية أضافت إليه العهد الجديد الذي تحدث عنه السيد المسيح، حيث تختلف
стр. 30
المسيحية عن اليهودية في تفسير هذا الجزء المشترك المسمى بالعهد القديم، ولكل من الطرفين تفسير لاهوتي مختلف، وإن بقيت الكثير من طقوس العبادة والحياة المسيحية، لكن الخلاف الجوهري والفاصل في ما بينهما هو على هوية يسوع الناصري (١)، وتفسير العهد القديم. ولهذا فقد كان العهد القديم (التوراة) مهملاً قبل حركة الإصلاح الديني، حيث كان الاعتماد الأساسي على العهد الجديد، ورسائل الرسل، والإلهامات غير المكتوبة للباباوات، وكانت اللغة العبرية لغة ميتة، حيث كانت الأساطير الكاثوليكية ترى أن دراسة اللغة العبرية تسلية الهراطقة، وأن تعلمها بدعة يهودية.
فالكنيسة الكاثوليكية عملت على تطوير الكنيسة عبر العصور، وخلصتها من الكثير من العناصر الوثنية العالقة بها، وخصوصاً العهد القديم، بل إنه كان هناك اتجاه في بدايات العهد المسيحي لإلغاء العهد القديم، وعدم اعتباره ضمن الكتب القانونية الدينية، لكن اتجاهاً آخر رأى في حذفه خسارة للمسيحية، إذ يعني ذلك حرمان الكنيسة من حقها في وراثة اليهودية. لكن هذا الأمر تطلب من الكنيسة المسيحية محاصرة العناصر الوثنية في العهد القديم، وتقديم تفسيرات مجازية ورمزية لكل ما جاء فيه. فكلمات: القدس، أو أورشليم أو صهيون أو الأرض الموعودة .. الخ عند الكاثوليكية، تحمل معاني روحية، وتقع في السماء، وليست أسماء لأمكنة حقيقية على الأرض. كما رأت في مسألة عودة اليهود إلى فلسطين أنها عودة تمت قبل ميلاد المسيح حينما عاد بعض اليهود من سبي بابل في القرن الخامس قبل الميلاد، وان أمر اليهود انتهى كشعب يحفظ وديعة ويسلمها للمسيحيين، وأن الشعب المختار هو كل من يؤمن بالله.
وبناء على هذا التفسير الجديد للعهد القديم اعتبرت المسيحية التقليدية أن ما ورد في العهد القديم هو أحداث وقعت في الماضي، أو نبوءات تم تحقيقها، وان ما جاء في العهد الجديد هو ثورة على العهد القديم، وفقاً لما جاء في إنجيل يوحنا " لو كنتم أبناء إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم" ورأت أن كل القصص التي رواها العهد
стр. 31
القديم هي رموز لحالات روحية وأخلاقية. ذلك إن إسرائيل الجديدة مثلاً هي الكنيسة، وان خراب القدس قد تحقق بالفعل عام ٧٠م على يد تيطوس.
كما تؤمن الكاثوليكية التقليدية أن إبراهيم ﵇ عندما اخذ الوعد من الله بالأرض لم يفهمه على انه تصريح له من الله بسرقة الأرض من مالكها، حتى لو كانت الأرض هبة من الله فهي مشروطة بطاعة الواهب. كما ترى ـ أيضا ـ أن العهد مرتبط بتحقيق وصايا الله وطاعته لا رفض حكمه، وان ارض الميعاد الحقيقية عند المسيح هي الأرض كلها، وكل ارض يتحقق فيها وعد الله. "فمن المحقق للمسيحي الحق ان (الوعد) الذي أنجز بمجئ يسوع المسيح لا يمكن أن يكون وعداً بأرض. فقد رفض يسوع المسيح في ثلاثة مواقف من الإنجيل رفضاً قاطعاً أن يربط رسالته بموضوع امتلاك أرض أو سلطة. وهكذا فالعهد الجديد الذي يعد البشرية كلها بالخلاص الأبدي يجعل من العهد القديم (عهداً) عفى عليه الزمن لأنه يعد شعباً مخصوصاً بأرض مخصوصه" (١). وبالنسبة للقدس ـ المدينة التي لم تتجاوب مع دعوة السيد المسيح ورسالته والتي حوكم فيها ـ لا ترى الكنيسة الكاثوليكية فيها علامة من علامات المجيء الثاني للمسيح. "ولعل هذه التفسيرات، وهذا الإيمان، ما أبقى كتاب العهد الجديد منفصلاً عن كتاب العهد القديم، ولم يجمعا معاً في كتاب واحد أطلق عليه الكتاب المقدس، إلا مع ولادة حركة الإصلاح الديني (البروتستانتية) على يد الملك هنري الثامن عام ١٥٣٨، عندما تمت ترجمته إلى الإنجليزية وإتاحته للناس للقراءة، وقد تم ذلك عندما رفض البابا طلاق هنري من زوجته آنبولين مما دفعه إلى تبنى حركة الإصلاح الديني" (٢).
موقف الكنيسة الكاثوليكية من الحركة الصهيونية وإسرائيل
كان موقف الكنيسة الكاثوليكية السابق من اليهود اساساً لموقفها من الحركة الصهيونية عشية المؤتمر الصهيوني الأول عام ١٨٩٧م حيث جاء في هذا الموقف: " لقد مر ألف وثمانمائة وسبعة وعشرون سنة على تحقيق نبوءة المسيح، بأن القدس
стр. 32
سوف تدمر. أما فيما يتعلق بإعادة بناء القدس بحيث تصبح مركزاً لدولة إسرائيلية يعاد تكوينها، فيتحتم علينا أن نضيف أن ذلك يتناقض مع نبوءات المسيح نفسه الذي أخبرنا مسبقا بأن القدس سوف تدوسها العامة (جنتيل) حتى نهاية زمن العامة (لوقا ٢١/ ٢٤)، أي حتى نهاية الزمن (١) ".
وإزاء هذا الموقف الرافض للأفكار الصهيونية من قبل الفاتيكان، حاول هرتزل مقابلة البابا حيث تمكن في ٢٥ تشرين ثاني ١٩٠٤م من مقابلة البابا (بيوس العاشر) ودخل معه في مناقشات طويلة حول علاقة الكنيسة باليهود، وموقف الفاتيكان منهم، فقال له البابا: "أما أن يظل اليهود محتفظين بمعتقدهم ينتظرون مجيء المسيح .. والمسيح عندنا جاء وتمت بعثته للبشر، في هذه الحالة نعتبر اليهود منكرين للاهوت يسوع المسيح، ولا مجال هنا لمساعدتهم في فلسطين ولا في غيرها، هذا هو الوجه الأول، والآخر أن يذهبوا إلى فلسطين شعباً بلا دين بالمرة وفي هذه الحالة نجد أنفسنا في مجال أضيق وغير مستعدين لمؤازرتهم، ومعلوم أن الدين اليهودي هو أساس ديننا، ولكن الدين اليهودي قد جاءت عليه تعاليم المسيح وحلت محله، ولهذه العلة فليس من الممكن أن نقدم اليوم لليهود من المساعدة أكثر مما فعلنا من قبل، والذين أنكروا المسيح من اليهود ولم يعترفوا به مازالوا على هذا الإنكار حتى اليوم" (٢).
ورغم هذا الموقف القوى الواضح من البابا، إلا أن هرتزل قال في رده على البابا: "إن النكبات والاضطهادات لم تكن في اعتقادي خير وسيلة لإقناع قومي بما يكرهون". وأمام هذا اللغط وقبح المواجهة ثارت ثائرة البابا واستفزه قبح أسلوب هرتزل والعبارة التي رد بها، فقال البابا: "أن سيدنا يسوع، آتى إلى هذا العالم ولا قوة له ولا سلاح فقد جاء فقيراً من حطام الدنيا وهو لم يضطهد أحداً. وإنما تعرض للاضطهاد وتخلى عنه الناس، وسلطانه على الأرض لم يظهر إلا بعد انقضاء رسالته ولم يقم للكنيسة كيان إلا بعد مضى ما لا يقل عن ثلاثمائة عام على تأسيسها وقد
стр. 33
كان بوسع اليهود خلال تلك الفترة أن يقبلوا رسالة المسيح فلم يقبلوها ورفضوها وما زالوا يرفضونها حتى هذه الساعة" (١). وأمام هذه الشجاعة في التعبير عما يعتقده البابا بيوس العاشر ويؤمن به ويمثله، فإن هرتزل دوّن في مذكراته وادعى: "أن البابا بيوس امتعض منى لأني لم أقبلّ يده عند اللقاء ولو كنت قبلّتها كما فعل كونت ليباى ـ الذي أعد لهذا اللقاء ـ لما كان قداسته ذهب هذا المذهب الذي صدر عنه" (٢).
وبعد سبع سنوات على إعلان هذا الموقف، رفض البابا بيوس العاشر من حيث المبدأ، إقامة وطن يهودي في فلسطين (٣)، حيث وجه البابا رسالة جوابية إلى هرتزل، قال فيها: "لا نستطيع أبداً أن نتعاطف مع هذه الحركة ـ الصهيونية ـ نحن لا نستطيع أن نمنع اليهود من التوجه إلى القدس، ولكننا لا يمكن أبدا أن نقره، إنني بصفتي قيماً على الكنيسة لا أستطيع أن أجيبك بشكل آخر. لم يعترف اليهود بسيدنا، ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي، وبالتالي، فإذا جئتم إلى فلسطين وأقام شعبكم هناك، فإننا سنكون مستعدين ككنائس ورهباناً لتعميدكم جميعا" (٤).
وبالرغم من هذا الرفض التام من قبل البابا للمطالب الصهيونية، إلا أن الصهاينة لم يكفوا عن المحاولة، وبعد صدور وعد بلفور في عام ١٩١٧م، أوفدت الحركة الصهيونية أحد أعضائها وهو الروسي (ناحوم سوكولوف) لمقابلة البابا (بنديكت الخامس عشر) لإقناعه بتأييد الوعد، ولكن البابا حدد موقفه وقال: "لا لسيادة اليهود على الأرض المقدسة (٥) ". وقد دافعت الصحافة الكاثوليكية في أوروبا وفي الولايات المتحدة نفسها عن موقف البابا هذا، حتى إن المجلة الكاثوليكية
стр. 34
الأمريكية نشرت في عددها الصادر في نيسان ـ إبريل ١٩١٨م مقالاً بعنوان: (موقف المسيح من التطلعات السياسية ـ الدينية لليهود) قالت فيه: "بما أن الانتقام هو صفة اليهود المميزة، فإن التدمير الكامل لأعدائهم هو من أعظم إنجازات تطلعاتهم القومية، حيث يرى كثير من اليهود في إشباع مشاعرهم الانتقامية هذا جزءا من عظمة مستقبلهم السعيد". ولهذا دعت المجلة إلى رفض المطالب الصهيونية ومقاومتها لما ستلحقه من دمار على أهالي فلسطين مسيحيين ومسلمين.
كما أن البابا (بنديكت) تلقف التضامن الإسلامي المسيحي العربي في فلسطين ضد وعد بلفور، ليجدد رفضه السيادة اليهودية على الأرض المقدسة. "ففي ديسمبر ١٩٢٠م تألفت هيئة إسلامية ـ مسيحية لمطالبة السلطات البريطانية بإعادة النظر في وعد بلفور، وطالب المؤتمر العربي الثالث في حيفا، باستبدال الانتداب البريطاني بحكومة عربية، كما احتلت أحداث الانتفاضة الفلسطينية في ربيع ١٩٢١م الصفحات الأولى في الصحف الكاثوليكية. وفي ١٤ من حزيران ـ يونيو ١٩٢١م أعلن البابا أن الوضع في فلسطين لم يتحسن، بل إنه ازداد سوءا من خلال التعليمات المدنية الجديدة التي استهدفت عملياً على الأقل ولو من غير قصد أصحابها ـ إقصاء المسيحية عن موقعها السابق ووضع اليهود في مكانها، ولذلك فإننا نهيب بحرارة بجميع المسيحيين بمن فيهم الحكومات غير الكاثوليكية أن تحث عصبة الأمم على إعادة النظر في الانتداب البريطاني على فلسطين" (١).
وفي ١٥ من أيار ـ مايو ١٩٢٢م، وجه الفاتيكان مذكرة رسمية إلى عصبة الأمم تنتقد بشدة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وجاء في المذكرة التي وضعها الكاردينال كاسباري: "إن الحبر الأعظم لا يعارض في أن يتمتع اليهود في فلسطين بالحقوق المدنية أسوة بغيرهم من أبناء الجنسيات والمعتقدات الأخرى، ولكنه لا يمكن أن يوافق على منح اليهود امتيازات على غيرهم من السكان" (٢). وتجاوباً مع هذا الموقف تحركت الدبلوماسية الفرنسية والإيطالية والبرازيلية (وكلها دول
стр. 35
كاثوليكية) في اتجاه تأخير إقرار الانتداب البريطاني على فلسطين في عصبة الأمم إلى أن يعاد النظر في وعد بلفور.
وفي عملية استيعابية لهذه التحركات، قام (ونستون تشرشل) وكان وزيرا للمستعمرات البريطانية، بحركته الالتفافية فأصدر الورقة البيضاء، التي استهدفت إقناع خصوم الصهيونية بفرض قيود على المستقبل السياسي للمستوطنين اليهود في فلسطين دون إعادة النظر في نص وعد بلفور أو في مضمونه. وفي هذا الإطار أيضا ـ جاءت توضيحات القومندون (هوغارث) من المكتب العربي في القاهرة بأن أي مستوطنة يهودية في فلسطين لن تقام إلا في حدود مراعاة الحريات السياسية والاقتصادية للسكان العرب. وقد عززت حركة تشرشل هذه، الموقف الذي اتخذه الكونجرس الأمريكي بمجلسيه الشيوخ والنواب بتأييد وعد بلفور بمنح اليهود وطنا قومياً دون إلحاق الأذى بالحقوق الدينية للمسيحيين أو غيرهم من المجموعات غير اليهودية". هذان الموقفان البريطاني (الإنجليكاني)، والأمريكي (البروتستنتي) أديا معاً إلى هزيمة موقف الفاتيكان (الكاثوليكي).
وبرغم ذلك، وبرغم انشغال البابوية بالانعكاسات السلبية على الكنيسة الكاثوليكية في الدول الشيوعية، فإن الفاتيكان لم يتراجع عن معارضة تهويد فلسطين خلال الثلاثينات من القرن العشرين. "ففي تموز ـ يوليو من العام ١٩٣٧م، وفي أعقاب الثورة الفلسطينية التي نشبت في عام ١٩٣٦م ألفت بريطانيا لجنة للتحقيق، أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع إبقاء الأماكن الدينية في القدس وبيت لحم تحت إشراف الانتداب البريطاني، حيث عارض العرب المسلمون والمسيحيون توصيات اللجنة، وعارضها الفاتيكان أيضاً. ففي مذكرة وجهها إلى الحكومة البريطانية في السادس من آب ـ أغسطس من ذلك العام، عارض الحبر الأعظم تقسيم فلسطين، وعارض بصورة أخص وضع المناطق المقدسة بما فيها بحيرة طبريا والناصرة ضمن الجزء المخصص للدولة اليهودية. وأعرب الحبر الأعظم عن قلقه الشديد من نتائج مثل هذا التقسيم لفلسطين على المجموعات المسيحية" (١).
стр. 36
وكنتيجة للثورة الفلسطينية والمعارضة الفاتيكانية وما رافقها من توتر دولي، تراجعت الحكومة البريطانية عن مشروع التقسيم، ثم أصدرت في عام ١٩٣٩م الورقة البيضاء التي حددت بموجبها عدد اليهود الذين يسمح لهم بالهجرة سنويا إلى فلسطين، ومساحة الأراضي التي يسمح لهم بتملكها، ولكن ذلك لم يرق للدوائر الصهيونية التي حاولت الالتفاف على هذا الأمر من خلال ممارسة بعض الضغوط على الفاتيكان، "حيث كان آخر فصول النزاع اليهودي المسيحي في تلك الفترة محاولة الصهيونية العالمية تجريم البابا بيوس الثاني عشر بتهمة الوقوف مع النازية في الحرب العالمية الثانية، ثم الضغوط الهائلة التي أفضت إلى تبرئة اليهود من دم السيد المسيح" (١). ولكن هذه المحاولة لم تنجح في جعل البابا يغيرّ رأيه في مشروع التقسيم.
وقد عكست الصحف الأمريكية الكاثوليكية (ساين وتابليت) الحملة الفاتيكانية ضد التقسيم، وركزت على أن فلسطين ليست ولن تكون وطناً قومياً لليهود، حيث ظل هذا الموقف من الثوابت الفاتيكانية حتى إلى ما بعد تصويت الأمم المتحدة على قبول عضوية إسرائيل في المنظمة الدولية. ففي ٢٢ من حزيران - يونيو من العام ١٩٤٣ م، ورداً على بيان المنظمات الصهيونية الذي صدر في نيويورك (بيان بلتيمور) في أيار ـ مايو ١٩٤٢م، وجه المبعوث الفاتيكاني إلى الولايات المتحدة الأسقف (أملتو تشيكونياني) مذكرة إلى الحكومة الأمريكية جدد فيها نداءات البابا (بنديكت الخامس عشر) بمعارضة إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وضمن المذكرة صورة عن مذكرة الكاردينال (غسباري) إلى عصبة الأمم في ٤ من حزيران - يونيو ١٩٢٢م والتي جاء فيها: "إذا كانت إقامة وطن يهودي أمراً مرغوباً فيه، فلن يكون من العسير إيجاد مكان مناسب أكثر من فلسطين. إن مشاكل دولية جديدة سوف تترتب على زيادة عدد السكان اليهود هناك، وسيتصدى كاثوليك العالم لهذا الأمر" (٢).
غير أن الصهيونية المسيحية كانت أقدر على انتزاع موقف من الكونجرس، "يدعو فيه الإدارة الأمريكية إلى بذل جهودها لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة لفتح
стр. 37
أبواب فلسطين أمام اليهود، وإفساح المجال أمامهم لاستعمارها بحيث يتمكن الشعب اليهودي من إعادة بناء فلسطين كدولة يهودية ديموقراطية حرة". ونتيجة لذلك أوفد الفاتيكان في عام ١٩٤٤م إلى الولايات المتحدة المونسينيور (توماس ماكماهون) ليحذر من خطر خضوع الغرب إلى المطالب الصهيونية بالضغط على المجموعات المسيحية في الشرق. وأكد ماكماهون خلال ذلك أن المسيحيين في العالم يطالبون بصوت واحد، "أن تحافظ أرض المسيح على قداستها وحرمتها".
وقبل اعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل بأسبوعين وجه البابا (بيوس الثاني عشر) رسالة رعوية في الأول من أيار ـ مايو ١٩٤٨م، قال فيها: " في الوقت الحاضر هناك قضية أخرى تحزننا وتدمي قلوبنا. إننا نعني بذلك قضية الأماكن المقدسة في فلسطين التي تعرضت منذ وقت طويل لأحداث محزنة والتي تؤدي يومياً إلى عمليات قتل وتدمير، ومع ذلك فإذا كان هناك جزء من العالم عزيز على ضمير كل إنسان واع ومتحضر، فإن هذا الجزء هو فلسطين .. " ثم دعا المؤمنين إلى تخصيص الصلاة في شهر أيار ـ مايو " لتسوية قضية فلسطين على أساس المساواة حتى يسود السلام والتفاهم" (١).
وهكذا احتلت الكنيسة الكاثوليكية، موقعاً أمامياً في التصدي للحركة الصهيونية منذ البداية. فالفاتيكان الذي لم يعترف حتى اليوم بإسرائيل اعترافاً قانونياً، يعارض أهداف الحركة الصهيونية اليهودية، ويعارض هجرة اليهود إلى فلسطين. ولا ينتقص من دور الفاتيكان في التصدي للحركة الصهيونية، وثيقة التبرئة التي صدرت في عام ١٩٦٣. "فالمعروف أن البابا (غريغوري الثالث عشر) أصدر حكم الإدانة ضد اليهود في العام ١٥٨١م، ولم يرفع هذا الحكم إلا مؤخرا في عام ١٩٦٠م عندما كلف البابا (يوحنا الثالث والعشرون) الكاردينال (بيا) إعداد مسودة نص مجمعي عن اليهود، يزيل عنهم تهمة قتل المسيح، حيث نشر نص هذه الوثيقة في عام ١٩٦٣" (٢).
стр. 38
وقد أثارت هذه الوثيقة احتجاجات واسعة في البلدان العربية وبرزت أصداؤها من خلال مناقشات ومداخلات واعتراضات أساقفته هذه البلدان المشتركين في المجمع، "حيث أظهرت المناقشات مقاومة قوية من بطريرك إنطاكية للكاثوليكية (طبوني) وبطريرك الأقباط الكاثوليك (اسطفانس الأول)، يؤازرهما عدد لا بأس به من أساقفة الكاثوليك الشرقيين، الذين اجمعوا على أن التطرق إلى موضوع اليهود ونفي التهمة التاريخية عنهم قد يؤدي إلى الاعتراف بدولة إسرائيل من قبل الفاتيكان من جهة، وقد يخدم مصلحة اليهود سياسياً في نزاعهم مع العرب من جهة ثانية. أما بطريرك الروم ـ الكاثوليك مكسيموس الرابع فقد أشار إلى أن المسودة المقترحة (عن اليهود) يمكن أن تقر وتصدر فقط في حال إذا كانت الكنيسة ستتحدث عن ديانات أخرى، بما في ذلك الإسلام" (١). ولكن بالرغم من هذه الاحتجاجات فقد صدرت هذه الوثيقة مسدلة الستار على فصل مهم من فصول النزاع اليهودي المسيحي في تلك الفترة، بعد أن أفضت إلى تبرئة اليهود من دم المسيح.
وهنا لا بد أن نشير إلى أمر مهم وهو أن صدور هذه الوثيقة لا يشكل تغييراً جوهرياً في نظرة الكنيسة الكاثوليكية لليهود أو تغييراً في العقيدة الكاثوليكية. فالهدف الذي بسببه صدرت الوثيقة، كان لرد الهجوم العنيف الذي تعرضت له الكنيسة الكاثوليكية من الصهيونية وأعوانها، بدعوى أن الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا كان بسبب تلك الإدانة التي صدرت قبل أربعة قرون والتي تحمل اليهود مسئولية قتل المسيح. وهنا لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يدعي أن تلك الإدانة كانت صحيحة أو أنها تعتبر جزء جوهري من العقيدة المسيحية. وبالتالي فإن التخلي عنها أو إلغائها لا يعتبر تحولاً كبيراً في نظرة الكاثوليك لليهود وعلاقتهم بإسرائيل. فالوثيقة لم تنكر أن اليهود تآمروا على قتل المسيح، ولكنها تنكر أن يتحمل اليهود كشعب ذنب هذا التآمر على مر التاريخ وتعاقب عليه الأجيال بعد الأجيال.
مما تقدم يتضح لنا الموقف المتشدد للكنيسة الكاثوليكية من الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، والذي لم يترك إي أمل في إعادة بعث اليهود، أو عودتهم وتملكهم لأرض فلسطين من جديد، حيث انعكس ذلك على موقف أتباعها في
стр. 39
العالم، الذين نجد تعاطفهم مع القضية الفلسطينية واضحاً في البلدان الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا .. الخ.
موقف البروتستانت من اليهود
عندما ظهر المذهب البروتستانتي على يد (مارتن لوثر) في القرن السادس عشر، قلب الموقف الكاثوليكي رأساً على عقب، من خلال التغيرات اللاهوتية التي جاء بها والتي روجت لفكرة أن اليهود أمة مفضلة وأكدت على ضرورة عودتهم إلى أرض فلسطين، كمقدمة لعودة المسيح المنتظر وبزوغ فجر العصر الألفي السعيد. وقد كان من أهم الأسباب التي أدت إلى حدوث هذه التغيرات اللاهوتية، هو ما دعا إليه لوثر من وجوب إقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون الخضوع لفهم رجال الدين لها. فأصبح كل بروتستانتي حر في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره، واستنتاج معنى النصوص بشكل فردى مع عدم الاعتراف بأن فهم الكتاب المقدس وفقاً على رجال الكنيسة وحدهم. وهذا الوضع أدى إلى فتح الباب على مصراعيه أمام أصحاب البدع والأضاليل، مما أدى إلى تعدد الفرق البروتستانتية نفسها حتى وصل عددها الآن إلى أكثر من ٢٠٠ فرقة في مذهب لم يتعدَ وجوده أكثر من أربعة قرون! (١).
كما أنه في ظل هذا المذهب ازداد الاهتمام بالعهد القديم (التوراة) تحت شعار العودة إلى الكتاب المقدس باعتباره مصدر العقيدة النقية، مع عدم الاعتراف بالإلهامات والتعاليم غير المكتوبة التي يتناقلها الباباوات الواحد عن الآخر، والتي تعتبر مصدراً مهماً من مصادر العقيدة المسيحية. وهكذا أصبح العهد القديم يشكل جزءاً مهماً من مصادر العقيدة البروتستانتية، فأصبح هو المرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد، ومصدراً للتعاليم الخلقية والمعلومات التاريخية أيضاً، حيث أن العهد القديم يتكون من ٣٩ سفراً يذهب أغلب الباحثين إلى أنه لا يمكن نسبة إلا خمسة أسفارـ تجاوزاً ـ إلى سيدنا موسى، أما الباقية فهي عبارة عن سجل لتاريخ بنى
стр. 40
إسرائيل في فلسطين، بالإضافة إلى بعض الأسفار والنبوءات التي كتبها حاخامات اليهود على فترات متفاوتة من الزمن.
وفي ظل هذا الوضع أصبح العهد القديم مصدراً مهماً للمعلومات التاريخية عند العامة، حيث اقتصر تاريخ فلسطين على القصص المتعلقة بالوجود اليهودي فيها دون غيرها، وبالتالي أصبح البروتستانت مهيئين للاعتقاد بأنه لم يكن في فلسطين إلا الأساطير والقصص التاريخية الواردة في العهد القديم، حيث كان يبدو وكأنه لا وجود للشعوب الأخرى التي عاشت في فلسطين. وهكذا رسخت في أذهان البروتستانت فكرة الرابطة الأبدية بين اليهود وفلسطين باعتبارها وطنهم القومي الذي أٌخرجوا منه، والذي يجب أن يعودوا إليه طبقاً للنبوءات الواردة في العهد القديم.
كما أن حركة الإصلاح الديني أعطت وزناً كبيراً للغة العبرية باعتبارها اللغة الأصلية للكتاب المقدس. فلكي يفهم المؤمنون كلمة الله بشكل صحيح لا بد لهم من معرفة اللغة الأصلية التي كتب بها، وبالتالي أصبح العلماء والمصلحون وحتى العامة منكبين على دراسة اللغة العبرية وتعلمها. وهكذا يمكننا تقدير الخدمة التي قدمها لوثر لليهود، حيث أعاد بعثهم من جديد وأكد على وجوب عودتهم إلى أرض فلسطين، كمقدمة لعودة المسيح المنتظر. لهذا فإن الكنيسة الكاثوليكية كانت تصفه "بأنه يهودي أو نصف يهودي ـ متهود" وكان الكاثوليك يقولون: "أن لوثر من أصحاب البدع والأضاليل وإنه وأمثاله زاغوا عن طريق الإيمان" (١).
كما أن كثيراً من الباحثين يذهبون إلى القول بأن المذهب البروتستانتي أصلاً من صنع اليهود والماسون حيث يقول عبد الله التل في كتابه (جذور البلاء): "وجدت الماسونية في البروتستانتية خير سند لها في حربها ضد الكتلكة، وتبادل الفريقان الخدمات، الماسون يساندون البروتستانت لإذكاء الحرب بين الفرق النصرانية، والبروتستانت ينخرطون في محافل الماسون للإستفاده من نشاطهم السري ومؤامراتهم ودسائسهم" (٢). ويقول عبد الله الزغبي في كتابه (الماسونية في العراء): "لقد ضرب التخطيط اليهودي بالحركة اللوثرية حجراً فأصاب به عصافير: